Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١
بيع ما ليس عنده
ج - ١٤
(قلت: ذهل الحافظ عن لفظ أبى داود ففيه أنه عّ لّه قال: ((من استطاع منكم أن يكون مثل
صاحب فرق الأرز، فليكن مثله))، وفيه الأمر بفعل مثل ما فعله، الاستدلال به لا ينبغى على أن
شرع من قبلنا شرع لنا، بل على أمره عّ لّه باتباع الرجل فيما فعله) قال: وقد أجيب عن حديث
الباب، بأنه يحتمل أنه استأجره بفرق فى الذمة، ولما عرض عليه الحق، فلم يقبضه استمر فى ذمة
المستأجر، لأن الذى فى الذمة لا يتعين إلا بالقبض، فلما تصرف فيه المالك صح تصرفه سواء اعتقده
لنفسه أو لأجيره، ثم إنه تبرع بما اجتمع فيه على الأجير برضا منه، والله أعلم (٤: ٣٤٢). وفيه أن
قوله: ولما عرض عليه الفرق فلم يقبضه استمر فى ذمة المستأجر، ينبنى على كون القبض لا يتم إلا
بالأخذ بالید، وفيه خلاف شهیر.
قال الموفق فى "المغنى": وقبض كل شىء بحسبه، فإن كان مكيلا أو موزونا فقبضه بكيله
ووزنه، وبهذا قال الشافعى، وقال أبو حنيفة: التخلية فى ذلك قبض، وقد روى أبو الخطاب عن
أحمد رواية أخرى: أن القبض فى كل شىء بالتخلية مع التمييز، لأنه خلى بينه وبين المبيع من غير
حائل فكان قبضا له اهـ (٢٢٠:٤)، وقد وجدت التخلية والتمييز فيما نحن فيه، فلا نسلم كون
الأجير لم يقبضه، ويدل على وجود القبض قوله: ((فأعطيته)) وفى رواية: ((عرضت عليه حقه))،
وأصرح منه ما وقع فى حديث النعمان بن بشير، ولفظه: كان لى أجراء يعملون فاستأجرت كل
رجل منهم بأجر معلوم، فجاءنى رجل نصف النهار فاستأجرته بشرط أصحابه، فعمل فى نصف
نهاره كما عمل رجل منهم فى نهاره كله، فرأيت على فى الذمام أن لا أنقصه مما استأجرت به
أصحابه لما جهد فى عمله، فقال رجل منهم: تعطى هذا مثل ما أعطيتنى؟ فقلت: يا عبد الله!
لم أبخسك شيئا من شرطك، وإنما هو مالى أحكم فيه بما شئت، قال: فغضب وذهب وترك أجره،
وكذا فى "فتح البارى" (٣٦٨:٦)، وفيه أنه ترك أجره بعد ما أخذه، وقبض بيده عليه.
الرد على ابن حزم فى إبطاله بيع الفضولى، وإيراده على حجج الجمهور:
وبذلك كله اندحض ما قاله ابن حزم فى "المحلى": هذا خبر لا حجة لهم فيه لو جوه، بل هو
حجة عليهم، ومبطل لقولهم، فأولها: أن ذلك كان فيمن قبلنا ولا تلزمنا شرائعهم (قلت: قد مر أن
النبى معَّ ◌ُّ أمرنا باتباع الرجل فيما فعله). والثانى: أنه ليس فيه أن الإجارة كانت بفرق بعينه، بل
ظاهره أنه كان بفرق فى الذمة فلم يبع له شيئا، بل باع ماله ثم تطوع بما أعطاه، وهذا حسن.
(قلت: قد تعين الفرق حين أعطاه وعرض عليه وأخذه، كما فى رواية النعمان بن بشير عند البزار
١٦٢
بیع ما ليس عنده
إعلاء السنن
بسند حسن، فلم یبع إلا مال الأجير دون ماله).
قال: والثالث: أنه حتى لو كان فيه أنه كان فرقا بعينه، وأنه كان فى الإسلام لما كان لهم فيه
حجة، لأنه أعطاه أكثر من حقه فرضى، وأبرأه من عين حقه، وكلاهما متبرع بذلك من غير شرط،
وهذا جائز عندنا حسن جدا، (قلت: بل فيه أنه أعطاه حقه بعد ما ثمره له، ولا دليل على التبرع فى
الأثر، وقد أثنى رسول الله مَّه على تثميره حقه، فدل على جواز بيع الفضولى وتصرفه إذا كان
على رجاء من رضا المالك به).
السكوت فى باب البيع ليس برضا عند الجمهور خلافا لابن أبى ليلى:
قال: وأما كونه حجة عليهم فإن فيه أنه عرض عليه حقه فأبى من أخذه وتر که ومضى،
فعلى أصلهم قد بطل حقه إذ سكت عن أخذه، فلا طلب له فيه بعد ذلك، (قلت: يا سبحان الله!
ومتى كان الإباء والتسخط سكوتا؟ ومتى كان السكوت رضا فى البيع؟ فلعله من اختراعات أهل
أشبيلية، فإن السكوت فى باب البيع ليس برضا عند الجمهور حاشا ابن أبى ليلى، قال ابن قدامة فى
"الشرح الكبير " له: وإن باع سلعة، وصاحبها حاضر ساکت، فحكمه حكم ما لو باع بغير إذنه
فى قول الأكثرين، منهم أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعى، وقال ابن أبى ليلى: سكوته إقرار، لأنه
يدل على الرضا کسكوت البکر فی الإذن فى النكاح، ولنا السكوت محتمل فلم یکن إذنا
كسكوت الثيب، وفارق سكوت البكر لوجود الحياء المانع من الكلام فى حقها، وليس ذلك
موجودا ههنا اهـ (١٦:٤)، ثم تكلم ابن حزم فی حدیث حكيم بن حزام بأنه عن رجل لم يسم،
وفى حديث عروة البارقى أن فى أحد طريقيه سعيد بن زيد وهو ضعيف، وأبو لبيد ليس بمعروف
العدالة، وقد مر الكلام فيه مستوفى، فتذكر.
قال: ثم لو صح حديث حكيم وعروة لم يكن فيهما حجة؛ لأنه إذ أمره عليه السلام أن
يشترى له شاة فاشترى له شاتين، صار الشراء لعروة بلا شك، لأنه إنما اشترى كما أراد لا كما أمره
النبى معَّ ◌ُلّهِ، ثم وزن دينار النبى معَّه إما مستقرضا له ليرده، أو متعديا، فصار الدينار فى ذمته
بلا شك، ثم باع شاة نفسه بدينار فصرفه إلى النبى مرّ كما لزمه وأهدى إليه الشاة، فهذا كله هو
ظاهر الخبر، وليس فيه أصلا لا بنص ولا بدليل على أن الشراء جوزه النبى معَّ له والتزمه، فلا يجوز
القول بما ليس فى الخبر اهـ (ص ٤٣٧).
قلت: يا سبحان الله! كيف جعل هذا الظاهرى كون عروة مشتريا لنفسه، ومستقرضًا
ج - ١٤
بیع ما لیس عنده
١٦٣
لدينار النبى عَّ أو متعديا فيه ظاهر الخبر، وهذا مما لا يفهمه من لفظ الحديث جنى ولا إنسى،
ولا حضرى ولا بدوى، أفبمثل هذا التأويل يفرح هذا الظاهرى ويعد نفسه من العاملين بالحديث
والمتبعين للأثر، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، ونسأله إن كان عروة مشتريا لنفسه
مستقرضا لدينار النبى عّ لّه فهل كان عَّ قد أذن له فى أن يستقرض ديناره ويتصرف فيه كما
أراد؟ فإن قال: لا، ولا بد، فقد ثبت جواز تصرف الفضولى من هذا لوجه، وإن كان متعديا فيه
فالمتعدى آثم لا يستحق المدح، بل يستحق الملام والزجر، وسياق الحديث صريح فى أنه مد لّ( لم يلم
عروة ولا حكيم بن حزام ولم يزجرهما، بل فرح بما فعلا ودعا لهما بالبركة، فإن كان هذا هو
جزاء المتعدى الآثم فما أبرك هذا التعدى وما أبرده على قلب المتعدى.
