Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١٠ حكم حصير المسجد وحشيشه ونقضه إذا استغنى عنه إعلاء السنن عن عائشة رضى الله عنها قالت: دخل على شيبة الحجبى فقال: يا أم المؤمنين! إن ثياب الكعبة تجتمع عندنا فتكثر، فنزعها ونحفر أبيارًا فنعقمها وندفنها لكى لا تلبسها الحائض والجنب؟ قالت: بئسما صنعت، ولكن بعها فاجعل ثمنها فى سبيل الله وفى المساكين، فإنها إذا نزعت عنها لم يضر من لبسها من حائض وجنب، فكان شيبة يبعث بها إلى الیمن فتباع له فیضعها حیث أمرته. وأخرجه البيهقی من هذا الوجه لکن فی إسناده راو ضعيف، وإسناد الفا کھی سالم منه (فتح البارى ٣٦٥:٣). ولم يحتج إليه جاز أن يجعل فى مسجد آخر أو يتصدق من ذلك على فقراء جيرانه وغيرهم، وكذلك إن فضل من قصبه أو شىء من نقضه، قال أحمد فى مسجد بنى فبقى من خشبه أو قصبه أو شىء من نقضه قال: يعان به فى مسجد آخر أو كما قال. وقال المروزى: سألت أبا عبد الله عن بوارى المسجد إذا فضل منه الشىء أو الخشبة؟ قال: يتصدق به، وأرى أنه قد احتج بكسوة البيت إذا تخرقت تصدق بها، وقال فى موضع آخر: كان شيبة يتصدق بخلقان الكعبة، ثم ذكر أثر المتن برواية الخلال بإسناده عن علقمة عن أمه عن عائشة ثم قال: وهذه قصة مثلها ينتشر ولم ينكر فيكون إجماعًا، ولأنه مال الله تعالى لم يبق له مصرف فصرف إلى المساكين كالوقف المنقطع اهـ (٢٣٠:٦). قلت: وفى الاحتجاج به على جواز تصدق الفاضل من آلات المسجد على فقراء جيرانه نظر فلقائل أن يقول: إن المراد بجعل ثمنها فى سبيل الله جعلها فى مصالح الكعبة، فإنها من سبيل الله أيضًا، كما تقدم. والمراد بالمساكين سدنة الكعبة ومؤذنوها، فقد كان كان غالبهم فقراء، وهو قول أبى يوسف منا، قال المحقق فى "الفتح": وأما الحصر والقناديل: فالصحيح من مذهب أبى يوسف أنه لا يعود إلى ملك متخذه بل يحول إلى مسجد آخر أو يبيعه قيم المسجد للمسجد، ورجح المحقق فى "فتح القدير" قول أبى يوسف بأنه الأوجه، كذا فى "البحر" (٢٥١:٥). وفيه أيضًا عن القنية بعث شمعا فى شهر رمضان إلى مسجد، فاحترق وبقى منه ثلاثة، أو دونه ليس للإمام ولا المؤذن أن يأخذ بغير إذن الدافع، ولو كان العرف فى ذلك الموضع أن الإمام والمؤذن يأخذه من غير صريح الإذن فى ذلك فله ذلك اهـ (٥: ٢٥٠). قلت: فيحتمل أن يكون العرف فى كسوة الكعبة أن الشىء يأخذها إذا صارت خلقانًا مستغنى عنها، وتكون ملكا له يفعل بها ما شاء، فلأجل ذلك أمرته عائشة أن يبيعها ويجعلها فى سبيل الله والمساكين لما رأت من تجنبه عن إنفاقها على نفسه، والله تعالى أعلم. ج - ١٣ حكم حصير المسجد وحشيشه ونقضه إذا استغنى عنه ٢٠٢ ٤٥٦٩- وأخرج (الفاكهى أيضًاً) من طريق ابن أبى نجيح عن أبيه أن عمر كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيقسمها على الحاج (فتح البارى ٣٣٦:٣). وسكوت الحافظ عنه یشعر بصحته، أو حسنه عنده. قوله: وأخرج الفاكهى أيضا إلخ، قلت: والظاهر أن عمر رضى الله عنه كان يكسوها من ماله أو من بيت المسلمين. قال الحافظ فى "الفتح": وقال عبد الرزاق عن ابن جريج: أخبرت أن عمر كان يكسوها القباطى، وأخبرنى غير واحد أن النبى معَّ كساها القباطى والجرات وأبو بكر وعمر وعثمان، وأول من كساها الديباج عبد الملك بن مروان، وأن من أدرك ذلك من الفقهاء قال: أصاب ما نعلم لها من كسوة أوفق منه، قال الحافظ: وقول ابن إسحاق: إن أبا بكر وعمر لم يكسيا الكعبة فيه نظر، لما تقدم عن ابن أبى نجيح عن أبيه أن عمر كان ينزعها كل سنة أهـ ملخصًا (ص ٣٦٧). فإن كان عمر قد كساها من ماله فإنما جاز له قسمتها فى الحاج لأنها إذا خلقت واستغنى عنها رجعت إلى ملكه، فكان له أن يفعل بها ما يشاء، وإن كان قد كساها من بيت مال المسلمين، وهو الظاهر، رجعت إلى بيت المال، ورأى الحاج أحق بها من غيرهم من المسلمين، فالأثر يصلح دليلا لما ذهب إليه محمد بن الحسن منا أن حصر المسجد وغيرها من الآلة إذا وقع الاستغناء عنه يرجع إلى ملك الواقف إن كان حيا، وإلى ورثته إن كان ميتا، وإن بلى ذلك ولم يستغن عنه كان له أن يبيع ويشترى بثمنه حصيرًا آخر، وكذا لو اشترى حشيشًّا أو قنديلا للمسجد فوقع الاستغناء عنه كان ذلك له إن كان حيًا ولورثته إن كان ميتًا، وعند أبی یوسف: يباع ذلك ويصرف ثمنه إلی حوائج المسجد فإن استغنى عنه هذا المسجد يحول إلى مسجد آخر، والفتوى على قول محمد، كذا فى "البحر الرائق" (٢٥٢:٥). والحق أن الاحتجاج بالأثرين المذكورين فى المتن على مسألة الباب لا يتم إلا إذا كان القصد بمال الكعبة إقامتها وحفظ أصولها إذا احتج إلى ذلك، ويحتمل أن يكون القصد منه منفعة أهل الكعبة وسدنتها أو الأعم من ذلك، وعلى كل تقدير فهو تحبيس لا نظير له فلا يقاس عليه. اللهم إلا أن يقال: إن كسوة الكعبة كالحلى والقناديل محبسة عليها لمعنى الزينة إعظامًا لها، فلا يجوز صرفها فى غيرها، كما لا يجوز صرف حليبها وقناديلها فى غيرها، فلما قسمها عمر فى الحاج دل على أن آلات المسجد إذا استغنى عنها رجعت إلى ملك الواقف وإلا لم يكن لفعل عمر هذا محل صحيح، ولا وجه وجيه، فتأمل، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا. ٢٠٣ "إعلاء السنن باب إذا ضاق المسجد بأهله وبجنبه أرض وقف عليه جاز أن يدخل فيه ولو كان ملك رجل أخذ بالقيمة ولو كرهًا ٤٥٧٠- ذكر الأزرقى والإمام أبو الحسن الماوردى وغيرهما من الأئمة المعتمدين أن المسجد الحرام كان فى عهد النبى معَّ وأبى بكر الصديق رضى الله عنه، وليس عليه جدار يحيط به، وكانت الدور محدقة به من كل جانب، وبين الدور أبواب يدخل منها حكم شراء كسوة الكعبة من بنى شيبة: فائدة: قال ابن ظهيرة فی تاریخ مکة له: يجوز بيع ثیاب الكعبة عندنا إذا استغنت عنه، وقال به جماعة من فقهاء الشافعية وغيرهم. ويجوز الشراء من بنى شيبة لأن الأمر مفوض إليهم من قبل الإمام، نص عليه الطرسوسى من أصحابنا (الحنفية) فى شرح منظومة، ووافقه السبكى من الشافعية قال: وعليه عمل الناس. والمنقول عن ابن الصلاح أنّ الأمر فيها إلى الإمام يصرفها فى بعض مصارف بيت المال، بيعا وإعطاء، واستدل بما تقدم عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وفى قواعد صلاح الدين بن خليل: أنه لا يتردد فى جواز ذلك الآن لأجل وقف الإمام