Indexed OCR Text

Pages 221-240

ج - ١٤
حکم الإقالة فى البيع
٢٢١
٤٦٩٢- وعن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله عَّ له: ((من أسلم فى شىء
فلا يصرفه إلى غيره)) رواه أبو دادو والترمذى، وقال: حديث حسن (زيلعى ١٩٤:٢).
٤٦٩٣- حدثنا محمد بن ميسرة عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن عبد
الله بن شعيب، أن عبد الله بن عمرو كان يسلف له فى الطعام، ويقول للذى يسلف له:
لا تأخذ بعض رأس مالنا أو بعض طعامنا، ولكن خذ رأس مالنا كله أو الطعام وافياً ،
رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" (زيلعى ١٩٤:٢). محمد بن ميسرة من رجال البخارى
صدوق، وفى "الدراية": إسناد جيد (٢٨٩).
٤٦٩٤- أخبرنا معمر، عن قتادة، عن ابن عمر، قال: "إذا أسلفت فى شىء
فلا تأخذ إلا رأس مالك أو الذى أسفلت فيه". رواه عبد الرزاق فى "المصنف"، وفى
"الدراية" (٢٨٩) إسناد منقطع.
٤٦٩٥- وروى البيهقى فى "سنته" (٢٧:٦) عن ابن عباس: "إذا أسلمت فى.
شىء فلا بأس أن تأخذ بعض سلمك وبعض رأس مالك، فذلك المعروف".
قال البيهقى: "والمشهور عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه كره ذلك" اهـ، فدل
على صحة هذا المنقطع.
٤٦٩٦- عن سعيد بن منصور: ثنا أبو شهاب، عن داود بن أبى هند، عن
عكرمة، عن ابن عباس: "أنه كره أن يبتاع البيع ثم يرده ويرد معه دراهم". رواه البيهقى
فی "سننه" (٢٧:٦) بسنده واحتج به، وهو سند صحیح، فإن أبا شهاب عبد ربه بن
نافع من رجال البخاری صدوق، والباقون لا يسأل عنهم.
بقدر ما نقص المسلم فيه، لكونه من بيع الطعام قبل القبض وتفريق الصفقة، وهو منهى عنه، وإن
كان فسخا لاتفق الجميع على قول عطاء، فدل على أن للإقالة شبها بالفسخ والبيع جميعًا.
قوله: "حدثنا محمد بن ميسرة إلى قوله: أخبرنا معمر إلخ"، قلت: فيه أن عبد الله بن عمرو
وعبد الله بن عمر كرها الإقالة فى بعض المسلم فيه، وأجازه ابن عباس، فإن كانت الإقالة فسخًا من
كل وجه لاتفقا على قول ابن عباس، ولكنها كرهاه لكون الإقالة لها شبه بالبيع، كما تقدم.
قوله: "عن سعيد بن منصور إلخ"، قال البيهقى: "وفى هذا دلالة على أن الإقالة فسخ
فلا تجوز إلا برأس المال" اهـ (٢٧:٦)، وفيه رد على ابن حزم حيث جعل الإقالة بيعًا من كل وجه،

٢٢٢
حكم الإقالة فى البيع
إعلاء السنن
٤٦٩٧- عن عطية العوفى عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله عَّ له: ((من
أسلم فى شىء فلا يصرفه إلى غيره)) رواه "أبو دادو" و "أبن ماجة" و "الترمذى"
وحسنه، وقال: "لا أعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، وعطية العوفى ضعفه أحمد وغيره،
والترمذى يحسن حديثه، فهو مختلف فيه، فحديثه حسن (فتح القدير ٢٣١:٦)، وفى
وأجازها بأكثر مما وقع به البيع أو لا وبأقل، وبغير ما وقع به البيع، وحالا وفى الذمة، وإلى أجل،
فيما يجوز فيه الأجل سواء كانت الإقالة بعد قبض المبيع أو قبله، كما فى "المحلى" (٥:٩ و ٦)، ولو
كانت الإقالة بيعا من كل وجه لجازت برد المبيع، ويرد معه دراهم أو بأقل من الثمن الأول، وقد
نص ابن عباس على كراهته ومنعه، فصح أن الإقالة فسخ فى حق المتعاقدين، وهو قول أبى حنيفة،
والشافعى، ومالك. وقال أبو يوسف: هى بعد القبض بيع، وقبل القبض فسخ بيع، قال بن حزم:
فأما تقسيم أبى يوسف فدعوى بلا برهان وتقسيم بلا دليل، وما كان هكذا فهو باطل (٣:٩).
قلت: أما دليله فى كونه بعد القبض بيعًا فهو دليلك بعينه، وأما كونه قبل القبض فسخا
لا بيعًا، فلكونه مستلزما لبيع المبيع قبل القبض، وقد نهى رسول الله عن بيع ما لم يقبض، كما مر
وسیأتی، فليس دعواه بلا برهان، ولا تقسيمه بلا دلیل.
قوله: "عن عطية العوفى إلخ"، قلت: لو كانت الإقالة فسخا من كل وجه كما قاله الشافعى
وأحمد لكان مقتضى القياس جواز الاستبدال برأس مال السلم من المسلم إليه، وهو قول زفر،
فعنده يجوز أن يشترى به ما شاء، ولأنه بالإقالة بطل السلم، وضار رأس المال دينا عند المسلم إليه،
فيستبدل به كسائر الديون (فتح القدير ٢٣٢:٦). والحجة عليه ما رويناه، ولأنه أخذ شبها بالمبيع
فلا يحل التصرف فيه قبل القبض، وهذا لأن الإقالة بيع جديد فى حق ثالث غير المتعاقدين والشرع
ثالث، ولا يمكن جعل المسلم فيه مبيعا لسقوطه بالإقالة، فجعل رأس المال مبيعًا، لأنه دين مثله، فلم
يجز استبداله بشىء قبل القبض (فتح القدير ٢٣١:٦).
بقى أن يقال: لما ثبت بالنص كون الإقالة بيعًا فلا معنى للقول بكونها فسخا، والجواب أن
النص كما دل على حرمة صرف رأس المال إلى عقد آخر قبل القبض دل كذلك على جواز الإقالة
فى المسلم، وأصرح منه لفظ الدار قطنى: "فلا يأخذ إلا ما أسلم فيه أو رأس ماله" أى عند الفسخ،
وجواز الإقالة فى السلم يقتضى كونها فسخا. قال ابن المنذر: وفى إجماعهم أن رسول الله عَ ليه
نهى عن بيع الطعام قبل قبضه مع إجماعهم على أن له أن يقيل المسلم جميع المسلم فيه، دليل على
أن الإقالة ليست بيعًا، كذا فى "المغنى": فثبت قول أبى حنيفة: إن الإقالة فسخ وبيع.

ج - ١٤
حكم الإقالة فى البيع
٢٢٣
الترغيب (٥٣٠) للمنذرى قال أبو حاتم: ضعيف يكتب حديثه، ووثقه ابن معين وغيره،
وحسن له الترمذى غير ما حديث، وأخرج حديثه ابن خزيمة فى "صحيحه"، وقال: فى
واندحض بذلك ما قاله الموفق: "ويدل على أبى حنيفة بأن ما كان فسخا فى حق المتعاقدين
كان فسخا فى حق غيرهما" اهـ (٢٢٥:٤). والجواب أن هذا هو القياس، ولكنا تركناه بالنص،
فإنه أجاز الإقالة فى المسلم فيه، وهو يقتضى كونها فسخا، وحرم استبدال رأس المال بشىء غير
المسلم فيه قبل القبض، فدل على كونها بيعا، ولا يمكن اجتماع معنى البيع مع الفسخ فى حق
المتعاقدين للتنافى، فأظهرناه فى حق الثالث، فجعل فسخ فى حقهما حتى يجوز فى السلم، وفى
المبيع قبل قبضه بيعًا فى حق ثالث، حتى يجوز للشفيع أخذ الشقص الذى تقايلا فيه بالشفعة،
وهذا ليس بممتنع، ألا ترى أنه لا يمتنع أن يجعل الفعل الواحد من شخص واحد طاعة من وجه
ومعصية من وجه.
وقال أبو يوسف: إنها بيع جديد فى حق العاقدين وغيرهما، إلا أن لا يمكن أن تجعل بيعًا
فتجعل فسخا، وقال محمد: إنها فسخ، إلا أن لا يمكن أن تجعل فسخا فتجعل بيعا ضرورة، وقال
زفر: إنها فسخ فى حق الناس كافةً، وهو قول الشافعى وأحمد. وقال مالك: هى بيع، وهو رواية
عن أحمد كما فى "المغنى" (٢٢٥:٤). وثمرة هذا الاختلاف إذا تقايلا، ولم يسميا الثمن الأول،
أو سميا زيادة على الثمن الأول، أو أنقص من الثمن الأول، أو سميا جنسا آخر سوى الجنس الأول
قل أو كثر، أو أجلا الثمن الأول، فالإقالة على الثمن الأول فى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى،
(وفى قول الشافعى وأحمد) وتسمية الزيادة والنقصان والأجل والجنس الآخر باطلة، سواء كانت
الإقالة قبل القبض أو بعدها، والمبيع منقول أو غير منقول، لأنها فسخ فى حق العاقدين، والفسخ
رفع العقد، والعقد وقع بالثمن الأول، فیکون فسخه بالثمن الأول ضرورة، لأنه فسخ ذلك، ولیس
كذلك عند محمد وأبى يوسف، بل عندهما فيه تفصيل ذكره فى "البدائع" (٣٠٧:٥)، من أراد
الوقوف عليه، فليراجعه، ولعل الفقيه والعارف قد تفطن بما ذكرنا ما فى قول أبى حنيفة من القوة
والجمع بين الآثار.
الرد على ابن حزم فى إنكاره الإجماع:
وأما ابن حزم فقد أتى ههنا بطامة ليست كغيرها من الطوام التى حلى بها كتابه "المحلى"،
فقال: وأما دعواهم الإجماع على جواز الإقالة فى السلم قبل القبض، فباطل. وإقدام على الدعوى

