Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ للواقف أن يشترط لنفسه أو لأهله ج - ١٣ ألم تر أن حجر المدری حدثنى فذكر نحوه سواء، وحجر المدرى تابعى معروف، روى عن على وزيد بن ثابت وغيرهما، قال العجلى: تابعى ثقة من خيار التابعين (الإصابة الله عَّهِ، وأوصى إن أصبت فأموالى لرسول الله عَّه، فقبضها رسول الله عَّ ◌ُله، وتصدق بها، وهذا قبل ما تصدق به عمر، وإنما تصدق عمر بثمغ حين رجع رسول الله عَ ليه من خيبر سنة سبع من الهجرة اهـ (ص ٤). قلت: فثبت بمجموع الأثرين ما ذكره صاحب "الهداية": من أن النبى معَّ ه كان يأكل من صدقته، لأنه وقف الحوائط السبعة فى حياته مرجعه من غزوة أحد، وكان يأكل من تمرها وهى موقوفة، وقال ابن شبة: قال أبو غسان: صدقات النبى معَّه اليوم بيد الخليفة يولى عليها ويعزل عنها، ويقسم ثمرها وغلتها فى أهل الحاجة من أهل المدينة على قدر ما يرى من هى فى يده، قال الحافظ ابن حجر بعد نقل نحو ذلك عنه، وكان ذلك على رأس المائتين ثم تغيرت الأمور، والله المستعان. قلت: قال الشافعى رضى الله عنه فيما نقله البيهقى عنه: وصدقة رسول الله عَ ليه - بأبى هو وأمى- قائمة عندنا، وصدقة الزبير قريب منها، وصدقة عمر بن الخطاب قائمة، وصدقة عثمان وصدقة على وصدقة فاطمة بنت رسول الله عَّ ◌ُلّه وصدقة من لا أحصى من أصحاب رسول الله عَّ له بالمدينة وأعراضها اهـ، من "وفاء الوفاء" للسمهودى (١٦٠:٢). وقال الموفق فى "المغنى": ولا يجوز أن يرجع إليه -أى إلى الواقف- شىء من منافعه إلا أن يشترط أن يأكل منه فيكون له مقدار ما يشترط، وجملته: أن الواقف إذا اشترط فى الوقف أن ينفق منه على نفسه صح الوقف والشرط، نص عليه أحمد واحتج، قال: سمعت ابن عيينة عن ابن طاوس عن أبيه عن حجر المدرى فذكر حديث المتن، وقال القاضى: يصح الوقف رواية واحدة، لأن أحمد نص عليها فى رواية جماعة، وبذلك قال ابن أبى ليلى وابن شبرمة وأبو يوسف والزبير وابن سريج. قلت: قد دل احتجاج أحمد بحديث حجر المدرى أن اشتراط النبى معَّ الّه نفقة أهله بالمعروف كاشتراطه إياها لنفسه لعدم انقطاع الزوجية بينه وبين نسائه بوفاته، ولذلك حرم على المؤمنين أن ينكحوا أزواجه من بعده أبدا، فلم تكن النفقة عليهن كالنفقة على الأجانب بل كالنفقة على نفسه الكريمة، فافهم. وقال مالك والشافعى ومحمد بن الحسن: لا يصح الوقف؛ لأنه إزالة الملك، فلم يجز اشتراط نفعه لنفسه كالبيع والهبة، وكما لو أعتق عبدا بشرط أن يخدمه، ولأنه ما ينفقه على نفسه ١٤٢ للواقف أن يشترط لنفسه أو لأهله إعلاء السنن ٧٧:٢)، قال الحافظ: أرسل حديثا فأخرجه بقى بن مخلد فى الصحابة، وهو وهم اهـ، قلت: فالأثر مرسل صحيح. مجهول فلم يصح اشتراطه، كما لو باع شيئًا واشترط أن ينتفع به، ولنا الخبر الذى ذكره الإمام أحمد، ولأن عمر رضى الله عنه قال: لا بأس على وليبها أن يأكل منها أو يطعم صديقا غير متمول فيه، وكان الوقف بيده إلى أن مات (سيأتى ما يدل عليه)، ولأنه إذا وقف وقفا عاما كالمساجد والسقايات والرباطات والمقابر كان له الانتفاع به (من غير شرط) فكذلك ههنا (بالشرط). ولا فرق بين أن يتشرط لنفسه الانتفاع به مدة حياته أو مدة معلومة، وسواء قدر ما يأكل منه أو أطلقه، فإن عمر رضى الله عنه لم يقدر ما يأكل الوالى ويطعم إلا بقوله بالمعروف وفى حديث صدقة رسول الله عَّه أنه شرط أن يأكل أهله منها بالمعروف غير المنكر، قال: وإن شرط أن يأكل أهله منه صح الوقف والشرط، لأن النبى معَِّ شرط ذلك فى صدقته، وإن اشترط أن يأكل منه من وليه ويطعم صديقا جاز، لأن عمر رضى الله عنه شرط ذلك فى صدقته التى استشار فيها رسول الله عَّهِ، فإن وليها الواقف كان له أن يأكل ويطعم صديق، لأن عمر ولی صدقته، وإن وليها أحد من أهله كان له ذلك، لأن حفصة بنت عمر كانت تلى صدقته بعد موته ثم وليها بعدها عبد الله بن عمر اهـ (١٩٤:٦). وقال الحافظ فى "الفتح": وفيه -أى فى حديث عمر - أن للواقف أن يشترط لنفسه جزءً من ريع الوقف، لأن عمر شرط لمن ولى وقفه أن يأكل منه بالمعروف، ولم يستثن إن كان هو الناظر أو غيره (ولقائل أن يقول: إذا أطلق الكلام يراد به غير المتكلم لا ما يعمه وغيره، قال هلال بن يحيى فى أحكام الوقف له: ليس هذا على ما تأولت أن عمر بن الخطاب عنى بقوله: لا جناح على من وليبها نفسه وغيره، وإنما عنى بذلك ولاتها غيره ولم يعن نفسه، ألا ترى لو أن رجلا من بنى العباس قال: أرضى صدقة موقوفة على بنى العباس. لم يكن الواقف فيهم، ولو أن امرأة قالت لرجل: زوجنى رجلا، فزوجها من نفسه لم يجزاهـ، ملخصا (ص ٧٢ و ٧٣). قال الحافظ: فدل على صحة الشرط، وإذا جاز فى المتهم الذى تعينه العادة كان فيما يعينه هو أجوز، ويستنبط منه صحة الوقف على النفس (بدليل