ضيعة معينة على أن يصرف ريعها فى كسوة الكعبة، وبعد استقرار هذه العادة والعلم بها، فنزل لفظ الواقف عليها، واستحسن النووى الجواز أيضًا اهـ (ص١٠٩). باب إذا ضاق المسجد بأهله وبجنبه أرض وقف عليه جاز أن يدخل فيه، ولو كان ملك رجل أخذ بالقيمة ولو كرها ترجمة الأزرقى صاحب "كتاب أخبار مكة": قوله: ذكر الأزرقى إلخ: قلت: الأزرقى نسبة إلى الجد الأعلى وهو أبو الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الوليد بن عقبة الأزرق بن عمرو بن الحارث بن أبى شمر الغسانى المكى صاحب "كتاب أخبار مكة"، وأحسن فى تصنيف ذلك الكتاب غاية الإحسان، روى عن جده ومحمد بن يحيى العدنى وغيرهما، روى عنه أبو محمد إسحاق بن أحمد بن نافع الخزاعى مات بعد المائتين، كذا فى الأنساب للسمعانى (ورقة ٢٨). ترجمة الإمام أبى الحسن الماوردى: وأبو الحسن الماوردى هو أقضى القضاة على بن محمد بن حبيب البصرى المعروف بالماوردى نسبة إلى بيع ماء الورد وعمله، كان من وجوه الفقهاء الشافعيين وله تصانيف عدة فى ج - ١٣ إذا ضاق المسجد بأهله وبجنبه أرض وقف عليه جاز أن يدخل فيه ٠٢٠٤ الناس، فلما أن استخلف عمر بن الخطاب رضى الله عنه اشتری دورًا وهدمها ووسع بها المسجد، وأبى بعضهم أن يأخذ الثمن وامتنع من البيع، فوضع أثمانها فى خزانة الكعبة أصول الفقه وفروعه وفی غیر ذلك، وجعل إلیه القضاة ببلدان کثیرة، وسكن بغداد فی درب الزعفرانى، وحدث عن الحسن بن على بن محمد الجبلى صاحب أبى خليفة، وعن محمد بن عدى المنقرى ومحمد بن المعلى الأزدى وجعفر بن محمد بن بن الفضل البغدادى، سمع منه أبو بكر أحمد بن على بن ثابت الخطيب الحافظ وجماعة، قال الخطيب: كتبت عنه وكان ثقة مات سنة خمسين وأربعمائة، كذا فى الأنساب أيضًاً (ورقة ٥٠٤)، وفى "البحر الرائق" : وكذا إذا ضاق المسجد على الناس وبجنبه أرض لرجل تؤخذ أرضه بالقيمة كرها لما روى عن الصحابة رضى الله عنهم: لما ضاق المسجد الحرام أخذوا أرضين بكره من أصحابها بالقيمة، وزادوا فى المسجد الحرام اهـ (٢٥٥:٥). وفى الاستدلال بأثر المتن على مسألة الباب نظر لما فيه من قول عمر: أنتم نزلتم على الكعبة ولم تنزل عليكم الكعبة وإنما هو فناؤنا، وهو يقتضى اختصاص الكعبة بهذا الحكم. حکم بيع دور مكة وإجارتها: وكأنه ذهب إلى قوله تعالى: ﴿سواء العاكف فيه والباد﴾ عام لأرض الحرم كلها غير مقصور على الكعبة والمسجد الحرام، يؤيده ما رواه أبو عبيد فى كتاب الأموال له حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه نهى أن تغلق دور مكة دون الحاج وأنهم يضطربون فيما وجدوا منها فارغًا (ص٦٦)، وهذا سند صحيح. وقال البلاذرى فى "فتوح البلدان": حدثنا عثمان بن أبى شيبة قال: قال: حدثنا جرير عن يزيد بن أبى زياد عن عبد الرحمن ابن سابط فى قوله: ﴿سواء العاكف فيه والباد﴾ قال: البادى من يخرج من الحجاج والمعتمرين هم سواء فى المنازل ينزلون حیث شاؤوا غير أن لا يخرج أحد من بيته، حدثنا عثمان حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد فى الآية قال: أهل مكة وغيرهم فى المنازل سواء، وحدثنا عثمان وعمرو قالا: ثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن مجاهد أن عمر بن الخطاب قال لأهل مكة: لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادى حيث شاء. حدثنا عثمان حدثنا حفص بن غياث عن عبد الله بن مسلم عن سعيد بن جبير فى قوله: ﴿سواء العاكف فيه والباد﴾ وقال: خلق الله فيه سواء أهل مكة وغيرها اهـ (ص ٥١). قلت: ولا يعارضه اشتراء عمر وعثمان دورًا بجنب الكعبة لكونه محمولا على اشتراء البناء دون العرصة. وعليه يحمل حديث: هل ترك لنا عقيل منزلا، أراد بيع البناء دون العرصة. ومن ههنا ٢٠٥ إذا ضاق المسجد بأهله وبجنبه أرض وقف عليه جاز أن يدخل فيه إعلاء السنن فأخذوها بعد ذلك، وقال لهم عمر: أنتم نزلتم على الكعبة ولم تنزل الكعبة عليكم، إنما هو فنائها، وجعل سيدنا عمر على المسجد جدارًا قصيرًا محيطًا به دون القامة، وكان المصابيح توضع عليه، فكان عمر رضى الله عنه أول من اتخذ للمسجد(١) جدارًاً، فلما قال محمد فى "الآثار". لا ينبغى أن تباع الأرض، فأما البناء فلا بأس به، وقال أيضًا: كان أبو حنيفة يكره أجور بيوتها فى الموسم، وفى الرجل يعتمر ثم يرجع فأما المقيم والمجاور فلا نرى بأخذ ذلك منهم بأسا اهـ (ص٥٦). ووجه ذلك أن بيوت مكة كانت ذات جهتين فهى مملوكة من جهة البناء مباحة من جهة العرضة، فكره أبو حنيفة إجارتها من الحجاج والمعتمرين رعاية لجانب الأرض، ولقلة انتفاعهم بالبناء لشغلهم بالطواف والعمرة ومناسك الحج، ولم يكره إجارتها من غيرهم من المقيمين رعاية لجانب البناء، ولكثرة انتفاعهم بالبناء كما هو ظاهر، وقال بجواز بين البناء دون العرصة. وبهذا تجتمع الآثار والأحاديث المختلفة فى الباب، فللّه دره من فقيه خلقه الله لفقه الحديث والقرآن. وأخرج الدارقطنى عن معاوية بن هشام ثنا سفيان عن عمر بن سعيد عن عثمان ابن أبى سليمان عن نافع بن جبير بن مطعم عن علقمة بن نضلة الكنانى قال: كانت بيوت مكة تدعى على عهد رسول الله عَّه وأبى بكر وعمر السوائب، لا تباع -أى لا تؤجر-، من احتاج سکن ومن استغنی اسکن، رجاله كلهم ثقات. وأما قول الحافظ فى "الفتح" فى (باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها): أشار بهذه الترجمة إلى تضعيف حديث علقمة بن نضلة، وفى إسناده انقطاع وإرسال، كما فى "التعليق المغنى" (٣١٣:٢)، فبناء على الاختلاف فى علقمة هل هو صحابى أم تابعى؟ وأياما كان فالحديث حجة، وقال ابن أبى شيبة: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد قال: قال رسول الله عَ له: (مكة حرام حرمها الله لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها))، كذا فى "الزيلعي" (٣٠٢:٢). وهو مرسل صحیح وشاهد قوی لحديث علقمة بن نضلة قال البلاذری: وحدثنى محمد بن سعد عن الواقدى قال: كان يتخاصم إلى أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فى أجور الدور بمكة، فيقضى بها على من اكتراها، وهو قول مالك وابن أبى ذئب، قال: وقال ربيعة وأبو الزناد، ولا بأس بأكل كراء بيوت مكة وبيع رباعها. وقال الواقدى: رأيت ابن أبى ذئب يأتيه كراء داره بمكة بين الصفا والمروة، وقال الليث بن (١) أى المسجد الحرام. ٢٠٦ إذا ضاق المسجد بأهله وبجنبه أرض وقف عليه جاز أن يدخل فيه ج - ١٣ كان زمن سيدنا عثمان رضى الله عنه وكثر الناس اشترى دورًا ووسع بها المسجد الحرام، وأبى قوم أن يبيعوا فهدم عليهم فصاحوا به، فقال لهم: إنما جرأكم على حلمى عنكم، فقد فعل بكم عمر هذا فلم يصح به أحد، ثم أمر بهم إلى الحبس حتى شفع فيهم سعد: ما كان من دار فأجرها طيب لصاحبها، فأما القاعات والسكك والأفنية والخرابات فمن سبق نزل ذلك بغير كراء، وأخبرنى أبو عبد الرحمن الأودى عن الشافعی بمثل ذلك. وقال سفيان بن سعيد الثورى: كراء بيوت مكة حرام، وكان يشدد فى ذلك. وقال الأوزاعى وابن أبى ليلى وأبو حنيفة: إن أكراها فى ليالى الحج فالكراء باطل، وإن كان فى غير ليالى الحج، وكان المكترى مجاورًا، أو غير ذلك فلا بأس. وقال بعض أصحاب أبى يوسف: كراءها حل طلق وإنما يستوى العاكف والبادى فى الطواف بالبيت اهـ (ص ٥١). دليل تحمل ضرر الخاص لدفع ضرر العام: فالظاهر أن أثر المتن من هذا الباب - أى باب بيع دور مكة وإجارتها- لا من الباب الذى ذكره الفقهاء فيه. اللهم إلا أن يقال: إن الأثر دال على تحمل ضرر الخاص لدفع ضرر العام. ولا يخفى: ما فى هدم البناء من ضرر البانى، والصحابة لم يلتفتوا إلى ذلك وهدموا الأبنية من غير رضا بانيها، وغرموهم ثمنها، فلما لم يلتفتوا إلى هذا الضرر فى توسيع المسجد الحرام لا يلتفت إليه فى غيره من المساجد أيضًا، فإن المسجد إذا ضاق بأهله أفضى إلى ضرر العامة فيؤخذ ما بجنبه من الدار والأرض بالقيمة ولو كرهًا لكون ضرر الخاص أهون من ضرر العام، والله تعالى أعلم. قصة نزاع عمر والعباس فى دار له قد كان أراد زيادتها فى المسجد النبوى: ثم اطلعت على أثر يؤيد الاحتمال الذى أبديته أولا أى كون أثر المتن مختصا بالكعبة غير عام المساجد كلها، وهو ما رواه الحاكم من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب أنه قال للعباس بن عبد المطلب رضى الله عنهما: أنى سمعت رسول الله مد خله يقول: نزيد فى المسجد ودارك قريبة من المسجد فأعطناها نزدها فى المسجد وأقطع لك أوسع منها، قال: لا أفعل، قال إذًا أغلبك عليها، قال: ليس ذاك لك فاجعل بينى وبينك من يقضى بالحق. قال: من هو؟ قال: حذيفة بن اليمان. قال: فجاؤوا إلى حذيفة فقضوا عليه، فقال حذيفة: عندى فى هذا خبر، قال: وما ذاك؟ قال: إن داود النبى صلوات الله عليه أراد أن يزيد فى بيت المقدس وقد كان بيت قريب من المسجد ليتم، فطلب إليه فأبى فأراد داود أن يأخذها منه، فأوحى الله عز وجل إليه أن نزه البيوت من الظلم لبيتى، قال: فتركه، فقال له العباس: فبقى شىء؟ قال: لا. قال: فدخل ٢٠٧ إذا ضاق المسجد بأهله وبجنبه أرض وقف عليه جاز أن يدخل فيه إعلاء السنن عبد الله بن خالد بن أسيد فأخرجهم، وجعل عثمان للمسجد أروقةً، فكان أول من اتخذ الأروقة له. ذكره الحافظ ابن ظهيرة فى "تاريخ مكة" له. (ص: ١٩٧)، وكذا ذكره المسجد، فإذا ميزاب للعباس شارع فى مسجد رسول الله عَ بّه ليسيل ماء المطر منه فى مسجد رسول الله عَ لّه، فقال عمر بيده فقلع الميزاب، فقال: هذا الميزاب لا يسيل فى مسجد رسول الله ◌َّهِ، فقال له العباس: والذى بعث محمدًا بالحق إنه هو الذى وضع الميزاب فى هذا المكان ونزعته أنت يا عمر! فقال عمر: ضع رجليك على عاتقى لترده إلى ما كان، ففعل ذلك العباس، ثم قال العباس: قد أعطيتك الدار تزيدها فى مسجد رسول الله عرّ، فزادها عمر فى المسجد، ثم قطع للعباس دارًا أوسع منها "بالزوراء". قال الحاكم: هذا حديث كتبناه عن أبى جعفر وأبى على الحافظ ولن نكتبه إلا بهذا الإسناد، والشيخان رضى الله عنهما لم يحتجا بعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ولكن قال ابن عدى: له أحاديث حسان وهو ممن احتمله الناس وصدقه بعضهم وهو ممن يكتب حديثه. وقال ابن خزيمة: هو رجل صنعته العبادة والتقشف ليس من أحلاس الحديث، كذا فى "التهذيب" ١٧٠:٦). قال الحاكم: وقد وجدت له شاهدًا من حديث أهل الشام، ثم روى من طريق الوليد بن مسلم ثنا أبو شعيب الخراسانى عن عطاء الخراسانى عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب لما أراد أن يزيد فى مسجد رسول الله عّ لّ وقعت منازعة على دار العباس بن المطلب فذكر الحديث بنحو منه اهـ (٣٣١:٣-٣٣٢). قلت: ورواه ابن سعد أنا يزيد بن هارون أنا أبو أمية بن يعلى عن سالم أبى النضر مرسلا نحوه، وفیہ أنهما تحا کما إلی ابی بن کعب وأنه قال: إن شئتما حدثتكما بحديث سمعته من رسول الله عَّ، فقالا: حدثنا. فقال: سمعت رسول الله عَّ يقول: إن الله أوحى إلى داود إلخ فرفع الحديث، وفى "سنن البيهقى" قبل كتاب الرجعة(١) عن أبى هريرة رضى الله عنه نحوه، وروى ابن زبالة ويحيى من طريقه عن عبد الله بن أبى بكر مثله. وفى رواية ليحيى عن أبى الزناد أن عمر بن الخطاب لما زاد فى المسجد دعا من كان له إلى جانبه منزل فقال: اختاروا منى بين ثلاث خصال: إما البيع فأثمن، وإما الهبة فأشكر، وأما الصدقة (١) قلت: وذکره البيهقى فى باب الوقف أيضًا، وفيه: أنهما تخا كما إلی ابی بن کعب، وليس فيه قوله: إن شئتما حدثتكما بحديث سمعته من رسول الله عَّ، وإنما فيه فقال أبى: إن الله عز وجل أمر عبده ونبيه داود عليه السلام ولم يرفع الحديث (١٦٨:٦). ج - ١٣ إذا ضاق المسجد بأهله و بجنبه أرض وقف عليه جاز أن يدخل فيه ٢٠٨ البلاذرى فى "فتوح البلدان" له (ص: ٥٣) من طريق محمد بن سعد عن الواقدى مختصرًا. على مسجد رسول الله عَّه، فأجابه الناس، وقال العباس: ما أجيبك إلى شىء مما دعوتنى إليه. فقال عمر: إذَا أهدمها. فقال العباس: مالك ذلك، وذكر التحاكم إلى أبى وقصته بيت المقدس مع مخالفة فى ذكر قصة لبعض ما تقدم، وفى رواية له عن ابن عمر نحوه، وقد أورد رزين فى كتابه خبر ابن عمر وروی یحیی بسند جيد عن سفيان بن عيينة عن موسى بن أبی عیسی قال: کان فی دار العباس ميزاب يصب فى المسجد، فجاء عمر فقلعه، فقال العباس: إن النبى عرّضّ الذى وضعه بیده فقال عمر للعباس: لا یکن لك سلم إلا ظهری حتی ترده مکانه. کذا فی وفاء الوفاءة للسمهودى (٤٧:١)، وقصة الميزاب أخرجها أبو داود فى المراسيل عن أبى هريرة المدنى نحوه (ص ٤٤). تحقيق ميزاب دار العباس الذى