Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه ج - ١٥ وجعفر بن حرب، وصنف كل منهم كتابا فى تكفيره، وكان مع ذلك فاسقا مدمنا على الخمر. قال ابن أبى الدم فى "الملل والنحل": كان فى حداثة سنه يصحب الثنوية، وفى كهولة يصحب ملاحدة الفلاسفة، وهذا هو إمام نفاة الإجماع والقياس نسأل الله السلامة، فمن أصابه بعض شظايا من تشكيكهم فى الإجماع والقياس، فليراجع "أصول الجصاص" إن كان له حظ من النظر، أو إلى الفقيه والمتفقه للخطيب إن كان ميله إلى الأثر ففيهما ما يشفى غلته، وأما القول الشاذ إزاء القول المجمع عليه فكالقراءة الشاذة فى جنب القرآن المتواتر بل هو أنزل من القراءة الشاذة، فإن القراءة الشاذة قد تعلم بها صحة التاويل فى الكتاب، بخلاف القول الشاذ فإنه لا يصلح لغير الهجر اهـ ملخصا من "الإشفاق فى أحكام الطلاق" للأستاذ الكوثرى (ص٨٦-٨٧). تفسیر قول أحمد: من ادعى الإجماع فقد كذب: وأما قول أحمد بن حنبل: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدربه لعل الناس اختلفوا؟ معناه ما فهمه ابن حزم وأتباعه من نفى الإجماع رأسا بل معناه: لا ينبغى لأحد أن يطلق دعوى الإجماع فى الإجماع السكوتى الذى هو نوع منه، بل ينبغى له أن يقول: لا أعلم فيه خلافا، قال ابن القيم فى "إعلام الموقعين": قال الإمام أحمد فى رواية ابنه عبد الله: من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، ولكن يقول: لا أعلم الناس اختلفوا وقال فى رواية أبى طالب: هذا كذب ما علمه أن الناس مجمعون ولكن يقول: ما أعلم فيه اختلافا فهو أحسن من قوله: إجماع الناس اهـ (٢٣٨:١). وهذا كما ترى من تعليم الأدب فى الكلام لا من نفى وجود الإجماع مطلقا كما فهمه ابن حزم من بين الأنام وإلا للزم كون ابن حزم نفسه كاذبا فى دعوى الإجماع على ما فعله عليه السلام فى خيبر، وما يدريه لعل الناس اختلفوا، فافهم. قال الإمام الشافعى فى كتاب اختلافه مع مالك: والعلم طبقات: الأولى: الكتاب والسنة، الثانية: الإجماع فيما ليس كتابا ولا سنة؛ الثالثة: أن يقول الصحابى قولا فلا يعلم له مخالف من الصحابة؛ الرابعة: اختلاف الصحابة؛ الخامسة: القياس. كذا فى "الإعلام" أيضا (٢٣٨:١)، فالنوع الثالث هو الذى منع أحمد إطلاق الإجماع عليه تورعا فى الكلام تحسينا للعبارة دون النوع الثانى، ولكن ابن حزم وأتباعه لا يفقهون؛ وفيه أيضا: إذا قال الصحابى قولا فلم يخالفه آخر فإما أن يشتهر قوله فى الصحابة أو لا يشتهر، فإن اشتهر فالذى عليه جماهير ٢٢ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه إعلاء السنن الطوائف من الفقهاء أنه إجماع وحجة، وإن لم يشتهر قوله أو لم يعلم هل اشتهر أم لا فالذى عليه جمهور الأمة أنه حجة، هذا قول الجمهور الحنفية، صرح به محمد بن الحسن، وذكر عن أبى حنيفة نصا وهو مذهب مالك وأصحابه وتصرفه فى موطأه دليل عليه، وهو قول إسحاق وأبى عبيد وهو منصوص الإمام أحمد فى غير موضع عنه، واختيار جمهور أصحابه، وهو منصوص الشافعى فى القديم والجديد اهـ (٢١٧:٢) وذكر أصحابنا أن قول الصحابى المجتهد فيما لا نص فيه حجة عندنا يترك به القياس، فإذا شاع، وسكتوا مسلمين يجب تقليده إجماعا، كذا فى "نور الأنوار" و"التوضيح مع التلويح" وغيرهما من كتب الأصول، كما ذكرناه فى "المقدمة"، وقال الموفق فى"المغنى": وهذا قول عمر فى المهاجرين والأنصار بمحضر سادة الصحابة وأئمتهم فلم ينكر فكان إجماعا، ولا سبيل إلى وجوه إجماع أقوى من هذا وشبهه، إذ لا سبيل إلى نقل قول جميع الصحابة فى مسألة، ولا إلى نقل قول العشرة ولا يوجد الإجماع إلا القول المنتشراهـ (٥٨٥:٢)، فالإجماع: هو القول المنتشر إذا لم يعرف له مخالف، وهذا مما لا يحوم حوله الثرثرة بأن فى الإجماع كلاما من جهة إمكانه ووقوعه وإمكان العلم به وإمكان نقله، فاحفظ هذا التحقيق فلعلك لا تجده فى كتاب بهذا النمط الأنيق، وبالله التوفيق، وهو الهادى إلى سواء الطريق. الرد على ابن حزم فى دعواه الإجماع على استصحاب الحال: قال ابن حزم: فأما الدليل المأخوذ من الإجماع فهو ينقسم أربعة أقسام كلها أنواع من أنواع الإجماع غير خارجة عنه وهى استصحاب الحال، وأقل ما قيل إلخ (١٠٦:٥)، وهذا كله دعوى بلا دليل ورمية من غير رام، فهل يحبسر أبن حزم على دعوى العلم بقول عشرات ألوف من الناس من الصحابة وعلى العلم بإجماع الصحابة من الجن، بل وعلى العلم بقول عشرة المبشرة، أو بقول الخلفاء الأربعة بصحة الاستدلال باستصحاب الحال، وأقل ما قيل؟ وقد علم كل من له علم بالآثار اختلاف الصحابة رضى الله عنهم فى امرأة المفقود؛ فقال عمر رضى الله عنه بالتربص أربعة أعوام، ثم تعتد وتزوج زوجا آخر بعد العدة، وقال على رضى الله عنه: هى امرأته حتى يأتيها البيان. فلو كان استصحاب الحال حجة بالإجماع لاتفقوا كلهم على قول على ولم يختلفوا، وقد علم كل من له إلمام بالفقه باختلاف العلماء المجتهدين فى حجية الاستصحاب أيضًا، فقال الشافعية: هو حجة. ونفاه كثير من الحنفية، والمتكلمون مطلقًا، ٢٣ ج - ١٤ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه ٤٨٧٦- أخبرنا محمد بن بشار ثنا أبو عامر ثنا سفيان عن الشيبانى عن الشعبى عن شريح أنه كتب إلى عمر يسأله، فكتب إليه أن اقض بما فى كتاب الله، فإن لم يكن فى فى كتاب الله فبسنة رسول الله، فإن لم يكن فى كتاب الله ولا فى سنة رسول وهو المختار، فهل زمام الإجماع بيد ابن حزم يدعيه فيما شاء وينفيه متى شاء؟ وإذ قد بطل دعوى الإجماع على الاستدلال باستصحاب الحال، وأقل ما قيل ثبت كونه فى الاستدلال بالنصوص متبعا للظن دون اليقين، بل تابعا للظن الضعيف الباطل الذى هو أضعف، وأبطل من القياس المؤثر بلا شك، فافهم. قوله: أخبرنا محمد بن بشار إلخ. قال العبد الضعيف: فى قوله: فإن لم يكن فى كتاب الله ولا فى سنة رسول الله عَ بّ. فاقض بما قضى به الصالحون دليل على أنه لا يجوز الاجتهاد بالرأى فيما قضى به السلف، فإن كان قد قضى به الصالحون كلهم فهو إجماع لا يجوز مخالفته لمن بعدهم، وإن كان قد قضى به بعضهم وسكت غيره مسلمين فكذلك، وإن اختلفوا بينهم لا يجوز التعدى إلى الشق الثالث لكونه باطلا بالإجماع المركب من الخلافين ويجوز لمن بعدهم العمل بأيهما شاء وهو المذهب كما مر ذكره، وفى قوله: فإن لم يكن فى كتاب الله ولا فى سنة رسول الله ولا فيما قضى به أئمة الهدى فأنت بالخيار إن شئت أن تجتهد رأيك وإن شئت أن تؤامر فى دليل على مشروعية الاجتهاد، والقياس فيما لا نص فيه، وإن مؤامرة العلماء فى مثله أولى من القول برأيه وحده وهذا هو دأب أبى حنيفة رضى الله عنه وطريقته فى الاجتهادیات. أثبت أبو حنيفة الأصول شوری ولم يتفرد بها كغيره من الأئمة: فقد اشتهر واستفاض أن أبا حنيفة حين أمره شيوخه بالإفتاء جلس فى مجلس فى جامع الكوفة فاجتمع معه ألف من أصحابه أجلهم وأفضلهم أربعون قد بلغوا حد الاجتهاد فقربهم وأدناهم وقال لهم: وأنتم أجلة أصحابى ومسار قلبى، وإنى ألجمت هذا الفقه فأعينونى. فكان رحمه الله إذا وقعت واقعة شاورهم وناظرهم وحاورهم وسألهم فيسمع ما عندهم من الأخبار والآثار ويقول ما عنده حتى يستقر أحد الأقوال فيثبته أبويوسف رحمه الله حتى أثبت الأصول على هذا المنهاج شورى لا أنه تفرد بذلك كغيره من الأئمة ذكره الخوارزمى فى "جامع المسانيد" (٣٣:١) ٢٤ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه إعلاء السنن الله عَّ طلّه فاقض بما قضى به الصالحون، فإن لم يكن فى كتاب الله ولا فى سنة رسول الله عَّ ولم يقض به الصالحون فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيرًا لك والسلام عليكم. رواه النسائي (٢: ٣٠٥)، ورجاله رجال الصحيح. وذکر من طريق الحارثی، والخطيب بأسانيدهما ما يؤيد ذلك ویشیده، وهذا مما نقله الكافة عن الكافة من أصحابنا الحنفية فأغنانا عن الإسناد؛ وفى الأثر وفى ما قبله من أثر ابن مسعود دلالة ظاهرة على مشروعیة الحکم بالرأى، والاجتهاد فیما لا نص فيه. الرد على ابن حزم فى قوله: إن اجتهاد الرأى هو مشاورة أهل العلم: وأجاب ابن حزم عنه وعن حديث معاذ ما فى معناه بأجوبة: أحدها ما رواه من طريق الحق عن سفيان بن عيينة قال: اجتهاد الرأى هو مشاورة أهل العلم لا أن يقول برأيه (كتاب الأحكام ٣٦:٦)، وهذا يرده قول عمر: فأنت بالخيار إن شئت أن تجتهد رأيك وإن شئت أن تؤامرنی إلخ، فإنه صريح فى أن اجتهاد الرأى غير المؤامرة، يرده أيضا قول ابن مسعود: فليجتهد رأيه ولا أقول: وإنی أخاف كما لا يخفى على من له مسكة. الرد عليه فى قوله: إن الفقهاء مخالفون لما فى حديث معاذ: وثانيها: أنهم -أى الفقهاء- مخالفون لما فيه تاركون له لأن فيه أنه يقضى أولا بما فى كتاب الله، فإن لم يجد فى كتاب الله فحينئذ يقضى بسنة رسول الله عَ ظله، وهم كلهم على خلاف هذا، بل یتر کون نص القرآن إما لسنة صحیحة، وإما لرواية فاسدة کما تر کوا مسح الرجلين، وهو نص القرآن لرواية جاءت بالغسل. (قلت: كلا! بل نص القرآن هو الغسل لتواتر القراءة فى قوله: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ بالنصب عطفا على قوله: ﴿وجوهكم﴾، وقراءة الجر محمولة على الجر بالجوار لا على العطف المجرور فى قوله: ﴿برؤسكم﴾، وإنما قالوا بجواز المسح على الخفين للحديث المشهور فى ذلك اشتهار الشمس فى نصف النهار، والعجب من ابن حزم أنه كيف يغرر العوام بتمويهاته مع علمه ومعرفته بمذاهب العلماء وأقوالهم فى ذلك؟ وإلى الله المشتكى). قال: وكما تركوا الوصية للوالدين والأقربين لرواية جاءت: ((لا وصية لوارث))، (قلت: بل بقيام الإجماع على كون الوصية للوالدين والأقربين منسوخة بآية المواريث، وحديث: ((لا وصية لوارث))، سند لهذا الإجماع، ولا يستريب عاقل قط فى أن من القرآن ناسخا ومنسوخا، قال ج - ١٥ كيفية القضاء وجواز الحکم بالرأی فیما لا نص فيه ٢٥ ورواه سعيد بن منصور عن سفيان بهذا السند بلفظ: فإن لم يكن فى كتاب الله عز وجل ولا فى سنة رسول الله عَّ له ولا فيما قضى به أئمة الهدى فأنت بالخيار إن تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها﴾، ولا سبيل إلى معرفة النسخ إلا بالسنة أو الإجماع، وإذا ثبت النسخ فلا يقال: إنهم تركوا القرآن بالسنة، بل يقال: تركوا منسوخ القرآن بناسخه، وهذا أظهر من أن يخفى على طالب فضلا عن حافظ للحديث عارف به) قال: وكما تركوا جلد المحصن وهو نص القرآن لظن کاذب فى تركه اهـ (٣٦:٦). قلت: كلا! بل نص القرآن محمول بالإجماع على الزانى الغير المحصن، وأما حد المحصن وهو الرجم فثابت بالأحاديث المشهورة فى الباب، ولا ذكر للجلد فيها ولا أثر كما ذكرنا كل ذلك فى أبواب الحدود واستوفينا الكلام مع ابن حزم هناك، فليراجع. وبالجملة فالأئمة لا سيما أبو حنيفة منهم لا يترك نص القرآن بالسنة أصلا إلا أن تقوم الحجة على كونه منسوخا. الرد عليه فى قوله: إن اجتهاد الرأى هو استنفاذ الجهد حتى يرى الحق فى القرآن والسنة لا يزال يطلب ذلك أبدا: قال: وثالثها: أنه لو صح لكان معنى قوله: اجتهد رأيى استنفد جهدى حتى أرى الحق فى القرآن والسنة، ولا أزال أطالب ذلك أبدا اهـ. وهذا يرده قوله: فإن لم يكن فى كتاب الله ولا فى سنة رسول الله ولا فيما قضى أئمة الهدى فأنت بالخيار إن شئت أن تجتهد رأيك إلخ، فإن ذلك صريح فى أن التخيير بين الاجتهاد بالرأى وبين المؤامرة إنما هو بعد التيقن بكونه مما لا نص فيه، وإذا كان كذلك فلا يكون قوله: اجتهد رأيى بمعنى استنفد جهدى، حتى أرى الحق فى القرآن والسنة لكونه خلاف المفروض أولا، ولكونه من الحرج المفضى إلى تعطيل القضاء رأسا، بل معناه ما بينه كتاب عمر إلى أبى موسى: اعرف الأمثال والأشباه ثم قس الأمور عند ذلك إلخ. وحاصله: أن الأمر إذا لم يكن فى الكتاب والسنة وفيما قضى به الصالحون صريحا فعلى القاضى أن يعرف أمثاله وأشباهه من الكتاب والسنة، ثم يقيس هذا الأمر على أمثاله وأشباهه ويعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهما بالحق عنده، وهذا هو القياس الذى يستعمله المجتهدون من الفقهاء، والآثار يفسر بعضها بعضا، فلا يصح تفسير كلام عمر إلا بكلامه لا برأى ابن حزم وأمثاله. والعجب من هؤلاء أنهم يبطلون القول بالرأى رأسا ثم لا يزالون يفسرون حديث رسول الله عَ ◌ّه وقول أصحابه بالرأى، وهل هذا إلا تناقض من القول وتلاعب بالدين، وأما إن قوله: فإن ٢٦ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه إعلاء السنن شئت أن تجتهد رأيك وإن شئت أن تؤامرنى ولا أرى مؤامرتك إياى إلا خيرًا لك (كتاب الأحكام لابن حزم ٢٩:٦). لم تجد فى كتاب الله ولا فى سنة رسول الله عَ ليه معاوض بقوله تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم﴾ وقوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم) فقد أجبنا عنه فيما مضى؛ وحاصله: أن الحكم بالقياس المستنبط من الكتاب والسنة فيما لا نص فيه ليس إلا حكما بما أنزل الله على رسوله عَ ليه، وأما من أنه معارض لما ثبت عنه عليه السلام من تحريم القول بالرأى من قوله عليه السلام: ((فاتخذ الناس رؤساء جهالا فأفتوا بالرأى فضلوا وأضلوا))، فقد أجبنا عنه أيضا بأن الرأى المحترم، إنما هو ما كان غير مستند لدليل كما هو شأن رأى الجهال دون ما كان مستندا لدليل من الكتاب والسنة مستنبطا منهما، وهذا هو الجواب عن المعارضة بقوله عليه السلام: ((من قال فى القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار)) أن المراد بالرأى ما كان صادراً عن جهل لا ما كان صادراً عن علم بدليل ما رواه ابن حزم نفسه بسند صحيح عن ابن عباس مرفوعا: ((من قال فى القرآن بغير علم فليتبوأ) الحديث (٣٩:٤ من "كتاب الأحكام"). الرد عليه فى قوله: إن المراد اجتهاد الرأى فى أمور الدنيا لا فى أمور الدين: قال: ورابعها: أن النبى عَ لّه بين لنا ما تقع فيه المشورة منه وفرق بينه وبين الدین حيث أشار إلى ترك التأبير أولًا، فأمسكوا عنه فصار شيصا، فقال: إذا كان شيئًا من أمر دنياكم فشأنكم، وإن كان شيئًا من أمر دينكم فإلى (٤: ٣٧). قلنا: لا يصح حمل قول معاذ: اجتهد رأيى ولا آلو، ولا قول ابن مسعود وعمر: فليحتبد رأيه على الاجتهاد فى أمور الدنيا، لما لا يخفى على جاهل فضلا عن عاقل أن القضاة لا يراجعون فى أمور الدنيا من تلقيح النخل ونحوها وإنما يراجعون فى أمور الدين من النكاح والطلاق والرجعة والعتاق وامرأة المفقود والبيع والشراء والشفعة والإجاراث والحدود والقصاص والنسب والوصية والمواريث والأوقاف ونحوها، فليس معنى قوله: اجتهد رأيى إلا الاجتهاد برأيه فى الدين، وهذا أظهر من أن يخفى على طالِب فضلا عن عالم متبحر فى الحديث، ولكن ابن حزم قد جبل على تغرير العوام بتمويهاته وليس الحق بالباطل تلبيساته، منها قوله فى "المحلى": إن كل رأى روى عن بعض الصحابة كان على سبيل صلح صلح بين المسلمين لا على أنه إلزام ولا أنه حق لكنه إشارة ج - ١٥ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه ٢٧ ٤٨٧٧- نا محمد بن مخلد نا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنى أبى نا سفيان بن عيينة نا إدريس الأودى عن سعيد بن أبى بردة وأخرج الكتاب فقال: هذا كتاب عمر إلى أبى موسى الأشعرى فذكر الحديث بطوله وفيه: الفهم الفهم فيما يختلج فى صدرك بعفو أو صلح أو تورع فقط لا على سبيل الإيجاب (٦٢:١). قلنا: هذا فى القضاء غير مسلم، فإن القضاء لا يكون إلا بطريق الإلزام والإيجاب، ومن المعلوم يقينا أنه لم يأت فى كل حادثة نص بحكمها فباليقين ندرى أنه اتفقت قضايا اختلفت فيها الصحابة برأيهم لعدم النص، وهم أعرف الناس بالنصوص، فإنهم اختلفوا فى مسائل من المواريث كميراث الجد ومسائل العول، ومسألة بيع أمهات الأولاد، واختلفوا فى معاوية وعلى رضى الله عنهما أيهما على الحق وأدى ذلك إلى تقاتل الفئتين، وغير ذلك من مسائل لا تنحصر فى التنوع من الطلاق والعدد، وحكموا فيها تحليلا وتحريما بالآراء. وقد اعترف ابن حزم بأنه وقع الحكم بالرأى فى القرن الأول، وهو قرن الصحابة، فكيف يقول: فأى حاجة إلى القياس؟ فهل يرى ابن حزم أن هداياهم هذه كانت على سبيل الصلح والمشورة كلها؟ كلا بل كانت على سبيل الإلزام والإيجاب، على أننا حققنا لك أن القياس على العلة المنصوصة هو من النص، فالرجوع إليه عند التنازع رجوع إلى الله ورسوله، وليس هذا القياس من ضرب الأمثال فى الدين، بل هو من الدين، ومن أراد البسط فى رد ما احتج به على نفى القياس وإبطال الرأى، فليراجع تتمة "مقدمة الإعلاء لبعض الأحباب فإنه قد كشف الغطاء عن تلبيساته وأوضح الحق والصواب. الرد على ابن حزم فی حکمه علی كتاب عمر إلى أبى موسى بالكذب والوضع: قوله: نا محمد بن مخلد إلخ. قال العبد الضعيف: وأحسن الله عزاءنا فى ابن حزم، حيث قال: لا سبيل إلى وجود حديث عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم أنه أطلق الأمر بالقول بالقياس أبدا إلا فى الرسالة المكذوبة الموضوعة على عمر رضى الله عنه فإن فيها: واعرف الأشباه والأمثال، وقس الأمور؛ وهذه رسالة لم يروها إلا عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه، وهو ساقط بلا خلاف وأبوه أسقط منه أو من هو مثله فى السقوط اهـ (٥٩:١ من "المحلى"). ٠ ٢٨ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه إعلاء السنن مما يبلغك فى القرآن والسنة، اعرف الأمثال والأشباه ثم قس الأمور عند ذلك فاعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى، الحديث أخرجه الدار قطنى (٥١٢:٢)، ورجاله ثقات كلهم، وفى "أعلام الموقعين" (٣٠:١) من طريق سفيان ثنا إدريس قال: أتيت سعيد بن أبى بردة فسألته عن رسل عمر بن الخطاب التى كان يكتب بها إلى أبى موسى فهل رأيتم وسمعتم بأجرأ منه على تكذيب الأحاديث والحكم يوضعها بمجرد وصولها إليه بسند واه أو ضعيف مع احتمال أن يكون لها سند آخر أقوى من هذا السند الذى هو عنده، فهذه رسالة عمر قد رواها الدار قطنى فى "سننه": بسندين ليس فى واحد منهما عبد الملك بن الوليد بن معدان، فأخرجه أولا: عن أبى جعفر محمد بن سليمان النعمانى نا عبد الله بن عبد الصمد بن أبى خداش نا عيسى بن يونس نا عبيد الله بن أبى حميد عن أبى المليح الهذلى قال: كتب عمر إلى أبى موسى الحديث. ثم أخرجه عن محمد بن مخلد نا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنى أبى نا سفيان بن عيينة نا إدريس الأودى عن سعيد بن أبى بردة وأخرج الكتاب فقال: هذا كتاب عمر إلى أبى موسى فذكره، وفى الأول عبيد الله بن أبى حميد ضعيف، وأما الثانى: فليس فيه أحد من الضعفاء، بل رجاله ثقات كلهم، وإدريس الأودى: هو إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن ثقة من رجال الجماعة، قال: إن سعيد بن أبى بردة بن أبى موسى أراه الكتاب وقرأه لديه، وهذه وجادة جيدة فى قوة الإسناد الصحيح إن لم تكن أقوى منه، فإن القراءة من الكتاب أوثق من التلقى عن الحفظ لا سيما وقد تلقاه العلماء بالقبول وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة وغيرها؛ فهل قول ابن حزم: إنها رسالة مكذوبة موضوعة على عمر