٢٢٤
حكم الإقالة فى البيع
إعلاء السنن
القلب منه شىء اهـ قلت: ومثله حسن الحديث على الأصل الذى ذكرناه فى المقدمة.
على الأمة، وما وقع الإجماع قط على جواز السلم، (يا سبحان الله! ما أجرأه على القول بما لم يقل
به أحد قبله) فكيف على الإقالة فيه، وقد روينا عن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، والحسن،
وجابر بن زيد، وشريح، والشعبى، والنخعى، وابن المسيب، وعبد الله بن معقل، وطاوس، ومحمد
ابن على بن الحسن، وأبى سلمة بن عبد الرحمن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وسالم بن عبد الله،
والقاسم بن محمد، وعمرو بن الحارث أخى أم المؤمنين جويرية، أنهم منعوا من أخذ بعض السلم،
والإقالة فى بعضه، فأين الإجماع؟ اهـ.
قلت: هل منعوا الإقالة فى جميع السلم أيضًا؟ فإن قال: نعم! فليأت ببرهان، وإن قال: لا،
ولا بد، فقد تقدم فى كلام ابن المنذر ما يدل على أنهم إنما ادعوا الإجماع على جواز الإقالة فى
جميع المسلم فيه دون بعضه، فلا يضرهم ما قد سردته من الأسماء، لكونهم لم يمنعوا الإقالة إلا فى
بعض المسلم فيه دون كله، فكيف ينخرق بقولهم الإجماع الذى ذكروه؟ فهل بمثل هذه الدلائل
يفرح الظاهريون؟ وهل يغرر بها إلا الجاهلون؟. ثم قال: فليت شعرى هل تقروا جميع الصحابة
أولهم عن آخرهم، حتى أيقنوا بأنهم أجمعوا على ذلك؟ أم تقروا جميع علماء التابعين من أقصى
خراسان إلى الأندلس، فما بين ذلك كذلك؟ اهـ.
قلت: هذا كلام من لم يعرف معنى الإجماع الذى هو حجة عند الفقهاء، وإنما معناه
أن يقول أحد من الصحابة قولا بمحضر منهم فلم ينكر، وانتشر القول ولم يرده أحد منهم،
فليس الإجماع إلا القول المنتشر الذى لم يثبت خلاف أحد له، قاله ابن قدامة فى "الشرح
الكبير" (١٧:٤).
وههنا كذلك فقد ثبت عن النبى معَّ جواز الإقالة فى السلم فى حديث أبى سعيد الذى
هو فى المتن، وثبت جوازها فى جميع السلم عن عبد الله بن عمرو، كما هو مذكور فى المتن،
ولم يثبت خلافه عن أحد من الصحابة ولا التابعين، وإنما ثبت خلاف بعضهم فى الإقالة فى بعض
السلم، فكان إجماعًا.
قال ابن حزم: ثم لو صح لهم هذا فما يختلف مسلمان أبدًا فى أن من الجن قوما صحبوا
رسول الله عَّه وآمنوا به، ومن أنكر هذا فهو كافر لتكذيبه القرآن، فلأولئك الجن من الحق
ووجوب التعظيم منا، ومن منزلة العلم والدين ما لسائر الصحابة رضى الله عنهم، هذا ما لا شك
فیه عند مسلم فمن له بإجماعهم على ذلك؟ اهـ.

٢٢٥
ج - ١٤
باب التولية والمرابحة
٤٦٩٨- عن سعيد بن المسيب عن النبى عد ◌ّه، قال: ((التولية والإقالة سواء لا بأس
به)) رواه عبد الرزاق في مصنفه كذا فى نصب الراية وفى فتح القدير (١٢٣:٦). أخرجه
عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ربيعة بن عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب عن النبى عند الله،
قال: ((التولية والإقالة والشركة سواء لا بأس به))، ولا خلاف فى مرسل سعيد.
قلت: يا سبحان الله! وهل يكلف الإنسان بمعرفة أقوال من لا يمكنه رؤيته من الجان؟ وهل
هذه إلا مكابرة ومجادلة بالباطل؟ وهل يجب على من قرع سمعه قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق
الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ من الجن؟ هذا لا يقوله أحد له مسكة
عقل أبدا، وأنشد الله ابن حزم ومن تبعه هل سعى أحد منهم لمعرفة سبيلهم يوما من الدهر؟ وهل
عرفوا بشىء من أقوالهم واختلافهم وإجماعهم؟ ولو صح لزومه لبطل قول ابن حزم بعد ذلك بما
نصه: لا تحل دعوى الإجماع إلا فى موضعين: أحدهما: ما تيقن أن جميع الصحابة رضى الله
عنهم عرفوه بنقل صحيح عنهم وأقروا به اهـ، فإن التيقن بقول الصحابة من الجن، ليس بممكن
أصلا، فكان تقسيمه الإجماع إلى قسمين باطلا بالمرة، فهل هذه هى وساوس لا حظ لها من
العقل، ولا لها مجاز على القرآن والسنن أم أقوال أبى حنيفة التى لا يكاد يقدر ابن حزم على
فهمها، ودرك مأخذها؟ والله المستعان. ١٢ ظ.
باب التولية والمرابحة وجوازها
قوله: "عن سعيد بن المسيب إلخ"، قال العبد الضعيف: الحديث نص فى الباب أى فى جواز
الإقالة والتولية والشركة، قال الموفق "المغنى": وأما التولية والشركة فيما يجوز بيعه فجائزان،
لأنهما نوعان من أنواع البيع، وإِنما اختصا بأسماء كما اختص بيع المرابحة والمواضعة بأسماء، وفى
حديث عن زهرة بن معبد: "أنه كان يخرج به عبد الله بن هشام إلى السوق، فيشترى الطعام،
فيتلقاه ابن عمر وابن الزبير فيقولان له: أشر كنا، فإن النبى معَِّ قد دعا لك بالبركة، فيشركهم،
فربما أصاب الراحلة، كما هى فيبعث بها إلى المنزل"، ذكره البخارى (٢٢٣:٤).
قلت: وهذا دليل جواز التولية أيضًا، فإن الشركة بيع بعض المبيع بقسطه من ثمنه، والتولية
بيع جميعه بمثل ثمنه، قاله الموفق. وقال صاحب "البدائع": وأما الإشراك فحكمه حكم التولية،
لا أنه تولية حقيقة لكنه تولية بعض المبيع ببعض الثمن اهـ (٢٢٦:٥).