وأما قوله: ((وأهدى إليه الشاة)) فيرده ما فى حديث سعيد بن زيد عند البيهقى من قول
عروة: "فأتيت النبى معَّ، فقلت: يا رسول الله! هذا ديناركم، وهذه شاتكم"، وهذا صريح فى أنه
لم يهد هذه الشاة من عنده، بل كان اشتراها للنبى عدّ له، وكذلك قوله: "ليس فيه أصلا لا بنص
ولا بدليل على أن الشراء جوزه النبى معَّه والتزمه" يرده ما في هذا الحديث أيضًا من قوله: ((فقال
النبى معَّه: وصنعت كيف؟ قال: فأخبرته، فقال: اللهم بارك له فى صفقة يمينه)) الحديث
(١١٢:٦)، ففيه أنه مَّه قد علم بما فعله فأقره عليه ودعا له بالبركة، فأى دليل أكبر من هذا على
أن النبى معَّه جوز الشراء والتزمه؟ فافهم.
قال ابن حزم: وأما خبر حكيم فإنه تعدى فى بيع الشاة فلزمه ضمانها فابتاعها بدينار كما
مر، وفضل دينار فأمره عليه السلام بالصدقة إذ لم يعرف صاحبه اهـ (٤٣٧:٨)، قلنا: وكيف جاز
التصدق به من غير تعريف؟ ويجب عندك تعريف اللقطة سنة لا يجوز التصرف فيها قبل ذلك،
وكيف تقول: بأنه عليه السلام أمره بالصدقة؛ إذ لم يعرف صاحبه؟ وأنت لا تقول بوجوب
التصدق على الملتقط، بل تقول بتملكه اللقطة بعد تعريفها سنة، وهل هذا إلا تناقض وتلاعب؟
وكيف يصح قولك: إنه لم يعرف صاحبه ولم يمض على البيع والشراء يوم ولا ليلة، وإنما هو قد
جاء من السوق إلى النبى معَّه بشاة ودينار وأخبره الخبر، فتصدق به النبى معَ ◌ّه؟ وفى مثل هذه
المدة لا يغيب صاحبه عن المدينة، بل ولا عن السوق إلا أن تبتلعه الأرض، أو يبتغى سلما فى
السماء، فلا تكونن من المجادلین، ولیت شعری من أين لك أن ترمی حکیم بن حزام بالتعدى،
ولم يرمه النبى ◌ّ ◌ُلِّ به، ولو كان قد تعدى لنبهه عليه وزجره، وبين له ما ارتكبه من الإثم، وإذ
١٦٤
إعلاء السنن
باب بيع الماء والكلأ
٤٦٦٩- عن إياس بن عبد المزنى قال: ((نهى النبى عٍَّ عن بيع الماء)). قال
الترمذى: حديث حسن صحيح.
لم يكن من ذلك شىء فكل ما قتله كلام لا يعقل، بل هو مخالف لمفهوم كلام رسول الله عَ ليه
وغلط مجاهر به بارد غٹ)١٢ظ.
باب بيع الماء والكلأ
قوله: "عن إياس إلخ"، أقول: قال فى "البحر": والماء على أضرب، حق إجماعًا كالأنهار
غير المستخرجة والسيول، وملك إجماعا كماء يحرز فى الجرة أو نحوها، ومختلف فيه كماء
الآبار والعيون والقناة المحتفرة فى الملك اهـ ("نيل الأوطار" ١٨٢:٥). فظهر منه أن الحديث ليس
على إطلاقه، بل هو مقيد بالماء غير المملوك، فجاز بيع الماء المحرز فى الآنية وغيرها بالاتفاق،
ولا يجوز بيع ماء الأنهار غير المستخرجة بالاتفاق، وأما بيع ماء الآبار ففيه اختلاف، فمن قال: إنه
مملوك ينبغى أن يجوز بيعه عنده، ومن قال: إنه غير مملوك فلا يجوز بيعه عنده، وهو مذهب الحنفية
وهو أمر اختيارى، وذهب الشوكانى إلى إطلاق المنع، وقال: لا دليل على الاختصاص،
والتخصيص بالقياس غير جائز، قلنا: ليس هذا تخصيصا بالقياس بل هو تقييد لمطلق الكلام بدلالة
الحال ومقصود المتكلم، وهو جائز.
قال فى "شرح السير الكبير": إن قالوا: نص لحكم على أن تؤمنونا على ألف دينار،
ولم يؤمنوا وقتا، فهذا على خروجه إلى دار الإسلام؛ لأن مطلق الكلام يتقيد بدلالة الحال، وبما يعلم
من مقصود المتكلم، وبعد ما أحاط بهم السرية يعلم أن مقصودهم من هذا الصلح الأمن من الخوف
الذى نزل بهم، وإنما يتم ذلك بخروج السرية إلى دار الإسلام، فكأنهم صرحوا بذلك، وقالوا:
آمنونا حتى تخرجوا إلى دار الإسلام اهـ (٣٠٣:١)، وقال فى موضع آخر: فإن قيل: أليس أن الله
تعالى قال: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾ ثم الأخوات المنفردات يحجبن الأم من الثلث إلى
السدس، قلنا: لا بهذه الآية، بل باتفاق الصحابة واعتبار معنى الحجب، وقد بينا ذلك فى الفرائض،
ولكن اعتبار المعنى فى النصوص الشرعية جائز، فأما فى ألفاظ العباد يراعى عين الملفوظ به من غير
أن يشتغل بتعليله، واسم الإخوة لا يتناول الإناث المنفردات لا حقيقة ولا استعمالا اهـ (٢٢٤:١).
وإذا تقرر ذلك فنقول: العلة فى المنع عن البيع هو عدم الملك، كما يدل عليه قوله: ((الناس
شر کاء فی ثلاث))، فيتقید الكلام بمعنی الحكم، ومقصود المتكلم، فلا شك أنهم ليسوا بشر كاء فى
١٦٥
ج - ١٤
بيع الماء والكلأ
٤٦٧٠- وعن أبى هريرة: أن النبى عّ لّه قال: ((لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ)).
قال الترمذى: حديث حسن صحيح.
٤٦٧١- وعن أبى خراش عن بعض أصحاب النبى عّ لّه، قال: قال رسول
الله ◌َوِِّ: ((المسلمون شركاء فى ثلاثة، فى الماء، والكلأ، والنار))، رواه أحمد وأبو داود،
قال الحافظ فى "بلوغ المرام": رجاله ثقات (نيل الأوطار ١٨٤:٥).
الماء الذى فى بيوت الناس محرزا بالجرار ونحوها، وإلا ظهر به الفساد فى البر والبخز.
قوله: "وعن أبى هريرة"، أقول: "ليمنع به الكلأ" إشارة إلى إباحة الكلا وعدم جواز بيعه،
وهذا الحكم أيضًا مخصوص بالكلا الذى هو مباح، فيجوز بيع الكلا المملوك، وهو يملك بالجز ..
والحش، وأما الإنبات فهو إن كان بالزرع فلا كلام فى كونه مملوكا للزارع، وإن كان بسقى الماء
فقط، دون إلقاء البذر، ففيه اختلاف أصحابنا، فقال بعضهم: هو يثبت الملك، وقال بعضهم: لا،
وأورده فى "فتح القدير" على من قال بثبوت الملك بالإنبات: أنه يجب عليه أن يكون ماء البير
مملوكا للحافر. والجواب أن الحافر لا دخل له فى وجود الماء، وإنما الماء كان مستورا تحت الأرض،
فأظهر بالحفر، ورفع الستر عن الشىء، ليس بإحراز له فلا يكون مالكا بالحفر، والسقى(١) له دخل
فى وجود الكلا، كما هو ظاهر، فیکون إحراز له، فثبت الفرق، واندفع الإيراد.
قوله: "الناس شركاء فى ثلاث"، أقول: قد علمت معنى الشركة فى الماء والكلاً، وأما
الشركة فى النار فمعناها الانتفاع بضوءها وحرها، وإيقاد السراج والحطب من شعلتها، وليس لهم
أخذ الجمرات منها لأنها مملو کة، فتنبه له.
تفصيل القول فى بيع الماء والكلأ:
قال العبد الضعيف: ولكن لا يجوز لأحد الدخول إلى ملك غيره من أرض أو دار بغير إذنه،
لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه أشبه ما لو دخل لغير ذلك، وهو ظاهر. وقال ابن قدامة:
الأنهار النابعة فى غير ملك كالأنهار الكبار لا تملك بحال، ولا يجوز بيعها، ولو دخل إلى أرض
رجل لم يملكه بذلك، كالطير يدخل إلى أرضه ولكل أحد أخذه وتملكه، إلا أن يحتفر منه ساقية
فيكون أحق بها من غيره، وأما ما ينبع فى ملكه كالبئر والعين المستنبطة بنفس الشهر وأرض العين
(١) قلت: يا سبحان الله! وهل يخرج بالسقى إلا ما كان فى بطن الأرض مستورا؟ ولا شك أن الحفر أبلغ من السقى عملا وتأثيرًا.
