Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
ج - ١٥
باب الترهيب عن القضاء لمن هو ليس بأهل له
٤٨٨١- عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عَ ليه: ((من جعل قاضيًا بين الناس فقد
ذبح بغير سكين)) رواه الخمسة إلا النسائى وأخرجه أيضا الحاكم والبيهقى والدار قطنى،
أصول الاجتهاد والاستنباط كما أسسها المجتهدون قبله، وهذا مزلفة نزل فيها أقدام المتبحرين من
العلماء، وبيها يلوح للقاصر أن منصب الاجتهاد ليس بشحيمة، بل دونه خرط القتاد، ولما ادعى
العلامة الحافظ السيوطى تيسر آلات الاجتهاد له، واستشعر من نفسه أنه مجتهد فى زمانه اقترح
العلماء عليه تأسيس الأصول لنفسه بنفسه كما أسسها المجتهدون قبله، فلم يجبهم إلى ذلك ورجع
عن دعوى الاجتهاد المطلق إلى الاجتهاد المقيد، كذا رأيته فى كتاب موثوق به ولم أجد الآن
موضع التصريح به والله تعالى أعلم، ومن هنا قال الغزالى: اجتماع هذه الشروط من العدالة
والاجتهاد وغيرهما متعذر فى عصرنا لخلو العصر عن المجتهد العدل، فالوجه تنفيذ قضاء كل من
ولاه سلطان ذو شوكة ويحكم بفتوى غيره، ذكره المحقق فى "الفتح" (٣٥٧:٦).
وقال ابن هبيرة فى الإفصاح: والصحيح فى هذه المسألة أن من شرط الاجتهاد إنما عنى به ما
كان الحال عليه قبل استقرار هذه المذهب الأربعة التى اجتمعت الأمة على أن كل واحد منها يجوز
العمل به، لأنه مستند إلى سنة رسول الله عَ ◌ّيه، (فليس مقلد واحد منها إلا متبعاً لرسول الله عَ ليه)
فالقاضى الآن وأن لم يكن من أهل الاجتهاد ولا سعى فى طلب الأحاديث وانتقاد طرقها لكن
عرف من لغة الناطق بالشريعة عَ لّه ما لا يعوزه معه معرفة ما يحتاج إليه فيه، وأما غير ذلك من
شروط الاجتهاد فإن ذلك مما قد فرغ له منه ودأب له فيه سواه، وانتهى الأمر من هؤلاء الأئمة
المجتهدين إلى ما أراحوا به من بعدهم (كما أراحهم المحدثون من تنقيد الرجال وتصحيح الأحاديث
وتضعيفها بما دونوا من الكتب فى الرجال، والصحاح من الأحاديث وغيرها) وانحصر الحق فى
أقاويلهم، وتدونت العلوم، وانتهى إلى ما اتضح فيه الحق، وإنما على القاضى فى أقضية أن يقضى بما
يأخذه عنهم (وعن الواحد منهم اهـ ملخصًاً) من "رحمة الأمة" (ص١٥٣)، وكلام ابن هبيرة هذا
فى غاية الحسن والرزانة من أراد الاطلاع عليه بتمامه، فليراجع "رحمة الأمة".
باب الترهيب عن القضاء من هو لیس بأهل له.
قوله: عن أبى هريرة إلخ. أقول: الحديثان نصان فى الباب، قال العبد الضعيف: وجه حمل
الآثار على من ليس له بأهل أن القضاء من فروض الكفايات، لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه، فكان

٤٢
الترهيب عن القضاء لمن هو ليس بأهل له
إعلاء السنن
وحسنه الترمذى وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وفى الباب عن ابن مسعود وعائشة
وأبى أمامة وعبادة بن الصامت أخرجها فى "المنتقى".
واجبًا عليهم كالجهاد والإمامة، قال أحمد: لا بد للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟ وفيه
فضل عظيم لمن قوى على القيام به وأداء الحق فيه ولذلك جعل الله فيه أجرًا مع الخطأ فى الاجتهاد،
وأسقط عنه حكم الخطأ، ولأن فيه أمرًا بالمعروف ونصرة المظلوم، وأداء الحق إلى مستحقه وردًا
للظالم عن ظامه، وإصلاحًا بين الناس وتخليصًا لبعضهم من بعض، وذلك من أبواب القرب،
ولذلك تولاء النبى معَّ والأنبياء قبله، فكانوا يحكمون لأممهم وبعث علیًا إلى اليمن قاضيًا، وبعث
أيضًا معاذًا قصيًا.
قال الحافظ فى "الفتح": ومن ثم اتفقوا على أنه من فروض الكفاية، لأن أمر الناس لا
يستقيم بدونه، فقد أخرج البيهقى بسند قوى أن أبا بكر لما ولى الخلافة ولى عمر القضاء، وبسند
آخر قوى أن عمر استعمل عبد الله بن مسعود على القضاء، وكتب عمر إلى عماله: استعملوا
صالحيكم على القضاء وأكفوهم، وبسند آخر لين أن معاوية سأل أبا الدرداء وكان يقضى بدمشق
: من لهذا الأمر بعدك؟ قال: فضالة بن عبيد، وهؤلاء من أكابر الصحابة وفضلائهم، وإنما فر منه من
فر خشية العجز عنه وعند عدم المعين عليه، وقد يتعارض الأمر حيث يقع تولية من يشتد به الفساد
إذا امتنع المصلح والله المستعان، وهذا حيث يكون غيره، ومن ثم كان السلف يمتنعون منه ويفرون
إذا طلبوا، واختلفوا هل يستحب لمن استجمع شرائطه، وقوى عليه أولا؟ والثانى قول الأكثر لما فيه
من الخطر والغرر ولما فيه من التشديد، وقال بعضهم: إن كان من أهل العلم، وكان خاملا بحيث
لا يحمل عنه العلم أو كان محتاجًا وللقاضى رزق من جهة ليست بحرام استحب له ليرجع إليه
فى الحكم بالحق، وينتفع بعلمه، وإن كان مشهورًاً، فالأولى له الإقبال على العلم والفتوى، وأما إن
لم يكن فى البلد من يقوم مقامه فإنه يتعين عليه لكونه من فروض الكفاية لا يقدر على القيام به غيره
فیتعین علیه.
لا يجب على المرأ إذا أضربه نفع غيره:
وعن أحمد لا يأثم لأنه لا يجب عليه إذا أضربه نفع غيره، ولا سيما من لا يمكنه عمل الحق
لانتشار الظلم اهـ (١٠٨:١٣). وقال الموفق فى "المغنى": والناس فى القضاء على ثلاثة أضرب،
منهم من لا يجوز له الدخول فيه، وهو من لا يحسنه، ولم تجتمع فيه شروطه، ومنهم من يجوز،