كان يصب فى المسجد النبوى: ولعل الميزاب كان يسيل فى فناء المسجد المتعلق به دون داخل المسجد، لأن دار العباس إنما بنيت بعد بناء المسجد بزمان لكونه هاجر إلى المدينة عند فتح مكةٍ، فلا يتصور أن يشرع ميزاب غير قديم فى المسجد يصب فيه، ويؤيد ما قلنا ما رواه ابن إسحاق عن أسباط بن محمد عن هشام ابن سعد عن عبد الله بن عباس قال: كان للعباس ميزاب على طريق عمر ثم ذكر بقية الحديث نحو ما تقدم، ورواه الإمام أحمد فى مسنده من حديث هشام بن سعد عن عبيد الله بن عباس أخى عبد الله فذ کره. وكذا رواه ابن سعد وروى يحيى عن أبى مصعب الزهرى الفقيه حدثنا يوسف بن الماجشون عن الثقة أنه كان فى دار مروان ميزاب يصب على الناس إذا خرجوا من المسجد فى المطر وكانتِ دار مروان للعباس بن عبد المطلب، فأمر عمر بن الخطاب بذلك الميزاب فنزع، فجاءه العباس بن عبد المطلب فقال: أما والله وضعه رسول الله عَ ◌ّ بيده! قال: فأعاده عمر حيث كان وقال: والله لا تعيده إلا وأنت على رقبتى، فأعاده العباس يومئذ على رقبة عمر، كذا فى "وفاء الوفاء (٣٤٨:١). قال السمهودى: وهذه الدار بقية من التى وقع النزاع فيها ونسبتها إلى مروان لما سيأتى أنها دخلت فى داره، والظاهر أن العباس أبقى لنفسه بقية الدار بعد أخذ ما احتيج إلى زيادته منها، وأنه كان فى تلك البقیة میزاب فلما أحدث عمر الباب الذى عند دار مروان كما سيأتى صار الميزاب ٢٠٩ إعلاء السنن باب إذا خرب المسجد أو الوقف لم يعد إلى ملك الواقف ولا يباع ٤٥٧١- فيه حديث عمر مرفوعًا: تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث. وقد تقدم غير مرة. يصب على الباب فى طريق المسجد، ثم اشترى عثمان من تلك البقية ما احتاج إلى إدخاله فى زیادته (واشترى مروان أبقى منها). والجمع بين الروايات بهذه الطريق أولى مما قاله السمهودى أن يجمع بأنه كان للدار المذكورة ميزابان ميزاب يصب فى المسجد، وميزاب يصب فى الطريق، واتفق فى كل منهما قصة اهـ (٣٤٨:١). فإن الميزاب الذى كان يصب فى المسجد إن كان فى القطعة التى زيدت فى المسجد لم يكن فى إعادته فائدة، وقد ثبت أن عمر أعاده فى مكانه، وإن كان فى البقية التى لم تدخل فى المسجد فلا يتصور صبه فيه، لما قد ثبت من كون البقية فى دار مروان وأن ميزابها كان يصب على الناس إذا خرجوا من المسجد، فالظاهر ما قلنا من تأويل صبه فى المسجد بأنه كان يصب فى فناء المسجد المتعلق به، والقول بأنه كان للدار المذكورة ميزابان، واتفق فى كل منهما قصة بعید جداً. وبالجملة فما وقع بين عمر والعباس من النزاع فى داره يدل على أنه لا يجوز أن يدخل فى المسجد أرض أو دار لأحد بالقيمة كرهًا ما لم يرض ببيعه أو هبته للمسجد، وأن عمر رجع عن قوله: إذا لأغلبنك عليه ولأهدمنه بعد ما سمع حديث رسول الله ◌ٍَّ فى بيت المقدس حين أمر الله نبيه داود أن يبينه، وأن الذى فعله عمر عند زيادته فى مسجد الحرم من هدم البيوت وأخذها بالقيمة كرها إنما فعله لما ذكره بقوله: أنتم نزلتم على الكعبة، ولم تنزل عليكم الكعبة إنما هو فناءها إلخ، ولا يخفى أن ذلك مما يختص بالكعبة لا يعم غيرها من المساجد، فافهم فلعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا. باب إذا خرب المسجد أو الوقف لم يعد إلى ملك الواقف ولا يباع قوله: وفيه حديث عمر إلخ، دلالته على تأييد الوقف، وأنه لا يزال وقفًا لله تعالى ظاهرة وقفًا حجة على من قال بجواز بيع المسجد أو الوقف، أو برجوعهما إلى ملك الوقف إذا خرب، ولم يبق صالحًا للانتفاع به، قال الموفق فى "المغنى": إن الوقف إذا خرب وتعطلت منافعه كدار انهدمت أو أرض خربت وعادت مواتًا ولم تكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه وصار فى موضع لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه فى موضعه، أو تشعب جميعه فلم تمكن ٢١ إذا خرب المسجد أو الوقف لم يعد إلى ملك الواقف ولا يباع ج - ١٣ عمارته، ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته، وإن لم يمكن الانتفاع بشىء : منه بيع جميعه، قال أحمد فى رواية أبى داود: إذا كان فى المسجد خشبتان لهما قيمة جاز بيعهما وصرف ثمنها عليه. (لا نزاع فيه فإن بيع الآلات المستغنى عنها يجوز اتفاقًا، وإما الكلام فى بيع المسجد، ووجه الفرق كون الآلات وقفًا بالتبع والمسجد وقفًا بالذات إصالةً). وقال فى رواية صالح: يحول المسجد خوفًا من اللصوص، وإذا كان موضعه قذراً قال القاضى: يعنى إذا كان ذلك يمنع من الصلاة فيه ونص على جواز بيع عرصته فى رواية عبد الله قال "أبو بكر: وقد روى على بن سعيد أن المساجد لا تباع وإنما تنقل آلتها، قال: وبالقول الأول (أى بجواز بيع الآلات مع عرصة المسجد). أقول: لإجماعهم(١) على جواز بيع الفرس الحبيس يعنى الموقوفة على الغزو إذا كبرت فلم تصلح للغزو وأمكن الانتفاع بها فى شىء آخر مثل أن تدور فى الرحى، أو يحمل عليها تراب، أو تكون الرغبة فى نتاجها، أو حصانًا يتخذ للطراق، فإنه يجوز بيعها، ويشترى بثمنها ما يصلح للغزو، نص عليه أحمد، وقال محمد بن الحسن: إاذ خرب المسجد، أو الوقف عاد إلى ملك الواقف لأن الوقف إنما هو تسبيل المنفعة، فإذا زالت منفعته زال حق الموقوف عليه منه. وقال مالك والشافعى: لا يجوز بيع شىء من ذلك لقول رسول الله عَ له: ((لا يباع أصلها ولا تبتاع ولا توهب ولا تورث)»، ولأن ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه لا يجوز بيعه معتعطلها كالمعتق، والمسجد أشبه الأشياء بالمعتق، ولنا ما روى أن عمر رضى الله عنه كتب إلى سعد لما لغه أنه قد نقب بيت المال الذى بالكوفة، أنقل المسجد الذى بالتمارين واجعل بيت المال فى قبلة المسجد فإنه لن يزال فى المسجد فإنه لن يزال فى المسجد مصل، وكان هذا بمشهد من الصحابة، ولم يظهر خلافه فكان إجماعًا (قلت: لا حجة فيه لجواز بيع المسجد، وغاية ما فيه إنما هو تحويل الرحبة مسجدًا والمسجد رحبةً وهو جائز عندنا، كما سيجىء)، ولأن فيما ذكرناه استبقاء الوقف (١) قلت: فمن أين للموفق وغيره من العلماء أن يرموا أبا حنيفة بمخالفة الإجماع فى قوله بعدم لزوم الوقف، وقد أجمعوا على جواز بيع الفرس الحبيس وما ذلك إلا لكونه قد حبس أصله وتصدق بمنفعته، وسائر الوقوف كذلك عند أبى حنيفة ما خلا المسجد وما أشبهه فتراهم قد تركوا جميعًا حديث عمر: ((لا يباع ولا يوهب ولا يورث فى الفرس الحبيس»، فإن كان حديث عمر حجة فى عدم جواز بيع للوقف وتوريثه مطلقًا فمن أين لهم تخصيص الفرس الحبيس بجواز البيع؟ فما هو جوابهم فهو بعينه جواب الإمام أبى حنيفة رحمه الله، فافهم وتدبر. ٢١١ إذا خرب المسجد أو الوقف لم يعد إلى ملك الواقف ولا يباع إعلاء السنن بمعناه عند تعذر إبقاءه بصورته فوجب ذلك. : قلت: تعليل بمعرض النص المشهور، وهو حديث عمر: ((لا يباع ولا يشترى ولا يوهب ولا يورث))، كما لو استولد الجارية الموقوفة أو قبلها أو قبلها غيره. قلت: فيه قياس الوقف غير المنقول على المنقول، وحدیث عمر بالنهى عن بيع الوقف وهبته وتوريثه قد ورد فى الأول دون الثانى، ولا يقاس الأصل بالفرع وإنما يقاس الفرع بالأصل، كما هو ظاهر. قال ابن عقيل: الوقف مؤبد فإذا لم يمكن تأبيده على وجه يخصصه استبقاء الغرض، وهو الانتفاع على الدوام فى عين أخرى وإيصال الأبدال جرى مجرى الأعيان، وجمودنا على العين مع تعطلها تضييع للغرض. (قلت: تعليل بمعرض النص ولو جاز بيعه لذلك جاز عوده إلى ملك الواقف بعين هذا الدليل ولا فرق. فلقائل أن يقول: الوقف مؤبد، فإذا لم يمكن تأبيده على وجه خرج من كونه وقفًا ورجع إلى ملك الواقف لكونه قد خرج من ملكه لعلة الوقف، فإذا زالت العلة عاد الملك كما كان، وأما قولكم: إن الوقف إزالة ملك على وجه القربة فلا يعود إلى مالكه باختلاله وذهاب منافعه كالمعتق ففيه أن القياس بالمعتق يقتضى حرمة البيع وتركه معطلا) قال: ويقرب هذا من الهدى إذا عطب فى السفر فإنه يذبح فى الحال وإن كان يختص بموضع، فلما تعذر تحصيل الغرض بالكلية استوفى منه ما أمكن وترك مراعاة المحل الخاص عند تعذره، لأن مراعاته مع تعذره تفضى إلى فوات الانتفاع بالكلية وهكذا الوقف المعطل المنافع اهـ (٢٢٦:٦). قلنا: قياس مع الفارق فإن الهدى لا يزول عنه ملك المهدى قبل الذبح، ألا ترى أن له استرجاع هذا العاطب والمعيب إلى ملكه فيصنع به ما شاء، هذا ظاهر كلام الخرقى. ورواه ابن المنذر عن أحمد والشافعى وإسحاق وأبى ثور وأصحاب الرأى ونحوه عن عطاء، لأنه إنما عينه عما فى ذمته، فإذا لم يقع عنه عاد إلى صاحبه، روى سعيد بإسناده عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: إذا أهديت هديًا واجبًا فعطب فانحره، ثم كله إن شئت، وأهده إن شئت، وبعه إن شئت، ويقوم به في هدى آخر، ولأنه متى كان له أن يأكل ويطعم الأغنياء كان له بيعه؛ لأنه ملكه، ذكره الموفق فى "المغنى (٥٧٤:٣). ولا يخفى أن قياس الوقف بالهدى يؤيد قول محمد بن الحسن رحمه الله تعالى برجوعه إلى ملك الواقف، فعجبا لتناقض الحنابلة يقيسونه مرةً بالمعتق وتارةً بالهدى ولا يستقرون على أصل، وقال سحنون فى "المدونة": قال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول فى الفرس الحبيس فى سبيل الله إذا ج - ١٣ إذا خرب المسجد أو الوقف لم يعد إلى ملك الواقف ولا يباع ٢١٢ كلب أنه لا بأس أن يباع ويشترى فرس مكانه، قال سحنون: وقد روى غيره أن ما جعل فى السبيل من العبيد والثياب أنها لا تباع. قال: ولو بيعت لبيع الربع المحبس إذا خيف عليه الخراب وهذه جل الأحباس قد خربت فلا شىء أدل على سننها منها، ألا ترى أنه لو كان البيع يجوز فيها ما أغفله من مضى ولكن بقاؤه خرابًا دليل على أن بيعه غير مستقيم، وبحسبك حجة فى أمر قد كان متقادمًا بأن تأخذ منه ما جرى الأمر عليه، فالأحباس قديمة ولم تزل، وجل ما يؤخذ منها بالذى به لم تزل تجرى عليها فهو دليلها قال سحنون: فبقاء هذه خرابًا دليل على أن البيع فيها غير مستقيم لأنه لو استقام لما أخطأه من مضى من صدر هذه الأمة وما جهله من لم يعمل به حين تركت خرابًا اهـ (٣٤٢:٤). وهذا كلام جزل لا يتجاوز الحق عنه غير ما فيه من قياس الفرس الحبيس على الوقف المحبس فإن الإغفال والترك من صدر الأمة إنما ثبت فى الوقف المحبس من الرباع والدور دون ما حبس فى السبيل من الحيوان والمنقول، فافهم. قال المحقق فى "الفتح": وأما استدلال أحمد بما كتبه عمر لا يفيده لأنه يمكن أنه أمره باتخاذ بيت المال فى المسجد واستدلاله بالانتفاع بالاستبدال مردود بالحديث المشهور اهـ (٤٤٦:٥)، والمراد بالحديث المشهور حديث عمر المذكور فى المتن. وقال فى "الهداية": ولو خرب ما حول المسجد واستغنى عنه (أى استغنى عن الصلاة فيه أهل تلك المحلة، أو القربة بأن كان فى قربة فخربت حولت مزارع) يبقى مسجدًا (على حاله) عند أبى يوسف (وهو قول أبى حنيفة ومالك والشافعى، وعن أحمد: يباع نقضه ويصرف إلى مسجد آخر، وكذا فى الدار الموقوفة إذا خربت يباع نقضها ويصرف ثمنها إلى وقف آخر) لأنه إسقاط منه فلا يعود إلى ملكه، وعند محمد يعود إلى ملك البانى أو إلى وارثه بعد موته لأنه عينه لنوع قربة وقد انقطعت، فصار كحشيش المسجد وحصيره إذا استغنى عنه إلا أن أبا يوسف يقول فى الحصير والحشیش: إنه ينقل إلى مسجد آخر اهـ. وفى "العناية": هذه المسألة مبنية على أن أبا يوسف رحمه الله لا يشترط فى الابتداء إقامة الصلاة فيه بالجماعة ليصير مسجدًا (بل يزول ملكه بقوله: جعلته مسجدًا لأن التسليم عنده ليس بشرط فيصير خالصًا لله تعالى بسقوط حق العبد، وصار كالإعتاق (هداية)، فكذلك فى الانتهاء إذا ترك الناس الصلاة فيه لا يخرج من أن يكون مسجدًا، وعند محمد يشترط فى الابتداء إقامة الصلاة فيه بالجماعة ليصير مسجدًا (لاشتراط التسليم عنده، وتسليم كل شىء بحسبه، وذلك فى ٢١٣ إذا خرب المسجد أو الوقف لم يعد إلى ملك الواقف ولا يباع إعلاء السنن بة المسجد بالصلاة فيه، أو لما تعذر القبض قام تحقق المقصود مقامه، ثم يكتفى بصلاة الواحد فى رواية عن أبى حنيفة ومحمد، ويشترط أن يكون غير الواقف (هداية مع "الفتح"). فكذلك فى الانتهاء إذا ترك الناس الصلاة فيه بالجتماعة يخرج من أن يكون مسجداً، حكى أن محمدًا رحمه الله مر بمزبلة فقال: هذا مسجد أبى يوسف رحمه الله يريد أنه لما لم يقل بعوده إلى ملك ألبانى يصير مزبلةً عند تطاول المدة، ومر أبو يوسف رحمه الله باصطيل فقال: هذا مسجد محمد رحمه الله يعنى لما قال: يعود ملكًا فربما يجعله المالك إصطبلا بعد أن كان مسجداً، فكل واحد منهما استبعد مذهب صاحبه بما أشار إليه. وقيل: هى -أى الحكاية المذكورة- من وضع الفرقة الجهلة الممقوتة عند الله تعالى استخرجوا من اختلافهم الناشئ عن الاجتهاد الصحيح أباطيل مختلفة عليهم ليضعوا عن شأنهم بنقل الطعن عن بعضهم فى بعض (هذا هو الظاهر وكذا ما حكى من أسباب استحكام النفرة بينهما كما فى مقدمة "المبسوط" للسرخسى باطل مختلق عليهما، فقد كان شأنهما أرفع وأجل من أن ينسب إليهما أمثال هذه الأباطيل نعوذ بالله من شر من وضعها) ويأبى الله إلا أن يتم نوره ﴿ولو كره الكارهون﴾ فمحمد رحمه الله يقول: إنه جعل هذا الجزء مصروفًا إلى قرية بعينها فإذا انقطع ذلك عاد إلى ملكه (لكون الوقف حبسًا للزصل على ملك الواقف وتسبيلا للثمرة والمنفعة). وأبو يوسف رحمه الله يقول: بلى زال ملكه بجهة ولكن لم تبطل تلك الجهة لأنه ما جعله مسجدًا ليصلى فيه أهل المحلة (والقرية) لا غير وإنما جعل مسجدًا ليصلى فيه العامة لأن للعامة حق إقامة الصلاة فى المسجد. واستدل أبو يوسف (وجمهور العلماء) بالكعبة، فإن فى زمان الفترة قد كان حول الكعبة عبدة الأصنام ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدیة﴾ ثم لم يخرج موضع الكعبة به من أن يكون موضع الطاعة والقربة خالصًا لله تعالى فكذلك سائر المساجد اهـ (٤٤٧:٥) مع "الفتح") فإن الإجماع على عدم خروج موضعها عن المسجدية، قاله المحقق فى "الفتح": قال: إلا أن لقائل أن يقول: القربة التى عينت له هو الطواف من أهل الآفاق ولم ينقطع الخلق عن ذلك زمان الفترة، وإن كان لا يصح منهم لكفرهم على أن الإيمان لم ينقطع من الدنيا رأسًا فقد كان لمثل قيس بن ساعدة أمثال انتهى. وفيه أن القربة التى عينت لها هى الصلاة إليها دون الطواف وحده لقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام بعد ذكر إسكانه ذريته عند البيت الحرام: ﴿ربنا ليقيموا ٢١٤ ج - ١٣ إذا خرب المسجد أو الوقف لم يعد إلى ملك الواقف ولا يباع ٤٥٧٢- حدثنا ابن حميد ثنا مهران عن سفيان عن خصيف عن عكرمة: ﴿وأن المساجد لله﴾ قال: المساجد كلها. رواه ابن جرير فى التفسير (٧٣:٢٩)، وسنده حسن. ٤٥٧٣- عن ابن عباس فى قوله: ﴿وأن المساجد لله﴾ قال: لم يكن يوم نزلت هذه الآية فى الأرض مسجد إلا المسجد الحرام ومسجد إيليا بيت المقدس. أخرجه ابن أبى حاتم (الدر المنثور ٢٧٤:٦). الصلاة﴾، ولم يذكر الطواف، وقوله: ﴿طهر بيتي للطائفين والعاكفين﴾ مفسر بالمسافرين والمقيمين كقوله: ﴿سواء العاكف فيه والباد﴾، فافهم .. قوله: حدثنا ابن حميد، وقوله: عن ابن عباس إلخ، دلالة الأثرين على أن قوله تعالى: ﴿وأن المساجد لله﴾ مفسر بالمساجد المعروفة دون أعضاء السجود أو مواضع السجود كما ذهب إليه بعض المفسرين ظاهرة، وإذا كان كذلك دل النص على خروج المساجد من ملك الواقف إلى الله تعالى، فلا تعود إلى ملك الواقف ولا تباع أبدًا كما هو قول أبى يوسف رحمه الله تعالى، وكذلك سائر الوقوف عنده إلا أنها إذا خربت وخرجت عن انتفاع الموقوف عليهم به جاز استبدالها بإذن الحاكم بأرض أو دار أخرى تكون وقفًا مكانها، والفرق بينها وبين المساجد أن المساجد لا تبطل بخرابها أو خراب ما حولها واستغداء عنها الجهة التى عينت له؛ لأنها لم تجعل مساجد لأهل المحلة والقرية بل للعامة، ولا يشترط للمسجدية البناء بل العرصة وحدها مسجد، كما لا يخفى، بخلاف سائر الوقوف التى سبلت ثمرتها فإنها إذا خربت وتعطلت منافعا تبطل الجهة التى عينت له، وهى إعانة الموقوف عليهم بخلتها، فافهم. وأما ما ذكره سحنون من أن جل هذه الأحباس قد خربت فلا شىء أدل على سنتنها منها، ألا ترى أنه لو كان البيع يجوز فيها ما أغفله من مضى إلخ ففيه أن بقائها خرابًا لا يدل على عدم جواز البيع لاحتمال أن يكون قد أغفلوا بيعها لعدم تيسر من يشتريبها منه، نعم، فيه دليل على عدم رجوع الوقف إلى ملك الواقف أو ورثته بعد خرابها وإلا لم يتركها أحد من ورثة الواقف سدى، بل جعلوها مزارع وبساتين، واحتمال انقطاع الورثة بعيد فإن الوراثة تنتقل من العشيرة إلى الشعوب والأفخاذ والقبائل، ولا يتصور انقطاع الجميع، والله تعالى أعلم .. وظنى أن الإفتاء بقول أبى يوسف فى دار الإسلام أولى لكون المساجد مصونة فيها عن انتهاك حرماتها بعد خرابها، وبقول محمد فى دار الحرب أحسن لفقدان الصيانة فيها، كما هو مشاهد، فكم من مساجد فى دار الحرب قد تسلط عليها الكفار وجعلوها مزابل، أو معابد للشيطان ٢١٥ إعلاء السنن باب لأهل المسجد أن يجعلوا الطريق مسجدا وكذا عكسه بأمر الإمام أو يجعلوا الرحبة مسجدا وكذا على القلب ٤٥٧٤- كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب. وعمرو وسعيد قالوا: لما أجمعوا على أن يضيعوا بنيان الكوفة، فذكر حديثًا طويلا، وفيه: فأول شىء خط بالكوفة، بنى حين عزموا على البناء المسجد فوضع فى موضع أصحاب الصابون والتمارين من السوق فاختطوه، ثم قام رجل فى وسطه رامٍ شديد والأصنام فإلى الله المشتكى. حکم مسجد تحته سرداب أو فوقه بيت: واحتج أصحابنا بقوله تعالى: ﴿أن المساجد لله﴾ على أن من جعل مسجدًا تحته سرداب، أو وفقه بيت ليس للمسجد واحد منهما، فليس بمسجد وله بيعه ويورث عنه إذا مات لبقاء حق العبد متعلقًا به، والمسجد خالص لله سبحانه ليس لأحد فيه حق، قال الله تعالى: ﴿أن المساجد لله﴾ مع العلم بأن كل شىء له فكان فائدة هذه الإضافة اختصاصه به، وهو بانقطاع حق كل من سواه عنه، وهو منتفٍ فيما ذكر، بخلاف ما إذا كان السرداب أو العلوم موقوفًا لمصالح المسجد، فإنه يجوز إذ لا ملك فيه لأحد بل هو من تتميم مصالح المسجد فهو كسرداب مسجد بيت المقدس (بشرط أن يكون بناء السرداب أو العلو مقارنًا لبناء المسجد وإن كان بعد تمامه فلا). هذا هو ظاهر المذهب، وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه قال: إذا جعل السفل مسجداً وعلى ظهره مسكن فهو مسجد، لأن السفل مما يتأبد دون العلو، وعن محمد على عكس هذا لأن المسجد معظم، وإذا كان فوقه مسكن أو مستفل يتعذر تعظيمه، وعن أبى يوسف أنه جوز الوجهين حين قدم بغداد ورأى ضيق المنازل فكأنه اعتبر الضرورة، وكذا عن محمد لما دخل "الرى"، وهذا تعليل صحيح لأنه تعليل بالضرورة كذا فى "فتح القدير" (٤٤٥:٥). باب لأهل المسجد أن يجعلوا الطريق مسجدًا وكذا عكسه أو يجعلوا الرحبة مسجدًا وكذا على القلب