Indexed OCR Text

Pages 581-600

ج - ١٤
٥٨١
تقاريظ
العلماء الكرام السادة القادة الأجلة الأعلام
ثم لما استراح القلم من تسويد هذه الرسالة، واهتم مدير مجلة "النور" بطبع هذه
العجالة، وشاعت فى الأقطار - ووقعت موقع القبول من أولى البصائر
والأبصار، وقرظها جماعة من العلماء الكرام بتقاريظ عالية، فى كلمات ثمينة
غالية، كأنها جنة قطوفها دانية، أردنا أن نزين الكتاب، بما وصل إلينا من آراء
أولى الألباب، فخذها بقوة، وأمر قومك يأخذوا بأحسنها، وقطع دابر القوم الذين
ظلموا، والحمد لله رب العالمين، فهذه هى تقاريظ العلماء الكرام، السادة القادة
الأجلة الأعلام، جعلها الله تعالى نافعة لأهل التقى، دافعة لأغاليط أهل الهوى،
وأباطيل من ضل وأضل وغوى، هادية لمن طلب الحق، والنجاة من ورطة العمى
والردئ، والحمد لله رب العالمين.
: مؤلف
هذا ما قرظ به هذا الكتاب
سلالة من أوتى الحكمة، وفضل الخطاب، شمس سماء التحقيق، مركز دائرة التدقيق
حلال المعضلات، وكشاف المغلقات، مخزن العلوم، ومنبع الكمالات
المولى الحبر النبيل ذو المجد المنيف، الأستاذ المتبحر مولانا السيد عبد اللطيف
ناظم الجامعة الإسلامية المشتهرة بمظاهر علوم فى سهارنفور
حفظها الله وحماها من جميع الفتن والشرور
مع تقاريظ بقية الأفاضل من العلماء، بتلك المدرسة العالية ذات بهجة وبهاء
حمدا لمن قال: ((صلوا عليه وسلموا تسليما)) مؤتمرا بأمره، وبعد: فيا ويل عصرنا الفتن،
وعصر الضلال والإضلال! فإن العلوم الدينية والأحكام الشرعية قد كسدت اليوم أسواقها، وقد
خبت الآن نيرانها، فو الله غلا العلوم فيه والتقوى، وقد ترخص الاجتهاد والفتوى، كل من حصل
حرفا أو حرفين، أو تكلم بكلمة أو بكلمتين، فلا يزال يرتدى برداء الاجتهاد، ويأتزر بازار رأيه
المرتاد، والذى نفسى بيده هذا العصر، هو عصر إعجاب كل ذى رأى برأيه، ومن أهون أنموذجاته
ما اخترعه بعض المعتزين إلى العلوم فى مسألة الربا، من المتوطنين بدار الإسلام والمسلمين حيدرآباد

٥٨٢
رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا"
إعلاء السنن
دكن -صانه الله تعالى عن مثل هذه الفتن- وقد زیاه بزى الاستفتاء والجواب، فأحجبه بحجاب
فوق حجاب، واخترع فيه صورا أثبت فيها جوازه، وقد زاغ عن الحق واجتازه.
فاحتاجت المسألة -مسألة الربا وإن كانت بالحرمة فى أعالى الرتبى - إلى توضيح، وتفصيل،
وتنقيح، وتهذيب، ورفع الستور عن وجوه الحق، وإظهار تلميح وتزوير فى التقرير والتحرير،
فجزى الله عنا، وعن سائر المسلمين أفاضل الخانقاه الأشرفية بتهانه بهون -التى هى من أعالى
مراكز العلم والعمل فى مثل ذيوك عصر الفتن- قد شمروا ذيل جهدهم، وأدوا من الحق الواجب
عليهم، فجاء مفتيها الفاضل الأوحد مولانا "ظفر أحمد" برد الباطل وهزله، وتأييد جد الحق
وجزله، وسرد الكلام فيها سردا كان يرتجئ من مثل تلك الخانقاه بسطا، وتفصيلا، وتهذيبا،
وتنقيحا، إحقاقا، وإبطالا، فلله دره ودرهم، وقد سرحنا النظر فى بعض مواضعه، فقسنا عليها جل
مباحثه، وأى فضل له بعد الانتماء إلى الخانقاه، فوفقهم الله وإيانا لمرضاته، وعلينا أن ننادى بأعلى
صوت أنه يجب على سائر علماء العصر إحقاق الحق، وإبطال الباطل فى تلك الفتنة الربوية، وقد
أتى الكلية مظاهر علوم بسهار نفور بحق صريح، وفتوى صحيح فى هذا الباب، وهو قريب الطبع.
وأنا العبد الضعيف عبد اللطيف
ناظم المدرسة العالية مظاهر العلوم الواقعة بسهار نفور
سنة ثمانية وأربعين بعد الألف وثلاثمائة، الثالثة والعشرون خلت من رجب من السنة المذكورة
العبد الأحقر عبد الرحمن
المدرس بالمدرسة العالية مظاهر العلوم ببلدة سهارنفور
٢٣ / رجب ١٣٤٨ هـ
محمد زكريا الكاندهلوى
المدرس بالمدرسة العالية الشهيرة بمظاهر علوم بسهار نفور
سعيد أحمد
المدرس بمدرسة مظاهر علوم بسهار نفور
العبد الضعيف ضياء أحمد عفا الله عنه
المفتى بالمدرسة العالية مظاهر العلوم

٥٨٣
ج - ١٤
صورة ما قرظه البحر الزاخر، سلالة النسب الطاهر
حضرة الإمام الهمام، الحبر العلامة المقدام، منبع الفضائل والأنوار، البحر الزخار
والغيث المدرار، إمام أهل الحفظ والرواية، شيخ المحدثين والفقهاء أهل الدراية،
الأستاذ الكامل مولانا السيد أنور شاه - غفر الله له وبلغه أقصى ما يتمناه
صدر المدرسين والعلماء بدار العلوم الديوبندية أولا، وبدار العلوم الدابهلية آخرا
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذى خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعله خليفة فى الأرض، حاكما على الطول
والعرض، وآتاه تقوى من نفسه ونورا، وهدى، يحكم بين الناس بالحق، ولا يتبع الهوى، وأعطاه
بلج الجبين، وثلج اليقين عند وضوح الحق والصواب، فالصدق طمأنينة يرتاح له المهتدى بدون
اضطراب وارتياب، أفاض ببسط الحق، والعدل فى البسيطة بركات، وثمرات، ورفع الذين آمنوا
منكم، والذين أوتوا العلم درجات، أضاء نورا، ونور برهانا، وأنزل القرآن والفرقان، وأنار حجة،
وأبان محجة، ووضع الميزان، والصلاة والسلام على سيد البرايا، وكريم السجايا، الذى بعث متمما
لمكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال، صاحب اللواء، وخاتم الأنبياء، خير الخليقة، وإمام الطريقة،
الذى أنافت شريعته على كل الشرائع فى تمام الحقيقة، وكمال الأعمال، فلن ترى نورا إلا هو فيها،
ولا ظلمة إلا هو فيما عداها، رحمة من ربه الكريم، وعناية من الملك المتعال، وعلى آله وأصحابه
خير أصحاب وآل، ما دام الحق يعلو، ولا يعلى فى تباشير الصبح، وظلم الليال.
وبعد: فقد وصلت إلى رسالة "كشف الدجى عن وجه الربا" للمولى المحقق العارف
العلامة، غرة عصره، وطراز دهره، مسند الوقت، وشيخ الورى، الفقيه المحدث المفسر المفتى للأنام،
والهادى للصواب فى كل ما سنح وانبرى، المخصوص بالفضل، والفيض الخفى والجلى،
مولانا المحقق "أشرف على" -أدام الله ظله وفضله- فطالعتها واطلعت على ما فيها من الأصول
والفروع، والمسائل والدلائل، فرأيتها كلها حقا حقيقا يهدى الراشد، ويكفى القاصد، يهدم
الباطل، ويدمغ الفائل، ورأيت فيها سوى هذه المسألة أن أشار المولى المجيب إلى مسائل من علم
الأصول فقها وحديثا، يرتاح لها الناظر، ويقع على طرف الحصول فى ذلك الحاصل والمحصول،
وأمورا أخر يرتاح لها اللبيب، وللأرض من كأس الكرام نصيب، هذا.
وقد تلخص من الرسالة أن آية الربا قطعية فى ربا الجاهلية، يخاف على جاحده، وقد ألحقت