٤٣
ج - ١٥
الترهيب عن القضاء لمن هو ليس بأهل له
٤٨٨٢- وعن أبى ذر أن النبى معَّ له قال: ((يا أبا ذر! إنى أراك ضعيفًا وإنى أحب
لك ما أحب لنفسى لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم)) رواه أحمد ومسلم منتقى.
ولا يجب عليه وهو من كان من أهل العدالة والاجتهاد ويوجد غيره مثله، فله أن يلى القضاء
بحكم حاله وصلاحيته ولا يجب عليه، لأنه لم يتعين له، وظاهر كلام أحمد أنه لا يستحب له
الدخول فيه لما فيه من الخطر والغرر وفى تركه من السلامة، ولما ورد فيه من التشديد والذم، ولأن
طريقة السلف الامتناع منه والتوقى، ثم ذكر عن ابن حامد الفرق بين الخامل، فالأولى له توليه،
وبين من هو مشهور فى الناس بالعلم فالأولى له التوقى، وعن أصحاب الشافعى الفرق بين من كان
ذا حاجة، وبين من هو فى غنى عنه، ثم قال: الثالث من يجب عليه، وهو من يصلح للقضاء،
ولا يوجد سواه فهذا يتعين عليه، لأنه فرض كفاية لا يقدر على القيام به غيره فيتعين عليه كغسل
الميت وتكفينه، وقد نقل عن أحمد أنه لا يتعين عليه (وإن لم يوجد سواه) فإنه سئل هل يأثم
القاضى إذا لم يوجد غيره؟ قال: لا يأثم فهذا يحتمل أن يحمل على ظاهره فى أنه لا يجب عليه لما
فيه من الخطر بنفسه فلا يلزمه الإضرار بنفسه لنفع غيره، ولذلك امتنع أبو قلابة منه، وقد قيل له:
ليس غيرك، ويحتمل أن يحمل على من لم يمكنه القيام بالواجب لظلم السلطان أو غيره، فإن أحمد
قال: لا بد للناس من حاكم أتذهب حقوق الناس اهـ (٣٧٦:١١).
قلت: ولا يخفى أن الجمع بين القولين أولى من حملهما على التضاد، ودليل كونه
من فروض الكفاية قوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ وقوله:
﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ وقوله عّ لّه: ((كيف تقدس أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم))
رواه ابن خزيمة وابن ماجة وابن حبان من حديث جابر (التلخيص الحبير ٤٠٢:٢).
ويؤيد من قال بوجوب الدخول فيه حيث يقع تولية من يشتد به الفساد إذا امتنع المصلح ما
رواه عمر بن شبة فى كتاب السلطان له: نا محمد بن حاتم نا إبراهيم بن المنذر نا إبراهيم بن محمد
ابن عبد العزيز عن أبيه عن ابن شهاب عن أبى سلمة بن عبد الرحمن قال: اجتمعت أنا ونفر من
أبناء المهاجرين فقلنا: لو رحلنا إلى معاوية، ثم قلنا: لو استشرنا من أمنا عائشة فدخلنا عليها فذكرنا
لها العيال والدين، فقالت: سبحان الله! ما للناس بد من(١) سلطانهم قلنا: إنا نخاف أن يستعملنا،
قالت: سبحان الله! فإذا لم يستعمل خياركم يستعمل شراركم، ذكره الحافظ فى التلخيص أيضًا.
(١) فيه جواز قبول جوائز السلاطين.

٤٤
الترهيب عن القضاء لمن هو ليس بأهل له
إعلاء السنن
٤٨٨٣- عن عبد الله بن موهب أن عثمان قال لابن عمر: اذهب فاقض. قال: أو
تعافينى يا أمير المؤمنين؟ قال: عزمت عليك إلا ذهبت فقضيت. قال: لا تعجل، أما
سمعت رسول الله عَّ له يقول: من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ؟ قال: نعم، قال: فإنى أعوذ
بالله أن أكون قاضيا، قال: وما يمنعك وقد كان أبوك يقضى؟ قال: لأنى سمعت رسول
الله عَّ ◌ُلّه يقول: ((من كان قاضيًا فقضى بالجور كان من أهل النار، ومن كان قاضيًا عالمًا
يقضى بحق أو بعدل سألت التفت كفافًا)) رواه الترمذى وأبو يعلى وابن حبان واللفظ له
(التلخيص الحبير ٤٠٢:٢) ولفظ الترمذى (١٥٨:١): فبالحرى أن ينقلب منه كفافًا، فما
أرجو بعد ذلك؟ وفى "مجمع الزوائد" (١٩٣:٤)، رواه الطبرانى فى "الكبير" و
"الأوسط" والبزار وأحمد كلاهما باختصار، ورجاله ثقات، وزاد أحمد: فأعفاه وقال:
لا تخبرن أحداً.
وفى "الهداية": والصحيح أن الدخول فيه رخصة طمعة فى إقامة العدل والترك عزيمة فلعله
يخطئ ظنه ولا يوفق له أو لا يعينه عليه غيره، ولا بد من الإعانة إلا إذا كان هو أهلا للقضاء دون
غيره، فحينئذ يفترض عليه التقلد صيانةً لحقوق العباد وإخلاء للعالم عن الفساد اهـ. وفى "العناية":
فإذا كان فى البلد قوم يصلحون للقضاء فامتنع كل واحد منهم عن الرخول فيه أثموا إن كان
السلطان بحيث لا يفصل بينهم وإلا فلا، ولو امتنع الكل حتى قلد جاهل اشتركوا فى الإثم لأدائه
إلى تضييع أحكام الله تعالى اهـ (٣٦١:٦).
تنبيه: قوله: ذبح بغير سكين، قال ابن الصلاح: معناه ذبح من حيث المعنى (وإن لم يذبح فى
الظاهر) لأنه بين عذاب الدنيا إن رشد وبين عذاب الآخرة إن فسد، وقال الخطابى ومن تبعه: إنما
عدل عن الذبح بالسکین لیعلم أن المراد ما یخاف من هلاك دینه دون بدنه.
والثانى: أن الذبح بالسكين يريح، وبغيرها كالخنق وغيره يكون الألم فيه أكثر، فذكر
ليكون أبلغ فى التحذير، ومن الناس من فتن بمحبة القضاء فأخرجه عما يتبادر إليه الفهم من سياقه
فقال: إنما قال: ذبح بغير سكين يشير إلى الرفق به، ولو ذبح بالسكين لكان أشق علیه، ولا يخفى
فساد هذا، (التلخيص الحبير ص ٤٠٢). لأنه لو أراد الإشارة إلى الرفق به لم يذكر الذبح أصلا،
لا بالسکین، ولا بغیرها، فافهم.
قوله: عن عبد الله بن موهب إلخ. قال الحافظ فى "التلخيص": وقع فى روايته -أى ابن
حبان- عبد الله بن وهب وزعم أنه عبد الله بن وهب بن زمعة بن الأسود وهم فى ذلك وإنما هو

٤٥
ج - ١٥
باب كراهية طلب القضاء
وجواز الدخول فيه من غير طلب له
٤٨٨٤- عن أبى موسى قال: دخلت على النبى عّ لّ أنا ورجلان من بنى عمى
فقال أحدنا: يا رسول الله! أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل، وقال الآخر مثل
ذلك، فقال: أما والله لا نولى هذا العمل أحدا يسأله أو أحدًا حرص عليه (متفق عليه) ..
عبد الله بن موهب، وقد شهد الترمذى وأبو حاتم تبعًا للبخارى أنه غير متصل، ورواه أحمد من
وجه آخر عن ابن عمر وعثمان بغیر تمامه اهـ.
قلت: فيه إشعار كون هذا الوجه الآخر متصلا يؤيده قول الهيثمى: رجاله ثقات وسكوته
عن علة الانقطاع، والله تعالى أعلم.
وفيه دلالة على ما قاله أصحابنا أن الدخول فيه رخصة طمعًا فى إقامة العدل والترك عزيمة
فلعله يخطئ ظنه بنفسه (١) وقول عثمان: ولا تخبرن أحدًا، معناه لا تخبره بإعفائى إياك من القضاء
فيستعفى منه كل واحد منهم ويضيع حقوق العباد، وليس المراد النهى عن الإخبار بالحديث الذى
سمعه من النبى ءَِّ، فافهم.
باب كراهية طلب الإمارة والقضاء
وجواز الدخول فيهما من غير طلب
قوله: عن أبى موسى إلخ أقول: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة لا يحتاج إلى التقرير.
قال بعض الأحباب: لكن بقى ههنا أمران، يجب التنبيه عليهما.
الأول: أن السؤال الذى ورد النهى عنه هو أعم من أن يكون بالقلب أو باللسان كما يدل
عليه قوله: أما والله إنا لا نولى أحدًا يسأله أو حرص عليه، وحينئذ يكون معنى قوله: لا تسأل
الإمارة إلخ أن لا تشته الإمارة ولا ترغب فيها فإنك إن أعطيتها من غير اشتهاء ورغبة وطلب من
نفسك أعنت عليها، وإن أعطيتها عن طلب ورغبة وحرص عليها وكلت إليها، ومعنى قول فى
حديث أنس: من سأل القضاء إلخ أن من طلب القضاء واشتهاه ورغب فيه، و کل إلى نفسه سواء
سأله بلسانه أيضًا أم لا، ومن أعطيها من غير رغبة واشتهاء من نفسه ينزل عليه ملك يسدده،
وجمل ابن رسلان والشوكانى السؤال والإجبار على المعنى المتبادر (نيل الأوطار ٥٠١:٨).
(١) وبهذا القيد اندفع ما توهمه بعضهم أن خطأ المجتهد معفو عنه ويؤجر عليه أجرًا واحدًا فلا معنى لكون الترك عزيمة لمظّ الخطأ،
ووجه الدفع أن الخطأ فى القضاء ليس بمراد بل المراد الخطأ فيما ظنه من نفسه أنه يريد التقليد لإقامة العدل ظ.