٢٢٦
التولية والمرابحة وجوازها
إعلاء السنن
٤٦٩٩- وروى البخارى عن عائشة فى حديث الهجرة: أن أبا بكر قال
للنبى عّ لّه: خذ بأبى أنت وأمى إحدى راحلتى هاتين، فقال عّ لّه: بالثمن. وفى مسند
دليل مشروعية المرابحة:
وفيه أيضًا: ومنها أى من الشروط المتعلقة بالثمن أن يكون الثمن الأول معلوما فى بيع
المرابحة، والتولية، والإشراك، والوضيعة، والأصل فى هذه العقود عمومات البيع من غير فصل بين
بيعٍ وبيع، وقال الله عز وجل: ﴿وابتغوا من فضل الله﴾، وقال: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا
من ربکم﴾.
والمرابحة ابتغاء للفضل من البيع نصا، ثم ذكر قصة الهجرة واشترائه عّ لّه من أبى بكر ناقة
بالثمن الذى اشتراها. قال: وروى أن سيدنا أبا بكر رضى الله عنه اشترى بلالا فأعتقه، فقال له
رسول الله عَ ليه: الشركة يا أبا بكر! فقال: يا رسول الله! قد أعتقته، فلو لم تكن الشركة مشروعة
لم يكن ليطلبها رسول الله عّ لّه، وكذا الناس توارثوا هذه البياعات فى سائر الأعصار من غير
نكير، وذلك إجماع على جوازها اهـ (٢٢٠:٥).
قلت: أما المواضعة، فهى ضد المرابحة، وهى بيع بمثل الثمن الأول مع نقصان شىء معلوم
منه كما أن المرابحة بيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح معلوم، والعلم بالثمن الأول شرط صحة
هذه البيعات كلها، فإن لم يكن معلوما، فالبيع فاسد إلى أن يعلم فى المجلس، فيختار إن شاء فيجوز،
أو يترك فيبطل، والبسط فى "البدائع" وغيرها من كتب الفقه.
لا يجوز الشركة والتولية قبل القبض:
(فرع) لا تجوز الشركة والتولية (وكذا المرابحة والمواضعة) قبل قبض المبيع فيما يحتاج إلى
القبض، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعى، وأحمد. وقال مالك: يجوز هذا كله فى الطعام قبل
قبضه، لأنها تختص بمثل الثمن الأول فجازت قبل القبض كالإقالة، ولنا أن هذه أنواع بيع، فتدخل
فى عموم النهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفيه، وفارق الإقالة فإنها فسخ للبيع (فى حق العاقدين
إجماعًا)، فأشبهت الرد بالعيب، وكذلك لا تصح هبته ولا رهنه ولا دفعه أجرة، ولا ما أشبه ذلك
من التصرفات المفتقرة إلى القبض، كذا فى "المغنى" (٢٢٣:٤)، وفيه أيضًا: معنى بيع المرابحة هو
البيع برأس المال وربح معلوم، ويشترط علمهما برأس المال، فيقول: رأس مالى فيه أو هو على بمائة
بعتك بها وربح عشرة، فهذا جائز لا خلاف فى صحته، ولا نعلم فيه عند أحد كراهة، وإن قال:

ج - ١٤
التولية والمرابحة وجوازها
٢٢٧
أحمد بلفظ: قال: قد أخدتها بالثمن. وذكر ابن إسحاق فى "السيرة": ((فقال رسول
الله عَّهِ: لا أركب بعيرا ليس لى، قال: فهى لك يا رسول الله! قال: لا! ولكن بالثمن
بعتك برأس مالی فیه وهو مائة، وأربح فی کل عشرة درهما، أو قال ده یازده أو ده دوازده فقد
کرهه أحمد، وقد رویت کراهته عن ابن عمر، وابن عباس، ومسروق، والحسن، وعكرمة، وسعید
ابن جبير، وعطاء بن يسار، (قلت: ومحمد عندنا إذا باع بده دوازده ورأس المال غير معلوم
للمشترى، وإذا كان معلوما له فلم يقل بكراهته أحد من الصحابة، ومن ادعى فعليه البيان.
وقال إسحاق: لا يجوز لأن الثمن مجهول حال العقد فلم يجز، کما لو باعه بما يخرج به فى
الحساب، ورخص فيه سعيد بن المسيب، وابن سيرين، وشريح، والنخعى، والثورى، والشافعى،
وأصحاب الرأى، وابن المنذر، ولأن رأس المال معلوم، والربح معلوم، فأشبه ما لو قال وربح عشرة
دراهم، ووجه الكراهة أن ابن عمر، وابن عباس كرهاه، ولم نعلم لهما فى الصحابة مخالفا، ولأن
فيه نوعا من الجهالة والتحرز عنها أولى، وهذه كراهة تنزيه، والبيع صحيح لما ذكرنا، والجهالة
يمكن إزالتها بالحساب فلم تضر، كما لو باعه صبرة، كل قفيز بدرهم، وأما ما يخرج به فى
الحساب فمجهول فى الجملة والتفصيل اهـ (٢٥٩:٤).
وبالجملة: فالخلاف إنما هو فيما إذا لم يكن الربح أو رأس المال معلوما، وأما إذا كان كل
ذلك معلوما مفصلا بأن قال: هو على بمائة، وأبيعكه بمائة وربح عشرة، فلا خلاف فى جوازه،
أو معلوما فى الجملة فهو جائز عندنا، والآثار الناهية محمولة على ما إذا لم يكن معلومًا، لا فى
الجلمة، ولا التفصيل.
وأخطأ ابن حزم حيث حمل قول ابن عباس وابن عمر وغيرهما على حرمة المرابحة مطلقًا،
وهو ما رواه من طريق وكيع: نا سفيان الثورى، عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس: "أنه كره بيع ده دوازده"، معناه أربحك للعشرة اثنى عشرة، وهو بيع المرابحة، وروينا عن
ابن عباس أنه قال: "هو ربا"، ومن طريق وكيع وعبد الرزاق قالا جميعا: نا سفيان الثورى، عن
عمار الدهنى، عن ابن أبى نعم، عن ابن عمر، أنه قال: "بيع ده دوازده ربا"، وقال عكرمة: هو
حرام، وكرهه الحسن، وكرهه مسروق، وقال: "بل أشتريه بكذا وأبيعه بكذا" اهـ (١٤:٩)، فإن
كل ذلك محمول على ما إذا لم يكن الثمن الأول معلوما للمشترى وقت العقد، فصار كما لو باعه
بما يخرج به فى الحساب، وهو لا يجوز عندنا أيضًا، وأما إذا كان معلومًا فلا خلاف فى جوازه،
وهو محمل ما رواه ابن حزم عن ابن مسعود أنه أجازه إذا لم يأخذ للنفقة ربحا، وأجازه ابن
ة

٢٢٨
التولية والمرابحة وجوازها
إعلاء السنن
الذى ابتعتها به، قال: كذا وكذا، قال: قد أخذتها بذلك)). الحديث.
المسيب وشريح، وقال ابن سيرين: لا بأس بده دوازده، وتحسب النفقة على الثياب (١٤:٩)، فإن
حمل الآثار على الاتفاق أولى من حملها على التضاد.
الجواب عن حجة مالك فى جواز
الشركة والتولية فى الطعام قبل القبض:
فائدة: احتج مالك لجواز الشركة والتولية فى الطعام قبل قبضه بما رواه ابن حزم فى المحلى
من طريق عبد الرزاق قال ابن جريج: أخبرنى ربيعة بن أبى عبد الرحمن أن رسول الله عَ لّه قال
حديثا مستفاضا فى المدينة: ((من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه ويستوفيه إلا أن يشرك فيه
أو يوليه أو يقيله))، وقال مالك: إن أهل العلم اجتمع رأيهم على أنه لا بأس بالشركة، والإقالة،
والتولية فى الطعام وغيره، يعنى قبل القبض اهـ (٢:٩).
وأجاب عنه ابن حزم بأن خبر ربيعة مرسل، ولا حجة فى مرسل، ولو كانت استفاضته عن
أصل صحيح لكان الزهرى أولى بأن يعرف ذلك من ربيعة، فبينهما فى هذا الباب بون بعيد،
والزهرى مخالف له فى ذلك، روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن الزهرى، قال: التولية بيع
فى الطعام وغيره، وبه إلى معمر، عن أيوب السختياني، قال: قال ابن سيرين: لا تولية حتى يقبض
ويكال، ومن طريق الحجاج بن المنهال: نا الربيع بن صبيح، قال: سألت الحسن عن الرجل يشترى
الطعام فيوليه الرجل؟ قال ليس له أن يوليه حتى يقبضه، فقال له عبد الملك بن الشعثاء: يا أبا سعيد!
أ برأيك تقوله؟ قال: لا أقوله برأيى، ولكنا أخذناه عن سلفنا وأصحابنا، قال ابن حزم: سلف الحسن
هم الصحابة رضى الله عنهم، أدرك منهم خمسمائة صاحب وأكثر، وغزا مع مئين منهم،
وأصحابه هم أكابر التابعين، فلو أقدم امرء على دعوى الإجماع ههنا لكان أصح من الإجماع
الذى ذكره مالك بلا شك، ومن طريق عبد الرزاق: نا سفيان الثورى، عن زكريا بن أبى زائدة،
وفطر بن خليفة، قال زكريا: عن الشعبى، وقال فطر: عن الحكم، ثم اتفق الشعبى والحكم على أن
التولية بيع، قال سفيان: ونحن نقول: والشركة بيع، ولا يشرك حتى يقبض، فهؤلاء الصحابة
والتابعون، کما ترى.
الرد على ابن حزم فى إيراده على الحنفية
بأنهم تركوا مرسل ربيعة مع قولهم بالمرسل:
قال: وأما الحنفيون، فإنهم يقولون بالمرسل، ونقضوا ههنا أصلهم، فتركوا مرسل ربيعة الذى