٥٨٤
رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا"
إعلاء السنن
الشريعة به أبوابا اشتهرت فيها الأحاديث، وتبينت لقاصد الحق، ورائده، ومن قال بإجمالها أراد
إجمالا يكون فى ما ألحق بعد تقرر الأصل ولا بد، لا يطلع على تفاصيل تلك الملحقات إلا رقاء
على الثنايا وطلاع أنجد، وهذا مما لا يزيغ به هالك، فإن الإجمال كما يكون بالغرابة وبازدحام
المعانى فى أصل الموضوع، كذلك قد يطلقونه على ما ألحق بتنقيح المناط أو القياس على المشروع
عند تفريع الفروع، وأن قول الفقهاء: "إن الربا فضل خالٍ عن العوض فى المعاوضات" يريدون به
إخراج محض المبرات، والصلات، والتبرعات، والهبات، لا إخراج ربا النسيئة الذى هو المخرب
للعمرانات، والمصطلم للديانات، وأن الفرض للاستزادة هو ربا النسيئة، وهو ربا الجاهلية، وهو
المراد الأولى بالآيات البينات، فجزى الله المستعان مولانا المؤلف، وشكر سعيه وزاد رعيه بأفضل
درجات، وأسنى بركات، فقد أوضح المنار للسارى، وأنار المحجة للدارى، وبين الصواب للمهتدى،
الذى آتاه الله سبيل الاستقامة والنجاة، فخذه منه صدقة جارية، وحسنة باقية، يمحق الله الربا ويربى
الصدقات، ولا ترض بنسيئة أو تسويف فيه، فإنما الصرف حيث هات وهات، والله الموفق للحق،
وعنده الأعمال بالنيات، والنيات بالحسنات الصالحات.
وأنا العبد الحقير الكسير البال الشتيت الحال
محمد أنور الکشمیری -عفا الله عنه-
المدرس بمدرسة تعليم الدين فى قصبة دابهيل من مضافات سورت
٨ / شعبان ١٣٤٨ هـ.

ج - ١٤
٥٨٥
هذا ما حرره العلامة النحرير، صاحب القلم، شمس فلك التحرير، فريد دهره
ووحيد عصره، الفاضل الحبر النبيل، خليفة إمام العارفين المحدثين
مولانا السيد الخليل جامع الظاهر والباطن، قامع البدعات عن سائر المواطن
ومولانا محمد عاشق إلهى خصه الله تعالى باللطف اللا متناهى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذى لا تدركه الأبصار، ولا الظنون، ولا تحويه الأبصار، ولا العيون، ولا تناله
الآفات، ولا المنون، الذى أخرج رطب الثمار من يابس الغصون، وخلق الإنسان من صلصال من
حمأ مسنون، وإذ قضى أمرا، فإنما يقول له كن فيكون، أحمده حمدا يتقرب به المتقربون، وأشهد
أن لا إله إلا الله وحده شهادة تنفع قائلها يوم لا ينفع مال ولا بنون، والصلاة والسلام الأتمان
والأكملان على سيد الإنس والجان، أفضل الخليقة بالبرهان، محمد النبى الأمين المأمون، وعلى آله
وصحبه الذين أوضحوا سبيل الرشاد ومسالكه، وأسبغوا على العباد نعم الله المتداركة، وكشفوا
القناع عن وجوه الشرائع، فهى مسفرة ضاحكة، لا يحزنهم الفزع الأكبر، وتتلقاهم الملائكة، هذا
یومکم الذی كنتم توعدون.
أما بعد: فقد تشرفت بمطالعة هذه الرسالة المنيفة المسماة بـ" کشف الدجی عن وجه الربا".
فوجدت ما فيه قولا حقا مطابقا للواقع، وكلاما صادقا يقبله القانع والمانع، كيف لا؟ وقد نمقها من
هو فلك العلوم النقلية، وشمس سماء الفنون العقلية، نور الحقيقة، وإمداد الطريقة، رشيد الملة
البيضاء، وخليل الخلة الغراء، محمود الزمان، وأشرف الأقران، مقدام الشريعة المصطفوية، وحكيم
الأمة المرحومة المحمدية، الذى أضحت رياض العلم والهداية بسحاب فيضه زاهرة، وأمست حياض
الجهل والغواية بصواعق نقمته غائرة، حامل لواء السنة السنية، قامع البدعة السيئة الشنيعة، الحاج
الحافظ التقى النقى الولى، مولانا المولوى أشرف على التهانوى، لا زالت شموس فيوضاته بازغة
للمسترشدين، ودامت أشعة بركاته ساطعة للسالكين - آمين.
فللّه در مجيب فاضل أديب عارف أريب، حيث تصدى لحماية الدين الحنيف، وصيانة
المذهب المنيف، فأنار سبيل الهدى، وألبس الملبس ثوب الهم والردىء، ميز الخبيث من الطيب،
وكشف الدجى عن وجه الربا، ثم لله دره حيث نطق بالصواب فى كل باب، ووافق السنة
والكتاب، أزال العمى، وأزاح الارتياب، أتى بدلائل ساطعة، وبراهين قاطعة، وأظهر العجب