٤٦
كراهية طلب الإمارة والقضاء وجواز الدخول فيهما من غير طلب
إعلاء السنن
٤٨٨٥- وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله عَ ليه: (يا عبد الرحمن
ابن سمرة! لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن أعطيتها
عن مسألة وكلت إليها)) (متفق عليه).
فأشكل عليهمائ، من السؤال والإكراء مسم ثالت وهو أن يعطى من غير مسألة وإكراه، وحديث
عبد الرحمن يدل على أنه يعان فى هذه الصورة، وحديث أنس يدل على أنه لا يعان فى هذه
الصورة، فوقع التعارض بين الحديثين، فأجاب عنه ابن رسلان بحمل المطلق الذى فى حديث
عبد الرحمن على المقيد الذى فى حديث أنس، وأجاب عنه الشوكانى أن الإعانة أعم من نزول
الملك، فالإعانة مبنبة على عدم السؤال، ونزول الملك مبنى على الإجبار فلا تعارض. وقد علمت أن
هذا كله مبنى على عدم فهم المراد لأن بعد تعيين المعنى الصحيح لا يرد الإشكال، ولا يحتاج
إلى الجواب. قال العبد الضعيف: ويعكر على ما قاله بعض الأحباب ما رواه البخارى وغيره
عن عبد الله مرفوعًا: ((ولا حسد إلا فى اثتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته فى الحق، وآخر
آتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها)). والمراد بالحسد الغبطة ولا تكون إلا بالقلب، ففيه
الترغيب فى ولاية القضاء لمن استجمع شروطه وقوى على إعمال الحق ووجد له أعوانًا
(فتح البارى ١٠٨:١٣).
والذى رغب فيه الشارع لا محذور فى الرغبة إليه فبطل قول بعض الأحباب أن معنى قوله:
لا تسأل الإمارة أى لا تشتهها ولا ترغب فيها، ومعنى قوله فى حديث أنس: من سأل القضاء أى
طلبه واشتهاه ورغب فيه وكل إلى نفسه سواء سأله بلسانه أم لا، ويعكر عليه أيضًا ما أخرجه أبو
داود عن أبى هريرة رفعه: من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة، ومن
غلب جوره عدله فله النار، سكت عنه أبو داود والمنذرى وسنده لا مطعن فيه ("نيل الأوطار"
٤٩٨:٨). أو أقل درجات الطلب الرغبة بالقلب، وقد بشر طالب القضاء بالجنة إذا غلب عدله
جوره فدل على أنه طلبه بالقلب ليس بمنهى عنه، ويؤيد من حمل السؤال على السؤال باللسان ما
فى حديث أنس عند الطبرانى وأبى داود بلفظ: "من طلب القضاء واستعان عليه وكل إلى نفسه"،
ولفظ ابن المنذر والترمذى فيه: "من طلب القضاء واستعان عليه بالشفعاء وكل إلى نفسه" (نيل
الأوطار أيضًا)، والآثار يفسر بعضها بعضا.
وجه الجمع بين الأحاديث الناهية عن طلب الولاية والمحرضة عليه:
ولا يبعد أن يقال: إن طلب الإمارة والقضاء من حيث الإمارة والحكومة لحب المال

٤٧
كراهية طلب الإمارة والقضاء وجواز الدخول فيهما من غير طلب
ج - ١٥
٤٨٨٦- وعن أنس قال: قال رسول الله عَ ليه: ((من سأل القضاء وكل إلى نفسه
والرياسة، والشرف منهى عنه مطلقًا سواء كان بالقلب وحده أو باللسان أيضًا لكونه من ناحية
الدنيا لا الدين، وأما طلبها لا من حيث الإمارة، بل إرادة الإصلاح بين الناس، وإقامة العدل فيهم
والقضاء بالحق لما فى العدل من الأجر الجزيل فليس بمنهى عنه لا بالقلب، ولا باللسان بدليل
قوله عّ لّهِ: ((لا حسد إلا فى اثنين)) الحديث. ولما كان الغالب فى العادة أن طلب الولاية وإرادتها
والرغبة فيها لا تكون إلا من حيث الولاية والإمارة لحب المال والشرف والرياسة، وطلبها لمصحلة
الناس وحاجتهم لا لحظ النفس نادر أشد النكرة، ومبنى الأحكام إنما هو الغالب من أحوال الناس
دون النادر منها نهى رسول الله عَّل عن سؤالها وإرادتها، والحرص عليها، وحضهم على أن
لا يدخلوا فيها إلا كارهين مكرهين، وقال: إنا والله لا نولى هذا العمل أحدًا يسأله، أو أحدًا حرص
عليه، وليس معناه أن سؤالها، والحرص عليها محظور مطلقًا، وبهذا تجتمع الآثار فى الباب،
ولا يبقى بينها تضاد، والله الملهم للحق والصواب.
ومع ذلك فلا يخفى أن من تعاطى أمرًا وسولت له نفسه أنه قائم بذلك الأمر، فإنه يخذل فيه
فى أغلب الأحوال، لأن من سأل الإمارة لا يسألها إلا وهو يرى نفسه أهلا لها إلا من عصمه الله،
ومن دعى إلى عمل أو إمامة فى الدين فقصر نفسه عن تلك المنزلة وهاب أمر الله رزقه الله المعونة،
قال النبى معَّهِ: ((من تواضع لله رفعه الله))، فمن كان على قدم التواضع لله مع سؤاله الإمارة، كما
هو شأن الأنبياء والكمل من الأولياء يجوز له سؤالها وطلبها، ومن لم يقدر على الجميع بينهما لم
يجز له إرادتها ولا طلبها، ولا الحرص عليها فضلا عن سؤالها باللسان، والاستعانة عليها بالشفعاء،
قال المهلب: الحرص على الولاية (أى من حيث الولاية، كما هو الغالب) هو السبب فى اقتتال
الناس عليها حتى سفكت الدماء، واستبيحت الأموال والفروج وعظم الفساد فى الأرض بذلك
قال: ويستثنى من ذلك من تعين عليه كأن يموت الوالى ولا يوجد بعده من بقوم بالأمر غيره، وإذا
لم يدخل فى ذلك يحصل الفساد بضياع الأحوال.
قلت: وهذا لا يخالف ما فرض فى الحديث من الحصول بالطلب أو بغير طلب، بل فى
١
التعبير بالحرص إشارة إلى أن من قام بالأمر عند خشية الضياع يكون كمن أعطى بغير سؤال لفقد
الحرص غالبا عمن هذا شأنه، وقد يغتفر الحرص فى حق من تعين عليه لكونه يصير واجبا عليه (فتح
البارى ١١٢:١٣).
وقال ابن العربى فى "أحكام القرآن" له فى قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام:

