Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
· البيع بشرط البراءة من كل عيب
إعلاء السنن
٤٦٣٦- قال محمد: بلغنا عن زيد بن ثابت أنه قال: "من باع غلاما بالبراءة فهو
برىء من كل عيب"، وكذلك باع عبد الله بن عمر بالبراءة ورآها جائزة، فيقول زيد بن
للسخاوى (١٨٢)، وأصله للحافظ فى "الفتح" (٣٧١:٤). قال الحافظ: "وكثير بن عبد الله
ضعيف عند الأكثر، لكن البخارى ومن تبعه كالترمذى وابن خزيمة يقوون أمره اهـ ١٢).
قال ابن حزم: "وأنه لو صح لم يكن لهم فيه حجة، لأن شروط المسلمين ليست إلا الشروط
التى نص الله على إباحتها ورسوله مرّ عليه"، (قلت: فلم يكن لقوله: (المسلمون عند شروطهم)) وليس
لهم شروط معنى) قال: قال رسول الله عَّ ◌ُلّهِ: ((كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل)) (قلت:
معناه كل شرط نهى عنه كتاب الله أو سنة رسوله، وأما ما سكت عنه كتاب الله وسنة رسوله، فهو
جائز، ولا شك أن شرط البراءة من كل عيب، إنما هو من الثانى دون الأول، بدليل قول ابن عمر
وزيد بن ثابت بجوازه، ولم يكونا ليقولا بجواز ما نهى الله عنه ورسوله مرّ له، بل هو مما نص
رسول الله عَّه على إباحته، بدليل ما ذكرنا من الآثار فى جواز البراءة عن الحقوق المجهولة،
فتذکر).
قال: "وأما الرواية عن بعض الصحابة فقد اختلفوا، ولا حجة فى قول بعضهم دون بعض"،
(قلت: كلا! بل كلهم على هدى، فبأيهم اقتدى المسلم اهتدى، ولا خير فى من شذ عنهم، فإنهم
أعرف الناس بكتاب الله وبرسوله، وأعلمهم بمعانى السنة ومقاصد الشرع).
قال: وأما قولهم: لا فرق بين تفصيل العيوب وبين إجمالها، فكذبوا، بل بينهما أعظم
الفرق، (قلت: لم يكذبوا قط، ولم يكن ذلك* خليقة لهم، فقد عرفناك أن رسول الله عّ لّه أجاز
البراءة عن الحقوق المجهولة، ولا تكون إلا إجمالا، وقد تعامل بها المسلمون قديما وحديثا عند
المعاقدات، وعند الموت)، قال: لأنه إذا سمى العيب ووقف عليه فقد صدق وبرئ منه، وإذا أجمل
العيوب فقد كذب بيقين، لأن العيوب تتضاد، (قلت: ليس ذلك من الكذب فى شىء، وإنما
الكذب أن تقول لمعيب: إنه ليس بمعيب، وأما إذا قلت: بعتك هذا الشىء، وهو بين يديك كما
ترى، وأنا برىء من كل عيب هو فيه، فإن رضيت به فخذه وإلا فاتر که، فليس ذلك بكذب لا لغةً
ولا شرعًا، ومن ادعى فليأت ببرهان).
قال: "فلنذكر الآن البرهان على صحة قولنا بحول الله تعالى وقوته، وهو أن من باع بشرط
أن لا يقام عليه بعيب، إن وجد فهو بيع فاسد باطل، لأنه انعقد على شرط ليس فى كتاب الله
تعالی، فهو باطل". (قلت: قد عرفناك أنه شرط سكت عنه الله ورسوله، ومثله لا يكون باطلا،

١٠٢
ج - ١٤
البيع بشرط البراءة من كل عيب
ثابت وعبد الله بن عمر نأخذ (ص ٣٣٥)، قلت: سند صحيح موصول.
بل جائزا، وليس مما نهى الله ورسوله، بل هو مما نص ورسول الله مرّ له على إباحته، فتذكر)، قال:
"ولأنه غش والغش محرم" (قلت: إنما الغش أن يقول لمعيب: إنه سالم من كل عيب، وأما إن قال:
هذا بين يديك، كما ترى، وأنا برىء من كل عيب، هو فيه فليس من الغش فى شىء، وشتان بين
القولین، ومن ادعى خلافه فعليه البيان). ١٢ ظ
قال: ومن باع بالبراءة من العيوب، فلا يخلو من أن يكون أراد بذلك أن لا يقام عليه بعيب،
إن وجد، وأنه برىء منه، (قلت: هذا هو المتعين فلا وجه لتشقيق الوجوه فيه)، فقد ذكرنا أن البيع
هكذا باطل، (قلت: وقد ذكرنا بطلان دعواك هذه، وأنها من بناء الفاسد على الفاسد)، أو يكون
أراد فيه كل عيب، فهذا باطل يقينا، لأن الحمى عيب، وهى من حر، والفالج عيب وهو من برد،
وهما متضادان، وكل بيع انعقد على الكذب والباطل فهو باطل، (قلت: عجبًا لتدقيق هذا الظاهرى
الذى لا يعرف إلا الظاهر، كيف يعمل بالتدقيق والتشقيق فى الرد على خصمه؟ ولو رد عليه
خصمه بمثل هذا الكلام لتخلص منه بقوله: إن هذا قياس، والقياس كله باطل، وبعد ذلك فنقول:
ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم فى واحد
فمن أنبأك أن الحر والبرد لا يجتمعان؟ والإنسان مركب من عناصر مختلفة متضادة، سلمنا
ولكن التضاد إنما يكون فى التفصيل دون الإجمال، فهل قولك يا رب أنت برىء من كل عيب،
وأنا عندى كل عيب، كذب وباطل؟ أو كلام متضاد؟ كلا! لن يقول بذلك أحد له مسكة عقل،
وأيضًا فمن أخبرك بأن الكذب فى البيع يبطله أو يفسده، وقد قال النبى معَّ له: (يا معشر التجار إن
الشيطان والإثم يحضران البيع، فشوبوا بيعكم بالصدقة)). قال الترمذى: "حديث حسن صحيح"،
كما تقدم، وعن قيس بن أبى غرزة قال: قال رسول الله عَّ له: ((يا معشر التجار! إنه يشهد بيعكم
الحلف واللغو، شوبوه بالصدقة))، أخرجه ابن حزم نفسه فى "المحلى" (٨٢:٩)، فهل ترى أن البيع
الذى بطل بالإثم والكذب ينقلب صحيحا بالصدقة، كلا! بل الكذب والكتمان يمحق البركة،
والصدقة ترتيبها، كما ورد فى "الصحيح" عن حكيم بن حزام: أن رسول الله معدّ لة. قال:
((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما فى بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة
بيعهما»، قال: فهو باطل، لأنه انعقد على أنه لا صحة له، فلا صحة له (٤٤:٩)، قلت: هذا كلام
يشبه هذر الفلسفى، ليس من كلام العلماء فى شىء، وكل ما هذا شأنه لا يحتاج إلى جواب،

١٠٣
إعلاء السنن
باب عهدة الرقيق
٤٦٣٧- حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا أبان، عن قتادة، عن الحسن، عن عقبة بن
عامر: أن رسول الله عَ لّه قال: ((عهدة الرقيق ثلاثة أيام)).
ولا صاحبه إلى خطاب، والله تعالى أعلم بالحق والصواب.
وقال محمد فى "الحجج" له: بلغنا عن ابن عمر أنه باع بالبراءة، ولو لم يعلم ابن عمر ذلك
جائزا ما باع بالبراءة، فإن قالوا: إن ابن عمر إنما باع بالبراءة؛ لأنه لم يعلم عيبا، قيل لهم: فلم أبى
حین استحلفه عثمان؟ ولو لم يعلم فيما يرى حلف، فإن قالوا: بئس ما وصفتم به عبد الله بن
عمر رضى الله عنهما حين تزعمون أنه علم عيبا فلم يبينه، قيل لهم: إن ابن عمر رأى أن إبراء
المشترى إياه من العيوب يأتى على ذلك كله، ورأى ذلك واسعا فيما يرى حين إبرائه المشترى من
كل عيب، فإن قالوا: إن عثمان بن عفان قد رأى ما قلنا، قلنا: أجل! قد رأى ما قلتم، ورأى عبد الله
ما قلنا، فمن أخذ بقول عبد الله فلم يسيء، فهو إمام من أئمة المسلمين، مع ما بلغنا فى ذلك عن زيد
ابن ثابت اهـ (٢٠٢). قلت: فهكذا يكون كلام العلماء ومحاورتهم فيما بينهم، لا کما یتکلم ابن
حزم بالإقذاع والسب والشتم، فإلى الله المشتكى. ١٢ ظ
باب عهدة الرقيق
قلت: قالوا: لم يسمع الحسن عن عقبة شيئا، فالحديث مرسل، ومع ذلك اضطرب فيه
الرواة، لأنه روى قتادة عن الحسن، عن عقبة، عن النبى مَّ له، أنه قال: ((عهدة الرقيق ثلاثة أيام)
وروى يونس عن الحسن، عن عقبة، عن النبى معٍَّ، أنه قال: ((لا عهدة بعد أربع)).
.والحديث الأول دال على أنه لا عهدة فى اليوم الرابع، والحديث الثانى يدل على أن العهدة
ثابتة فى اليوم الرابع، فحصل الاضطراب فى اليوم الرابع، فإن قيل: الاضطراب فى اليوم الرابع، أما
فى الثلث فاتفاق، فينبغى القول به. قلنا: نعم! ولكن الحديث محتمل الوجوه، ولا دلالة له على
وجه معين، فينبغى تأويله على وجه لا يعارض الأصول المعلومة من الشرع، فنقول: إذا ادعى
المشتری العیب فى المبيع، فإن أقربه البائع أنه کان ذلك العیب عنده یرد علیه، سواء ادعى ذلك بعد
ثلاثة أيام أو قبلها، لا فرق فيه بين الثلاثة والأربعة وغير ذلك، وإن أنكره فإن أقام المدعى البينة تقبل
بينته، ويرد عليه، ولا فرق فيه بين الثلاثة والأربعة وغير ذلك، وإن لم يقم البينة يحلف البائع، فإن
حلف لا يرد عليه، ولا فرق فيه أيضًا بين الثلاثة والأربعة، وغير ذلك، وإن نکل یرد النكول،
ولا فرق فيه أيضاً بين الثلاثة والأربعة، وغير ذلك، هذا هو حكم القضاء، ولكن النبى معَّ له قال: إذا

