Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
بيع المصراة
إعلاء السنن
عَّ ا له: ((لا تصروا الإبل، والغنم، فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين
أبو هريرة عن النبى عددياء:
يتحقق التصرية، وإذا كانت لفظة " حلبها" مطلقة فلا دلالة لها على الحلبة الثانية والثالثة، وإنما
يؤخذ ذلك من حديث آخر اهـ. ثم قال: "قوله: " ((وإن سخطها ردها)) يقتضى إثبات الخيار بعيب
التصرية، واختلف أصحاب الشافعى هل ذلك على الفور أو يمتد إلى ثلاثة أيام؟ فقيل: يمتد
للحديث، وقيل: يكون على الفور طردا لقياس خيار الرد بالعيب، ويتأول الحديث، والصواب
اتباع النص لوجهين: أحدهما: تقديم النص على القياس. والثانى: أنه خولف القياس فى أصل
الحکم لأجل النص، فیطرد ذلك ویتبع فی جمیع موارده اهـ.
وقال محشيه: "وابتداء هذه المدة من وقت بيان التصرية، وهو قول الحنابلة، وعند الشافعية
أنها من حين العقد، وقيل: من التفرق، ويلزم عليه أيضًا أن يكون الغرر أوسع من الثلاث فى بعض
الصور، وهو ما إذا تأخر ظهور التصرية إلى آخر الثلاث، ويلزم عليه أيضًا أن تحسب المدة قبل
التمكن من الفسخ، وذلك يفوت مقصود التوسع بالمدة اهــ ثم قال ابن دقيق العيد: "الحديث
يقتضى رد شىء معها عندنا بخیار ردها، وفی کلام بعض المالکیة ما يدل على خلافه من حیث إن
الخراج بالضمان، ومعناه أن الغلة لمن استوفاها بعقد أو شبهة تكون له بضمانه، فاللبن المحلوب إذا
فات عليه فليكن للمشترى ولا يرد لها بدلا، والصواب الرد للحديث لما قررنا اهـ".
ثم قال: "الحديث يقتضى رد الصاع مع الشاة بصريحه، ويلزم منه عدم رد اللبن، والشافعية
قالوا: إن كان اللبن باقيا فأراد رده على البائع، فهل يلزمه قبوله؟ وجهان: أحدهما: نعم! لأن أقرب
إلى مستحقه. والثانى: لا، لأن طراوته ذهبت فلا يلزمه قبوله، واتباع لفظ الحديث أولى فى أن
یتعین الرد فیما نص عليه.
أما المالكية فقد زادوا على هذا، وقالوا: لو رضى به البائع فهل تجوز ذلك أم لا؟ قولان،
ووجهوا المنع بأنه بيع الطعام قبل قبضه؛ لأنه وجب له الصاع بمقتضى الحديث، فباعه قبل قبضه
باللبن، ووجهوا الجواز بأن يكون بناء على عادتهم فى اتباع المعانى دون اعتبار الألفاظ اهـ".
ثم قال: "الحدیث یقتضی تعیین جنس المردود فی التمر، فمنهم من ذهب إلى ذلك، وهو
الصواب، ومنهم من عداه إلى سائر الأقوات، ومنهم من اعتبر فى ذلك غالب قوت البلد، وقد ثبت
أن النبى معَّه قال: ((صاعا من تمر لا سمراء))، وذلك رد على من عداه إلى سائر الأقوات، وإن كان
سمراء غالب قوت البلد أعنى المدينة فهو رد على قائله أيضًا اهـ".
ثم قال: "الحديث يدل على تعيين المقدار فى الصاع مطلقًا، وفى مذهب الشافعى وجهان:

٦٢
ج - ١٤
بيع المصراة
بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع تمر)). ويذكر عن أبى صالح،
أحدهما: ذلك وأن الواجب الصاع، قل اللبن أو كثر لظاهر الحديث. والثانى: أنه يتقدر بقدر اللبن،
اتباعًا بقیاس الغرامات وهو ضعيف اه".
ثم قال: "قوله عليه السلام: ((فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها)) قد يقال: ههنا سؤال، وهو
أن الحديث يقتضى إثبات الخيار بعد الحلب، والخيار ثابت قبل الحلب إذا علمت التصرية. وجوابه
أنه يقتضى إثبات الخيار فى هذين الأمرين المعنيين، أعنى الإمساك، والرد مع الصاع، وهذا إنما يكون
بعد الحلب لتوقف هذين المعنيين على الحلب، لأن الصاع عوض عن اللبن الذى نقص، ومن ضرورة
ذلك الحلب اهـ" (إحكام الأحكام ١١٩:٣- ١١٦).
ويظهر منه أنهم اتفقوا على جواز الرد بعيب التصرية، إلا أنهم اختلفوا فى تفاصيله فى
مقامات: الأولى: فى أن التصرية مخصوصة بالإبل والغنم أم لا؟ وإن لم يختص بها فهل مخصوص
بالنعم أم لا؟ وإن لم يختص فمخصوص بمأكول اللحم أم لا؟ وإن لم يختص فيرد معها صاع أم لا؟
والثانى: فى أنه إلى متى يثبت هذا الخيار، والثالث: فى أنه من أى وقت يحتسب ثلاثة أيام، والرابع:
فى أن حكم التصرية يثبت بغير قصد التصرية أم لا؟ والخامس: فى أن تقدير الصاع مطلق أم لا؟
والسادس: فى أن الصاع مقيد بالتمر أم لا؟ والسابع: أن رد الصاع يتعين أم له رد اللبن أيضًا إن
كان باقيا؟ والثامن: فى أن اختيار الرد على الفور أم هو ممتد إلى ثلاثة أيام؟ إلى غير ذلك من
الاختلافات.
ويظهر منه أن قول ابن حجر فى "الفتح": "إنه قد أخذ بظاهر الحديث جمهور أهل العلم،
وأفتى به ابن مسعود، وأبو هريرة، ولا مخالف لهم من الصحابة، وقال به من التابعين ومن بعدهم
من لا یحصی عدده، ولم يفرقوا بين أن یکون اللبن الذی احتلب قليلا أو کثیرًا، ولا بین أن یکون
التمر قوت تلك البلد أم لا اهـّ منظور فيه، لأنك قد علمت أن اتفاق الجمهور مقصور على جواز
الرد فقط، وباقى الأمور مختلف فيما بينهم، حتى رد شىء معها أيضًا، كما مر.
وقد قال ابن حجر: "أما الحنفية فقالوا: لا يرد بعيب التصرية، ولا يجب رد صاع من التمر،
وخالفهم زفر، فقال بقول الجمهور إلا أنه قال: يتخير من صاع تمر أو نصف صاع بر، وكذا قال
ابن أبى ليلى وأبو يوسف فى رواية، إلا أنهما قالا: لا يتعين صاع التمر، بل قيمته، وفي رواية عن
مالك وبعض الشافعية كذلك، لكن قالوا بتعين قوت البلد قياسا على زكاة الفطر، وحكى البغوى
أن لا خلاف أن لو تراضيا بغير التمر من قوت أو غيره كفى، وأثبت ابن كج الخلاف فى ذلك،

