Indexed OCR Text
Pages 321-340
21 ج - ١٤ جواز بيع الحنطة بالشعير متفاضلا وأن القدر فقط أو الجنس فقط محرم للنسأ ٣٢١ عن عبادة، وقال فيه: ((بيعوا الذهب بالورق، والحنطة بالشعير، والتمر بالملح، يدا بيد كيف شئتم)) (معانى الآثار ١٩٨:٢). موزون للإجماع، كما مر، وعلى هذا جاز إسلام الحنطة فى الزيت لاختلاف القدر، لكون الحنطة مكيلة والزيت موزونا، بقى ما لو أسلم الحنطة فى شعير وزيت أى أسلم المکیل فى مكيل وموزون، وقد نص الحاكم فى "الكافى" على أنه لا يجوز عندهما، ويجوز عند محمد فى حصة الزيت، كذا فى "الدر" و"الشامية" (٢٧٨:٤) وقول النخعى ذكره محمد فى "الآثار"، قال: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: أسلم ما یکال فیما یوزن، وما یوزن فیما یکال، ولا تسلم ما یکال فیما یکال، ولا ما یوزن فی ما یوزن، وإذا اختلف النوعان فيما لا يكال ولا يوزن فلا بأس باثنين بواحد يدا بيد، ولا بأس به نسأ، وإذا کان من نوع واحد مما لا یکال ولا یوزن، فلا بأس به اثنين بواحد يدا بيد (١٠٨)، وهو صريح فى أن العلة، هو القدر المتفق دون المختلف، وإلا لم يجز إسلام المكيل فى الموزون، وبالعكس. البر والشعير جنسان: قال الموفق: والبر والشعير جنسان هذا هو المذهب، وبه يقول الثورى، والشافعى، وأبو ثور، وأصحاب الرأى، وعن أحمد أنهما جنس واحد، وحكى ذلك عن سعد بن أبى وقاص، وعبد الرحمن بن الأسود بن يغوث، وابن معيقيب الدوسى، والحكم، وحماد، ومالك، والليث، لما روى عن معمر بن عبد الله، فذكر الحديث، وقال: أخرجه مسلم (والعجب من الحبيب أنه عزا حديث الصحيح إلى الطحاوى فقط، وليس ذلك من دأب المحدثين"، ولأن أحدهما يغش بالآخر فكانا كنوعى الجنس، ولنا قول النبى معَّهِ، فذكر أحاديث المتن، وقال: فهذا صريح صحيح لا يجوز تركه بغير معارض مثله، ولأنهما لم يشتركا فى الاسم الخاص، فلم يكونا جنسا واحدا كالتمر والحنطة، ولأنهما مسمیان فى الأصناف الستة، فکانا جنسین کسائرها، وحديث معمر لا بد فيه من إضمار الجنس (أى الطعام بجنس طعامه مثلا بمثل)، بدليل سائر أجناس الطعام، ويحتمل أنه أراد الطعام المعهود عندهم وهو الشعير، فإنه قال فى الخبز: "وكان طعامنا يومئذ الشعير"، ثم لو كان عاما لوجب تقديم الخاص الصريح عليه، وفعل معمر، وقوله لا يعارض به قول النبى عدّ له، وقياسهم ينتقض بالذهب والفضة (لأن أحدهما يغش بالآخر) (٤: ١٤٠). وقال ابن حزم فى "المحلى": واحتج المالكيون بما روينا من طريق ابن وهب، فذكر حديث ٣٢٢ جواز بيع الحنطة بالشعير متفاضلا وأن القدر فقط أو الجنس فقط محرم للنسأ إعلاء السنن معمر بن عبد الله كما ذكرنا، ثم قال: وبما رويناه من طريق مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار، قال: قال عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث لغلامه: "خذ من حنطة أهلك طعامًا، فابتع بها شعيرا، ولا تأخذ إلا مثله" (قلنا: الطعام محمول فيه على الشعير)، ومن طريق ابن أبى شيبة: نا أبو داود الطيالسى، عن هشام الدستوائى، عن يحيى بن أبي كثير، قال: "أرسل عمر بن الخطاب غلاما له لصاع من بر يشترى له به صاعًا من شعير، وزجره إن زادوه أن يزداد" ، ومن طريق ابن أبى شيبة: نا شبابة، عن ليث، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن سعد بن أبى وقاص مثل هذا، ومن طريق مالك: "أنه بلغه عن معيقيب مثله، وهو قول أبى عبد الرحمن السلمى صح عنه ذلك، قالوا: فهؤلاء خمسة من الصحابة: عمر، وسعدٍ، ومعيقيب، وعبد الرحمن بن الأسود، ومعمر بن عبد الله رضى الله عنهم، وجسر بعضهم، فقال: لا يعرف لهم مخالف من الصحابة، وجسر آخر منهم فادعی إجماع السلف فى ذلك. قال ابن حزم: فأما حدیث معمر، فهو حجة عليهم، لأنهم يسمون التمر طعامًا ویبیحون فيه التفاضل بالبر، فقد خالفوا الحديث على تأويلهم بإقرارهم، ولا حجة لهم أصلا فيه، لأنه ليس فيه إلا الطعام بالطعام مثلا بمثل، وهذا مما لا نخالفهم فيه، وفى جوازه، وليس فيه أن الطعام لا يجوز بالطعام إلا مثلا بمثل، بل هذا مسكوت عنه جملة فى خبر معمر، ومنصوص علی جوازه فى خبر أبى هريرة وعبادة عن رسول الله مَّله، وأما قول معمر من رأيه فلا متعلق لهم فيه، لأنه قد صرح بأن الشعير ليس مثل القمح، لكن تخوف أن يضارعه فتركه احتياطًا لا إيجابًا، وأما عن عمر فمنقطع (ومع ذلك فلا يبعد حمله على ما حملنا أثر معمر، وهو محمل ما روى عن سعد(١). ومعیقیب، وعبد الرحمن بن الأسود). قال: وقد خالف من ذكرنا طائفة من الصحابة، كما روينا من طريق ابن أبى شيبة: نا يزيد ابن هارون، عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن مسلم بن يسار، عن أبى الأشعث: أن عبادة بن الصامت قال: "لا بأس ببيع الحنطة بالشعير، والشعير أكثر منه يدا بيد، ولا يصلح نسيئة"، فهذه عبادة أسنده (وهو أثر متواتر كما قال ابن حزم)، وأفتى به، وعن ابن عمر: "كان لا يرى بأسًا فيما (١) على أن المروى عن سعد، إنما هو كراهة البيضاء بالسلت متفاضلا، وقد اختلفوا فى السلت، هل هو نوع من الحنطة أو نوع من شعير، كما ذكره شارح "المهذب" بأبسط وجه (٧٩:١٠ و٨٠)، فلا حجة فيه. ج - ١٤ ٣٢٣ باب اشتراط التعیین فی الربویات دون القبض ٤٧٤٠- عن عبادة بن الصامت، أنه قال: ((سمعت رسول الله عَد ◌ُلّه ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء عينا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى)). أخرج مسلم (٢: ٢٤٠) يكال واحدا باثنين يدا بيد إذا اختلفت ألوانه"، وعن جابر بن عبد الله قال: "إذا اختلف النوعان، فلا بأس بالفضل يدا بيد" (ذكرنا الأثرين فى المتن فى الباب الماضى)، فهذه أسانيد أصح من أسانيدهم بخلاف قولهم، وهو قول ابن مسعود وابن عباس بلا شك صح عنهما. ثم روى بأسانيد صحاح من طريق عبد الرزاق وابن أبى شيبة، عن الشعبى، وإبراهيم النخعى، والزهرى، وعطاء نحوه، قال: فهؤلاء خمسة من الصحابة، صح عنهم جواز التفاضل فى البر بالشعير، وطائفة من التابعين، وهو قول سفيان، وأبى حنيفة، والشافعى، وأبى ثور، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبى سليمان، وإذا اختلف الناس، فالمردود إليه هو القرآن والسنة، وقد صح عن رسول الله عَّه جواز التفاضل فى البر والشعير، كما ذكرنا، فلا قول لأحد معه، وما علم قط أحد لا فى شريعة، ولا فى لغة ولا فى طبيعة أن الشعير بر، ولا أن