١٠٤
ج - ١٤
عهدة الرقيق
٤٦٣٨- حدثنا: هارون بن عبد الله، حدثنى عبد الصمد، نا همام، عن قتادة
بإسناده ومعناه، وزاد: "إن وجد داء فى ثلاث ليال رد بغير بينة، وإن وجد داء بعد
الثلاث كلف البينة أنه اشتراه وبه هذا الداء". قال أبو داود: "وهذا التفسير من كلام
قتادة" (أبو داود مع بذل المجهود ٢٨٨:٤).
ادعی المشتری العیب إلی ثلاثة أيام، فینبغی للبائع أن يسترده تفضلا، وإن لم یکن واجبا علیه بدون
البينة، وإن جاء بعد ثلاثة أيام فلا عليه أن يكفله البينة، لأن فى الاسترداد مطلقا بدون البينة إضرار
بالبائع، هذا هو محمل الحديث عندنا، فلا يلزمنا مخالفه الحديث، كما ألزمنا ابن أبى شيبة فى
"مصنفه"، نعم! يلزم من ألزم العهدة بدون البينة مخالفة قوله: ((البينة على المدعى، واليمين على من
أنكر))، ولا يقبل دعوى التخصيص؛ لأن التخصيص بالمحتمل غير معقول، فاعرف ذلك، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: وقال محمد فى "الحجج" له: "قال أهل المدينة: ما أصاب العبد أو الأمة
عند المشترى فى الأيام الثلاثة (لا يمنعه من الرد)، فإذا مضت الثلاثة لم يرده من شىء أصابه بعد
الثلاثة إلا من ثلاث خصال: الجنون، والجذام، والبرص، فإذا أصابه شىء من هذه الثلاث الخصال
فى السنة من حين يشترى رده بذلك، فإذا مضت السنة فقد برئ البائع من العهدة كلها، ولا عهدة
عندنا إلا فى الرقيق، قال محمد: أريتم قولكم فى عهدة الثلاثة وعهدة السنة، فمن فسره لكم على
ما وصفتم؟ فقال: ما أصاب العبد أو الأمة بعد الثلاث بعد قبض المشترى إياه فهو من مال البائع،
فإذا مضت الثلاثة (فهو من مال المشترى) وكان روى (عطف على "فسره" يعنى من فسره ومن
كان روى ١٢ ظ) فى هذا حديثا مفسرا عن النبى معَّه ولا عن أحد من أصحابه، ولو كان عندكم
فى ذلك حديث مفسر عن النبى ◌ٍّ أو عن أحد من أصحابه لاحتججتم به، وإنما هذا رأى منكم
اصطلحتم عليه، وليس يقبل هذا منكم على ما ذكرتم إلا بالحجة والبرهان، وكيف فرقتم بين الرقيق
فى هذا وبين الدواب؟ وهى حيوان بحدث فيها شىء كما يحدث فى الإنسان، ويكره فيها الأدواء
ولا يعرف فيظهر عند المشترى كما يظهر فى الرقيق، فمن أين افتراق هذا؟ أرأيتم لو قال أهل
البصرة: فإنا نجعل العهدة فى الدواب فى الثلاث، والسنة كما قال أهل المدينة، ونبطلها فى الرقيق،
فبأى حجة كنا نرد عليهم؟ ليس بين هذه الأشياء فرق، لا يقدر المشترى بعد القبض على رد شىء
مما اشترى إلا بعيب يعلم أنه كان عند البائع، وكيف ادعى أهل المدينة أن الجنون، والبرص،
والجذام، لا يحدث عند المشترى فى السنة التى وقتوا؟ وقد يكون العبد والأمة صحيحين،
ثم يحدث ذلك بهما فى اليوم، أو فى الشهر، أو فى السنة، والجنون قد يحدث فى الساعة

١٠٥
عهدة الرقيق
إعلاء السنن
٤٦٣٩- وقال ابن أبى شيبة: حدثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن، قال: قال
النبى معَّ: ((لا عهدة فوق أربع))، (كتاب الرد على أبى حنيفة لابن أبى شيبة).
٤٦٤٠- وقال أحمد: حدثنا هشيم، أخبرنى يونس، عن الحسن، عن عقبة بن
عامر الجهنى، قال: قال رسول الله عَّ له: ((لا عهدة بعد أربع)) (مسند أحمد ١٤٣:٤).
الواحدة، ما أعلمهم ردوا ذلك على البائع بيقين علموه، ولا ظن ظنوه اهـ ملخصا (٢٠٢).
ورده ابن حزم فى "المحلى" أيضًا بمثل ما رده به محمد، فقال: "وقول القائل: عهدة الرقيق
ثلاث، كلام لا يفهم، ولا تدرى العهدة ما هى فى لغة العرب، وما فهم قط أحد من قول قائل:
عهدة الرقيق ثلاث، أن معناه ما أصاب الرقيق المبيع فى ثلاثة أيام فمن مصيبة البائع، لا يعقل أحد
هذا الحكم من هذا اللفظ، فصح يقينًا أن رسول الله مَّه لم يقله قط، ثم قال: ولا يفرح الحنفیون.
بهذا الاعتراض، فإنه إنما يسوغ ويصح على أصولنا لا على أصولهم، لأن الحنفيين قد رزقهم الله
تعالى عقولا كهنوا بها ما معنى الكذب المضاف إلى رسول الله عّ لّ أنه نهى عن البتيراء حتى
فهموا أن البتيراء هى أن يوتر المرء بر کعة واحدة لا بثلاث، على أن هذا لا یفهمه إنسی ولا جنی
من لفظه البتيراء، ولم يبالوا بالتزيد من الكذب على رسول الله عّ لّه فى الإخبار عنه بما لم يخبر به
عن نفسه، فما المانع لهم من أن يكهنوا أيضًا ههنا معنى العهدة، فما بين الأمرين فرق" (٣٨١:٨).
الرد على ابن حزم فى معنى البتیراء:
قلت: عفا الله عنك! إن القوم برئ من الكهانة والكذب، ليس ذلك لهم بخليقة، وإنما فقهوا
فى دين الله، وأمعنوا فى النظر فى آثار النبى معَّه وأصحابه، فأدركوا ما قد عجزت عن إدراكه،
وأنهم لم يفسروا البتيراء بما فسروه به إلا ولهم على ذلك دليل يشفى الغليل، فقد أخرج ابن عبد
البر فى "التمهيد": حدثنا عثمان بن عبد الله بن محمد بن يوسف، ثنا أحمد بن محمد بن
إسماعيل، ثنا أبى، ثنا الحسن بن سليمان قسط، ثنا عثمان بن محمد ربيعة بن أبى عبد الرحمن، ثنا
عبد العزيز بن محمد الدراوردى، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبى سعيد الخدرى رضى الله
عنه: ((أن رسول الله عَّه نهى عن البتيراء أن يصلى الرجل واحدة يوتر بها))، وقد ذكرنا فى "الجزء
السادس" من الكتاب أن إسناده حسن، ليس فيه من تكلم فيه غير عثمان وحده، وباقى الإسناد
ثقات، ولم يتكلم فى عثمان أحد بشىء فيما علمنا غير العقيلى، فقال: "الغالب على حديثه
الوهم"، وكلامه خفيف، وقد أخرج له الحاكم فى المستدرك، كذا فى "الجوهر النقى" (٢١٠:١)،

