Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا" إعلاء السنن قامت به الحجة. والدليل على أن ذلك الربا المحرم فى هذه الآثار، هو غير الربا الذى رواه ابن عباس عن أسامة رضى الله عنهم عن رسول الله مرّه، رجوع ابن عباس رضى الله عنهما إلى ما حدثه به أبو سعید رضی الله عنه عن رسول الله عێے، فلو کان ما حدثه به أبو سعید رضی الله عنه من ذلك فى معنی الذی کان أسامة حدثه به إذا لما كان حديث أبى سعيد رضى الله عنه عنده بأولى(١) من حديث أسامة رضى الله عنه، ولكنه لم يكن علم بتحريم رسول الله عّ لّ هذا الربا حتى حدثه به أبو سعيد رضى الله عنه، فعلم أن ما كان حدثه به أسامة عن رسول الله ما لم كان فى ربا غير ذلك الربا اهـ (٢٣٢:٢). وقال شارح "المهذب" فى الفصل الرابع الذى عقده لبيان أن تحريم ربا الفضل مجمع عليه أم لا، ما نصه: فإن قلت: ليس القول بذلك أى بتحريم ربا الفضل نقدا خاليا عن وجه، وغاية الأمر أن الأحاديث المقتضية لتحريم ربا الفضل صحيحة صريحة، لكن الأحاديث المقتضية لجوازه أيضًاً كذلك (وهو حديث أسامة: ((لا ربا إلا فى النسيئة))، وحديث البراء وزيد بن أرقم بمعناه) كما سيأتى، وقد مضى شىء منه، والترجيح معنا، فإن القرآن وقوله تعالى: ﴿وذروا ما بقى من الربا﴾ يبين أن الذى نهى عنه ما كان دينا، وكذلك كانت العرب تعقد فى لغتها، وقد دل النبى عدّ له على أن النقد ليس بالربا المتعارف عند أهل اللسان بقوله: ((ولا تبيعوا الذهب بالذهب» الحديث، فسماه بيعا، وقد قال تعالى: ﴿ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا، وأحل الله البيع وحرم الربا﴾، فذم من قال: إنما البيع مثل الربا، ففى تسمية النبى معَّ لّه الزيادة فى الأصناف بيعا دليل على أن الربا فى النسا، لا فى غيره. قلت: أما التعارض (بين الأحاديث المحرمة لربا الفضل، وبين حديث أسامة فى ربا النسأ) فسنبين إن شاء الله تعالى الجواب عنه، ووجه الجمع بينهما بأوضح شىء يكون، وكون الآية الكريمة وردت فى تحريم نوع من الربا إن سلم اقتصارها عليه لا يدل على نفى غيره إلخ (٤٦:١٠) إلى أن قال بعد تفصيل الكلام فى أن الآية محمولة على ربا الجاهلية أو على العقود الربوية كلها، إما عامة (١) لا يقال: حديث أبى سعيد متواتر بخلاف حديث أسامة فكان أولى منه، لأنا نقول: إن تواتره إنما هو بالنسبة إلى ) لكوننا جمعنا آثار الصحابة كلها فى الباب، وأما بالنسبة إلى ابن عباس فلا، فإنه رجع عن الإفتاء بحديث أسامة بمجرد قول أبى سعيد وروايته، كما دلت عليه الآثار، فافهم، منها ما ذكره الحافظ فى "الفتح" عن أبى مجلز أن أبا سعيد لقى ابن عباس فذكر · الحديث، فقال ابن عباس: أستغفر الله وأتوب إليه، فكان ينهى عنه أشد النهى أهـ (٣١٩:٤). ٥٤٢ ج - ١٤ فيها، وإما مجملة، ما نصه: والظاهر الأول فتكون الآية مرادا بها تحريم النسا، والأحاديث المبنية المتقدمة (أى حديث أسامة: ((لا ربا إلا فى النسيئة))، وحديث البراء وزيد بن أرقم بمعناه) تقتضى حكمين، أحدهما: تحريم النسأ (بمنطوقها)، وهو موافق للآية، والثانى: إباحة النقد (متفاضلا بالمفهوم فى حديث أسامة، وبالمنطوق فى بعض ألفاظ حديث البراء وزيد)، وهو ثابت بالسنة الخاصة، وهو المنسوخ بالسنة (المشهورة مع كون الآية باقية على كون المراد بها النسيئة، ولا يستدل بها فيما عداه، وتحريم النقد (متفاضلا) بالسنة زائد عليها. معنى كون الزيادة على النص نسخا عند الحنفية: وقد يقال: إنه يأتى بحث الحنفية فى أن الزيادة على النص، إذا كان لها تعلق به نسخ عندهم، والصواب أن ذلك لا يأتى ههنا، لأن إباحة النقد لم تفهم من الآية، وهم إنما يقولون، ذلك فيما كانت الزيادة تدفع مفهوم اللفظ اهـ، ملخصًا (٥٥:١٠ و٥٦). قلت: إذا كان ربا الفضل الذى حدث به أبو سعيد غير ربا القرآن الذى حدث به أسامة، لم يكن حديث أبى سعيد بيانا للآية، ولا هى مجملة، لكون البيان عين المبين لا غيره كما تقرر فى الأصول، بل ربا الفضل الذى جاءت السنة ملحق بربا القرآن الذى كان عليه أهل الجاهلية، ولا دليل على حرمته إلا بالسعة المتواترة دون القرآن، فثبت أن الفضل المشروط فى القرض حرام محرم بآية الربا المفسرة بربا الجاهلية. لا يقال: إن معنى حديث أسامة: ((إنما الربا فى النسيئة)) أن لا تبيعوا غائبا بناجز فى المکیلات، والموزونات، ولا دليل فيه على حرمة الفضل المشروط فى القرض، لأنا نقول: قصره على البيع بالنسيئة لا يصح لوجوه: الأول: ما قدمنا عن الجصاص وغيره أن لفظ النسيئة عام لغةً، وعرفًا، وشرعًا للثمن المؤجل فى البيع، وللقرض جميعًا، لكونه بمعنى الدين، وعمومه للقرض ظاهر، كما مر، يقال: النقد خير من النسيئة. والثانى: أن حديث أسامة رواه البعض بلفظ النسيئة، ورواه بعضهم بلفظ: ((لا ربا إلا فى الدين))، أخرجه الطحاوى بسند صحيح (٢٣٢:٢)، ولا يطلق الدين(١) على البيع أصلا، كما (١) فإن الدين ضد العين، فالعين عند العرب ما كان حاضرا، والدين ما كان غائبا، قال الشاعر: وعدتنا بدرهمينا طلاء وشراء معجلا غیر دین ولا يطلق الدين على الميع أصلا، وإنما يطلق على الثمن المؤجل أنه دين، والنسيئة بمعنى الدين، فلا يصح إطلاقه على البيع، وإنما يقال: باعه نسيئة، وهذا البيع بالنسيئة مقيداً، فافهم. ٥٤٣ رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا" إعلاء السنن لا يخفى، وعمومه للقرض ظاهر، والأحاديث يفسر بعضها بعضا. فالمراد بالنسيئة فى حديث أسامة إنما هو الدين لا غير، أو أعم منه، ومن البيع بالنسيئة، ومعنى حديث أسامة: ((لا ربا إلا فى النسيئة)) أى الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد، كما تقول العرب لا عالم فى البلد إلا زيد مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفى الأكمل، لا نفى الأصل، قاله الحافظ فى "الفتح" (٣١٩:٤). وفيه أيضًا: يحمل حديث أسامة على الربا الأكبر، والله أعلم - قلت: ولا يستقيم هذا المعنى لو حملناه على البيع بالنسيئة فى المکیل والموزون، فإن بيع الذهب بالذهب مثلا بمثل نسيئة ليس بأشد من بيعهما متفاضلا، بل البيع متفاضلا أشد لتحقق معنى الربا فيه صريحًا وحقيقةً، بخلاف البيع بالنسيئة متماثلا، فإن تحقق الربا فيه ليس إلا شرعا، فلا يجترئ عاقل على حمل قول النبى عَّةٍ: ((لا ربا إلا فى النسيئة، وإنما الربا فى النسيئة)) على الربا الأصغر الذى كان يتحقق فيه معنى الربا حقيقةً، قفلا بد من حمله على الربا الأكبر، وليس هو بيع المكيل بالمكيل، الموزون بالموزون متفاضلا، لعدم إطلاق النسيئة عليه، ولكون ابن عباس كان ينكره أولا، ولا يحرمه، فلم يبق إلا الربا الذى كان عليه أهل الجاهلية، وهو