٥٨٦
رسالة " کشف الدجى عن وجه الربا
إعلاء السنن
العجاب، إن فى ذلك لذكرى لأولى الألباب، والعجب كل العجب، والأسف غاية الأسف، على
المستفتی الذی یدعی العلم والاجتهاد، وتصدی بتحليل ما يعتقد حرمته کل حاضر وبادٍ، حيث
يخرج ربا القرض من الربا المحرم الشرعى، ودونه خرط القتاد، وما مثله إلا كمثل رجل قال: إن
لفظ أهل البيت فى أية التطهير مجمل، وفسره الحديث بالبنت وزوجها، فلا يصدق على الزوجة
إلا بالقياس، والقياس ينتقض بمقابلة أخبار الآحاد، مع أن أهل كل لسان فى كل أوان وزمان يدعون
أن الزوجة هى المعنى الحقيقى المشهور غير المحتاج إلى التفسير المأثور، وإنما ذكر البنت البتول،
وزوجها وابنيها فى كلام الرسول، فإلحاقا لهم بها شفقة ورحمة، فأعاذنا الله من مثل هذا الاجتهاد
- الذى لا ينبت منه إلا الفساد- ولا يغتر بقول من قال: لا ربا بين المسلم والحربى فى دار الحرب،
فإن مبنى قول الإمام أن لا عبرة بالعقود بينهما فيه إذا حصل المال بالتراضى، لا أنه يحرف فى معنى
الربا، ويخرج ربا القرض عن مفهوم الربا الشرعى، فلا يتمسك بهذا فى تحليل ربا القرض بين
المسلمين إلا من تخبطه الشيطان من المس، وإن هذا إلا ضلال مبين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين، وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد، وآله وصحبه أجمعين.
وأنا الراجى إلى الفضل اللا متناهى
محمد المدعو بعاشق إلھی المیرتهی عفى عنه
٢٩ / رجب سنة ١٣٤٨ هـ

ج - ١٤
٥٨٧
هذا ما قر ظه به المقدام الذی لا یجاری، والهمام الذی لا يبارى
ولا بدع فإنه فارس الميدان، ذو المجد والكرم والعرفان، صاحب القدر الرفيع
والفخر المنيع،"مولانا العلامة محمد شفيع
رئيس الإفتاء بدار العلوم الديوبندية- " لا زالت رياضها خضرة ندية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، ولا سيما سيدنا ومولانا محمد المجتبى،
ومن بهديه اهتدى، وبأسوته ائتسى، ما أظلم ليل أو أشرق ضحى.
أما بعد: فإنى قد تشرفت بالنظر فى الرسالة الغراء " كشف الدجى عن وجه الربا" ، فوجدتها
بحمد الله تعالى كاسمها كاشفة لدياجى التلبيس والتخليط، كاشفة لأغاليط التخبيط، ولا ريب أن
المستفتى فى ضمن استفائه جاء بكل ما يتشبث به المحرفون المارقون عن الدين، فى غاية من الزخرفة
والتزيين، حتى كاد أن يفتنى به من لم يجرب الأقوال، ومن قال، وإن كان مكره لتزول منه الجبال،
حتى أظهر الله تبارك وتعالى تصديق رسوله معَّم فى قوله: ((إن الله ليغرس لهذا الدين غرسا))، فقام
الحبر المقدام، الفاضل العلام، ظفر الحق الأوحد، مولانا ظفر أحمد، كثر الله تعالى فينا أمثاله، وأدام
على المسلمين أفضاله، بفصل خطاب مميز بين الغث والسمين، فأبان اليسار عن اليمين، وبين من
يصدق عمن يمين، ليحبى من حى عن بينة، ويبهلك من هلك عن بينة، ولا ريب أن قصر مفهوم
الربا على ما كان فى البيع والشراء، والحكم بحل ما يعتاضه عن القرض - كما زعم المستفتى- فما
لا يجترأ عليه إلا متجاسر متهالك، ولن يهلك على الله إلا هالك، فإنه خلاف ما أجمعت عليه
الأمة، وصدعت به النصوص، ونطقت به الروايات، ولا ريب أن الاعتياض عن الأجل، وأخذ
الزيادة فى القرض حرام، وهو المدلول الصريح للربا المنهى عنه فى الكتاب، وهو مما لا يخالف فيه
اثنان، بل لا ينتطح فيه عنزان، فللّه در المؤلف قد أفاد وأجاد، وقطع عرق الفساد، وكشف كل غمة
غماء، وليلة ليلاء، وأتى من النصوص والشواهد بما لا مزيد عليه، والأمر على الله وإليه، والقلوب
بين إصبعيه، نسأل الله الاقتصاد فى العلم والعمل، ونعوذ وبه عن طرفيه.
كتبه العبد الضعيف
محمد شفيع عفا الله عنه
المفتى بدار العلوم الديوبندية

٥٨٨
رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا
إعلاء السنن
وهذا تقريظ صاحب التحرير والقلم، محبى دولة الأدب بعد العدم
صاحب التصانيف الكثيرة، والتآليف الشهيرة، العلامة الفهامة الفاضل الأديب
الحبيب الأريب ذى القلب المنيب، قرع السلالة النبوية
طراز العصبة الهاشمية القرشية، الناظم الناثر الألمعى
مولانا السيد سليمان الندوی حفظه الله عن شر كل غبى و غوى-
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله صاحب النعمة، والصلاة على نبيه نبى الرحمة، وعلى آله وأصحابه أولى العزيمة
وذوی الهمة.
وبعد: فقد أنعمت النظر فيما خط يراع الفاضل الجليل المولى ظفر أحمد، فألفيته قد أصاب
المرمى، وأحاط بالمعنى، وأجاد فيما أفاد، وسدد فيما حدد، فليست الحاجة ماسة إلى إطالة البحث،
وإسهاب الكلام فى الرد، بل يكفينى مؤنة الأخذ والرد، الكشف عن لئام الكلمة، وإزاحة ما
غشاها من حجاب الظلمة، الربا كلمة تطلق بالوضع، أو بالعرف العام على ما يؤخذ من المستدين
من المال زيادة على ما آتاه الدائن، وهذا المعنى قد اتفقت كلمة أهل الأرض من الأمم المتباينة،
وسكان البلاد المتنائية، والمتكلمين باللغات المتخالفة، لا يختلف فيه اثنان، فالربا هو ما يرادفه
"سود" فى الأردوية، و "بياج" فى الهندية، و "يوزرى" فى إنكليزية، وقس على ذلك ما يساويه
من الكلمات فى اللغات الأخرى، نزل القرآن وقد كان الربا فاشيا فى العرب، والروم، واليهود،
والنصارى، من الأمم المتجاورة، فأحل الله البيع وحرم الربا، فلم يكن ليريد الله بهذه الكلمة إلا ما
کان یتعارفه الناس ويتداولونه، فلم يكن الربا يومئذ مقصورا فى البيع، ولكن كان أكثره فى القرض
والدين، كما يدل عليه تاريخ الأمم وأخبارها.
فهل لرجل أن يقول: إن الربا فى العرب لم يكن إلا فى البيع؟ فعليه أن يدلنا على كلمة
عربية تعبر عن الزيادة فى القرض غير الربا، بل لما لم تكن السكك المضروبة بأيدى العرب إلا قليلا،
وكل ما كان لهم من الدراهم والدنانير المضروبة، كانت تأتيهم من جهة الفرس والروم المجاورتين
لهم، فلذلك كانت مبايعاتهم، ومعاملاتهم، وديونهم، وقروضهم بالثمار، والغلات -التى كانت
تنبت بلادهم- فكانوا يستقرضون الثمار فى أيام الإعار، ويدفعونها زمن بدو الثمار، وإدراك
الغلات، وقد أطلق على هذا النوع من معاملتهم كلمة السلف، والحق، والدين، والبيع المؤجل،