٤٨
كراهية طلب الإمارة والقضاء وجواز الدخول فيهما من غير طلب
إعلاء السنن
ومن أجبر عليه ينزل عليه الملك يسدده))، رواه الخمسة إلا النسائى.
اجعلنى على خزائن الأرض: كيف سأل الإمارة وطلب الولاية وقد قال النبى عّ لّه السمرة: لا تسأل
الإمارة الحديث وقال: إنا لا نولى على عملنا من أراده؟ والجواب أنه سأل ذلك ليوصل إلى الفقراء
حظوظهم لا لحظ نفسه، ولأنه رأى ذلك فرضا متعينا عليه لأنه لم يكن هناك غيره اهـ. ملخصا
(٤٤٣:١)، وذكر مثله فى قوله تعالى: حكاية عن سليمان عليه السلام: ((رب هب لى ملكا
لا ينبغى لأحد من بعدى)) كيف سأل سليمان الملك وهو من ناحية الدنيا؟ قال علماءنا: إنما سأله
ليقيم فيه الحق ويستعين به على طاعة الله، كما قال يوسف عليه السلام: (اجعلنى على خزائن
الأرض﴾ اهـ (١٩٩:٢).
يجوز للإنسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا يعرفه:
...
وفى قول يوسف عليه السلام: ﴿إنى حفيظ عليم﴾ دلالة على أنه يجوز للإنسان أن يصف
نفسه بالفضل عند من لا يعرفه وأنه ليس من المحظور من تزكية النفس فى قوله تعالى: ﴿فلا تزكوا
أنفسكم﴾. قاله الجصاص فى "أحكام القرآن" له (١٧٤:٣)، والحق أن المحظور من تزكية النفس ما
كان منشأه رؤية النفس والمأذون فيه ما كان تحدثا بالنعمة، والله تعالى أعلم.
والأمر الثانى: أن حديث أنس رواه الترمذى أولا من طريق إسرائيل عن عبد الأعلى عن
بلال عن أبى موسى عن أنس ثم أخرجه من طريق أبى عوانة عن عبد الأعلى عن بلال بن مرداس
عن خيثمة عن أنس وقال: حسن غريب، وهو أصح من حديث إسرائيل عن عبد الأعلى اهـ.
واعترض علیه ابن القطان بأنه کیف یکون أصح من حدیث إسرائيل، وفيه بلال بن مرداس وهو
مجهول الحال، وخيثمة بن أبى خيثمة وقال فيه ابن معين: ليس بشىء اهـ. وتبعه من جاء بعده
وقالو: إن حديث إسرائيل أصح، وهو خطأ من هؤلاء الأعلام، لأن بلال بن أبى موسى الذى هو
فى رواية إسرائيل، إن كان هو بلال بن مرداس، كما يظهر من "التهذيب" و"التقريب" و"الميزان"
أنهما واحد، فهو مشترك بين الحديثين، وأما خيثمة: فتركه إسرائيل فى حديثه، وأثبته أبو عوانة،
وهو حافظ ثقة، فيكون زيادته حجة، فيكون حديثه أصح من حديث إسرائيل من هذه الجهة
لا محالة، وإن كان هو بلال ابن أبى بردة بن أبى موسى، كما وقع فى رواية الطبرانى والبيهقى
مصرحا، فهو وإن ذكره ابن حبان فى "الثقات" إلا أنه قدح فيه عمر بن عبد العزيز، وكتب إلى عامله
على الكوفة أن بلالا غرنا بالله فكدنا أن نغتر به، ثم سبكناه فوجدناه خبث كله. وقال جويرية بن

ج - ١٥
كراهية طلب الإمارة والقضاء وجواز الدخول فيهما من غير طلب
٤٩
أسماء: لما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة وفد عليه بلال بن أبى بردة فهنأه ثم لزم المسجد يصلى،
ويقرأ ليله ونهاره فدس إليه ثقة له فقال: إنه إن عملت لك فى ولاية العراق أتعطينى؟ فضمن له مالا
جزيلا فأخبر بذلك عمر فنفاه، وأخرجه وقال : يا أهل العراق! إن صاحبكم أعطى مقولا ولم يعط
معقولا (تهذيب التهذيب)، يكون رواية أبى عوانة أصح من رواية إسرائيل الذى هو منقطع بين
بلال وأنس، وفيه أيضا بلال بن مرداس أو بلال بن أبى بردة الذى هو أضعف من بلال بن مرداس.
وظهر منه أنهم أخطأوا فى هذه التخطئة من وجوه: الأول: أنهم اغتروا برواية الطبرانى
والبيهقى، وزعموا أن بلال بن أبى موسى هو ابن أبى بردة، وإنما هو بلال بن مرداس، كما صرح
به فى "الميزان" و"التقريب" و"التهذيب، والثانى: أنهم زعموا أن بلال ابن أبى بردة أوثق من
بلال بن مرداس، وليس كما زعموا، والثالث: أنهم زعموا أن معنى قول الترمذى: إنه أُصح من
حديث إسرائيل أن رواته أوثق من رواته وليس كما زعموا، وإنما معناه: أنه اختلف إسرائيل وأبو
عوانة فى ترك خيثمة وإثباته، والإثبات أصح. ثم إنهم اختلفوا فى نسبة بلال، فقال إسرائيل: ابن
موسى، وقال أبو عوانة: ابن مرداس، وهو أرجح لأن فى رواية إسرائيل إيهاما، أو تصريحا بأن عبد
الأعلى يرويه عن غير ابن مرداس، فافهم.
قال العبد الضعيف: والحديث أخرجه الحاكم فى "المستدرك" من طريق إسرائيل عن عبد
الأعلى عن بلال بن أبى موسى عن أنس وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره
الذهبى على تصحيحه (٩٢:٤).
وفيه تأييد لما قاله ابن القطان: إن حديث أبى عوانة ليس بأصح من حديث إسرائيل، أى بل
حديث إسرائيل أصح منه، وأما الاحتمالات التي أبداها بعض الأحباب فإن هذا العلم لا يؤخذ
بالعقل وإنما ملاك الأمر فيه النقل أو ذوق المحدث العارف بالعلل، وإذا تعارض الذوقان، فلا يحكم
بينهما واحد من أمثالنا، بل يرجع إلى ثالث عارف بالحديث وعلله وأحوال رواته؛ وقد وقع
التصريح فى "الأوسط" للطبرانى بأن عبد الأعلى يرويه عن بلال بن أبى بردة الأشعرى عن أنس،
كما فى "التلخيص الحبير" (٢: ٤٠١).
وفيه رد على من زعم أن بلال بن أبی موسی هو بلال بن مرداس الفزارى، فإن المفسر قاضٍ
على المبهم، وأما أن بلال بن مرداس أوثق من بلال بن أبى بردة فغير مسلم لأن الحاكم أخرج فى
"مستدركه" للثانى، وصحح حديثه هو والذهبى كما أن ابن خزيمة أخرج للأول، ووثقهما ابن

٥٠
إعلاء السنن
باب صحة تقلد القضاء من السلطان الجائر
٤٨٨٧- عن عبد الله بن مسعود قال: قال لنا رسول الله عَّ له: إنكم سترون
بعدى أثرة وأمورًا تنكرونها، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله! قال: ((أدوا إليهم حقهم
وسلوا الله حقكم)) رواه البخارى، (١٠٤٥:٢).
حبان جميعا، فلم يبق إلا قول عمر بن عبد العزيز فى بلال بن أبى بردة، ومبناه على قول الرجل
الذى دسه إليه وهو نكرة لا تعرف وبمثله لا يجرح الثقات، ومع ذلك فهو معارض بقول الأزدى
فى بلال بن مرداس: لم يصح حديثه. وقول ابن القطان: إنه مجهول الحال. وبلال بن أبى بردة
أعرف من أن يجهله جاهل فضلا عن عالم كان أمير البصرة وقاضيها، روى عنه قتادة وثابت
البنانى ومعاوية بن عبد الكريم وعبيد الله بن الوازع وغيرهم، وأما إن رواية إسرائيل منقطعة بين
بلال وأنس ففيه أن إسرائيل رواه عن عبد الأعلى عن بلال بن أبى موسى الأشعرى لا عن بلال بن
مرداس، وبلال الأشعرى لا عن بلال بن مرداس، وبلال الأشعرى قد وفد على عمر بن عبد العزيز
وهنّاه بالخلافة وأنس رضى الله عنه حی بین أظهرهم، فکیف لا یسمع أنسا ولا یدر که، وقد أدر كه
من هو أصغر منه بكثير؟ فالظاهر والله أعلم أن عبد الأعلى يرويه عن بلال بن أبى بردة عن أنس
وعن بلال بن مرداس عن خيثمة عنه، لأن إسرائيل وأبا عوانة كلاهما ثقتان حافظان فلا يعل
حديث أحدهما بلآخر، قال ابن القطان: وإسرائيل أحد الحفاظ، ولولا ضعف عبد الأعلى كان هذا
الطريق خيرا من طريق أبى عوانة الذى فيه خيثمة وبلال (زيلعى ٣:٢ و٢).
قلت: عبد الأعلى قد حدث عنه شعبة (ولا يروى إلا عن ثقة) وغيره من الثقات، وإنما
تكلموا فى حديثه عن ابن الحنفية يقولون: إنما هى صحيفة. قال العقيلى: فى حديثه لين وهو ثقة
صحح له الطبرى حديثا فى الكسوف وحسن له الترمذى وصحح له الحاكم، كما فى "التهذيب"
(٩٥:٦)، والله تعالى أعلم.
باب صحة تقلد القضاء من السلطان الجائر
قوله: إنكم سترون إلخ أقول: دل الحديث على صحة إمارة الإمام الجائر، لأنه معرّ ◌ُّوه ندب
الناس إلى إطاعتهم لقوله: أدوا إليهم حقهم، فإذا صح إمارة الجائر وجب عليه ما يجب على الإمام
العادل من تقليد القضاة والولاة فى مملكة لإقامة العدل وحفظ نظام السلطنة، وهذا لا يكون بدون
صحة التقلد منهم، لأن وجوب التقلید لا يجتمع مع عدم صحة التقلید، کما لا يخفى، فوجب