٦٣
إعلاء السنن
بيع المصراة
ومجاهد، والوليد بن رباح، وموسى بن يسار، عن أبى هريرة، عن النبى علّ عليه: ((صاع
وحكى الماوردى وجهين فيما إذا عجز عن التمر، هل تلزمه قيمته ببلده أو بأقرب البلاد التى فيها
التمر إليه؟ وبالثانى قالت الحنابلة اهـ" (فتح ٤: ٣٠٥).
وهذا يدل صريحا على أن الحنفية لم يتفردوا بترك ظاهر الحديث، بل تركه أيضًا غير واحد
من غيرهم حيث لم يراعوا صورة الصاع، ولا صورة التمر بخصوصها، بل أوجبوا قيمته مطلقًا،
أو حين فقدان التمر، أو أوجبوا غالب قوت البلد.
إذا عرفت هذا فاعلم أن الحنفية خالفوا الجمهور فى أصل المسألة كما عرفت، واعتذروا عن
الحديث بوجوه: فمنهم من طعن فى الحديث لكونه من رواية أبى هريرة، ولم يكن كابن مسعود
وغيره من فقهاء الصحابة، فلا يؤخذ بما رواه مخالفا للقياس الجلى، واعترض عليه ابن حجر "بأنه
كلام آذى قائله به بنفسه، وفى حكايته غنى عن تكلف الرد عليه، وقد ترك أبو حنيفة القياس الجلى
لرواية أبى هريرة وأمثاله، كما فى الوضوء بنبيذ الثَمر، ومن القهقهة فى الصلاة وغير ذلك، وأظن
لهذه النكتة أوود البخارى حديث ابن مسعود عقب حديث أبى هريرة، إشارة منه إلى أن ابن
مسعود قد أفتى بوفق حديث أبى هريرة، لولا أن خبر أبى هريرة فى ذلك ثابت لما خالف ابن
مسعود القياس الجلى فى ذلك، وقال ابن السمعانى فى "الاصطلاح": "التعرض إلى جانب
الصحابة علامة على خذلان فاعله، بل هو بدعة وضلالة، وقد اختص أبو هريرة بمزيد الحفظ لدعاء
رسول الله عَ ليه له اهـ" (فتح ٣: ٣٠٥).
والجواب عنه: أن الخطأ فى الفهم ليس بأمر منكر ولا مستبعد، لا من الصحابة ولا من
غيرهم، ألا ترى ابن عباس رد حديث أبى هريرة فى الوضوء مما مسته النار، والوضوء من حمل
الجنازة، بمجرد القياس، وعائشة رضى الله عنها ردت عدة أحاديث ابن عمر بظنها أنه أخطأ فى
الفهم، وكذا عمر رد حديث فاطمة بنت قيس لظنه أنها أخطأت فى الرواية، فلا ينبغى أن يطعن
على من رد حديث أبى هريرة بظن أنه أخطأ فى فهم الحديث، لكونه مخالفا للأصول المعلومة من
الشرع عنده، لأنه ليس فيه بازدراء بأبى هريرة، بل فى اعتقاد أنه لا يمكن أن يخطئ فى الرواية غلو
وتجاوز عن الحد، ثم رد رواية الراوى بمخالفة القياس، ليس قانونا مطردا، بل هو مشروط بشرط أن
يغلب على ظن المجتهد أنه أخطأ فى الرواية، فلا يرد أن أبا حنيفة عمل بحديث أبى هريرة فى
الوضوء بنبيذ التمر، وفى الوضوء بالقهقهة فى الصلاة وغير ذلك، فکیف رد حديثه هنا لأنه حصل
له الظن هنا بمخالفة قياس الأصول أن أبا هريرة أخطأ فى الرواية، ولم يحصل هناك هذا الظن، لأنه

ج - ١٤
بيع المصراة
٦٤
تمر)). وقال بعضهم عن ابن سيرين: ((صاعا من طعام، وهو بالخيار ثلاثا)). وقال بعضهم
لم يكن هناك قياس الأصول حتى تتحقق مخالفته، وهذا على سبيل التنزل، وإلا فسوف تعلم أن أبا
حنيفة لم يرد حديث أبى هريرة بمخالفة القياس، بل تأوله بحمله على محمل صحيح، فافهم.
(أما فتوى ابن مسعود فلا يدل على صحة رواية أبى هريرة، لأنه يحتمل أن يكون مأخذه هو
رواية أبى هريرة هذه، بأن يكون ابن مسعود سمع الحديث من أبى هريرة وأفتى به، وفرق ما بين أن
يسمع فقيه رواية من رسول الله عَ ظُّه، وأن يسمع من غيره ويفتى به، فلا حجة لهم فى فتوى ابن
مسعود، فافهم).
وقال ابن حجر أيضًا: "إنه لم يتفرد به أبو هريرة، بل رواه ابن عمر عند أبى داود والطبرانى
وأنس(١) عند أبى يعلى وعمرو بن عوف(٢) عند البيهقى ورجل(٣) من أصحاب النبى عند أحمد.
فالجواب عنه أن حديث ابن عمر الذى عند أبى داود، قد ضعفه ابن حجر، وأما الأحاديث الأخر
فلم أقف عى أسانيدها، ولا على متونها حتى ينظر فيها.
ومنهم من قال: إن الحديث مضطرب لذكر التمر فيه تارةً، والقمح آخر، واللبن آخر،
واعتباره بالصاع تارةً، وبالمثل أو المثلين تارةً، وبالإناء أخرى، وأجاب عنه ابن حجر "بأن الطرق
الصحيحة لا اختلاف فيها، والضعيف لا يعل به الصحيح اهـ".
والجواب عنه أن الاضطراب ثابت فى الطرق الصحيحة أيضًا، لأنه ورد فى بعضها: ((صاع
من تمر))، وفى بعضها: ((صاع من طعام لا سمراء))، وفى بعضها: ((صاع من بر لا سمراء))، وفى
بعضها: ((صاع من طعام، أو صاع من تمر)) على الترديد، وهذه طرق صحاح أخرجها ابن حجر
نفسه ولم يتكلم عليه، ولو سلم صحة رواية: ((صاع من تمر)) دون غيرها فلا يدرى أن المقصود منه
(١) أخرجه الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (٨١:٤) بلفظ: ((من اشترى شاة محفلة فليحلبها ثلاثة أيام، فإن ردها فليردها بصاع من
تمر)). قال: وفيه إسماعيل بن مسلم المكى وهو ضعيف اهـ.
(٢) لم أقف عليه، ولعلى أظفر بـ"سنن البيهقى" عن قريب فأطلع عليه، ثم ظفرت بها - والحمد لله - فلم أجد فيها عن عمرو بن
عوف شيئا، وإنما فيها عن عوف عن الحسن مرسلا أن النبى معَّ قال: ((من اشترى مصراة أو لقحة مصراة فهو بأحد النظرين
بين أن يردها وإناء من طعام، أو يأخذها)). قال البيهقى: "هذا هو المحفوظ مرسل، وقد رواه إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن
أنس بن مالك اهـ" (٣١٩:٥)، وهذا مما يقوى الاضطراب فى الحديث، فإنه لم يذكر صاعا ولا تمرا، وإنما قال: إناء من طعام.
(٣) ذكره الحافظ نفسه فى "الفتح" وصححه، وفيه: ((إن ردها رد معها صاعا من طعام، أو صاعا من تمر))، كما سيأتى، وهو يقوى
الاضطراب فى متن الحديث، ويرد ما ذكروه من التأويلات لرفع الاضطراب عن روايات ابن سيرين فيه. ظ
4
F
جز
فا

٦٥
إعلاء السنن
بيع المصراة
عن ابن سيرين: صاعا من تمر ولم يذكر ثلاثا، والتمر أكثر أخرجه البخارى (٢٨٨:١).
خصوصية التمر أو مقدار ماليته؟ ولا يعلم أيضًا أن هذا التقدير بالنسبة إلى عصره أو عام بجميع
الأزمنة؟ ثم بعض الطرق صرح فيها التقدير بثلاثة أيام، وفى بعضها لم يصرح به، ثم لا يعلم أن
التقدير بثلاثة أيام يعتبر بعد العلم بالتصرية، أو من وقت العقد؟ ومن أجل أمثال هذه الاحتمالات
حصل الاضطراب، وتعذر العمل فوجب الترك.
ومنهم من قال: إنه معارض لعموم القرآن، كقوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما
عوقبتم به﴾. "وأجاب عنه ابن حجر بأنه من ضمان المتلفات لا العقوبات، والمتلفات تضمن بالمثل
وبغير المثل اهـ". والجواب عنه أن العقوبات من جزاء الفعل وضمان المتلفات من جزاء المحل،
والمقتضى للمماثلة هو كونه جزاء لا خصوصية الفعل، فالفرق باطل، وقوله: "المتلفات تضمن
بالمثل وبغير المثل" ممنوع، كما سيأتى.
ومنهم من قال: إنه مخالف لقیاس الأصول، وقیاس الأصول مقطع به، وهذا خبر الواحد
ظنى فلا يعارضه، وأجاب عنه ابن حجر بوجوه: الأول: أن التوقف فى خبر الواحد، إنما هو فى
مخالفة الأصول لا فى مخالفة قياس الأصول، وهذا الخبر إنما خالف قياس الأصول، بدليل أن
الأصول الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والكتاب والسنة فى الحقيقة هما الأصل والآخران
مردودان إليهما، فالسنة أصل والقياس فرع، فكيف يرد الأصل بالفرع؟ بل الحديث الصحيح أصل
بنفسه، فکیف یقال: إن الأصل يخالف نفسه اه؟
والجواب عنه أن ما قال ابن حجر مبنی علی عدم فهمه معنی قیاس الأصول، لأنه فهم من
القياس القياس الأصولى الذى هو تقدير الفرع بالأصل، ومن الأصول الكتاب والسنة والإجماع
والقياس، وليس الأمر كما فهم، بل معنى قياس الأصول، هو مقتضى الأصول الكلية، والمعنى أن
الحديث مخالف بما تقتضيه الأصول الكلية فى باب التضمين والتغريم وغيرهما، وهى أن الجزاء إنما
يكون بالمثل، والمثل قد يكون صوريا، وقد يكون معنويا، والصورى مقدم على المعنوى مهما أمكن
إلى غير ذلك، وهذه أصول ثابتة من الشريعة، والحديث مخالف لها، فلا يعمل به، وحينئذ لا يرد
عليه ما أورد، وما قال: "إن الحديث أصل بنفسه، فكيف يقال: إن الأصل يخالف نفسه؟"، فهو
فاسد، لأنه مبنى على أن يراد من الأصول الأصول الأربعة، وقد بينا أن المراد منه القواعد الكلية،
ولو سلم فلا استبعاد فى مخالفة أصل الأصل، فإن الحديث قد يعارض الكتاب، وقد يعارض
الحدیث الآخر، کما لا يخفى.