أنه شرط لمن ولى وقفه أن يأكل منه، ولم يستثن إن كان هو الناظر، فكأنه شرط لنفسه، وهذا هو الوقف على النفس، وفيه ما فيه فتذكر). وهو قول ابن أبى ليلى وأبى يوسف وأحمد فى الأرجح عنه، وقال به من المالكية ابن شعبان وجمهورهم على المنع إلا إذا استثنى لنفسه شيئًا يسيرًا بحيث لا يتهم أنه قصد حرمان ج - ١٣ للواقف أن يشترط لنفسه أو لأهله ١٤٣ ٤٥٠٧- عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله عَ ليه قال: ((لا تقتسم ورثتی دينارا ولا درهما، ما تركت بعد نفقة نسائى ومؤنة عاملى فهو صدقة))، رواه البخارى (فتح البارى ٣٠٤:٥). ورثته، ومن الشافعية ابن سريج وطائفة، وصنف فيه محمد بن عبد الله الأنصارى شيخ البخارى (وتلميذ الإمام أبى حنيفة) جزءً ضحمًا، واستدل له بقصة عمر هذه وبقصة راكب البدنة وبحدیث أنس أنه عَ لِّ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها، ووجه الاستدلال به أنه عرّ. أخرجها عن ملكه بالعتق، وردها إليه بالشرط، وبقصة عثمان الآتية (أنه اشترى بئر رومة، وجعلها للمسلمين، وكان دلوه فيها كدلاءهم اهـ) (٣٠٢:٥). وأجاب هلال بن يحيى عن استدلال لهم بحديث الهدى بأن الوقف لا يملكه أحد، والبدنة لم تخرج من ملك صاحبها، ألا ترى أن صاحبها لو مات قبل أن يبلغ الوقت تكون ميراثا عنه فهذا لا يشبه الوقف، وإنما معنى الحديث عندنا - والله أعلم -: أنه عرّ أمره بركوبها على وجه الضرورة، أى ولا نزاع فى جواز أكل الواقف من وقفه عند الاضطرار، وإنما النزاع فى اشتراطه ذلك لنفسه عند الاختيار، وعن قصة وقف عثمان بئر رومة، وجعله دلوه فيها كدلاء المسلمين أن عثمان لم يرد بهذا اشتراطًا لنفسه، إنما أراد أن يخبر أنه كان أسوة للمسلمين، والشرط فى هذا وغيره سواء، لأنه بلغنا عن رسول الله عرَ ◌ّ أنه قال: ((المسلمون شركاء فى ثلاث: الماء والكلأ والنار))، والبئر فى هذا كالمسجد، لو جعل رجل داره مسجدًا للمسلمين له أن يصلى فيها شرط، أو لم يشترط اهـ (ص ٧٤). قلت: والجواب عن قصة عتق صفية أن لا دلالة فى الأحاديث على الاشتراط، بل أعتقها رسول الله عَّ بلا شرط، ثم تزوجها برضاها، سلمنا ولكن العتق يقبل التعليق بالشرط، ولا کذلك الوقف، فافهم. قوله: عن أبى هريرة إلخ فيه دلالة على اشتراط أجرة العامل على الوقف، والمراد بالعامل القيم على الأرض والأجير ونحوهما أو الخليفة بعده عَ له، وقوله عّم: ((ورثتی)) سماهم ورثة باعتبار أنهم كذلك بالقوة لكن منعهم من الميراث الدليل الشرعى، وهو قوله: ((لا نورث، ما تركنا صدقة))، وموضع الاستشهاد منه قوله: ((بعد نفقة نسائى)) فقد تقدم أن اشتراط نفقة النساء كاشتراط نفقة نفسه، وهو الجزء الأول من الباب، ولقائل أن يقول: إن قدر نفقة النساء ومؤنة العامل لم يكن وقفا، وإنما تصدق بما فضل عنهما، فافهم. ١٤٤ للواقف أن يشترط لنفسه أو لأهله إعلاء السنن ٤٥٠٨- عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما أن عمر اشترط فى وقفه أن يأكل من وليه، ويؤكل صديقه غير متمول مالا. رواه البخارى أيضًا (فتح البارى ٣٠٤:٥)، وقد تقدم أنه كان جعل الولاية لأهله. ٤٥٠٩- عن أنس أنه وقف دارا له بالمدينة فكان إذا حج مر بالمدينة فنزل داره. رواه البيهقى من طريق الأنصارى حدثنى أبى عن ثمامة عنه، وذكره البخارى فى الصحيح معلقا (فتح البارى ٣٠٥:٥). ٤٥١٠- عن المقدام بن معديكرب رفعه: ((ما من كسب الرجل كسب أطيب من عمل يديه، وما أنفق الرجل على نفسه وأهله وولده وخادمه فهو له صدقة))، رواه ابن ماجه، واللفظ له والنسائى بإسناد جيد، كذا فى "الدراية" (ص: ٢٧٨). ٤٥١١- عن أبى سعيد عن النبى معَّ له قال: ((أيما رجل كسب مالا حلالا فأطعمه نفسه أو كساها فمن دونه من خلق الله تعالى فإن له زكاة)) رواه ابن حبان فى صحيحه، والحاكم إلا أنه قال: فإنه له زكاة، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (فتح القدير ٤٣٩:٥). قوله: "وعن أنس إلخ" دلالته على انتفاع الواقف بوقفه ظاهرة فإن كان وقفًا عامًا لكل من بالمدينة حاجًا أو زائرًاً فقد تقدم قيام الإجماع على جواز انتفاع الواقف بوقفه العام، وإن كان خاصًا لأهله وولده مثلا فلعله كان قد اشترط الانتفاع به مدة حياته للإجماع على أن الواقف إذا لم يشرط لنفسه الانتفاع به لا يحل له أن يأكل منه أو ينتفع به كما ذكرناه أول الباب، فتذكر. وقال هلال بن يحيى فى حديث أنس هذا: إن معناه عندنا - والله أعلم- أنه كان يسكنها بأمر من قد وقف عليه، ألا ترى أنه ليس فى الحديث أنه اشترط سكناها لنفسه، وقد سمى سبيلها، فهذا دليل على أن الوقف كان على غيره إلا أنه كان يسكنها بإذن من وقفت عليه، وكذلك كل من بلغنا أنه وقف داره وسكنها فإنما معنى ذلك عندنا، أنه سكنها مع اللذين وقفت علیهم