ج - ١٥
صحة تقلد القضاء من السلطان الجائر
٥١
٤٨٨٨- نا محمد بن حاتم نا إبراهيم بن المنذر نا إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز
عن أبيه عن ابن شهاب عن أبى سلمة بن عبد الرحمن قال: اجتمعت أنا ونفر من أبناء
المهاجرين فقلنا: لو رحلنا إلى معاوية، ثم قلنا: لو استشرنا أمنا عائشة فدخلنا عليها
القول بالصحة، ويمكن أن يقرر الاستدلال بأنه مَ ◌ّ أوجب أطاعة الأمراء فيما هو ليس بمعصية
على جورهم، وعلى هذا ينبغى أن يجب على الناس التقلد للقضاء أن دعاهم السلطان إليه إن لم
يمنع منه مانع مثل أن يعلم أنه إن تقلد لا يمكنه السلطان من العدل، ويحمله على الجور، أو يعلم أنه
لا يقوى على تحمل أعباء القضاء لضعفه، وحينئذ يسوغ له أن يمتنع من قبوله ويعتذر أليه بأنه ليس
بأهل لهذا المنصب، وعليه يحمل ما نقل عن الإمام أبى حنيفة أنه امتنع من التقلد للقضاء من
المنصور، ويقال: إنه امتنع إما لأنه رأى فيه ضعفًا أو لأنه ظن أنه لا يمكنه من العدل، ولما كان هذا
الامتناع لعذر شرع لا يكون خروجًا عن طاعة الإمام التى وجبت عليه بقوله: أدوا إليهم حقهم،
قال فى ذيل "الجواهر المضيئة" (٤٩٢:٢).
ذكر المرغینانى عن الحمیدی عن أبيه: لما أُشخصه المنصور إلى بغداد شخصت معه فلما
خرج من عند المنصور تنقع اللون سألته عن ذلك فقال: دعانى إلى القضاء فقلت: لا أصلح لذلك،
لأنه ليس لى قلب أحكم به عليك وعلى أولادك وقوادك إلخ، وهذا حجة على ما قلنا، فلما ثبت
وجوب التقلد فى جملة ثبت الجواز والصحة بالأولى، ويمكن أن يستدل عليه بأنه سأل رجل أمير
المؤمنين عثمان بن عفان عن الصلاة خلف إمام الفتنة قال: إذا أحسن الناس فأحسن معهم وإذا
أساءوا فاجتنب إساءتهم.
ووجه الاستدلال أن عثمان أمر باتباع فعله الحسن واجتناب فعليه السىء، وكذلك الإمام
الجائر يفعل أفعالا حسنة وسيئةً، وتقليد القضاء لإقامة العدل فى الرعية من أفعاله الحسنة فلا بأس
باتباعه فى ذلك وتقلد القضاء منه، فتدبر.
قوله: نا محمد بن حاتم ألخ.
قال العبد الضعيف: لا يتم الاستدلال به ما لم يثبت وقوع القصة فى أيام محاربة معاوية
وعلى رضى الله عنهما قبل اجتماع الناس على معاوية رضى الله عنه، والظاهر من صنيع الحافظ فى
"التلخيص" حمله على ذلك لكونه قد ذكر الأثر فى تأييد قول الرافعى أن عائشة سئلت عن
القاضى العادل إذا استقضاه الأمير الباغى هل يجيبه إلى ذلك؟ فقالت: أن لم يقض لكم خياركم
قضى لكم شراركم اهـ. فذكرت الأثر فى هذا الباب اعتمادا عليهما والله تعالى أعلم.

٥٢
صحة تقلد القضاء من السلطان الجائر
إعلاء السنن
فذكرنا لها العيال والدين، فقالت: سبحان الله ما للناس بد من سلطانهم. قلنا: إنا نخاف
أن يستعملنا، قالت: سبحان الله فإذا لم يستعمل خياركم يستعمل شراركم. رواه عمر
ابن شبة فى كتاب السلطان له وسكت عنه الحافظ فى "التلخيص" (٤٠٣:٢).
قال صاحب "الهداية": ويجوز التقلد من السلطان الجائر كما يجوز من العادل لأن
الصحابة رضى الله عنهم تقلدوه من معاوية رضى الله عنه، والحق كان بيد على رضى الله عنه فى
نوبته، والتابعين تقلدوه من الحجاج وكان جائرًا، قال المحقق فى الفتح: وهذا تصريح بجور معاوية.
(قلت: كلا! بل كناية عن خطأه فى الاجتهاد، فإن كون الحق بيد على لا يسلزم جور
مخالفيه إلا إذا ثبت تركهم للحق بعد وضوحه عمدًا ودونه خرط القتاد)، والمراد فى خروجه لا فى
أقضيته، ثم أنما يتم إذا ثبت أنه ولى القضاء قبل تسليم الحسن له، وأما بعد تسليمه فلا، ويسمى
ذلك العام عام الجماعة. (قلت: قد ثبت بقاء الصحابة على تقلد القضاء منه أيام محاربته قبل تسليم
الحسن له كما ذكرناه فى المتن، والبقاء عليه مثل ابتدائه حكما ونوبة على التى ذكرها المصنف هى
کونه رابعًا بعد عثمان).
كان الحق بيد على فى نوبته وكان مخالفوه
من أهل الجمل وصفين على خطأ فى الاجتهاد:
وإنما كان الحق معه فى تلك النوبة لصحة بيعته وانعقادها فكان على الحق فى قتال أهل
الجمل وقتال معاوية بصفين (قلت: ولكن معاوية وأصحابه أنكروا صحة البيعة وانعقادها لزعمهم
أن المهاجرين والأنصار من أهل المدينة إنما بايعوه كارهين مكروهين خوفًا من قتلة عثمان الذين
كانوا بأعيانهم فى عسكر على، واحتجوا لذلك بقول طلحة والزبير: بالغياه واللج على أعناقنا،
وقول عبيد بن أبى سلمة لعائشة: قتل عثمان وبقوا ثمانيا، قالت: ثم صنعوا ما ذا؟ فقال: أخذوا أهل
المدينة بالإجماع على على والقوم الغالبون على المدينة يعنى قتلة عثمان، وقال عبد الله بن الحسن: لم
يبايعه من الأنصار حسان بن ثابت وكعب بن مالك ومسلمة بن مخلد وأبو سعيد الخدرى ومحمد
ابن مسلمة والنعمان بن بشير وزيد بن ثابت ورافع بن خديج وفضالة بن عبيد وكعب بن عجرة،
وقال الزهرى: هرب قوم من المدينة إلى الشام ولم يبايعوا عليًا ولم يبايعه قدامة بن مظعون وعبد
الله(١) بن سلام والمغيرة بن شعبة.
(١) لعله لم يبايعه أولا ثم بايعه.