٦٦
ج - ١٤
بيع المصراة
والثانى: "أنه على تقدير التسليم يكون قياس الأصول يفيد القطع وخبر الواحد لا يفيد إلا
الظن، فتناول الأصل لما يخالف هذا الخبر الواحد غير مقطوع به، لجواز استثناء محله من ذلك
الأصل". والجواب أن دعوى الاستثناء قبل ورود الخبر مكابرة صريحة، وبعد ورود الخبر يكون
ذلك الاستثناء بالمعارضة، والظنى لا يعارض القطعى، ثم لا وجه لكونه مستثنى بعد كونه مماثلا
لسائر الأفراد، فإبداء هذا الاحتمال غير الناشئ عن الدليل لا ينفعه، وجعل هذا الحديث دليلا على
الاستثناء مصادرة على المطلوب، فاندفع الجواب.
ثم قال ابن حجر: "قال السمعانى: متى ثبت الخبر صار أصلا من الأصول، ولا يحتاج إلى
عرضه على أصل آخر، لأنه إن وافقه فذاك، وإن خالفه فلا يجوز رد أحدهما، لأنه رد للخبر
بالقياس، وهو مردود بالاتفاق، فإن السنة مقدمة على القياس بلا خلاف إلى أن قال: والأولى
عندى فى هذه المسألة تسليم الأقيسة، لكنها ليست لازمة، لأن السنة الثابتة مقدمة عليها اهـ".
والجواب (أن هذا هو النزاع فى الأصل، فإن الأصل عندنا إنما هو الكتاب والسنة المشهورة،
وأما خبر الواحد فإنما يكون أصلا إذا لم يرد على خلاف الكتاب والسنة المشهورة، فكلام ابن
السمعانى) مبنى على أنه فهم من القياس، القياس الأصولى، وقد عرفت أنه خطأ (بل المراد بقياس
الأصول ههنا القواعد الكلية المجمع عليها المستندة إلى النصوص القطعية والسنن المشهورة)،
ولو سلم فتقدم السنة الظنية على القياس المقطوع به بالاتفاق غير مسلم، كيف؟ وهم
يصرحون بقطعية قياس الأصول وظنية خبر الواحد، فكيف يقدم عليه السنة الظنية الثبوت
ومحتملة الدلالة؟
والوجه الثالث فى الجواب أنه قال: وعلى تقدير التسليم فلا نسلم أنه مخالف لقياس
الأصول، لأن الذى ادعوه عليه من المخالفة بينوها بأوجه: أحدها: أن المعلوم من الأصول أن ضمان
المثليات بالمثل، والتقومات بالقيمة، وههنا إن كان اللبن مثليا فليضمن باللبن، وإن كان متقومًا
فليضمن: أحد النقدين، وقد وقع ههنا مضمونا بالتمر مخالف الأصل. والجواب منع الحصر، فإن
الحر يضمن فى ديته بالإبل، وليست مثلا له، ولا قيمة، وأيضًا؛ فضمان المثل بالمثل ليس مطردا،
فقد يضمن المثل بالقيمة إذا تعذرت المماثلة، كمن أتلف شاة لبونا كان عليه قيمتها، ولا يجعل
بإزاء لبنها لبن آخر لتعذر المماثلة اهـ.
والجواب عنه أن الأصل المذكور متعلق بما له مثل أو قيمة، كاللبن فيما نحن فيه، والحر ليس

٦٧
بيع المصراة
إعلاء السنن
منه كما هو مسلم عنده، فلا يرد النقض به، والشاة ليست من المثليات بل من ذوات القيم، واللبن
الموجود فيها من أجزائها، وتوابعها غير مقصود بالتضمين على الانفراد، كما لا يخفى، فلا يرد به
النقض أيضًا، بخلاف اللبن فيما نحن فيه، فإنه بعد الحلب صار منفردا ومقصودا بالتضمين، فقياسه
على اللبن الموجود فى الشاة قياس مع الفارق، ثم تعذر المماثلة فى اللبن الموجود فى الشاة إنما هو
لجهالة القدر، وهو مفضٍ إلى جهالة القيمة، فكيف يقال: إنه مضمون بالقيمة؟ فظهر أن المقصود
بالتضمين هناك الشاة لا اللبن، فتدبر.
ثم قال: "وثانيها أن القواعد تقتضى أن يكون المضمون مقدرا لضمان بقدر الإتلاف،
وذلك تختلف، وقد قدر هنا بمقدار واحد وهو الصاع، فخرج عن القياس، والجواب منع التعميم
فى المضمونات، كالموضحة فأرشها مقدر مع اختلافهما بالكبر والصغر، والغرة مقدرة فى الجنين
مع اختلافه (فى الذكورة والأنوثة) والحكمة فى ذلك أن كل ما يقع فيه التنازع فليقدر بشىء معين
لقطع التشاجر، وتقدم هذه المصلحة على تلك القاعدة، فإن اللبن الحادث بعد العقد اختلط باللبن
الموجود وقت العقد، فلم يعرف مقداره حتى يوجب نظيره على المشترى، ولو عرف مقداره فو كل
إلى تقديرهما أو تقدير أحدهما لأفضى إلى النزاع والخصام، فقد رد الشارع النزاع والخصام،
وقدره بحد لا يتعديانه فصلا للخصومة، وكان التقدير بالتمر أقرب الأشياء إلى اللبن، فإنه كان
قوتهم إذ ذاك كاللبن، وهو مكيل كاللبن ومقتات، فاشتركا فى كون كل واحد منهما مطعومًا
مقتاتا مكيلا، واشتركا أيضًا فى أن كلا منهما يقتات به بغير صنعة ولا علاج اهـ ".
والجواب عنه أن فى ذلك تسليم لما قلنا: إن حديث المصراة ليس بشرع عام، وإنما قضى
به مَّظلّه مرة من الدهر على سبيل قطع النزاع والخصام الواقع بين المحفلين، ومن يشترى منهم من
أهل المدينة، وكذا التقدير بصاع من تمر وقع بطريق الصلح بينهم لكون التمر غالب قوت البلد
(فأين فيه الدلالة على كونه شرعا عاما فى الأزمان كلها والبلاد بأجمعها؟)، وأيضًا: فإن الكلام
فيما هو من المثليات وذوات القيم، والموضحة والجنين ليسا منهما، فالنقض على القاعدة بهما غير
وارد، والقياس قياس مع الفارق، وما قال فى تحديد المقدار المعين غير صحيح؛ لأن اللبن بعد الحلب
صار مقداره معلومًا، وتجهيل مقداره بأن البعض منه موجود عند الشراء، وبعضه وجد بعد الشراء
ولا يعلم مقدارهما فاسد، لأن الوجود بعد الشراء موهوم، والوجود قبله متيقن، فلا يعارض المحتمل
المتيقن، فينبغى أن يجعل الكل موجودا عند العقد لينقطع النزاع، ولما كان هذا طريقا إلى قطع