١٦٦
بيع الماء والكلأ
إعلاء السنن
مملوكة لمالك الأرض، فالماء الذى فيها غير مملوك فى ظاهر المذهب، وهذا أحد الوجهين لأصحاب
الشافعى.
والوجه الآخر يملك لأنه نماء الملك، وقد روى عن أحمد نحو ذلك، والخلاف فى بيع ذلك
إنما هو قبل حيازته، فأما ما يحوزه من الماء فى أنائه، أو يأخذه من الكلا فى حبله، أو يحوزه فى
رحله، أو يأخذه من المعادن، فإنه يملكه بذلك بغير خلاف بين أهل العلم، فإن النبى معَ لّه قال: ((لأن
يأخذ أحد کم حبلا، فيأخذ حزمة من حطب فیبیعھا فیکفی بها وجهه خير له من أن يسأل الناس
أعطى أو منع))، رواه البخارى، (وفيه دلالة على جواز الاحتطاب من الأشجار المباحة التى لا مالك
لها، وعلى كون المحتطب يملكه فكذلك الكلاً والماء).
وقد روى أبو عبيد فى "الأموال" (حدثنى نعيم بن حماد، عن بقية بن الوليد، عن أبى بكر
ابن عبد الله ابن أبى مريم عن المشيخة: ((أن رسول الله مَّ له نهى عن بيع الماء إلا ما حمل منه)) (وفيه
عنعنة أبن الوليد والإرسال مع ما فى أبى بكر من المقال، وكان أحد أوعية العلم، وكان من العباد،
وقال الجوزجاني هو متماسك، وقال ابن عدى: أحاديثه صالحة ولا يحتج به، كذا فى "الميزان"
(٣٤٥:٣)، وعلى ذلك مضت العادة فى الأمصار ببيع الماء فى الروايا والحطب والكلأ من غير
نكير (قلت: وهذا مما يؤيد ما رواه أبو بكر عن المشيخة، فإن عمل الأمة من غير نكير يتنزل منزلة
الإجماع، وهو من أقوى دلائل الصحة، والله تعالى أعلم). وليس لأحد أن يشرب منه، ولا يتوضأ
ولا يأخذ إلا بإذن صاحبه لأنه ملكه، قال أحمد: إنما نهى عن بيع فضل ماء البئر والعيون فى قراره،
ويجوز بيع البشر نفسها والعين ومشتريها أحق بمائها، (فله أن يمنع الاستقامة منها فى الأوعية، وليس
له أن يمنع المارة وابن السبيل والدواب من الشرب بأشفة).
وقد روى أن النبى معَّ قال: ((من يشترى بئر رومة يوسع بنها على المسلمين، وله الجنة))
(أخرجه "النسائى" و "البخارى" فى باب الوقف وفى مناقب عثمان) فاشتراها عثمان رضى الله
عنه من یهودی بأمر النبی مګ وسبلها للمسلمین، وروى: "أن عثمان اشتری منه نصفها باثنی
عشر ألفا، ثم قال لليهودى: اختر إما أن تأخذها يوما وآخذها يوما، وإما أن تنصب لك عليها دلوا،
وأُنصب عليها دلوا، فاختار یوما يومًا، فكان الناس یستقون منها فى يوم عثمان للیومین، فقال
اليهودى: أفسدت على بثرى فاشتر باقيها، فاشتراه بثمانية آلاف"، (وروى البغوى فى الصحابة أن
عثمان اشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، كما فى "فتح البارى" (٣٠٥:٥).
ج - ١٤
بيع الماء والكلأ
١٦٧
وفى هذا دليل على صحة بيعها وتسبيلها، وملك ما يسقيه منها، وجواز قسمة ماءها
بالمهايأة، وكون مالكها أحق بمائها، وجواز قسمة ما فيه حق، وليس بمملوك، قال: فأما المصانع
المتخذة لمياه الأمطار تجتمع فيها ونحوها من البرك وغيرها، فالأولى أنه يملك مائها، ويصح بيعه إذا
كان معلومًا لأنه مباح حصله بشىء معدله، كالصيد يحصل فى شبكة، والسمك فى بركة معدة له
اهـ ملخصًا (٤: ٢٢). قلت: لا فرق بين الحوض والبئر عندنا فإن كليهما معدان للماء، فلما لم يملك
ماء البئر مع كون البئر مملوكة فكذلك ماء البركة والحوض، اللهم إذا ملأ شيئا منهما بالدلاء
ونحوها فالماء ملك له.
قال الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له: لا بأس ببيع الماء إذا كان فى الأوعية، هذا ماء
قد أحرز، فإذا أحرزه فى وعاءه فلا بأس ببيعه، وإن هيأ له مصنعةً فاستقى فيها بأوعيته، حتى جمع
ماء كثير، ثم باع من ذلك فلا بأس، إذا وقع فى الأوعية فقد أحرزه، وقد طاب بيعه، فإذا كان إنما
يجتمع من السيول فلا خير فى بيعه، وإن كان فى بثر أو عين يزداد ويكثر، أو لا يزداد ولا يكثر،
فلا خیر فی بيعه، ولو باعه لم يجز البيع، ومن استقى منه شيئا فهو له، قال: وليس لصاحب العين
والقناة والبشر والنهر أن يمنع الماء من ابن السبيل، لما جاء فى ذلك من الحديث والآثار، وله أن يمنع
سقى الزرع والنخل والشجر والكرم من قبل أن هذا لم يجئ فيه حديث، وهو يضر بصاحبه، فأما
الحيوان والمواشى والإبل والدواب، فليس له أن يمنع من ذلك.
حدثنى محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال:
كتب غلام لعبد الله بن عمر (الصحيح عبد الله بن عمرو -بالواو-) إلى عبد الله بن عمر (الصحيح
بالواو)، أما بعد: فقد أعطيت بفضل مائى ثلاثين ألفا بعد ما أرويت زوعى ونخلى وأصلى، فإن
رأيت أن أبیعه وأُشتری به رقیقا أستعين بهم فى عملك فعلت، فكتب إليه: قد جاءنی کتابك
وفهمت ما كتبت به إلى، وأنى سمعت رسول الله مرّ له يقول: ((من منع فضل ماء ليمنع به فضل
كلاً منعه الله فضله يوم القيامة، فإذا جاءك كتابى هذا فاسق نخلك وزرعك وأصلك، وما فضل
فاسق جيرانك الأقرب فالأقرب، والسلام))، (قلت: سند حسن، فإن ابن أبى ليلى ثقة مدلس، وقد
حسن له الترمذى غير ما حديث).
قال: وحدثنى حريز بن عثمان الحمصى، عن زيد بن حبان الشرعبى، (انقلب اسمه، وإنما
١٦٨
بيع الماء والكلأ
إعلاء السنن
هو حبان بن زيد(١) الشرعبى كما فى الأنساب للسمعانى والكنى للدولابى، وتهذيب التهذيب.
وفى حاشيته عن "لب اللباب": الشرعبى نسبة إلى شرعب قبيلة من حمير، وهو حمصى
يكنى أبا خداش، روى عن عبد الله بن عمرو، ورجل من المهاجرين، روى عنه حريز بن عثمان
ذكره ابن حبان فى الثقات، وقد تقدم أن أبا داود قال: شيوخ حريز كلهم ثقات اهـ (١٧٢:٢)،
قال: كان منا رجل بأرض الروم نازلا، وكان قوم يرعون حول خبائه فطردهم، فنهاه رجل من
المهاجرين عن ذلك وزجره فامتنع، فقال الرجل: لقد غزوت مع رسول الله عَّ له ثلاث غروات
أسمعه فيها يقول: ((المسلمون شركاء فى ثلاث: الماء، والكلأ، والنار))، فلما سمع الرجل ذكر
النبى معَّ رق فأتى فاعتنقه واعتذر إليه (قلت: سند صحيح).
قال: وحدثنا العلاء بن كثير، عن مكحول، قال: قال رسول الله عّ لّهِ: ((لا تمنعوا كلاً ولا
ماء ولا نارا، فإنه متاع للمقوين وقوة للمستضعفين))، قلت: مرسل ضعيف، فإن العلاء هذا متروك.
قال: وحدثنا محمد بن إسحاق، عن عائشة، قالت: ((نهى رسول الله مُ له عن بيع الماء))،
قال أبو يوسف: وتفسير هذا عندنا - والله أعلم- أنه نهى عن بيعه قبل أن يحرز، والإحراز لا يكون
إلا فى الأوعية والآنية، فأما الآبار والأحواض فلا اهـ، ملخصًاً (١١٥).