ج - ١٥
صحة تقلد القضاء من السلطان الجائر
٥٣
٤٨٨٩- وقال ابن حبان: ولى معاوية أبا الدرداء قضاء دمشق فى خلافة عمر،
وقال محمد بن سعد بن أبى وقاص: بايع الناس عليًا بالمدينة وتربص سبعة نفر منهم سعد بن
أبى وقاص ومنهم ابن عمر وصهيب وسلمة بن وقش وأسامة بن زيد اهـ. وحين اجتمت إليه
الصحابة فى عدتهم بعد ما بايعوه وقالوا: إنا قد اشترطنا إقامة الحدود وإن هؤلاء قد اشتركوا فى دم
هذا الرجل وأحلوا بأنفسهم قال لهم على: يا إخوتاه! إنى لست أجهل ما تعلمون، ولكنى كيف
أصنع بقوم يملكونا ولا نملكهم، ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت إليهم أعرابكم وهم
خلالكم يسومونكم ما شاءوا فهل ترون موضعا لقدرة على شىء مما قلتم؟ قالوا: لا. قال: فلا والله
لا أرى إلا رأيا ترونه، إن شاء الله إلخ ذكر ذلك كله الطبرى فى "تاريخه" (١٥٨:٥).
وهذا صريح فى كون قتلة عثمان هم الغالبين على المدينة ومن فيها من المهاجرين والأنصار
قالوا: فالبيعة التى قد أخذت من الناس وأهل الفتنة غالبون عليهم لم تكن صحيحة ولا منعقدة
(وقوله عليه السلام لعمار: ستقتلك الفئة الباغية وقد قتله أصحاب معاوية يصرح بأنهم بغاة)،
قلت: نعم! كان هذا هو والله قاصمة الظهر لأصحاب معاوية وبذلك انكشف الغطاء وارتفع
الستر، وبطل القيل والقال وتبين خطأهم فى اجتهادهم، وظهر أمر الله يكون الحق بيد على وهم
کارهون.
وزاده إيضاحا ما رواه أبو سعيد رفعه: تكون إمتى فرقتين فيخرج من بينهما مارقة يلى قتلهم
أولاهم بالحق، وفى لفظ له: تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق، رواه
أحمد ومسلم كما فى "النيل" (٧٢:٧)، والمارقة هم الخوارج الذين رفضوا عليا ومعاوية جميعًا
حين رجعا إلى التحكيم وتولى قتلهم على بن أبى طالب وأصحابه دون معاوية وأصحابه رضى الله
عنهم أجمعين فافهم وكن من الشاكرين)، ولقد أظهرت رضى الله عنها الندم كما أخرجه ابن عبد
البر فى "الاستيعاب" قال: قالت عائشة رضى الله عنها لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن! ما منعك أن
تنهانى عن مسيرى؟ قال: رأيت رجلا غلب عليك - يعنى ابن الزبير- فقالت: أما والله لو نهيتنى ما
خرجت اهـ (٣٦٥:٦).
قلت: وكذلك طلحة والزبير أظهر الندم فانصرفا عن المعركة حين عرفا أن الحق بيد على
فقتلا غيلة، وذلك أمر قد عرفه كل من له ممارسة بعلم الأيام وتاريخ الخلفاء والله تعالى أعلم.
قوله: وقال ابن حبان إلخ: دلالته على تقلد الصحابة القضاء من معاوية وهو محارب
عليًا ظاهرة.

٥٤
صحة تقلد القضاء من السلطان الجائر
إعلاء السنن
وقال ابن السكن: وولى معاوية قضاء دمشق بعد أبى الدرداء فضالة بن عبيد، وكان
ذلك بمشورة من أبى الدرداء قاله خالد بن يزيد بن أبى مالك عن أبيه، وقال ابن عبد
البر: مات أبو الدرداء بعد صفين والأصح عند المحدثين أنه مات فى خلافة عثمان
(الإصابة ٢١٠،٤٦:٥). قلت: ولكن فضالة بقى على قضاء دمشق أيام حارب معاوية
عليًّا، وفى الطبقات لابن سعد: أن معاوية لما رجع من صفين إلى الشام أقرّ فضالة بن
عبيد الأنصارى على قضت بالشام (زيلعى ٢٠٣:٢).
٤٨٩٠- حدثنا حسن بن رافع ثنا ضمرة قال: استقضى الحجاج أبا بردة بن أبى
موسى وأجلس معه سعيد بن جبير، ثم قتل سعيد بن جبير ومات الحجاج بعده بستة
أشهر ولم يقتل بعده أحدًا، رواه البخارى فى تاريخه الوسط (زيلعى ٢٠٣:٢).
٤٨٩١- وقال الحافظ أبو نعيم فى تاريخ إصبهان: إن عبد الله ابن أبى مريم
الأموى ولى القضاء بإصبهان للحجاج ثم عزله الحجاج، وقال ابن القطان فى كتابه فى
باب الاستسقاء: طلحة بن عبد الله بن عوف أبو محمد الذى يقال له: طلحة الندى ابن
أخى عبد الرحمن بن عوف تقلد القضاء من يزيد بن معاوية على المدينة وهو تابعى
يروى عن ابن عباس وأبى هريرة وأبى بكرة رضى الله عنهم (زيلعى ٢٠٣:٢).
قوله: حدثنا الحسن بن رافع إلخ دلالته على تقلد التابعين القضاء من أئمة الجور ظاهرة.
ومقتضى النظر أن يكون تقلده من أئمة الجور أوجب على أهل العلم والصلاح منه من أئمة العدل
تقليلا للفساد وترويحًا للعباد، فإن إئمة العدل لا يستعملون الأشرار المفسدين لعدلهم، وأئمة الجور
لا يبالون أيهم عمل لهم، فإن لم يتقلده الصالحون استعملوا الجائرين المفسدين وقلدوهم أمر الأمة
ولا يخفى ما فى ذلك من تفاهم الأمر وتضايق الحال وتراكم الأهوال والفقيه من عرف حال زمانه.
تقلد الولاية والقضاء من كافر
ولأجل ذلك -والله أعلم - طلب سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الولاية
والعمل من ملك كافر فقال: ﴿اجعلنى على خزائن الأرض إنى حفيظ عليم﴾، وفيه دليل على
جواز التقلد من الكافر فمن المسلم الجائر بالأولى، وأما قول ابن العربى فى"أحكام القرآن" له:
كيف استجاز أن يقبلها بتولية كافر وهو مؤمن نبى؟ قلنا: لم يكن سؤال ولا ية إنما كان سؤال تخل
وترك لينتقل إليه إلخ (٤٤٣:١)، فتكلف وتعسف، وتأويل يمجه الطبع السليم، ودلالة ما ذكره

٥٥
ج - ١٥
٤٨٩٢- عن عوف بن مالك مرفوعا فى حديث: ألا من ولى عليه وال فرآه
يأتى شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتى من معصية الله ولا ينزعن يدًا من طاعته
(رواه مسلم ١٢٩:٣).
٤٨٩٣- عن أنس رضى الله عنه رفعه: ((ثلاث من أصل الإيمان)) فذكر الحديث
وفيه: ((والجهاد ماض مذ بعثنى الله إلى أن يقاتل آخر أمتى الدجال لا يبطله جور جائر
ولا عدل عادل)) الحديث رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى وله شواهد، كذا فى
"النيل" (١١٨:٧)، وهذا الحديث فتحنا به أبواب السير، فليراجع.
٤٨٩٤- عن مكحول عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عَّ له: الجهاد واجب
عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا الحديث. رواه أبو داود وسكت عنه، وفى
العزيزى: رواته ثقات لكن فيه انقطاع اهـ. وقد مر الحديث فى كتاب السير ويؤيده
حديث عمرو بن النعمان عند الشيخين: ((إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)).
باب فى جواز القضاء فى المسجد
٤٨٩٥- عن أبى هريرة قال: أتى رجل رسول الله عّ لّه وهو فى المسجد، فناداه
أبو نعيم وابن القطان على ما دل عليه أثر أبى بردة ظاهرة.
قوله: عن عوف بن مالك إلخ دلالة قوله عَّه: ((فليكره ما يأتى من معصية الله ولا ينزعن
يدًا من طاعته)) على جواز تقلد القضاء من وال فاسق ظاهرة، فإن تقلد العمل منه من طاعته
أيضًا، كما مر.
قوله: عن أنس وقوله: عن مكحول إلخ. دلالتهما على وجوب الجهاد ولو كان الإمام جائرًا
ظاهرةً، والإمام قد يغزو بنفسه وقد يؤمر على العسكر غيره، والحديث بعمومه يفيد وجوب الجهاد
فى الصورتين جميعًا، فدل على وجوب تقد العمل منه إذا لم يغز بنفسه، والوجوب على الكفاية
إذا لم يتعين عليه، وكان فى القوم مثله إذا فضل منه وعلى العين إذا تعين عليه ولم يقم غيره مقامه،
ولا فرق فى تقلد الولاية على العسكر للجهاد، وفى تقلد الولاية على البلد للقضاء، فدل على
وجوب تقلد القضاء من الإمام الجائر بهذا التفصيل الذى ذكرناه، والله تعالى أعلم.
باب فى جواز القضاء فى المسجد
قوله: عن أبى هريرة إلخ. أقول: لا خلاف فى جواز القضاء فى المسجد وإنما الخلاف فى