ج - ١٤
التولية والمرابحة وجوازها
٢٢٩
٤٧٠٠- أخرج البيهقى من طريق ابن عون، عن محمد (هو ابن سيرين): أن
عثمان بن عفان کان یشترى العیر، فیقول: من یربحنی عقلها من یضع فی یدی دینارا،
لم يعله البيهقى (٣٢٩:٥)، ولا ابن التر كمانى بشىء، فالحديث حسن، أو صحيح.
٤٧٠١- ومن طريق أحمد بن حنبل: ثنا وكيع، ثنا مسعر، عن أبى بحر، عن
شيخ لهم، قال: "رأيت على على رضى الله عنه إزارا غليظا، قال: اشتريت بخمسة
ذكرناه اهـ (٣:٩). قلنا: تركناه لكونه خلاف المسند المشهور عن النبى عّ لّه: ((أنه نهى عن بيع ما
لم يقبض))، وهو حديث أخرجه الأئمة الستة فى كتبهم كما سيأتى، وقد تقدم فى "المقدمة" أن
المسند عندنا أولى من المرسل، وإن كان المرسل حجة أيضًا، ولكونه مضطرب المتن، فإن عبد الرزاق
أخرجه من طريق معمر، عن ربيعة، عن سعيد بن المسيب، عن النبى معَّم بلفظ: ((التولية، والإقالة،
والشركة سواء لا بأس به))، كما هو مذكور فى المتن، ومفهومه جواز هذه الثلاثة فى الجملة دون
جوازها فى الطعام المشترى قبل قبضه، وذكره الموفق فى "المغنى": بلفظ: روى عن النبى عّ لّه: أنه
نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، وأرخص فى الشركة والتولية، قال الموفق: وهذا الخبر لا نعرفه، وهو
حجة لنا لأنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، والشركة والتولية بيع فيدخلان فى النهى، ويحمل
قوله: "وأرخص فى الشركة والتولية)) على أنه أرخص فيهما فى الجملة لا فى هذه المواضع وأما
الإقالة فإنها فسخ، وليست بيعًا اهـ (أى فلا بأس بها قبل القبض) (٣٤١:٤-٣٤٢).
ولفظ مالك فى "الموطأ" قال: والأمر عندنا أنه لا بأس بالشرك، والتولية، والإقالة فى الطعام
وغيره قبض ذلك، أو لم يقبض، إذا كان ذلك بالعقد، ولم يكن فيه ربح، ولا وضيعة، ولا تأخير،
فإن دخل ذلك ربح، أو وضيعة، أو تأخير من واحد منهما صار بيعا، يحله ما يحل البيع، ويحرمه
ما يحرم البيع، وليس بشرك، ولا تولية، ولا إقالة اهـ (٢٨٠)، وليس فيه دعوى الإجماع، وإنما فيه
بيان مذهبه فحسب، فإن صح ما ذكره ابن حزم عنه، فيحمل على اتفاق أهل المدينة على ذلك
عنده، وقد عرفت خلاف الزهرى فبطل الاتفاق، وضعف كون الحديث مستفاضا فى المدينة باللفظ
الذى ذكره ابن جريج، والله تعالى أعلم.
کل حدیث سكت عنه البيهقى، ولم ينتقده عليه
ابن التر کمانی فھو صحیح أو حسن:
قوله: "أخرج البيهقى إلى قوله: ومن طريق أحمد بن حنبل إلخ"، قلت: دلالتهما على

٢٣٠
التولية والمرابحة وجوازها
إعلاء السنن
دراهم، فمن أربحنى فيه درهما بعته إياه". قلت: وهذا سند صحيح غير أن فيه شيخا
لم يسم، وأبو بحر ليس هو البكراوى الضعيف بل هو ثعلبة بن مالك نزيل البصرة مولى
أنس بن مالك، وعنه القاسم بن شريح، وابن أبى ليلى، وشعبة، والمسعودى وغيرهم،
قال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، كذا فى " تعجيل المنفعة"
(٦٤)، قال البيهقى: وروينا عن شريح وسعيد بن المسيب وإِبراهيم النخعى: "أنهم
کانوا یجیزون بیع ده دوازده".
٤٧٠٢- ومن طريق سعيد بن منصور: ثنا سفيان، عن عبيد الله بن أبى زياد،
أو يزيد: "سمع ابن عباس ينهى عن بيع ده يازده أو دوازده. وقال: إنما هو بيع
الأعاجم"، قال البيهقى (٣٣:٥): وهذا يحتمل أن يكون إنما نهى عنه إذا قال: هو لك
بده یازده، أو قال: بده دوازده لم يسم رأس المال، ثم سماه عند النقد، و کذلك ما روى
عن ابن عمر فى ذلك، والله أعلم.
جواز بيع المرابحة ظاهرة، ثم اعلم أن العلامة الإمام ابن التر كمانى قد تكلم على أحاديث "السنن
الكبرى" للبيهقى، وانتقدها أتم انتقاد، وفى كتابه "الجوهر النقى" اعتراضات على البيهقى
ومناقشات له، ومباحثات معه، کما لا يخفی علی من طالعه، فکل حدیث سكت عنه البيهقى،
ولم يعترض عليه ابن التر كمانى فهو حديث صحيح أو حسن، فإنه رحمه الله لا يتركه يسكت عن
حديث فيه علة إلا وينتقده عليه، ويبين ما فيه من العلة والاضطراب، والمقال فى الرجال ونحو
ذلك، فتنبه، والله يتولى هداك.
قوله: "ومن طريق سعيد بن منصور إلخ" قلت: وهذا الذى ذكره البيهقى فى تأويل أثرى
ابن عباس وابن عمر، هو الذى ذكرته فيما مضى قبل الوقوف على کلام البيهقى رحمه الله،
فالحمد لله على الموافقة، وبالجملة: فقول ابن حزم: "لا يحل البيع على أن تربحنى للدينار درهما،
ولا على أن أربح معك فيه كذا وكذا درهما إلخ"، باطل، بل البيع بالمرابحة مما قد تعامله المسلمون
فى سائر الأعصار من غير نكير ولا إنكار.
قال فى "الهداية": "فإن اطلع المشترى على خيانة فى المرابحة، فهو بالخيار عند أبى
حنيفة رحمه الله، إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء تركه، وإن اطلع على خيانة فى التولية
أسقطها من الثمن، وقال أبو يوسف رحمه الله: يحط فيهما، وقال محمد: يخير فيهما، فلو هلك
قبل أن يرده أو حدث فيه ما يمنع الفسخ يلزمه جميع الثمن فى الروايات الظاهرة، لأنه مجرد خيار