وقال أبو عبيد فى "الأموال": قد جاءت الأخبار والسنن مجملةً، ولها مواضع متفرقة،
وأحكام مختلفة، فأول ذلك ما أباحه رسول الله عَّ للناس كافةً وجعلهم فيه أسوة، وهو الماء
والكلأ والنار، وذلك أن ينزل القوم فى أسفارهم وبواديهم بالأرض فيها النبات الذى أخرجه الله
للأنعام، مما لم ينصب فيه أحد بحرث ولا غرس ولا سقى يقول: فهو لمن سبق إليه، ليس لأحد أن
يحتظره منه شيئا دون غيره، ولكن ترعاه أنعامهم ومواشيهم ودوابهم معًا، وترد الماء الذى فيه
كذلك أيضًا، فهذا قوله: ((الناس شركاء فى الماء والكلاً))، وكذلك قوله: ((المسلم أخو المسلم
(١) ولم يتنبه محشى "الخراج" لذلك فزعم أنه زيد بن حبان الرقى المذكور فى "الميزان"، وليس كذلك، فإن الرقى من السابعة فلا.
يكاد أن يكون من شيوخ حريز وهو من الخامسة، ولم يذكره أحد فى شيوخه، ولم يدرك من الصحابة أحدا، وشيخ حریز
هذا قد أدرك رجلا من المهاجرين فى سياق الحديث، فلا يصح القول بأنه زيد بن حبان الرقى، فافهم، والحديث رواه أبو داود
عن على بن الجعد: ثنا حريز بن عثمان عن حبان بن زيد الشرعبى، عن رجل من قرن، ح وحدثنا مسدد، ثنا عيسى بن يونس،
ثنا حريز بن عثمان، حدثنا أبو خداش، وهذا لفظ على عن رجل من المهاجرين، فذكر المرفوع دون القصة، وأخرجه أبو عبيد
فى "الأموال" أطول مما هنا (٢٩٤-٢٩٥)، فليراجع. ظ
ج - ١٤
بيع الماء والكلا
١٦٩
يسعهما الماء والشجر))، فنهى عَّ، أن يحمى من ذلك شىء إلا ما كان من حمى لله ولرسوله فإنه
اشترط ذلك، وهو الحديث الذی ذکرناه أول الباب.
قال: وأما قوله: ((لا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل الكلا)) فغير ذلك، وهو عندى فى الأرض
التى لها رب ومالك، ويكون فيها الماء العد الذى وصفناه، والكلأ الذى تنبته الأرض من غير أن
يتكلف لها ربها لذلك غرسا ولا بذرا، فأراد أنه ليس بطيب لربها من هذا الماء والكلأ، وإن كان
ملك يمينه، إلا قدر حاجته لشفته وماشيته وسقى أرضه، ثم لا يحل له أن يمنع ما وراء ذلك، ومما
يبين أنه أراد بهذه المقالة أهل الملك، ذكره فضل الماء وفضل الكلأ، فرخص مَ ◌ّه فى نيل ما لا غناء
له به عنه، ثم حظر عليه منع ما سوى ذلك، ولو كان غير مالك له ما كان لذك الفضول ههنا
موضع، ولكان الناس كلهم فى قليله وكثيره شرعا سواء. (قلت: وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة عصره
مولانا الكنكوهى، كما رواه عنه الشيخ محمد يحيى فى حاشيته للترمذى، ونصه: وأما ماء البثر
وما فی حکمه فصاحبه أحق به من غيره ما احتاج إليه، وليس له بعد ذلك فيه استحقاق، ولذلك
منع عَّ عن بيع فضل الماء دون أصله اهـ (٣٧٤:٢).
ونرى أن هذا الماء الذى جاء فيه النهى فى منع فضله وبيعه، إنما هو ما كان من المياه الأعداد
التى ذكرناها مثل ماء العيون والآبار التى لها مادة، يبين ذلك حديث عبد الله بن عمرو (١) الذى فى
سقى أرضه، ويبينه أيضًا حديث عائشة: حدثنا يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن محمد
ابن عبد الرحمن، عن عمرة، عن عائشة، قالت: ((سمعت رسول الله عّ لّه ينهى أن يمنع نقع البئر))،
(أی فضل ماءها).
قال أبو عبيد: وإلى هذا التأويل كان سفيان بن عيينة يذهب أنه نهى عن منع الماء، قال: هو
الماء فى موضعه يعنى قبل أن يستقى، وكذلك يحكى عن سفيان بن سعيد (الثورى)، ومالك بن
أنس، أنهما جميعًا قالا: ليس لرب الماء أن يمنع ابن السبيل الماء لشفته ولا لماشيته، ثم اختلفا فى
سقی الأرض، فقال مالك: ليس له أن يمنع جاره فضل مائه، وقال سفيان: لیس یجب ذلك علیه فى
الأرض (قلت: وهو قول أبى حنيفة كما مر عن "الخراج" لأبى يوسف)، قال أبو عبيد: وحديث
(١) فإنه قد ورد فى ماء العين أخرج ابن حزم فى "المحلى" من طريق ابن أبى شيبة: نا يحيى بن آدم، نا زهير، عن أبى الزبير، عن
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن غلاما لهم باع فضل ماء لهم من عين بعشرين ألفا، فقال له عبد الله بن عمرو بن
العاص: لا تبعه؛ فإنه لا يحل بيعه اهـ" (٧:٩). ظ
١٧٠
بيع الماء والكلأ
إعلاء السنن
.
عبد الله بن عمرو الذى ذكرناه فيه قوة لقول مالك اهـ (٣٠٢).
قلت: ولنا اشتراء عثمان نصف البئر من اليهودى وقسمته بالمهايأة كما تقدم، وما لا يجوز
بيعه لا يجوز اشتراؤه، فدل على أنه لا يجب على صاحب البئر والعين أن يأذن للناس فى الاستقاء
فى أوعيتهم، فأن لا يجب عليه الإذن لهم فى سقى الأرض أولى، لأن فى إيجاب ذلك عليه إبطال
حقه، إذ لا نهاية لذلك فيذهب بذلك منفعته، فيلحقه به ضرر، ولا كذلك الشرب وسقى الدواب
لأنه لا يلحقه بمثله ضرر عادة، وإنما أثبتنا حق الشرب لغيره للضرورة، فلا معنى لإثباته على وجه
يتضرر به صاحبه إذ به تبطل منفعته، والشفة إذا كانت تأتى على الماء كله، بأن كان جدولا صغيرا،
وفيما يرد عليه من المواشى كثرة ينقطع الماء عنه اختلفوا فيه، قال بعضهم: لا يمنع منه لإطلاق
الحديث، وقال أكثرهم: له أن يمنع لأنه يلحقه ضرر بذلك كسقى الأرض، كذا فى "حاشية
الزيلعى على الكنز".
الرد على قول ابن حزم فى الباب:
وقال ابن حزم فی "المحلی": لا يحل بیع الماء بوجه من الوجوه، لا فی ساقية، ولا من نهر،
أو من عين، ولا من بئر ولا فى صهريج، ولا مجموعًا فى قربة ولا إناء، لكن من باع حصته من
عنصر الماء، ومن جزء مسمى منها، أو باع البئر كلها، أو جزء مسمى منها، أو باع الساقية كلها،
أو الجزء المسمى منها جاز ذلك، وكان الماء تبعا له، ومن ملك بئرا بحفر فهو أحق بمائها ما دام
محتاجا إلیه، فإن فضل عنه ما لا یحتاج إلیه لم يحل له منعه عمن یحتاج إليه، و کذلك فضل الشهر
والساقية ولا فرق، ثم ذكر الآثار، وقال: فهذا إيا س بن عبد، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو،
يحرمون بيع الماء جملة، ولا مخالف لهم من الصحابة رضى الله عنهم، واثنان من التابعين القاسم
وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وروينا إباحة بيع الماء فى الآنية، وبيعه فى الشرب (بكسر الشين
المعجمة) عن عطاء، وأبى حنيفة، والشافعى، وإباحة بيعه كذلك، وفى الشرب عن مالك، وعن
مسروق إباحة ثمن الماء جملة، ولا حجة فى أحد مع رسول الله مَّ لي اهـ (٨:٩).
قلت: لهم حجة من قول رسول الله مَّ له، فإنه نهى عن منع فضيل الماء، وفيه جواز بيع الماء،
لأن المنهى عنه منع الفضل لا منع الأصل، قاله الحافظ فى "الفتح" (٢٤:٧)، ولهم ما فى حديث
ابن عباس فى قصة هاجر وزمزم من قوله مّ له: ((وأقبل جرهم فقالوا: أ تأذنين أن ننزل عندك؟
قالت: نعم، ولا حق لكم فى الماء، قالوا: نعم))، وقررها النبى مَّ على ذلك.