١٠٦
ج - ١٤
باب رد الجارية المعيبة بعد الوطئ
٤٦٤١- قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن الهيثم، عن ابن سيرين، عن على بن
أبى طالب، فى الرجل يشترى الجارية فيطأها ثم يجد بها عيبا، قال: "لا يستطيع ردها،
ولكنه يرجع بنقصان العيب". قال محمد: "وبهذا نأخذ، وكذلك إن لم يطأها وحدث
ہہا عیب عنده، ثم وجد بها عیبا دلسه له البائع، فإنه لا يستطيع ردها، ولكنه يرجع
بحصة العیب الأول من الثمن، إلا أن يشاء البائع أن يأخذها بالعیب الذى حدث عند
فهل تراهم قد كهنوا أم اطلعوا من قول رسول الله عّالة على ما لم يطلع عليه أنت وأمثالك؟ كفاك
أم أزيدك؟ فقد أخرج الطحاوى فى "معانى الآثار» : حدثنا سليمان بن شعيب، ثنا بشر بن بكر،
ثنا الأوزاعى، ثنى المطلب بن عبد الله المخزومى: ((أن رجلا سأل ابن عمر عن الوتر، فأمره أن يفصل،
فقال الرجل: إنى أخاف أن يقول الناس هى البتيراء" (١٦٥:١)، وهذا يشعر بأن معنى البتيراء كان
معروفًا عندهم، أن يوتر الرجل بواحدة لا بثلاث، وفى رواية للبيهقى: فقلت: "يا أبا عبد الرحمن!
إن الناس يقولون: إن تلك البتيراء".
فإن قيل: إن ابن عمر لم يرض بهذا المعنى، وقال: يا بنى ليس تلك البتيراء، إنما البتيراء أن
يصلى الرجل ركعة فلا يتم لها ركوعًا ولا سجودا ولا قيامًا، قلنا: تأويل ابن عمر ليس بأولى من
التفسير الذى رواه أبو سعيد رضى الله عنه مرفوعًا: وعرفه الناس قاطبة، وقد صح عن ابن مسعود
أنه أنكر على سعد بن أبى وقاص -وهو أجل من ابن عمر- إيتاره بركعة، فقال: ((ما أجزأت ركعة
قط"، ومن أراد البسط فى الباب، فليراجع الجزء السادس من الكتاب.
وقال الطحاوى: ثم العهدة مأخوذة من العهد، وهى الأشياء المتقدم فيها المطلوب ممن تقدم
إليه فيها الوفاء بها، منه قوله تعالى: ﴿وعهدنا إلى آدم﴾، وقوله: ((أ لم أعهد إلیکم یا بنى آدم﴾،
وقوله: ﴿وكان عهد الله مسؤولا﴾. فالأولى بما روينا الحمل على العقد المشروط فى البياعات من
الخيارات المشترطات فيها، فتكون مدته ثلاثة أيام لا فوقها، كما يقول أبو حنيفة وزفر والشافعى.
وأما قول أهل المدينة: "بأن العهدة موت المبيع وما ظهر فى بدنه فى ثلاثة أيام أو فى سنة،
فقد كان عطاء وطاوس ينكران ذلك، ولا يريانه شيئا اهـ" من "المعتصر من المختصر" (٢٣٠).
باب رد الجارية المعيبة بعد الوطئ
قوله: "محمد أخبرنا أبو حنيفة إلخ"، قال العبد الضعيف: رواه البيهقى فى "سنته" من
طريق يحيى بن سعيد، ثنا جعفر بن محمد، ثنى أبى، عن على بن حسين، عن على، فى رجل

١٠٧
رد الجارية المعيبة بعد الوطئ
إعلاء السنن
المشترى، ولا يأخذ للعيب أرشا، ولا للوطئ عقرا، فإن شاء ذلك أخذها وأعطى الثمن
كله، وهذا كله قول أبى حنيفة (كتاب الآثار)، وفى الجوهر النقى (١٣:٢): قد جاء عن
على بسند جيد روى أبو حنيفة فى مسنده عن الهيثم هو ابن حبيب الصير فى عن
الشعبى عن على فذكره وقال: والهيثم ذكره ابن حبان فى الثقات من أتباع التابعين اهـ.
اشترى جاريةً فوطئها فوجد بها عيبا، قال: "لزمته ويرد البائع ما بين الصحة والداء، وإن لم يكن
وطؤها ردها"، وكذلك رواه سفيان الثوری، وحفص بن غياث، عن جعفر بن محمد، وهو مرسل
على بن الحسين لم يدرك عليا، (قلت: ولكنه من أفاضل أهل البيت وأعيانهم، وصاحب البيت
أدرى بما فيه، فإرساله عن على أولى من إسناد غيره عنه). قال: "وقد روى عن مسلم بن خالد، عن
جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن حسين بن على، عن على، وليس بمحفوظ اهـ". قلت:
مسلم بن خالد الزنجى مختلف فيه وقد وثق، وقد زاد الوصل، والزيادة من الثقة مقبولة، ولو سلمنا
ضعفه، فالمرسل إذا ورد موصولا ولو من وجه ضعیف کان حجة عند الکل، كما مر فى
"المقدمة"، لا سيما وقد رواه أبو حنيفة، عن الهيثم، عن ابن سيرين، وعن الهيثم عن الشعبى،
كلاهما عن على، وإسناده جيد، كما قاله ابن التر كمانى، فهو حجة قطعًا.
ثم أخرجه البيهقى من طريق ابن أبى شيبة: ثنا شريك، عن جابر، عن عامر (هو الشعبى)
عن عمر قال: "إن كانت ثيبارد معها نصف العشر، وإن كانت بكرا رد العشر" قال على -هو ابن
عمر الحافظ- هذا مرسل عامر لم يدرك عمر اهـ". قلت: نعم، ولكن إرساله كإرسال ابن المسيب،
لا يكاد يرسل إلا صحيحا، قاله العجلى وغيره كما ذكرنا فى "المقدمة" وفى الكتاب غير مرة،
نعم! فيه جابر الجعفى كذبه أبو حنيفة وغيره، ووثقه شعبة والثورى. قال البيهقى: قال الشافعى
رضى الله عنه: لا نعلمه يثبت عن عمر ولا على ولا واحد منهما، وكذلك قال بعض من حضره
وحضر من يناظره فى ذلك من أهل الحديث إن ذلك لا يثبت أهـ (٣٢٢:٩). قلت: أما عدم ثبوته
عن عمر فصحيح عند من يضعف الجعفى، وأما عن على فلا، فقد عرفت أنه قد روى عنه من طرق
عديدة يقوى بعضها بعضا.
وقال ابن حزم فى "المحلى": "من اشترى جارية أو دابة أو ثوبا أو دارا أو غير ذلك، فوطئ
الجارية أو افتضها إن كانت بكرا، أو زوجها فحملت أو لم تحمل، أو لبس الثوب، وأنضى الدابة
وسكن الدار، واستعمل ما اشترى واستغله، وطال استعماله المذكور أو قل، ثم وجد عيبا فله الرد
كما ذكرنا، أو الإمساك، ولا يرد مع ذلك شيئا من أجل استعماله لذلك، لأنه تصرف فى مال
نفسه، وفى متاعه أباح الله تعالى له اهـ" (٧٢:٩).