٦٨
ج - ١٤
بيع المصراة
النزاع، وهو أقرب إلى القواعد، فلا حاجة إلى التقدير بصاع من التمر بقطع النزاع.
ولو سلم فهناك طريق آخر لقطع النزاع، هو التحكيم، وهو أيضًا أقرب إلى القواعد،
فلا حاجة إلى تعيين مقدار، وما قال فى تعين الضمان بالتمر فهو إلى الشعر أقرب منه إلى الحكمة،
سلمنا ولكنه لا يضرنا ولا ينفعك، فإنا نقول: إن حديث المصراة ليس من أحكام التشريع حتى
يترك به الأصول، وإنما قاله رسول الله مرّه مرة لقطع النزاع الحادث بين البياعين بطريق التحكيم،
أو من حيث كونه سلطانا حاكما، وأوامره السياسية لا تكون شرعا عاما، بل مقيدة مختصة
بمحالها، کقوله: ((من قتل قتیلا فله سلبه)) نحوه. ١٢ظ
ثم قال: "ثالثها أن اللبن المتلف إن كان موجودا عند العقد، فقد ذهب جزء من المعقود عليه
من أصل الخلقة، وذلك مانع عن الرد، وإن لم يكن موجودا فقد حدث على ملك المشترى فلا
يضمنه، وإن كان مختلطا فما كان منه موجودا عند العقد مانع من الرد، وما كان حادثا لا يجب
ضمانه. والجواب أن يقال: إنما يمتنع الرد بالنقص إذا لم يكن لاستعلام العيب وإلا فلا يمنتع اهـ).
والجواب عنه أن هذا التفصيل غير صحيح، لأن العلة التى يقتضى امتناع الرد مشتركة
بينهما، وهو عدم بقاء ما ورد عليه العقد بتمامه.
ثم قال: "رابعها أنه خالف الأصول فى جعل الخيار فيه ثالثا، مع أن خيار العيب لا يقدر
بالثلث، وكذا خيار الملجس عند من يقول به، وخيار الرؤية عند من يثبته. والجواب بأن حكم
المصراة انفرد بأصله عن مماثله، فلا يستغرب أن ينفرد بوصف زائد على غيره، والحكمة فيه أن هذه
المدة هى التى تبين بها لبن الخلقة من اللبن المجتمع بالتدليس غالبا، فشرعت لاستعلام العيب، بخلاف
خيار الرؤية والعيب فلا يتوقف على مدة، وأما خيار المجلس فليس لاستعلام العيب، فظهر الفرق .
بين الخيار فى المصراة وغيرها اهـ". والجواب عنه أن قوله: "إن حكم المصراة إلخ" تسليم
للاعتراض، وليس بجواب عنه، فإن هذا هو الذى يقوله الخصم: إن حديث المصراة وارد على
خلاف ما وردت به السنن المشهورة فى باب الضمان وغيره.١٢ظ
وقوله: "والحكمة فيه إلخ" لا يدفع الإشكال، لأنه لو قال الشارع: إنه بالخيار إذا علم
بالتدليس سواء علم قبل الثلاث أو عند الثلاث أو بعده، لما خرج من نظائره، ولا فات المقصود،
فأى حاجة إلى التحديد بثلاث؟
ثم قال: " خامسها أنه يلزم من الأخذ به الجمع بين العوض والمعوض فيما كان قيمة الشاة

٦٩
بيع المصراة
إعلاء السنن
(مع اللبن المجلوب) صاعًا من تمر، فإنها ترجع إليه مع الصاع الذى هو مقدار ثمنها. والجواب عنه
أن التمر عوض عن اللبن لا عن الشاة، فلا يلزم ما ذكروه".
والجواب أنه لما كان قيمة الشاة مع اللبن صاعا، فكيف يكون قيمة اللبن وحده صاعًا؟
فينبغى أن يكون الجزء من الصاع فى مقابلة الشاة، والجزء الآخر منه فى مقابلة اللبن، فلما رد الشاة
مع الصاع رد الثمن مع المثمن.
ثم قال: " سادسها أنه مخالف لقاعدة الربا فيما إذا اشترى شاة بصاع، فإذا استرد معها صاعا
فقد استرجع الصاع الذى هو الثمن، فيكون قد باع شاة وصاعًا بصاع. والجواب أن الربا إنما يعتبر .
فى العقود لا الفسوخ، بدليل أنهما أو تبايعا ذهبا بفضة لم يجز أن يتفرقا قبل القبض، فلو تقابلا فى
هذا العقد بعينه جاز التفرق قبل القبض اهـ".
والجواب عنه أن هذا إذا وقع الفسخ على ما وقع عليه العقد مسلم، وأما إذا شرط فى الفسخ
زيادة فلا، كما إذا وقع العقد علی درهم ودرهم، ووقع الفسخ علی درهم و درهمین، وفیما نحن
فيه لم يقع الفسخ على ما وقع عليه العقد، بل على ما وقع عليه العقد وشىء آخر.
ثم قال: "سابعها أنه يلزم منه ضمان الأعيان مع بقائها فيما إذا كان اللبن موجودا، والأعيان
لا تضمن بالبدل إلا مع فواتها كالمغصوب. والجواب أن اللبن وإن کان موجودا لکنه تعذر رده
لاختلاطه باللبن الحادث بعد العقد، وتعذّر تمييزه، فأشبه الآبق بعد الغصب، فإنه يضمن قيمته مع
بقاء عينه لتعذر الرد اه".
والجواب عنه أن تعذر الرد غير مسلم ههنا، أما أولا فلأن الاختلاط غير معلوم، وأما ثانیا
فلأنه لو كان الاختلاط معلومًا فللمشترى أن يترك حقه، ويرد اللبن كله إلى البائع، وهو أهون من
رد الصاع، فكيف يقال: إنه تعذر رده؟ بخلاف الآبق فإنه ليس فى قدرة الغاصب تسليم عين الحق،
فقياس أحدهما على الآخر قياس مع الفارق.
ثم قال: "ثامنها أنه يلزم إثبات الرد بغير عيب ولا شرط، أما الشرط فلم يوجد. وأما العيب
فنقصان اللبن لو کان عيبًا لثبت به لرد من غير تصریة. والجواب أن الخیار یثبت بالتدليس، كمن
باع رحى دائرة بماء جمعه لها بغير علم المشترى، فإذا اطلع عليه المشترى كان له الرد، وأيضًا:
المشترى لما رأى ضرعا مملوءٌ لبنا ظن أنه عادة لها، فكان البائع شرط ذلك، فتبين الأمر بخلافه،
فثبت له الرد بفقد الشرط المعنوى، لأن البائع يظهر صفة المبيع تارة بقوله، وتارة بقوله إلخ".

٧٠
. ج - ١٤
بيع المصراة
والجواب عنه أن مطلق التدليس غير موجب للرد، ألا ترى أنه لو باع شاة قد أشبعها بالطعام
والشراب فانتفخ بطنها، فاشتراها أحد بظن أنها حامل، أو سود أنامل العبد حتى ظنه المشترى
كاتبا، لم يكن له حق الرد؟ كما سيأتى. والرد فى مسألة الرحا ليس لأجل التدليس، بل لأن انقطاع
الماء عيب فى الرحا، وأيضًا التدليس بما ليس بعيب لا يوجب الرد، وقلة اللبن ليس بعيب، لأن زيادة
اللبن ليس من موجبات العقد، لأنه ليس فى حكم شرط السلامة من العيب، وإن جعل عيبا، فينبغى
أن يثبت الرد بدون التصرية أيضًا.
وقال ابن دقيق العيد فى "شرح عمدة الأحكام": لم يقل أبو حنيفة بهذا الحديث، وروى
عن مالك قول أيضًا بعدم القول به، والذى أوجب ذلك أنه قيل: حديث مخالف لقياس الأصول
المعلومة، وما كان كذلك لا يجب العمل به، أما الأول: وهو أنه مخالف لقياس الأصول المعلومة
فمن وجوه - ثم سرد تلك الوجوه مثل ما نقلنا عن ابن حجر - ثم قال: وأما المقام الثانى: وهو إن
كان من أخبار الآحاد مخالفا لقياس الأصول المعلومة لم يجب العمل به، فلأن الأصول المعلومة
مقطوع بها من الشرع، وخبر الواحد مظنون، والمظنون لا يعارض المعلوم، ثم قال: أجاب القائلون
بظاهر الحديث بالطعن فى المقامين جميعا، أعنى أنه مخالف للأصول، وأنه إذا خالف الأصول
لم یجب العلم به.
أما المقام الأول: وهو أنه مخالف للأصول، فقد فرق بعضهم بين مخالفة الأصول، ومخالفة
قياس الأصول، وخص الرد بخبر الواحد بالمخالفة فى الأصول، لا بمخالفة قياس الأصول، وهذا
الخبر إنما يخالف قياس الأصول، وفيه نظر (وقد بينا وجه النظر فيما قبل). وسلك آخرون بتجريح
جميع هذه الاعتراضات والجواب عنها، ثم سرد الجوابات على ما نقلناها عن ابن حجر، وفرغنا
عن إبطالها.
ثم قال: "والمقام الثانى وهو النزاع فى تقديم قياس الأصول على خبر الواحد، فقيل: إن خبر
الواحد أصل بنفسه يجب اعتباره، لأن الذى أوجب اعتبار الأصول نص صاحب الشرع عليها،
وهو موجود فى خبر الواحد، فيجب اعتباره، وأما تقديم القياس على الأصول باعتبار القطع،
وكون خبر الواحد مظنونا فتناول الأصل بمحل خبر الواحد غير مقطوع به، لجواز استثناء محل
خبر الواحد عن ذلك الأصل، وعندى أن التمسك بهذا الكلام أقوى من التمسك بالاعتذارات عن
المقام الأول اهـ" (إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ١١٩:٣-١٢٣).