یإذنهم، لأنه لم يبلغنا أن أحداً منهم اشترط فيها السكنى، وبلغنا أنهم سموا وجوهها، ولم يسموا لأنفسهم منها شيئًا، ولا يجوز أن يتأول عليهم أنهم وقفوا على غيرهم ثم أخذوها لأنفسهم بغير إذن فى وقفت علیه اهـ (ص٧٥). قوله: عن المقدام إلى آخر الباب، دلالة الأحاديث على كون الصرف إلى نفسه قربة ظاهرة، ج - ١٣ ١٤٥ ٤٥١٢- عن جابر أنه عليه الصلاة والسلام قال الرجل: ((ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شىء فلأهلك)) الحديث، رواه مسلم (فتح القدير ٤٣٩:٥). باب لا يصح الوقف إلا مؤبدا وجواز الوقف على الأغنياء والفقراء ويرجع آخره إلى الفقراء والمساكين ولا يرجع إلى الميراث أبدا. ٤٥١٣- عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر قال: يا رسول الله! فذكر الحديث، وفيه: فكتب عمر هذا الكتاب: من عمر بن الخطاب فى ثمغ والمائة الوسق التى أطعمنيها رسول الله عَّ له من أرض خيبر، إنى حبست أصلها، وجعلت وفيه تأیید لأبی یوسف رحمه الله ومن وافقه من القائلین بجواز الوقف على نفسه، وقد مر تقریر الاستدلال من كلام صاحب "الهداية" أول الباب، فليراجع. قال الموفق فى "المغنى": وإذا وقف على نفسه ثم على المساكين أو على ولده ففيه روايتان، إحداهما لا يصح، فإنه قال فى رواية أبى طالب، وقد سئل عن هذا، فقال: لا أعرف الوقف إلا ما أخرجه لله وفى سبيل الله، فإذا وقفه عليه حتى يموت فلا أعرفه، فعلى هذه الرواية يكون الوقف عليه باطلا، وهل يبطل الوقف على من بعده؟ على وجهين. بناءً على الوقف المنقطع الابتداء، وهذا مذهب الشافعى، لأن الوقف تمليك للرقبة والمنفعة، ولا يجوز أن يملك الإنسان نفسه من نفسه كما لا يجوز أن يبيع نفسه مال نفسه، ولأن الوقف على نفسه إنما حاصله منع نفسه التصرف فى رقبة الملك فلم يصح ذلك، كما لو أفرده بأن يقول: لا أبيع هذا ولا أهبه ولا أورثه، ونقل جماعة (عن أحمد) أن الوقف صحیح، اختاره ابن أبی موسی، قال ابن عقيل: وهی أصح، وهو قول ابن أبى ليلى وابن شبرمة وأبى يوسف وابن سريج لما ذكرنا فيما إذا اشترط أن يرجع إليه شىء من منافعه،، ولأنه يصح أن يقف وقفا عاما فينتفع به، كذلك إذا خص نفسه بانتفاعه، والأول أقيس اهـ (١٩٧:٦). باب لا يصح الوقف إلا مؤبدًا، وجواز الوقف على الأغنياء والفقراء ويرجع آخره إلى الفقراء والمساكين، ولا يرجع إلى الميراث أبدًا قوله: عن عبيد الله بن عمر إلخ، قد تقدم عن الحافظ فى "الفتح" أن حديث صدقة عمر أصل فى مشروعية الوقف وتحقيق ماهيته، وكان قد تصدق على ذى قرباه، وفيهم الغنى والفقير، وعلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، وهذه جهة لا تنقطع، وقد نص على أنه لا يباع ولا يوهب ٢٠ ١٤٦ تحقيق ماهية الوقف إعلاء السنن ثمرتها صدقة لذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والمقيم عليها أن يأكل أو يوكل صديقا لا جناح، ولا يباع ولا يوهب ولا يورث ما قامت السماوات والأرض، جعل ذلك إلى ابنته حفصة، فإذا ماتت فإلى ذى الرأى من أهلها. رواه "الدارقطنى (٥٠٦:٢)، واحتج به الحافظ فى "الفتح" (٢٩٩:٥)، فهو حسن أو صحيح. ٤٥١٤- حدثنا القاسم بن الفضل حدثنا محمد بن على أن على بن أبى طالب رضى الله عنه تصدق بأرض له ليقى بها وجهه عن جهنم على مثل صدقة عمر رضى الله عنه غير أنه لم يستثن للوالى منها شيئا كما استثناه عمر. رواه الخصاف فى أحكام الأوقاف له من طريق الواقدى (ص: ١٠)، ورجاله ثقات، أما القاسم فهو الحدانى الأزدى أبو المغيرة البصرى ثقة من رجال مسلم والأربعة، (تهذيب ٣٢٩:٨) وأما محمد بن على فأبو جعفر الباقر ثقة فاضل من أهل بيت النبوة روى له الجماعة فى الأمهات، وروايته عن على مرسلة، ولکنه من أهل بيته فهو مرسل حسن. ولا يورث ما قامت السماوات والأرض، وفى كل ذلك دليل على أنه لا يصح الوقف إلا مؤيدًا، ويجوز على الأغنياء والفقراء بشرط أن يرجع آخره إلى الفقراء والمساكين، ولا يرجع إلى الميراث أبدا، من ادعى صحة الوقف الذى لا يرجع آخره إلى الفقراء ويرجع إلى الميراث فعليه البيان، فإن التصدق بالغلة مع حبس الأصل عرف بالشرع على خلاف القیاس فیقتصر على مورده، ولم يرد فى الشرع إلا مؤبدًا فلا يصح غير مؤبد. قوله: حدثنا القاسم بن الفضل إلى قوله: حدثنا محمد بن عمر الواقدى حدثنى قدامة إلخ دلالة الآثار على أن الصحابة تصدقوا على صدقة عمر، وأنها لا تباع ولا تورث ولا توهب حتى يرث الله الأرض ومن عليها ظاهرة، وشهرة الأمر أغنتنا عن تحقيق الأسانيد، كما تقدم عن ابن حزم فى أول كتاب الوقف فليراجع، وفى قول زيد بن ثابت: لم نرخيرًاً للميت ولا للحى من هذه الحبس الموقوفة، أما الميت فيجرى أجرها عليه، وأما الحى فتحبس عليه لا تباع ولا توهب ولا تورث ولا يقدر على