٢٣١
ج - ١٤
باب النهى عن بيع المشترى قبل القبض
٤٧٠٣- عن ابن عباس، قال: ((أما الذى نهى عنه النبى معَّ فهو الطعام أن يباع
حتی یقبض)) (بخاری ٢٨٦:١).
لا يقابله شىء من الثمن" اهـ (١٢٦:٥ مع "الفتح").
حكم اطلاع المشترى على خيانة البايع فى المرابحة،
والجواب عن إیراد ابن حزم عليه:
وأورد عليه ابن حزم ما رواه من طريق ابن أبى شيبة: نا جرير هو ابن عبد الحميد، عن أبى
سنان، عن عبد الله بن الحارث، قال: ((مر رجل بقوم فيهم رسول الله مَّ ◌ُآه، ومعه ثوب، فقال له
بعضهم: بكم ابتعته؟ فأجابه، ثم قال: كذبت، وفيهم رسول الله مرّه، فرجع، فقال: يا رسول الله!
ابتعته بكذا وكذا بدون ما كان، فقال له رسول الله مَ له: ((تصدق بالفضل))، قال: وهم يقولون:
المرسل كالمستند، وهذا مرسل قد خالفوه، لأنه لم يرد بيعه ولا حط عنه شيئا من الربح (١٥:٩).
قلت: ولا يخفى على الفقيه العارف أنه لا يرد علينا ولا على جميع القائلين بالمرابحة أصلا،
لأنه ليس فيه أن الرجل بايع صاحبه بالمرابحة، وغاية ما فيه أن آخر سأله بكم ابتعته؟ وأنه كذب فى
قدر الثمن الذى اشتراه به وليس مثل هذا السؤال والجواب من المرابحة فى شىء ما لم تكن المرابحة
مشروطة فى العقد، بأن يقول البائع: بعتكه مرابحة بكذا، وقد اشتريت بكذا، أو يقول المشترى:
اشتريته بربح درهم على الثمن الذى اشريته به مثلا، ولم يوجد ذلك فى ما رواه، وإنما فيه أن البائع
كذب فى بيان الثمن، والكذب والكتمان لا يبطل العقد، ولا يفسده، وإنما يمحق بركته فندبه
النبى معَّ إلى التصدق بالفضل، سلمنا ولكن الكذب فى المرابحة لا يوجب رد البيع، وإنما يوجب
خيار المشترى، فيحتمل أن يكون المشترى استعمل الثوب أو قطعه أو خاطه أو أهلكه وأبطل خياره،
أو رحل عن المدينة، ولم يطلع على خيانة البائع، فلذلك أمره معّ أن يتصدق بالفضل، فافهم.
باب النهى عن بيع المشترى قبل القبض
قوله: "الذى نهى عنه إلخ"، أقول: دل الحديث على أن ذكر الطعام فى نص رسول
الله عَّه ليس للتخصيص، بل هو اتفاقى، وكل شىء سوى الطعام مثله فى النهى، ويؤيده ما روى
عن عبد الله بن عمر أنه قال: "ابتعت زيتا فى السوق فلما استوجبته لقینی رجل فأعطانی فیه ربحا
حسنا، فأردت أن أضرب على يده، فأخذ رجل من خلفى بذراعى فالتفت، فإذا زيد بن ثابت قال:
لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك، فإن رسول الله عّ لّ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع
٠

٢٣٢
النهى عن بيع المشترى قبل القبض
إعلاء السنن
حتي تحوزها التجار إلى رحالهم"، رواه ابن حبان فى "صحيحه". والحاكم فى "المستدرك"
وصححه، وقال فى "التنقيح": سنده جيد، فإن ابن إسحاق صرح فيه بالتحديث، ويؤيده أيضًا ما
روى عن حكيم بن حزام أنه قال: "قلت: يا رسول الله! إنى رجل ابتاع هذه البيوع وأبيعها فما
يحل لى ههنا، وما يحرم؟ قال: ((لا تبيعن شيئا تقبضه))"، أخرجه النسائى فى "سننه الكبرى"،
ورواه أحمد فى "مسنده"، وابن حبان فى "صحيحه" ولفظه: "قال: إذا ابتعت بيعا فلا تبعه حتى
تقبضه"، وقال ابن حبان: هذا الخبر مشهور عن يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام، ليس منهما
ابن عصمة، وهو خبر غريب، وأخرجه أيضًا قاسم بن إصبغ من رواية يوسف عن حكيم
بلا واسطة، وأخرجه النسائى، والدارقطنى، والبيهقى، فأدخلوا بينه وبين حكيم عبد الله بن عصمة،
وحسنه البيهقى بهذا السند، ولكن قال عبد الحق فى "إحكامه" عبد الله بن عصمة ضعيف جدا،
وتبعه على ذلك ابن القطان، وقال صاحب "التنقيح": كلاهما مخطئ، وقد اشتبه عليهما عبد الله
ابن عصمة هذا بالنصيبى، أو غيره ممن يسمى عبد الله بن عصمة، وضعفه أيضًا ابن حزم،
ولكن قال: إذا سمعه یوسف بن حکیم، فلا يضره أن یسمعه من غیر حکم عن حکیم (زیلعی
ملخصًا ١٨٥:٢).
وبالجملة: الحديث حجة، وهو حجة لأبى حنيفة فى منعه عن بيع ما لم يقبض، وخالفه
الشافعى، فقال بجوازه، واستدل له ابن الجوزى فى "التحقيق" بما روى عن ابن عمر: "أنه كان
يبيع الإبل بالدراهم ويأخذ الدنانير وبالعكس"، وليس فيه حجة له، لأنه استبدال للثمن قبل القبض،
ونحن نقول بجوازه، والكلام فى بيع المبيع، إلا أن أبا حنيفة وأبا يوسف خصا النصوص بالمنقول
بعلة النهى، وهو غرر انفساخ العقد بالهلاك قبل القبض، ومحمد أجراها على عمومها، والشافعى
خصها بما لم يكن متميزا وهو اختلاف الاجتهاد.
وقد أخرج البخارى عن عبد الله بن عمر أنه قال: "لقد رأيت الناس فى عهد رسول
الله عَّ يبتاعون جزافًا يعنى الطعام، يضربون أن يبيعوه فى مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم" اهـ،
قال ابن حجر فى شرحه (٢٩٣:٥): وبه قال الجمهور لكنهم لم يخصوه بالجزاف ولا قيدوه
بالإيواء إلى الرحال، أما الأول فلما ثبت من النهى عن بيع الطعام قبل قبضه يدخل فيه المكيل،
وورد النص على المكيل من وجه آخر عن ابن عمر مرفوعًا أخرجه "أبو داود".
وأما الثانى فلأن الإيواء إلى الرحال خرج مخرج الغالب، وفى بعض طرق مسلم عن ابن

ج - ١٤
النهى عن بيع المشترى قبل القبض
٢٣٣
عمر: "كنا نبتاع الطعام فيبعث إلينا رسول الله عّ لّه من يأمرنا بانتقاله من المكان الذى ابتعناه فيه
إلى مكان سواء قبل أن يبيعه"، وفرق مالك فى المشهور عنه بين الجزاف والمكيل، فأجاز بيع
الجزاف قبل قبضه، وبه قال الأوزاعى وإسحاق، واحتج بأن الجزاف مرئى، فيكفى فيه التخلية،
والاستيفاء إنما يكون فى مكيل أو موزون، وقد روى أحمد من حديث ابن عمر مرفوعًا: ((من
اشترى طعاما اشتراء بكيل أو وزن فلا يبعه حتى يقبضه))، ورواه "أبو داود" و"النسائى" بلفظ:
(نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل أو وزن حتى يستوفيه))، و "الدارقطنى" من حديث جابر:
((نهى رسول الله عَّه عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشترى))،
ونحوه للبزار من حديث أبى هريرة پاسناد حسن.
وفى ذلك دلالة على اشتراط القبض فى المكيل بالكيل والموزون بالوزن، فمن اشترى شيئا
مكايلة، أو موازنة، فقبضه جزافا فقبضه فاسد، وكذا لو اشترى مكايلة فقبضه موازنة وبالعكس،
ومن اشترى مكايلة وقبضه، ثم باعه لغيره لم يجز تسليمه بالكيل الأول حتى يكيله على من اشتراه
ثانيا، وبذلك كله قال الجمهور، وقال عطاء: يجوز بيعه بالكيل الأول مطلقًا، وقيل: إن باعه بنقد
جاز بالكيل الأول، وإن باعه بنسيئة لم يجز بالأول، والحديث المذكور رد عليه، ثم قال: وفى هذا
الحديث جواز بيع الصبرة جزافا سواء علم البائع قدرها، أو لم يعلم، وعن مالك التفرقة، فلو علم
لم يصح، وقال ابن قدامة: يجوز بيع الصبرة جزافا لا نعلم فيه خلافًا إذا جهل البائع والمشترى
قدرها، فإن اشتراها جزافا ففى بيعها قبل نقلها روايتان عن أحمد ونقلها قبضها اهـ. أقول: قد تبين
منه أمور، الأول أن النهى عن بيع الطعام قبل القبض غير مقيد، بما إذا كان الشراء جزافا، بل هو عام
للأخبار المروية فى النهى عن بيع الطعام قبل القبض، إذا اشتراه مكايلة أو موازنة.
والثانى: أن قيد الإيواء إلى الرحال ليس بلازم فى القبض، بل هو قيد خرج مخرج الغالب،
والدليل عليه الأخبار التى رويت فى هذا الباب على الإطلاق من هذا القيد، ويؤيد الإطلاق أن
شرط القبض، إنما هو للتحرز عن ربح ما لم يضمن، لأن مبيع ما لم يقبض يكون فى ضمان البائع،
وسئل ابن عباس عن سبب هذا النهى، فقال: الدراهم بالدراهم والطعام ربا.
قال الشوكانى: وذلك لأنه إذا اشترى طعاما بمائة دينار، ودفعها للبائع ولم يقبض منه الطعام،
ثم باع الطعام إلى آخر بمائة وعشرين مثلا فكأنه اشترى منه بذهبه ذهبا أكثر، وقال أيضًا: هذا
التعليل أجود مما علل به النهى، لأن الصحابة أعرف بمقاصد الرسول عَ ليه، وفيه غرر الانفساخ