٧١
بيع المصراة
إعلاء السنن
وقد عرفت فيما مر أن التمسك بالكلام المذكور ضعيف أيضًا، لأن مجرد الاحتمال غير
الناشئ عن الدليل غير قادح فى القطعية، وجعل خبر الواحد دليلا مصادرة.
وقال محشيه: قال فى "العدة": "أقول: هذا ناظر إلى قطعية الدلالة وظنيتها، وأن الأصول
تفيد القطع، وخبر الواحد يفيد الظن، والمقطوع مقدم على المظنون، فأجاب بأن تناول الأصل الذى
يفيد القطع لمحل خبر الواحد غير مقطوع به، لجواز أنه مخصص ومستثنى من ذلك الأصل،
فالتحقيق أن شمول الأصل المقطوع به لهذا الفرد مظنون، والدليل بتخصيص هذا الفرد بحكمه
يفيد الظن، وليس أحد الظنين بأولى من الآخراهـ".
وفيه أن ظنية دلالة الأصول غير مسلم عندنا، ولو سلم فالأصول قطعية الثبوت ظنية الدلالة،
وخبر الواحد ظنى الثبوت وظنى الدلالة، فلا يستويان ثم لا نسلم استواء كل ظنين، لأن الخبر
المشهور أيضًا ظنى إلا أنه مقدم على خبر الواحد، فلو كانت الأصول ظنية الدلالة لم تكن ظنية
دلالتها أدنى من ظنية ثبوت الخبر المشهور، فكيف يعارضها خبر الواحد؟ وكيف يصح أن يقال:
إن ليس أحد الظنين بأولى من الآخر؟ فثبت من هذا التفصيل أنه ليس عند القائلين بظاهر الحديث
جواب عما اعتذر به التاركون بظاهره.
ومنهم من قال: إن الحديث منسوخ، ولا حجة عليه لهذا القائل، ومنهم من قال: إن
الحديث محمول على ما إذا اشترى شاة بشرط أنها تحلب خمسة أرطال مثلا، وشرط الخيار،
فالشرط فاسد، فإن اتفقا على إسقاطه فى مدة الخيار صح العقد، وإن لم يتفقا بطل، وأما رد الصاع
فلأنه کان قيمة رد اللبن فى ذلك الوقت، وهذا كلام فاسد، وفساده ظاهر.
هكذا وقع القيل والقال فيما بينهم، وقد ظهر منه أن الاعتذارات التى اعتذر بها الحنفية
عامتها صحيحة، والأجوبة التى أجاب بها المخالفون مردودة عليهم، ولكن لا حاجة إلى رد الحديث
بناء على الاعتذارات المذكورة، لأنه يمكن تأويله بحيث لا يخالف الأصول، وهو أن يقال: إن
الحديث محمول على المصالحة؛ لأنه لا يخفى على من هو عارف بالسيرة النبوية أن بعض أحكامه
فى فصل الخصومات كانت على وجه القضاء، وبعضها على وجه القضاء، وبعضها على وجه
المصالحة، كما قال مطلّ لكعب بن مالك حین تقاضی ابن أبى حدرد دینا كان له علیه، وارتفعت
أصواتهما: "ضع من دينك هذا أى الشطر"، وكما قال للزبير حين تخاصم هو ورجل من الأنصار
فى شراج الحرة: اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك. وإذ لم يرض به الأنصارى، وقال: يا رسول الله!

ج - ١٤
بيع المصراة
٧٢
إن كان ابن عمتك، قضى بقضاء آخر، وقال: ((اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر»
فعلم منه أن القضاء الأول كان قضاء المصالحة والقضاء الثانى كان قضاء الحكم. فإذا ثبت أن
أقضيته كانت على وجهين فينبغى أن يحمل الحديث على قضاء المصالحة، وحينئذ يحتمل أن يكون
وقع هذا القضاء فى قضية خاصة بأن ادعى رجل على رجل أنه باع منه محفلة، وقضى له
رسول الله عَّ ◌ُّه بالرد، وقضى عليه بصاع التمر؛ لأن كان استهلك من لبن البائع(١) ما كان قيمته
صاعا من التمر، وفهم منه الراوى أنه قانون لكل من يشترى مصراة، ورواه بالعموم.
ويحتمل أن يكون ورد منه مرّ له الحكم على وجه العموم، كما رواه عنه الرواة، وحينئذ
يكون قوله: ((صاعا من التمر))، محتملا لوجهين: أحدهما: أن يكون خصوصية الصاع والتمر
مقصودة، ولا يكون هذا مخالفا للأصول لأن الأصول مبنية لحكم القضاء، وهذا مبين لحكم
المصالحة التى حقيقتها المشورة للبائع والمشترى، لا الإلزام والإجبار. وثانيهما: أن لا يكون
خصوصية الصاع والتمر مقصودة، بل المقصود هو قيمة اللبن كائنة ما كانت، وبالغة ما بلغت، إلا
أنه ذكر صاعا من التمر على وجه التمثيل، لكونه قيمة اللبن فى ذلك الزمان، وأيا ما كانت
فالحديث لا يخالف مذهب أبى حنيفة رحمه الله؛ لأن أبا حنيفة لا ينكر المصالحة بهذه الطريق،
ولا يخالف الأصول، لأن الأصول المذكورة لا تتعرض للمصالحة علی أی وجه وقعت، وحينئذ
ينقلب ريح اللائمة على الذين يطعنون أبا حنيفة بمخالفة الحديث، بأنهم يتركون الأصول الكلية
المقطوع بها بحديث ظنى محتمل للوجوه بجمله على حكم القضاء مع أنه يمكن العمل بالأصول
والحديث، بحمل الأصول على القضاء، وحمل الحديث على المصالحة من غير تكلف، ثم يخالفون
الحديث أيضًا كما يتبين ذلك من الاختلافات التى نقلناها من شرح عمدة الأحكام و "الفتح" فيما
سلف. وحاصل الكلام أن أبا حنيفة لم يخالف الحديث ولم يتركه، بل عمل به بحمله على المصالحة،
وعمل بالأصول بحملها على القضاء، وهذا من دقة فهم أبى حنيفة رضى الله عنه، والله أعلم.
(قلت: ولو حمله على ما حملناه أنه حكم بذلك مرة من حيث كونه سلطانا لرفع النزاع من
بين التجار، ولمنعهم من التدليس بالتحفيل ونحوه، ولم يكن ذلك شرعا عاما، بل حكما موقتا،
(١) هل يصح عند الحنفية كون ما حلبه المشترى من لبن المصراة للبائع؟ كلا! بل هو فى ملك المشترى لكون الشاة فى ضمانه،
والأولى: أن يقال: إنه قضى عليه بصاع من تمر تطييبا لقلب البائع، كما طيب قلب المشترى بجعله بخير النظرين بعد الحلب،
أن يأخذها أو يردها من غير أن يشترط له الخيار عند العقد. ١٢ظ