إلا تحكم بالرأى الباطل من غير دليل، لا سيما وعبد الملك بن الوليد بن معدان لیس کما قال ابن حزم ساقطا بلا خلاف، بلی قال فیه یحیی بن معین، وهو أقعد الناس بهذا الشأن صالح، كما فى "الميزان" و"التهذيب" (٤٢٨:٦)، فكيف يكون ساقطا بلا خلاف من يوثقه ابن معين ويصلحه، وأبوه الوليد بن معدان، ذكره ابن حبان فى "الثقات"، وقال: يعتبر بحديثه من غير رواية ابنه، كذا فى "اللسان" (٢٢٧:٦)، وإنما قال: من غير رواية ابنه ضعيفا لكون ابنه عند ابن حبان، وأما عند ابن معين فيعتبر بحديثه من رواية ابنه وغيره من الثقات. وبالجملة: فعبد الملك مختلف فيه انفرد ابن حزم بتضعيفه إلى النهاية، وإنما هو متوسط وأبوه الوليد لم يضعفه أحد غير ابن حزم فيما علمنا، وأنى له تضعيف القدماء من المحدثين من غير أن يأخذ ذلك عمن سبقه من أئمة الجرح والتعديل. وأخرجه أبو عبيد والبيهقى من طريق كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن معمر عن أبى العوام قال: كتب عمر إلى أبى موسى فذكره، وهذا ٢٩ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه ج - ١٥ الأشعرى وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبى بردة فأخرج إليه كتبًا، فرأيت فى كتاب منها فذكره. قال ابن القيم: وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتى أحوج شىء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه اهـ. وقد ذكرنا فى المقدمة أن من دليل صحة الحديث تلقى العلماء له بالقبول. شاهد جيد لما رواه عبد الملك بن الوليد، ولكن ابن حزم يحكم برأيه فى الحديث يصحح ما يشاء ويكذب ما يشاء مع كون الحكم بالرأى والظن باطلا عنده بالمرة، لأن الظن أكذب الحديث، فيا للعجب كيف جاز له قبول الحديث ورده بالرأى والظن، ولا يجوز له العمل بالسنة والكتاب بالقياس والرأي، وهل هذا إلا مكابرة وتحكم بالباطل. الجواب عن قول ابن حزم: إن أصحاب القياس كلهم مختلفون فى قياساتهم: وبهذا ظهر الجواب عما أورده على القائلين بالقياس بقوله: لا سيما وجميع أصحاب القياس مختلفون فى قياساتهم لا تكاد توجد مسألة إلا وكل طائفة منهم تأتى بقياس تدعى صحته تعارض به قياس الأخرى وهم كلهم مقرون مجمعون على أنه ليس كل قياس صحيحا ولا كل رأى حقا، فقلنا لهم: فهاتوا أحد العلة الصحيحة التى لا تقيسون إلا عليها من العلة الفاسدة فلجلجوا، وهذا مكان إن زم عليهم فيه ظهر فساد قولهم جملة اهـ (٥٨:١ من "المحلى"). وحاصل الجواب أن جميع أصحاب الحديث مختلفون فى أصولهم لتصحيح الحديث وتضعيفه وتوثيق الرواة وتزييفهم لا يكاد يوجد حديث إلا وكل طائفة منهم تأتى بكلام فى رواته يعارض به كلام الأخرى، وهم كلهم مقرون مجمعون على أنه ليس كل حديث صحيحا ولا كل راوٍ ثقة حجة، فقلنا لهم: فهاتوا حد الحديث الصحيح والرواى الثقة الحجة الذى لا تصححون الحديث إلا عليها من الحد الفاسد فلجلجوا، وإن اتفقوا على بيان الحد مرة اضطربوا فى إعماله أخرى كما لا يخفى على من مارس اختلاف المحدثين وتباين مشروطهم وتجاذب أقوالهم فى تصحيح الأحاديث وتزييفها، وتوثيق الرجال، وتضعيفها فلم يسلم منهم من الجرح إلا قليل، وهذا مكان إن زم على ابن حزم فيه ظهر فساد قوله أنه فى الأخذ بخير الواحد على الحق المتيقن جملة، فافهم. الجواب عن قوله: إن فى هذه الرسالة أشياء خالفوا فيها عمر: وأما قوله: فكيف وفى هذا الرسالة نفسها أشياء خالفوا فيها عمر رضى الله عنه، منها قوله ٣٠ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه إعلاء السنن ٤٨٧٨- قال شعبة: حدثنى أبو عون عن الحارث بن عمرو عن أناس من أصحاب معاذ عن معاذ أن رسول الله عّ لّ لما بعثه إلى اليمن قال: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضى بما فى كتاب الله، قال: فإن لم يكن فى كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله عّ لّه قال: فإن لم يكن فى سنة رسول الله عَ ليه؟ قال: أجتهد رأيى لا آلو قال: فضرب رسول الله عّ لّ صدرى ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله عَ ليه لما يرضى رسول الله عَ ليه. رواه أحمد وأبو داود والترمذى وابن عدى والطبرانى والبيهقى (التلخيص الحبير ٤٠١:٣). فيها: والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا فى حد، أو ظنينًا فى ولاء، أو نسب، وهم لا يقولون بهذا: يعنى جميع الحاضرين من أصحاب القياس حنفيهم وشافعيهم ومالكيهم إلخ (١: ٦٠ من "المحلى") ففيه: أن هذه فرية بلا مرية، فقد أجمع المسلمون على رد شهادة المحدود فى القذف وهو المراد بالمجلود ههنا ثم اختلفوا، فقال أبو حنيفة: لا تقبل شهادته وإن تاب. وقال آخرون: تقبل شهادته إذا تاب. قال ابن القيم فى "الإعلام": وقول أمير المؤمنين: أو مجاودا فى حد المراد به القاذف إذا حد للقذف لم تقبل شهادته بعد ذلك، وهذا متفق عليه بين الأمة قبل التوبة، والقرآن نص فيه، وأما إذا أناب ففى قبول شهادته قولان مشهوران للعلماء اهـ (٤٤:١). وأما الظنين فى الولاء والنسب: فقد اتفق فقهاء الأمصار على رد شهادته، كما سيأتى فى باب الشهادة، وليس مراد عمر أن من لا يكون ظنينًا فى ولاء أو نسب ويكون متهما فى غير ذلك من أمور الدين تقبل شهادته، كما فهمه ابن حزم، بل المراد أنه لا يجوز شهادة كل متهم فى دينه سواء كان متهما فى النسب، والولاء، أو غير ذلك من المحرمات، وإنما ذكر الظنين فى الولاء، والنسب تمثيلا لكثرة ابتلاء الناس بمثل هذه، فقول أبى حنيفة أن الخصم إذا طعن فى الشاهد توقف فى شهادته حتى تثبت عدالته ليس بخلاف قول عمر هذا، ولكن ابن حزم لاحظ له من الدراية والفقه فيجعل ما ليس بمخالف مخالفا، والظن أكذب الحديث، وإذ قد ثبتت صحة هذه الرسالة واندحض كل ما أورده ابن حزم عليها فدلالتها على جواز الحكم بالقياس فيما لا نص فيه ظاهرة. الجواب عن طعن ابن حزم فى إسناد حديث معاذ: قوله: قال شعبة إلخ رده ابن حزم بأنه لا يحل الاحتجاج به لسقوطه وذلك أنه لم يرد قط إلا من طريق الحارث بن عمرو وهو مجهول لا يدرى أحد من هو؟ ثم هو عن رجال من أهل حمص ٣١ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه ج - ١٥ وقال الخطيب: قد قيل: إن عبادة بن نسى رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ، وهذا إسناد متصل، ورجاله معروفون بالثقة، على أن أهل العلم قد نقلوه واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحته عندهم كما وقفنا على صحة أحاديث لا تثبت من جهة الإسناد ولكن لما نقلها الكافة عن الكافة غنوا لصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها، لا يدرى من هم وهو باطل، لا أصل له (كتاب الأحكام ٣٥:٦). قلت: ومن أنباك أن رواية من لا تعرفه أنت تكون باطلة لا أصل لها؟ هل ورد بذلك نص فى القرآن، أو أثر فى الحديث؟ أم هذا كله تحكم منك بالرأى الذى تبطله من غيرك وتستعمله، ولا تبالى؟ كفاك أم أزيدك؟. قال الحافظ فى "التهذيب": قال ابن عدى: هو معروف بهذا الحديث، وذكره ابن حبان فى "الثقات" اهـ (١٥٢:٢)، وقال ابن القيم فى "الإعلام": فهذا حديث وإن كان عن غير مسمين فهم أصحاب معاذ فلا يضره ذلك. لأنه يدل على شهرة الحديث وإن الذى حدث به الحارث بن عمرو جماعة من أصحاب معاذ لا واحد منهم، وهذا أبلغ فى الشهرة من أن يكون عن واحد منهم لو سمى، كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم، والدين، والفضل، والصدق بالمحل الذی لا يخفى، ولا يعرف فى أصحابه منهم، ولا كذاب ولا مجروح، بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم لا يشك أهل العلم بالنقل فى ذلك، كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث، وقد قال بعض أئمة الحديث: إذا رأيت شعبة فى إسناد حديث فاشدد يديك به أهـ (٧٣:١). وقد ذكرنا قول الخطيب فى المتن: أنه حكم بصحة هذا الحديث فانظروا إلى اختلاف المحدثين فى تصحيح الأحاديث وتزييفها، فالذى يقول فيه ابن حزم: إنه باطل لا أصل له يجعله غيره حديثا جليلا مشهورا متلقى بالقبول مستغنيا عن الإسناد لشهرته عند أهل العلم، وتلقيهم له، ولا يخفى ما فى ابن حزم من التهور فى رد الأحاديث الصحيحة بمجرد رأيه، والجرأة على تضعيف الرجال، وترهينهم لعدم معرفته بهم وجهله عن حالهم، فالأمان مرتفع من تضعيفه للأحاديث وتزييفه للرواة، ودلالة الحديث على الحكم بالرأى فيما لا نص فيه ظاهرة. قال الحافظ فى "التلخيص": قال ابن طاهر فى تصنيف له مفرد فى الكلام على هذا الحديث: إن أقبح ما رأيت فيه قول إمام الحرمين فى "كتاب أصول الفقه"، و"العمدة" فى هذا الباب على حديث معاذ قال: وهذه زلة منه، ولو كان عالما بالنقل لما ارتكب هذه الجهالة، قلت: ١ ٣٢ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه إعلاء السنن ٠ فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعًا غنوا عن طلب الإسناد له انتهى كلامه ملخصًا من "أعلام الموقعين" (٧٣:١). أساء الأدب على إمام الحرمين، وكان يمكنه أن يعبر بألين من هذه العبارة، مع أن كلام إمام الحرمين أشد مما نقله عنه فإنه قال: والحديث مدون فى الصحاح(١) متفق على صحته(٢) لا يتطرق إليه تأويل كذا قال رحمه الله، وقد أخرجه الخطيب فى "كتاب الفقيه والمتفقه" من رواية (عبادة بن نسى عن) عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل، فلو كان الإسناد إلى عبد الرحمن ثابتا لكان كافيا فى صحة الحديث، وقد استند أبو العباس بن القاص فى صحته إلى تلقى أئمة الفقه والاجتهاد له بالقبول، قال : وهذا القدر مغن غن مجرد الرواية، وهو نظرى أخذهم بحديث: ((لا وصية لوارث)) مع كون رواية إسماعيل بن عياش اهـ (٢: ٤٠١ و٤٠٢) وأنشد ابن عبد البر لأبى محمد اليزيدى النحوى المقرئ المشهور برواية أبى عمرو بن العلاء من أبيات طويلة فى إثبات القياس. لا تكن كالحمار يحمل أسفارا كما قد قرأت فى القرآن إن هذا القياس فى كل أمر عند أهل العقول كالميزان لا يجوز القياس فى الدين إلا لفقيه لدينه صوان ليس يغنى عن جاهل قول راو عن فلان وقوله عن فلان إن أتاه مسترشد أفتاه بحديثين فيهما معنيان إن من يحمل الحديث ولا يعرف فيه المراد كالصيدلانى حكم الله فى الجزاء ذوى عدل الذى الصيد بالذى يريان لم يوقت ولم يسم ولكن قال فيه فليحكم العدلان ولنا فى النبى صلى عليه الله والصالحون كل أوان أسوة فى مقالة لمعاذ: اقض بالرأى إن أتى الخصمان وكتاب الفاروق يرحمه الله إلى الأشعرى فى تبيان قس إذا أشكلت عليك أمور ثم قل بالصواب والعرفان (١) أراد به الصحاح الست، ولا ريب فى صحة هذا الكلام فإن الحديث أخرجه أبو داود والترمذى وهما من الصحاح. (٢) أراد به اتفاق المجتهدين من الفقهاء ولا شك فى استقامة هذا الكلام فإن الفقهاء کلهم یذکرونه فی کتبهم ويعتمدون علیه، وقد مر غير مرة أن احتجاج المجتهد بحدیث تصحیح له فکیف باحتجاج المجتهدین کلهم به. ٣٣ ج - ١٥ باب فى تقسيم قضاء القاضى ٤٨٧٩- عن بريدة عن النبى عَ لّم قال: ((القضاة ثلاثة: واحد فى الجنة واثنان فى النار، فالذى فى الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق وجار فى الحكم باب فى تقسيم القاضى قوله: القضاة ثلاثة إلخ أقول: هذا تقسيم للقضاء بحسب القضاء فالتقسيم فى الحقيقة تقسيم للقضاء، وتوضيحه: إن القضاء لا يخلو من أن يكون عن معرفة الحق أو عن جهله، والثانى حرام. والأول لا يخلو من أن يكون موافقا للعلم أو مخالفا له، والثانى حرام. والأول جائز وموجب للثواب. ومعرفة الحق أعم من أن يكون مطابقا للواقع أو مخالفا له للخطأ فى الاجتهاد كما يدل عليه حديث عمرو بن العاص وأبى هريرة أن للمخطئ أجرا واحدا. والمطابق للواقع أعم من أن يكون حاصلا بالاجتهاد أو بتقليد العالم المجتهد، واستدل ابن تيمية فى "المنتقى" بحديث بريدة على أنه لا يصح قضاء المرأة. ووجه الاستدلال أنه عّ لّ جعل القضاة منحصرة فى ثلاثة. ثم جعل كل واحد منهم رجلا فعلم منه أن المرأة لا تصلح للقضاء. والجواب عنه أنه ليس المقصود منه حصر القضاة فى الرجال بل المقصود هو حصر قضاء القضاة فى ثلاثة أنواع. والقضاة أعم من أن يكونوا رجالا أو نساء، أو رجالا ونساء. وتخصيص الرجل بالذكر إما لأن الرجل أصل فى الأحكام والمرأة تابعة له، أو خرج الكلام مخرج الغالب والعادة، أو ذكر الرجل واقع على سبيل التمثيل فلا يتم الاستدلال. واحتج ابن حجر وتبعه الشوكانى لهذا المطلب لقوله عدّ له: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة). والجواب عنه: أنه لا يدل على عدم الصحة وإنما يدل على عدم الاستحسان، ولو سلم فهو يدل على عدم جواز الإمامة الكبرى لا على عدم جواز القضاء مطلقا. ثم المنقول من أبى حنيفة أنه لا يجوز قضاء المرأة فيما دون الحدود والقصاص، والمنقول من ابن جرير