ج - ١٤
٥٨٩
وتلك الكلمات كلها تشمل كل ما آتيت رجلا ساعة حاجته وإعاره، لیرده إليك عند يساره،
فلذلك فسر المفسرون ربا الجاهلية بالسلف، والحق، والدين، والبيع المؤجل، كما حكاه الثقات من
المفسرين، وأهل الشأن من الرواة، فالمراء فى هذا الربا، أو ادعاء بعض الناس أنه بيع ولا قرض، شىء
لا يقارب الحق، فلذلك أتلو عليك ما رووه عن الربا فى الجاهلية، فهو المعنى الذى كان يعرفه
العرب، ونهى القرآن يشمله ويحتويه، وقول المستفتى: "إنه لم يتبين إلى الآن بسند صحيح مرفوع
ربا الجاهلية فى أى شىء كان"، مدفوع بأن ذلك لإثبات حكم أو أمر من النبى ◌ٍّ أو أصحابه،
لا لإثبات شىء من عوائد العرب وآراءهم، فالتابعون قد علموا ذلك بالتناقل، والاشتهار لقرب
عهدهم به، وبلغنا عنهم بالسند الصحيح.
١- فأخرج آدم، وعبد بن حميد، و ابن أبى حاتم، وابن جرير، والبيهقى فى "سننه"، عن
مجاهد، قال: كانوا فى الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين، فيقول: لك كذا، وتؤخر عنى،
فيؤخر عنه، "الدر المنثور" (٣٦٦:١) للسيوطى.
٢- وأخرج ابن أبى حاتم عن مقاتل: وكانوا يداينون بنى المغيرة فى الجاهلية فى الربا
(السيوطى فى "دره").
٣- وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبى حاتم عن السدى، قال: نزلت هذه الآية فى
العباس بن عبد المطلب، ورجل من بنى المغيرة، کان شریکین فی الجاهلية أن يسلفان فى الربا
(السيوطى فى "دره").
٤- وأخرج مالك، والبيهقى فى "سنته" عن زيد بن أسلم، قال: كان الربا فى الجاهلية أن
يكون للرجل على الرجل الحق إلى أجل، فإذا حل الحق قال: أ تقضى أم تربى؟.
٤- وأخرج الطبرى عن قتادة، أن ربا أهل الجاهلية يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى،
فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده، وأخر عنه.
فترى أنهم ذكروا ربا الجاهلية فى الدين، والمداينة، والسلف، والحق، والبيع المؤجل، وكل
هذه الكلمات يحتوى معانى منها القرض الذى نحن بصدده، وإنهم يعبروه بلفظة القرض، لأن
هذا العقد كانت الزيادة مشروطة فيه عند حلول أجله، والقرض براء ساكت عن شرط الزيادة التى
هى الربا، وشرط الأجل الذى هو من أركانه، فهو تبرع محض، ولم يكن هذا العقد الذى كانوا
يعقدونه فى الجاهلية كذلك، فعبروه بالدين، والسلف، والحق، والبيع المؤجل، وذلك هو منشأ خطأ
المستفتى.

٥٩٠
رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا"
· إعلاء السنن
الدين والمداينة:
قال صاحب "لسان العرب": ودنت الرجل أقرضته، ومدیان إذا كان عادته أن يأخذ بالدین
ويستقرض، وأدان واستدان استقرض، واستدانه طلب منه الدين، واستدانه استقرض منه، ودنته
استقرضت منه، وأدان فلان الناس أعطاهم الدين، وأدنت الرجل إذا أقرضته، وغير ذلك من
الاستعمالات (ملتقطاً)، ومنه قوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾، وما ذكره المستفتى
للتفريق بين الدين والقرض، فإنما هو بين الدين، والقرض الذى هو التبرع، لا القرض الذى فيه
أجل، ومنفعة وزيادة، فهو ليس بقرض عندهم، بل من العقود الفاسدة، أو قل من البيوع الفاسدة،
ومن لم يبطل القرض أبطل الشروط والزيادة، وأثبت القرض تبرعًا بلا شرط، وزيادة، وأجل.
السلف:
قال صاحب "لسان العرب": ويجىء السلف على معانٍ: السلف القرض والسلم، والسلف
القرض، وللفعل أسلفت، يقال: أسلفته مالا أقرضته، وقال الأزهرى: والسلف فى المعاملات له
معنيان: أحدهما: القرض الذى لا منفعة للمقرض فيه غير الأجر والشكر، وعلى المقترض رده
كما، والعرب تسمى القرض سلفا كما ذكر الليث، والمعنى الثانى فى السلف: هو أن يعطى مالا
فى سلعة إلى أجل معلوم بزيادة فى السعر الموجود عند السلف، وهو فى المعنيين معا اسم من
أسلفت، وفى الحديث: ((استسلفت من أعرابى بكرا)) أى استقرضت (ملتقطا)، وفى الحديث الذى.
رواه ابن ماجة: ((أنه عَّه استسلف حين غزا حيها ثلاثين أو أربعين ألفا))، أى استقرض.
الحق:
والحق ما يجب لرجل على رجل، كما فى القرآن: ﴿وليملل الذى عليه الحق﴾، وفى
الحديث رووه: ((أن أعرابيا جاء يتقاضاه عَ لّه، فاشتد عليه، فانتهره أصحابه، فقال: ((هلا مع
صاحب الحق كنتم)) (ابن ماجه ١٧٦)، فى رواية: ((دعه فإن لصاحب الحق مقالاً)).
البيع المؤجل:
فعلم بهذا الذى أوردناه أن الربا فى الجاهلية لم يكن فى البيع خاصة، دون غيره من
المعاملات من الدين والقرض. فالسلف، والدين، والحق الذى فسر به الربا فى الجاهلية، يعم البيع
المؤجل، والدين، والقرض بالتفسير اللغوى، ثم کون الشىء بيعا من جهة لا ینافی کونه دینا،
أو حقا، بل قرضا من جهة أخرى إن كان مؤجلا، فكلما ابتعته وما أدیت ثمنه يدا بيد، بل أخرته
إلى أجل فهو دين وحق، بل قرض عليك، فإنه تبرع بالإمهال، فيجوز أن تملك الشىء بيعا، وثمنه
٠