٧٣
بيع المصراة
إعلاء السنن
كقوله: ((من قتل قتيلا فله سلبه)) لم يرد عليه عموم الحديث، فإن لفظه فى جميع طرقه عام، لم نعثر
على طريق واحد له ورد بلفظ خاص، فالظاهر أن الحكم حين وروده وقع عاما، ولكنه لم يكن من
حيث التشريع، بل من حيث السياسة، والسلطنة لرفع النزاع من بين الرعية، والأحكام السياسية
لا تكون شرعا عاما بل تكون مختصة.
ومقتضى ذلك أن يجوز للإمام أحيانا أن يأمر أهل السوق بمقتضى هذا الحديث، ویقضی به
فيما بينهم إذا رأى المصلحة فيه، والنزاع غير مرتفع إلا به، لم أره صريحا، ولكنه مقتضى القواعد،
فقد أجازوا قسمة الغنائم فى دار الحرب مع أن المذهب خلافه إذا رأى الإمام حاجة الغانمين إليها،
فكذا هذا، وقد صرحوا أيضًا، بأن المشقة تجلب التيسير، وتذكر قول ابن القيم فى باب السلب
للقتيل: ومأخذ النزاع أن النبى معَّه كان هو الإمام (أى السلطان) والحاكم، والمفتى، وهو الرسول،
فقد يقول الحكم بمنصب الرسالة، فيكون شرعا عاما إلى يوم القيمة، كقوله: ((من أحدث فى أمرنا
هذا ما ليس منه فهو رد))، وقد يقول بمنصب الفتوى، كقوله لهند بنت عتبة امرأة أبى سفيان، وقد
شكت إليه شح زوجها: ((خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف))، فهذه فتيا لا حكم، إذ لم يدع بأبى
سفيان، ولم يسأله عن جواب الدعوى، وقد يقوله بمنصب الإمامة، فيكون مصلحة للأمة فى ذلك
الوقت، وذلك المكان، وعلى تلك الحال، فيلزم من بعده من الأئمة مراعاة ذلك على حسب
المصلحة التى راعاها النبى عّ لّه زمانا ومكانا وحالا، ومن ههنا تختلف الأئمة فى كثير من المواضع
التى فيها أثر عن النبى معَّه كقوله: ((من قتل قتيلا فله سلبه))، هل قاله بمنصب الإمامة (والسلطنة)
فيكون حكما متعلقا بالأئمة، أو بمنصب الرسالة والنبوة فيكون شرعا عاما، وكذلك قوله: ((من
أحيا أرضا ميتةً فهى له اهـ)) (٤٥٥:١). قلت: وكذلك قوله: ((من اشترى مصراة فهو بخير
النظرين)) قاله بمنصب الإمامة عند أبى حنيفة، فيكون متعلقا بالأئمة، إن رأى الإمام مصلحة فيه أخذ
به وإلا لا، ولم يقله من حيث النبوة والرسالة حتى يكون شرعا عاما للأبد، ودليل ذلك كون
الحديث واردا على خلاف الأصول العامة التى دل عليها الكتاب والسنة فى باب الضمان، فافهم.
والله تعالى أعلم.١٢ ظ
فائدة: روى أبو حنيفة، عن حماد، عن عمرو بن دينار المكى، عن جابر بن يزيد، قال: ((إذا
قام المتبايعان من مجلسهما فلا خيار))، أخرجه الحافظ طلحة بن محمد فى "مسنده" من طريق بشر
ابن الوليد، عن أبى يوسف عنه، كما فى "جامع المسانيد" (٢٥:٢). وجابر هو ابن زيد أبو الشعثاء

٧٤
ج - ١٤
تتمة باب بيع المصراة
٤٩٣٢- عن عروة، عن عائشة رضى الله عنها: "أن رجلا اشترى غلاما فى
زمن رسول الله عَّ له، فكان عنده ما شاء الله، ثم رده من عيب وجده، فقضى رسول
الفقيه فيما أحسب، وفيه رد على من حكى عن أبى حنيفة أنه قال فى حديث ((البيعان بالخيار ما
لم يتفرقا)) إلخ: ليس بشىء، فلو كان الحديث باطلا عنده لم يروه، ولم يحدث به، لا مرفوعا،
ولا موقوفا، وفيه دلالة على أن القيام من المجلس يبطل الخيار، أى خيار الشرط يعنى إذا شرط أحد
المتعاقدين الخيار لنفسه بعد قيامه، أو قيام صاحبه عن المجلس لا يصير البيع بذلك بيع الخيار، بل هو
صفقة لازمة، فلا يصح شرط الخيار فى البيع إلا فى مجلس البيع قبل تبدله، أو يبطل به خيار القبول
على الوجه الذى مر ذكره مستوفى، فلا حجة فيه لمن فسر التفرق بتفرق الأبدان، وأثبت للعاقدين
الخيار فى المجلس بعد تمام الإيجاب والقبول من غير أن يذكرا شرط الخيار، فافهم. فإن الاحتمال
يضر بالاستدلال، وإنما أشبعنا الكلام فى هذا الباب لكونه معترك الأفهام عند أولى الألباب، والحمد
الله العلى الوهاب، على ما علم وفهم من معانى السنة والكتاب.
تتمة باب بيع المصراة
قوله: "عن عروة إلخ"، قلت: قد مر فى مقدمة الكتاب أن ما تلقاه الناس من أخبار الآحاد
بالقبول فهو عندنا فى معنى المتواتر، كما ذكره الجصاص فى مواضع من "أحكام القرآن" له،
فحديث ((الخراج بالضمان)) صحيح حجة بمنزلة المتواتر مجمع على العمل به، وعارضه حديث
المصراة؛ لأن اللبن فضلة من فضلات الشاة ونحوها، ولو هلكت لكان من ضمان المشترى فكذلك
فضلاتها تكون له، فكيف يغرم بدلها للبائع؟ قاله الطحاوى، كما فى "فتح البارى" (٣٠٦:٥).
وليس حديث المصراة مما أجمع على العمل به، قد اختلفوا فيه على وجوه، قد مر ذكره فى كلام
الحبيب، هو مع ذلك مضطرب المتن أيضًا کما ستعرفه، فلا يجوز رد ما أجمع عليه بمثله، بل يؤخذ
بما أجمع على العمل به، ويحمل هذا الحديث على محمل حسن، وهو ما قد مر ذكره مستوفى.
الرد على صاحب " عون المعبود" فى قوله: إن الحنفية
أخذوا فى باب المصراة بالقياس وردوا به الحديث:
وبهذا ظهر بطلان قول مؤلف "العون": "أخذ الحنفية فى هذه المسألة بالقياس أنت تعلم
أن القياس فى مقابلة النص فاسد الاعتبار فلا يعتبر به اهـ" (٢٨٤:٣). وهذه فرية بلا مرية، ورمية

٧٥
تتمة باب بيع المصراة
إعلاء السنن
عَّ برده بالعيب، فقال المقضى عليه: قد استغله، فقال رسول الله عَ ليه: الخراج
بلا رؤية رجما بالغيب، فلو كان أبو حنيفة ممن يرد الحديث بمجرد القياس لرد حديث فساد الصلاة
والوضوء بالقهقهة، وحديث البناء على ما مضى من الصلاة لمن رعف أو سبقه الحدث فيها، ولم
يجعل جعل الآبق أربعين درهما، وغير ذلك من الأحاديث الواردة على خلاف القياس،
وللمحدثين فى صحتها كلام، فكيف يظن بمثله أن يرد الحديث الصحيح بمجرد القياس؟ حاشاه
من ذلك، فقد علم المحفوظون آمة محمد عٍَّ أن أبا حنيفة أول من رد القياس والرأى بالحديث،
ولو ضعيفًا أو مرسلا أو منقطعا، فمن عزا إليه أنه رد حديث المصراة بالقياس فقد افترى إثما
عظيما، واقترف بهتانًا وإثما مبينا، بل الأمر أنه رآه معارضًا لحديث ((الخراج بالضمان)) المتلقى
بالقبول المجمع على العمل به، فعمل بالترجيح وأخذ به، وحمل حديث المصراة على محمل حسن.
والترجيح بين المختلف من الحديث لم يزل من دأب العلماء قديمًا وحديثًا، فترى المحدثين
يأخذون من الأحاديث الكثيرة الواردة فى باب بحديث أو حديثين، ويردون ما سواه بجرح فى
الرواة وطعن فيهم، أو بعلة من علل الحديث سواه، فهذا صاحب "العون" نفسه قد رد حديث
جميع بن عمير عن عبد الله بن عمر فى المصراة مع سكوت أبى داود عنه، وسكوته عن شىء فى
"السنن" حجة، وقال: "فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين الحديث الأول من الباب؟
قلت: أجاب الحافظ بأن إسناد هذا الحديث ضعيف اهـ".
أبو حنيفة وأصحابه لا يرجحون برد الأحاديث بعضها ببعض
بل بحمل مختلفها على محامل مختلفة حسنة:
فوا عجبا تردون حديثا بحديث ولا يستنكر ذلك منكم، ولا تعدونه ذنبا ولا شيئا، وإذا
رجح أبو حنيفة أو أصحابه حديثا على يستنكر ذلك منهم، ويتهمون بالقياس والرأى، فلا حول
ولا قوة إلا بالله، مع أن أبا حنيفة وأصحابه لا يرجحون برد الأحاديث بعضها ببعض، وإنما
يرجحون بحملها على محامل مختلفة حسنة.
رد الحديث بمجرد قول واحد من الناقدين فيه: فلان ضعيف
أشد وأشنع من رده بالقياس المأخوذ من نص الكتاب والسنة المشهورة:
ولو رجع صاحب "العون" إلى نفسه، وأخذ بعروة العدل أو تمسك بذيل الإنصاف، لعلم
أن رد الحديث المخرج فى الصحاح بمجرد قول واحد من الحفاظ: إن إسناده ضعيف، أشد وأشنع
.