استهلاكها، دلالة ظاهرة على تأبيد الوقف، وأنه لا يرجع إلى الميراث أبدًا، فإن رجوعه ميراثا يفضى إلى انقطاع أجر الميت كما لا يخفى، والأصل فيه قوله عّ لّه: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له)) فإنه بظاهره يدل على لزوم الوقف وتأييده وإن لم يكن نصًا فيه قاطعًا لما ذكرناه فتذكر، والله تعالى أعلم. قال صاحب "الهداية": ولا يتم الوقف عند أبى حنيفة ومحمد حتى يجعل آخره بجهة لا ج - ١٣ تحقيق ماهية الوقف ١٤٧ ٤٥١٥- حدثنا محمد بن عمر الواقدى أخبرنا عبد الرحمن بن أبى الزناد حدثنى عبد الله بن عمر وأبو زهير الكعبى عن عبد الله بن خارجة بن زيد عن أبيه عن زيد بن ثابت قال: لم نر خيرا للميت ولا للحى من هذه الحبس الموقوفة، أما الميت فيجرى أجرها عليه، وأما الحى فتحبس عليه لا تباع ولا توهب ولا تورث ولا يقدر على استهلاكها، وإن زيد بن ثابت جعل صدقته التى وقفها على سنة صدقة عمر بن الخطاب، وكتب كتابا على كتابه، قال: وحدثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه قال: كتب زيد بن ثابت صدقته على كتاب عمر بن الخطاب اهـ. رواه الخصاف فى أحكام الأوقاف له (ص: ١٢). ٤٥١٦- قال (الواقدى): وحدثنى سعيد بن أبى زيد عن عمارة بن غزية عن أبى بكر بن حرم عن محمد بن مسلمة وزيد بن ثابت ورافع بن خديخ أنهم تصدقوا علی صدقة عمر. رواه الخصاف أيضا (ص: ١٢). تنقطع أبدًا، وقال أبو يوسف: إذا سمى فيه جهة تنقطع جاز، وصار بعدها للفقراء وإن لم يسمهم، وقيل. إن التأبيد شرط بالإجماع إلا أن عند أبى يوسف لا يشترط ذكر التأييد، لأن لفظ الوقف والصدقة منبئة عنه لما بينا أنه إزالة الملك بدون التمليك كالعتق، ولهذا قال: وصار بعدها للفقراء وإن لم يسمهم، وهذا هو الصحيح. وعند محمد ذكر التأبيد شرط، لأن هذا صدقة بالمنفعة، أو بالغلة، وذلك قد یکون مؤقتًا، وقد يكون مؤبداً، فمطلقه لا ينصرف إلى التأبيد فلا بد من التنصيص اهـ ملخصًا مع "فتح القدير" (٤٢٨:٥). قال المحقق: وقد روى عن أبى يوسف أنه بعد انقطاع الجهة يرجع إلى ملك الواقف أو ذريته، . وقد نقل من الفروع ما يدل على كل منهما عند أبى يوسف، قال فى الأجناس: فحصل عنه روایتان اهـ. قلت: والصحیح قول محمد، وهو قول أبى حنيفة لكونه متأیدا بالآثار، قال محمد فى. الحجج له: إنما يجوز الحبس عندنا ما يكون يرجع آخره إلى الفقراء والمساكين وابن السبيل، ولا يرجع آخره إلى الميراث أبدًا فهذا يجوز؛ لأنه صدقة كصدقات على وعمر وابن عمر وزيد بن ثابت، فأما ما كان حبسًا على الولد أو ولد الولد لا يرجع آخره إلى أن يكون صدقة فى الفقراء فهو باطل اهـ (ص٢٧٦) . . وأما هلال بن يحيى فقد فرق فى قول الرجل: أرضى هذه موقوفة على فلان، ولم يسم. المساكين، وبين قوله: صدقة موقوفة على فلان، فأبطل الوقف فى الأول، وأجازه فى الثانى، وإذا .. ١٤٨ تحقيق ماهية الوقف إعلاء السنن ٤٥١٧- حدثنا محمد بن عمر الواقدى حدثنى قدامة بن موسى عن بشير مولى المازنيين قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: لما كتب عمر بن الخطاب رضى الله عنه صدقته فى خلافته دعا نفرًا من المهاجرين والأنصار، فأحضرهم وأشهدهم على ذلك فانتشر خبرها، قال جابر: فما أعلم أحداً ذا مقدرة من أصحاب رسول الله عَ ليه من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالا من ماله صدقة موقوفة لا تشترى ولا تورث مات فلان رجع إلى المساكين؛ لأنه لم يسم المساكين، ولم يجعلها للصدقة فى الأول، وإذا قال: صدقة موقوفة، ذكر المساكين بقوله: صدقة فهو جائز، (أحكام الوقف ص ١٠). وبالجملة: فقد وافق أبا يوسف فى عدم اشتراط التنصيص على التأبيد لا ذكر المساكين لفظا، ولكن لا بد من التنصيص عليه عنده معنى ولو بلفظ الصدقة، وأما مجرد لفظ الوقف فلا ينبئ عن التأبيد عنده، قال: وقد قال ناس من الفقهاء: لا يجوز الوقف وإن قال: صدقة موقوفة حتى يجعل آخرها للمساكين، ومن حجتنا عليهم السهم الذى جعله عمر بن الخطاب رضى الله عنه من وقفه لذوى القربى، ولم يجعل آخرها للمساكين، (وفيه أن عمر لم يعين لذوى القربى سهما بل وقف الأرض كلها لذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، فلم يكن شىء منها إلا وللمساكين فيه نصيب، ،هذه جهة لا تنقطع، سلمنا ولكن الواقف إذا سمى وجوهًا وفيها وجه للمساکین یرجع کلها إلى المسا کین إذا انقرضت الوجوه سواهم عند محمد ومن واقفه، فلا يرد عليه السهم الذى جعله عمر لذوى القربى لكونه قد ذكر المساكين معهم). قال: وقد بلغنا أن الزبير بن العوام رضى الله عنه تصدق بدوره على المردودة من بناته، ولم يبلغنا أنه جعل آخرها للمساكين اهـ، قلنا: محمول على الاختصار فى الرواية بدليل أن من الروايات ما لا ذكر فيها للصدقة أيضًا كما فى