ج - ١٤
٥٩١
قرض عليك ودين، أو تقدم الثمن والسلعة يؤخر دفعها إليك إلى أجل قد قدر، فهو لك مدين
ومقروض بهذا المعنى، فالقرض فى اللغة ما يتجازى به الناس بينهم ويتقاضونه، ويقال: أقرضت
فلانا وهو ما تعطيه ليقضيه، والقرض ما يعطيه من المال ليتقاضاه، (راجع كلمة القرض فى "لسان
العرب")، وذلك ما فسر قتادة: الربا فى الجاهلية فى البيع الذى لم يعجل ثمنه، وبقى دينا أو قل
قرضا حتى حل الأجل، ولم يكن عند المشترى قضاء زاد فى رأس المال، وأخر الأجل، فلذلك قال:
ولم یکن عند صاحبه قضاء.
ولذلك ترى الله تبارك وتعالى ذكر فى آية الربا كلمات نظرة، وميسرة، وذو عسرة، وهذه
الكلمات لا تستعمل إلا فيما لم يؤد ولم يوف من الحق، ولا سيما فى القرض والدين، وإذا اتبعت
أحاديث إنظار المعسر إلى اليسار، أتاك الثلج من اليقين أن هذه الكلمات تعم الديون كلها، ومنها
القرض المبحوث عنه، العمدة فى هذا البحث أن تقول: إن العرب كانوا يتعاملون بالربا، ويفهمون
معناه، ويحسبونه غير البيع، وكانوا يفرقون بينهما، ولذلك قالوا: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾، ولا تجهل
أن المشبه غير المشبه به، فكان أصل الربا غير البيع، وهما معاملتان متباينتان تباينا ما، فكيف لك أن
تقول: إن الربا لم يكن فى الجاهلية إلا فى البيع، ثم الربا لم يكن مختصا بأهل الجاهلية من العرب،
فكان اليهود يتعاملون به، ويأكلون السحت، وقد نهوا عنه، وهم كانوا أعظم تجارة فى العرب،
وآكل للربا، فقال الله تعالى: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم
عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه﴾ الآية.
فعلم بذلك أن الربا المنهى عنه فى التوراة هو منهى عنه فى القرآن، فإن الكلمة واحدة فى
الموضعين (النساء ٢٤)، فحق لنا أن نفحص عن الربا المنهى عنه فى التوراة، ليستبين معناه(١) فى
القرآن، ففى الإمحاح الثانى والعشرين من سفر الخروج من التوراة:
إن أقرضت فضة لشعبى الفقير الذى عندك، فلا تكن له كالمرابى لا تضعوا عليه ربا (٢٥).
وفى الإصحاح الخامس والعشرين من سفر الأحبار:
وإذا افتقر أخوك وقصرت یده عندك، ولا تأخذ منه ربا ولا مرابحة.
فضتك لا تعطه بالربا، وطعامك لا تعطه بالمرابحة (٣٥-٣٨).
(١) ولا يندفع بقول المستفتى أن شرائع من قبلنا حجة بشرط النقل فى شرعنا، وعدم الرد عليها عند الحنفية (٤٢)، فإن الذى يعيننى
هنا هو إيضاح معنى الكلمة لا نقل الحكم، ولكن لى أن أجترا وأقول: إن هذا الحكم قد نقل فى شرعنا، ولم يرد عليه، كما
ترى فى الآية ﴿قد نهوا عنه﴾ أى فى التوراة، كدأب الحنفية فى أمر النفس بالنفس الذى نقله القرآن عن التوراة، ولم يرده
فقبلوه (سليمان).

إعلاء السنن
ما
رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا"
٥٩٢
وفى الإمحاح الثالث والعشرين من سفر التثنية:
لا تقرض أخاك بربا، ربا فضة، أو ربا طعام، أو ربا شىء ما، مما يقرض بربا للأجنبى(١)
تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا يباركك الرب إلهك (١٩).
الآن حصحص الحق، واستبان الأمر، أن الربا المنهى عنه يعم ربا القرض، وربا الطعام، وكل
ما يقرض ربا، وصالح رسول الله مَّ نصارى نجران على ألفى حلة، ما لم يحدثوا حديثا،
أو يأكلوا الربا (كما رواه أبو داود فى أبواب الإمارة والفىء)، فلم يبين لهم الربا، ولم يسألوه عنه،
فإن النصرانية أيضًا قد جاءت بتحريمه، والعرف قد أغناهم عن السؤال، وأغناه عّ لّه عن البيان.
وتعلم أن الأحكام فى المعاملات لیست تعبدیة محضة، بل لها مصالح وحكم تقتضى ذلك،
وقد حرم الله الربا، ونهى عن أخذ ما زاد على رأس المال، وعلله بكونه ظلما للعباد، وإتلافا للحق،
فقال فى آخر آية الربا: ﴿لا تظلمون ولا تظلمون﴾ فظهر بذلك أن علة حرمة الربا هى الظلم،
فأسألك بالله العظيم، هل التفاضل فى البيع -على اختلاف أوصافه من الجودة والرداءة، واتحاد
جنسه- أظلم عندك أو أخذ الربا على القرض من الرجل المعسر المعدم؟ ولا يختلجن فى صدرك أن
قول عمر بن الخطاب: "إن النبى معَّ ◌ُلِّ توفى ولم يبينه لنا" حجة على أن الربا لا يعرف معناه باللغة،
والعرف العام.
فقد أصاب المجيب فى دحضها، وأزيدك بيانا أو الربا فى الجاهلية كان معروفا، لم يرتب فى
فهمه أحد من العرب، واليهود، والنصارى القاطنين ببلاد العرب، فضلا عن سيدنا عمر وهو عربى
قح عارف بأسماء اللغة حق معرفة، بل إنما الإشكال فى إلحاق بعض المعاملات المالية التى ألحقها
النبى معَّه بالربا، ولم يكن من جنسه لا لغة، ولا عرفا، وذلك ما حمله رضى الله عنه أن يقول:
"فدعوا الربا والريبة" فالربا ما كان ربا معروفا فى الجاهلية فى القرض المشروط بالأجل، والزيادة،
والدين، والسلف، والريبة ما ألحقه رسول الله مَّه بالربا لتشابهه به، فإن الربا إن لم يكن معروفا،
فكيف كان له أن يأمر الناس بترك ما يجهله ويجهلونه، ويطالبهم بما لم يعرفه ولم يعرفوه؟ فافهم.
ولا يغرنك قول بعض الفقهاء: إن الربا مجمل، فيحتاج إلى البيان، فإن الربا فى معناه اللغوى
والعرفى، ليس بمجمل، بل إنما الإجمال فى إلحاق بعض البيوع التى لم تكن من الربا فى اللغة
(١) أراد بالأجنبى -والله أعلم- الكفار، وفيه تأييد لما روى مكحول مرسلا: ((لا ربا بين المسلم والحربى فى دار الحرب))، فإن شرائع
من قبلنا شرع لنا إذا لم ينكرها الشارع، ولم ينسخها، فدل مرسل مكحول على أن هذا الحكم لم ينسخ فى شرعنا، بل هو
علی ما کان علیه من قبل.