٧٦
تتمة باب بيع المصراة
ج - ١٤
بالضمان)). رواه "الشافعى، وأحمد، وأصحاب السنن، والحاكم". مطولا ومختصرا،
وصححه ابن القطان، وقال ابن حزم: "لا يصح" (التلخيص الحبير ٢٤٠:٢)، وقال
من رده بالقياس المأخوذ من النصوص القرآنية، والأحاديث المشهورة المتلقاة بالقبول، لكون مثل
هذا القياس مستندا إلى كلام الشارع فى الجملة، بخلاف طعن المحدث فى واحد من الرواة،
وجرحه فى عدالته، فليس من الاستناد إلى الشارع فى شىء، لا سيما إذا كان جرحه معارضا
بتعديل غيره وتوثيقه، فلو سلمنا أن أبا حنيفة رد شيئا من الأحاديث بالقياس فخصومه قد ارتكبوا
ما هو أشد من ذلك، وأشنع عند الفضلاء من الناس، كيف؟ وما عزوه إلى أبى حنيفة لا يكاد
يصح، فقد قال ابن حزم: "جميع الحنفية مجمعون على أن مذهب أبى حنيفة أن ضعيف الحديث
عنده أولى من الرأى"، كذا فى "الخيرات الحسان" (ص ٧٨)، وما عزوناه إلى خصومنا لا يخفى
صحته على واحد، ولا ینکره منکر، ولا يجحده جاحد.
الرد على ابن حزم فى طعنه على الإمام بمخالفة الرسول:
واندحض بما ذكرنا ما قاله ابن حزم فى "المحلى"، وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: إن
كان اللبن (أى لبن المصراة) حاضرا لم يتغير ردها ورد اللبن، ولا يرد معها صاع تمر ولا شيئا، وإن
كان قد أكل اللبن لم يكن له ردها، لكن يرجع بقيمة العيب فقط، وهذا خلاف ظاهر لأمر رسول
الله عَّهِ، نعوذ بالله من ذلك، وقال أبو يوسف: إن كان قد أكل اللبن ردها وقيمة ما أكل من اللبن،
ويكفى من فساد هذين القولين: إنهما خلاف أمر رسول الله عَ ليه، وأنه لا سلف لهم فيه، وما نعلم
أن أحدا قاله قبلهم، وأنه خلاف قول ابن مسعود وأبى هريرة، ولا مخالف لهم من الصحابة، وهم
يعظمون مثل هذا إذا خالف تقليدهم اهـ (٦٧:٩). قلت: فهل قول أبى حنيفة وصاحبیه فى ذلك
مخالف لأقوال رسول الله مَّ بأسرها، أو موافق لبعضها كحديث ((الخراج بالضمان)) ونحوه،
ومخالف لبعضها كحديث "المصراة"؟ فإن ادعى الأول فهو باطل وأبطل، وإن ادعی الثانی، فليس
ذلك بأول قارورة كسرها أبو حنيفة فى الإسلام، فما من أحد من المجتهدين والمحدثين إلا وكذلك
يفعل فى المختلف من الأحاديث، لتعذر العمل بها بأجمعها، فإن كان أبو حنيفة قد خالف حديث
المصراة فخصومه قد خالفوا فى ذلك حديث ((الخراج بالضمان))، وارتكبوا بيع الكالئ بالكالئ،
وقد نهى عنه رسول الله عَّ ◌ُّه، ومن تأمل فيما ذكرناه من تأويل حديث المصراة عرف أن أبا حنيفة
لم یرده ولم يخالفه، بل هو محمول عنده على محمل حسن.

٧٧
تتمة باب بيع المصراة
إعلاء السنن
الترمذى (١٥٤:١): حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم" اهـ،
وقال الطحاوى (٢٠٨:٢): تلقاه العلماء بالقبول وعملوا به" اهـ، فقول ابن حزم:
"لا يصح" رد عليه.
قد خالف ابن حزم ومن وافقه حديث المصراة
حیث زادوا فی الحدیث ما ليس منه:
وإذا كان كذلك فكل ما قاله ابن حزم فيه باطل، وكل ما عزاه إليه من الخلاف غلط بين،
بل المخالف هو ابن حزم نفسه حيث قال: من اشترى مصراة، فله الخيار ثلاثة أيام، فإن شاء أمسك
ولا شىء له، وإن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر ولا بد، وسواء كانت المصراة واحدة، أو اثنتين،
أو ألفا، أو أكثر، لا يرد فى كل ذلك إلا صاعا واحدا من تمر، فإن كان اللبن الذى فى ضرعها يوم
اشتراها حاضرا رده، کما هو حلیبا أو حامضا، فإن كان قد استهلكه رد معها لبنا مثله، وإن كان
قد مخضه أو عقده رده، فإن نقص عن قيمته لبنا رد ما بين النقص والتمام" (٦٦:٩). وقال أيضًا:
"فإن لم يوجد التمر فقيمته لو وجد فى ذلك المكان، أو تكلف المجىء بالتمر ولا بد اه" (٧٠:٩).
فتراه قد أوجب رد اللبن المحلوب أو تضمينه، وإن نقص عن قيمته لبنا رد ما بين النقص
والتمام، وليس هو فى الخبر، وإنما فيه رد صاع من تمر ونحوه، وأوجب ابن حزم قيمة التمر إذا
لم يوجد، وهو خلاف أمر رسول الله عَّ ◌ُّه، فإن قال: إن اللبن مشترى مع الشاة صفقةً واحدة،
والواجب إمساك الصفقة أوردها كما قدمنا بالنصوص، قلنا: فما الفرق بينك وبين من قال: إن
حديث المصراة مخالف للأصول القطعية المأخوذة عن النصوص المجمع عليها، فإن إيجابك رد اللبن
المحلوب، أو تضمينه، وليس هو فى الخبر اعتراف بذلك، كما لا يخفى على من له مسكة، وإن
خالك فى الحديث ما ليس منه ليس بأولى من حمل خصمك إياه على محمل، قد مر ذكره.
وأيضًا قولك: " وإن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر، سواء كانت المصراة واحدة، أو اثنتين
أو ألفا، أو أكثر"، اعتراف منك بكون الحديث واردا على خلاف الأصول، فإن الصاع الواحد من
التمر إن كان بدل اللبن المحلوب، فلا يعقل كونه بدلا لما حلب من مائة شاة، أو ألف، أو أكثر، وإن
لم يكن بدلا له، فلا وجه لإيجابه على المشترى، فإن قال قائل: إنما هو تمر أوجبه الله تعالى للبائع
على المبتاع، كما أوجب الصداق على الزوج لا على المرأة، كما قاله ابن حزم فى "المحلى"
(٦٨:٨)، فتلك من الطوام التى هى بالمضاحك، وبما يأتى به المبرسم أشبه منها بشرائع الإسلام،
وكيف يوجب للظالم الغار المدلس الخادع على المظلوم المغرور المخدوع شيئا زائدا على ما كان له؟

٧٨
ج - ١٤
تتمة باب بيع المصراة
٤٦٣٣- أخرج الطحاوى من طريق ابن لهيعة: ثنا أبوالأسود عن عبد الرحمن بن
سعد، وعكرمة عن أبى هريرة، أن النبى معَّ لّه قال: ((من اشترى شاة مصراة، أو لقحة
مصراة ولم يعلم أنها مصراة، فإنه إن شاء ردها ومعها صاع من تمر، وإ شاء أمسكها"،
رواه الطحاوی (٢٠٨:٢)، وسنده حسن.
٤٦٣٤- عن صدقة بن سعيد، عن جميع بن عمير التيمى، قال: سمعت عبد الله
ولكن ابن حزم لا يدرى ما يخرج من رأسه، سلمنا أنه كالصداق على الزواج، فهل سمعت فى
شرع من الشرائع كون صاع من تمر صداقا لواحدة واثنتين وثلاث وألف من النساء أو أكثر؟ فمن
أين أخذ ابن حزم أنه لا يجب على المشترى أكثر من صاع واحد، ولو كان اشترى ألف مصراة،
فإن قال: أخذته من قوله مَّ له عند البخارى: ((من اشترى غنما مصراة)) والغنم اسم جنس يشمل
القليل والكثير، قلنا: ولكن اسم الجنس لا يقتضى العموم، بل قد يطلق ويراد به الواحد، فلو حملت
هذه اللفظة على الشاة الواحدة بدليل ما فى الروايات الأخر عند البخارى ومسلم وغيرهما، (من
اشترى مصراة، أو شاة مصراة، ومن اشترى محفلة) وهو يتناول الواحدة، وبدليل أن ما جعل
عوضا عن الشىء فى صفقتين وجب إذا كان فى صفقة واحدة، لكان أيسر وأهون مما أتيت به من
الطامة التى لا يأتى بمثلها عاقل.
قوله: "أخرج الطحاوى إلخ"، قلت: الحديث نص فى أن المشترى إنما يرد المصراة إذا
لم يعلم وقت العقد أنها مصراة، وقال أصحاب الشافعى: يثبت له الخيار، وإن علم به، كما فى
"المغنى" (٢٣٤:٤)، وهو قول ابن حزم أيضًا، وهذا خلاف ظاهر لأمر رسول الله عَ لّه.
قوله: "عن صدقة بن سعيد إلخ"، فيه دلالة على صحة قول أبى يوسف وابن أبى ليلى: إن
المشترى يردها ويرد قيمة صاع من تمر، وعزا الموفق فى "المغنى" إلى أبى يوسف أنه يرد قيمة اللبن
(٢٣٤:٤)، فبطل قول ابن حزم: إنه خلاف أمر رسول الله عَّ ◌ُله، واندحض قول الموفق، إن قياس
أبى يوسف مخالف للنص فلا يلتفت إليه اهـ (أيضًا)، بل هو موافق للنص، فإن الطرق يفسر بعضها
بعضا، فتبين بهذا اللفظ أن إيجاب صاع من تمر للبائع على المشترى لم يكن من الشارع كإيجاب
الصداق للزوجة، بل هو من ضمان المتلفات، يؤيده ما رواه سعيد بن منصور، عن فليح بن
سليمان، عن أيوب بن عبد الرحمن عن يعقوب بن أبى يعقوب عن أبى هريرة، عن النبى معَّ لّه قال:
((من اشترى شاة مصراة فالمشترى بالخيار إن شاء ردها وصاعا من لبن))، كذا فى "المحلى" (٢٩:٨).
وأما قول ابن حزم: "فليح متكلم فيه، وأيوب بن عبد الرحمن ضعيف مجهول، ويعقوب