٢٣٤
النهى عن بيع المشترى قبل القبض
إعلاء السنن
أيضًا لهلاك المبيع، ولا كذلك بعد القبض فلا يشترط الانتقال، لأن وجوده وعدمه سواء فى هذا
المعنى، فاندفع ما قاله الشوكانى فى "النيل" (٢١:٥): إنه لا يخفى أن هذه دعوى تحتاج إلى
برهان، لأنها مخالفة لما هو الظاهر، ولا عذر لمن قال: إنه يحمل المطلق على المقيد عند المصير إلى
هذه الروايات اهـ، ووجه الاندفاع ظاهر، وحمل المطلق على المقيد عند قائل، إنما هو إذا لم يكن
القيد اتفاقيا، وههنا كذلك فلا يتم الإلزام، لا سيما بعد التعليل بما علل به النهى ابن عباس،
واستحسنه الشو کانی.
فإن قلت: إن شتراطه لإسقاط خيار المجلس لأن مع بقائه غرر الانفساخ، قلنا: سقوط خيار
المجلس لا يتوقف على الانتقال بل هو يسقط أيضًا بالاختيار بعد التخيير، فلا وجه للاشتراط، ثم هو
موقوف على ثبوت ذلك الخيار، ولم يثبت عندنا، فإن قلت: إن اشتراط لتمام القبض، لأن القبض
لا يكون معتبرا بدون الانتقال للأحاديث الدالة على اشتراط الانتقال، قلنا: القبض معلوم، واشتراط
الانتقال لتمامه شرعا محتمل، ولا دليل فى المحتمل فلا يرك به المعلوم.
الثالث: أن الحديث يرد على مالك حيث ذهب إلى جواز بيع الجزاف قبل القبض.
الرابع: أن الحديث يدل على جواز بيع الصبرة جزافا، سواء علم قدرها أو لم يعلم، فهو رد
على مالك حيث قال: لو علم القدر لم يصح، ثم أبو حنيفة رحمه الله قصر الحكم على المنقول،
وقال صاحباه بعموم الحكم فى المنقول وغير المنقول، واحتج أبو حنيفة بأن الحكم معلل بغرر
انفساخ العقد بهلاك المبيع، والهلاك فى غير المنقول نادر، والنادر كالمعدوم. وقال صاحباه: إنه إن
لم یکن فیه غرر الانفساخ ففی بیعه قبل القبض ربح ما لم يضمن، وهو منهى عنه، ویجاب عنه بأن
الضمان مؤثر فيما لا يندر فيه الهلاك، وأما ما يندر فيه فضمان البائع والمشترى فيه سواء، وليس
هذا قياسا بمعرض النص، بل هو تعيين لمحمل النص.
وأجاب عنه المحقق فى "الفتح": بأنه عام مخصوص بالبعض لأنه خص منه أشياء، منها جواز
التصرف فى الثمن قبل قبضه، وكذا المهر يجوز لها بيعه وهبته، و كذا الزوج فى بدل الخلع، وكذا
رب الدين فى الدين إذا ملكه غيره، وسلطه على قبضه جاز، وكذا أخذ الشفيع قبل قبض المشترى،
ولا شك أن تملكه حينئذ شراء قبل القبض، فلو كان العقار قبل القبض لا يحتمل التمليك ببدل لم
يثبت للشفيع حق الأخذ قبل اقبض، وهذا يخرج إلى الاستدلال بدلالة الإجماع على جواز بيع
العقار قبل القبض (١٣٨:٦)، وهل هذا إلا اختلاف الاجتهاد، وهو غير مضر، فافهم.

ج - ١٤
النهى عن بيع المشترى قبل القبض
٢٣٥
اختلاف مالك فى البيع مجازفة إذا علم البائع قدر المبيع:
قال العبد الضعيف: وفى "المحلى" لابن حزم: من باع شيئا جزافا يعلم كيله أو وزنه أو ذرعه
أو عدده، ولم يعلم المشترى بذلك فهو جائز، ولا کراهة فیه لأنه لم يأت عن هذا البيع فھی فی نص
أصلا، ولا فيه غش ولا خديعة، ومنع منه طاوس ومالك، وأجازه أبو حنيفة والشافعى وأبو
سليمان، قال ابن حزم: ولا فرق بين أن يعلم كيله أو وزنه، أو ذرعه، أو عدده ولا يعلمه المشترى،
وبين أن يعلم من نسج الثوب، ولمن كان ومتى نسج، وأين أصيب هذا البر وهذا التمر، ولا يعلم
المشترى شيئا من ذلك، والمفرق بينهما مخطئ وقائل بلا دليل. (قلت: يا سبحان الله! كيف يصح
قياس ما يفيد معرفة المبيع على ما علمه وجهله سواء فى ذلك فبينهما بون بعيد)، قال: واحتجوا فى
ذلك بما رويناه من طريق عبد الرزاق قال: قال ابن المبارك عن الأوزاعى: إن رسول الله عَ لّه قال:
((لا يحل لرجل أن يبيع طعامًا جزافا قد علم كيله حتى يعلم صاحبه)) وهذا منقطع فاحش الانقطاع
(٣٠:٩)، قلت: ولكن مالكا يرى المرسل والمنقطع حجة إذا أرسله ثقة عدل، والأوزاعى كذلك.
وقال الموفق فى "المغنى": من عرف مبلغ شىء لم يبعه صبرة نص أحمد على هذا فى
مواضع، وكرهه عطاء، وابن سيرين، ومجاهد، وعكرمة، وبه قال مالك وإسحاق، وروى ذلك
عن طاوس، قال مالك: لم يزل أهل العلم ينهون عن ذلك، وعن أحمد: إن هذا مكروه غير محرم،
فإن بكر بن محمد روى عن أبيه أنه سأله عن الرجل يبيع الطعام جزافا، وقد عرف کیله، وقلت له:
إن مالكا يقول: إذا باع الطعام ولم يعلم المشترى فإن أحب أن يرده رده، قال: هذا تغليظ شديد،
ولكن لا يعجبنى إذا عرف كيله إلا أن يخبره، فإن باعه فهو جائز عليه وقد أساء، ولم ير أبو حنيفة
والشافعى بذلك بأسًا، لأنه إذا جاز البيع مع جهلمها بمقداره فمع العلم من أحدهما أولى، وجه
الأول ما روى الأوزاعى أن النبى معَّ ◌ُلّه قال: ((من عرف مبلغ شىء فلا يبعه جزافا حتى يبينه)،
والنهى يقضى التحريم، وأيضًا: الإجماع الذى نقله مالك، ولأن الظاهر أن البائع لا يعدل إلى البيع
جزافا مع علمه بقدر الكيل إلا للتغرير بالمشترى والغش له، فظاهر كلام أحمد فى رواية محمد بن
الحكم أن البيع صحيح لازم، وهو قول أبى حنيفة والشافعى، لأن المبيع معلوم لهما ولا تغرير من
أحدهما فأشبه ما لو علما كيله أو جهلاه، ولم يثبت ما روى من النهى فيه، وإنما كرهه أحمد
كراهة تنزيه لاختلاف العلماء فيه اهـ، ملخصًا (٢٢٨:٤).
قلت: لو صح ما رواه الأوزاعى معضلا، فمحمله ما رواه الأثرم بإسناده عن الحكم قال:

٢٣٦
النهى عن بيع المشترى قبل القبض
إعلاء السنن
"وقدم طعام لعثمان على عهد رسول الله عَ ليه، فقال: اذهبوا بنا إلى عثمان تعينه على طعامه، فقام
إلى جنبه، فقال عثمان: فى هذه الغرارة كذا وكذا، وابتعتها بكذا وكذا، فقال رسول الله عد له:
((إذا سميت الكيل فكل))، قال أحمد: إذا أخبره البائع أن فى كل قارورة منا فأخذ بذلك ولا يكتاله،
فلا يعجبنى لقوله لعثمان: ((إذا سميت الكيل فكل) كذا فى "المغنى" أيضًا (٢٢٨:٤). وفيه دليل
على احتجاج أحمد بالحديث وصحته عنده، فمعنى ما رواه الأوزاعى أن من عرف مبلغ شىء،
وسماه للمشترى، فلا يبيعه على التسمية حتى يكيله، أو يزنه ، وإلا فلا تبرأ ذمته، وله الزيادة،
وعليه النقصان، كما سيأتى فى الباب الآتى، والأحاديث يفسر بعضها بعضا، وأما إذا عرف مبلغه،
ولم يسمه للمشترى فلا بأس بأن يبيعه جزافا كما جهلا قدره، قال ابن قدامة: ويصح بيع الصبرة
جزافا مع جهل المبتایعین بقدرها لا نعلم فيه خلافا، وقد نص علیه أحمد، ودل علیه حدیث ابن
عمر، وهو قوله: "كنا نشترى الطعام من الركبان جزافا" الحديث، متفق عليه (٣٥:٤). قلت: وإذا
جاز البيع مع جهلهما بمقداره فمع العلم من أحدهما أولى، والله تعالى أعلم.
مذاهب العلماء فى بيع المبيع قبل القبض:
وقال الإمام النووى فى "شرح المهذب" فى مذاهب العلماء فى بيع المبيع قبل القبض: قد
ذكرنا أن مذهبنا بطلانه مطلقًا سواء كان طعاما أو غيره، وبه قال ابن عباس، ثبت ذلك عنه،
ومحمد بن الحسن، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن من اشترى طعاما فليس له بيعه حتى أن
يقبضه قال: واختلفوا فى غير الطعام على أربعة مذاهب: أحدها: لا يجوز بيع شىء قبل قبضه سواء
جميع المبيعات كما فى الطعام، قاله الشافعى، ومحمد بن الحسن. والثانى: يجوز بيع كل مبيع قبل
قبضه إلا المكيل والموزون، قاله عثمان بن عفان، وسعيد بن المسيب، والحسن، والحكم، وحماد،
والأوزاعى، وأحمد، وأسحاق. والثالث: لا يجوز بيع مبيع قبل قبضه إلا الدور والأرض، قاله أبو
حنيفة، وأبو يوسف، والرابع: لا يجوز بيع كل مبيع قبل قبضه إلا المأكول والمشروب، قاله مالك،
وأبو ثور. قال ابن المنذر: وهو أصح المذاهب، لحديث النهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفى، واحتج
لمالك وموافقيه بحديث ابن عمر: أن النبى معَّ لّه قال: ((من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه))، رواه
"البخارى" و"مسلم" وعنه قال: لقد رأيت الناس فى عهد رسول الله عّ لّه يتبايعون جزافا يعنى
الطعام، فضربوا أن يبيعوه فى مكانهم حتى يأووه إلى رحالهم)) رواه "البخارى" و"مسلم" وعن
ابن عباس قال: ((أما الذى نهى عنه النبى معَّ لّه فهو الطعام أن يباع حتي يقبض))، قال ابن عباس:

ج - ١٤
النهى عن بيع المشترى قبل القبض
٢٣٧
"وأحسب كل شىء مثله"، رواه البخارى ومسلم، وفى رواية لمسلم نحوه، وفيه قال ابن عباس:
وأحسب كل شىء مثله، وعن جابر قال: قال رسول الله عَّ له: ((إذا ابتعت طعاما فلا تبعه حتى
تستوفيه)) رواه مسلم، قالوا: فالتنصيص فى هذه الأحاديث يدل على أن غيره بخلافه، قالوا: وقياسًا
على ما ملكه يارث أو وصية وعلى إعتاقه وإجارته قبل قبضه، وعلى بيع الثمر قبل قبضه.
واحتج أصحابنا بحديث حكيم بن حزام أن النبى عَّه قال: ((لا تبع ما لم تقبضه))، وهو
حديث حسن كما سبق بيانه فى أول هذا الفصل، وبحديث زيد بن ثابت: ((أن النبى معَّ ◌ُلِّ نهى أن
تبتاع السلع حيث تباع حتى تحوزها التجار إلى رحالهم))، رواه أبو داود، بإسناد صحيح إلا أنه من
رواية محمد بن إسحاق بن يسار عن أبى الزناد، وابن إسحاق مختلف فى الاحتجاج به، وهو
مدلس، وقد قال: عن أبى الزناد، والمدلس إذا قال: "عن" لا يحتج به.
ما لم يضعفه أبو داو فهو حجة عنده:
لكن لم يضعف أبو داود هذا الحديث، وقد سبق أن ما لم يضعفه فهو حجة عنده، فلعله
اعتضد عنده أو ثبت عنده بسماع ابن إسحاق له من أبى الزناد، وبالقياس على الطعام (قلت: رواه
ابن حبان فى "صحيحه"، والحاكم فى "مستدركه" وصححه، وفى "التنقيح": إسناده جيد، (فإن
ابن إسحاق صرح فيه بالتحديث)، كذا فى حاشية "الموطأ" عن "المحلى" (٢٦٥).
والجواب عن احتجاجهم بأحاديث النهى عن بيع الطعام من وجهين: أحدهما: أن هذا
استدلال بداخل الخطاب، والتنبيه مقدم عليه، فإنه إذا نهى عن بيع الطعام مع كثرة الحاجة إليه فغيره
أولى. والثانى: أن النطق الخاص مقدم عليه، وهو حديث حكيم وحديث زيد، وأما بيع الميراث
والموصى به، فجوابه: أن المالك فيهما مستقر بخلاف المبيع، والله أعلم.
واحتج لأبى حنيفة بإطلاق النصوص، ولأنه لا يتصور تلف العقار بخلاف غيره،
واحتج أصحابنا بما سبق فى الاحتجاج على مالك، وأجابوا عن النصوص بأنها مخصوصة بما
ذكرناه، وأما قولهم: لا يتصور تلفه، فينتقض بالجديد الكثير، والله سبحانه وتعالى أعلم اهـ،
ملخصاً (٢١٧:٩- ٢٧٢).
قلت: أما النقض بالجديد الكثير، فالجواب أن الجديد الكثير إنما هو البناء وحده دون
العرصة، فإنها قديمة لم تتبدل لم تتلف، والبناء لا يتصور بيعه بدون العرصة إلا نادرا، وإن سلمنا

٢٣٨
إعلاء السنن
باب النهى عن بيع الطعام حتی یجری فیه الصاعان
٤٧٠٤- قال البزار فی سنده: حدثنا محمد بن عبد الرحیم، ثنا مسلم ابحری، ثنا
مخلد بن حسین، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سیرین، عن أبى هريرة، قال: نہی
رسول الله عّ لّ عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان، صاع البائع وصاع المشترى،
فلم نقل بجواز بيعه(١) قبل القبض، وإنما الكلام فى العقار من الأرض والدور مع العرصات.
دليل جواز بيع العقار قبل القبض من السنة:
ومما يدل لقول أبى حنيفة ما رواه ابن أبي مليكة: "أن عثمان رضى الله عنه ابتاع من طلحة
أرضًا بالمدينة نافلة بأرض له بالكوفة، فقال عثمان: بعتك ما لم أره، فقال طلحة: إنما النظر لى لأنى
ابتعت مغيبًا، وأنت قد رأيت ما ابتعت، فتحاكما إلى جبير بن مطعم، فقضى على عثمان أن البيع
جائز، وأن النظر لطلحة لأنه ابتاع مغيبا" ، رواه البيهقى بإسناد حسن، لكن فيه رجل مجهول
مختلف فى الاحتجاج به، وقد روى مسلم له فى صحيحه كذا فى شرح المهذب أيضًا (٢٨٩:٩).
قلت: ومسلم لا يروى عن مجهول ولا لمجهول، فالحديث حسن حجة، وقد مر فى "باب
خيار الرؤية" عن الموفق فى "المغنى": أن هذا اتفاق منهم على صحة البيع (٤: ٧٥)، وهو يقتضى
جواز بيع العقار قبل القبض، فإن عثمان رضى الله عنه باع أرضا له بالكوفة ولم يرها، وهو ظاهر
فى أنه باعها ولم يقبضها، فإن القبض يستلزم الرؤية حتما، فإن قيل: لعله قبضها بواسطة الوكيل.
قلنا: فرؤيته أيضًا رؤيته، وقد قال: بعتك ما لم أره، فبطل احتمال رؤيته بواسطة الوكيل، وقبضه
بقبضه، فافهم، فإن أبا حنيفة وأصحابه ينالون الإيمان من الثريا، والله سبحانه وتعالى أعلم.
باب النهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان
قوله: "نهى رسول الله عَ ليه"، أقول: قال فى "النيل": واستدل بهذه الأحاديث على أن من
اشتری شیئا مکایلة، وقبضه ثم باعه إلی غیره، لم یجز تسلیمه بالکیل الأول حتی یکیله على من
اشتراه ثانيا، وإليه ذهب الجمهور كما حكاه فى "الفتح" عنهم، قال: وقال عطاء: يجوز بيعه
بالكيل الأول مطلقًا، وقيل: وإن باعه بنقد جاز بالكيل الأول، وإن باعه بنسيئة لم يجز بالأول،
(١) قال فى "الدر": صح بيع عقار لا يخشى هلاكه قبل قبضه لندرة هلاك العقار، حتى لو كان علوا أو على شط نهر، ونحوه
کان کمنقول اهـ (٢٥١:٤).