38
ج - ١٤
٥٩٣
والعرف، فالربا فى الشرع يقع على معانٍ لم يكن موضوعا لها فى اللغة، ولا معروفا فى العرف
العام الشائع فى الجاهلية، فالربا كما فى الخبر: ((ثلاث وسبعون بابا))، وأن النبى معَِّ سمى النسأ
ربا، فقال: ((إنما الربا فى النسيئة))، وقال: ((إن من أربى الربا الاستطالة فى عرض المؤمن)) ..
وقال عمر بن الخطاب: "إن من الربا أبوابا لا تخفى"، وكيف يقول: لا تخفى وهو لا يعلم
حق العلم؟ ويدل عليه أن العرب لم تكن تعرف بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة نسأ ربا،
ولا كانوا يعدون التفاضل فى مبايعة الأشياء الستة ربا، وغير ذلك من أبواب الربا التى هى ربا فى
الشرع، وليست فى اللغة والعرف الشائع فى الجاهلية منه، وهذه هى جهة إجماله.
هناك أمر آخر يستحق العناية، هو أن القرض معناه فى العرف العام، وعرف الشرع ما تعطيه
رجلا یحتاج إليه، ويطلبه منك، ولا ترجو منه غیر رده إليك بدلا بلا زيادة، وإنما تبغى به وجه الله،
كما قال الله تعالى: ﴿وأقرضوا الله قرضا حسنا﴾، فالقرض بهذا المعنى لم يكن مظنا للربا، فلذلك
لم يذكره أحد فى أبواب الربا، بل لم يخطر ببال أحد أهن يتعرض لذكره فى صدد الربا، بل غاية
ما قالوا: إن هذا القرض إن جر منفعة من المقروض، فهو ربا، حتى الاستطلال بظله، وإجابة دعوته،
وقبول الهدية منه، وهذه المنافع هى التى كرهوها وقدروها، لا آخذك أكثر مما أعطيت شرطا،
وعقدا، فقد حرموه وعلموه عين الربا، ولذلك استعار الله تعالى كلمة الربا للهدية والعطية، التى
تهدى إلى الناس أو تعطيهم، وتريد بها ثواب الدنيا، أو ترجو منها أكثر مما أهديت وأعطيت، كما
قال الله تعالى: ﴿وما آتيتم من ربا ليربو فى أموال الناس فلا يربو عند الله﴾، وذلك على ما فسره
التابعون، ويدل عليه سياق الآية وسباقها، فترى الربا أطلق على عطية تريد بها ثواب الدنيا، أو أكثر
مما أعطيت، فكيف لا يطلق على قرض تريد به ثواب الدنيا، وأكثر مما أعطيت.
وقال أبو إسحاق اللغوى النحوى فى تفسير الآية المذكورة آنفا: يعنى به دفع الإنسان الشىء
ليعوض به ما هو أكثر منه، وذلك فى أكثر التفسير ليس بحرام، ولكن لا ثواب لمن زاد على ما
أخذ(١)، قال: والربا ربوان، فالحرام كل قرض يؤخذ به أكثر منه، أو يجر به منفعة، والذی لیس
بخرام أن يهبه الإنسان يستدعى به ما هو أكثر، أو يهدى الهدية ليهدى له ما هو أكثر منها ("لسان
العرب " كلمة الربا) ..
فلذلك لم يستعمل الفقهاء كلمة القرض هو تبرع محض فى الأصل فى المعاملات، بل
أكثر نا استعملوا كلمة الدين الذى على الحق، وكلمة البيع الذى يدل على التبادل، فلا يستدل
(١) ذلك فى العطية والهدية، كما يأتى متصلاً، (سليمان).

٥٩٤
رسالة " كشف الدجى عن وجه الربا"
إعلاء السنن
أحد بصنيعتهم هذه أن القرض الذى زيد فيه ليس بربا، بل إنه بهذه الزيادة خرج من جنس
القرض، ودخل فى جنس الدين، والحق، والبيع المؤجل الذى فيه الربا، واتفقوا على أنه يصير بذلك
عقدا منسوخا، أو بيعا فاسدا، حتى يزول موجب فسخه أو فساده.
ثم انظر أن القرض ليس إلا مبادلة درهم بدرهم نسيئة، فأنت تعلم أن مبادلة ذهب بذهب
نسيئة ربا حرام، وإنما حلله الشرع الاضطرار الناس إليه، فحلله بشرط التبرع وعدم الظلم، فإذا زال
التبرع ولزمه الظلم عاد الشىء حراما، ويزيد الطين بلة، إذا اشترط فيه الزيادة، فهو إذًا عين الربا.
وقد صرح به الفقهاء كما ذكره صاحب "الهداية"، فقال: وكل دين حال إذا أجله صاحبه
صار مؤجلا إلا القرض، فإن تأجيله لا يصح، لأنه إعارة وصيلة. فى الابتداء، حتى يصح بلفظة
الإعارة، ولا يملكه من لا يملك التبرع، كالوصى والصبى، ومعاوضة ةفى الانتهاء، فعلى اعتبار
الابتداء لا يلزم التأجيل فيه كما فى الإعارة، إذ لا جبر فى التبرع، وعلى اعتبار الانتهاء لا يصح،
لأن يصير بيع الدراهم بالدراهم نسيئة، وهو ربا، (باب المرابحة والتولية)، وكلما ذكره المستفتى
فى الرد عليه (ص٢٩ و٣٠)، فليس بشىء، وفسر كلام الإمام ابن القيم بتفسير لا يرضى به قائله،
فإنه فرق بين البيع والقرض الذى هو التبرع، لا القرض المشروط بالزيادة، فكما فى البيع يكون
الغرض من المبادلة تحصيل النفع لا غير، فكذلك يكون غرض المقرض المستزيد تحصيل النفع لا غير،
والاستشهاد بالسفتجة ليس بنافع، فإن الانتفاع فيها لا يكون بالزيادة، بل بنوع من المنافع التى
كرهها أهل التقوى، واستحلها أهل الفتوى، فيستغنى كل واحد من المقرض والمستقرض عن الحمل
إلى بلده وموضعه، فمثل هذه المنفعة التى تحصل للمقرض والمستقرض هو الذى أجازه ابن القيم،
لا الزيادة فى رأس المال.
وفذلكة ما أسلفت من الكلام، أن القرض اللغوى بمعنى دفع شىء، إلى إنسان آخر، ليرده
إليه بعد حين عينا أو بدلا، يقع على معنيين: أولهما: ما تدفعه تبرعا لا تشترط فيه الزيادة والأجل»
هو قرض شرعى ترجو به الأجر من الله، والشكر من العبد، وهو ليس بمحل للربا طبعًا، ولذلك لم
یذ کروه فی أبواب الربا.
وثانيهما: قرض فيه زيادة وأجل، هو ين ومحل الربا، وذكروه فيها، فأجازوا الأول،
وكرهوا فيه المنافع التىُّ ليست من جنس الزيادة المحرمة، أجارها الآخرون إن لم تكن ذات بال،
كالاستظلال بظل جدار المستقرض، أو قبول الهدية منه حبا، أو إجابة دعوته إكراما، أو قبول شىء
طفيف أكثر مما أعطاه، أو أفضل مما أعطاه، إن وهبه المستقرض عند القضاء عن طيب نفس، أو ما