بأمر الإِمام قوله: كتب إلى السرى إلخ: وحاصله: أن المسجد كان أولا فى وسط الصحن والقصر فى شماله، ثم نقله من هذا الموضع فجعله فى الرحبة حتى وضعه إلى جنب الدار وجعل الدار قبلته، وجعلهما بنيانًا واحدًا متصلا بعضه ببعض، فصار المسجد رحبة والرحبة مسجدًا، ويجوز لأهل المسجد مثل ذلك التحويل، كما فى كتاب الكراهية من الخلاصة عن الفقيه أبى جعفر عن هشام ٢١٦ لأهل المسجد أن يجعلوا الطريق مسجدًا وكذا عكسه بأمر الإمام ج - ١٣ النزع فرمى عن يمينه، فأمر من شاء أن يبنى وراء موقع ذلك السهم، ورمى من بین یدیه ومن خلفه، وأمر من شاء أن يبنى وراء موقع السهمين، فترك المسجد فى مربعة غلوة من كل جوانبه، وبنوا لسعد دارًا بحياله بينهما طريق منقب مائتى ذراع، وجعل فيها بيوت الأموال وهى قصر الكوفة اليوم، وفى لفظ: وقد بنى سعد فى الذى خطوا للقصر قصرًا بحیال محراب مسجد الكوفة الیوم فشیده و جعل فیه بیت المال وسكن ناحيته، ثم إن بيت المال نقب عليه نقبًا وأخذ من المال، و کتب سعد بذلك إلى عمر ووصف له موضع الدار، وبيوت الأموال من الصحن(١) ممما يلى ودعة الدار، فكتب إليه عمر أن أنقل المسجد، حتى تضعه إلى جنب الدار، واجعل الدار قبلته فإن للمسجد أهلا بالنهار وبالليل، وفيه حصن لمالهم، فنقل المسجد وأراغ بنيانه فقال له دهقان يقال له: روزبه بن بزر جمهر: أنا أبنيه لك، وأبنى لك قصرا فأصلهما ويكون بنيانا واحدا، فخط قصر الكوفة على ما خط عليه، ووضع المسجد بحيال بيوت الأموال منه إلى منتهى القصر يمنة عن القبلة، ثم مد به عن يمين ذلك إلى منقطع رحبة على بن أبى طالب، والرحبة قبلته، فكانت قبلة المسجد إلى الرحبة وميمنة القصر، الحديث رواه الطبرى فى تاريخه، (١٩٢:٣)، وإسناده وإن لم يكن محتجا به فى الأحكام، فقد احتجت الحفاظ برجاله فى السير، وقد تقدم فى حاشية الباب السابق أن أحمد قد احتج بهذه القصة. عن محمد أنه يجوز أن يجعل شىء من الطريق مسجدًا أو يجعل شىء من المسجد طريقًا للعامة أهـ، يعنى إذا احتاجوا إلى ذلك قال: ولأهل المسجد أن يجعلوا الرحبة مسجدًا وكذا على القلب، ويحولوا الباب أن يحدثوا له بابًا آخر، ولو اختلفوا ينظر أيهم أكثر ولاية، ولهم أن يهدموه ويجددوه، وليس لمن ليس من أهل المحلة ذلك، كذا فى "فتح القدير" (٤٤٥:٥). قال المحقق ابن الهمام: إلا أن قوله: وكذا على القلب يقتضى جعل المسجد رحبةً، وفيه نظر اهـ. قلت: ولم لم ينظر فى قوله: أو يجعل شىء من المسجد طريقًا للعامة؟ ولا ينافيه ما ذكره المصنف - أى صاحب "الهداية"- فى كتاب التحبيس: قيم المسجد إذا أراد أن يبنى حوانيت فى المسجد، أو فى فناءه لا يجوز له أن يفعل؛ لأنه إذا جعل المسجد سكنًا تسقط حرمة المسجد. وأما (١) أراد بالصحن مربعة غلوة ليس فيه إلا المسجد والقصر والأسواق فى غير بنيان لأحد من الناس، وقال عمر: الأسواق على سنة المساجد، من سبق إلى مقعد فهو له حتى يقوم منه إلى بيته أو يفرغ من بيعه كذا فى هذا الأثر الطويل الذى اختصرناه فى المتن. ٢١٧ إعلاء السنن باب لو كان إلى المسجد مدخل من دار موقوفة لا بأس للإمام أن يدخل من هذا الباب ٤٥٧٥- عن عروة أنه سئل أ تخدمنى الحائض أو تدنو منى المرأة وهى جنب؟ فقال عروة: کانت ذلك علی هین، و کل ذلك تخدمنی ولیس على أحد فى ذلك بأس، أخبرتنى عائشة أنها كانت ترجل رسول الله عَ ليه وهى حائض ورسول الله عبّ حينئذ مجاور فى المسجد يدنی لها رأسه وهى فى حجرتها فترجله وهى حائض رواه البخارى (فتح البارى ٣٤٢:١). قال الحافظ: وحجرة عائشة كانت ملاصقةً للمسجد اهـ الفناء فلأنه تبع المسجد اهـ لما فيه من منع القيم من ذلك دون منع أهل المسجد إذا فعلوه بأمر الإمام. وفى "الكنز": وإن جعل شىء من الطريق مسجدًا صح كعكسه، وفى "البحر": ومعنى قوله: كعكسه أنه إذا جعل فى المسجد ممرًاً فإنه يجوز لتعارف أهل الأمضار فى الجوامع، وجاز لكل أحد أن يمر فيه حتى الكافر إلا الجنب والحائض والنفساء لما عرف فى موضعه، وليس لهم أن يدخلوا فيه الدواب، كذا ذكره الشارح رحمه الله. وفى "الخانية": طريق للعامة وهى واسع فبنى فيه أهل المحلة مسجدًا للعامة، ولا يضر ذلك بالطريق. قالوا: لا بأس به، وهكذا روى عن أبى حنيفة ومحمد لأن الطريق للمسلمين والمسجد لهم أيضًا. قال: ولو ضاق المسجد على الناس وبجنبه أرض وقف على المسجد فأرادوا أن يزيدوا شيئًا فى المسجد من الأرض جاز ذلك بأمر القاضى اهـ (٢٥٥:٥-٢٥٦). قلت: وكذلك لو زادوا فيه شيئًا من الطريق، أو جعلوا شيئًا من المسجد طريقًا للعامة، .. أو جعلوا الرحبة مسجدًا وعلى القلب ينبغى تقييد جواز كل ذلك بأمر الإمام أو القاضى، فإن ذلك أهون من زيادة أرض وقف على المسجد فيه، كما لا يخفى، والأثر المذكور فى المتن يدل على ذلك أيضًا فإن سعدًا ومن معه من الصحابة لم يقدموا على ذلك إلا بأمر الإمام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه وعنهم. باب لو کان إلى المسجد مدخل من دار موقوفة لا بأس للإمام أن يدخل من هذا الباب قوله: عن عروة إلى آخر الباب، دلالة الآثار على معنى الباب ظاهرة بأدنى تأمل، قال فى "البحر الرائق": ولو كان إلى المسجد مدخل من دار موقوفة لا بأس للإمام أن يدخل للصلاة من هذا الباب، لأنه روى أن رسول الله عَ ليه كان يدخل من حجرته إلى المساجد اهـ (٥: ٢٥٠)، ج - ١٣ لو كان إلى المسجد مدخل من دار موقوفة لا بأس للإمام أن يستعمله ٢١٨ ٤٥٧٦- روى مالك عن الثقة عنده أن الناس كانوا يدخلون حجر أزواج النبى عَ ◌ّ يصلون فيها يوم الجمعة بعد وفاة النبى معَّه، وكان المسجد يضيق عن أهله قال: وحجر أزواج النبى معَّ ليست من المسجد ولكن أبوابها شارعة فى المسجد. كذا فى "وفاء الوفاء" (٣٦٦:١). وروى ابن النجار عن أهل السير نحوه أن الحجرات أى وكان بابها شارعًا فى المسجد كما دلت عليه الآثار المذكورة فى المتن، ويعكر على تقييده. الدار بالموقوفة ما رواه ابن سعد أن سودة أوصت ببيتها لعائشة رضى الله عنهما وباع أولياء صفية بنت حيى بيتها من معاوية بمائة ألف وثمانين ألف درهم، واشترى معاوية من عائشة منزلها بمائة ألف وثمانين ألف درهم. وقيل: بمائتى ألف درهم، واشترط لها سكناها حياتها وحمل إليها المال، فما قامت من مجلسها حتى قسمته، وقيل: بل اشتراه ابن الزبير من عائشة