أنه يجوز قضاء المرأة مطلقا. وقال ابن العربى المالكى فى "أحكام القرآن": أنه لم يصح ذلك عنه، ولعله كما نقل عن أبى حنيفة أنها تقضى فيما تشهد فيه، وليس بأن يكون قاضية على الإطلاق ولا بأن تكتب لها منشور بأن فلانة مقدمة على الحكم إلا فى الدماء والنكاح، وإنما ذلك كسبيل التحكيم أو الاستنابة فى القضية الواحدة بدليل قوله عُ له: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) وهذا هو الظن بأبى حنيفة وابن جرير، وقد روى أن عمر قدم امرأة على حسبة السوق، ولم يصح فلا تلتفتوا إليه، فإنما هو من دسائس المبتدعة فى الأحاديث اهـ وهذا توجيه حسن لمذهب أبى حنيفة، وابن جرير فى المسألة، 5 ٣٤ أقسام القضاء إعلاء السنن فهو فى النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو فى النار)). رواه ابن ماجة وأبو داود، وأخرجه أيضا الترمذى والنسائى والحاكم وصححه، قال الحاكم فى علوم الحديث: وإن دفع به ما أورد أبو بكر بن الطيب الشافعى عليهما بقوله: ليس كلام الشيخين (أبى حنيفة وابن جرير) فى هذه المسألة بشىء؛ فإن المرأة لا يتأتى منها أن تبرز إلى المجالس، ولا تخالط الرجال، ولا تفاوضهم معروضة النظير للنظير لأنها إن كانت فتاة حرم النظر إليها واستماع كلامها وإن كانت بتحالة برزة لم يجمعها والرجال مجلس تزوحم فيه معهم وتكون منظرة لهم؛ ولا يفلح قط من تصور هذا ولا من اعتقده اهـ. ووجه الاندفاع أن هذه المفاسد إنما تلزم لو قال الشيخين بأنه يجوز تفويض منصب القضاء للمرأة ولم يقولا بذلك وإنما قالا بصحة قضاءها فيما تشهد فيه لو وليت أو تغلبت بشوكتها وحينئذ لا يلزمهما ما ألزم من المفاسد، ثم مقصودهما أن المرأة أهل لذلك لا أنه يجوز تفويض ذلك ا با لأن الأهلية لا تستلزم الإباحة كما لا يخفى، فلا يرد عليهما ما أورد فتنبه له. ولا يبعد أن يكون مبنى الإجماع على أنه لا يجوز تولية المرأة للإمارة هو ترتيب المفاسد على إمارتها لا كونها غير أهل ذلك إذ لم يظهر لى دليل على عدم أهليتها، بل ظاهر قوله: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة يدل على صحة التولية مع ترتب عدم الفلاح عليه والله أعلم، فإن كان كذلك فلو ولوا امرأة، أو تغلبت بشوكتها، ينبغى أن يصح إمارتها ولكن يجب عليها إن تولى من يصلح لها فى أمور لا تصلح المرأة لها بنفسها كالإمامة فى الصلاة والقضاء فى الحدود والقصاص، ولكن لا ينبغى أن يفعل ذلك للمفاسد التى تترتب على إمارتها. ثم لما كان مبنى الإمارة والقضاء على الإلزام فلا يصح لها من لا ولاية له على الإلزام كالصبى والعبد والكافر وما روى عنه عَّ أنه قال: ((اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشى ما أقام فيكم كتاب الله)) لا يدل على أهلية العبد للولاية وإنما يدل على وجوب السمع والطاعة، ووجوب السمع والطاعة لا يستلزم الولاية، لأن كل من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر وجب له السمع والطاعة، وإن لم يكن أهلا للإمارة، ثم الأمر بوجوب السمع والطاعة مبنى على التحرز عن فتنة القيام عليه، فلا يدل على أهلية العبد للولاية فتنبه، وبالتفسير الذى فسرنا به حديث بريدة يعلم أنه لا يشترط الاجتهاد فى القضاء ولا دليل لمن اشترطه لأن مقصود القضاء، كما يحصل بالاجتهاد يحصل بالتقليد أيضا فلا وجه للاشتراط، وما قال الشوكانى فى هذا الباب فى "النيل" (٥١٢:٨): إن كان لإثبات أولوية الاجتهاد فلا كلام، وإن كان لإثبات الاشتراط، كما هو الظاهر فالجواب عنه أنه منقوض بعمل غير المجتهد بالشريعة فإنه مكلف به، وتقرير الإشكال جار فيه، فما کان جوابه فى عمله یکون هو جوابنا فى قضاءه، فافهم. ٣٥ ج - ١٢ أقسام القضاء تفرد به الخراسانيون ورواته مراوزة. وقال الحافظ: له طرق غير هذه جمعتها فى جزء مفرد اهـ (نيل الأوطار ١٠،٩:٨). قال العبد الضعيف: وقال ابن حزم فى "المحلى": وجائز أن تلى المرأة الحكم وهو قول أبى حنيفة (وليس معناه أن يجوز توليتها الحكم) وقد روى عن عمر بن الخطاب أنه ولى الشفاء امرأة من قومه السوق (قد تقدم فى كلام ابن العربى أنه لم يصح، فلا تلتفتوا إليه) فإن قيل: قد قال رسول الله عَِّ (لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى أمرأة) قلنا: إنما قال ذلك رسول الله عَّه فى الأمر العام الذى هو الخلافة، برهان ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ((المرأة راعية على مال زوجها وهى مسؤولة عن رعيتها)) وقد أجاز المالكيون أن تكون وصيته ووكيلته ولم يأت نص من منعها أن تلى بعض الأمور اهـ (٤٣٠:٩). وقال المحقق فى "الفتح": والجواب أن ما ذكر غاية ما يفيد منغ أن تستقضى وعدم حله والكلام فيمتنا لو وليت وأثم المقلد بذلك، أو حكمها خصمان فقضت قضاء موافقا لدين الله أ كان ينفذ أم لا؟ لم ينتهض الدليل على نفيه بعد موافقة ما أنزل الله إلا أن يثبت شرعا سلب أهليتها وليس فى الشرع سوى نقصان عقلها، ومعلوم أنه لم يصل إلى حد سلب ولايتها بالكلية، ألا ترى أنها تصلح شاهدة وناظرة فى الأوقاف ووصية على اليتامى، ثم النقصان منسوب إلى الجنس فجاز فى الفرد خلافه، ألا ترى إلى صدق قولنا: الرجل خير من المرأة مع جواز كون بعض أفراد النساء خيرا من بعض أفراد الرجال، ولذلك النقص الغريزى نسب عّ لّه من يوليهن لعدم الفلاح، فكان الحديث متعرضا للمولين ولهن بنقص الحال، وهذا حق ولكن الكلام فيما لو وليت فقضت بالحق لما ذا يبطل ذلك الحق اهـ (٦: ٣٩١)، ولو راجع بعض الأحباب هذا الكلام لعرف بحقيقة قول الإمام من نصوص أئمة المذهب الأعلام ولم يحتج إلى القيل والقال، والتعويل على التأويل الذى ذكره من عند نفسه، أو حكاه عن غيره من توجيه المقال. حجة الحنفية فى جواز قضاء المرأة وإمارتها: والأولى أن يستدل لمذهب الحنفية فى جواز قضاء المرأة وإمارتها بقصة عائشة رضى الله عنها فى وقعة الجمل، فقد ثبت فى الصحيح عن أبى بكرة قال: لقد نفعنى الله بكلمة أيام الجمل لما بلغ النبى ◌ِّ أن فارسا ملكوا ابنة كسرى قال: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) وهذا يدل على أن أصحاب الجمل كانوا قد ولوا أمرهم عائشة رضى الله عنها، وأصرح منه ما رواه أبو بكر بن أبى ٣٦ أقسام القضاء إعلاء السنن ٤٨٨٠- عن عمرو بن العاص وأبى هريرة عن النبى عّ لّه قال: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر)) أخرجه الشيخان -البخارى ومسلم - كما فى "النيل" (٥٠٥:٨). شيبة من طريق عمر بن الهجنع عن أبى بكرة وقيل له: ما منعك أن تقاتل مع أهل البصرة يوم الجمل؟ فقال: سمعت رسول الله عَ لّه يقول: ((يخرج قوم هلكى لا يفلحون قائدهم امرأة فى الجنة)) (فتح البارى ٤٦:١٣)، وأخرج عمر بن شبة من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن أن عائشة أرسلت إلى أبى بكرة فقال: إنك أم وإن حقك عظيم، ولكن سمعت رسول الله عَ ل يقول: ((لن يفلح قوم تملكهم امرأة)) اهـ. فتح البارى أيضا، فيه أصرح دلالة على كون عائشة قائدة القوم أميرا عليهم وفى القوم عدد عظيم من الصحابة كما لا يخفى، وكلهم لم يحمل الحديث على بطلان إمارة المرأة وعدم صحتها بل حمله من حمله على أن ذلك مما لا ينبغى، لأنه لا يوجّب الفلاح غالبا، ولم ينقل عن الصحابة أنهم أنكروا إمارة عائشة رضى الله عنها من حيث الإمارة وحكموا ببطلانها، وإنما أنكرها من أنكرها لكون الحق مع على رضى الله عنده، فافهم، فإنه من المواهب. قوله: وعن عمرو ابن العاص وأبى هريرة إلخ. فيه جواز الحكم بالاجتهاد وهو القياس فيما لا نص فيه، وروى ابن حزم من طريق سعيد بن منصور ثنا فرج بن فضالة ثنا محمد بن عبد الأعلى عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبيه قال: جاء خصمان يختصمان إلى رسول الله عَ ليه فقال لى: يا عمرو! اقض بينهما. قلت: أنت أولى بذلك منى يا نبى الله! قال: وإن كان قلت: على ما ذا أقضى؟ قال: إن أصبت القضاء بينهما فلك عشر حسنات، وإن اجتهدت فأخطأت فلك حسنة (كتاب الأحكام ٢٥:٦ و٢٦)، فرج بن فضالة ليس بذلك قد ضعفوه، ولكن حديث الباب يشهد له ورده ابن حزم بقوله: وأما حديث عمرو بن العاص فأعظم حجة عليهم لأن فيه أن الحاكم المجتهد يخطئ ويصيب، فإذ ذلك كذلك فحرام الحكم فى الدين بالخطأ، وما أحل الله تعالى قط إمضاء الخطاء، فبطل تعلقهم به اهـ. ولا يخفى ما فيه من التمويه وليس الحق بالباطل، فكما أن فى الحديث أن الحاكم المجتهد يخطئ ويصيب كذلك فيه أنه مأجور فى الحالتين فإن أصاب فله أجران أو عشرة أجور، وإن أخطأ فله أجر، وفيه أن خطأ المجتهدين فى الا جتهادیات معفو عنه غير مواخذ به، وهو صریح فى جواز الحكم بالرأى وإلا لم يستحق المجتهد أجرًا على خطأه فى الاجتهاد، وأيضًا فماذا يقول ابن حزم فى الذى يحكم بالنص: هل لا يخطئ هو فى حكمه أبدًا؟ فإن قال: نعم ولا أظنه قائلا فما أجدره ٣٧ ج - ١٥ أقسام القضاء بأن يعدله بغل، كيف وقد صرح بخلافه فى الأحكام بقوله: وليس أحد بعد النبى عَّ كلّه إلا وهو يخطئ ويصيب، فليس خطأه بمانع من قبول صوابه، ولا يوجد مفت فى الديانة وفى الطب أبدًا إلا أحد ثلاثة أناسى، أما عالم فيفتى بما بلغه من النصوص بعد البحث والتقصى كما يلزمه فهذا مأجور أخطأ أو أصاب، وواجب عليه أن يفتى بما علم إلخ (١٢٨:٥)، وقال فى باب الدليل والاجتهاد: والاستدلال هو غير الدليل، لأنه قد يستدل من لا يقع على الدليل، وقد يوجد الاستدلال وطلب الدليل ممن لا يجد ما طلب، كما قال الشاعر: وما كل من أم الصوى يستبينها وما کل موصوف له الحق يهتدى أهـ، (١٣٠،١٠٧:٤). وإذا قد أقررت بأنه ليس أحد بعد النبى معٍَّ إلا وهو يخطئ ويصيب وإن كان عالماً بالنصوص حق العلم فمن أين أوجبت على العالم أن يفتى بما علم وقد علمت بأنه يخطئ ويصيب، وحرام الحكم فى الدين بالخطأ وما أحل الله قط إمضاء الحكم بالخطأ؟ فبطل الحكم بالنص بالدليل الذى أبطلت به الحكم بالقياس، واندحض إيرادك على أصحاب القياس جملة، ويجب عليك القول بأنه لا يجوز الحكم ولا الإفتاء إلا لمن هو معصوم من الخطاء باليقين، وليس المعصوم إلا النبى عند أهل السنة، أو الأئمة من أهل البيت عند الروافض، فانظر ماذا ترى، هذا مع قولك بأن الصحيح أن أبا حنيفة ومالكًا رحمهما الله اجتهدا، وكانا ممن أمر بالاجتهاد، إذ كل مسلم، ففرض عليه أن يجتهد فى دينه وجريا على طريق من سلف فى ترك التقليد، فأجرا فيما أصابا فيه أجرين وأجرا فيما أخطأ فيه أجرًا واحدًا، وسلما من الوزر فى ذلك على كل حال، وهكذا حال كل عالم ومتعلم غيرهما ممن كان قبلهما وممن كان معهما وممن أتى بعدهما ولا فرق اهـ (١٢٠:٢). وقد علمت أن أبا حنيفة ومالكًا والشافعى قد اجتهدوا وأفتوا بالقياس والرأى أيضًا كما قد اجتهدوا وأفتوا بالنصوص، وقد اعترفت بصحة اجتهادهم وكونهم مأمورين به مأجورين عليه، وفيه رد على ما ذكرته من نفى القياس وإبطال الحكم والإفتاء به من حيث لم تشعر، وكذلك أهل الباطل لا يسلمون من التناقض فى الكلام والتهافت فيه. دلائل جواز القضاء والإفتاء بالتقليد: فائدة: قال العبد الضعيف: يجوز الحكم والقضاء بالتقليد كما يجوز الإفتاء به وهو المذهب بدليل قول عمر لشريح: فإن لم يكن فى كتاب الله عزوجل ولا فى سنة رسول الله ولا فيما قضى ٣٨ أقسام القضاء إعلاء السنن به أئمة الهدى فأنت بالخيار، إن شئت أن تجتهد رأيك وإن شئت أن تؤامرنى ولا أرى مؤامرتك إياى إلا خيرًا لك، وسنده صحيح كما تقدم، وأمره إياه بمؤامرته ليس إلا أمرا بالتقليد كما لا يخفى على من له مسكة عقل، وقال تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾، فأمر سبحانه من لا علم له أن يسأل من هو أعلم منه، وقد أرشد النبى معَّ، من لا يعلم إلى سؤال من يعلم فقال: ((ألا سألوا إذ لم يعلموا إنما شفاء العي السؤال)). وهذا عالم الأرض عمر قد قلد أبا بكر فى الكلالة وفى قتال أهل الردة، فروى شعبة عن عاصم الأحول عن الشعبى أن أبا بكر قال: أقضى فيها برأى فإن يكن صوابًا فمن الله وإن يكن خطأ فمنى ومن الشيطان والله ورسوله منه برىء، هو ما دون الولد والوالد. فقال عمر بن الخطاب: إنى لأستحيى من الله أن أخالف أبا بكر، ولا يرد عليه النقض بما خالفه فيه من المسائل فإنه إما إن كان من الخلاف المباح كالمفاضلة فى العطاء فإن أبا بكر لم يكن يرى التسوية واجبة، وإما إن كان فيما لاح له الحق فى غير ما قاله أبو بكر لكون عمر عالمًا مجتهداً لا يجوز له تقليد غيره إلا فيما لم يتبين له الصواب فيه من الخطأ فافهم، فإن أهل الظاهر لا يفقهون، وصح عن عمر أنه قال لأبى بكر: رأينا لرأيك تبع، وصح عن ابن مسعود أنه كان يأخذ بقول عمر - أى فى الاجتهاديات- دون ما كان عنده علم به بالنص، وقال الشعبى عن مسروق: كان سنة من أصحاب النبى عّ لّم يفتون الناس (أراد الرجال