ج - ١٤
٥٩٥
ينفع الطرفين المقرض، والمستقرض على السواء، مثل السفاتح والصكوك التى تغنى كل واحد منهما
عن مؤنة الحمل.
وأما الثانى: فقد اتفقت كلمتهم على تحريمه، وهو الذى فسر بالدين والبيع المؤجل، الذين إذا
حل أجلهما قال الذى له الحق: أ تقضى أم تربى؟ فيزيد أحدهما فى رأس المال، والآخر فى الأجل،
والتبس المعنيان على صاحب الاستفتاء، فتقرق به سبيلا، والله يهدى سواء الطريق، ومنه التوفيق،
هذا، وإنى أعرضت عن الأخذ بأطراف الروايات وآراء الفقهاء، فإن المجيب -أكرمه الله تعالى-
قد قضى منه الوطر، وتتبع فيه العين والأثر، ولم يدع عرقا تنبض للشك إلا قطعها، ولا مادة للريب
إلا حسمها، وأسأل الله تعالى العصمة، ولا أدعيها، والحمد لله أولا وآخراً.
سليمان الندوى
١٦ / شعبان ١٣٤٨ هـ
صورة ما قرظه جامع المعقول والمنقول، عالم الفروع والأصول
العلامة المفضال، صاحب الفضل والكمال، وارث المجد كابرا عن كابر
ومورثه للأقران والأصاغر، ذو القلب المنيب الأواه
مولانا السيد مختار الله -المدعو بـ "ميرك شاه" - أطال الله بقاءه وبلغه ما يتمناه
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد: فلا يخفى على ولى البصيرة والنهى،
أن الربا الذى نطق بحرمته كتاب الله، محله أولا وبالذات إنما هو القرض، وثانيا: وبالتبع البيع وما
يتبعه من العقود الفاسدة، وهذا هو الذى وقع عليه إجماع الأئمة، وتواتر فى الأمة، والمسلمون لم
يزالوا على بصيرة، وثلج يقين من هذا بلا ريب وشبهة، ولم يخطر ببالى قط أن أحدًا ممن له أدنى
ممارسة بالديانة الإسلامية، فضلا عن مس ومناسبة ما بالعربية، ومعرفة الأصول العلمية، والقواعد
الشرعية، والضوابط الفرعية- يقوم قائلا بالعكس، ويأتى بلبس هو صريح الدنس، زاعما أن الربا
محله فى الأصل إنما هو البيع، ولا يصدق على غيره إلا بالمجاز، ثم يترقى فى الذهول، والتبلد،
والغفلة عن اللغة، والنصوص الناطقة، والآثار المستفيضة، فينبغى الربا عن القرض ويجعله منحصرا
فى العقود لا غير.

٥٩٦
رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا"
إعلاء السنن
هذا كلام أستحبى أن أذكره، فضلا عن أن أعزوه إلى من ينتحل كونه من أهل العلم
والمعرفة، ولكن الزمان أبو العجب، ولا سيما هذا البرهة التى وقعنا فيها، وضاع فيها الدين والديانة
والأدب، ولم يبق لبنيتها إلا آمال طلب الجاه والأرب، وقام جمع منهم باسم الحمية الملية أو القومية
-التى ليست حقيقتها إلا الحمية الجاهلية- وأرادوا نسخ الدين، ومسخ الأصول والقوانين، ليكون
دينهم ما نطقت به ألسنة ملاحدة أوربا، من استحلال نحو الخمر، والخنزير، والربا، ولما كانوا
يعلمون أن الكلمة المعزوة إلى الدين لا يصغى إليها إلا بعد أن يعرف قائلها بالعلوم الإسلامية،
والدراية الشرعية، تشدقوا أولا بما يوهم أنهم من أهل العلم والفتيا، بل خيلوا إلى أذنابهم بإغواءهم
أنهم هم العلماء، ثم نهضوا لمخالفة الدين بل لمحوه، وإقامة شىء باسمه فى محله، ومن هذا القبيل ما
ينسب إلى الذى قال فيه: إنه سمى نفسه بالمستفتى، فى تأليف أفرده لإثبات أن الربا الذى ذكره الله
تعالى فى كتابه، إنما هو ما يوجد فى عقود البيوع، ولا وجود له فى القرض، هو بجميع صوره
مباح ومشروع.
فرحم الله المولى الكريم الأمجد، الشيخ الفاضل الأوحد، مولانا ظفر أحمد، فإنه شمر عن
ساعد الجد، وقام بالحجج الدامغة لما شيد به المستفتى ما اخترعه من الدعوى، وأقام عليه الطامة
الكبرى، وأثبت فيما كشفه من الدجى عن وجوه الربا، أن كل شىء تعلق به المستفتى بعيد كل
البعد من الحق، ووجود الهدى، ومبنى على محض الوساوس والهوى، لا يقول به إلا ممن اتبع
النفس وطغى، وخلع ربقة الشرع عن عنقه، فهوى فى مهارى الغى وغوى، ولا شك أن المولى
الموصوف لم يتصد لشىء فى رسالته من هذا الباب إلا أتى فيه بما كفى وشفى، فليس بعده
للمخالف إلا الرجوع عن مزعوماته إن كان منشأ قوله: الجهل وعدم الرواية، مع قلة العلم والدراية،
وهو المظنون الذى ينبغى أن يظن بالمسلم ما لم يأت بصريح الغواية، وإن كان منشأه - والعياذ بالله-
قلة الدين وهوى النفس، فليس له أيضًا إلا العناد الصريح، والاستنكاف عن اتباع الحق الصحيح،
لأن صاحب "الكشف" قد أوضح له المحجة، ولم يدع لأحد فى هذا الموضوع حجة، جزاه الله
خیرا، وهدی المرتابین بما أتی، فإن هدى الله هو الهدى.
وأنا العبد الأواه
مختار الله المدعو ميرك شاه عفا الله عنه وعافاه
٠ ٢٥ / رمضان سنة ١٣٤٨هـ

ج - ١٤
٥٩٧
تقاریظ علماء حيدرآباد دکن
تعريب ما قرظه به الفاضل المقدام، الأديب الكامل العلام
مولانا عبد الحى السهار نفورى
ناظر الجامعة العثمانية، تغمده الله برحمته ورضوانه
صنف هذه الرسالة " كشف الدجى" -التى شاعت وذاعت من تهانه بهون- مولانا ظفر
أحمد العثمانى بأمر سيدى حكيم الأمة -متع الله بفيضه القاصى والدانى- وهى جواب عن
استفتاء قد أشاعته محكمة الأمور المذهبیة (بحيدرآباد د کن) بذل المستفتی جهده فی جعل ربا
القرض غير منصوص على حرمته، وادعى أن الربا المحرم فى القرآن، إنما هو ربا البيع والشراء فقط،
وأن الفقهاء جعلوا ربا القرض قياسا على ربا البيع، فحكموا بحرمتهما جميعًا، وإذ الأمر كذلك
وسع لنا تغيير هذا القياس بتغير الزمان، فإن الأحكام القياسية تقبل التغير بتبدل الأحوال.
فأجاب المصنف عن كل ذلك، وتكلم كلام المحققين، وأثبت أن الربا الذى نص القرآن على
حرمته هو ربا القرض والنسيئة، وأن ربا البيع ملحق به، وشيد ذلك بأقوال الفقهاء والمفسرين،
فللّه در المؤلف لقد أجاد فى تحقيق الحق وأفاد، وأتى ببراهين قاطعة تشفى الغليل، وتميز الصحيح من
العليل، وهى كافية لطالب الحق إن كان منصفا، وما توفيقى إلا بالله، انتهى بمعناه
(مولانا) عبد الحى عفى عنه (غفر الله له، وأعلى درجاته)
ناظر الجامعة العثمانية (بحيدرآباد دكن).