ج - ١٤
بيع الماء والكلأ
١٧١
قال الخطابي: "فيه أن من أنبط ماء فى فلاة من الأرض ملكه ولا يشاركه فيه غيره إلا
برضاه، إلا أنه لا يمنع فضله إذا استغنى عنه، وإنما شرطت هاجر عليهم أن لا يتملكوه)) "فتح
البارى" (٣٣:٧). قلت: وقد تقدم أن الآثار جاءت مجملة مختلفة، ولها مواضع متفرقة،
فيحمل النهى عن منع فضل الماء على ما إذا منعه من الشفة، وسقى الدواب، وله منعه من سقی
الأرض والنخل.
أتى ابن حزم من ظاهريته بالعجب العجائب:
ثم أتى ابن حزم من ظاهريته بما يتعجب منه فقال: وبرهان زائد على تحريم بيع ماء الشرب،
وهو أن الله تعالى يقول: ﴿أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع فى الأرض﴾ وقد صح النهى عن بيع
المجهول لأنه غرر فلا يحل بيع الشرب، لأنه لا يدرى أفى السماء هو أم لا، فهو أكل مال بالباطل،
وأيضًا: فإنه إنما يأتى إلى العين والنهر من خروق ومنافس فى الأرض بعيدة هى فى غير ملك
صاحب المفجر، فإنما يبيع ما لم يملك بعد، وهذا باطل محرم اهـ (٨:٩).
قلنا: وقد قال تعالى: ﴿وفى السماء رزقكم وما توعدون﴾، فينبغى لك أن تقول بطلان البيع
إلى الميسرة، لأنه لا يدرى أ فى السماء رزقه أم لا، وأنت قائل بجوازه، وأن تقول بطلان السلم
جملةً، وقد قام الإجماع على جوازه، وأن تقول ببطلان بيع حائط فيه أنواع من الثمار، قد ظهر
صلاح شىء منبها من صنف دون سائر أصنافه، ولكنك قائل بأن صلاح حبة واحدة يطلق عليه فى
اللغة أنه قد بدا صلاح هذا الثمر، ويجعل ما لم يبد صلاحه تابعا لما بدا صلاحه، وتقول بجواز بيع
الحائط جملة، فلم لم تقل بجواز بيع ما فى منافس الأرض من الماء تبعًا لما هو موجود فى البئر والعين
وقت البيع؟ ومن ادعى الفرق فعليه البيان، وأن تقول ببطلان المزارعة بالنصف والثلث ونحوه
رأسا، فإنك لا تدرى هل تنبت الأرض شيئا، أم لا، وببطلان الإجارة شهرا، أو سنة لعدم العلم
بحياة الأجير والمستأجر غدا، وبعد غد، هل كفاك أو أزيدك؟
وبالجملة: فإن ملاك الأمر فى المعاملات كلها، إنما هى الأسباب التى جعلها الله بأيدينا فى
الظاهر، وأما فى الحقيقة فإن الأمر كله لله، ولا يخفى أن الظاهر من حال البئر والعين والساقية
المستنبطة من النهر الكبير جريان مائها، وعدم انقطاعه، فلا غرر فى بيع الشرب أصلا، ولا هو من
بيع المجهول، ولكن ابن حزم إذا جزم بشىء من المسائل ينسى كل شىء غيره، ويبطل كل أصل
ويهدم كل بنيان، وما هكذا يكون كلام أهل هذا الشأن، وأيضًا: فإن أبا حنيفة لم يقل بجواز بيع
١٧٢
بيع الماء والكلأ
إعلاء السنن
الشرب إلا تبعا للأرض، قال فى "الدر": وكذا بيع الشرب، وظاهر الرواية فساده إلا تبعا، " خانية"
و"شرح وهبانية" وفى باب إحياء الموات منه: ولا يباع الشرب ولا يوهب ولا يتصدق به، لأنه
ليس بمال متقوم فى ظاهر الرواية، وعليه الفتوى، ثم نقل عن "شرح الوهبانية" : أن بعضهم جوز
بيعه، ثم قال: وينفذ الحكم بصحة بيعه اهـ (٤: ١٨٣ مع الشامية).
قلت: فمذهب أبى حنيفة جواز بيع الشرب تبعا للأرض لا قصدًا، وهذا مما قاله ابن حزم
أيضًا فيمن باع البئر كلها أو جزء منها، أو الساقية كلها أو جزء منها، فإنه قال بجواز ذلك وكون
الماء تبعا لهما، فكذا ههنا شرب الأرض تبع لها، فيصح بيعه معها لا بدونها، فافهم.
ويلزم من قال بحرمة بيع الماء ولو محرزا بالآنية أن يقول بحرمة بيع الكلأ أيضًا، لقول
النبى معَِّ: ((الناس شركاء فى ثلاث: الماء، والكلأ، والنار))، وقد قال ابن حزم: بيع الكلأ جائز فى
أرض، وبعد قلعه، لأنه مال من مال صاحب الأرض، وكل ما تولد من مال المرء فهو من ماله
كالولد من الحيوان والثمر والنبات واللبن والصوف وغير ذلك، وأحل الله البيع (٥٤:٩). قلنا: هذا
قياس، والقياس كله باطل عندك، وأيضًا: فهو منقوض بالماء فإنه تبع للبئر والبئر مملو کة، فكذلك ما
هو تبع له متولد منه، والعجب ممن يدعى اتباع الأثر وترك القياس كيف يستعمل القياس بمعرض
النص؟ وأما قوله: "إن الأثر لا شىء، أبو خداش حبان بن زيد الشرعبى مجهول" فهو رد عليه،
فقد ذكره ابن حبان فى الثقات، وصرح أبو داود بأن شيوخ حريز ثقات كلهم.
وأما قوله: "إنه مخالف للحنفيين لأنهم لا يختلفون فى أن صاحب الماء أولى به لا يشاركه
غيره فيه، وكذلك صاحب النار، فبطل تعلقهم بهذا الخبر اهـ" ففيه أنهم لم يقولوا ذلك بالرأى، بل
جمعوا بين قوله مّ ◌ُّهذا، وبين قوله: ((نهى عن بيع فضل الماء) كما مر، وهو يدل على أن صاحب
الماء أحق به من غيره، وإلا لم يكن لذكر الفضل معنًى، ولكنه ممنوع من بيع فضله للشفة ولسقى
الدواب، وأما أنت فقد أخذت بحديث واحد: ((نهى عن بيع الماء))، وتركت سائر ما ورد فى
الباب، وليس هذا من الفقه فی شیء.
قال: وأيضًا: فإنهم لا يختلفون فى أن من أخذ ماء فى إناء، أو كلاًّ فجمعه، فإنه يبيعهما،
ولا يشاركه فيهما أحد، وهذا خلاف عموم الخبر، فعاد حجة عليهم اهـ، قلنا: لم يذهب إلى
عمومه أحد فقد مضت العادة فى الأمصار ببيع الماء فى الروايا والحطب والكلأ من غير نكير، كما مر فى
كلام الموفق، وراوى الحديث لم ينكر إلا المنع من الكلأ القائم بالأرض فهو المراد، ففى رواية أبى عبيد
ج - ١٤
١٧٣
باب النہی عن بيع العربان
٤٦٧٢- قال يحيى فى "الموطأ": مالك عن الثقة عنده، عن عمرو بن شعيب،
عن أبيه، عن جده: ((أن رسول الله عَّ نهى عن بيع العربان)). قال مالك: وذلك فيما
نرى -والله أعلم- يشترى الرجل العبد أو الوليدة أو يتكارى الدابة، ثم يقول للذى
فى "الأموال": أن رجلا من قومه (أى قوم حبان بن زيد) كان فى غزاة فكان يذب الدواب عن
رحله، فزجره رجل من المهاجرين عما يصنع فلم يلتفت إليه، فقال: لقد صحبت رسول الله مرّ له
ثلاث سنين فسمعته يقول: ((الناس شركاء فى الماء، والكلأ، والنار)) الحديث (ص٢٩٥).