٢
١٠٨
ج - ١٤
باب أن التزويج فی الجاریة عیب ترد به
٤٦٤٢- أخبرنا مالك، عن الزهرى، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن: "أن عبد
. الرحمن بن عوف اشترى من عاصم بن عدى جارية، فوجدها ذات زوج فردها". قال
محمد: "وبهذا نأخذ لا يكون بيعها طلاقها، فإذا كانت ذات زوج فهذا عيب ترد به،
وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهاءنا" (موطأ للإمام محمد).
وبه قال بعض أهل المدينة فى الجارية الثيب، ورده عليهم محمد بن الحسن الإمام فى
"الحجج" له بما نصه" وكيف ترد بغير مهر، وقد أصابها المشترى؟ هل رأيتم جماعًا لا يجب فيه
مهر ولا حد، وإنما القول فى هذا أحد القولين، إما قول على بن أبى طالب: إن المشترى لا يستطيع
ردها بوطئه إياها، ولكنه يرجع بنقصان العيب المدلس له من ثمنها، وهذا القول أخذ به أبو حنيفة،
وإما أن يردها ويرد عقرها (وهو المروى عن عمر، ولعل عقر الأمة كان عشر ثمنها، أو نصف
عشره إذ ذاك). فأما أن يردها وقد وطئها دهرا طويلا، ويأخذ الثمن کله، ولا یکون علیه مهرها،
فهذا غير مقبول من أهله، لا يكون الوطئ مجانا أبدًا اهـ (٢٠٤).
والعجب ممن لا يبيح لبن المصراة لمن اشتراها بلا عوض ويلزمه رد صاع من تمر إذا ردها،
كيف يبيح للمشترى وطئ الجارية المعيبة مجانا، ولا يلزمه إذا ردها للعيب شيئا؟ مع قوله: بأن
حديث المصراة ليس بمخالف للأصول، بل هو أصل من كبار الأصول، كما قاله ابن حزم فى
"المحلى" (٦٧:٩)، فكيف ساغ له مخالفة هذا الأصل العظيم فى تلك المسائل؟ وهل هذا إلا تحكم،
مع أنه ذكر الآثار عن عمرو عن على وعمن بعدهما من التابعين "فى المحلى " (٧٦:٩)، وكلها
يرجع إلى أحد القولين الذين ذكرههما محمد بن الحسن الإمام، وإذا اختلف السلف فى مسألة
على قولين لم يجز إحداث قول ثالث سواهما، لكونه باطلا بإجماعهم، نص عليه أحمد، وذكره
الأصوليون منافى الأصول، وإنما رجحنا قول على رضى الله عنه على قول عمر فى الباب لكون
علی لم يختلف علیه فیما روی عنه، بخلاف عمر، فقد روى عنه ما مر ذکره، وروى من طريق
وكيع عن شريك عن أبى هند المرهبى عن الضحاك، عن عمر بن الخطاب، قال: "إذا وَطئِها فهى
من ماله، ويرد عليه البائع قيمة العيب"، كذا فى "المحلى" (٧٦:٩)، وهذا هو قول على رضى الله
عنه، فهو الأولى والمعتمد، والله تعالى أعلم.
باب أن التزويج فى الجارية عيب ترد به
قوله: "أخبرنا مالك إلخ". قلت: أورد عليه ابن حزم فى "المحلى" ما رواه من طريق حماد

١٠٩
إعلاء السنن
أبواب البيوع الفاسدة
باب حرمة بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
٤٦٤٣- عن جابر أنه سمع رسول الله مَّ ◌ُّه يقول: ((إن الله حرم بيع الخمر،
والميتة، والخنزير، والأصنام، فقيل: يا رسول الله! أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها
ابن زيد، عن أيوب هو السختيانى، وهشام بن حسان، كلاهما عن محمد ابن سیرین،
قال: "ابتاع عبد الرحمن بن عوف جارية، فقيل له: إن لها زوجا، فأرسل إلى زوجها، فقال له:
طلقها، فأبى، فجعل له مائة، فأبى، فجعل له مائتين، فأبى، فجعل له خمسمائة، فأبى، فأرسل إلى
مولاها أنه قد أبى أن يطلق فاقبلوا جاريتكم". فهذا عبد الرحمن بن عوف قد اطلع على عيب
أن لها زوجا، فلم يرد حتى أرسل إلى زوج وراوضه على طلاقها، وجعل له مالا على ذلك،
ثم زاده، ثم زاده، فلما يئس رد حينئذ، ولا يعرف له من الصحابة مخالف، وهم يعظمون مثل
هذا اهـ (٨٠:٩).
قلت: لا دليل فيه على اتحاد القصة، فيتحمل أن يكون رد جارية اشتراها من عاصم ابن
عدى بمجرد اطلاعه على أن لها زوجا، لكونها لم تقع من قلبه بموقع، ولم يرض برد جارية
اشتراها من غيره بمجرد علمه بأن لها زوجا حتى أرسل إلى زوجها، وراوضه على طلاقها، لكونها
وقعت من قلبه بموقع، فلما يئس ردها، ويدل على ما ذهبنا إليه ما رواه البيهقى فى "سننه" من
طريق داود بن رشيد، ثنا الوليد بن مسلم، عن حفص بن غيلان، عن سليمان بن موسى، سئل
عن الأمة تباع ولها زوج: "أن عثمان رضى الله عنه قضى أنه عيب ترد منه اهـ" (٣٢٣:٥)، فهذا
عثمان قد قضى لكونه عيبا، ويردها من ذلك العيب دون أن يرسل إلى الزوج، ويراوض على
طلاقها، والله تعالى أعلم.
باب حرمة بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
قوله: "حرم بيع الخمر إلخ"، أقول: قال ابن حجر فى "الفتح" (٤٥٣:٤): قال جمهور
العلماء: العلة فى منع بيع الميتة والخمر والخنزير النجاسة، فيتعدى ذلك عدم كل نجاسة، ولكن
المشهور عند مالك طهارة الخنزير، والعلة فى منع بيع الأصنام عدم المنفعة المباحة، فعلى هذا إن
كانت بحيث إذا كسرت ينتفع برضاضها جاز بيعها عند بعض العلماء من الشافعية وغيرهم،
والأكثر على المنع حملا للنهى على ظاهره، والظاهر أن النهى عن بيعها للمبالغة فى التنفير عنها،

١١٠
ج - ١٤ حرمة بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
السفن، ويدهن بها الجلود. ويستصبح بها الناس، فقال: لا، هو حرام، ثم قال رسول
ويلتحق بها فى الحكم الصلبان التى تعظمها النصارى، ويحرم تحت جميع ذلك صنعته،
وأجمعوا على تحريم بيع الميتة والخمر والخنزير إلا ما تقدمت إليه الإشارة فى باب تحريم الخمر،
ولذلك أخص بعض العلماء فى القليل من شعر الخنزير للخرز، حكاه ابن المنذر عن الأوزاعى، وأبى
يوسف، وبعض المالكية، فعلى هذا فيجوز بيعه، ويستثنى من الميتة عند بعض العلماء ما لا تحله
الحياة، كالشعر والصوف والوبر، فإنه طاهر فيجوز بيعه، وهو قول أكثر المالكية والحنفية، وزاد
بعضهم العظم، والسن، والقرن، والظلف، وقال بنجاسة الشعور الحسن، والليث، والأوزاعى،
ولكنها تطهر عندهم بالغسل، وكأنها تنجسه عندهم بما يتعلق بها من رطوبات الميتة لا نجسة العين،
ونحوه قول ابن القاسم فى عظم الفيل: إنه يطهر إذا سلق بالماء اهـ.
وقال فى (٣٤٥): "وقد نقل ابن المنذر وغيره فى ذلك (أى حرمة بيع الخمر) الإجماع،
وشد من قال يجوز بيعها، ويجوز بيع العنقود المستعجل باطنه خمرا، واختلف فى علة ذلك، فقيل
لنجاستها، وقيل: لأنه ليس فيها منفعة مباحة مقصودة، وقيل: للمبالغة فى التنفير عنها، وفيه أن
الشىء إذا حرم عينه حرم ثمنه، وفيه دليل على أن بيع المسلم الخمر من الذمى لا يجوز، وكذا
توكيل المسلم الذمى فى بيع الخمر، وأما تحريم بيعها على أهل الذمة فمبنى على الخلاف فى خطاب
الكافر بالفروع، واستدل به على تحريم بيع جثة الكافر إذا قتلناه وأراد الكافر شراءه، وعلى منع بيع
كل محرم نجس ولو كان فيه منفعة كالسرقين، وأجاز ذلك الكوفيون، وذهب بعض المالكية إلى
جواز ذلك للمشتری دون البائع لاحتیاج المشتری دونه اهـ".
أقول: هنا مباحث: الأول: أنه جمع رسول الله عَّه الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام فى
حرمة البيع ولم يفصل ههنا ولم يفرق، ولكن المجتهدين فرقوا بينها، وفصلوا أحكامها، فالتفصيل
· فى الخمر والخنزير أن بيعهما باطل، إذا وقع من المسلم إلا شعر الخنزير، فإن فى جواز بيعه خلافا،
وإن وقع من الذمى فنقل فيه ابن حجر خلافا، والحق أن هذا الخلاف فى حكم الآخرة، لا فى حكم
الدنيا، وصحة بيعه لهما فى حكم الدنيا مجمع عليه لا خلاف فيها لأحد، وأما بيع الميتة،
فلا خلاف فى حكم عدم جواز بيعها، سواء وقع من المسلم أو الذمى، والخلاف فى أشعارها،
وأوبارها، وعظامها، وقرونها، وأظلافها، فهو مبنى على الخلاف فى أنها ميتة أم لا. وأما الأصنام
ففى بيعها أيضًا اختلاف، فقال بعضهم: لا يجوز بيعها مطلقًا ما دام على الصورة الصنمية، وقال
بعضهم: لا بأس بيعها إذا لم يكن للتعبد، بل للكسر وغيره، وأما إن كان بيعها للتعبد، فهو باطل