٥٩٨
رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا"
إعلاء السنن
تعریب ما قرظه به صدر الأفاضل، وفخر الأماثل
مولانا محمد يعقوب صدر المدرسين بالمدرسة النظامية (بحيدرآباد دكن)
كل ما اشتملت عليه مجلة "النور" (الحاملة لـ" كشف الدجى عن وجه الربا") من الأجوبة
المؤيدة بأقوال المفسرين والفقهاء، قد بلغ من التحقيق والإنصاف، والتجنب عن الاعتساف غايتها،
ومن طالع كلام المستفتى، وفهمه يجد أسلوب بيان المجيب مستحقا للثناء عليه، والترحيب،
قد أحاط بأطراف الاستفتاء، وما يتعلق بها من کل و جه، وناهیك به کافلا لرد ما یشاهد فی الناس
عامة، من التخبط فى الدين، وتخليط الحق بالباطل، وتدنيس أحكام الملة البيضاء بتأويلات باطلة،
أخذوها من فلاسفة أوربا، وتركوا مقاصد الشرع ورائهم ظهريا، لا سيما ما فعلوه فى مسألة الربا،
وبذلوا جهدهم فى تحريف نصوص الشريعة المتعلقة بها، فقد أبطل المصنف جل مساعيهم فى هذا
الباب، وكشف الدجى عن وجه الربا، وسد طرق الباطل بأسرها، وأظهر الحق والصواب، (انتهى
بحاصله).
محمد يعقوب عفا الله عنه صدر المدرسين بالمدرسة النظامية
تعريب ما قرظه به الأديب الكامل، اللبيب الفاضل، سلالة العترة النبوية
فرع الشجرة الهاشمية القرشية، مولانا السيد شاه محمد الشطارى القادرى
أديب المدرسة النظامية بحيدراباد دكن.
تشرفت بمطالعة مجلة "النور" المشتملة على " کشف الدجی عن وجه الربا" ، فللّه در
مؤلفها الفاضل، ما أبرك مساعيه، وما أجدرها للترحاب، فقد أتى بما لم تر العيون نظيره من
التحقيق الأنيق فى هذا الباب، ولو أن المستفتى الذى أجاب مؤلف "كشف الدجى" عن سؤاله-
ترك طريق الجدل والخلاف، وجانب التعنت والاعتساف، ومال إلى الحق والإنصاف، لوجد
كشف الدجى تبصرة له كافية، وتذكرة له شافية، وإلا فليعلم هؤلاء المتزيون بزىّ العلماء، أن
اجتهاداتهم هذه المتجددة، وتحقيقاتهم المخترعة فى الملة البيضاء، تفتح للناس أبواب استحلال
الحرام، وهى فتنة دهماء، لو انفتحت أبوابها فلا يدان لغلقها، ولا رتق لها بعد فتقها، لا سيما فى
هذا الزمان الذى هو منشأ الشر والآفات، لا يمضى يوم، إلا وفيه حملة، بل حملات على الإسلام،
والمسلمين من جميع الجهات، يبذل أعداء الله جهدهم فى تعطيل أحكام الإسلام، وإبطال ما جاء به

٨٠٠
ج - ١٤
٥٩٩
سيد الأنام، عليه وعلى آله وأصحابه أفضل الصلاة والسلام، فعلى المستفتى أن يرجع عن استفتاءه،
ويتوب عما بذل جهده فى ترويج باطل رأيه، إن كان فى قلبه حرمة للإسلام، والمسلمين، وعزة
للدین المتین، الذى جاء به سید المرسلین، انتهی بملخصه.
الإمضاء بخط حضرة مولانا السيد شاه محمد الشطارى القادرى
أديب المدرسة النظامية بحيدرآباد دکن
الجواب صحيح
نور محمد أبو الفداء عفى عنه
صدر المدرسين بمدرسة الدينيات بحيدر آباد دكن
٣ / شعبان ١٣٤٨ هـ
رأيت جواب الاستفتاء .
الذى أجاب به العلامة(١) مولانا أشرف على -دام مجده وعلاه-
فوجدته جوابا شافيا، ولسد باب الفتنة كافيا، جزاه الله خير الجزاء
محمد عبد القدير
الناظر الأول لشعبة الدينيات - بكلية الجامعة العثمانية (حيدرآباد دكن)
(١) قد عزا صاحب المطبع هذا الجواب إلى حضرة سيدى حكيم الأمة استحسانا، فاغتر بذلك بعض العلماء من المقرظين، وهم
معذورون فى ذلك، كما لا يخفى، فليعلم أن الجواب، إنما هو من أقل خدامه ظفر أحمد عفا الله عنه - وليتنبه لذاك.

٦٠٠
رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا
إعلاء السنى
تعريب ما قرظه به فخر الأماثل والأقران، طراز عزة الدهر وسواد عين الزمان
مولانا مناظر أحسن الكيلانى متع الله بعلومه القاصى والدانى
بسم الله الرحمن الرحيم
سبحان الله وبحمده، والصلاة والسلام على نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه (الموفين بعهده)
"كشف الدجى عن وجه الربا" كتاب مدلل مبرهن مبسوط، قاطع للشبهات مبكت مسكت
للخصم، جواب عن استفتاء أشاعته الصدارة العالية فى (تحيل) ربا القرض والنسيئة، ولقد أجاد
المؤلف جزاه الله عنا، وعن المسلمين خير الجزاء فيما قاله: إن الأمة والأئمة إذا أجمعوا على تحريم ربا
القرض، فليس لمقلد بعد ذلك أن يطالبنا بدليل حرمته من القرآن، والحديث، والقياس، فإن هذا
السؤال لو سلمنا جدواه وإفادته درسا وتعليما، فلا ريب أنه اشتغال بما لا يعنيه عملا، وتسليما،
وإذا قد صرحت جماعة من علماء الإسلام بكون ربا القرآن هو ربا القرض بعينه، وأن ربا الجاهلية
لم يكن إلا فى القرض والدين، كما قاله الجصاص، ونصه: فمن الربا ما هو بيع، ومنه ما ليس ببيع،
وهو ربا الجاهلية، وهو القرض المشروط فيه الأجل، وزيادة مال على المستقرض.
وقال (الفخر) الرازى: إن الربا قسمان: ربا النسيئة، وربا الفضل، أما ربا النسيئة، فهو الأمر
الذى كان مشهورا متعارفا فى الجاهلية. وقال ابن الهمام فى تفسير آية الربا: ﴿يا أيها الذين آمنوا
لا تأكلوا الربا﴾ أى الزائد فى القرض والسلف على القدر المدفوع اهـ، وقال الشاه ولى الله: واعلم
أن الربا على وجهين: حقيقى، ومحمول عليه، أما الحقيقى، فهو الديون، والثانى: ربا الفضل اهـ،
والتفصيل فى "الكشف"، فليراجع.
ففى كل ذلك دليل واضح على تحريم ربا القرض بنص الكتاب، بل وبنص الحديث الصحيح
أيضًا، وهو قوله عَّهِ: ((لا ربا إلا فى النسيئة))، وبالحديث المتلقى بالقبول عملا: (( كل قرض جر
نفعا فهو ربا))، وقد حمله علماء الإسلام على ربا القرض قاطبةً، ويدل على حرمته القياس أيضًا،
كما ذكره المؤلف مد ظله العالى فى رسالته هذه بأبسط وجه، وأكمله.
ثم قيام الإجماع على حرمته المنصوصة الثابتة بالقرآن، والسنة، والقياس جعلها حرمة قطعية
فوق القطيعات، ولأجل ذلك نص العلماء فى حد الربا بما يعم ربا القرض بالأولى، كما فى
"الهداية": الربا هو الفضل المستحق لأحد المتعاقدين فى المعاوضة اهـ.
وفى الملتقى: الربا فضل مال خالٍ عن عوض شرط لأحد العاقدين فى معاوضة مال بمال اهـ،