المتن، وقد تقدم أن حديث عمر هو الأصل فى الباب، وأن الصحابة وقفوا على وقفه فيحمل على أنهم ذكروا المساكين، ووقع الاختصار فى الرواية لظهور الأمر، والله تعالى أعلم. وقال الموفق فى "المغنى": إن الوقف الذى لا اختلاف فى صحته ما كان معلوم الابتداء والانتهاء غير منقطع، مثل أن يجعل على المساكين أو طائفة لا يجوز بحكم العادة انقراضهم وإن كان غير معلوم الانتهاء، مثل أن يقف على قوم يجوز انقراضهم بحكم العادة، ولم يجعل آخره المساكين، ولا لجهة غير منقطعة (كطلبة العلم ونحوهم) فإن الوقف يصح، وبه قال مالك وأبو يوسف والشافعى فى أحد قوليه، وقال محمد بن الحسن: لا يصح، وهو القول الثانى للشافعى. ج - ١٣ تحقيق ماهية الوقف ١٤٩ ولا توهب، قال قدامة بن موسى: وسمعت محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة يقول: ما أعلم أحداً من أصحاب رسول الله عرّ له من أهل بدر من المهاجرين والأنصار إلا وقد وقف من ماله حبسا لا يشترى ولا يوهب ولا يورث حتى يرث الله الأرض ومن عليها. رواه الخصاف أيضا (ص: ١٥). وإذا ثبت هذا فإنه ينصرف عند انقراض الموقوف عليهم إلى أقارب الواقف، وبه قال الشافعى، وعن أحمد: أنه ينصرف إلى المساكين. واختاره القاضى والشريف أبو جعفر (وهو الصحيح عن أبى يوسف كما تقدم) لأنه مصرف الصدقات وحقوق الله تعالى من الكفارات ونحوها، فإذا وجدت صدقة غير معينة المصرف انصرفت إليهم، كما لو نذر صدقة مطلقة، وعن أحمد: أنه يجعل فى بيت مال المسلمين، لأنه مال لا مستحق له فأشبه مال من لا وارث له، وقال أبو يوسف: يرجع إلى الواقف وإلى ورثته إلا أن يقول: صدقة موقوفة ينفق منها على فلان وعلى فلان، فإذا انقرض المسمى كانت للفقراء والمساكين اهـ. (٢١٥:٦). قلت: ولكن صدقات الصحابة كانت مؤبدة كما يدل عليه ما ذكرنا من الآثار فى المتن، وأما ما روى عن بعض الصحابة أنهم وقفوا العقار والدور على ولدهم وولد ولدهم ولم يسموا الفقراء والمساكين ولا التأبيد فإن لفظ الصدقة أو الوقف يغنى عن تسميتهم، أو يحمل على الاختصار فى الرواية لما عرفت من أن الصحابة تصدقوا على صدقة عمر وكتبوا على كتابه. قال الواقدى: حدثنا عمر بن عبد الله عن عنبسة قال: تصدق عثمان فى أمواله على صدقة عمر بن الخطاب اهـ من أحكام الأوقاف للإمام الخصاف (ص ٩)، وكذلك فعل على وزيد بن ثابت وغيرهما من أصحاب النبى معَّ. كما فى المتن، فلا يصح شىء من الوقف إلا ما كان على سننهم. قال هلال بن يحبى فى أحكام الوقف له: لا يجوز الوقف إلا فى الدور والأرضين، لأنه بلغنا أن رسول الله عَّ أمر به فى أرض، ولا يجوز ذلك عندنا إلا فى الأصول على مثل ما أمر به رسول الله عَّهِ، وكل ما كان سوى العقار يفنى ويذهب، وإنما معنى الوقف على ما يبقى، ألا ترى أنهم قالوا فى صدقاتهم: موقوفة لله أبدا لا تباع ولا توهب فجعلوا ذلك على الأبد جوزنا، وما لم يكن على الأبد فلا يجوز اهـ (ص٨٢). ١٥٠ إعلاء السنن باب يجوز للواقف ان یلی وقفه ما دام حیا، ولا يجب التسليم إلى متول آخر غيره ٤٥١٨- أخبرنى غير واحد من آل عمر وآل على أن عمر ولی صدقته حتى مات وجعلها بعده إلى حفصة، وولى على صدقته حتى مات، ووليبها بعده الحسن بن على رضى الله عنهما، وإن فاطمة بنت رسول الله عّ لّه وليت صدقته حتى ماتت، وبلغنى عن غير واحد من الأنصار أنه ولى صدقته حتى مات، ذكره الإمام الشافعى فى "الأم" له (٢٨١:٣) هكذا معلقا، وتعليق مثله حجة، كما ذكرناه فى المقدمة. باب یجوز للواقف أن یلی وقفه ما دام حیا، ولا يجب التسليم إلى آخر متول غيره قوله: أخبرنى غير واحد إلى آخر الباب، دلالته على معنى الباب ظاهرة، وفى "الهداية". وأما فصل الولاية فقد نص فيه (القدورى) على قول أبى يوسف (حيث قال: وإذا جعل الواقف غلة الوقف لنفسه أو جعل الولاية إليه جاز عند أبي يوسف)، وهو قول هلال أيضاً، وهـ ظاهر المذهب، وذكر هلال فى وقفه، وقال أقوام: إن شرط الواقف الولاية لنفسه كانت له ولاية، وإن لم يشترط لم تكن له ولاية، قال مشايخنا: الأشبه أن يكون هذا قول محمد، لأن من أصله أن التسليم إلى القيم شرط لصحة الوقف، فإذا سلم لم يبق له ولاية فيه، ولنا أن المتولى إنما يستفيد الولاية من جهته بشرطه، فيستحيل أن لا يكون له الولاية، وغيره يستفيد الولاية منه، ولأنه أقرب الناس إلى هذا الوقف فيكون أولى بولايته، كمن اتخذ مسجدا يكون أولى بعمارته ونصب المؤذن فيه، وکمن أعتق عبدا كان الولاء له، لأنه أقرب الناس إليه، ولو أن الواقف شرط ولايته لنفسه وكان الواقف غير مأمون على الوقف فللقاضى أن ينزعها من يده نظرا للفقراء، كما له أن يخرج الوصى نظرا للصغار، وكذا إذا شرط أن ليس للسلطان ولا لقاض أن يخرجها من يده ويوليها غيره، لأنه شرط مخالف لحكم الشرع فبطل