البر شعير، بل كل يشهد أنهما صنفان مختلفان كاختلاف التمر والزبيب والتين، والعجب من مالك إذ يجعل ههنا، وفى الزكاة البر والشعير صنفا واحدا، ثم لا يجيز لمن يتقوت البر إخراج الشعير فى زكاة الفطر، ولا يختلفون فى أن من حلف لا يأكل برا فأكل شعيرا، أو لا يأكل شعيرا فأكل برا، أو لا يشترى برا، فاشترى شعيرا، أو لا يشترى شعيرا فاشترى برا، أنه لا يحنث، فهذه تناقضات فاحشة اهـ، ملخصًا (٤٩٢:٨). ظ باب اشتراط التعيين فى الربويات غير الذهب والفضة دون القبض قوله: "عينا بعين"، أقول: استدل به الحنفية على اشتراط التعيين دون التقابض فى الربويات غير النقود، وقالوا: هو تفسير لقوله: ((يدا بيد))، وأما النقود فلما لم تكن تتعين بدون التقابض أوجبوا فيها التقابض، لكن لا لنفسه، بل لأنه هو التعيين فيها، والشافعى أوجب التقابض فى الكل عملا بظاهر قوله: ((يدا بيد))، فترك العمل بظاهر قوله: ((عينا بعين))، وقال: معناه يدا بيد، قال فى "الفتح": ويؤيده فهم عمر رضى الله عنه كذلك، فى الصحيحين: ((أن مالك بن أوس اصطرف من طلحة بن عبيد الله صرفا بمائة دينار، فأخذ طلحة الذهب يقلبها فى يده، ثم قال: حتى يأتى خازنى من الغاية، وعمر يسمع ذلك، فقال: والله لا تفارقه، حتى تأخذ منه، قال رسول الله عدّ له: الذهب ٠ ٣٢٤ اشتراط التعيين فى الربويات غير الذهب والفضة دون القبض إعلاء السنن من طريق أبى الأشعث، وأخرجه أيضا من طريقه بقوله: "يدا بيد" بمكان "عينا بعين". بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء». وبهذا استدل ابن الجوزى لاشتراط التقابض على أبى حنيفة، وكيف؟ ومعنى ((هاء)) خذ، وهو من أسماء الأفعال، ثم قال بعد نقل قياس الشافعى على الصرف ورده: إنه لا حاجة له إليه، لأن الدليل السمعى على الوجه الذى قررناه يستقل بمطلوبه أهـ (١٦١:٦). أقول: هذا لا يستقل بمطلوبه، لأنه يمكن تأويله بحمل على التعيين بإطلاق السبب وإرادة المسبب، فإن القبض من أسباب التعيين، والظاهر أن يقال: إن قوله: ((عينا بعين)) و ((يدا بيد) و ((هاء وهاء))، كل واحد منها محمول على معناه الظاهر، إلا أن قوله: ((عينا بعين)) محمول على الوجوب، وقوله: ((يدا بيد)) و ((هاء وهاء)) على الندب والأولوية جمعا بين الأدلة. وبهذا يندفع شبهة أخرى اختلجت فى صدرى ولم أره منقولا، وهو أنا سلمنا أن بالتعيين يصير البدلان مملوكين للمتعاقدين بحيث يجوز لهما التصرف فيهما، إلا أن القبض متمم للملك، ويخرج به البيع عن احتمال الانفساخ بهلاك المبيع، ويخرج المبيع من ضمان البائع إلى ضمان المشترى، فيكون له مزية على عدمه، فلما قبض أحدهما السلعة، ولم يقبض الآخر تم ملکه فيها، ولم يتم ملك الآخر، فلم يحصل المساواة، ووجه الاندفاع أنا نعلم بالضرورة أن المساواة من كل الوجوه غير مطلوب شرعًا، وإلا لم يجز بيع الجيد بالردىء للتفاوت فى العينين، فإذا أهدر الشرع هذا التفاوت مع كونه فى وصف العينين، فإهداره التفاوت فى وصف الملك بعد حصول نفس الملك أولى، فلهذا حملنا رواية: ((عينا بعين)) على الوجوب لتحصيل المساواة فى نفس الملك، ورواية: ((يدا بيد)) و (هاء وهاء)) على الأولوية لتحصيل المساواة فى وصف الملك، وقال فى "بذل المجهود": إن قوله: ((يدا بيد)) مقابل لقوله: ((نسيئة))، والنسيئة ما كان دينا واجبا فى الذمة، فيكون معنى قوله: ((يدا بيد)) عينا بعين، كما ورد فى النص مفسراً. الجواب عن شبيهة بعض الأحباب، وعن إيراد ابن الهمام: قال العبد الضعيف: وقد تقدم الكلام فى ذلك فى الباب الماضی بأبسط وجه وأكمله، فليراجع، وقد أجاب صاحب "البدائع" عما اختلج فى صدر بعض الأحباب، بأن قولهم: المقبوض خير من غير المقبوض فيتحقق الربا، قلنا: هذا إنما يستقيم أن لو قلنا بوجوب تسليم أحدهما دون ج - ١٤ اشتراط التعيين فى الربويات غير الذهب والفضة دون القبض ٣٢٥ الآخر، وليس كذلك اهـ (٢١٩:٥)، ولنذكر تقرير حجة الحنفية عن "البدائع"؛ لكونه مما لا يرد عليه ما أورده ابن الهمام عليهم، مع اشتماله على الجواب عن حجة الخصم بأحسن وجه، فقال: "وأما التقابض فى بيع المطعوم بالمطعوم بجنسه أو بغير جنسه بأن باع قفيز حنطة بقفيز حنطة أو بقفيزى شعير، وعينا البدلين بالإشارة إليهما، فهل هو شرط فيه؟ قال أصحابنا: ليس بشرط، وقال الشافعى رحمه الله: شرط، حتى لو افترقا من غير قبض عندنا يثبت الملك، وعنده لا يثبت ما لم يتقابضا فى المجلس، احتج بقوله عليه السلام فى الحديث المشهور: ((الحنطة بالحنطة يدا بيد))، ولنا عمومات البيع من نحو قوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم﴾ وغير ذلك، نهى عن الأكل بدون التجارة عن تراضٍ منكم، وغير ذلك عن تراضٍ، فيدل على إباحة الأكل فى التجارة عن تراضٍ من غير شرط القبض، وذلك دليل ثبوت الملك بدون التقابض، لأن أكل مال الغير، ليس بمباح (والقبض خارج عن مفهوم التجارة لغة وعرفا كما لا يخفى، فلا يزاد على النص إلا بمثله)". وأما الحديث، فظاهر قوله عليه السلام: ((يدا بيد.١٢ظ)) غير معمول به، لأن اليد بمعنى الجارحة ليس بمراد بالإجماع: (فصار الحديث ظنى الدلالة على مفهومه، وإن كان قطعى الثبوت لشهرته، لا سيما وقد صح فى بعض طرقه ((عينا بعين)) مكان ((يدا بيد))،)، فلأن حملها الشافعى على القبض، لأنها آلة القبض، فنحن نحملها على التعيين لأنها آلة التعيين، لأن الإشارة بالید سبب للتعيين، وعندنا التعيين شرط، فسقط احتجاجه بالحديث بحمد الله تعالى، على أن الحمل على ما قلنا أولى، لأن فيه توفيقا بين الكتاب والسنة، وهكذا نقول فى الصرف: إن الشرط هناك هو التعيين لا نفس القبض، إلا أنه قام الدليل عندنا أن الدراهم والدنانير لا تتعين بالتعيين، وإنما تتعين بالقبض، فشرطنا التقابض للتعيين لا للقبض، وههنا التعيين حاصل من غير تقابض، فلا يشترط التقابض، والله عز وجل أعلم اهـ (٢١٩:٥)، فللّه دره من فقيه قد ألين له الفقه، كما ألين الحديد لداود عليه، وعلى نبينا عليه الصلاة والسلام. لا يقال: شرط التعيين زيادة على الكتاب أيضًا، لأن كون التعيين مرادا بالحديث مجمع عليه، فلم يكن دلالته عليه ظنية بل قطعية، فلم يتحقق الزيادة على الكتاب إلا بمثله، وهو جائز، ولقائل أن يقول: نص الكتاب وارد فى الأعيان؛ لما فيه من النهى عن أكل الأموال المراد به التصرف فيها دون حقيقة الأكل اتفاقا، وغير الأعيان لا يصلح للتصرف، وأما الدين، فإنما