وإلا فقد كانت عائشة رضى الله عنها تفتى النساء، وكذا أم سلمة رضى الله عنها) ابن مسعود وعمر بن الخطاب وعلى وزيد ابن ثابت وأبى بن كعب وأبو موسى، وكان ثلاثة منهم يدعون قولهم (أى فى الاجتهاديات التى لا نص فيها) لقول ثلاثة: كان عبد الله يدع قوله لقول عمر، وكان أبو موسى يدع قوله لقول على (وإنما لم يتابعه فى قتال أهل الجمل وصفين لكون رأى على عنده مصادما للنص الوارد وفى قتال المسلمين بينهم، ولم يتحقق عنده كون هؤلاء من البغاة) وكان زيد يدع قوله لقول أبى بن كعب (وفيه دلالة على أن من عدا هؤلاء الستة كانوا يقلدونهم فیما یفتونهم به). وقال جندب: ما كنت لأدع قول ابن مسعود (فى الاجتهاديات) لقول أحد من الناس، وقد أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأولى الأمر وهم العلماء والأمراء، وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به، فإنه لو لا التقليد لم يكن هناك طاعة تختص بهم، وقال تعالى: ﴿والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه﴾، وتقليدهم اتباع لهم، ففاعله ممن رضى الله عنهم، ج - ١٥ أقسام القضاء ٣٩ وقال ابن مسعود بعد ما أثنى على أصحاب النبى عرّ ◌ُلّه: فاعرفوا لهم حقهم، تمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على هدى مستقيم، وقد روى عن النبى عد له: ((عليكم بسنتى وسنة الخفاء الراشدين المهديين من بعدى))، وقال: ((اقتدوا بالذين من بعدى أبى بكر وعمر، واهتدوا بهدى عمار وتمسكوا بعهدى ابن أم عبد) اهـ من "الإعلام" (٢١٩:١ و٢٢٠)، والحديثان صحيحان، وأخطأ ابن حزم حيث ادعى بطلان الثانى فقد رواه الترمذى وحسنه ورواه الحاكم بأسانيد عديدة وصححه، وأقره الذهبى على تصحيحه (٧٥:٣). الجواب عن إيراد ابن حزم على من احتج للتقليد بحديث: عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين: وأما قوله: إنا وجدنا الخلفاء الراشدين بعده عليه السلام قد اختلفوا اختلافًا شديدًا فإما أن نأخذ بكل ما اختلفوا فيه وهذا ما لا سبيل إليه إذ فيه الشىء وضده، أو يكون مباحًا لنا أن نأخذ بأى ذلك شئنا، وهذا خروج عن الإسلام لأنه يوجب أن يكون دين الله موكولا إلى اختيارنا إلخ (٧٦:٦ " من الأحكام")، فالجواب أن هذا وارد بعينه فيما إذا اختلف أهل اللسان وللغة فى تفسير لفظ مشترك أو مجمل من القرآن والسنة، فإما أن نأخذ بكل ما اختلفوا فيه وهذا ما لا سبيل إليه، أو يكون مباحًا لنا أن نأخذ بأى ذلك شئنا، وهذا خروج عندك عن الإسلام، فلم يبق إلا الوجه الثالث، وهو أخذ ما أجمعوا عليه وترك ما اختلفوا فيه، وهذا يفضى إلى ترك العمل بكثير من الآيات والسنن المشتملة على الألغاظ المشتركة بين معان عديدة أو الجملة المحتاجة إلى البيان، وكذلك إذا اختلف المحدثون فى تصحيح الأحاديث وتزييفها فإما أن نأخذ بكل ما اختلفوا فيه وهذا ما لا سبيل إليه، أو يكون مباحًا لنا أن نأخذ بقول أيهم شئنا وهذا عندك خروج عن الإسلام، فلم يبق إلا أن نأخذ بما أجمعوا عليه ونترك ما اختلفوا فيه جملة، هذا يؤدى إلى ترك العمل بكثير من الأحاديث وإضاعة معظم السنن كما لا يخفى، فالجواب والدليل ولكن الظاهرية لا يفقهون. وأما المجتهدين قد خالفوا فى كثير من المواضع أبا بكر وعمر رضى الله عنهما فالجواب أن ذلك إنما يكون لضعف فى الرواة أو الخطأ فى الفهم ممن حمل قولهم على المخالف، وهذا هو الغالب، فإن أهل الظاهر يرمون الأئمة المجتهدين فى كثير من المسائل بمخالفة الحديث، ولم يخالفوه فى الحقيقة، وإنما نشأت المخالفة من قلة فهم الظاهرية حيث حملوا الحديث على غير ما حمله عليه ٤٠ أقسام القضاء إعلاء السنن المجتهدون، وهم متعبدون باتباع الرسول لا باتباع أهل الظاهر فيما يفسرون به كلامه عربية، فافهم. وقال العلامة السندى فى حديث عبد الله بن مسعود عند النسائى: قوله: فليجتهد رأيه أى إن كان له أهلا، وهذا الحديث دليل على جواز الاجتهاد، نعم! أنه موقوف لكنه فى حكم الرفع على مقتضى القواعد، بقى أنه يدل على تقديم التقليد بالسلف الصالحين كالخلفاء الأربعة على الرأى والقياس ولذا حمله المصنف على صورة الاتفاق ليكون إجماعاً اهـ (٢: ٣٠٥). قلت: وسبب حمله على الاتفاق لكونه لا يرى قول الصحابى حجة يترك به القياس وأما عندنا - معشر الحنفية- فهو حجة، وإذا اختلفوا فكل ما ثبت فيه اتفاق الشيخين يجب الاقتداء به، وإذا لم يعلم فيه خلافهم من وفاقهم فهو حجة عندنا لاحتمال السماع، ولئن سلم أنه ليس مسموعًا ـه عَّه بل هو رأيه فرأى الصحابى أقوى وأحد من رأى غيرهم، كذا فى "نور الأنوار" و "التوضيح" وغيرهما من كتب الأصول، وروى ابن أبى شيبة وسعيد بن منصور قالا: ثنا سفيان بن عيينة ثنى عبيد الله بن أبى يزيد قال: شهدت ابن عباس، إذا سئل عن شىء فإن كان فى كتاب الله تعالى قال به، فإن لم يكن فى كتاب الله عز وجل وحدث به عن رسول الله مرّ ت( قال به، فإن لم يكن، فعن أبى بكر وعمر، فإن لم يكن قال برأيه، كذا فى "كتاب الأحكام" لابن حزم (٢٨:٦)، وسنده صحيح، وهذا صريح فى جواز الحكم والإفتاء بالتقليد، وأذا كان ذلك لمن هو أهل للاجتهاد فلأن يجوز لمن ليس له بأهل أولى، ولو لا ذلك لانسد باب القضاء والإفتاء فإن شروط الاجتهاد التى ذكرها الموفق فى "المغنى" (٣٨٣:١١)، وغيره من الفقهاء فى كتبهم لا تكاد تجتمع اليوم فى أحد من العلماء فكيف يجوز اشتراطها؟ وأما قول الموفق: ليس من شرط المجتهد أن يكون محيطًا بهذه العلوم أحاطة تجتمع أقصاها وأنما يحتاج إلى أن يعرف من ذلك ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة ولسان العرب، ولا أن يحيط بجميع الأخبار الواردة فى هذا الباب، ولا يشترط معرفة المسائل التى فرعها المجتهدون فى كتبهم، وليس من شرط الاجتهاد فى مسألة أن يكون مجتهدا فى كل المسائل، بل من عرف أدلة مسألة، وما يتعلق بها فهو مجتهد فيها، وإن جهل غيرها، وإنما المعتبر أصول هذه الأمور وهو مجموع مدون فى فروع الفقه وأصوله، فمن عرف ذلك ورزق فهمه كان مجتهدًا له الفتيا وولاية الحكم اهـ ملخصًا (٣٨٤:١١). فاصطلاح جديد لم يسبق إليه ولا مشاحة فى الاصطلاحم وعلى هذا فكل مقلد صنف فى مسألة فهو مجتهد، ولم يبق للاجتهاد مزية، فإن كان هذا هو الاجتهاد فعلى الاجتهاد السلام، وكيف يكون مجتهداً من يقلد غيره فى الأصول التى دونها فى الفقه والأصول؟ وإنما المجتهد من يؤسس لنفسه