ولقد كثر إنكار ابن حزم تقاسم أبى حنيفة فى أجوبة المسائل، وقد نبهنا على منشائها فى
كتاب الجهاد، أنها لاعتنائه بجمع الأحاديث الواردة فى الباب، وأما ابن حزم فلا يأخذ إلا بحديث
واحد منها، ويترك سائرها، فيتوحش من تقاسيمه، كما توحش ههنا، وقال: "قال أبو حنيفة:
لا يحل بيع الكلا إلا بعد قلعه، قال: وما نعلم لهذا القول حجة أصلا، وهو تقسيم فاسد ودعوى
ساقطة اهـ" (٥٤:٩)، ولقد صدق القائل: الناس أعداء لما جهلوا، فلو اعتنى بما اعتنى به أبو حنيفة
من جمع الأحاديث كلها لم يتوحش من تقسيمه، ولم يقل ما قال، والله أعلم بحقيقة الحال، وهو
الكبير المتعال.١٢ ظ
باب النهى عن بيع العربان
قوله: "نهى عن بيع العربان"، أقول: قال الزرقانى فى شرح هذا الحديث: هو باطل عند
الفقهاء لما فيه من الشرط، والغرر وأكل أموال الناس بالباطل، فإن وقع فسخ، وإن فات مضى، لأنه
مختلف فيه، فقد أجازه أحمد، وروى عن ابن عمر وجماعة من التابعين إجازته، ويرد العربان على
کل حال، قال ابن عبد البر: ولا يصح ما روى عنه مێ من إجازته، فإن صح احتمل أنه یحسب
على البائع من الثمن، إن تم البيع، وهذا جائز عند الجميع اهـ (٣: ٩٥)، وأجاب المجوزون عن هذا
الحدیث بأنه ضعيف، والذی روی عنه مالك مجهول.
والجواب عنه: أنه أخرجه ابن وهب عن مالك، عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب،
وأخرجه الهيثم بن يمان أبو بشر الرازى، عن عمرو بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، ورواه حبيب
ابن كاتب، عن مالك، عن عبد الله بن عامر الأسلمى، وقال ابن عبد البر فى "الاستذكار": إن
الأشبه هو رواية الهيثم، كذا فى "الزرقانى" (٩٤:٣-٩٥).
وقال الشوكانى فى "نيل الأوطار" (١٢:٥): الحديث منقطع، لأنه من رواية مالك أنه بلغه
:
١٧٤
النہی عن بيع العربان
إعلاء السنن
اشترى منه أو تكارى منه: أعطيك دينارا أو درهما أو أكثر من ذلك أو أقل، على أنى
عن عمرو بن شعيب ولم يدركه، فيتمارا ولم يسم، وسماه ابن ماجة فقال: مالك عن عبد الله بن
عامر الأسلمى، وعبد الله لا يحتج بحديثه، وفى إسناد ابن ماجة هذا أيضًا حبيب كاتب الإمام
مالك، وهو ضعيف لا يحتج به، وقد قيل: إن الرجل الذى لم يسم هو ابن لهيعة، ذکر ذلك ابن
عدى وهو أيضًا ضعيف، ورواه الدارقطنى والخطيب عن عمرو بن الحارث، عن عمرو بن شعيب،
وفى إسنادهما الهيثم بن اليمان، وقد ضعفه الأزدى، وقال أبو حاتم: صدوق، ورواه البيهقى
موصولا من غير طريق مالك، وأخرج عبد الرزاق فى "مصنفه" عن زيد بن أسلم: ((أنه سئل رسول
الله عَّ عن العربان فى البيع فأحله))، وهو مرسل، وفى إسناده إبراهيم بن أبى يحيى وهو ضعيف.
قاعدة أصولية الحظر أرجح من الإباحة:
ثم قال: وحديث الباب يدل على تحريم البيع مع العربان، وبه قال الجمهور، وخالف فى
ذلك أحمد فأجازه، وروى نحوه عن عمر وابنه، ويدل على ذلك حديث زيد بن أسلم المتقدم،
وفيه المقال المذكور، والأولی ما ذهب إليه الجمهور، لأن حديث عمرو بن شعيب، قد ورد من
طريق يقوى بعضها بعضا، وأنه يتضمن الحظر، وهو أرجح من الإباحة كما تقرر فى الأصول،
والعلة فى النهى عنه اشتماله على شرطین فاسدين: أحدهما: شرط کون ما دفعه إلیه یکون مجانا
إن اختار ترك السلعة. والثانى: شرط الرد على البائع إذا لم يقع منه الرضا بالبيع اهـ.
والصحيح عندى أن يقال: إن من رواه عنه مالك كان ثقة عنده، كما صرح هو نفسه،
ولا تدری من کان ھو، وتعتمد على توثيق مالك فى هذا الباب، لأنه لو لم يرد فيه الحديث
بخصوصه كان الحكم هو فساد البيع أيضًا، لأنه ثبت عنه مرّ ◌ُّ أنه نهى عن بيع وشرط، وصح
أيضًا عنه أنه قال: لا يحل شرطان فى البيع، فكيف إذا ورد فيه الحديث أيضًا؟
التوثيق المبهم وفضيلة الإمام مالك:
قال العبد الضعيف: قد ذكرنا فى "المقدمة" اختلاف المحدثين فى التوثيق المبهم، فنفى
تدريب الراوى، إذا قال: "حدثنى الثقة" أو نحوه من غير أن يسميه لم يكتف به فى التعديل على
الصحيح، وقيل: يكتفى بذلك مطلقًا كما لو عينه، لأنه مأمون فى الحالتين معًا، وقيل: إن كان
العدل الذى روى عنه لا يروى إلا عن عدل كانت روايته تعديلا وإلا فلا، واختاره الأصوليون
كالآمدی وابن الحاجب وغيرهما (١١٣-١١٤).
ج - ١٤
النهى عن بيع العربان
١٧٥
أخذت السلعة أو ركبت ما تكاريت منك فالذى أعطيتك من ثمن السلعة أو من كراء
قلت: فالأولى أن يكون قوله: "حدثنى الثقة" تعديله، وقد علم الناس أن مالكا لا يحدث إلا
عن ثقة، فكيف وقد قال عن الثقة؟ وفى "إسعاف المبطأ": ذكر مالك شيئا فقيل له: من حدثك؟
قال: ما كنا نجالس السفهاء، قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبى وذكر هذا الحرف فقال: ما فى
الدنيا حرف أجل من هذا فى فضائل العلماء، أن مالك بن أنس ذكر أنه ما جالس سفيها قط،
ولم يسلم من هذا أحد غير مالك، وقال: أبو سعيد بن الأعرابى: كان يحيى بن معين يوثق الرجل
لرواية مالك عنه، سئل عن غير واحد، فقال: ثقة روى عنه مالك اهـ.
وفيه أيضاً فى "باب المبهمات": مالك عن الثقة عنده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن
جده، قال ابن عبد البر: قد تكلم الناس فى هذا المبهم، وأشبه ما قيل فيه: إنه ابن لهيعة، وقيل: عبد
الله بن عامر الأسلمى، فأما ابن لهيعة فهو الفقيه أبو عبد الرحمن قاضى مصر ومسندها، وثقه أحمد
وغيره، وضعفه يحيى القطان وغيره، وأما الأسلمى فهو أبو عامر المدنى القارئ، ضعفه أحمد
ويحيى وغير واحد اهـ، ملخصًا (٤٥). وقال البيهقى: ويقال: إن مالكا سمع هذا الحديث من ابن
لهيعة، عن عمرو بن شعيب، والحديث عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب مشهور. قال أبو أحمد
(ابن عدى الحافظ): أخبرناه محمد بن حفص، ثنا قتيبة، ثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب فذكره،
قال البيهقى: وقد روى هذا الحديث عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبى ذباب عن عمرو بن
شعيب، ثم أسنده من طريق عاصم بن عبد العزيز: ثنا الحارث فذكره، وقال: عاصم بن عبد العزيز
الأشجعی فيه نظر اهـ (٣٤٣:٥).
قلت: روى عنه على بن المدينى وإسحاق بن موسى الأنصارى، وإبراهيم بن المنذر وغيرهم،
قال إسحاق بن موسى: سألت عنه معن بن عيسى، فقال: ثقة أكتب عنه وأثنى عليه خيرا، كذا فى
"التهذيب" (٤٦:٥)، فهو متابع جيد لابن لهيعة، وقد مر غير مرة أنه حسن الحدیث، فإذا تابعه من
هو مثله كان أولى بأن يكون حجة، والله تعالى أعلم.
وقال الموفق فى "المغنى": العربون(١) فى البيع هو أن يشترى السلعة (أو يكارى الدابة أو
مركوبا سواها)، فيدفع إلى البائع (أو المالك) درهما أو غيره على أنه أخذ السلعة احتسب به من
الثمن، وإن لم يأخذها فذلك للبائع، يقال: عربون وأربون و عربان وأربان. قال أحمد: لا بأس به،
(١) يقال له فى الهندية بيعانه. ١٢ ظ
١٧٦
النهى عن بيع العربان
إعلاء السنن
الدابة، وإن تركت ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطيتك لك باطل بغير شىء
(زرقانى ٩٤:٣-٩٥).