٧٩
تتمة باب بيع المصراة
إعلاء السنن
ابن عمر يقول: قال رسول الله عَ له: من ابتاع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها
ابن أبى يعقوب مجهول فسقط" (٦٩:٩)، فمن إطلاقاته المردودة، فكلهم من رجال "التهذيب"
صدوق، وفليح بن سليمان من رجال الجماعة.
قول أبى حنيفة فى المصراة مؤيد بنصوص الرسول ليس بمخالف لأمره:
وإذا ثبت أن صاعًا من تمر، أو لبن، أو قمح، ليس على المشترى كالصداق على الزوج،
٠٠٠
وإنما هو ضمان ما أتلفه من اللبن لم يصح إيجاب العوض والمعوض كليهما، فلو كان اللبن حاضرا
لم يتغير درها ورد اللبن، ولا يرد معها صاع تمر ولا شيئا، كما قاله أبو حنيفة ومحمد، فلم يكن
قولهما خلافًا لأمر رسول الله عَ ليه، بل مؤيدا بنصوصه، فإن الطرق يفسر بعضها بعضًا.
وإذا عرفت أن الصاع الذى يلزم المشترى، إنما هو من ضمان المتلف، وذلك مختلف،
وقد قدر هنا بمقدار واحد، وهو الصاع، وتعويض اللبن باللبن، أو بالتمر، أو بالطعام، طعام بطعام،
أو مكيل بمكيل، أو موزون بموزون، مع اتحاد الجنس فى بعض الصور، واختلافه فى بعض، وهو
لا يجوز بالنسيئة مرة، وبالتفاضل والنسيئة جميعًا أخرى، كما نطقت به أحاديث الربا، فثبت
بذلك أن حديث المصراة مقدم على تحريم الربا، ومنسوخ به، وأيضًا: فإن لبن المصراة إذا استهلكه
المشترى يصير دينا فى ذمته، فإذا ألزم بصاع من تمر، أو قمح، أو لبن نسيئة صار دينا بدين،
وقد ثبت أن النبى معَّ ◌ُّه نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، وهو نسيئة بالنسيئة، وهذا جواب الطحاوى.
الرد على الحافظ ابن حجر فى تضعيفه حديث النهى عن بيع الكالئ بالکالئ:
وتعقبه الحافظ فى "الفتح": بأن الحديث ضعيف باتفاق المحدثين، وعلى التنزل فالتمر إنما
شرع فى مقابل الحلب، سواء كان اللبن موجودا أو غير موجود اهـ (٢٠٦:٥). قلت: وأين
الاتفاق؟ وقد صحح الطحاوى هذا الحديث، واحتج به، وصححه الحاكم فى "المستدرك" على
شرط مسلم، وأقره الذهبى عليه (٥٧:٣). وأما ما قاله على التنزل فما أشبهه بقول ابن حزم:
كذبتم ما هو لبن بطعام، ولا بتمر، وإنما هو تمر أوجبه الله للبائع على أوجب الصداق على الزوج، ،
لا على المرأة، وكيف يكون الحلب موجبا للضمان؟ ووطئ(١) الأمة المشتراة لا يوجب الضمان
(١) سيأتى الكلام فيه فى باب خيار العيب، وقال العينى فى "العمدة": ثم إن هؤلاء قد زعموا أن رجلا لو اشترى شاة فحلبها، ثم
أصاب عيبا غير التحفيل والتصرية أنه يردها، ويكون اللبن له، وكذلك لو اشترى جارية مثلا فولدت عنده، ثم ردها على البائع
بعيب وجد بها يكون الولد له، قالوا: لأن ذلك من الخراج الذى جعله النبى معَّ للمشترى بالضمان، فقد كان هؤلاء أولى.
بالقول بنسخ الحكم فى المصراة، لكونهم يجعلون اللبن فى حكم الخراج وغيرهم لا يجعلون كذلك اهـ (٥١١:٥).

٨٠
تتمة باب بيع المصراة
ج - ١٤
رد معها مثل أو مثلى لبنها قمحا)). رواه "أبو داود" (٢٨٤:٣). وقال ابن حزم: "فيه
عندكم، وللمشترى أن يردها إلى البائع بعد الوطئ إن وجد بها عيبًا، ولم أكن أظن بالحافظ أن
يرتكب فى حماية المذهب مثل ما ارتكبه ههنا، ومثل ذلك ما تعقب به قول الطحاوى: "إن حديث
المصراة منسوخ بحديث الخراج بالضمان"، فقال: " حديث المصراة أصح منه باتفاق، فكيف يقدم
المرجوح على الراجح؟ اهـ" (٢٠٦:٥). قلت: إن كان الأصحية لكون الحديث مخرجاً فى
"الصحيحين"، أو فى أحدهما فمسلم، أن حديث المصراة أصح منه، ولكن لا نسلم الاتفاق لكون
هذا الأصل متكلما فيه غير متفق عليه، لوجود عدد عظيم من الصحاح مخرجاً فى غير الصحيحين
من المستدركات، والسنن، والمسانيد، والجوامع، والمصنفات، وغيرها، كما لا يخفى.
حديث المصراة ليس بأصح من حديث الخراج بالضمان:
وإن أراد على أصول الحديث وقواعده فلا نسلم أن حديث المصراة أصح من حديث الخراج
بالضمان، أما أولا فلأن حديث المصراة مضطرب المتن جدا، فقد حصلنا عن ابن سیرین فیه علی
أربع روايات ذكر التمر والثلاث، ذكر التمر بدون الثلاث، والطعام بدل التمر كذلك، فالاختلاف
فى ذكر الثلاث وعدمه ممكن التوفيق، بأن من زاد الثلاث معه زيادة علم، وهو حافظ، ولكن
الاختلاف فی ذکر التمر والطعام غير ممكن التوفيق، فرواه أیوب عند مسلم فى "صحيحه" عن ابن
سيرين عن أبى هريرة مرفوعًا: ((صاعًا من تمر لا سمراء)، وروى ابن أبى شيبة وأبو عوانة من طريق
هشام بن حسان عن ابن سيرين: ((لا سمراء یعنی الحنطة))، وروى ابن المنذر من طريق ابن عون،
عن ابن سيرين، أنه سمع أبا هريرة يقول: "لا سمراء تمر ليس بير"، فجمع الحافظ فى "الفتح" بين
هذه الروايات بأن المراد بالطعام التمر، ولما كان المتبادر إلى الذهن أن المراد بالطعام القمح نفاه بقوله:
((لا سمراء)).
تقرير الاضطراب فى ألفاظ حديث المصراة:
لكن يعكر على هذا الجمع ما رواه البزار من طريق أشعث بن عبد الملك، عن ابن سيرين
بلفظ: ((إن ردها ردها ومعه صاع من بر لا سمراء»، فبطل تأويل الطعام بالتمر، وأما إبداء الاحتمال
فيه بأن يكون راويه رواه بالمعنى الذى ظنه مساويا، وذلك أن المتبادر من الطعام البر، فظن الراوى
أنه البر فعبر به، وإنما أطلق (أبو هريرة أن النبى معَّه) لفظ الطعام على التمر؛ لكونه غالب قوت أهل
المدينة، كما فى "فتح البارى"، فمع ما فيه من التكلف والتعسف تمشية للمذهب، يعكر عليه ما