١١١
حرمة بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
إعلاء السنن
• عَّه عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا
ثمنه»، رواه الجماعة.
أم صحیح؟ ولکن البائع آثم، لم أره صريحا.
ومن ههنا ظهر ضرورة الاجتهاد والتقليد، فإن من لم يعرف مقاصد الشرع وعللها يجعلها
سواسية الإقدام فى الأحكام، ولا يفرق بينها فيضل ويضل، وظهر منه أنه لا يطلق لكل أحد
أن يعمل بالحديث على ما فهمه، بل هو مختص بالمجتهد، وعلى غير المجتهد أن يقلده.
والثانى: أنهم اختلفوا فى علة حرمة بيع الخمر، والخنزير، والميتة. فقال بعضهم: هو النجاسة
وحرمة أكلها. وقال بعضهم: هو حرمة الانتفاع بها، والظاهر هو الثانى لأن الحرمة والنجاسة
لا يقتضى حرمة البيع، لأن مقصود البيع لا ينحصر فى الأكل، فحرمة الأكل كيف يقتضى حرمة
البيع؟ نعم يعقد البيع للانتفاع، فمتى حرم الانتفاع حرم البيع، لأن الشىء إذا خلا عن فائدته لغا،
ثم العلة الأولى لا يطرد، لأن مما لا يؤكل ما يجوز بيعها، كالحمير، والبغال، وسباع البهائم،
والطيور وغيرها.
وأجاب عنه ابن حجر بأن تناول الخمر والسباع وغيرهما، مما حرم أكله إنما يتأتى بعد ذبحه،
وهو بالذبح يصير ميتة، لأنه لا ذكاة له، وإذا صار ميتة صار نجسا، ولم يجز بيعه، فالإيراد فى
الأصل غیر وارد اهـ (فتح) (٤ : ٣٤٤).
وهذا الجواب لا يرفع الإيراد بل يؤكده لأن الحيوانات كلها غير مأكولة قبل الذبح، فعلى
هذا الأصل (أى ما حرم بيعه) ينبغى أن لا يجوز بيع واحد منها إلا أن المأكولات ههنا جوز بيعها
لأنها مأكولة بعد الذبح، فينبغى أن لا يجوز بيع ما لا يجوز أكله بعد الذبح أيضًا، لأن المرخص فى
جواز بيع المأكولات كان جواز أكلها بعد الذبح، ولم يوجد هذا المرخص فى الحيوانات غير
المأكولة، فكيف يجوز بيعها؟ هذا هو الإيراد، وهو لا يندفع بما أجاب بل هو يتأكد به.
والثالث: أن الذين قالوا: "بأن ما حرم أكله حرم بيعه"، احتجوا بما روى عن ابن
عباس رضى الله عنه أنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((لعن الله اليهود، وحرمت عليهم الشحوم
فباعوها وأكلوا أثمانها، وأن الله إذا حرم على قوم أكل شىء حرم عليهم ثمنه)).
قال بعض الأحباب: والجواب عنه أن قولهم: "إن الله إذا حرم على قوم إلخ"، يحتمل
أن يكون من قول ابن عباس، أو غيره من الرواة، ويحتمل أن يكون من قول رسول الله عَ له،

١١٢
ج - ١٤
حرمة بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
٤٦٤٤- وعن ابن عباس: ((أن النبى عَّ لعن اليهود، حرمت عليهم الشحوم
ثم هو يحتمل أن يكون من تتمة قوله: ((لعن الله اليهود إلخ)) ويحتمل أن يكون كلاما مستأنفا،
فينبغى لنا أن ندبر فى الكلام، فنقول: إن كان هذا من تتمة الكلام السابق يكون معنى الكلام أن الله
حرم الشحوم على اليهود، فابعوها وأكلوا أثمانها، ولم يكن لهم ذلك، لأن الله إذا حرم على قوم
أكل شىء حرم عليهم ثمنه، فكان الثمن أيضًا محرمًا عليهم، فلما أكلوا المحرم استحقوا اللعن.
وفيه أنه لا يخلو(١) إما أن يكون حرمة الثمن معلومة لهم أولا، على الأول لم يكن لهم وجه
فى ترك أكل الشحوم وأكل ثمنها، وعلى الثانى لا يستحقون اللعن، فلا يحسن جعله من تتمة
الكلام السابق، وقال ابن حجر فى "الفتح" (٣٤٤:٤): "قوله: ((حرمت عليهم الشحوم)) أى
أكلها، وإلا فلو حرم عليهم بيعها لم يكن لهم حيلة فيما صنعوه من إذابتها اهـ".
وهذا الكلام(٢) يدل على أن الشحم لم يكن محرما عليهم ثمنه، وإنما كان المحرم عليهم هو
الأكل، وبه يتأيد ما قلنا: إنه لا يحسن جعله من تتمة الكلام السابق، بل هو كلام مستأنف.
وهو يتأيد أيضًا بأن حديث اللعن رواه عن رسول الله عّ لّه جابر، وعمر بن الخطاب، وابن
عمر، وأبو هريرة، وليس فى شىء منها هذه الزيادة أى زيادة قوله: ((إذا حرم الله على قوم أكل
شىء حرم عليهم ثمنه))، وهو قرينة قوية أنه ليس من تتمة الكلام السابق، بل هو كلام مستأنف.
وإذا كان كذلك فينبغى أن ينظر فى أنه كلام رسول الله عَّ أم لا، فإذا نظرنا فيه رأينا أنه
ليس من كلام رسول الله عَّه، أما أولا فلما بينا أن حرمة الأكل لا يقتضى حرمة البيع، وأن ما
يقتضى حرمته هو حرمة الانتفاع، وأما ثانيا فلأن هذا الأصل ليس بمطرد، بل يخرج الأفراد منه
أكثر مما يدخل فيه كما بينا، فلا ينبغى نسبته إلى رسول الله عَ ليه.
وقد روى عن ابن عباس أنه سئل عن بيع الخمر، فقال: كان لرسول الله عَّ له صديق
من ثقيف أو دوس، فلقيه بمكة عام الفتح براوية خمر يهديبها إليه، فقال رسول الله عَ له: يا أبا فلان!
أما علمت أن الله حرمها، فأقبل الرجل على غلامه، فقال: اذهب فبعها، فقال رسول الله عَ لّه:
(١) (قلت: هذا كلام من لم يذق الفقه، وكأنه من هذر الفسلفى، فإن ثمن الشىء مثله عرفًا وشرعًا، ألا ترى أن ذوات القيم تضمن
بأثمانها وقيمها لذلك؟ فلا بد من القول، بأن حرمة الثمن كانت معلومة لهم، ولا وجه للتشقيق الذى ذكره). ظ
(٢) (قلت: معناه أن بيع الشحم لم يحرم عليهم صريحًا، ولكنهم عرفوا بحرمته اعتباراً، فاحتالوا إلى أكل الشحم بأكل ثمنه، وقد
علموا بأن ذلك احتيال منهم إلى تحليل ما حرم الله عليهم). ظ

١١٣
حرمة بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
إعلاء السنن
فباعوها، وأكلوا أثمانها، وأن الله إذا حرم على قوم أكل شىء حرم عليهم ثمنه))، رواه
أحمد وأبو داود (نيل ١:٥).
يا أبا فلان! بما ذا أمرته؟ قال: أمرته أن يبيعها، قال: إن الذى حرم شربها حرم بيعها، فأمر بها،
فأفرغت فى البطحاء، فالذى يغلب فى الظن أن أصل القصة كان أنه كان سئل عن بيع الخمر،
فأجاب عنه بأنه لعن رسول الله عَّه اليهود، لأن الله حرم عليهم الشحوم، فأذابوها وباعوها وأكلوا
ثمنها، وقال: إن الذى حرم شرب الخمر حرم بيعها، فبركة الذى روى هذه القصة عن ابن عباس
ترك السؤال وذكر الجواب، إلا أنه روى الجواب الثانى بالمعنى الذى فهمه، فأخرجه قوله: ((إن الذى
حرم شربها حرم بيعها))، مخرج الأصل الكلى زعما منه بأن كل ما يحرم أكله حكم أكل ثمنه
حکم أکل عينه.
ومما يقوى هذا الظن أن ابن عمر روى عن النبى معَّ أنه قال: ((ويل لبنى إسرائيل أنه لما
حرمت عليهم الشحوم باعوها فأكلوها، وكذلك ثمن الخمر حرام عليكم))، فإن حكم تحريم الثمن
فى هذه الرواية مختص بالخمر، سواء كان هو قول رسول الله عَّةٍ، أو قول ابن عمر،
وليس بحكم عام، فالظاهر أنه كان فى رواية ابن عباس أيضًا مختصًا بالخمر، سواء كان هو قول
النبى ◌ّ ◌ُِّ أو قول ابن عباس، فرواه عنه بركة على حسب فهمه، وغره أنه ذكر فى الجواب قصة
لعن اليهود على أكلهم ثمن الشجوم بعد حرمة أكلها، فظن منه أن حرمة الأكل مستلزمة لحرمة
البيع، وليس كذلك، فإن مقصود ابن عباس من نقل هذه القصة المبالغة فى الزجر عن بيع الخمر،
بأن الله حرم على اليهود أكل الشحوم لا أكل أثمانها، ولكنهم احتالوا للعصيان فأكلوا أثمانها
قصدًا إلى العصيان وتعنتا، فاستحقوا اللعن بهذا القصد تعنتا، مع أن نفس الثمن لم يكن حرم
عليهم، فإن أكلتم ثمن الخمر بعد أن حرم عليكم صراحة وقصدا، فأنتم شر من اليهود وأولى
باللعن منهم، وهذا هو الذى أراد عمر بن الخطاب رضى الله عنه حين قال إذ بلغه أن فلانا باع
خمرا: "قاتل الله فلانا ألم يعلم أن رسول الله عَ ليه. قال: قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم
فجملوها فباعوها))" رواه عنه ابن عباس كما فى "البخارى"، وبهذا يخرج الجواب عما يقال: إن
الدارقطنى رواه عن بركة عن ابن عباس، وقال: إن النبى معَّه قال: ((إن الله تعالى إذا حرم شيئا حرم
ثمنه))، وفيه تصريح بأنه من كلام رسول الله، لأنه يظهر منه أنه نقل الرواية بالمعنى الذى فهمه، لأنه
حذف ههنا قصة لعن اليهود، واقتصر على هذا القول فقط، وإذا تقرر ذلك فلا دليل لهم فى هذا .
الحديث على حرمة بيع ما حرم أكله، وهذا التحقيق بما تفردت به، فتنبه به.