وفعله عمر رضى الله عنه، وعن ابن عمر أنه أجازه، وقال ابن سيرين: لا بأس به، وقال سعيد بن
المسيب وابن سيرين: لا بأس إذا كره السلعة أن يردها ويرد معها شيئا. (قلنا: هذه إقالة وهى فسخ
صورة، وبيع جديد حقيقة فليس ممانحن فيه) وقال أحمد: هذا فى معناه (فيه نظر كما ذكرناه آنفا)
واختار أبو الخطاب (من الحنابلة)، أنه لا يصح، وهو قول مالك، والشافعى وأصحاب الرأى،
ويروى ذلك عن ابن عباس، والحسن، لأن النبى معَ ◌ِّ نهى عن بيع العربون رواه ابن ماجه، ولأنه
شرط للبائع شيئا بغير عوض، فلم يصح كما لو شرطه لأجنبى، ولأنه بمنزلة الخيار المجهول فإنه
اشتراط أن له در المبيع من غير ذكر مدة فلم يصح، كما لو قال: ولى الخيار متى شئت رددت
السلعة ومعها درهم، وهذا هو القياس، وإنما صار أحمد فيه إلى ما روى فيه عن نافع بن عبد
الحارث: "أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية فإن رضى عمر وإلا فله كذا وكذا".
قال الأثرم: قلت لأحمد: تذهب إليه، قال: أى شىء أقول هذا عمر رضى الله عنه؟ وضعف
الحديث المروى، روى هذه القصة الأثرم بإسناده، فأما إن دفع إليه قبل البيع درهما، وقال: لا تبع
هذه السلعة لغيرى، وإن لم أشترها منك فهذا الدرهم لك، ثم اشتراها منه ذلك بعقد مبتدئ
وحسب الدرهم من الثمن صح لأن البيع خلا عن الشرط المفسد، ويحتمل أن الشراء الذى لعمر
كان على هذا الوجه، فيحمل عليه جمعا بين فعله وبين الخبر، وموافقة القياس، والأئمة القائلين
بفساد العربون، وإن لم يشتر السلعة فى هذه الصورة لم يستحق البائع الدرهم، لأنه يأخذ بغير
عوض ولصاحبه الرجوع فيه، ولا يصح جعله عوضا عن انتظاره لأن الانتظار بالبيع، لا تجوز
المعارضة عنه اهـ، ملخصًا (٢٨٩:٤)، وبه تبين أن الراجح عند الحنابلة فساد العربون موافقة للأثر
الوارد فيه للقياس، وللأئمة القائلين بفساده.
وأثر نافع بن عبد الحارث ذكره البيهقى فى "سننه" من طريق بن عيينة، عن عمرو بن دينار،
عن عبد الرحمن بن فروخ مولى نافع بن عبد الحارث، قال: "اشترى نافع بن عبد الحارث من
صفوان بن أمية دار صفوان بأربع مائة دار السجن لعمر بن الخطاب إن رضيها، وإن كرهها أعطى
نافع صفوان أربع مائة"، قال ابن عيينة: فهو سجن الناس اليوم بمكة (٣٤:٦)، قلت: وليس هذا من
العربون في شىء، فإن العربون لا تكون بكل الثمن بل ببعضه، وههنا ليس كذلك بل نافع اشتراها
لعمر بثمن معلوم أولا إن رضيها، ولنفسه بهذا الثمن ثانيا إن كرهها، وهذا مما لا خلاف فى جوازه
لوقوع البيع باتا على كل حال، وغاية ما فيه أن نافعا أظهر كونه مشتريا لبيت المال أولا بشرط رضا
ج - ١٤
١٧٧
باب بيع العينة
٤٦٧٣- قال أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن عطائ
ابن أبى رباح عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله عّ لّه يقول: ((إذا ضمن الناس
بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقرة، وتركوا الجهاد فى سبيل الله،
أنزل الله بهم ذلا فلا يرفعه حتي يراجعوا دينهم)). أخرجه ابن القيم فى "أعلام الموقعين"،
وقال: رواه أبو داود بإسناد صحيح إلى حيوة بن شريح المصرى، عن إسحاق بن عبد
أمير المؤمنين به، ومشتريا لنفسه ثانيا إن لم يرض به، وهذا مما لا غرر فيه ولا جهالة، ولا شرط،
فافهم.
تحقيق اشتراء نافع دار السجن من صفوان:
وأما ما رواه ابن حزم بلا سند أن نافع بن الحارث اشترى دار السجن من صفوان بن أمية
بأربعة آلاف، فإن لم يرض عمر فلصفوان أربعمائة اهـ (١٧١:٨)، وظاهره أن أربعمائة كانت
عربونا حقيقة أنها إنما تكون عربونا لو كان معناه أن لصفوان أربعمائة مع داره، وإن كان معناه إن
رضى بها عمر للسجن فالثمن أربعة آلاف، وإن لم يرض بها، فثمنها أربعمائة والدار لنافع،
فلا عربون، كما لا يخفى، على أن البخارى علقه بلفظ: إن رضى عمر، فالبيع بيعه، وإن لم يرض
عمر فلصفوان أربعمائة دينار اهـ (٥٤:٥ مع الفتح)، وأربعمائة دينار هى أربعة آلاف درهم سواء،
ووجهه ابن المنير بأن العهدة فى ثمن المبيع على المشترى، وإن ذكر أنه يشترى لغيره، لأنه المباشر
للعقد اهـ، فأربعمائة دينار هى الثمن الذى اشترى به نافع، ولم تكن عربونا، فإن العربون لا تكون
بکل الثمن، بل بجزء منه قلیل، كما لا يخفى.
فَالحق ما قاله ابن المنير: وما أورد عليه الحافظ فى الفتح (٥٥:٥)، ليس بوارد، وتأويله: "بأنه
يحتمل أن يكون جعلها أى أربعمائة دينار فى مقابلة انتفاعه بتلك الدار إلى أن يعود الجواب من
عمر اهـ"، وإن كان يخرج العقد من العربون، ولكنه بعيد جدا، فإن مدة عود الجواب من عمر
لا تكون أزيد من عشرة أيام، فيبعد أن يجعل أربعمائة دينار فى مقابلة الانتفاع بمثل هذه المدة القليلة
كما لا يخفى، فالحق أن نافعا كان وكيلا لعمر، وللوكيل أن يأخذ المبيع لنفسه إذا رده الموكل
بالعيب ونحوه، قال المهلب: اشتراها نافع بن صفوان للسجن، وشرط عليه إن رضى عمر بالابتياع
فهى لعمر، وإن لم يرض خلى بالثمن المذكور، فالدار لنافع بأربعمائة، وهذا بيع جائز، كذا فى
حاشية "البخارى" عن الكرمانى (٣٢٧:١)، وهذا يؤيد قول ابن المنير، ويرد تأويل الحافظ، فافهم.
١٧٨
بيع العينة
إعلاء السنن
الرحمن الخراسانى أن عطاء الخراسانى حدثه أن نافعا حدثه عن ابن عمر. قال شيخنا:
وهذان إسنادان حسنان: أحدهما: يشد الآخر ويقويه، فأما رجال الأول فأئمة مشاهبر،
لكن يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء: أو إن عطاء لم يسمعه من ابن عمر.
قلت: فى هذه الأحاديث دلالة على كراهة العينة، ولكن لم يقع تفسيرها فى الحديث، وقد
فسر فى أثر ابن عباس بأن يبيع الرجل حريرة بمائة، ثم يشتريها بخمسين، وهذا غير جائز عندنا إن
كان البيع الثانى قبل نقد الثمن، لأنه شراء بأقل مما باع قبل نقد الثمن، فإن كان بعد نقد الثمن، فإن
كان البيع الأول مشروطا بالبيع الثانى فهو غير جائز أيضًا لعدم جواز البيعتين فى بيعة، وإن لم يكن
مشروطا فهو مكروه، لأنه بيع مضطر، لأن المشترى لا حاجة له فى الحريرة، وإنما حاجته فى
الدراهم، والبائع لا يرضى بالأقراض، وإنما يرضى بالبيع كذلك، فهو مضطر إلى الشراء فيكون
مكروها، والوجه فيه أن فيه بخلا مذمومًا وتركا للمبرة والإحسان الذين هما من مكارم الأخلاق،
وقد روى عن أنس أنه سئل عن العينة، فقال: ((إن الله لا يخدع هذا مما حرم الله ورسوله))، رواه
. الحافظ محمد بن عبد الله المعروف بمطين فى " كتاب البيوع" له.