ج - ١٤
النهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان
٢٣٩
فيكون لصاحبه الزيادة وعليه النقصان" (نصب الراية ١٨٦:٢)، وقال فى "الدراية":
إسناده جيد، وقال الحافظ فى "الفتح": بإسناد حسن. وأخرجه ابن ماجة وغيره عن
والظاهر ما ذهب إليه الجمهور من غير فرق بين بيع وبيع للأحاديث المذكورة فى الباب تفيد
بمجموعها ثبوت الحجة اهـ (٢١:٥).
والمشهور عند أصحابنا الحنفية أن يحمل جريان الصاعين هو اجتماع الصفقتين،
وأما الصفقة الواحدة فيكفى فيه صائع البائع إذا كان بحضرة المشترى، ونقل العينى الإجماع عليه،
ولكنه مخالف لما فى "الهداية"؛ لأنه قال فيه: لوكالة البائع بعد البيع بحضرة المشترى، فقد قيل:
لا يكتفى به لظاهر الحديث، والصحيح أنه يكتفى به إلخ، وظاهره يدل على الخلاف فى الصفقة
الواحدة، لأن الاكتفاء بالكيل الواحد فى الصحيح من الرواية، إنما هو فى العقد الواحد بشرط
الكيل، وأما إذا وجد العقدان بشرط الكيل فالاكتفاء بالكيل الواحد فيهما ليس بصحيح من
الرواية، بل الجواب فيه على الصحيح من الرواية وجوب الكيلين، ويدل على ذلك قوله: ومحمل
الحديث اجتماع الصفقتين، فإنه يدل على أن فى هذه الصورة التى ذكره فيها الخلاف اجتماع
الصفقتين غير منظور إليه فكأنه يقول: الحديث دليل على وجوب الصاعين فيما اجتمعت الصفقتان
كما فى أول المسألة، وما سيأتى فى "باب السلم"، وأما فيما نحن فيه "أعنى" الصفقة الواحدة فلا،
هذا هو محصل كلام "الهداية"، ويظهر منه أنه لا خلاف فى الصفقتين، وإنما الخلاف فى الصفقة
الواحدة، وصاحب "الهداية" رجح قول من قال بكفاية الصاع الواحد فى الصفقة الواحدة،
وحمل الحديث على اجتماع الصفقتين.
والحق عندى أنه لا حاجة إلى هذا المحمل، بل الحديث محمول على صفقة واحدة، كما هو
ظاهر، إلا أنا نقول: إن البائع إذا كال الطعام بعد البيع بحضرة المشترى يكون ذلك الصاع هو
صاع المشترى، لأنه بأمره ورضاه وبحضرته، فعندنا قوله: "حتى يجرى فيه الصاعان" أعم من أن
يكون جريان الصاعين حقيقة أو حكما، ويرشد إليه قوله فى حديث أبى هريرة ((فيكون لصاحبه
الزيادة وعليه النقصان))، لأنه يدل أن العلة فى النهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان: صاع
البائع، وصاع المشترى، إنما هو امتياز حق البائع عن حق المشترى، وبالعكس، وذا يحصل بصاع
واحد إذا كان بحضرة المشترى، فعلم منه أن المراد من الصاعين أعم من أن يكونا صاعين حقيقة،
أو حكما، وذهب البعض إلى وجوب التعدد الحقيقى جريا على الظاهر، والصحيح الراجح هو
الأول، وتعدد الصاعين فى الصفقتين لتعدد الصفقتين، لا لأن الصفقتين محمل للحديث، فتدبر فيه
حق التدبر، فلعل الحق لا يتجاوز ما قلنا.

٢٤٠
النهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان
إعلاء السنن
جابر بإسناد فيه محمد بن أبى ليلى بدون قوله: "فيكون لصاحبه الزيادة، وعليه
النقصان"، وأخرجه ابن أبى شيبة عن الحسن عن النبى عّ لّه مرسلا.
تفصيل القول فى معنى القبض وكيفيته:
قال العبد الضعيف: وفى "شرح الوجيز" للرافعى: ما نصه فى بيان أن القبض بم يحصل؟
فينظر إن كان المبيع مما لا ينقل كالدور والأراضى فقبضه بالتخلية بينه وبين المشترى وتمكنه من اليد
والتصرف، وإن كان المبيع من المنقولات، فالمذهب المشهور، وبه قال أحمد: إنه لا يكفى فيه
التخلية، بل لا بد من النقل والتحويل، وقال مالك وأبو حنيفة: إنه يكفى فيه التخلية، كما فى
العقار، وعن رواية حرملة قول مثله، وفيه وجه آخر: أن التخلية كافية لنقل الضمان إلى المشترى
غير كافية للتسلط على التصرف.
الحالة الثانية: أن يباع الشىء مع اعتبار تقدير فيه، كما إذا اشترى ثوبا، أو أرضا مذارعة،
أو متاعا موازنة، أو صبرة حنطة مكايلة، أو معدودا بالعدد، فلا يكفى للقبض ما مر فى الحالة
الأولى، بل لا بد مع ذلك من الذرع، أو الوزن، أو الكيل، أو العدد، وكذا لو أسلم فى آصع،
أو أمناء من طعام لا بد فى قبضه من الكيل أو الوزن، فلو قبض جزافا ما اشتراه مكايلةً دخل
المقبوض فى ضمانه، وأما تصرفه فيه بالبيع ونحوه، فإن باع الكل لم يصح لأنه قد يزيد على القدر
المستحق، وإن باع ما يستيقن أنه له فوجهان، عن أبى إسحاق: أنه يصح، وقال ابن أبى هريرة
وساعده الجمهور: لا يصح لعدم القبض المستحق بالعقد، وقبض ما اشتراه کیلا بالوزن أو وزنا
بالكيل كقبضه جزافا، ولو قال الدافع: خذه فإنه كذا فأخذه مصدقا له، فالقبض فاسد أيضًا حتى
يجرى اكتيال صحيح، فإن زاد رد الزيادة، وإن نقص أخذ الباقى، قال الشيخ أبو حامد وغيره:
ومعنى التصديق المذكور فى صورة المسألة أن يحمل خبره على الصدق، ويأخذه بناء عليه، فأما إذا
أقر بجريان الكيل لم يسمع منه خلافه اهـ، ملخصًا (٤٤٨:٨-٤٤٩)، وهو يفيد كفاية كيل البائع
بحضرة المشترى عن صاع المشترى، وإنما يلزم المشترى الكيل لنفسه، إذا أخذه مصدقا للبائع فى
قوله: ((خذه فإنه كذا، وأما إذا لم يأخذه مصدقا له بل جرى بينهما الكيل فلا)).
وليس معنى النهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان صاع البائع، وصاع المشترى
وجوب جريان الصاعين فى صفقة واحدة، حتى يجب على البائع أن يكيله على المشترى بحضرته
مرتين، بل معناه وجوب الكيل على البائع أو لا لنفسه إذا كان ابتاعه مكايلة ووجوب الكيل على
المشترى منه إذا ابتاعه مكايلة كذلك، فإن الكيل، والوزن من تمام القبض فى المكيل، والموزون إذا