٥٦
جواز القضاء فى المسجد
إعلاء السنن
فقال: يا رسول الله! إنى زنيت، فأعرض عنه، فلما شهد على نفسه أربعًا قال: ((أ بك
جنون؟)) قال: لا، قال: (اذهبوا به فارجموه)) رواه "البخارى".
الجلوس للقضاء فى المسجد وبينهما فرق لا يخفى فاستحسنه أبو حنيفة وكرهه الشافعى، واحتج
أبو حنيفة بما روى عن النبى معَّ له والصحابة والتابعين أنهم قضوا فى المسجد، فظهر أن القضاء فيه
ليس مخالفًا لآداب المسجد كالبيع والشراء، وإذا لم يكن مخالفًا له، فجاز الجلوس فيه له، وقال الشافعى:
سلمنا أن نفس القضاء ليس مخالفًا لآداب المسجد إلا أن الجلوس فيه له يكره لعارض، وهو أن
اللذين يحضرون مجلس القضاء منهم مؤمن و منهم كافر، ومنهم جنب وحائض ومنهم طاهر،
ومنهم عالم ومنهم جاهل، ومنهم صالح ومنهم فاسق، فالجلوس فیه للقضاء فیه یفضی إلى دخول
هؤلاء فيه، وهو يفضى إلى انتهاك حرمة المسجد فيكره، فالخلاف عندى خلاف لفظى فقط لأن
أبا حنيفة رضى الله عنه لا يجوز المفاسد إن تحققت والشافعى لا يمنع نفس القضاء بدون المفاسد.
وقال فى "كنز الدقائق": ويقضى فى المسجد أو داره اهـ. وقال فى "البدائع": ومنها أن
يجلس للقضاء فى أشهر المجالس ليكون أرفق بالناس، وهل يقضى فى المسجد؟ قال أصحابنا:
يقضى، وقال الشافعى رحمه الله: لا يقضى بل يقضى فى بيته اهـ. وهذه التنصيصات تدل على أن
ليس فى المذهب أولوية المسجد للقضاء بل هو فى حد الجواز فقط، ويقيد بما إذا خلا عن المفاسد
بالضرورة، فتدبر.
قال العبد الضعيف: ولكن لفظ "المبسوط" صريح فى أولوية المسجد للقضاء، قال: ولا بأس
بأن يقضى فى منزله وحيث أحب لأن عمل القضاء لا يختص بمكان ولأنه فى كونه طاعة لا بكون
فوق الصلاة، وقد قال رسول الله عَّه: جعلت لى الأرض مسجدًا وطهوراً، فأحسن ذلك وأحب
إلى أن يقضى حيث تقام جماعة الناس يعنى فى المسجد الجامع أو غيره من مساجد الجماعات، لأن
ذلك يكون أبعد عن التهمة، ولأنه يتمكن كل واحد من أن يحضر مجلسه عند حاجته، ولا يشتبه
عليه موضعه ولا يحتاج إلى من يهديه إلى ذلك من الغرباء كان أو من أهل المصر اهـ (٨٢:١٦).
وفى "الهداية": ويجلس جلوسًا ظاهرًا فى المسجد كى لا يشتبه مكانه على الغرباء وبعض
المقيمين، والمسجد الجامع أولى لأنه أشهر اهـ. قال المحقق فى "الفتح": ويجوز أن يحكم فى بيته
وحيث كان، إلا أن الأولى ما ذكرنا، وبقولنا قال أحمد ومالك فى الصحيح عنه اهـ (٣٦٩:٦).
وقال مالك: القضاء فى المسجد من أمر الناس القديم، فعل ذلك شريح والحسن والشعبى
ومحارب بن دثار ويحيى بن يعمر وابن أبى ليلى وابن خلدة قاض لعمر بن عبد العزيز رضى الله
ہہی

ج - ١٥
جواز القضاء فى المسجد
٥٧
٤٨٩٦- عن سهل بن سعد أن رجلا من الأنصار جاء إلى رسول الله عَّ له فقال: أ
رأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أ يقتله فتلاعنا فى المسجد وأنا شاهد أخرجه البخارى.
عنه، وروى عن عمر وعثمان وعلى أنهم كانوا يقضون فى المسجد، وبه قال مالك وإسحاق وابن
المنذر، وقال الشافعى: يكره ذلك إلا أن يتفق خصمان عنده فى المسجد، لما روى أن عمر(١) كتب
إلى القاسم بن عبد الرحمن أن لا تقض فى المسجد لأنه تأتيك الحائض والجنب، ولأن الحاكم يأتيه
الذمى والحائض والجنب، وتكثر غاشيته، ويجرى بينهم اللغط والتكاذب والتجاحد، وربما أدى إلى
السب، وما لم تبن له المساجد، ولنا إجماع الصحابة بما قد رويناه عنهم، وقال الشعبى: رأيت عمر
وهو مستند إلى القبلة يقضى بين الناس، وقال مالك: هو من أمر الناس القديم، ولأن القضاء قربة
وطاعة وإنصاف بین الناس، ولا نعلم صحة ما رووه عن عمر، وقد روى عنه خلافه.
وأما الحائض: فإن عرضت لها حاجة إلى القضاء وكلت أو أتته فى منزله (أو وقفت خارج
المسجد وخرج القاضى إليها أو نائبه)، والجنب یغتسل ويدخل والذمی يجوز دخوله پإذن مسلم،
وقد كان النبى معَّ يجلس فى مسجده مع حاجة الناس إليه للحكومة والفتيا وغير ذلك من
حوائجهم (وهو أقرب إلى التواضع كما لا يخفى)، وكان أصحابه يطالب بعضهم بعضا بالحقوق
فى المسجد، وربما رفعوا أصواتهم فقد روى عن کعب بن مالك أنه قال: تقاضیت ابن حدر دينا
فى المسجد حتى ارتفعت أصواتنا فخرج النبى معَّةٍ فأشار إلى أن ضع من دينك الشطر، فقلت:
نعم يا رسول الله! قال: فقم فاقضه، كذا فى "المغنى" (٣٨٩:١١). وقال الكرابيسى: كره بعضهم
الحكم فى المسجد من أجل أنه قد يكون الحكم بين مسلم ومشرك، فيدخل المشرك المسجد قال:
ودخول المشرك المسجد مكروه.
(قلنا: لا كراهة فى دخوله بإن المسلم، فقد أنزل رسول الله عَ ◌ّه وفد ثقيف فى المسجد وهم
مشركون) قال: ولكن الحكم بينهم لم يزل من صنيع السلف فى مسجد رسول الله عَّ وغيره،
ثم ساق فى ذلك آثارًا كثيرة، كذا فى "فتح البارى" (١٣٧:١٣).
وذكر الخافظ هناك والمحقق فى "الفتح" (٣٦٩:٦ و٣٧٠) جملة كبيرة من الآثار من أراد
(١) قلت: ليس هو عمر بن الخطاب، وإنما هو عمر بن عبد العزيز، كما صرح به الحافظ فى "الفتح" (١٣٧:١٣)، وقول التابعى لا
يقاوم أقوال الصحابة وأفعالهم كما.