وروى أيضًا عن ابن عباس أنه قال: "اتقوا هذه العينة لا تبع درهم بدراهم بينهما حريرة"،
وفى رواية أن رجلا باع من رجل حريرة بمائة، ثم اشتراها بخمسين، فسأل ابن عباس عن ذلك،
فقال: "دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينهما حريرة"، وسئل ابن عباس عن العينة بمعنى بيع
الحريرة، فقال: ((إن الله لا يخدع هذا مما حرم الله ورسوله))، وروى ابن بطة بإسناده إلى الأوزاعى
قال: قال رسول الله عَ ليه: ((يأتى على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع يعنى العينة))، أخرجها ابن
القيم فى "الموقعين"، ومحمل هذه الأخبار أن يكون الشراء بأقل مما باع قبل نقد الثمن، أو يكون
البيع الثانى شرطا للبيع الأول، وتسميته خداعًا لأن فيه تحولا من الربا الظاهر إلى الربا الخفى،
فلا دلالة فى هذه الأحاديث والأخبار على حرمة الحيل على الإطلاق، كما فهمه ابن القيم وغيره،
لأن حرمة العينة ليس لأجل أنها حيلة، بل لأنها مشتملة على الربا.
الرد على بعض الأحباب فى رده على ابن القيم:
قال العبد الضعيف: إن العدل والإنصاف أولى بأهل العلم من التحكم والاعتساف،
ولا يخفى اشتمال العينة على الحيلة كما قاله ابن القيم، ومثل هذه الحيلة لم يقل بجوازها أحد من
العلماء، فإنها حيلة لأخذ الربا، وإنما يجوز الحيلة عندنا للتفصى عن الربا، ونحوه ن المنهيات،
_ شتان بينهما كما سيأتى، فإنه من المعلوم أن العينة لا يستعملها إلا من لا يريد الإقراض بدون الربا،
ج - ١٤
بيع العينة
١٧٩
والإسناد الثانى: يبين أن للحديث أصلا محفوظا عن ابن عمر، فإن عطاء ﴾
الخراسانى ثقة مشهور، وحيوة بن شريح كذلك وأفضل، وأما إسحاق بن عبد الرحمن
فشیخ روی عنه أئمة المصریین، مثل حیوة بن شریح، واللیث بن سعد، ویحیی بن أيوب
وغیرهم، قال: فقد روینا من طریق ثالث من طريق السری بن سهل الجندساپوری پإسناد
مشهور إليه: ثنا عبد الله بن رشيد، ثنا عبد الرحمن، عن ليث، عن عطاء، عن ابن عمر،
قال: لقد أتى علينا زمان ومنا رجل يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ولقد
سمعت رسول الله عّ لّه يقول: ((إذا ضمن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة،
وتركوا الجهاد، واتبعوا أذناب البقر، أدخل الله عليهم ذلا لا ينزعه عنهم حتى يتولوا
ويراجعوا دينهم))، وهذا يبين أن للحديث أصلا عن عطاء.
وهى عند من يستعملها إنما يسميها بيعا، وقد اتفقا على حقيقة الربا الصريح قبل العقد، ثم غيرا
اسمها إلى المعاملة وصورتها إلى التبايع الذى لا قصد لهما فيه البتة، وإنما هو حيلة ومكر وخديعة
الله تعالى، فمن أسهل الحيل على من أراد فعله أن يعطيه مثلا ألفا إلا درهما باسم القرض، ويبيعه
خرقة تساوى درهمًا بخمسمائة درهم، فهذا إنما نوى بالإقراض تحصيل الربح الزائد الذى أظهر أنه
ثمن الثوب، وهو فى الحقيقة أعطاه ألفا حالة بألف وخمسمائة مؤجلة، وجعل صورة القرض
وصورة البيع محللا لهذا المحرم، ولذلك سماها أنس وابن عباس خديعة، وقالا: "إن الله
لا يخدع"، وفيه تصريح باشتمال العينة على الخداع والحيلة، فلا يصح القول بأن حرمة العينة ليس
لأجل أنها حيلة، بل الصحيح أن حرمتها لأجل كونها حيلة لأخذ الربا، لا للتفصى عنه، والمباح
من الحيل إنما هى الثانية دون الأولى، فافهم.
الفرق بين الحيلة المباحة والحيلة المحرمة:
ونوضح لك الفرق بين الحيلتين بمثال، وهو أن يوكل المسلم الذمى ببيع الخمر، وله صورتان:
الأولى: أن يكون المسلم قد ورث الخمر من قريبه الكافر، أو كان له عصير، قد انقلب خمرا من
غير صنعه، فوكل ذميا ببيعها. والثانية: أن يشترى المسلم الكرم والعنب للتجارة فى الخمر، ويوكل
ذميا ببيعها تحرزا عن التهمة، وتخلصًا عن رمى الناس إياه ببيع الخمر، فكلاهما قد جعل توكيل
الذمى حيلة، ولكن الأول جعله حيلة للتفصى عن بيع الخمر، والآخر للتجارة فى الخمر، فلا لوم .
على الأول، ولكن الثانی آئم.
١٨٠
إعلاء السنن
باب النهى عن بيعتين فى بيعة
٤٦٧٤- عن "أبى هريرة" قال: ((نهى النبى عّ لّه عن بيعتين فى بيعة))، رواه أحمد
والنسائی و الترمذى، وصححه.
والحنفية إنما قالوا بجواز النوع الأول من الحيل دون الثانى، بدلائل من الأحاديث والآثار
التى سيأتى ذكرها فى باب الحيل، إن شاء الله تعالى، ولكن ابن القيم، ومن وافقه من المحدثين
لم يتنبهوا لهذا الفرق، فوقعوا فيما وقعوا، وشنعوا على الحنفية وطعنوا فأفظعوا، وحاشا أبا حنيفة
وأصحابه أن يبيحوا للناس التسبب إلى الحرام، وإنما أباحوا لهم التسبب إلى الحلال بالتخلص عن
الحرام، ولهم حجة فى ذلك من الكتاب، ومن حديث سيد الأنام، عليه وعلى آله وأصحابه أفضل
الصلاة وأزكى سلام.
وحديث العينة أخرجه أيضًا الطبرانى وابن القطان وصححه، قال الحافظ فى "بلوغ المرام":
ورجاله ثقات، وقال فى "التلخيص" وعندى أن إسناد الحديث الذى صححه ابن القطان معلول،
لأنه لا يلزم من کون رجاله ثقات أن یکون صحیحا، لأن الأعمش مدلس، ولم یذ کر سماعه من
عطاء، وعطاء يحتمل أن يكون هو عطاء الخراسانى، فيكون فيه تدليس التسوية بإسقاط نافع بين
عطاء وابن عمر (٦٩:٥ نيل).
الرد على الحافظ فى تعليله الحديث الصحيح بمجرد الاحتمال:
قلت: لا یصح تعلیل الصحیح بمجرد الاحتمال الناشئ من غیر دلیل، وقد تقدم من طريق
عبد الرحمن (هو ابن مهدى) أن ليثا رواه عن عطاء عن ابن عمر أيضًا، وليث أقعد الناس بابن أبی
رباح، فتبين به أن للحديث أصلا عن عطاء، فالحق أن الحديث الذى صححه ابن القطان غير
معلوم، وقد حسن ابن تيمية الحديث من طريق عطاء الخراسانى أيضًا كما مر، وسليمان بن مهران
الأعمش ذكره الحافظ فى طبقات المدلسين فى الدرجة الثانية عنهم، وهم من احتمل الأئمة
تدليسه، وأخرجوا له فى الصحيح لإمامته وقلة تدليسه، ويعضده حديث عائشة المقدم فى "باب
النهى عن شراء ما باع بأقل مما باع"، وقد ذهب إلى عدم جواز بيع العينة مالك وأبو حنيفة
وأحمد، وجوز ذلك الشافعى وأصحابه، كذا فى "عون المعبود" عن "النيل" (٢٩١:٣).
باب النهی عن بیعتین فی بيعة
قوله: "نهى عن بيعتين فى بيعة"، أقول: اختلفوا فى تفسيره، فقال سماك: هو الرجل يبيع
البيع فيقول: هو بنسأ بكذا وبنقد بكذا، ونقل ابن الرفعة عن القاضى: أن المسألة مفروضة أنه قبل