وحمل إليها خمسة أجمال تحمل المال وشرط لها سكناها حياتها، ففرقت المال، وأسند ابن زبالة عن هشام بن عروة قال ابن الزبير: ليعتد بمكرمتين ما يعتد أحد بمثلهما أن عائشة أوصته ببيتها وحجرتها وأنه اشترى حجرة سودة، وهذا يقتضى أن الحجر الشريفة كانت على ملك نساءه عدّ له. وقال الطبرى: قيل: كان النبى معَّه ملك كلا من أزواجه البيت الذى هى فيه فسكن بعده فيهن بذلك التمليك، وقيل: إنما لم ينازعن فى مساكنها لأن ذلك من جملة مؤنتهن التى كان النبى عّ لّه استثناه لهن مما كان بيده أيام حياته حيث قال: ما تركت بعد نفقة نسائى ومؤنة عاملى فهو صدقة، قال الطبرى: وهذا أرجح، كذا فى "وفاء الوفاء" (٣٣٠:١). فلعل أصحابنا رجحوا فى حجرات أزواج النبى معٍَّ ما رجحه الطبرى من كونها موقوفةً غير مملوكة للأزواج وحملوا ما روى من شراء معاوية بعض الحجرات على الشراء صورةً، وكان ما حمله إليهن من الأموال هدية حقيقة، والله تعالى أعلم. ولعل الحامل لهم على ذلك ما رواه الجماعة واللفظ لمسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه سمع النبى معَّ لّه يقول قبل أن يموت بخمس ليال: ((سدوا عنى كل خوخة فى هذا المسجد غير خوخة أبى بكر)) فإنه يدل على أنه لا يجوز أن يكون إلى المسجد مدخل من دور غير موقوفة، ولذلك أمر النبى عّ لّه بسد الخوخات كلها عن المسجد وإنما استثنى خوخة أبى بكر رضى الله عنه للخصومة، وللنبى معَّه أن يخص من شاء بما شاء، فلا يقاس عليه غيره. وقد قيل: إن ذلك من جملة الإشارات إلى استخلافه. ومن باب الخصوصية أيضًا ما أخرجه الترمذى عن أبى سعيد الخدرى أن النبى عّ لّه قال العلى: ((لا يحل لأحد أن يطرق هذا المسجد جنبًا غيرى وغيرك)). والمعنى أن باب على كان إلى ٢١٩ لو كان إلى المسجد مدخل من دار موقوفة لا بأس للإمام أن يستعمله إعلاء السنن كانت خارجة من المسجد مدبرة به إلا من المغرب، وكانت أبوابها شارعة فى المسجد. كذا فى "وفاء الوفاء" أيضا (٣٢٥:١). قلت: ولم يختلف اثنان فى أن النبى عّ لّه كان يدخل من حجرته إلى المسجد. جهة المسجد ولم يكن لبيته باب غيره فلذلك أذن له أن يمر فى المسجد جنبًا اهـ من "فتح البارى". ملخصًا (١٣:٧). وحديث سد الأبواب الشارعة فى المسجد أخرجه أبو داود عن عائشة رضى الله عنها تقول: جاء رسول الله عَ ◌ّه ووجوه بيوت أصحابه شارعة فى المسجد فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد ثم دخل النبى عّ لّ ولم يصنع القوم شيئًا رجاء أن ينزل فيهم رخصة فخرج إليهم بعد فقال: ((وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإنی لا أحل المسجد حائض ولا جنب)) سكت عنه أبو داود وحسنه ابن القطان، كما فى "الزيلعى" (١٠١:١). كان الأمر بتوجيه البيوت عن المسجد متقدمًا على الأمر بسد الخوخات: قلت: والأمر بتوجيه البيوت عن المسجد كان متقدمًا على الأمر بسد الخوخات لما فى بعض طرقه عند البزار عن على رضى الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((انطلق فمرهم فليسدوا أبوابهم)). فانطلقت فقلت لهم، ففعلوا إلا حمزة، فقلت: يا رسول الله! قد فعلوا إلا حمزة فقال رسول الله عَ ◌ّه: ((قل لحمزة فليحول بابه)) فقلت: إن رسول الله عَ ليه يأمرك أن تحول بابك، فحوله، رواته موثقون كما فى "وفاء الوفاء" (٣٣٨:١). فذکر حمزة فى القصة يدل على تقدمها، فما ورد فی حدیث سعد بن أبى وقاص عند أحمد والنسائى وإسناده قوى، وحديث زيد بن أرقم عند أحمد والنسائى والحاكم أن رسول " الله ◌َّ أمر بسد الأبواب الشارعة فى المسجد وترك باب على، ونحوه عن ابن عباس عند أحمد والنسائى ورجالهما ثقات، وعن ابن عمر عند أحمد، وإسناده حسن، وعن جابر بن سمرة عند الطبرانى. قال الحافظ فى "الفتح": وهذه الأحاديث يقوى بعضها بعضًا يجمع بينه وبين قوله عد له: ((سدوا عنى كل خوخة فى هذا المسجد غير خوخة أبى بكر)) بأن الأمر بسد الأبواب وقع مرتين، ففى الأولى استثنى عليًا لما ذكر من كون بابه كان إلى المسجد ولم يكن له غيره، وفى الأخرى استثنى أبا بكر ولكن لا يتم ذلك إلا بأن يحمل ما فى قصة على على الباب الحقيقى وما فى قصة أبى بكر على الباب المجازى. والمراد به الخوخة كما صرح به فى بعض طرقه، وكأنهم لما أمروا بعد بسد الأبواب سدوها ٢٢٠ ج - ١٣ باب إذا وقف السقاية أو الخان أو الرباط لابن السبيل أو السوق للمسلمين أو المقبرة لموتاهم صح ولزم باستعمال الناس له ٤٥٧٧- فيه حديث عثمان رضى الله عنه أنه اشترى بير رومة وجعل فيها دلوه مع دلاء المسملين. رواه النسائي والترمذى، وقد تقدم. ٤٥٧٨- عن الحسن عن سعد بن عبادة أن أمه ماتت فقال: يا رسول الله! إن أمى ماتت أفأتصدق عنها؟ قال: نعم. قلت: فأى الصدقة أفضل؟ قال: سقى الماء. قال الحسن: فتلك سقاية آل سعد بالمدينة. رواه أحمد والنسائى. وفى "النيل" (٣٣٤:٣): حديث سعد رجال إسناده عند النسائى ثقات، ولكن الحسن لم يدرك سعدًا، وقد أخرجه أيضا أبو داود وابن ماجه اهـ. قلت: وأصله عند البخارى، كما تقدم. ٤٥٧٩- عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله عَّ ◌ُّه: إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا نشره، وولدًاً صالحا تركه، أو مصحفًا ورثه، وأحدثوا خوخًا يستقربون الدخول إلى المسجد منها فأمروا بعد ذلك بسدها، فهذه طريقة لا بأس بيها فى الجمع بين الحديثين المذكورين. وأخطأ ابن الجوزى حيث أورد هذا الحديث - أى حديث باب علی۔ فی الموضوعات مقتصرا على بعض طرقه، وأعله ببعض من تكلم فيه من رواته، ولیس ذلك بقادح لما ذكرت من كثرة الطرق، وأعله أيضًا بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة فى باب أُبی بکر. وزعم أنه من وضع الرافضة قابلوا به الحديث الصحيح فى باب أبى بكر. قال الحافظ: وقد أخطأ فى ذلك خطأ شنيعًا فإنه سلك رد الأحاديث الصحيحة بتوهمه المعارضة مع أن الجمع بين القصتين ممکن، ثم جمع بينهما بما ذكرنا (١٣:٧). باب إذا وقف السقاية أو الخان أو الرباط لابن السبيل أو السوق للمسلمين أو المقبرة لموتاهم صح ولزم باستعمال الناس له قوله: فيه حديث عثمان وقوله: عن الحسن إلخ، دلالتهما على وقف السقاية والبئر ظاهرة. قوله: عن أبى هريرة إلخ، موضع الترجمة منه قوله مّ له: أو بيتًا لابن السبيل بناه، ودلالته