٥٨
جواز القضاء فى المسجد
إعلاء السنن
٤٨٩٧- وقال البخارى أيضا: لاعن عمر عند منبر النبى عرٍّ، وقضى شريح
والشعبى ويحيى بن معمر فى المسجد.
الاطلاع عليها، فليراجعهما، قال: ويمكن أن يكون جلوس القاضى فى الرحبة المتصلة وقيام
الخصوم خارجًا عنها أو فى الرحبة المتصلة اهـ. فلا يلزم المحذور الذى ذكر الشافعى رحمه الله.
فقد أخرج مالك فى "الموطأ" من طريق سالم بن عبد الله بن عمر أن عمر بنى إلى جانب
المسجد رحبة فسماها البطحاء فكان يقول: من أراد أن يلفظ أو ينشد شعرًا أو يرفع صوتًا فليخرج
إلى هذه الرحبة (فتح البارى ١٣٨:١٣).
فإن صح ما روى عن عمر بن عبد العزيز أنه نهى القاسم بن عبد الرجمن عن القضاء فى
المسجد، فهو محمول على النهى عن إدخال الخصوم فيه، فيجلس القاضى فى المسجد، ويقوم
الخصوم فى الرحبة المتصلة مثلا، والله تعالى أعلم.
ذكر ما فى القضاء فى المسجد من المصالح:
ولا يخفى ما فى القضاء فى المسجد من المصالح الدينية والدنيوية، أما الدنيوية فقد مر
ذكرها فى عبارة "المبسوط" و"المغنى". وأما الدينية فمنها مواظبة القضاة وغاشيتهم، وأهل
الخصومة على الصلاة وهذه من أكبر مصالح الإسلام والمسلمين، ومنها تعظيم شأن المساجد فى
قلوبهم، فإن محل القضاء لا يزال معظمًا فى القلوب، ومنها تعمير المساجد ورم ما شعث منها،
فإن محل القضاء مما يهتم القضاة والحكام بتعميره، ويعتنون بتطهيره وتنظيفه.
ولا يخفى ما فى عمارة المساجد من الفضيلة وصيانتها عن الخراب، ولو تركوا القضاء فى
المساجد لانعكس الأمر كما هو مشاهد، فترى بيوت القضاء وقصور العدالة عامرة عالية البنيان
والمساجد غامرة خاوية على عروشها خالية عن العمران والسكان، ولا يخفى ما فى ذلك من
المفاسد، ومنها وضع الإصر عن بيت مال المسلمين فإن بلاد المسلمين لا تخلو عن المساجد عادة،
ويجب على الإمام بناءها فى موضع الحاجة، فلو تركنا القضاء فى المسجد، وبنينا دار القضاء،
ودار العدالة منفصلة عنها أدى ذلك إلى إضاعة المال فى التراب والطين وإخلاء بيت مال المسلمين
بلا منفعة تعود إلى دنيا أو دب. عافهم: لله يتولى هداك.

ج - ١٥
٥٩
باب احتجاب الإمام أو الوالی دون حاجات الناس
٤٨٩٨- عن عمرو بن مرة قال: سمعت رسول الله عَ ليه يقول: ((ما من إمام أو
وال يغلق بابه دون ذوى الحاجة والخلة والمسكنة إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته
وحاجته ومسكنه)) رواه أحمد والترمذى.
٤٨٩٩- وعن أبى مريم الأزدى مرفوعا: ((من تولى شيئًا من أمر المسلمين
فاحتجب عن حاجتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته)). أخرجه أبو داود والترمذى.
قال الحافظ فى "الفتح": إن سنده جيد (نيل الأوطار ٥١٥:٨).
· باب احتجاب الإمام أو الوالى دون حاجات الناس
أقول: دل الحديثان على حرمة الاحتجاب دون حاجة الناس، وهو لا يدل على حرمة اتخاذ
الحاجب، لأن اتخاذ الحاجب لا يستلزم الاحتجاب المذكور ألا ترى أنه اتخذ رسول الله منز له
حاجبًا فى بعض الأحيان كما يدل عليه قصة قف البير وقصة حلفه أن لا يدخل على نسائه شهرا،
وكذا اتخذ عمر حاجبا، كما يدل عليه قصة تخاصم على والعباس فى صدقات النبى عدّ له.
ولعل من منع اتخاذ الحاجب إنما منع الاتخاذ الذى يستلزم الاحتجاب كما هو عادة أهل
الإسراف والإتراف من الأمراء والحكام، فافهم.
قال العبد الضعيف: قال المهلب: لم يكن للنبى معَّ ◌ُلّه بواب راتب يعنى فلا يرد ما تقدم فى
المناقب من حديث أبى موسى أنه كان بوابا للنبى معَّ لما جلس على أسقف قال: فالجمع بينهما أنه
إذا لم یکن فی شغل من أهله ولا انفراد شیء من أمره أنه کان یرفع حجابه بینه وبین الناس ويبرز
لطالب الحاجة إليه، وقال الطبرى: دل حديث عمر حين استأذن له الأسود -يعنى فى قصة
حلفه عرّ - أن لا يدخل على نسائه شهرًا كما تقدم فى النكاح أنه عّ لّ فى وقت خلوته بنفسه
يتخذ بوابًا، ولو لا ذلك لاستأذن عمر لنفسه، ولم يحتج إلى قوله: يا رباح! استأذن لى.
وقد اختلف فى مشروعية الحجاب للحكام، فقال الشافعى وجماعة: ينبغى للحاكم أن
لا يتحذ حاجبًا، وذهب آخرون إلى جوازه، وحمل الأول على زمن سكون الناس واجتماعهم على
الخير وطواعيتهم للحاكم، وقال آخرون: بل يستحب ذلك حينئذ ليرتب الخصوم ويمنع المستطيل
ويدفع الشرير. ونقل ابن التين عن الداودى قال: الذى أحدثه بعض القضاة من شدة الحجاب.
وإدخال بطائق الخصوم لم يكن من فعل السلف انتهى. فأما اتخاذ الحاجب فقد ثبت فى قصة عمر
فى منازعة العباس وعلى أنه كان له حاجب يقال له: يرفأ، ومضى ذلك فى فرض الخمس واضحًا،

٦٠
إعلاء السنن
باب الرشوة
٤٩٠٠- عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله عَّ له: (لعنة الله على
الراشى والمرتشى)) رواه أبو داود وأحمد والترمذى وحسنه وابن حبان وصححه.
ومنهم من قيد جوازه بغير وقت جلوس للناس لفصل الأحكام، ومنهم من عمم لجواز كما مضى،
وأما البطائق فقال ابن التين: إن كان مراده البطائق التى فيها الأخبار بما جرى فصحيح، يعنى أنه
حادث. قال: وأما البطائق التى تكتب للسبق ليبدأ بالنظر فى خصومة من سبق فهو من العدل فى
الحكم (قلت: وهو حادث أيضًا فإن السلف إنما كانوا يكتفون بالسؤال عمن حضر المجلس أيهم
أسبق لقلة من يعرف الكتابة إذ ذاك، ثم أحدثوا لذلك البطائق فهو كإحداث كتابة العلم وتدوين
الأحادیث، فافهم).
وقال غيره: وظيفة البواب أو الحاجب أن يطالع الحكام بحال من حضر ولا سيما من
الأعيال لاحتمال أن يجىء مخاصمًا، والحاكم يظن أنه جاء زائرًا، فيعطيه حقه من الإكرام الذى
لا يجوز لمن يجىء مخاصما، وإيصال الخبر للحاكم بذلك إما بالمشافهة وإما بالمكاتبة، ويكره دوام
الاحتجاب وقد يحرم بدليل ما أخرجه أبو داود والترمذى فدكر ثانى الباب، وقال: ففى هذا
الحديث وعيد شديد لمن كان حاكمًا بين الناس فاحتجب عنهم لغير عذر لما فى ذلك من تأخير
إيصال الحقوق أو تضييعها، واتفق العلماء على أنه يستحب تقديم الأسبق فالأسبق والمسافر على
المقيم، ولا سيما إن خشى فوات الرفقة، وأن من اتخذ بوابا أو حاجبا أن يتخذه ثقة عفيفًا أمينًا
حسن الأخلاق عارفًا بمقادير الناس اهـ من "فتح البارى" ملخصًا (١١٨:١٣).
وقال الموفق فى "المغنى" : ولا يتخذ حاجبًا يحجب الناس عن الوصول إليه لما روى القاسم
ابن مخيمرة عن أبى مريم صاحب رسول الله عَّه فذكر ثانى الباب وقال: ولأن حاجبه ربما قدم
المتأخر وأخر المتقدم لغرض له، وربما کسر هم بحجبهم والاستئذان لهم، ولا بأس باتخاذ حاجب
فى غير مجلس القضاء اهـ (٣٨٩:١١).
وبالجملة فالآثار فى الباب مختلفة، وفى الأمر سعة لكن بشرط أن لا يستلزم اتخاذ الحاجب
حجب الناس عن حوائجهم ولا التضييق عليهم، والله تعالى أعلم.
باب الرشوة
أقول: إعطاء الرشوة إن كان للظلم فهو متفق على حرمته، وإن كان لدفع المظلم، فهو
مختلف فيه، فقيل: جائز. وقيل: لا. وأما الأخذ فحرام مطلقًا لأنه لا يتصور فيه الأخذ لدفع الظلم،