اهـ (٤٤٢:٥) مع "الفتح". قلت: وإذا كان ظاهر المذهب جواز جعل الواقف الولاية لنفسه فمن لازمه جواز وقف المشاع فى ظاهر المذهب أيضًا، فإن الخلاف فيه مبنى على الخلاف فى اشتراط تسليم الوقف، فلما شرطه محمد قال بعدم صحة المشاع، وعند أبى يوسف لا يشترط قبض المتولى فلا يشترط ما هو من تمامه، وظاهر المذهب أن التسليم إلى المتولى ليس بشرط، بل للواقف أن يجعل الولاية لنفسه، فينبغى أن يكون ظاهر المذهب جواز وقف المشاع، فيتأمل. ج - ١٣ يجوز للواقف أن يلى وقفه ما دام حيا ولا يجب التسليم إلى آخر ١٥١ ٪ ٤٥١٩- قال الشافعى: أخبرنا بذلك أهل العلم من ولد فاطمة وعلى وعمر ومواليهم، ولقد حفظنا الصدقات عن عدد كثير من المهاجرين والأنصار، لقد حكى عدد كثير من أولادهم وأهليهم أنهم لم يزالوا يلون صدقاتهم حتى ماتوا، ينقل ذلك العامة منهم عن العامة لم يزل يتصدق بها المسلمون من السلف يلونها حتى ماتوا، وإن نقل الحديث فيها كالتكلف، كذا فى الأم أيضًا (٢٧٦:٣). ٤٥٢٠ - حدثنا الواقدى قال: قال لى أبو يوسف: ما عندك فى وقف عمر بن الخطاب رضى الله عنه؟ فقلت: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: شهدت كتاب عمر حين وقف وقفه أنه فى يده، فإذا توفى فهو إلى حفصة بنت عمر، فلم يزل عمر يلى وقفه إلى أن توفى، فلقد رأيته هو بنفسه يقسم ثمرة ثمغ فى السنة التى توفى فيها ثم صار إلى حفصة، فقال أبو يوسف: هذا الذی أخذنا به إذا اشترط الذی وقف الوقف أنه فى يده فی حیاته ثم إذا توفی فهو إلى فلان بن فلان فهو جائز، وهذا فعل عمر كما ترى، رواه الخصاف فى الأوقاف له (ص: ٨) واحتجاج المجتهد بحديث تصحيح له كما مر غير مرة، وأبو بكر بن عبد الله هو ابن أبى سبرة متهم بالوضع، وقال مصعب الزبيرى، كان عالما (تقريب ص: ٢٤٧). وقد روى عن بعض التابعين أنهم أخرجوا أوقافهم من أيديهم، وجعلوها إلى من يتولاهم فى حياتهم، فقد روى الخصاف من طريق الواقدى حدثنى شعبة بن عبادة قال: قرأت فى صدقة عمر ابن خالد الزرقى، فإن مات فلان والى صدقتی فالأمر إلى فى صدقتی أو إلى من رأيت، قال: وحدثنى محمد بن عبد الله (ابن عمر) قال: حبس الزهرى أموالا له، ودفعها إلى مولى له، فمات المولى فى حياته فجعلنى مكانه، وكنت يوم تصدق بها ودفعها إلى المولى لم أبلغ ثم أدركت بعده، قال: وحدثنى مالك عن ابن أبى الرجال عن أبيه أن عمرة بنت عبد الرحمن تصدقت بصدقة، وأشهدت عليها، وأخرجتها من يدها، فكان ابنها يليها اهـ (١٧ و١٨). والظاهر: أنهم كانوا يرون التسليم إلى القيم شرطًا لصحة الوقف، ولعل محمدا قد عثر على ذلك بدليل لاح له من الروايات، فلا مجال لمظنة انفراده بما ذهب إليه بل له سلف فى ذلك من أجلة التابعين، ولكن الراجح فى الباب قول أبى يوسف رحمه الله لما عرفت فى قول الشافعى رحمه الله تعالى: من ولاية العدد الكثير من الصحابة أوقافهم بأنفسهم، والله تعالى أعلم. ١٥٢ إعلاء السنن باب وقف المشاع ٤٥٢١- عن عمر أنه ملك مائة سهم من خيبر اشتراها، فلما استجمعها قال: يا رسول الله! أصبت مالا لم أصب مثله قط، وقد أردت أن أتقرب به إلى الله، فقال: (حبس الأصل وسبل الثمرة))، ويروى: فجعلها عمر صدقة لا تباع ولا تورث باب وقف المشاع قوله: عن عمر إلخ، قال الموفق فى "المغنى": ويصح وقف المشاع، وبهذا قال مالك والشافعى وأبو يوسف، وقال محمد بن الحسن: لا يصح، وبناء على أصله فى أن القبض شرط، وأن القبض لا يصح فى المشاع، ولنا أن فى حديث عمر أنه أصاب مائة سهم من خيبر، واستأذن النبى عَّ ◌ُله فيها فأمر بوقفها، وهذا صفة المشاع، ولا نسلم اعتبار القبض، وإن سلمنا فإذا صح فى البيع صح فى الوقف اهـ ملخصا (٢٣٨:٦). ويعكر على الاستدلال بحديث عمر ما ذكره الحافظ فى "التلخيص"، وأودعناه فى المتن، وعلى القياس بالبيع أن الوقف بالصدقة أشبه منه بالبيع، ولا تصح الهبة والصدقة إلا بالقبض عند أكثر العلماء، وادعى الموفق والمروزى إجماع الخلفاء الراشدين على ذلك، كما فى "المغنى" (٢٤٧:٦)، فكذلك الوقف. وقد وافق أبو يوسف محمدا فى إبطال وقف المشاع فى المسجد والمقبرة، ففى "الهداية": وقف المشاع جائز عند أبى يوسف، لأن القسمة من تمام القبض، والقبض عنده ليس بشرط فكذا تتمته. وقال محمد: لا يجوز؛ لأن أصل القبض عنده شرط فكذا ما يتم به، وهذا فيما يحتمل القسمة، وأما فيما لا يحتمل القسمة فيجوز مع الشيوع عند محمد أيضاً، لأنه يعتبر بالهبة والصدقة المنفذة إلا فى المسجد والمقبرة فإنه لا يتم مع الشيوع فيما لا يحتمل القسمة أيضاً عند أبى يوسف، لأن بقاء الشركة يمنع الخلوص لله تعالى، ولأن المهاباة فيهما فى غاية القبح بأن يقبر فيه الموتى سنة، ويزرع سنة، ويصلى فيه فى وقت، ويتخذ إصطبلا للدواب فى وقت إلخ (٤٢٦:٥) مع "الفتح"). وظنى: أن أحدًا من الأئمة لا يقول بوقف المشاع فى المسجد والمقبرة، وقد تقدم أن المسجد أصل فى الوقف مجمع عليه لم يختلف فيه اثنان، فإذا بطل وقف المشاع فيه فليبطل فى سائر الأوقاف كذلك، إلحاقًا للفرع بالأصل، وفيه أن محمدًا يقول بجواز وقف المشاع فيما لا يحتمل القسمة فى غير المسجد والمقبرة خلاف ما يقتضيه قياس الفرع بالأصل، فافهم. ج - ١٣ وقف المشاع ١٥٣ ولا توهب. رواه الشافعی عن سفيان عن العمری عن نافع عن ابن عمر به، ورواه فی وأما قول الحافظ فى "التلخيص": لم أجد كون مائة سهم -التى وقفها عمر رضى الله عنه- مشاعة بل فى مسلم ما يشعر بغير ذلك فإنه قال: إن المال المذكور يقال له: ثمغ وكان نخلا اهـ ففيه أن كتاب صدقة عمر الذى أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى كما فى "عون المعبود" (٧٦:٣) يدل على كون ثمغ غير مائة سهم الذى كان له بخيير، ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث أن ثمغا وصرمة بن الأكوع والعبد الذى فيه ومائة سهم الذى بخيبر ورقيقه الذى فيه والمائة التى أطعمه محمد عّ لّه بالوادى تليه حفصة ما عاشت ثم يليه ذو الرأى من أهلها إلخ. ولا يخفى: أن مائة سهم الذى كان له بخيبر كان مشاعاً فى حياة النبى عّ لّه بدليل ما رواه أبو داود من طريق نافع عن عبد الله بن عمر قال: لما افتتحت خيبر سألت يهود رسول الله أن يقرهم على أن يعملوا على النصف مما خرج منها، فقال رسول الله عَ ليه: أقركم فيها على ذلك ما شئنا. فكانوا على ذلك، وكان التمر يقسم على السهمان من نصف خيبر، ويأخذ رسول الله عرّ له الخمس، وكان رسول الله عَّ أطعم كل امرأة من أزواجه من الخمس مائة وسق تمرًاً وعشرين وسقًا من شعير، فلما أراد عمر إخراج اليهود أرسل إلى أزواج النبى معَّه، فقال لهن: من أحب منكم أن أقسم لها نخلا بخرصها مائة وسق فيكون لها أصلها وأرضها وماؤها، ومن الزرع مزرعة خرص عشرين وسقا فعلنا، ومن أحب أن تغزل الذى لها فى الخمس كما هو فعلنا، ورواه مسلم أيضًا ولفظه: فلما ولى عمر قسم خيبر خير أزواج النبى ◌ّ ◌ُّ أن يقطع لهن الأرض والماء أو يضمن لهن الأوساق كل عام فاختلفن، فمنهن من اختار الأرض والماء، ومنهن من اختار الأوساق كل عام، فكانت عائشة وحفصة ممن اختار الأرض والماء، كذا فى "عون المعبود" (١١٩:٣). وما أخرجه البلاذری فی" الفتوح": حدثنی بکر بن الھنیم حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى أن رسول الله عّ لّه لما فتح خيبر كان سهم الخمس منها الكتيبة، وكان أشق والنطاة وسلالم والوطيح للمسلمين، فأقرها فى يد يهود على الشطر، فكان ما أخرج الله منها للمسلمين يقسم بينهم، حتى كان عمر، فقسم رقبة الأرض بينهم على سهامهم (ص٣٢). وهذا صريح فى أن رقبة أرض خيبر لم تكن مقسومة بين المسلمين فى زمن النبى علّه. تحقيق صدقة عمر التى يقال لها: ثمغ: وقد ثبت عند الجماعة أن عمر أصاب أرضًا من أرض خيبر فقال: يا رسول الله! أصبت ١٥٤ وقف المشاع إعلاء السنن القديم عن رجل عن ابن عون عن نافع باللفظ الثانى، وهو متفق عليه من حديثه، وله أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندى منه فما تأمرنى؟ فقال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها الحديث، ولم يصب عمر أرضًا بخيير إلا سهمه الذى كان له بها فى سهام المسلمين مع ما اشتراه من أهلها، عبر عنها تارة بالأرض وأخرى بمائة سهم بدليل ما أخرجه الدار قطنى من طريق سفيان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: جاء عمر إلى رسول الله عَ لّه فقال: يا رسول الله! إنى أصبت مالا لم أصب مثله قط، وكان لى مائة رأس فاشتريت بها مائه سهم من خيبر من أهلها، وإنى قد أردت أن أتقرب بها إلى الله عز وجل قال: فاحبس أصلها وسبل الثمرة (٥٠٦:٢). وأخرجه النسائى من طريق سفيان عن عبد الله بن عمر جاء عمر فذكر الحديث نحوه، كذا فى "فتح البارى" (٢٩٩:٥) أو المائة الوسق التى أطعمه النبى معَّ. من سهمه بخيبر أو بالوادى بدليل ما رواه البلاذرى: حدثنى الوليد بن صالح عن الواقدى عن أشياخه أن رسول الله عَ ليه. أطعم من سهمه بخيبر طعما، فجعل لكل امرأة من نسائه ثمانين وسقاً من تمر وعشرين وسقًا من شعير، وأطعم عمه العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه مائتى وسق، وأطعم أبا بكر وعمر والحسن والحسين وغيرهم، وأطعم بنى المطلب بن عبد مناف أوساقا معلومةً، وكتب لهم بذلك كتابًا ثابتًا اهـ (ص٣٥). وقد تقدم عن الدارقطنى من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله! ما من مالى شىء أحب إلى من المائة وسق التى أطعمتنينها من خيبر، فقال له رسول الله عَّه: فاحبس أصلها واجعل ثمرها صدقة، قال فكتب عمر هذا الكتاب، من