١١٤
ج - ١٤
حرمة بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
الرد على بعض الأحباب فى دعواه الإدراج فى الحديث من غير دليل:
(قال العبد الضعيف: آفة هذا التحقيق تفردك به، والعجب ممن لا يبيح للعامى الاجتهاد فى
فروع الفقه، كيف يبيح لنفسه الاجتهاد فى الحديث بجعل بعضه من كلام الرسول مَّ ◌ُلّه، وبعضها
من كلام الراوى؟ والأصل عدم الإدراج فى الحديث إلا أن يقوم عليه دليل ناهض، وكذا قوله: إن
بركة روى الحديث بالمعنى الذى فهمه، لأنه حذف مرة قصة لعن اليهود إلخ، باطل ما لم ينص
عليه إمام من أئمة الفن، فإن الراوى قد يسوق الحديث بتمامه، وقد يقتصر على جزء منه، كما
لا يخفى على من مارس الأحاديث، فلا يصح جعل الاقتصار على جزء منه دليلا على كونه رواه
بالمعنى، بل الأمر بالعكس، فإنه إذا اقتصر على جزء منه ورفعه إلى النبی مێ کان دلیلا علی نفی
احتمال الإدراج فيه، لأن الإدراج أكثر ما يكون فى آخر الحديث دون أوله، وكان ذلك دليلا أيضاً
على أنه من كلام الرسول عَّطيّةٍ حتما، والحديث سكت عنه أبو داود، والمنذرى، ولم يعله البيهقى
فى "سنته" بشىء، ولا الحافظ فى "الفتح"، ولا الزيلعى فى "نصب الراية"، ولا ابن التركمانى فى
"الجوهر النقى"، ولا أحد من المحدثين فيما علمنا، وقال ابن القيم فى "الهدى": وقد رواه الحاكم
والبيهقى، فجعلاه من مسند ابن عباس، وفيه زيادة فذكرها، وقال: إسناد صحيح (٤٢٦:٢)، فمن
أين للحبيب أن يحمله على الإدراج، أو على الرواية بالمعنى؟
فالحق فى الجواب ما ذكره فى "الجوهر النقى": "أن قوله: إذا حرم أكل شىء حرم ثمنه،
خرج على شحوم الميتة التى حرم أكلها والانتفاع بشىء منها، وكذا الخمر أى إذا حرم أكل شىء
ولم یبح الانتفاع به حرم ثمنه، ولم یعن ما أبیح الانتفاع به، بدلیل إجماعھم علی بیع الهر،
والفهود، والسباع المتخذة للصيد، والحمر الأهلية، وقال ابن حزم: وممن أجاز بيع المائع تقع فيه
النجاسة والانتفاع به على، وابن مسعود، ابن عمر، وأبو موسى الأشعرى، وأبو سعيد الخدرى،
والقاسم، وسالم، وعطاء، والليث، وأبو حنيفة، وسفيان، وإسحاق، وغيرهم اهـ".
وفيه أيضًا: "عموم هذا الحديث متروك اتفاقًا، بجواز بيع الآدمى، والحمار، والسنور،
ونحوها، وفى "التجريد" للقدورى: الناس يتبايعون السرجين للزرع فى سائر الأزمان من غير
نكير، وقد كان يباع قبل الشافعى، ولا نعلم أحدا من الفقهاء منع بيعه قبله. وفى "قواعد" ابن
رشد: اختلفوا فى بيع الزيت النجس ونحوه بعد اتفاقهم على تحريم أكله، فمنعه مالك، والشافعى،
وجوزه أبو حنيفة، وابن وهب إذا بين، وروى عن ابن عباس، وابن عمر أنهم جوزوا بيعه ليستصبح

١١٥
حرمة بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
إعلاء السنن
: به، وفى مذهب مالك جواز الاستصباح به، وعمل الصابون مع تحريم بيعه، وأجازه الشافعى أيضًا
مع تحريم ثمنه، وهذا كله ضعيف فإن جواز الانتفاع به بوجه ما يستلزم جواز الانتفاع بثمنه أيضًا.ظـ
وفى "نوادر الفقهاء" لابن بنت نعيم: أجمع الصحابة على جواز بيع زيت ونحوه تنجس
بموت شىء فيه إذا بين ذلك. وفى التمهيد: "وقال آخرون: ينتفع بالزيت الذى تقع فيه الميتة بالبيع،
وبكل شىء ما عدا الأكل، ويبيعه ويبين، وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه، والليث بن سعد،
وروى عن أبى موسى الأشعرى قال: ال تأكلوه وبيعوه، وبينوا لمن تبيعونه منه، ولا تبيعوه من
المسلمين، وذكر ابن وهب عن ابن لهيعة، وحيوة بن شريح، عن خالد بن أبى عمران أنه قال:
سألت القاسم وسالما عن الزيت تموت فيه الفأرة، هل يصلح أن يؤكل منه؟ قالا: لا! قلت: أ فنبيعه؟
قالا: نعم! ثم کلوا ثمنه، وبینوا من يشتريه ما وقع فیه، ومن حجتهم ما ذكره عبد الواحد، عن
معمر، عن الزهرى، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة، عن النبى عّ لّ فى الفأرة تقع فى
السمن: إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فاستصحبوا به وانتفعوا. قالوا: والبيع من
باب الانتفاع، وقالوا: قوله فى حديث عبد الرزاق: وإن كان مائعا فلا تقربوه، يحتمل أن يريد
لا تقربوه بالأكل (حملا للمطلق على المقيد)، ومن جهة النظر شحوم الميتة محرمة العين والذات،
والزيت تقع فيه الميتة، إنما تنجس بالمجاورة، وذلك بيعه جائز، كثوب تنجس بدم ونحوه اهـ)
ملخصا (١٩:٢).
قال الحبيب: ولو سلم أنه قول رسول الله عَ لّه فلا دليل فيه أيضًا؛ لأنه ليس على عمومه،
بل خرج منه أشياء كثيرة، قلنا أن نخرج كل ما ينتفع به، ونقول: إن الحديث محمول على ما حرم
أكله، ولم يبح الانتفاع به، لأن إباحة الانتفاع دليل على جواز البيع.
والرابع: أنه قال ابن حجر: "إن معنى قوله: لا هو حرام، أن المحرم هو البيع لا الانتفاع، لأن
السؤال وقع عن البيع، كما ورد فى رواية أحمد، أنه قال رجل: يا رسول الله! فما ترى فى بيع
شحم الميتة؟ فإنها تدهن بها السفن والجلود إلخ".
والجواب عنه: أن حرمة البيع تدل على حرمة الانتفاع، وبالعكس كما بينا لك، فتحريم البيع
هو تحريم الانتفاع، فلا يمكن الاستدلال به على جواز الانتفاع.
والخامس: أنه استدل به بعضهم على بطلان الحيلة مطلقا، وهو لا يصح، لأنك علمت أن
مبنى ذم اليهود ولعنهم فى الحديث هو الاحتيال للعصيان على وجه التعنت والعناد، كما كان