يصير محلا ٣٢٦ إعلاء السنن باب بیع الحیوان باللحم ٤٧٤١- أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزناد، عن سعيد بن المسيب، قال: ((نهى عن بيع الحيوان باللحم)). للتصرف بعد كونه عينا كما مر كل ذلك فى الباب الماضى مفصلا، فلم يكن شرط التعيين زيادة علی الکتاب، فافهم. باب بیع الحیوان باللحم أقول: اختلف فى بيع الحيوان باللحم، فقال سعيد بن المسيب: إن كان اشتراها لينحرها، أو ليذبحها فلا خير فيه، كذا فى "الموطأ"، وهذا يدل على أن محمل النهى عنده إذا كان المقصود من الحيوان هو اللحم، وإن لم يكن كذلك فلا نهى، وحمله محمد على أن يكون اللحم من جنس الحيوان، وإن كان من غير جنسه كبيع لحم الشاة بالإبل أو البقر، فلا كراهة ولا فساد، وحمله أبو حنيفة على بيع النسيئة، وقال: لا بأس إذا كان البيع يدا بيد. واختلف المشايخ فى منشأ هذا الحمل ومبناه، فقال بعضهم: إن منشائه ومبناه هو كون الحیوان جنسا، واللحم جنسا آخر، فلا يتحقق الربا فى البیع یدا بید، فلا یکون منهيا عنه، وقال آخرون: مبناه على أن الحيوان، وإن كان من جنس اللحم إلا أنه ليس بموزون، فلا يتحقق القدر، والجنس الموجبان لحرمة الفضل. قال العبد الضعيف: وفى "البدائع": أما الحيوان مع اللحم، فإن اختلف الأصلان، فهما جنسان مختلفان، كالشاة مع لحم الإبل والبقر، فيجوز بيع البعض ببعض مجازفة نقدا ونسيئة لانعدام الوزن والجنس، وإن اتفقا كالشاة الحية مع لحم الشاة، فمن مشايخنا من اعتبرهما جنسين مختلفين، وبنوا عليه جواز بيع لحم الشاة بالشاة الحية مجازفة عندهما، لأنه باع الجنس بخلاف الجنس، ومنهم من اعتبرهما جنسا واحدا، وبنوا مذهبهما على أن الشاة ليست بموزونة، وربا الفضل يعتمد اجتماع الجنس مع القدر، فيجوز بيع أحدهما بالآخر مجازفة ومفاضلة بعد أن يكون يدا بيد، وهو الصحيح على ما عرف فى الخلافيات، وقال محمد: لا يجوز إلا على وجه الاعتبار على أن يكون وزن اللحم الخالص أكثر من قدر اللحم الذى فى الشاة الحية اهـ (١٨٩:٥). وبهذا التقرير يندفع قياس محمد هذا البيع على المزابنة، والمحاقلة، وبیع الزیت بالزیتون، والحل بالسمسم، موجود القدر والجنس فى المقيس عليه وانعدامهما أو أحدهما فى المقيس، ووافق أبا حنيفة من أصحابه أبو يوسف، ومن أصحاب الشافعى المزنى، والذى يظهر من "فتح القدير" أن ج - ١٤ بيع الحيوان باللحم ٣٢٧ ٤٧٤٢- وأخبرنا مالك، أخبرنا داود بن الحصين، أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: "كان من ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين". أخرجهما محمد فى "الموطأ" وقال: به نأخذ، من باع لحما من لحم الغنم بشاة حية لا يدرى اللحم أكثر، مالكا وأحمد مع محمد، وقالا: لا يجوز مع اتحاد الجنس، ويجوز مع اختلافه، وللشافعى فيه قولان، والذى يظهر من "نيل الأوطار" خلافه، لأنه قال: إلى ذلك (أى عدم الجواز) ذهبت القرة، والشافعى إذا كان الحيوان مأكولا، وإن كان غير مأكول جاز عند القرة، ومالك وأحمد والشافعى فى أحد قوليه لاختلاف الجنس، وقال الشافعى فى أحد قوليه: لا يجوز لعموم النهى، ويظهر منه أنه لا اختلاف بين الأئمة فى نفس الحديث، وإنما الاختلاف فى تأويله، ويظهر منه أيضًا أن ما قال ابن القيم: إنهم احتجوا على المنع من بيع الزيت بالزيتون بالنهى عن بيع اللحم بالحيوان، ثم خالفوه نفسه، فقالوا: يجوز بيع اللحم بالحيوان من نوعه وغير نوعه، (أعلام الموقعين ٢٢٩:١) باطل، لأن القائل بجواز البيع مطلقًا هو أبو حنيفة، وأبو يوسف، والمزنى من الشافعية، وهؤلاء لم يجعلوا مبنى عدم جواز بيع الزيت بالزيتون النهى عن بيع اللحم بالحيوان، بل مبناه عندهم نصوص حرمة الربا فى المقدرات المجانسات، فمبنى هذا الإيراد عدم وقوفه على مدارك الفقهاء ومآخذهم، والله أعلم. قال العبد الضعيف: ودليل حمل الآثار على النسيئة ما رواه محمد: أخبرنا مالك، أخبرنا داود بن الحصين، أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: "وكان من ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين" (٣٣٧)، والميسر مفسر بالقمار، وهو لا يكون إلا نسيئة، وبدليل ما رواه الطبرانى عن عبيد بن نضلة الخزاعى، قال: "أصاب الناس جهد شديد على عهد رسول الله مِّ، قال: فعشر (أى جعله عشرة أجزاء)، رجل بعيرا له عشرا، ثم قال: من أحب أن يأخذ من هذا اللحم بقلوص إلى حبل الحبلة، قال: فأخذ ناس، فبلغ ذلك النبى معَّ ◌ُلِّ فأمر أن يرد، فرد البيع"، وهو مرسل، ورجاله رجال الصحيح، وفى رواية له عنه: ((أن رجلا نحر جزورا، فاشترى منه رجل عشيرا بحقة، فبلغ ذلك رسول الله مَُّّه فرده)، قال أبو نعيم: قال فيه بعض أصحابنا عن سفيان: "إلى أجل"، ورجاله رجال "الصحيح"، كذا فى "مجمع الزوائد" (١٠٤:٤ و١٠٥)، فهذا هو الذى نهى عنه رسول الله مَّه من بيع اللحم بالحيوان، لا كما قاله والشافعى ومحمد رحمهم الله. وأما رواه الشافعى فى "الأم" عن إبراهيم بن أبى يحيى، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس: "أن جزورا نحرت عهد أبى بكر، فجاء رجل بعناق، فقال: أعطونى منها، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا" "التلخيص الحبير" (٢٣٦)، فإبراهيم بن أبى يحيى مكشوف الحال عند المحدثين، ٣٢٨ بيع الحيوان باللحم إعلاء السنن أو ما فى الشاة أكثر فالبيع فاسد مكروه لا ينبغى، وهذا مثل المزابنة، والمحاقلة، وكذا بيع الزيتون بالزيت، ودهن السمسم بالسمسم (موطأ للإمام محمد ٣٣٧). وإن سلمنا فلعل الجزور کان من إبل الصدقة، فکره أبو بكر بیع لحمه، لأنه إنما نحر لیتصدق به على الفقراء، فلهذا قال: لا يصلح "المبسوط" (١٨١:١٢)، أو كان من الأضحية، ولا يجوز بيع لحم أضحية عندنا كما سيأتى، ورواه البيهقى فى "سنته" عن أبى بكر بهذا الإسناد بلفظ: "أنه كره بيع الحيوان باللحم"، وهو مختصر مما ذكره الشافعى فى "الأم"، وإلا فهو محمول على ما حملنا عليه أثر سعيد بن المسيب، فافهم. وروى ابن حزم من طريق حماد بن سلمة: ثنا عبد الكريم، عن يزيد بن طلق، "أن رجلا نحر جزورا، فجعل يبيع العضو بالشاة، وبالقلوص إلى أجل، فكره ذلك ابن عمر"، ومن طريق وكيع: نا إسرائيل، عن عبد الله بن عصمة: "سمعت ابن عباس، وسئل عمن اشترى عضوا من جزور قد نحرت برجل عناق، وشرط على صاحبها أن يرضعها حتى تفطم؟ فقال ابن عباس: لا يصلح"، قال: وروینا من طریق عبد الرزاق: نا معمر، عن یحیی بن أبی کثیر، عن رجل، عن ابن عباس، قال: "لا بأس أن يباع اللحم بالشاة"، فإن قيل: هذا عن رجل؟ قلنا: وخبر أبى بكر عن أبي یحیی، ولیس بأوثق ممن سكت عنه كائنا من كان، ومن طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثورى: "لا بأس بالشاة القائمة بالمذبوحة" اهـ (٥١٨:٨)، قال ابن حزم فى "المحلى": وذكر مرسل سعيد ابن المسيب من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عنه: ((نهى رسول الله عَّ له عن بيع الحيوان باللحم))، إن ذلك مرسل لم يسند قط، والعجب من قول الشافعى: إن المرسل لا يجوز الأخذ به، ثم أخذ ههنا بالمرسل اهـ. قال المحشى: وعجب آخر من الشافعى يقول: إنى تتبعت مراسيل، فوجدتها مسانید، وهذا مرسل لم يسند قط اهـ (٥١٧:٨). الرد على ابن حزم، وعلى محشى "المحلى" فى تعجبهما من احتجاج الشافعى بمرسل ابن المسيب: قلت: لا عجب من ابن حزم، فإنه لا يراعى حرمة الصغير ولا الكبير، وإنما العجب من المحشى، فكيف ساغ له أن يرد على مثل الإمام بقول ابن حزم وحده، وقلامة ظفر الشافعى خير منه، والأثر قد وصله الدارقطنی فی " سنته" عن یزید بن مروان (الخلال)، ثنا مالك بن أنس، عن الزهرى، عن سهيل بن سعد، قال: ((نهى رسول الله م آله عن بيع اللحم بالحیوان))، تفرد به یزید، ج - ١٤ بيع الحيوان باللحم ٣٢٩ وهو ضعيف جدا، وأخرج ابن خزيمة ومن طريقه البيهقى عن سمرة، قال: ((نهى رسول الله عَ ليه عن بيع اللحم بالحيوان)) "الدراية" (٢٨٦)، ولفظ البيهقى فى "سننه": نهى أن تباع الشاة باللحم، وقال: هذا إسناد صحيح، ومن أثبت سماع الحسن البصرى من سمرة بن جندب عده موصولا، ومن لم يثبته فهو مرسل جيد يضم إلى مرسل سعيد بن المسيب، والقاسم بن أبى بزة، وقول أبى بكر الصديق رضى الله عنه (٢٩٦:٥)، قلت: قد أثبت البخارى وشيخه على المدينى والترمذى سماع الحسن عن سمرة، كما مر غير مرة. فاندفع إيراد ابن حزم على الشافعى، وتبين أن تعجب المحشی منه فى غير موضعه، ویکفی لصحة قول الشافعى كون مرسل سعيد موصولا من طريق، ولو بسند ضعيف، فإن المرسل إذا تأيد موصول ولو ضعيفًا، فهو حجة عنده کما مر بيانه فى المقدمة، وهذا قد تأيد بموصول یزید بن مروان، وبرواية الحسن عن سمرة، فمن أين لأحد أن يقول: هذا مرسل لم يسند قط؟. الرد على ابن حزم فى تعجبه من ترك الحنفية مرسل ابن المسيب قال ابن حزم: وعجب آخر من الحنفيين القائلين: المرسل كالمسند، ثم خالفوا هذا المرسل الذى ليس فى المراسيل أقوى منه، وهم يعظمون هذا اهـ، قلت: قد تقدم منا أن لا اختلاف بين الأئمة فى نفس الحديث وتسليمه، وإنما الاختلاف فى تأويله، فالحنفيون لم يخالفوا المرسل، ولم يتركوا العمل به، ولكنهم حملوه على ما كان من بيع اللحم بالحيوان بطريق الميسرة والقمار، بدليل ما روينا من قول سعيد بن المسيب نفسه، ومن رواية الطبرانى عن عبيد بن نضلة الخزاعى، وبدليل ما ذكرناه من طريق ابن حزم من الآثار عن ابن عمر وابن عباس رضى الله عنهم، وأيضًا: فإن ظاهر هذا المرسل متروك بالإجماع لعمومه كل لحم، وكل حيوان مأكولا كان أو غيره، وإن باعه بحيوان غير مأكول اللحم جاز فى قول عامة الفقهاء، كما فى "المغنى" لابن قدامة (٤: ١٥٠)، وإن باعه بمأكول اللحم من غير جنسه، فللشافعى فيه قولان، وعند الحنابلة وجهان، وعن مالك أنه يجوز لغير معد للحم كما فى المغنى أيضًا، فلما كان عمومه مخصوصًا بالإجماع، فلنا أن نخصه بما كان نسيئة فى جنس واحد بدليل ما ورد فى بعض الآثار من التصريح به. الرد على بعض الأحباب فى قوله: "إن اللحم الذى فى الحيوان حيوان": ولعلك قد عرفت بنص "البدائع" أن لا خلاف بين أئمتنا فى جواز بيع اللحم بالحيوان من ٣٣٠ إعلاء السنن باب بیع الرطب بالتمر ٤٧٤٣- أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، أن زيدًا أبا عياش مولى لبنى زهرة أخبره، أنه سأل سعد بن أبى وقاص عمن اشترى البيضاء غير جنسه مجازفة نقدا ونسيئةً، قال: وقد أجمعوا على أنه لا يجوز بيع الشاة بلحم الشاة نسيئة لوجود الجنس المحرم للنسأ، لأن اللحم الخالص من جنس اللحم الذى فى الشاة اهـ (١٨٩:٥)، وبهذا ظهر سخافة رأى بعض الأحباب حيث قال: اللحم المفرز جماد، واللحم الذى فى الحيوان حيوان، واختلاف جنس الحيوان والجماد ظاهر، فالصحيح عندى أن اللحم جنس، والحيوان جنس آخر اه، قلت: کون اللحم حیوانا لا یقول به أحد له مسکة عقل، ولو کان کذلك لکان حکم بیع اللحم بحیوان من جنسه، أو بغير جنسه سواء، وهو باطل بالمرة، فإن بيعه بحيوان من جنسه لا يجوز عند أحمد، ومالك، والشافعى، وفيه بغير جنسه قولان للشافعى، ووجهان عند أحمد، أما عندنا فيجوز بيعه بحيوان من جنسه مجازفة ومفاضلة عندهما، وبطريق الاعتبار عند محمد، ولا يجوز نسيئة، وبغير جنسه يجوز مجازفة نقدا ونسيئة بلا خلاف، فافهم. باب بيع الرطب بالتمر قوله: "فنهى عنه"، أقول: اختلف فى بيع الرطب بالتمر، فقال أبو يوسف، ومحمد، وأحمد، والشافعى، ومالك، وغيرهم: إنه لا يجوز، وتمسكوا بهذا الحديث، وقال أبو حنيفة: إنه يجوز، وقال ابن المنذر: أظن أن أبا ثور وافقه على ذلك، قاله العينى فى عمدة القارى (٥٣١:٥). وحكى عن أبى حنيفة أنه لما دخل بغداد سألوه عن هذه المسألة، وكانوا أشداء عليه لمخالفة . الحديثُ، فقال: الرطب إن كان تمرا أو لم يكن، فإن كان تمرا أو جاز لقوله عليه السلام: ((التمر بالتمر مثلا بمثل))، وإن لم يكن تمرا جاز لقوله: ((إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم))، فأوردوا عليه الحديث، فقال: مداره على زيد بن عياش وهو مجهول، أو قال ممن لا يقبل روايته، (لجهالته)، واستحسن أهل الحديث هذا الطعن منه، حتى قال ابن المبارك: كيف يقال: إن أبا حنيفة لا يعرف الحديث؟ وهو يقول زيد ممن لا يقبل روايته اهـ "التعليق الممجد" على "الموطأ" للإمام محمد. وقال ابن الهمام فى "الفتح": إنه رد ترديده بين كونه تمرا أولا، بأن بينهما قسما ثالثا، وهو كونه من الجنس، ولا يجوز بيعه بالآخر كالحنطة المقلية بغير المقلية لعدم تسوية الكيل بينهما، فكذا الرطب بالتمر لا يسويهما الكيل، وإنما هو يسوى فى حال اعتدال البدلين، وهو أن يجف الآخر، ج - ١٤ بيع الرطب بالتمر ٣٣١ بالسلت؟ فقال له سعد: أيهما أفضل؟ قال: البيضاء، قال: فنهانى عنه، وقال: إنى وأبو حنيفة يمنعه ويعتبر التساوى حال العقد، وأجيب بأن عروض النقص بعد ذلك لا يمنع مع المساواة فى الحال، إذا كان موجبه أمرا خلقيا، وهو زيادة الرطوبة، بخلاف المقلية بغيرها، فإنا فى الحال نحكم بعدم التساوى لاكتناز أحدهما فى الكيل، بخلاف الآخر لتخلخل كثير، وقال أيضًا: لا يجوز بيع الحنطة المقلية بغير المقلية؛ لأن القلى كائن بصنع العباد، فتنعدم اللطافة التى كانت الحنطة بها مثلية، بخلاف التفاوت الحاصل بأصل الخلقة كالرطب مع التمر، والعنب مع الزيت لا یعتبر، فهذا هو الأصل اهـ. ثم قال: قد نقض أبو حنيفة هذا الأصل، وهو أن التفاوت بصنع العباد معتبر فى المنع، وما بأصل الخلقة لا، بالحنطة المبلولة، فإن الرطوبة الحاصلة، فيها بصنع العباد، وبها يحصل التفاوت مع أنه أجاز العقد اهـ، ثم قال: وأجيب عنه بأن الحنطة فى أصل الخلقة رطبة، وهى مال الربا إذ ذلك، والبل بالماء يعيدها إلى أصل الخلقة فيها، فلم يعتبر بخلاف القلى اهـ، ما فى "الفتح" ملتقطًا. والصحيح فى الجواب أن يقال: إن المعتبر عنده التساوى فى الحال، ولا دخل فيه لصنع العباد، إذا لم يخل بالتساوى فى الحال، والتخفيف فى التمر، والبل فى الحنطة غير مخل لعدم التخلخل، والقلى مخل؛ لأنه يحدث التخلخل والخلاء بين الأجزاء بإفناء الرطوبة الأصلية المالئة للخلل، (وبالجملة: فمدار التساوى، ليس إلا على كونهما مكتنزين فى الكيل، والتمر والرطب فى ذلك سواء، بخلاف المقلية وغير المقلية فلا مساواة بينهما فى الاكتناز فى الكيل، فكانا كالحنطة والدقيق، فافهم. ١٢ظ) فاندفع الإیراد على الترديد المذكور. وأما ما أجاب عن الحديث، بأن زيدا مما لا يقبل حديثه لأنه مجهول، فأوردوا عليه، بأنه إن أراد أنه مجهول العین فلا يصح، لأنه روی عنه ثقتان، عبد الله بن یزید، وعمران بن أبى أنس، وهما رجال مسلم، وإن أراد أنه مجهول الحال، فلا يصح أيضًا، لأنه إن لم يعرفه أبو حنيفة، فقد عرفه الأئمة، ذكره ابن حبان فى الثقات، صحح الترمذى، وابن حبان، وابن خزيمة حديثه المذكور، وقال الدار قطنى: ثقة ثبت، وقال الحاكم فى "المستدرك": هذا حديث صحيح لإجماع أئمة أهل النقل على إمامة مالك، وأنه محكم فى كل ما يرويه، إذا لم يوجد فى روايته إلا الصحيح خصوصًا فى حديث أهل المدينة. والجواب عنه أنه أبا حنيفة لم یتفرد بتجهیله، بل وافقه علیه آخرون، ولم یعتمدوا علی رواية مالك عنه فى هذا الباب، وقال الحاكم نفسه فى "المستدرك": لم يخرجاه لما خشيا من جهالة زيد، ٣٣٢ بيع الرطب بالتمر إعلاء السنن سمعت رسول الله عَ لّ سئل عمن اشترى التمر بالرطب؟ فقال: أ ينقض الرطب إذا وقال ابن حزم: إنه مجهول، وقال الطبرى فى "تهذيب الآثار": علل الخبر بأن زيدا انفرد به، وهو غير معروف فى نقلة العلم، وطعن فى الحديث أيضًا عبد الحق، وقال ابن عبد البر: وأما زيد، فقيل: إنه مجهول، وقيل: إنه أبو عياش الزرقى اهـ، فلم يتعين عنده من هو؟ وقال الطحاوى: قيل فيه: أبو عياش الزرقى، وهو محال، لأن أبا عياش الزرقى من أجلة الصحابة لم یدر که ابن يزيد، وقال ابن حجر: قد فرق أبو أحمد الحاکم بین زید أبی عیاش الزرقی الصحابى، وبین زید أبی عياش الزرقى التابعى، وأما البخارى فلم يذكر التابعى جملة، بل قال: زيد أبو عياش، هو زيد بن الصامت من صغار الصحابة اهـ. فتلخص منه أن زيدا المذكور لم يتعين عند هؤلاء الأئمة، ولم يعرفوه أنه من هو؟ وإن عرفه الأئمة فحديثه حجة عليهم، لا على أبي حنيفة، فإنه لم يعرفه، وهو إمام مجتهد لا يجب عليه تقليد من عرفه، والذين صححوا حديثه فقد اعتمدوا على مالك فقط، وبعد تسليم أنه معروف، فالجواب عنه من وجوه: أحدها: ما أجاب به الطحاوى، وقال: اختلف فيه على عبد الله بن يزيد، فرواه عنه مالك وأسامة كما فى "الموطأ"، ورواه عنه يحيى بن أبى كثير: ((أنه نهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة)، ورواه عمران بن أبى أنس عن مولى بنى مخزوم: ((أنه سأل سعد بن أبى وقاص عن الرجل يسلف الرجل الرطب بالتمر إلى أجل؟ فقال سعد: نهانا رسول الله عَّه عن هذا))، ثم قال: فكان ينبغى فى تصحيح "معانى الآثار" أن يكون حديث عبد الله بن يزيد لما اختلف عنه فيه أن يرتفع، ويثبت حديث عمران هذا، فيكون هذا النهى الذى جاء فى حديث سعد هذا، إنما هو لعلة النسيئة لا بغير ذلك اهـ، وأورد عليه أنه اختلف فيه على عمران أيضًا؟ فإنه رواه مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عمران عن أبى عياش، مثل ما رواه مالك عن عبد الله، أخرجه البيهقى فى "سننه"، فلا یفیده روایته. وثانيها: ما أجاب به ابن التركمانى فى "الجوهر النقى": أنه مضطرب سندا ومتنا اضطرابًا شديدا، لأن أبا عياش يروى عنه عبد الله بن يزيد، وعمران ابن أبى أنس، وعبد الله يروى عنه مالك بنحو ما ذكرنا، ويخالفه يحيى، فيروى عنه: ((أنه نهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة))، وأما عمران فیروی عنه مخرمة بن بکیر، عن أبيه ما يرويه مالك، ويروى عنه عمرو بن الحارث عن بکیر مثل ما يرويه عنه يحيى، ثم مالك قد يرويه عن عبد الله، وقد يرويه عن داود بن حصين عن عبد الله، ثم إسماعيل قد یرویه عن عبد الله ویقول: عن أبي عياش مولی بنی زهرة، وقد یرویه عنه، ويقول: ج - ١٤ بيع الرطب بالتمر ٣٣٣ يبس؟ قالوا: نعم! فنهى عنه)) (الموطأ للإمام محمد ٣٣١). عن أبى عياش الزرقى، أخرجه الطحاوى، وقال: إنه محال، أبو عياش الزرقی صحابی جليل، وليس فى سن عبد الله بن يزيد لقاء مثله، ثم أسامة بن زيد قد يرويه مثل ما رواه مالك عن عبد الله، وقد یرویه عنه عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبی مګآ، وقد یرویه عنه عن أبى عياش عن سعد موقوفًا، ويظهر من هذا كله أن الحديث قد اضطرب اضطرابًا شديدا فى سنده ومتنه، وزيد مع الاختلاف فيه مجهول، كذا قاله ابن حزم وغيره، فالحديث لا يصلح للاحتجاج، انتهى ما فى "الجوهر النقى" ملخصًا (٩:٢). وأجيب عنه بترجيح ما رواه مالك للاتفاق على إمامته وتثبته، وإحكام ما يرويه، والاختلاف عليه إن ثبت فهو لا يضر، لأنه يمكن أن يكون الرواية عنده من طريقين، ويدل على تثبته، وإحكامه أنه لم يضطرب فى الرواية، كما اضطرب فيه غيره، والجواب عنه أنه يشاركه فيه يحيى أيضًا، فإنه لم يضطرب فى روايته أيضًا. وأيضًا: فلا نسلم أن مالكا لم يضطرب، فإن مالكا وإسماعيل بن أمية رویاه عن عبيد الله بن يزيد، عن زيد بن أبي عياش، عن سعد، وقال مالك مرة: زيادة أبى عياش مولى بنى زهرة، وهو رجل مجهول بالمرة، لا يدرى من هو؟ كذا فى "المحلى" (٤٦٦:٨)، وإن سلمنا صحته فهو محمول عندنا على بيع الرطب فى رؤوس النخل بتمر كيلا، وهو فاسد لانعدام الكيل فى الرطب، ودليل ذلك قيام الإجماع على اشتراط المساواة فى الربويات المجانسات وقت البيع لا فيما بعده، ومن هنا قالوا بجواز بيع التمر الحديث بالتمر القديم كيلا بكيل يدا بيد، وهو ينقص عنه فيما بعد، وكذا ببيع مدين من تمر جيد غاية الجودة بمدين من تمر ردىء غاية الرداءة كيلا بكيل، وهو ينقص فيما بعد، وكذا ببيع صاع من حنطة جيدة رطبة بصاع حنطة قديمة يابسة قد أكلها السوس، وإذا كان كذلك، فلا معنى لقوله مَّه: ((أينقص الرطب إذا يبس))، إلا إذا كان محمولا على بيع الرطب فی رؤوس النخل بتمر مجذوذ کیلا. وحاصله: أن الكيل إذا لم يجر فى الرطب وقت البيع لا يحصل المساواة بينه وبين التمر بكيله بعد الجذاذ لنقصانه فيما بعد بلا شك، وهذا منه تنبيه على ظهور الخطأ فى الخرص والظن فى مثل هذه الصورة قطعًا، فلا دلالة فيه على جواز بيع التمر فى رأس النخل بتمر مجذوذ كيلا، فإن الخرص وإن كان لا يخطئ فيه قطعًا ولكنه يخطئ ظنا، ولا أقل من أن يزيد أحدهما على الآخر فى بيع الربويات المجانسات من العلم بالمساواة كيلا بكيل، يدا بيد، بدليل الآثار المتواترة فى هذا الباب. ٣٣٤ بيع الرطب بالتمر إعلاء السنن ويؤيد ما قلنا ما رواه ابن حزم من طريق ابن وهب: أخبرنى ابن جريج، عن عطاء وأبى الزبير، عن جابر، قال: ((نهى رسول الله عّ له عن بيع الثمر، حتى يطيب ولا يباع شىء منه، إلا بالدنانير والدراهم)»، ورواه أيضًا من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، عن رسول الله عَّ ◌ُلّه، وقال: هذا خبر فى غاية الصحة، وما نعلم أحدا منع من بيع الثمر بغير الدنانير والدراهم اهـ (٤٦٦:٨)، فقوله: ((نهى عن بيع الثمر، حتى يطيب)) صريح فى أنه أراد الثمر فى رؤوس النخل، وقوله: ((ولا يباع إلا بالدراهم والدنانير)) أى لا يباع ما دام فى رأس النخل إلا بغير جنسه، ولا يباع بتمر مجذوذ كيلا لقيام الإجماع على جواز بيع الرطب من التمر، والتين، والعنب باليابس من غير جنسه، فخصوصية الدراهم والدنانير ليست بمرادة، وإنما المراد أن لا يباع ما فى رؤوس الأشجار من المكيل والموزون بجنسه مجذوذا مكايلة أو موازنةً. ويؤيدنا أيضًا ما رواه ابن أبى شيبة: نا ابن المبارك، عن عثمان بن حكيم، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: التمر بالتمر على رؤوس النخل مكايلة، إن كان بينهما دينار أو عشرة دراهم، فلا بأس به، وهذا خبر صحيح، وعثمان بن حكيم ثقة، وسائر من فيه أئمة أعلام كذا فى المحلى (٤٦٠:٨). وبهذا يخرج الجواب عما رواه البيهقى فى "سننه" عن عبد الله بن أبى سلمة، ((أن رسول الله عَّه سئل عن رطب بتمر؟ فقال: أينقص الرطب إذا يبس، قالوا: نعم، فقال: لا يباع رطب بیابس))، قال البيهقى: وهذا مرسل جيد شاهد لما تقدم (٢٩٥:٥). وتقرير الجواب أن عمومه مخصوص بالإجماع، وإلا لم يجز بيع الرطب بعنب يابس، ولا بيع الرطب من التين بيابس من التمر، وهو جائز بلا خلاف، فإن حمله الجمهور على رطب بيابس من جنسه، فلأبى حنيفة أن يحمله على رطب فى رأس النخل بتمر مجذوذ، بدليل ما مر من الآثار، وبدليل ما رواه الشيخان عن ابن عمر، عن رسول الله عَّهِ، أنه قال: ((لا تبايعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا الثمر بالتمر))، وفى لفظ صححه ابن حزم، من طريق ابن عمر: ((نهى رسول الله عَِّ عن المزابنة، والمزابنة أن يباع ما فى رؤوس النخل من ثمر بتمر مسمى بكيل، إن زاد فلى، وإن نقص فعلی)) (٩٩:٨). ورواه مسلم من طريق عبيد الله عن نافع بلفظ: والمزابنة بيع ثمر النخل بالتمر كيلا، وبيع العنب بالزبيب كيلا، وبيع الزرع بالحنطة كيلا (فتح البارى ٤: ٣٦٠)، وأخرجه ابن حزم فى "المحلى" بلفظ: "والمزابنة اشتراء الثمر بالتمر، واشتراء العنب بالزبيب كيلا"، وبلفظ: "بيع الكرم ج - ١٤ بيع الرطب بالتمر ٣٣٥ بالزبيب كيلا" (٤٦٠:٨)، فحمله على النهى عن بيع الرطب بالتمر مطلقا، سواء كان فى رأس النخل أولا، ولا يخفى بطلانه، فإن الحديث واحد، فلا بد من أخذ الزيادة التى زادها الثقات، وقد وقع التصريح فى لفظ مسلم بلفظ: ((تمر النخل بالتمر كيلا ويبيع الزرع بالحنطة كيلا))، وعليه يحمل قوله: (( واشتراء العنب بالزبيب كيلا)) أى العنب الذى فى رأس الكرم، فبيع الرطب المجذوذ باليابس منه، ليس من المزابنة فى شىء، وإنما المزابنة بيع الرطب فى رؤوس النخل بالتمر، كذا فى "المجمع" عن "النهاية" (٥٧:١٠). ووقع التصريح بذلك فى حديث أبى سعيد الخدرى، رواه مالك: ثنا داود بن الحصين أن أبا سفيان مولى ابن أحمد أخبره، أنه سمع أبا سعيد الخدرى يقول: (((نهى رسول الله عرّ عن المزابنة، والمحاقلة، والمزابنة اشتراء الثمر فى رؤوس النخل بالتمر)) الحديث. قال محمد فى "الموطأ": المزابنة عندنا اشتراء الثمر فى رؤوس النخل بالتمر كيلا اهـ (٣٣٦)، فحديث زيد بن عياش بعد صحته محمول على المزابنة لا غير، وقد يطلق عليها بيع الرطب باليابس، كما روى الدارقطنى من طريق موسى بن عبيدة الربذى، عن عبيد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: ((نهى رسول الله مرّ له عن المزابنة أن يباع الرطب باليابس)) (زيلعى ٢: ١٩٠)، وموسى بن عبيدة لا حجة فيه، ولكن المقصود إثبات إطلاق الرطب باليابس على المزابنة، وهو من باب اللغة لا من باب الأحكام، فلا بأس فیه بالاحتجاج بمثله. وقد ثبت بتصريح ابن عمر، وأبى سعيد، ومحمد بن الحسن -وهو إمام فى اللغة- أن المزابنة لا تكون إلا فی بیع ما فی رؤوس النخل بالتمر کیلا، فیحمل علی ذلك کل ما ورد فیہ النھی عن بيع الرطب باليابس، أو عن بيع الرطب بالتمر مطلقًا، والعجب من ابن حزم، ومن وافقه أنهم كيف حملوا قوله: «نهی عن بیع الثمر بالتمر)) فی حدیث ابن عمر، وسهل بن أبى حثمة عند مسلم، وفى حديث رافع بن خديج وأبى هريرة عند غيره، على بيع الرطب بالتمر مطلقًا؟ والثمر لا يطلق إلا على الرطب ما دام فى رأس النخلة، ومنه الحديث: ((لا قطع فى ثمر ولا كثر))، وقال فى "النهاية": الثمر الرطب ما دام فى رأس النخلة، فإذا قطع فهو الرطب، فإذا كنز فتمر، والثمرة واحد الثمر، ويقع على كل الثمار، ويغلب على ثمر النخل، والكثر الجمار، كذا فى مجمع البحار (١٦٦:١)، وتأيد ذلك بما وقع فى بعض الطرق عن ابن عمر وغيره تقييده بما فى رأس النخل، فافهم. قال صاحب "البدائع": ولأبى حنيفة رحمه الله الكتاب الكريم، والسنة المشهورة، ٣٣٦ بيع الرطب بالتمر إعلاء السنن أما الكتاب فعمومات البيع (فلا يحكم بحرمة بيع إلا بنص مثله)، وأما السنة المشهورة، فحديث أبى سعيد الخدرى، وعبادة بن الصامت -رضى الله عنهما- حيث جوز رسول الله عَّ له بيع الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، مثلا بمثل عاما مطلقًا، من غير تخصيص وتقييد، ولا شك أن اسم الحنطة والشعير يقع على كل جنس الحنطة والشعير على اختلاف أنواعهما وأوصافهما، وكذلك اسم التمر(١) يقع على الرطب والبسر، لأنه اسم لثمر النخل لغة، فيدخل فيه الرطب، واليابس، والمذنب، والبسر، والمنقع. وروى أن عامل خيبر أهدى إلى رسول الله مرّ تمرا جنييا (والتمر الجنيب هو الرطب)، فقال عليه الصلاة والسلام: أو كل تمر خیبر هكذا؟ (متفق عليه)، و کان اهدی إلیه رطبا (بدلیل ما ذكرنا، وهو المراد بقول صاحب "الهداية": ولأبى حنيفة أن الرطب تمر، لقوله مرّ له: حين أهدى إليه عامل خيبر رطبا إلخ، لم يرد ورود لفظ الرطب فى الحديث، بل ورود ما يدل على أنه كان أهدى إليه رطبا، فما أورده عليه الحافظ فى "الدراية" ٢٨٧ رد عليه)، فقد أطلق عليه الصلاة والسلام اسم التمر على الرطب، وروى: ((أنه نهى عليه الصلاة والسلام عن بيع التمر حتي يزهو)) أى يحمر أو يصفر، وروى ((حتى يحمار ويصفار)) (لم أجده هكذا، وإما رواه الشيخان بلفظ: (نهى بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، وعن بيع النخل حتى يزهو، قيل: ما يزهو؟ قال: يحمار ويصفار)) "زيلعى" ١٧٢:٢)، الاصفرار من أوصاف البسر، فقد أطلق اسم التمر على البسر، فیدخل تحت النص. وأما الحديث (الذى احتج به الجمهور) فمداره على زيد بن عياش، وهو ضعيف (لجهالته) عند النقلة، فلا يقبل فى معارضة الكتاب والسنة المشهورة، ولهذا لم يقبله أبو حنيفة رحمه الله فى المناظرة فى معارضة الحديث المشهور، مع أنه كان من صيارفة الحديث، وكان من مذهبه تقديم الخبر، وإن كان فى حد الآحاد على القياس، بعد أن كان راويه عدلا ظاهر العدالة، أو يؤوله فيحمل على بيع الرطب بالتمر نسيئة، توفيقا بين الدلائل، والله تعالى أعلم اهـ (١٨٨:٥). (١) كون التمر اسما لتمر النخل، رطبا كان أو بسرا أو يابسًا ثابت لغةً، وإنكاره مكابرة، فلا حاجة إلى إثباته بالنص، وإنما ذكروا الحديث تأييدًا. ج - ١٤ بيع الرطب بالتمر ٣٣٧ وجه الجمع بين قول الحنفية: "إن الحديث ولو ضعيفا أو مرسلا مقدم على القياس"، وبين تركهم العمل ببعض الأحاديث الصحيحة من الآحاد: قلت: ولو قرع سمع ابن حزم هذا الكلام لسكت عن كثير مما تكلم به فى هذا المقام؛ لعدم معرفته بأصول مذهب الإمام، فمنه قوله: والعجب من الحنفیین الآخذین بکل مرسل وضعيف، كالوضوء من القهقهة فى الصلاة، والوضوء بالنبيذ، وغير ذلك، ثم يخالفون هذا المرسل، وهذا الضعيف اهـ (٤٦٦:٨)، فإن حديث الوضوء من القهقهة والوضوء بالنبيذ لم يصادما نص الكتاب، ولا السنة المشهورة، وإنما خالفا القياس فحسب، والحديث ولو ضعيفًا أو مرسلا مقدم عندنا على الرأى، وأما إذا خالف نص الكتاب أو السنة المشهورة فلا يقبل وإن كان صحيحا حسنًا من الآحاد، ومن حیث الإسناد بل یحمل على محمل حسن جميل، ویؤول أحسن تأويل يرتفع به التضاد. فإن قيل: تأويل حديث زيد بن عیاش هذا بحمله علی المزابنة یأباه ما فيه من قول سعد بن أبي وقاص فى كراهة بيع البيضاء بالسلت، فإنه لم يخصه ببيع الرطب فى رأس النخل بتمر كيلا، بل هو عام كل رطب بيابس عنده، ولم يعرف له مخالف من الصحابة رضى الله عنهم، قلنا: تأويل سعد متروك بالإجماع، فإن البيضاء مفسر بالحنطة، والسلت بالشعير، قال صاحب "المحكم": السلت ضرب من الشعير، قال: وقيل: فى السلت هو الشعير بعينه، وقيل: هو الشعير الحامض، وقال أبو عبيد الهروى فى هذا الحديث: البيضاء الحنطة وهى السمراء، وإنما كره ذلك، لأنهما عنده جنس واحد، وكلام الشافعى فى "الأم" أيضًا، يدل على أن البيضاء بالسلت هى البر بالشعير، وهو الذى فهمه مالك منه، حيث استدل به على كون الحنطة والشعير جنسا واحدا، لا يجوز التفاضل بينهما (شرح المهذب ٧٩:١٠- ٨٠)، وعلى هذا فيحرم بيع كل رطب بيابس من جنسه، أو غير جنسه، ولم يقل به أحد فيما علمنا، فإن القائلين بحرمة بيع الرطب باليابس قيدوها بجنسه، و جوزوه بغیر جنسه، کما مر. الكلام فى حديث النهى عن بيع الرطب باليابس على طريقة المحدثين: فائدة: طرق هذا الحدیث كلها ترجع إلى زيد بن أبى عياش مولى بنى زهرة، ويقال مولی بنی مخزوم، وقيل: غير ذلك، ورواه أبو داود من طریق یحیی بن أبی کثیر، روى هذا الحديث عن عبد الله بن عياش عن سعد، قال ابن عبد البر: يقولون: إن عبد الله بن عياش هذا هو أبو عياش الذى قاله مالك، وقال ابن عبد البر فى "كتاب الاستذكار" و"التمهيد" بعد أن ذكر الخلاف فى ٣٣٨ بيع الرطب بالتمر إعلاء السنن جهالته: وقيل: إن زيدا أبا عياش، هذا هو أبو عياش الزرقى، وأبو عياش الزرقى اسمه عند طائفة من أهل العلم بالحديث زيد بن الصامت، وقيل: زيد النعمان، وهو من صغار الصحابة، وممن روى عنه عٍَّ، وشهد معه بعض مشاهده، رواه ابن عبد البر من طريق ابن أبى عمر وهو العدنى، عن سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، فقال فيه: الزرقى، وهذه زيادة من عدل مثبت أنه هو الصحابى، وكذلك رويناه فى سنن الشافعى عن سفيان بن عيينة، فاجتماع الشافعى والعدنى، عن سفيان على ذلك دليل على أنه هو، لكن ذلك مخالف لما اشتهر فى الروايات أنه مولى بنى زهرة، وأحال الطحاوى أن يكون أبو عياش هو الزرقى، لأنه من جلة أصحاب النبى مّظآر، لم يدركه عبد الله بن يزيد، كذا فى "شرح المهذب" (٤٢٤:١٠). قال شارح "المهذب": فإن كان هو إياه فقد كفيناه مؤنة الكلام، وإلا فيكفى ما تقدم من توثيق الدارقطنى له، وحكم الأئمة بتصحيح حديثه اهـ، قلت: وكيف كفيته مؤنة الكلام؟ وإن كان هو الزرقی صار الحديث منقطعا، لأن عبد الله بن یزید لم یدر که، کما قاله الطحاوى، وهو إمام حلفظ للحديث نقاد لصحيحه من الضعيف، فلا يترك قوله ما لم ينص حافظ مثله على سماعه منه، وأما قولك: وإلا فیکفی ما تقدم من توثيق الدارقطنى له، ففیه أن توثيقه یشعر بکون أبی عياش تابعيا لا صحابيا، فإن الصحابى مستغنٍ عن التوثيق، وهو خلاف ما قاله العدنی، والشافعی عن سفيان بن عيينة أنه الزرقى، وقول سفيان يخالف قول مالك: إنه مولى بنى زهرة، وهذا هو عين الاضطراب، مرجعه إلى جهالة أبى عياش هذا. وأما تضحيح الأئمة حديثه فمبنى على قولهم: إن مالكا لا يروى عن رجل متروك الحديث، وهذا من شأن مالك وعادته معلومة، ولا يخفى أن هذا توثيق صمتی، ومثله لا يكون حجة إلا على من قلد مالكا دون غيره، وقول أبى حنيفة: "إن زيد بن عياش هذا مجهول" جرح مفسر، فلا يقبل معارضه ما لم يكن مفسراً مثله، كيف؟ وقد تأيد قوله باختلاف الثقات فى تعيين الرجل، فمنهم من يقول: هو الزرقى، ومنهم من يقول: مولى بنى زهرة، وبعضهم يقول: مولى بنى مخزوم، وأما توثیق الدارقطنی فلا يصلح ان یعارض جرح أبى حنيفة، وأنی له أن يوثق أحدا من التابعین من غیر أن يوثقه أحد من المتقدمين؟ ولم نر لأحد من المتقديمن فيه تعديلا ولا توثيقا مبهما ولا مفسرا، غير ما يؤخذ من عادة مالك ضمنا، وقد عارضه قول أبى حنيفة الإمام مفسراً وصريحا. وظنى أن الدار قطنى إنما وثقه على أصله الذى ذكرناه فى المقدمة، أن من روى عنه ثقتان، فقد ارتفعت جهالته، وثبتت عدالته، حكاه السخاوى عنه فى "فتح المغيث"، وخالفه الجمهور، ج - ١٤ بيع الرطب بالتمر ٣٣٩ فقالوا: برواية عدلين ترتفع جهالة العين، ولا تثبت به العدالة، لا سيما إذا كان الثقتان قد اختلفا عليه، وههنا كذلك، فإن عمران بن أنس خالف عبد الله بن يزيد فى موضعين: الأول: أنه جعله مولى بنى مخزوم دون مولى زهرة. والثانى: أنه زاد فى المتن "نسيئة"، كما رواه يحيى بن أبى کثیر، أشار إليه أبو داود فى "سننه". وأخرجه الطحاوى فى "مشكله": حدثنا يونس، ثنا ابن وهب، أخبرنى عمرو بن الحارث، أن بكير بن عبد الله بن الأشج حدثه عن عمران بن أنس، أن مولى بنى مخزوم حدثه: ((أنه سأل سعدا عن الرجل يسلف الرجل الرطب بالتمر إلى أجل؟ فقال سعد: نهانا رسول الله عَ لّه عن هذا))، وهذا السند أجل من السند الذى يكره البيهقى (وفيه موافقة عمران بن أبى أنس لعبد الله بن يزيد فى لفظ الحديث)، فيونس هو ابن عبد الأعلى حافظ احتج به مسلم، وهو أجل من الربيع وهو مرادى، لأنه كان فى عقله شىء، حكاه ابن أبى حاتم عن النسائى، ولم يخرج له صاحبا الصحيحين، وعمرو بن الحارث المصرى الراوى عن بكير حافظ جليل، وهو أجل من مخرمة بن بکیر بلا شك، لأن مخرمة ضعفه ابن معین وغیره، وقال ابن حنبل وابن معين: لم يسمع من أبيه، وإنما وقع له کتابه، كذا فى "الجوهر النقى"، وصنیع أبى داود مشعر بأن عمران، إنما وافق يحيى بن أبى كثير فى المتن دون عبد الله بن يزيد، فهو الصحيح ولا بد. فاندحض قول المنذرى: وكيف یکون مجهولا، وقد روى عنه اثنان ثقتان، عبد الله بن يزيد، عمران بن أنس، وهما ممن احتج به مسلم فى "صحيحه" " شرح المهذب" (٤٢٣:١٠)، فإن رواية عمران قد أفسدت رواية ابن يزيد، وزادت فى زيد بن عياش جهالة على جهالة، وفى "تهذيب الآثار" للطبرى: علل الخبر بأن زيدا انفرد به، وهو غير معروف فى نقلة العلم، كما فى "الجوهر النقى" أيضًا (٢٩٥:٥)، وبهذا كله تبين قوة ما قاله أبو حنيفة الإمام، أو أنه كما قال الشاعر: فإن القول ما قالت حذام إذا قالت حذام فصدقوها ويرد قول المنذرى أيضًا: ما ذكرنا فى "المقدمة" أن المجهول عندنا، هو من لم يعرف إلا بحديث، أو حديثين وجهلت عدالته، سواء انفرد بالرواية عنه واحد، أم روى اثنان، فصاعدًا، ولا یخفی أن زید بن عياش، لیس له إلا هذا الحدیث الواحد، لم یعرف له غيره، فهو مجهول عند أبى حنيفة بكل حال، وإن روى عنه فئة من الرجال، ما لم يثبت عدالته بتصريح أحد من أئمة الفن بأوضح مقال، لا يجدى فى ذلك الاعتماد على العادة، ولا الاستناد إلى قرائن الأحوال. ٣٤٠ بيع الرطب بالتمر ج - ١٤ قال شارح "المهذب": فإن ثبت (أى حديث يحيى بن أبى كثير عن عبد الله بن يزيد، ورواية عمران بن أبى أنس، كلاهما عن زيد بن عياش عن سعد بلفظ: ((نهى رسول الله عَّ له عن بيع الرطب بالتمر نسيئة))، فيحمل على أنهما حديثان (قلت: احتمال بعيد، لأن مخرج الحديث واحد فلا يحمل على التعدد بمجرد الاحتمال، بل لا بد له من دليل ناهض، وإلا بطل الاستدلال)، قال: وإن لم يكونا حديثين، فالحكم بإسقاط الزيادة متعين. (قلت: وهل هذا إلا تحكم؟ ويحيى بن أبى كثير إمام جليل، وزيادة الثقة مقبولة، كيف؟ وفى رواية عمران ما يقوى حديثه، وتبين أنه لم ينفرد به، وأما إن مالكا، وإسماعيل بن أمية، وأسامة ابن زيد، والضحاك بن عثمان، خالفوه كما قاله البيهقى، فقد أجاب عنه صاحب "الجوهر النقى" بأن مالكا، قد اختلف عليه فى سند الحديث، كما ذكره البيهقى، واختلف أيضًا على إسماعيل، واختلف أيضًا على أسامة، فرواه عنه ابن وهب نحو رواية مالك، رواه الليث عن أسامة وغيره، عن عبد الله بن یزید، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، عن بعض اصحاب النبی م ے، لم یذکر زيد بن عياش ولا سعدا، ذكره الطحاوى وابن عبد البر، وفى أطراف المزی رواه زياد بن أبى أيوب، عن على بن غراب، عن أسامة بن زيد، عن عبد الله بن یزید، عن أبى عياش، عن سعد موقوفا، ولم يذكر الدارقطنى، ولا غيره فيما علمنا سند الضحاك لينظر فيه، فكيف يحكم بإسقاط الزيادة التى زادها يحيى بن أبى كثير بحديث هؤلاء، ولم يسلم من الاختلاف؟ ولو سلم منه لكان حديث يحيى أولى بالقبول، لأنه زاد عليهم، وهو إمام جليل، فافهم). قال البيهقى: الخبر مصرح بأن المنع إنما كان لنقصان الرطب فى المتعقب، وحصول الفضل بينهما بذلك، وهذا المعنى يمنع أن يكون النهى لأجل النسيئة. (قلنا: لا يراعى حال المتعقب إلا إذا كان المتعقب مشروطًا فى العقد، وإلا فالأصل مراعاة المساواة أو الفضل حال العقد جوازًا وحرمة كما تقدم، فهذا حجة عليك لا لك، وأما إن هذا المعنى يمنع أن يكون النهى لأجل النسيئة، فغير مسلم؛ لما فيه من التنبيه على المعنى الذى لأجله حرم بيع الرطب بالتمر نسيئة، وإن كان المنع لنقصان الرطب فى المتعقب مطلقًا من غير أن يكون المتعقب مشروطًا فى العقد للزم حرمة بيع الرطب بالرطب أيضًا، لأن نقص كل واحد منهما لا يحصل العلم، بأنه مثل نقص الآخر، فإن فى الأرطاب ما ينقص كثيرا، ومنه ما ينقص قليلا، ولم يذهب إلى حرمة بيع الرطب بالرطب أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أتباعهم غير الشافعى وأصحابه،