الزيادة فى الديون والقروض. وبالجملة: فلا يصح قصر قوله ◌ّ له: ((لا ربا إلا فى النسيئة)) على البيع بالنسيئة، بل المراد به الربا فى الدين لا غير، أو أعم منه ومن البيع بالنسيئة، كما قلنا أولا، فافهم، ولا تكن الغافلين. فظهر مما ذكرنا أن الربا المذكور فى القرآن ليس بمجمل رأسًا، بل كان معلوم المعنى واضح المراد عند العرب، وإنما حدث الإجمال فيه عند من قال بالإجمال فى آية الربا بعد ما أدخلت السنة فیه أشياء لم یکن العرب یعرفها بالربا، ودليل ذلك اتفاق القائلین بالإجمال، وغيرهم علی بیان ربا الجاهلية فى تفسير الآية، وعلى حرمته قطعا، منهم الجصاص والفخر الرازيان وابن الهمام، حيث فسر قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا﴾ بقوله: أى الزائد فى القرض والسلف على القدر المدفوع، والزائد فى بيع الأموال الربوية عند بيع بعضها بجنسه، وتبعه فى ذلك الشيخ ثناء الله فى "تفسيره المظهرى"، قاله المستفتى (٢٤) فهؤلاء مع كونهم قائلين بالإجمال فى الآية متفقون على تفسير الربا فى الآية بالزائد فى القرض والسلف، ومجمعون على أنه هو الربا الذى كان عليه أهل الجاهلية، كما تقدم ذكره عن ابن رشد وغيره؟ فلو كان الربا مجملا غير معلوم . ·المراد عند العرب لم يذكروا ربا الجاهلية فى تفسيره، بل اقتصروا على تفسيره بالسنة فقط. والمستفتى حيث لم يعرف بمرادهم جعل يورد عليهم ما لا يرد إلا عليه، فقال موردا على ٥٤٤ ج - ١٤ ابن الهمام فى تفسير الآية: هذا خلاف ما قال أولا من أن الربا بيع، وأيضًا: هو صرح بنفسه فى التحرير أن الآية مجملة والحديث يفسرها، فكيف يصح منه هذا القول اهـ (٢٤)، ولم يدر المسكين أن الفقهاء والمصنفين إذ ذكروا الربا فى باب البيوع يريدون به ربا البيع، دون المعنى العام الشامل لربا الدين أيضًا، ولذا يقولون فى بات البيوع هو أى الربا من البيوع المنهية قطعًا، ويعرفونه بما يشعر بكون الربا بيعًا، فظن المستفتى أن الإبا لا يتحقق إلا بالبيع، وهذا باطل قطعًا، فإن الربا الذى هو فرد من أفراد البيع يسمى بربا البيع، ويقال له: ربا السنة أيضًا. وأما ربا الدين، ويقال له: ربا القرأن، وربا الجاهلية أيضًا، فليس من أفراد البيع، وهذا هو معنى قول الفقهاء: إن الربا خص من قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾، بقوله: ﴿وحرم الربا﴾ أى خص ربا البيوع من قوله: ﴿وأحل الله البيع﴾، ولا يلزم من كون قسم من الربا داخلا فى البيوع أن يكون جميع أقسامه من أفراد البيع داخلا فيه، كما زعمه المستفتى، والمراد بكون الآية مجملةً ما ذكرناه مرارا، فلا نعیده، فتذکر. ويرشد (١) إلى ما قلنا قول الشاه ولى الله حكيم الأمة فى "حجة الله البالغة": وكذلك الربا، وهو القرض على أن يؤدى إليه أكثر وأفضل مما أخذ سحت باطل، إلى أن قال: واعلم أن الربا على و جھین: حقیقی، ومحمول عليه. وأما الحقيقى: فهو فى الديون، والثانى: ربا الفضل، والأصل فيه الحديث المستفيض: ((الذهب بالذهب)) الحديث، وهو مسمى بربا تغليظا، وتشبيها له بربا الحقيقى، وبه يفهم معنى قوله معَّهِ: ((لا ربا إلا فى النسيئة)) ثم كثر فى الشرع استعمال الربا فى هذا المعنى حتى صار حقيقة شرعية فيه أيضًا اهـ، وقال ابن الهمام فى "الفتح" باب الصرف: إن اسم الربا تضمن الزيادة من الأموال الخاصة فى أحد العوضين فى قرض أو بيع اهـ، وفى "الملتقى" الربا هو فضل مال خالٍ عن عوض شرط لأحد العاقدين فى معاوضة مال بمال، وذكر العلامة شيخ زاده فى "شرح العاقدين البائعين أو المقترضين" اهـ. ومن فهم منه كون القرض بيعا كما ذكره المستفتى عنه - وعده من الأعلام- فقدسها(٢) سهوا ظاهرا، بل معناه ما حققناه أن الربا منه ما يكون فى البيع، ومنه ما يكون فى القرض، كما قاله (١) ذکر الأقوال کلها المستفتی فی ص٢٣ و ص ٢٤ و ص ٢٥. (٢) فإن القرض غير البيع حتما، نعم إن أراد أن القرض المشروط بالفضل فى حكم البيع فصحيح، لكون شرط الفضل فيه مؤديا إلى كونه معاوضة ابتداء، وانتهاءً، والقرض ليس كذلك، فيبطل العقد، ويلغو الشرط صونًا للعقد عن الانقلاب عن حقيقته. 35 إعلاء السنن - رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا" ٥٤٥ الجصاص، وابن رشد، ونقل اتفاق الكل عليه، وذكره الطحاوى أيضاً، وصرح به الشاه ولى الله، وقبله ابن الهمام وغيره، كابن القيم والفخر الرازى. وأورد عليه المستفتى (فى حاشية ص٢٤) أن هذا ليس بصحيح، لأن جمهور العلماء قالوا بإجمال الآية، ويكون الحديث مفسرا للآية، فهذا يكون ربا حقيقيا، لأنه ليس فى القرآن ربا سوى ما ثبت كونه ربا بالسنة، فلا نجترئ على أن نقول: إن ما ثبت كونه ربا من القرآن والحديث هو ربا غير حقيقى، ولا الذى لم يرد فيه حديث، ولا أثر خالٍ عن العلة يكون ربا حقيقيا اهـ. والجواب أن قوله: "ليس فى القرآن ربا سوى ما ثبت كونه ربا بالسنة" غلط ظاهر كما حققناه قبل، وذكر أن الطحاوى صرح بكون ربا القرآن غير الربا الذى ورد به السنة، وهذا هو الحق، وإلا لزم كون العرب، وأهل الكتاب غير عارفين بمعنى الربا قبل علمهم بالسنة، وهذا لا يقوله من له أدنى معرفة باللسان والشرع، وأما قوله: "إن الربا الذى جعلوه ربا حقيقيا لم يرد به أثر خالٍ عن العلة"، فأبطل وأبطل، وسنتكلم عليه فيما سيأتى، وإن سلمنا فقيام الإجماع على كونه ربا الجاهلية الذى نهى الله عنه فى القرآن أغنانا عن تحقيق سنده. وأورد عليه (فى حاشية ص ٢٣) أيضًا بقوله: والعجب أن ما يدعى أنه ربا حقيقى، فلا ذكر له على لسان الشرع، وأما المحمول عليه، والمشبه به فهو مروى عن جماعة من الصحابة، وكذلك الفقهاء لا یذکرون الربا الحقیقی إلا تبعا واستطراداً، ويأتون جميع الفروع والتفاصيل فى باب الربا غير الحقیقی. والجواب عنه أولا أن الشرع لم يذكر من أحكام البول والعذرة إلا حكم النجاسة، ولم ، يتعرض لحرمة أكلهما وشربهما، وكذلك الفقهاء لم يتعرضوا لها، وإنما ذكروا جميع الفروع والتفاصيل فى باب النجاسة فقط، فهل يجترئ أحد من الجهلاء فضلا عن العقلاء على القول بحل تناولهما أكلا وشربا، كلا! لن يجترئ أحد على القول بمثل ذلك أبدا، فكذا الربا فى القرض إن سلمنا قلة تعرض الشارع والفقهاء له، فليس ذلك لكونه جائزا أو أقل من ربا البيع حرمةً، بل سببه عدم الحاجة إلى التعرض به، لكون الربا فى القرض والدين معلوما كونه ربا عرفًا، بل هو الذى كانت العامة تعرفه بالربا، وربا البيع كان خافيا على الناس لم يكونوا يعدونه ربا، فلذا تعرض له الشارع والفقهاء أكثر من الأول، فافهم، ولا تكن من المكابرين، فإن حرمة الربا ليست مختصة بالشريعة الإسلامية، بل هى محرمة فى الأديان والملل كلها. ٥٤٦ ج - ١٤ فأنشدك الله أن تسأل أهل الأديان والملل والجهلاء من المسلمين عن الربا ما هو عندهم؟ فلا تجد(١) أحدا ينكر كون القرض المشروط بالزيادة ربا، نعم ربا البيع لا يعده كثير منهم ربا، وإذا كان كذلك فالشارع الحكيم، وكذا نوابه الفقهاء لا يتعرضون إلا لتفصيل ما كان خافيا دون ما كان ظاهرا بادیا. وثانيا: أنا لا نسلم قلة تعرض الشارع، ونوابه الفقهاء لربا القرض الذى هو ربا حقيقى، فقد صح عنه عَّ ◌ُّه أنه قال: ((لا ربا إلا فى النسيئة))، وهو حديث صحيح أخرجه البخارى ومسلم وغيرهما عن ابن عباس عن أسامة، وقد ذكرنا أنه محمول على الربا الأكبر، وقال عدّ له: ((كل قرض جر منفعةً فهو ربا))، وهو حديث حسن لغيره، صرح به العزيزى فى شرح "الجامع الصغير" للسيوطى (٨٧:٣)، والحسن لغيره حجة أيضًا، كما لا يخفى على من مارس الحديث والفقه، وسيأتى ذكر الآثار فيما بعد، إن شاء الله تعالى. وأما الفقهاء فقد تعرضوا لكلا القسمين من الربا، ولكنهم يبحثون عن ربا البيع فى أبواب البيوع، وعن ربا الدين فى باب القرض، ولما كان ربا البيع طويل الذيل دقيق المباحث کثر بحثهم عنه، واشتغلوا بتفصيل أحكامه وتفريع شعوبه، بخلاف ربا الدين، فلم يطولوا فى ذكره لضبط أحكامه، وقلة فروعه، وظهور حقيقته على الناس كلهم كما لا يخفى، وأكثر الفقهاء عرفوا الربا بما يعم كلا القسمين، ربا المبايعة وربا الدين، فقد قال فى "الهداية": الربا هو الفضل المستحق لأحد المتعاقدين فى المعاوضة، وفى "الملتقى": الربا فضل مال خالٍ عن عوض، شرط لأحد العاقدين فى معاوضة مال بمال. وفى "العالمكيرية": الربا فى الشريعة عبارة عن فضل مال لا يقابله عوض فى معاوضة مال بمال، وفى "النقاية": الربا هو فضل خالٍ عن عوض بمعيار شرعى بشرط أحد المتعاقدين فى المعاوضة، ذكر الأقوال كلها المستفتى نفسه (ص١٠ و٢٥)، وفى "تنوير الأبصار": هو فضل خالٍ (١) (تنبيه) قال المستفتى فى آخر الاستفتاء بوجوب اعتبار العرف، والعادة، وحال الزمان فى الأحكام، فنقول: إن عرف أهل الإسلام یقتضی تخصیص آیة الربا بربا لقرض لا غیر، فإنهم لا يعرفون غير ذلك بالربا، و كذا حال الزمان تقتضى تحريم ربا القرض أشد تحريم، لفشو الإفلاس، وكثرة الإعسار فى المسلمين، واضطرارهم إلى الاستقراض من أرباب الأموال، وقليل ما هم، وبتجويز الاسترباح على القرض لا يزول إفلاس المفاليس، بل يفضى ذلك إلى استباحة بيضتهم، وخروج الديار والعقار من أيديهم كما هو شاهد، ففيه ترك مصالح العامة لمراعاة الخاصة، وليس ذلك من العدل فى شىء، وإنما العدل ترجيح مصالح الأكثرين على الأقلين، فافهم. ٥٤٧ رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا" إعلاء السنن عن عوض بمعيار شرعى مشروط لأحد المتعاقدين فى المعاوضة. والمستفتى حمل تلك التعريفات كلها على البيع، حمل المتعاقدين على البائع والمشترى، وزعم أن القرض ليس من المعاوضة، هذا باطل قطعا، فقد قال فى "رد المحتار" تحت تفسير صاحب "الدر" للمتعاقدين بقوله: أى بائع ومشتر، ما نصه: أى مثلا، فمثلهما المقرضان والراهنان، "قهستانى" اهـ (٢٧٤:٤)، وكذا فسر العلامة الشيخ زاده لفظ المتعاقدين فى "شرح الملتقى" 3 بالبائعين أو المقترضين، كما ذكره المستفتى (ص٢٥). قلت: فكل من ذكر لفظ البيع، أو البائع، والمشترى من الفقهاء فی حد الربا فهو تمثیل، وليس مراده قصر الربا، وحصره فى البيع كما زعمه المستفتى، ووجه ذكرهم البيع أو البائعين فى حد الربا تمثيلا لكثرة بحث الفقهاء عن ربا الفضل، لكثرة شعوبه ودقة أحكامه، يدل عليه قول ابن عابدين موردا على حد الربا الذى ذكره فى تنوير الابصار بما نصه: وهذا لا يدخل ربا النسيئة، ولا البيع الفاسد إلا إذا كان فساده لعلة الربا ثم أجاب عن هذا الإيراد بقوله: فالظاهر من كلام المصنف تعريف ربا الفضل، لأنه هو المتبادر عند الإطلاق اهـ (٤: ٢٧٢) أى فى كلام الفقهاء لكثرة بحثهم عنه لما ذكرنا، وبهذا ظهر لك صدق ما قلنا آنفًا، إن الحدود التى ذكرها الفقهاء فى معنى الربا، منها ما هو حد لأحد قسمیه أی ربا البیع، ومنها ما هو حد حقیقی له یعم كلا القسمین له، وقد اغتر المستفتى برؤية لفظ البيع فى بعض الحدود، فزعم أن الربا مختص بالبيع منحصر فيه لا غير. وأما قوله: "إن القرض ليس من المعاوضات" فباطل، كيف؟ وقد صرح الفقهاء بكونه معاوضةً انتهاءً، فكيف لا يكون داخلا فى المعاوضة المذكورة فى حد الربا؟ إلا أن يقيم الدليل على أن المراد بالمعاوضة فيه المعاوضة ابتداءً، وانتهاءً، فإن قدر على ذلك فليرنا نصًا من واحد من الفقهاء المقتدى بهم فى الدين يفيد تخصيص المعاوضة بالمعنى الذى ذكره، وأما نحن فقد أريناه ما يشعر صريحا بأن ذكر البيع، والبائعين فى حد الربا، إنما هو للتمثيل لا للقصر، فكون القرض غير اليع، لا يستلزم خروجه عن المعاوضة أيضًا، لا سيما القرض المشروط بالفضل، فإنه معاوضة ابتداء وانتهاءً، فإن الهبة لما تغيرت عن كونها تبرعا محضا باشتراط العوض فيها إلى كونها معاوضة انتهاءً فى حكم البيع بعد التقابض كما فى "الهندية"، لا بد أن يتغير القرض عن كونه معاوضة انتهاءً إلى كونه معاوضة ابتداء وانتهاءً بشرط الفضل فيه، ومن ادعى غير ذلك فليأت ببرهان من كلام الفقهاء، ولا يقبل دعواه وحده، فقد بينا فساد قياسه، وسيأتى الإشارة إلى كون القرض المشروط بالفضل فى حكم البيع فى كلام الإمام مالك والشافعى. ٥٤٨ ج - ١٤ وأما ما نقله المستفتى من تصريحات الفقهاء بكون القرض تبرعا ابتداء بخلاف البيع (فى ص٢٦ و٢٧)، فكلها فى القرض غير المشروط بالفضل والمنفعة، وهو عند الجمهور معلوضة انتهاءً، ولا عبرة بقول من جعله عارية، وقال: إنه من باب الإرفاق لا من باب المعاوضات مطلقًا، فغلطه بين، لكونه خلاف المشاهد، وخلاف غرض العاقدين، ولكونه منافيا لحد القرض، فإن العارية مردودة بعينها، ولذلك لا يصح عارية الأثمان والمكيل، والموزون ضرورة استهلاك عينها، ولا كذلك القرض، ولو لم يكن من باب المعاوضات لم يستحق الدائن المطالبة عن المديون إذا أعسر، ولم يبق عنده شىء كالعارية إذا هلكت بلا تعد، وإطلاق المنيحة عليه فى الحديث للترغيب والتحضيض عليه، كإطلاق الصدقة، فهل يستدل بإطلاق الصدقة عليه على عدم وجوب الرد على المديون أصلا؟ وأما القرض المشروط بالفضل والمنفعة فلم يقل أحد: إنه من باب الإرفاق، بل اتفقوا على كونه مثل البيع، ثم اختلفوا فقال الشافعى ومالك ببطلان عقد القرض، أما قول الشافعى: فذكره العزيزى فى شرح حديث: ((كل قرض جر منفعة فهو ربا)) أى فهو حرام، وعقد القرض باطل اهـ (٨٧:٣)، وقول مالك ذكره فى "المدونة"، وسيأتى. وقال الحنفية: يبطل الشرط لكونه منافيا للعقد، ويبقى القرض صحيحا، وقولهم ببطلان الشرط لكونه منافيا للعقد: فيه تصريح بأن القرض إذا كان مشروطا بالمنفعة يلزم منه انقلابه بيعًا، ولذا أبطلوا الشرط حفظا للعقد عن الانقلاب، وإلا لم يكن لإبطلاله معنى، ومرادهم بكون القرض صحيحا، والشرط باطلا، أن المستقرض إذا قبض الدراهم التى استقرضها بالشرط يصير دينا عليه، ولا تكون أمانة غير مضمونة، وأما إن الإقراض والاستقراض بالشرط جائز فكلا، فقد صرح فى "الدر" عن "الخلاصة" القرض بالشرط حرام، والشرط لغو، وفيه أيضًا: واعلم أن المقبوض بقرض فاسد كمقبوض ببيع فاسد سواء اهـ (٢٦٦:٤ و٢٧٠)، فثبت بذلك أن القرض المشروط بالنفع كالبيع عندهم، ولذا أبطلها الشافعى ومالك عقد القرض، والحنفية أبطلوا الشرط صونا له عن معنى البيع، فافهم. فقول المستفتى: إن القرض من التبرعات دون المعاوضات عند الفقهاء، غلط بين إن أراد به أنه من التبرعات المحضة، وليس من المعاوضة فى شىء، فإنهم لما عرفوا الربا بفضل خالٍ عن عوض لأحد من المعاقدين فى المعاوضة، وفسروا المتعاقدين بالبائعين والمقترضين، وصرحوا بأن ذكر بعضهم البائع والمشترى فى تفسير المتعاقدين، إنما هو مجرد تمثيل، ظهر بذلك كون القرض ٥٤٩ رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا" إعلاء السنن والاقتراض من المعاوضة، وإلا كان قيد المعاوضة منافيا لتعميم المتعاقدين للمقترضين، ولا يلزم من كونه معاوضة كونه بيعا، فإن الرهن أيضًا من المعاوضة، وليس من البيع، فافهم. فقد ظهر بذلك بطلان ما أراده المستفتى بإثبات المغايرة بين القرض والبيع (فى ص٢٦ و ٢٧ و٢٨ و٢٩ و٣٠)، وحاصله: أن الربا مختص بالبيع، والقرض ليس منه، وهذا كله بناء الفاسد على الفاسد، فقد بينا أن الربا لا ينحصر فى البيع، بل يجرى فى المعاوضات بأسرها، والقرض من المعاوضات، لا سيما القرض المشروط بالنفع، فإنه مثل البيع، وأكبر ما استدل به المستفتى على عدم جريان الربا فى القرض وقصره على البيع، أن تحقيق الربا لا يتوف على الشرط، بل الزيادة بلا شرط ربا أيضاً، كما صرح به ابن عابدين فى " شرح الدر" (٢٧٤:٤). قال: ودليله ما فى "المدونة": إن أبا بكر الصديق رضى الله عنه راطل أبا رافع الحديث (ص٧)، قال المستفتى: فيه دلالة على أن الزيادة فى القرض ليست بربا، لأنه لو كانت ربا لحرمت بدون شرط أيضًا، ولم يقل به الفقهاء، على أنه ثبت بالأحاديث الصحيحة أن النبى معَ ◌ّ زاد وقت الأداء فى القرض اهـ (ص٨). أقول: أما استدلاله بأثر الصديق على أن الربا لا يتوقف تحققه مطلقا على الشرط، فغير تام لوجوه: الأول: ضعف الأثر وشدة وهنه، فإن فى سنده محمد بن السائب الكلبى متروك بالمرة، متهم بالكذب، ورمى بالرفض، كما فى التقريب (ص١٨٢)، و "تهذيب التهذيب" (١٧٨:٩)، وهو يروى عن أخيه سلمة أو أبى سلمة بن السائب، وهو مجهول لا يعرف له راوٍ غير أخيه محمد ابن السائب الكلبى، ولم يثبت سماع سلمة بن السائب عن أبى رافع، والعجب من الذى يضعف حجة الجمهور بحديث: ((كل قرض جر منفعةً فهو ربا))، كيف يؤسس بنيان دعواه على مثل هذا الأثر الواهى؟ فلم يبق له دليل فى عدم توقف الربا على الشرط سوى قول ابن عابدين، فإن كان قول ابن عابدين فى ذلك حجة له، فليكن قوله فى تفسير المتعاقدين مثل المقترضين والراهنين حجة عليه أيضًا، وهو يفيد جريان الربا فى القرض، وكونه من المعاوضة خلاف ما زعمه المستفتى. وثانيا: لو سلمنا صحة الأثر فغاية ما فيه أن تحقق الربا فى المراطلة (أى الذهب بالذهب والورق بالورق) لا يتوقف على الشرط، فإن الأثر إنما ورد فى ربا البيع، وربا الفضل، ولا يلزم منه عدم توقف تحققه على الشرط فى ربا الدين أيضًا. وثالثا: أنا لا نسلم أن تحقق الربا فى القرض موقوف على الشرط عند الفقهاء مطلقا، بل فيه تفصيل عندهم، حاصله: أن المنفعة الحاصلة من المقترض لا تخلو إما أن تكون قبل أداء الدين، أو بعده، كأن يهدى الغريم إلى الدائن، أو يطعمه الطعام ونحوه، أو تكون وقت الأداء، وهذا ج - ١٤ ٥٥٠ الأخير على وجهين: إما أن تكون المنفعة الحاصلة من جنس الجودة، أو من جنس الزيادة فى الوزن والكيل، فهذه صور ثلاث، الأولان(١): يتوقف حرمتهما على الشرط عند البعض، والثالث: حرام مطلقا، سواء كان مشروطا أو لا، إلا أن تكون الزيادة قليلة لا تظهر فى موازين الوازنين، كزيادة دائق فى مائة درهم ونحوها، أو تكون الزيادة بطريق الهبة والعطية(٢)، والنائلة، ويعتبر فيه شروط الهبة من صحتها فى المشاع فيما لا يقسم، وعدم صحتها فى مشاع يقسم، وصرح مالك باشتراط أن تكون هبة الزيادة فى غير مجلس قضاء الدين، ولا تجوز إن لم تتبدل المجلس. وقال الشامى فى "رد المحتار" تحت قول "الدر": فلو استقرض الدراهم المكسورة على أن يؤدى صحيحا كان باطلا، وكذا لو أقرضه طعاما بشرط رد فى مكان آخر، وكان عليه مثل ما قبض، فإن قضاه أجود بلا شرط جاز ويجبر الدائن على قبول الأجود، وقيل: لا "بحر" اهـ، ما نصه: وذكر الشارح أعطاء الأجود، ولم يذكر الزيادة، وفى "الخانية": وإن أعطاه المديون أكثر مما عليه وزنا، فإن كانت الزيادة تجرى بين الوزنين أى بأن كانت تظهر فى ميزان دون ميزان جاز، وأجمعوا على أن الدانق فى المائة یسیر یجری بین الوزنین، وقدر الدرهم والدرهمین کثیر لا يجوز، واختلفوا فى نصف الدرهم، قال الدبوسی: إنه فى المائة کثیر یرد على صاحبه، فإن كانت كثيرة لا تجری بین الوزنین إن لم يعلم المديون بها ترد على صاحبها، وإن علم وأعطاها اختيارا، إن كانت الدرهم المدفوعة مسكرة أو صحاحا لا يضرها التبعيض لا يجوز إذا علم الدافع والقابض، وتكون هبة المشاع فيما يحتمل القسمة، وإن كان يضره التبعيض وعلما جاز، وتكون هبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة اهـ (٢٧٠:٤)، ومثله فى "الخلاصة" (١٠٢:٣). وفى "العالمكيرية" فى قبول هدية الغريم، وإجابة دعوته بعد ذكر الاختلاف بين الكرخى، وشمس الأئمة الحلوانى، فقال الأول: لا بأس به إذا لم يكن مشروطا فى القرض، وقال الثانى: إنه حرام، ما نصه: قال شمس الأئمة ما ذكر محمد (فى كتاب الصرف أنه لا بأس به) محمول على ما إذا كان يدعوه قبل الإقراض أما إذا كان لا يدعوه أو يدعوه قبله فى كل عشرين يومًا، وبعد الإقراض جعل يدعو فى كل عشرة أيام، أو زاد فى الباجات فإنه لا يحل، ويكون خبيثا، وإذا رجح (١) أى المنفعة الحاصلة قبل الأداء أو بعده، والحاصلة وقت الأداء من جنس الجودة. (٢) وهذا هو معنى قول الشافعى فى "الأم": إن أسلفه شيئا، ثم اقتضى منه أقل فلا بأس، لأنه متطوع له بهبة الفضل، وكذلك إن تطوع له القاضى بأكثر من وزن ذهبه فلا بأس، إلى أن قال: فلا بأس إذا كان هذا متطوعا، وإن كان هذا عن شرط، فلا خير . فيه، لأن هذا حينئذ ذهب بذهب أكثر منها اهـ (٢٧:٣ و٣٠)، وفيه دلالة على أن القرض ينقلب بيعًا بالاشتراط، فافهم. ٥٥١ رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا" إعلاء السنن فى بدل القرض، ولم يكن الرجحان(١) مشروطا فى القرض فلا بأس به، كذا فى "المحيط". وإن أعطاه المديون أكثر مما عليه وزنا، فإن كانت الزيادة تجرى بين الوزنين جاز، وأجمعوا على أن الدانق فى المائة يسير يجرى بين الوزنين، وقدر الدرهم والدرهمين كثير لا يجوز، واختلفوا فى نصف الدرهم، قال الدبوسى: نصف الدرهم فى المائة كثير يرد على صاحبه، فإن كانت الزيادة كثيرة لا تجرى بين الوزنين إن لم يعلم المديون بالزيادة يرد على صاحبها، وإن علم المديون بالزيادة، فأعطاه الزيادة اختيارا هل يحل الزيادة للقابض؟ إن كانت الدراهم المدفوعة مكسورة، أو صحاحا لا يضره التبعيض لا يجوز - إذا علم الدافع والقابض، وأما إذا كانت الدراهم صحاحا يضرها. الکسر، فإن کان الرجحان زیادة یمکن تمییزها بدون الکسر، بأن کان یوجد فيها درهم خفيف يكون مقدار الزيادة لا يجوز، وإن كان الرجحان زيادة لا يمكن تمييزها بدون الكسر يجوز بطريق الهبة، كذا فى "المحيط" اهـ (١١١:٤). وبهذا التفصيل اندفع ما عسى يتوهم أن مدار جواز الرجحان فى الوزن فى بدل القرض على اشتراط الرجحان، وعدم اشتراطه، كلا، بل الرجحان إن كان مشروطا لا يجوز مطلقا لا قليلا، ولا كثيرا، وإنما الكلام فى غير المشروط، فيجوز بطريق الهبة إذا كان مشاعا فيما لا يقسم، ولا يجوز فيما يقسم إلا مفرزا متميزا، فلو كان مدار الجواز على عدم الاشتراط لم يحتاجوا إلى مثل هذا التطويل والتفصيل فيما يقسم ولا يقسم، وفيما يجرى بين الوزنين، وفيما لا يجرى بينهما، فافهم. وصرح ابن القاسم فى "المدونة" عن مالك فى الرجل يتسلف الدراهم فيقضى أوزن، أو أكثر، قال: لا يعجبنى أن يقضيه فضل عدد، لا فى ذهب، ولا فى طعام عند ما يقضيه، ولو كان ذلك بعد ذلك لم أر بذلك بأسًا إذا لم يكن فى ذلك(٢) عادة ولا موعد، ومعنى قوله: "بعد (١) المراد الرجحان القليل أو ما يكون هبة بدليل ما سيأتى. (٢) عرف متعارف، ولا بد من هذا القيد عندنا أيضًا، فإن المعروف كالمشروط كما صرح به فقهاؤنا فى غير ما موضع، وأما ذكره الحموى تحت قول "الأشباه": لو جرت عادة المقترض برد أزيد مما اقترض هل يحرم إقراضه تنزيلا لعادته بمنزلة الشرط اهـ، ما نصه: قيل: الذى يؤدى إليه نظر الفقيه أنه لا يحرم، لأنه يحمل على المكافأة على المعروف، وهو مندوب إليه شرعًا، حيث دفعه المقرض قرضا محضا، فجازاه عليه، ولم يشترط، ودفعه المستقرض لا على وجه الربا اهـ (ص٨٢)، ففيه أنه لا يحل الإفتاء من القواعد والضوابط، وإنما على المفتى حكاية النقل الصريح كما صرح به الحموى بعد ذلك بقليل، فالقول الذى حكاه بقيل لا حجة فيه، مع كونه خلاف القاعدة المشهورة، المشروط عرفا كالمشروط شرعًا، وإن سلم، فلا راحة فيه للمستفتى، لاتفاق هذا القائل على حرمته إذا كان مشروطًا، والله أعلم. ٥٥٢ ج - ١٤ ذلك" أى بعد مجلس القضاء الذى يقضيه فيه يزيده بعد ذلك، وأما حين يقضيه فلا يزيده فى ذلك المجلس اهـ (١٠٧:٣). قلت: والزيادة بطريق الهبة يجوز فى بيع الصرف أيضًا، كما سنذكره، وعلى هذا فأثر أبى بكر الصديق الذى نقله المستفتى عن "المدونة" محمول عندنا على التورع والتنزه على تقدير صحته، لأن أبا رافع كان قد أحل له الزيادة أی وهبها له، والخلخال مما يتضرر بالكسر وينتقض به، وهبة المشاع فيما لا يقسم جائزة، ومع ذلك لم يرض بها الصديق، وردها عليه، فذلك(١) من ورعه رضى الله عنه وتقواه. قال فى "الدر": فليس الفضل فى الهبة بربا، فلو شرى عشرة دراهم فضة بعشرة دراهم، وزاده دانقا إن وهبه منه انعدم الربا، ولم يفسد الشراء، وهذا إن ضرها الكسر، لأنه هبة مشاع لا يقسم، كما فى "المنح" عن "الذخيرة" عن محمد، وفى "الخلاصة": لو باع درهما بدرهم، وأحدهما أكثر وزنا، فحلله زيادته جاز، لأنه هبة مشاع لا يقسم اهـ، قال ابن عابدين تحت قوله: "وزاده دانقا" أى ولم يكن مشروطا فى الشراء، كما هو فى عبارة "الذخيرة" المنقول عنها إلى أن قال: فلو مشروطة وقع العقد على الكل، ووجب نقض العقد حقا للشرع، ثم قال: وإن الزيادة إنما تصح إذا صرح بكونها هبة، فتكون هبة بشروطها، ومع عدم التصريح فهى باطلة، وهو الذى فى "المجمع" اهـ (٢٨٥:٤ و ٢٨٦). قلت: وبعد ذلك ظهر لك بطلان قول المستفتى: إن الفضل فى البيع أى بيع الصرف، ونحوه ربا مطلقا، لا دخل فیه لتراضی العاقدين إلخ (ص ٧٠)، و کذا تفرقته بین ربا البيع، وربا الدين، بأن الأول لا يتوقف تحققه على الشرط، والثانى يتوقف تحققه عليه، بل الحق إن الزيادة الذى لا تجوز فى البيع الربوى مطلقا لا تجوز فى الدين كذلك، والتى تجوز فى الدين بلا شرط كقبول الهدية، وإجابة الدعوة قبل أدائه أو بعده لا مع الأداء، تجوز فى بيع الصرف كذلك أيضاً، وكذا المنفعة الحاصلة من جهة الجودة والوصف تجوز بلاشرط فى الصورتين. وكل ما استدل به المستفتى من الآثار على جواز الزيادة على القرض (فى ص١٨ وص١٩)، (١) قال الشافعى فى مسألة مراطلة الذهب بالذهب أى بيعهما بالوزن، ما نصه: وإن رجحت إحدى الذهبين فلا بأس أن يترك صاحب الفضل فضله لصاحبه لأن هذا غير الصفقة الأولى اهـ(٢٩:٣) أى لكونه هبة والهبة صفقة أخرى غير البيع والله أعلم. ٥٥٣ رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا إعلاء السنن لا حجة له فيه، أما حديث جابر إنه مرّ ◌ُّه قال لبلال: ((زن فارجح فى الميزان، فأعطانى أوقية من ذهب وزادنى قيرطا))، ففيه أنها زيادة قليلة لا تظهر فى الوزنين، فإن القيراط هو نصف عشر الدينار فى أكثر البلاد، وعند أهل الشام جزء من أربعة وعشرين منه، كذا فى "مجمع البحار" (١٣٤:٢)، والأوقية وزن أربعين درهما، كما فيه أيضًا (٤٥٩:٢)، قلت: هذا أوقية الفضة، وأما أوقية الذهب فهى قد تساوى مائتى درهم المساوية بعشرين دينارا، كما ورد فى رواية عند البخارى عن أبى نضرة عن جابر رضى الله عنه: "اشتراه بعشرين دينارا" (٣٧٥:١)، فنسبة القيراط إلى الأوقية أقل من نسبة نصف درهم إلى مائة درهم، ومثل هذه الزيادة جائزة، وإنما اختلفوا فى نصف الدرهم، وأيضًا: فإن تلك الزيادة إنما كانت فى ثمن الإبل، وهى ملحقة بالعقد إذا كان المبيع قائما، وجائزة بالاتفاق فى غير الصرف، لا سيما فيما نحن لعدم جريان الربا فى الأوقية والحيوان، فافهم. وأما ما روى أبو هريرة: "أن رجلا أتى النبى مطلّ يتقاضاه، قد استسلف منه شطر وسق، فأعطاه وسقا، فقال: نصف وسق لك، ونصف وسق من عندى إلخ"، وفى رواية: "جاء صاحب الوسق يتقاضاه، فأعطاه وسقين، فقال: وسق لك ووسق نائل من عندى إلخ"، ونحوه من الآثار ففیه تصریح من النبی مګ بكون الزيادة هبة، ونائلا من عنده، وما لا تصریح فيه به يحمل عليه، لكون الأحاديث بعضها يفسر بعضها، وهو محمول على أنه معّ له وهبه الزيادة مفرزة متميزة عن حقه الذى قضاه، ومالك يزيد فيه قيد تبدل المجلس أيضًا، بأن قضاه حقه أولا، ثم لما قبضه واستوفاه) وأراد أن يذهب به وهبه الزيادة بعده. فإن قيل: وأين الدلالة فى الآثار على مثل تلك القيود؟. قلنا: ومن أين الدلالة فى هذه الآثار على كون القضايا وقعت بعد نزول أحكام الربا وتشريعها؟ لم لا يجوز أن تكون(١) قبله؟ كما قالت الحنفية فى استقراضه مَّ ◌ُلّ الإبل: إن ذلك كان قبل تحريم الربا، ثم نهى عَّ عن الحيوان بالحيوان نسيئة، قاله الطحاوى فى "معانى الآثار" (٢٢٩:٢)، فإن سلمنا كون تلك القضايا وقعت بعد تحريم الربا، نقيدها بقيود عرفناها من نصوص أخر غيرها، وإلا فلا لوم علينا إن قلنا بنسخها بآية الربا، وبالأحاديث الواردة فيه، فافهم. وأما ما نقله المستفتى عن العينى بلفظ: وفيه ما يدل أن المقرض إذا أعطاه المستقرض أفضل مما (١) وأما تأخير إسلام الراوى فلا ينافى ذلك، لاحتمال أن يكون رواه بالإرسال عن صحابى قديم الإسلام، كما قلنا مثل ذلك فى حديث أبى هريرة عن قصة الكلام فى الصلاة. ج - ١٤ ٥٥٤ اقترض جنسا، أو كيلا، أو وزنا أن ذلك معروف، وأنه يطيب له أخذه إلخ (ص ١٧)، فهو محمول على الزيادة القليلة التى لا تجرى بين الوزنين، أو على ما تكون بطريق الهبة والنائلة من المستقرض، وإلا فنقول: إن إطلاق هذا الحكم منسوخ، بدليل نسخ استقراض الحيوان الوارد فى هذا الحديث، وإذا كان جزء من الحديث منسوخا لا يصح الاستدلال بباقيه، لحدوث احتمال النسخ فيه. والعجب من المستفتى كيف يحتج باستدلال العينى هذا؟ ولا حجة فيه على أحد، ولا يحتج بنقله الإجماع بقوله: وقد أجمع المسلمون نقلا عن النبى عّ لّره أن اشتراط الزيادة فى السلف ربا اهـ، مع كونه حجة فى النقل لكونه ثقة فيه، عارفا بمذاهب العلماء، بل قدح فيه (فى حاشية ص ١٧) بأن العلامة العينى شرح "الهداية" بعد "شرحه" للبخارى بكثير من الزمان، واعترف فيه بأنه لم يثبت فى هذا الباب النهى عن النبى ◌ّه، وهو المعتبر لأنه آخر أقواله إلخ. ومنشأ القدح عدم إدراكه بمراد العينى، ولذا ظن قوليه متعارضين، ولا تعارض بينهما، فإن كلامه فى "شرح الهداية" على سند حديث: ((كل قرض جر نفعا)) معناه بعد صحة النقل أن هذا الحديث لم يثبت بهذه الطريق عن النبى عدّ له على طريقة علم الإسناد، ومعنى كلامه فى "شرح البخارى" أن النهى ثبت عن النبى معَّ، بطريق إجماع المسلمين عليه نقلا عنه، ولا يلزم من عدم ثبوت النقل بطريق الإسناد عدم ثبوته بطريق الإجماع والتلقى، فقد مر فى الأصل الرابع أن مدار الصحة لیس علی الإسناد فقط، بل قد يصح بالتلقی، واستدلال المجتهد به، وإن لم یکن له سند يعول عليه. فيا لتلبيس هذا المستفتى! كيف يحرف الكلم عن مواضعه، ويخدع الجهلاء بتناقض هذا الكلام وتدافعه، مع أنه برىء من كل ذلك، وأبعد عنه بمراحل، أو نقول: حاصل كلامه فى "شرح الهداية" عدم ثبوت النهى عن كل منفعة، مشروطة كانت أو غير مشروطة، وفى شرح "البخارى". ثبوت النهى عن اشتراط الزيادة فى القرض، وكونه ربا بإجماع المسلمين نقلا عن النبى معَّ اله فافهم، ولا تعجل فی رد بعض الكلام ببعض ونقضه به. وأما استدلال المستفتى بكون آية الربا مجملة، والأحاديث بيانا لها، فقد فرغنا عن الجواب عنه. فإن قيل: حاصله: أن الربا كان معلوم المراد عند العرب، ثم صار مجملا حين أدخل الشارع فيه أشياء لم يكن العرب يعرفه بالربا، ومقتضاه حدوث الإجمال فى الآية بسبب الأحاديث، مع أن ج - ١٤ ٥٥٥ الفقهاء جعلوا السنة بيانا لها، ولا يجوز كون البيان سببا للإجمال، قلنا: سبب الإجمال من الأحاديث بعضها، وهى التى تدل على أن للربا معنى شرعيا أعم من العرفی، کحدیث: «إن الربا بضع وسبعون شعبة))، والبيان منها بعضها كحديث أبى سعيد وعبادة، ومثل ذلك جائز حتما، وحاصله: كون الآية مجملة فى الربا الشرعى، ظاهرة فى العرفى الذى كان أهل الجاهلية بتعارفونه ويتعاملون به، وهو الذی نعاہ الله إليهم. ثم نقول: لو سلمنا الإجمال فى ربا القرآن مطلقا، فلا نسلم كون ربا البيع ربا بمنصوصًا، وربا الدين ربا قياسيًا، بل نقول: بأن كلاهما منصوص، أما الأول: فيبيان السنة المشهورة، والثانى: بدلالة النص، وبالإجماع، بالآثار الواردة فى تفسير ربا الجاهلية، وبحديث: ((كل قرض جر نفعا فهو ربا))، أما دلالة النص فبيانها أن الأمة والأئمة قد أجمعت على كون حرمة الربا معللة، سوى من شذ من أهل الظاهر، فلا عبرة بقولهم، ولا يقدح به الإجماع، لكون مذهبهم فى إنكار القياس، وتعليل النصوص باطلا بالكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة، ومن بعدهم، ولتفصيل هذا البحث موضع آخر. وعلة حرمة الربا إنما هو كونه ظلما خلاف العدل، كما تقرر فى الأصل السابع، وإذا كانت الزيادة مع الحلول فی بیع مد جید بمدین ردیئین، وبيع درهم مضروب بدرهمين مكسورین، وبيع حلى من الفضة بأكثر من وزنها، وإن كانا يساويانه فى المعنى حيث تكون الزيادة فى مقابلة جودة أو صفة أو سكة ونحوها، ربا محرمًا، فكون الزيادة المشروطة فى القرض حيث لا مقابل لها إلا مجرد الأجل أولى بكونها ربا محرما ممنوعا، وكذا إذا كانت زيادة الأجل فى بيع الدرهم بدرهم مثله نسيئة ربا محرما، فالزيادة الحقيقية على دراهم القرض بأن يأخذ المقرض مكان المائة مائة وعشرين أولى بكونها ربا محرما، لكون الزيادة ليست إلا لأجل الزمان، والأجل لا قيمة له شرعا، كما تقرر فى الأصل السادس، وهذا مما لا ينكره إلا مكابر معاند، فإن كون ذلك ربا، وظلما مما لا يحتفى على آحاد من المسلمين، بل ولا على أحد من أهل الملل، بل هذا هو الربا عند الناس كلهم، دون الزيادة نقدا، ودون بيع الدرهم بالدرهم نسيئة، فالعامة لا تعده من الربا، ولا تتهم من يفعل ذلك بآكل الربا. قال العلامة الحافظ ابن القيم فى "الأعلام": إنه أى الشارع حرم التفرق فى الصرف، وبيع الربوى بمثله قبل القبض، لئلا يتخذ ذريعة إلى التأجيل الذى هو أصل باب الربا، فحماهم من قربانه باشتراط التقابض فى الحال، ثم أوجب عليهم فيه التماثل، وأن لا يزيد أحد العوضين على الآخر إذا ٥٥٦ إعلاء السنن رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا" کان من جنس واحد، حتی لا یباع مد جید بمدین ردیئین- وإن کانا يساویانه- سدا لذریعة ربا النسأ الذى هو حقيقة الربا، وأنه إذا منعهم من الزيادة مع الحلول حيث تكون الزيادة فى مقابلة جودة أو صفة أو سكة أو نحوها، فمنعهم منها حيث لا مقابل لها إلا مجرد الأجل أولى، فهذه حكمة تحريم ربا الفضل، التى خفيت على كثير من الناس حتى قال بعض المتأخرين: لا يتبين لى حكمة تحريم ربا الفضل، وقد ذكر الشارع هذه الحكمة بعينها، فإنه حرمه سدا لذريعة ربا النسأ، فقال فى تحريم ربا الفضل: فإنى أخاف عليكم الرما، والرما هو الربا، فتحريم الربا نوعان: نوع حرم لما فيه من المفسدة، وهو ربا النسيئة، ونوع: حرم تحريم الوسائل، وسد الذرائع اهـ (٦٩:٢ و ٧٠). وهذا، والله كلام فى غاية القوة، والعجب من المستفتى أنه كيف قلب الأمر؟ فجعل ربا القرض -الذى هو أصل الربا وظهرت حكمة حرمته للناس- ربا قياسا، وسعى لتحليله أُشد السعى، وجعل ربا الفضل -الذى خفيت حكمة تحريمه على بعض العلماء- ربا حقيقيا منصوصا قطعيا، مع كونه مختلفا فيه بين الصحابة أولا، وهل هذا إلا الضلال؟ فمن قال بتحريم ربا الفضل لزمه القول بتحريم ربا الدین بالأولى، لما فيه من الظلم، والعدوان، وسفك دم العدل، ما لیس فی ربا الفضل، كما لا يخفى على من شم رائحة من العقل والدين. وأيضًا: فالقول بجواز ربا الدين يقتضى أن لا يكون فى تحريم ربا الفضل حكمة سوى تضييع الزمان وإتعاب النفوس بلا فائدة، فإنه لا يشاء أحد أن يبتاع ربويا بأكثر منه من جنسه إلا قال: أقرضتك مائة درهم بمائة وعشرين من الصبح إلى العصر أو إلى الغد ونحوه، وإذا كان هذا جائزا، وبيع مائة درهم بمائة وعشرين حراما، فهل يبتاع هذا بذاك إلا أحمق أو مجنون؟ وأى حاجة له إلى البيع إذا كان يتخلص من الربا بالإقراض والاستقراض؟ فلا يعجز أحد عن استحلال ما حرمه الله قط بأدنى حيلة. فيا سبحان الله! أ يعود الربا الذى قد عظم الله شأنه فى القرآن، وأوجب محاربة مستحله ولعن آكله، ومو كله، وشاهديه، وكاتبه، وجاء فيه من الوعيد ما لم يجئ فى غيره إلى أن يستحل بأدنى حيلة لا كلفة فيها أصلا؟ فكيف يستحسن أن ينسب نبي من الأنبياء فضلا عن سيد الأنبياء، بل أن يسنب رب العالمين إلى أن يحرم هذه المحرمات العظيمة، ويتوعد بأغلظ العقوبات، وأنواع الوعید علی بیع درهم جید بدرهمین ردیئین حالا، مع كونهما يساویانه معنی، ولا ظلم فیه علی أحد، ثم يبيح تلك المحرمات والزيادات كلها بحيلة الإقراض والاستقراض، مع وجود الفضل والزيادة فى ذلك حقيقة، وفيه من الظلم ما لا يخفى، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. فإذا ج - ١٤ ٥٥٧ كانت آية الربا محرمة لربا الفضل فى البيع فهى محرمة بدلالة النص لربا القرض والدين بالأولى، كدلالة تحريم القول بأف للوالدين على تحريم إيلامهما بالضرب والشتم بأولى، ودلالة النص ليست من القياس بل هى فوقه، وأنها قطعية كعبارة النص ونحوها، كما تقرر فى الأصل الثالث. وأما الإجماع فقد ذكره القاضى أبو الوليد بن رشد فى "بداية المجتهد" له، وابن حزم والموفق وغيرهم، وقد ذكرناه قبل، وحاصله: أن العلماء قد اتفقوا على أن الربا يوجد فى شيئين فى البيع، وفيما تقرر فى الذمة من بيع أو سلف أو غير ذلك، فأما الربا فيما تقرر فى الذمة فهو صنفان، صنف متفق عليه، وهو ربا الجاهلية الذى نهى عنه، وذلك أنهم كانوا يسفلون بالزيادة وينظرون، وكانوا يقولون: أنظرنى أزدك إلخ، وذكره العلامة العينى أيضًا فى "شرح البخارى" بقوله: وقد أجمع المسلمون نقلا عن النبى معّ أن اشتراط الزيادة فى السلف ربًا اهـ وقد صرح الطحلوى بكون ربا الدين الذى كان متعارفا بين أهل الجاهلية ربا القرآن، وكذا صرح به الفخر الرازى وابن حجر الهيثمى فى تقرير حجة ابن عباس، وسيأتى، وكذا صرح الجصاص الرازی رح بکون الربا نوعين: منه ما هو فی القرض، ومنه ما هو فى البيع، و کذا صرح ابن القيم والشاه ولى الله بكون ربا الدين ربا حقيقيا أولى بالتحريم، وربا البيع ربا غير حقيقى، حرمه الشارع ◌َِّ سدا للذرائع، وفى كل ذلك دليل على إجماع الأمة والأئمة كلهم على تحريم ربا القرض قطعًا، لم يقل أحد منهم بجوازه أصلا. وأما الآثار الواردة فى تفسير ربا الجاهلية الذى هو ربا القرآن، فمنه ما رواه مالك فى "الموطأ" عن زيد بن أسلم فى تفسير الآية، قال: كان الربا فى الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل حق إلى أجل، فإذا حل قال: أ تقضى أم تربى؟ فإن قضاه أخذه، وإلا زاده فى حقه، وزاده الآخر فى الأجل"، وروى الطبرى من طريق عطاء ومن طرق مجاهد نحوه، كذا قاله الحافظ فى "فتح البارى" (٢٦٤:٤)، وقد التزم الصحة أو الحسن فى الأحاديث المزيدة فى الشرح، فهذه الآثار كلها صحاح أو حسان، ولفظ مجاهد عند الطبرى قال: "الربا الذى نهى الله عنه كانوا فى الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين، فيقول: لك كذا وكذا، وتؤخر عنى فيؤخر عنه اهـ (٦٧:٣). وروى عن قتادة: أن ربا أهل الجاهلية يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى، فإذا حل الأجل، ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخر عنه اهـ، إسناده صحيح أو حسن أيضًا، لكون الحافظ ذكره فى "الفتح"، وقد تقدم فى الأصل الثامن أن أقوال التابعین فی تفسير القرآن حجة، لا سيما زيد بن أسلم، ومجاهد، وعطاء، وقتادة، فهؤلاء أجلة التابعين، رؤوس علماء التفسير فى زمانهم، وقد ١ : ٥٥٨ إعلاء السنن رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا". صرح العلماء بأن مراسيل "موطأ" مالك، ومقاطيعه وبلاغه كلها مسندة من غير طريق مالك إلا أربعة، كما فى تُزيين الممالك" للسيوطى عن ابن عبد البر (٥٧)، وهذا ليس منها، فاندحض بذلك قدح المستفتى فى هذه الآثار بالانقطاع، وعدم الاتصال. وقد أغرب المستفتى حيث قال: إن هذه الآثار كلها مختصة بربا البيع، لما فى أثر قتادة من ذكر البيع (ص ٣٦، ٣٧، ٤٠،٣٩،٣٨)، ولم يدر المسكين أن ذكر شىء لا يستلزم نفى غيره لا سيما إذا لم يكن بينهما منافاة، وههنا كذلك، فإن أثر زيد بن أسلم، ومجاهد، وغيرهما عام للبيع، والقرض جميعا، وأثر قتادة خاص بالبيع، ولا تنافى بين العام والخاص، بل(١) يجرى العام على عمومه، ویحمل الخاص على التمثيل، کیف؟ وأن سیاق القرآن یأبی قصر الربا المذ کور فیه علی ربا البيع، لدلالة القول المحكى عن المشركين فيه: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾ على تفرقتهم بين البيع والربا، کما لا يخفى. وأيضًا: فالربا الذى ذكره قتادة ليس بربا البيع الذى ورد به السنة المشهورة: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة)) الحديث، فإن ربا البيع منحصر فيما يكون مع البيع فى وقت العقد، كما لا يخفى على من عرف حده وأنواعه، وليس فى أثر قتادة تقييد الربا بوقت البيع، بل فيه تصريح بأنهم إنما كانوا يربون إذا حل الأجل، ولم يكن عند المشترى قضاء، ولا يخفى أن البيع يتم بالإيجاب والقبول، ويتفرق العاقدين عن مجلس العقد إجماعًا، فالربا الذى يوجد بعد تمام البيع عند حلول الأجل، ليس من ربا البيع فى شىء، وإنما هو من ربا الدين الذى لم يبينه السنة المشهورة، ولا فرق بينه وبين ربا القرض أصلا، بل كلاهما غير ربا البيع الذى ورد بيانه فى السنة، فذكر لفظ البيع فى أثر قتادة لا يجدى المستفتى شيئا، وقد صرح الجصاص فى "أحكام القرآن"، بأن العرب لم يكونوا يعرفون البيع بالنقد، إذا كان متفاضلا من جنس واحد ربًا، إلى أن قال، ولم يكن تعاملهم بالربا إلا على الوجه الذى ذكرنا من قرض(٢) دراهم أو دنانير إلى أجل مع شرط الزيادة اهـ (٤٦٥:١)، ومن ادعى خلافه فعليه البيان، وإلا فالجصاص ومثله من العلماء الذين قصروا ربا الجاهلية على ربا الدين حجة على من ناواهم. (١) ذكر الزيلعى فى "نصب الراية" عن السغناتى قاعدة، محصلها: أنه إذا ورد حديثان، أحدهما: عام، والآخر: خاص، فإن علم تقديم العام على الخاص، خص العام بالخاص، وإن علم تأخير العام كان العام ناسخا للخاص، هذا إذا علم التاريخ، أما إذا لم يعلم فإن العام يجعل آخرا لما فيه من الاحتياط اهـ (٤٠٨:١). (٢) والقرض المؤجل، والدين كلاهما واحد. ج - ١٤ ٥٥٩ والعجب من المستفتى أنه كيف يصرح قتادة، وبتفسير سعيد بن جبير، والشافعى، وابن العربى المالكى، وبتفسير الواحدى، وغيرهم من المفسرين؟ ولا راحة له فى شىء من ذلك، فإن هؤلاء جميعا، بل كل من ذكر لفظ البيع فى تفسير ربا الجاهلية متفقون على أن العرب كانوا يقولون إذا حل الأجل: أ تقضى أم تربى؟ فإن لم يقض زادوا فى الثمن على أن يؤخروا، وهذا لا يصدق عليه حد الربا الذى ذكره المستفتى بقوله: الربا هو الفضل الخالى عن العوض فى البيع (ص٤٤) فإن الزيادة فى الثمن المؤجل عند حلول الأجل، ليس بالفضل الخالى عن العوض فى البيع، بل هو الفضل الخالى عن العوض بعد انقراض البيع وقد تقدم عن ابن رشد فى بداية المجتهد له اتفق العلماء على أن الربا يوجد فى شيئين فى البيع وفيما تقرر فى الذمة من بيع أو سلف إلخ، وفيه تصريح بأن الربا الموجود فيما تقرر فى الذمة من بيع، ليس من ربا البيع الذى هو النوع الأول، بل هو من النوع الثانى الذى يكون فيما تقرر فى الذمة، فبطل ما زعمه المستفتى من دخوله فی ربا البيع. فإن قيل: إن الزيادة فى الثمن، والحط منه يلتحقان بأصل العقد، قلت: ذلك مشروط(١) بقيام المبيع، وبغير الصرف، وبأن لا تكون الزيادة والحط فى مقابلة الأجل، وأما بعد هلاك المبيع، ولو حكما، وكذا إن كانت الزيادة والحط فى مقابلة الأجل، فلا يلتحق بالعقد، كما لو قال المشترى: أخر عنى وأزيدك، أو قال البائع: عجل وأضع عنك، فكلاهما باطل صرح به غير واحد من علماءنا، ومنهم الجصاص فى "أحكام القرآن" له (٤٦٧:١). . فظهر بما ذكرنا أن الزيادة التى كانت العرب تزيدها عند حلول الأجل فى مقابلة التأخير لم تكن ملحقة بالعقد أصلا، وإلا لم تكن ربا، بل كانت جائزة والمبيع قائم، ولكن الآثار وأقوال المفسرين كلها مطبقة على. كون هذه الزيادة التى كانت العرب تفعله ربا محرما، فإدخال هذه الزيادة فى الثمن وإلحاقها بالعقد باطل قطعا، بل إنما هو من ربا الدين، وإذا كان كذلك، وآية الربا مجملة عند المستفتی لا بیان لها إلا بالسنة المشهورة، وهی واردة فى ربا البيع عنده لا غیر، فمن أين قال المستفتى بحرمة الربا الذى ورد ذكره فى أثر قتادة، وسعيد بن جبير، وقول الشافعى، وابن العربى، والواحدى وغيرهم من المفسرين؟ فإن قال: قلت بحرمته لكونه داخلا فى ربا المبيع الذى ورد بيانه فى السنة، فقد ظهر بطلان ذلك بما ذكرنا، وإن قال: قلت بحرمته ودخوله فى (١) صرح بالأولين فى "الدر" و"رد المحتار" وغيره فى باب التصرف فى الثمن، ولزم الثالث ببطلان: أخر عنى وأزيدك، وعجل وأضع عنك. ٥٦٠ إعلاء السنن رسالة " کشف الدجی عن وجه الربا" الربا بأثر قتادة، وبأقوال المفسرين، قلنا: فيلزمك كون الأثر الموقوف غير القطعى بيانا للآية(١)، وقد أنكرته فى (ص ١٦). وأيضًا: يلزمك القول بحرمة الفضل المشروط فى القرض بالآثار الخالية عن ذكر البيع العامة للقرض وغيره وبأقوال العلماء الذين فسروا ربا الجاهلية بالزيادة فى القرض، وأيضًا: نطالبك بالفرق بين الزيادة فى الثمن المؤجل عند حلول الأجل بشرط التأخير، والزيادة المشروطة فى القرض، فإن قلت: إن الزيادة فى الأول بمقابلة المبيع، فقد ظهر بطلانه، وإن قلت: إنها بعد(٢) الأجل لا فى ابتداء العقد، وفى الثانى تكون الزيادة مشروطة من أول العقد. ١ قلنا: فالثانى أولى بالحرمة، لأن أهل الجاهلية كانوا يزيدون فى الدين عوض الأجل، إذا لم يقضه المديون عند حلوله، وارتكب(٣) المطل الذى هو ظلم شرعا وعرفا، بخلاف المقرض إذا اشترط الزيادة على القرض من أول الأمر من غير أن يوجد من المديون مطل، فإن هذه الزيادة ليست إلا فى مقابلة الأجل. وأيضًا: فلو تبايع الرجلان بثمن مؤجل، واشتراطا من أول العقد أن المشترى إذا لم يقض الثمن عند حلول الأجل یزاد عليه درهم فى كل شهر، فهل يقول المستفتى بجواز ذلك لكون الزيادة مشروطة من أول العقد؟ فإن اجترأ على ذلك فقد جعل نفسه سخرة للصبيان، حيث أدخل الزيادة فى الثمن عند حلول الأجل بعد انقراض البيع، وانتهائه فى ربا البيع، ولا يجعل الزيادة المشروطة فى العقد داخلا فيه، وإن قال بحرمته فقد أبطل الفرق الذى أبداه فى ربا الجاهلية؟ والفضل المشروط فى القرض. وأيضًا: فلو استقرض رجل من آخر مائة درهم إلى شهر، ولم يشترطا الزيادة من أول الأمر، فإذا مضى الشهر، قال المقرض للمستقرض: أ تقضى أم تربى؟ هل يجوز ذلك أم هو ربا محرم؟ فإن قال بالأول نطالبه بالفرق بينه، وبين ربا الجاهلية، فإن هذه زيادة بعد حلول الأجل أيضًا، لا فى (١) ولا يصح القول بأن المجمل لا يصير مفسرا بخبر الواحد، فقد صرح فى "التوضيح" بجواز التفسير للكتاب بخبر الواحد، وكذا جعل فى "نور الأنوار" أخبار الآحاد بيانا لمجمل الكتاب، وقال الآمدى: لامتنع أن یکون البيان: إما بدليل قاطع، أو ظنى اقترن به من القرائن ما أوجب العلم بمدلول كلامه اهـ (٦٥:٣). .(٢) ذكر المستفتى هذا الفرق فى (٤٣). (٣) حاصله: أن ربا الجاهلية كان فى مقابلة الأجل مع كونه عقوبة المطل، والفضل المشروط فى القرض، ليس إلا عوض الأجل من غير عقوبة أصلا، فحرمة الثانى أولى من الأول، لا بالقياس، بل بدلالة النص، كما أن حرمة إيلام الأبوين بالضرب والشتم أولى من حرمة قول أف لهما، فافهم.