ج - ١٤
حرمة بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
١١٦
دأبهم فى مقابلة الأحكام الآلهية، لا الترخص برخصة شرعية، وإلا فنفس الحيلة ثابت من رسول
الله مَّ ◌ُلّه فى اشتراء الصاع من التمر بصاعين منه، بأن يشترى الصاعان بالدراهم ثم يشترى بها
الصاع، ومعلوم أن الأحكام تختلف باختلاف النية.
والسادس: أن الخطابى استدل على جواز الانتفاع بشحم الميتة: بأنه يجوز الانتفاع بالميتة
بإطعامها للكلاب بالإجماع. والجواب عنه: منع الإجماع، فإنا لا نجوز الإطعام، نعم! نجوز أن
يطعمه الكلاب بأنفسها، وفرق ما بينهما، لأن الإطعام فعلنا، والطعم فعل الكلاب، ونحن مكلفون
فلا يجوز لنا الإطعام، والكلاب ليست كذلك فجاز لهم، وليس علينا التعرض لهم بالمنع من الطعم
لكونها غير مكلفة فى أفعالها، فافهم.
٥
والسابع: أنه استدل ابن حجر على عدم جواز توكيل المسلم الذمى ببيع الخمر، وقال العينى:
لا خلاف فيه، وإنما الخلاف فى توكيل الذمى المسلم ببيعها، والحديث لا يدل على مسألة التوكيل
من الجانبین.
أقول: وجه الاستدلال إطلاق البيع فيعم البيع لنفسه ولغيره، وبواسطة وبغير واسطة، فتدبر.
(قلت: تسامح الحبيب فى النفل، فإن حرمة توكيل المسلم الذمى ببيع الخمر ليس بمجمع عليها،
ولفظ العينى: وقال أيضًا بعضهم (يريد به الحافظ ابن حجر): فيه دليل على أن بيع المسلم الخمر من
الذمى لا يجوز، وكذا توكيل الذمى المسلم فى بيع الخمر. قلت: لا خلاف فى المسألة الأولى،
ولا فى الثانية، وإنما الخلاف فيما إذا وكل المسلم الذمى ببيع الخمر، والحديث لا يدل على مسألة
التوكيل من الجانبين اهـ (٥٨٦:٥). وأما ما ذكره الحبيب فى وجه الاستدلال ففيه نظر، لكون
الخطاب للمسلمين، فلا يدل إلا على حظر البيع من المسلم، وأما الكفار ففى كونهم مخاطبين
بالفروع خلاف مشهور، وإذا وكل المسلم الذمى ببيع الخمر لم يوجد البيع من المسلم أصلا،
وإنما وجد منه التوكيل، ولا يلزم مته كون الموكل بائعا، لأن التوكيل بالبيع كالعاقد لنفسه عنه
لتعلق حقوق العقد به دون الموكل، وسيأتى بسطه فى باب الوكالة إن شاء الله تعالى، فانتظر). ظ
والثامن: أن ابن حجر استدل على تحريم بيع جثة الكافر بتحريم بيع الخمر، واعترض عليه
العينى، بأنه لا دليل فيه على حرمته، وهو أيضًا غير صحيح، لأن العلة فى حرمة بيع الخمر هما
أن يكون هو النجاسة، أو حرمته الأكل، أو حرمة الانتفاع، وكل منها يوجد فى جثة الكافر،
فيحرم بيعها. (قلت: لم يقل العينى إنه لا دليل فيه على حرمته، وإنما قال: وجه هذا الاستدلال من
٠
:
.

١١٧
حرمة بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
إعلاء السنن
هذا الحديث غير ظاهر اهـ، ولا يخفى أن نجاسة الآدمى بالموت مختلف فيها، وكذا معاملة الربا،
والعقود الفاسدة مع أهل الحرب، ولا يصح القياس والحال هذه، فافهم). ١٢ ظ
والتاسع: أن حديث حرمة بيع الميتة تدل على عدم جواز بيع جلود الميتة قبل الدباغ لأنها
غیر منتفعة قبله، وأما بعد الدباغ فمنتفع بها، فيجوز بيعها، وقد عرفت حكم عظام الميتة، وقرونها،
وأشعارها، وأوبارها، فنتبه له.
الرد على ابن حزم فى تشنيعه على أبى حنيفة
فى مسألة توكيل المسلم الذمى ببيع الخمر:
قال العبد الضعيف: وقال ابن حزم فى "المحلى": "لا يحل بيع الخمر لا لمؤمن، ولا لكافر،
ولا بيع الخنازير كذلك، ولا شعورها ولا شىء منها، ولا بيع صليب، ولا صنم، ولا ميتة، ولا دم،
إلا المسك وحده، فهو حلال بيعه وملكه، فمن باع من المحرم الذى ذكرنا شيئا فسخ أبداً. وقال أبو
حنيفة: إذا أمر المسلم نصرانيا بأن يشترى له خمرا جاز ذلك، وهذه من شنعه، التى نعوذ بالله من
مثلها اهـ" ملخصًا (٨:٩-٩).
قلت: أبو حنيفة أعلم منك، ومن ألوف أمثالك بمعانى الكتاب والسنة، وأعرف بالآثار،
فقد روى أبو عبيد فى "الأموال": حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان بن سعيد، (هو الثوری) عن
إبراهيم بن عبد الأعلى الجعفى، عن سويد بن غفلة، قال: "بلغ عمر بن الخطاب أن ناسا يأخذون
الجزية من الخنازير، وقال بلال: فقال: إنهم ليفعلون، فقال عمر: لا تفعلوا ولهم بيعها".
قال أبو عبيد: وحدثنا الأنصارى محمد بن عبد الله، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد
الأعلى، عن سويد بن غفلة: أن بلال قال لعمر بن الخطاب رضى الله عنه: "إن عمالك يأخذون
الخمر والخنازير فى الخراج، فقال: لا تأخذوها منهم، ولكن ولوهم ببيعها، وخذوا أنتم من الثمن"
(وهذان سندان صحيحان كما ترى).
قال أبو عبيد: "يريد أن المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذمة الخمر والخنزير من جزية
رؤوسهم، وخراج أراضيهم بقيمتها، ثم يتولى المسلمون بيعها، فهذا الذى أنكره بلال، ونهى عنه
عمر، ثم رخص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانها إذا كان أهل الذمة المتولين لبيعها، لأن الخمر
والخنزير مال من أموال أهل الذمة، ولا تكون مالا للمسلمين اهـ" (ص٥٠).
فهذا عمر قد أجاز لأهل الذمة بيع الخمر والخنازير، وأجاز للمسلمين أخذ أثمانهما فى

١١٨
ج - ١٤
باب بيع جثة المشرك
٤٦٤٥- عن ابن عباس: "أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من
الجزية والخراج، وذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه منكر، فهل تراهم قد أحلوا ما حرم الله
عليهم ولم يحل لهم؟ وإذا جاز لأهل الذمة بيع هذه الأشياء، وللمسلم أخذ أثمانها منهم، فما ذا
على أبى حنيفة لو قال بجواز توكيل المسلم الذمى بالتجارة فيها؟ فإن ذلك داخل فى عموم قول
عمر: "ولوهم بيعها وخذوا أنتم من الثمن" فهل هذا من شنع أبى حنيفة، أو من محاسنه التى
أخذها عن الخليفة الراشد المهدى عمر بن الخطاب، ومن حضره من الصحابة رضى الله عنهم؟
ولکن ابن حزم لا یدری ما یخرج من رأسه.
وأما قوله: "ومن أجاز لهم أى اليهود والنصارى والمجوس بيع الخمر ظاهرا وشرائها كذلك،
وتملكها علانية، وتملك الخنازير كذلك، لأنهم من دينهم بزعمه، وصدقهم فى ذلك، لزمه أن
يتركهم أن يقيموا شرائعهم فى بيع من زنى من النصارى الأحرار، وخصاء القسيس إذا زنى، وقتل
من يرون قتله، وهم لا يفعلون ذلك، فظهر تناقضهم اهـ". ففيه أنا لا نجيز لهم بيع الخمر والخنزير
علانية ظاهرًا فى بلاد المسلمين، وإنما لهم ذلك سرّاً، هذا حكم أهل الذمة، وأما أهل الصلح الذين
صالحناهم على قدر معلوم من المال، ولم نجعلهم ذمة لنا فنتركهم وما يدينون، لأنهم لم يندبوا المال
إلا على ذلك.
فلا يرد علينا ما رواه عن على رضى الله عنه: "أنه بلغه فى قرية تدعى زرارة أنها يلحم فيها
ويباع فيها الخمر، فقال: على بالنيران اضرموها فيها، فاحترقت"، وعن عمر بن الخطاب: "أن
رجلا من أهل السواد أثرى فى تجارة الخمر، فكتب أن أكسروا كل شىء قدرتم له عليه، وسيروا
كل ماشية له، ولا يؤوين أحد له شيئا" قال: فهذا حكم على وعمر بحضرة الصحابة رضى الله
عنهم فيمن باع الخمر من المشركين، ولا مخالف لهم يعرف من الصحابة اهـ (٩:٩). قلنا: أما
حكم على فى زرارة، فإنه إنما أحرقها لكون الخمر كانت تباع فى سوقها علانية، وهذا لم يقل
بجوازه فى بلاد الإسلام أحد، وأما حكم عمر فى رجل أثرى فى تجارة الخمر، فإن الرجل كان من
أهل المدينة من المسلمين، واسمه رويشد، فسماه عمر فويسقا، وكان من ثقيف، ذكره أبو عبيد فى
"الأموال" (٩٦)، سلمنا أنه كان من المشركين فيحمل على أنه كان يبيع الخمر علانية، ولم يقل
أحد بإجازة ذلك لأهل الذمة فى أمصار المسلمين، والله تعالى أعلم.
باب بيع جثة المشرك
قوله: "غريب" أقول: قال الذهبى فى "الميزان" (٨٨:٣): "حسنه الترمذى، وقال عبد الحق
٠

١١٩
بيع جثة المشرك
إعلاء السنن
المشركين، فأبى النبى معَّهِ أن يبيعهم". أخرجه "الترمذى" وقال: غريب. وقال: رواه
فى "أحكامه" وابن القطان: إسناده ضعيف ومنقطع، لا سماع للحكم من مقسم إلا لخمسة
أحاديث ما هذا منها، وضعفاه من جهة ابن أبى ليلى اهـ"، أقول: قال الترمذى: غريب، ولم يقل:
إنه حسن، فلا أدرى من أين؟ قال الذهبى: إنه حسنه. (قلت: لعل منشأه اختلاف نسخ الترمذى،
والحديث أخرجه الحاكم فى "المستدرك" من طريق يونس بن بكير، عن محمد بن عبد الرحمن،
عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: ((قتل رجل من المشركين يوم الخندق،
فطلبوا أن يواروه، فأبى رسول الله عَّ له حتى أعطوه الدية))، الحديث. وقال: صحيح الإسناد ولم
يخرجاه، وأقره عليه الذهبى (٣٢:٣)، وأخرجه الهيثمى فى "مجمع الزوائد" من طريق أحمد
باللفظ الذى يأتى عن قريب، وقال: رواه أحمد، وفيه ابن أبى ليلى، وهو ثقة لكنه سىء الحفظ
(٩٢:٤)، فلا شك فى كون الحديث حسنا، كما قاله الذهبى). ظ
وأما ما قال عبد الحق وابن القطان: إنه ضعيف ومنقطع، ففيه أن محمد بن أبى ليلى لم يتفرد
به، بل تابعه أيضًا الحجاج، وحجاج من رجال مسلم، فهو متابعة قوية، ورواية الحكم عن کتاب
مقسم وهو لا يقتضى الانقطاع، كما صرح به ابن حجر فى رواية الحسن عن سمرة، وقال ابن
حجر: "ذكر ابن إسحاق فى "المغازى" أن المشركين سألوا النبى معَّ له أن يبيعهم جسد نوفل بن
عبد الله بن المغيرة، وكان اقتحم الخندق، فقال النبى معَّ له: لا حاجة لنا بثمنه ولا جسده، فقال ابن
هشام: بلغنا عن الزهرى أنهم بذلوا فيه عشرة آلاف اهـ". ثم قال: " فهذا شاهد لحديث ابن عباس،
وإن كان إسناده غیر قوی اهـ" (فتح البارى ٢٠٢:٦).
ولما ثبت الحديث، علم منه أمران، الأول امتناع بيع جيفة الكافر لأنه ميتة، وبيع الميتة حرام،
والثانى عدم جواز العقود الفاسدة مع أهل الحرب، كما ذهب إليه أبو يوسف، ولأبى حينفة
ومحمد أن يقولا: إنه لا يثبت منه عدم الجواز، لأنه يمكن أن يكون الامتناع لأمر آخر، ككونه
خلافا للمروءة أو غيره من الأسباب، ولكن يرد هذا التأويل ما رواه أحمد عن عبد الله بن محمد
عن على بن مسهر عن ابن أبى ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: أُصيب يوم الخندق
رجل من المشركين، وطلبوا إلى النبى معَّه أن يحفوه، فقال: لا! ولا كرامة لكم، قالوا: فإنا نجعل
لك على ذلك جعلا، قال: وذلك أخبث وأخبث اهـ (مسند أحمد ٢٥٦:١). ويمكن الجواب عنه
بأنه لا يدل أيضًا على الحرمة، لأنه يمكن أن يحمل الخبث على الاستقذار الطبعى، لكونه من أفعال
الدناءة لا على الحرمة.
قال العبد الضعيف: منشأ إبداء الاحتمالات قلة الرجوع إلى كتب القوم، فإن معاملة الربا

ج - ١٤
بيع جثة المشرك
١٢٠
الحجاج بن أرطاة أيضا عن الحكم (ترمذى ٢٠٥:١).
بمع الحربى إنما يجوز فى دار الحرب دون دار الإسلام، فإن قيل: إن أهل الحرب كانوا فى
معسكرهم، وله حكم أرض الحرب، قلنا: لكن النبى مُِّ والمسلمين لم يكونوا فى معسكرهم،
بل كانوا فى مدينة الإسلام وراء الخندق، وإذا كان المسلم فى منعة المسلمين فكلمه الحربى من
حصنه أو عسكره، وعامله بالمعاملات الفاسدة فيما بين المسلمين، فإن ذلك لا يجوز، لأن مراعاة
جانب من هو فى منعة المسلمين مفسد لهذا العقد، والعقد إذا فسد من وجه واحد فذلك یکفی
لإفساده، نص عليه محمد كما فى "شـ ح السير الكبير" (٢٢٦:٣). وجوزه بعض المشايخ قياسًا
بما إذا دخل عسكر من أهل الحرب لهم منعة دار الإسلام ثم استأمن إليهم مسلم، وعاملهم بهذه
المعاملة التى لا تجوز فيما بين المسلمين، فلا بأس بذلك، كما فى "شرح السير" (٢٢٨:٣) أيضًا.
ولا يخفى ما بينهما من الفرق، لأن المسلم إذا دخل فى منعة أهل الحرب مستأمنا إليهم صار
كأنه فى دار الحرب، فدخل فى حكم قوله: ((لا ربا بين المسلم والحربى فى دار الحرب))، بخلاف ما
إذا كان فى منعة المسلمين، فليس هو فى دار الحرب بوجه من الوجوه، والحديث نص فى اعتبار
المكان، فلا بد من كون المسلم والحربى كليهما فى دار الحرب كما قاله محمد رحمه الله، ويؤيده
حديث ابن عباس هذا، حيث جعل النبى معَّ له ثمن جيفة المشرك أخبث وأخبث مع قوله: ((لا ربا
بين المسلم والحربى فى دار الحرب»، فثبت أن المسلم إذا كان فى دار الإسلام أو معسكر المسلمين،
والحربى فى منعة أهل الحرب يحرم الربا بينهما، كما إذا كانا جميعا فى دار الإسلام، فافهم. وعلى
هذا فلا حجة لأبى يوسف والشافعى ومن وافقهما فى حديث ابن عباس هذا على تحريم الربا بين
المسلم والحربى فى دار الحرب.
وبه تبين ضعف ما قالوه: إنه لا معنى لقول من يقول: كان موضع الخندق من دار الإسلام،
لأن هذا يجوز عندكم بين المسلم والحربى الذى لا أمان له، سواء كان فى دار الإسلام، أو فى
دار الحرب، كما فى "المبسوط" (٥٧:١٤)، قلنا: لا نسلم ذلك، والربا لا يجوز فى دار الإسلام
أصلا، سواء كان الحربى الذى نرابيه مستأمنا أو غير مستأمن، وإلا لم يبق لقوله: ((فى دار الحرب))
فى مرسل مكحول معنى، فالحق ما نص عليه محمد من اعتبار المكان، والله تعالى أعلم، ولما كان
السرخسى قد اختار قول بعض المشايخ، قال: "وتأويل حديث ابن عباس رضى الله عنه أنه نهاهم
عن ذلك لما رأى فيه من الكبت والغيظ للمشركين، ولئلا يظنوا بنا أنا نقاتلهم لطمع المال اهـ"
(٥٨:١٤). وهذا أولى مما قاله الحبيب، كما لا يخفى، ولكن الظاهر من قوله مَّ له: ((إن ذلك
أخبث وأخبث)) الحرمة فالحق ما قاله محمد، وهو أجل من هؤلاء المشايخ رواية ودراية واجتهاد.ظ