عمر بن الخطاب فى ثمغ المائة الوسق التى أطعمنيها رسول الله مَّه من أرض خيبر أنى حبست أصلها، وجعلت ثمرتها صدقة الحديث (٥٠٦:٢). وروى البخارى من طريق صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما أن عمر تصدق بمال له على عهد رسول الله مَّ له، كان يقال له: ثمخ، وكان نخلا فقال عمر: يا رسول الله! إنى استفدت مالا، وهو عندى نفيس، فأردت أن أتصدق به، فقال النبى عَ لّه: تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره الحديث (٢٩٣:٥ مع "الفتح")، وليس فيه أن ثمغ أرض بخيير، وعند أحمد من رواية أيوب أن عمر أصاب أرضا من يهود بنى حارثة يقال لها: ثمغ، کذا فی "فتح البارى" (٢٩٩:٥) نعم، وقع فى رواية أيوب عن نافع عن ابن عمر عن عمر عند الدار قطنى أنه أصاب أرضا بخيبر يقال لها: "ثمغ" فسأل النبى معَّه، فقال له: حبس أصلها ج - ١٣ وقف المشاع ١٥٥ طريق عندهما غيره (التلخيص الحبير ٢٥٨:٢). وتصدق بثمرها (٥٠٣:٥) ولعله وهم من بعض الرواة دون أيوب. والصحيح ما عند أحمد من رواية أيوب نفسه أن عمر أصاب أرضا من يهود بنى حارثة يقال لها: "ثمغ" ويهود بنى حارثة منازلهم تلقاء المدينة بقرب منها. قال السمهودى فى "وفاء الوفاء": ثمغ بالفتح والغين المعجمة مال بخيبر لعمر بن الخطاب رضى الله عنه، قاله المجد لحديث الدار قطنى فذكره، ثم قال: لكن تقدم فى منازل يهود أن بنى مرابة كانوا فى شامى بنى حارثة، وإن من آطامهم هناك الأطم الذى يقال له: الشعبان فى ثمغ صدقة عمر ابن الخطاب رضى الله عنه، قاله ابن زبالة: وفى بعض طرق حديث صدقة عمر من رواية ابن شبة أن عمر أصاب أرضًا من يهود بنى حارثة يقال لها: "ثمغ" .. وذكر الواقدى اصطفاف أهل المدينة على الخندق فى وقعة الحرة، تم ذكر مبارزة وقعت يومئذ فى جهة ذباب إلى كومة أبى الحمراء ثم قال: كومة أبى الحمراء قرية من ثمغ، وقال أبو عبيد البكرى: ثمغ أرض تلقاء المدينة كان لعمر، وذكره ابن شبة فى صدقات عمر بالمدينة، وغاير بينه وبین صدقته بخییر، وأورد لفظ کتاب صدقته، فیه ثمغ بالمدينة، وسهمه من خيبر. وروى عن عمر وابن سعيد بن معاذ قال: سألنا عن أول من حبس فى الإسلام؟ فقال قائل: صدقة رسول الله عَّهِ، وهذا قول الأنصار، وقال المهاجرون: صدقة عمر، وذلك أن رسول الله عَّ أول ما قدم المدينة وجد أرضًا واسعًا بزهرة لأهل رابح وحسيكة، وقد كانوا أجلوا عن المدينة قبل مقدم النبى عّ لّه، وتركوا أرضًا واسعةً منها براح، ومنها ما فيه واد لا يسقى يقال له: الخشاشين، وأعطى عمر منها ثمغا، واشترى عمر إلى ذلك من قوم يهود، فكان مالا معجبًا، فسأل رسول الله عَّ فقال: إن لى مالا، وإنى أحبه، فقال رسول الله مرُّله: احبس أصله وسبل ثمره، (قلت: رواه الخصاف أيضًا من طريق الواقدى نحوه (ص٤ و٥) فهذا كله صريح فى كونه بالمدينة فى شاميها، فكان ما فى رواية الدارقطنى من تصرف بعض الرواة أو أن كلا من صدقتيه يسمى "ثمغا" اهـ (ص٢٧٣ و٢٧٤). قلت: ولا يخفى ما فى هذا التأويل من البعد، وأى حاجة إلى التأويل؟ ومدار الحديث على أيوب، وقد رواه هو عند أحمد على الصواب، وكذا ما قاله الحافظ فى "الفتح"، ونصه: فيحتمل أن تكون ثمغ من جملة أراضى خيبر، وإن مقدارها كان مقدار مائة سهم من السهام التى قسمها النبى عٍَّ بين من شهد خيبر، وهذه مائة سهم غير مائة سهم التى كانت لعمر بن الخطاب بخيبر ١٥٦ وقف المشاع إعلاء السنن قال الحافظ: قوله: إن المائة سهم كانت مشاعةً لم أجده صريحا بل فى مسلم (١) ما التى حصلها من جزئه من الغنيمة وغيره (٢٩٩:٥) مجرد احتمال غیر ناشئ عن دلیل. والذى ترجح عندى للجمع بين الروايات أن عمر رضى الله عنه كان قد استشار النبى عد اله فى التصدق بشمغ بمائة سهم التى كانت له بخيبر، وبالمائة وسق التى أطعمه النبى معَ ◌ّله جميعًا، فاقتصر بعض الرواة علی ذکر ثمغ وحدها، وجمع بعضهم بينها وبين المائة سهم، وبعضهم بينها وبين المائة وسق، فأمره النبى معَّم بحبس أصلها جميعًا والتصدق بثمرها، فكان وقفه بثمغ غير مشاع، ووقف المائة سهم والمائة وسق مشاعًا، فإن ثبت أنه كان قد وقف ذلك كله فى زمن النبى معَّ باللفظ إلى أن حضرته الوصية فكتب حينئذ الكتاب، ثم الاستدلال به على جواز وقف المشاع، ويحتمل أن يكون آخر وقفيته، ولم يقع منه قبل ذلك إلا استشارته فى كيفيته ثم وقفها محرزة مفرزة غير مشاعة، وبالاحتمال ينهدم الاستدلال لما مر عن البلاذرى أن عمر كان قد قسم رقبة أرض خيبر بين المسلمين على سهامهم حين أجلى اليهود منها فى خلافته، وبعد قسمة الأرض صارسهم كل واحد منهم متعينًا متحيزاً غير مشاع. ولقائل أن يقول: إن عمر حين استشار النبى معَّه فى المائة سهم والمائة وسق كانت مشاعة غير مقسومة، وأشار عليه النبى معَ ◌ّم بوقفها، وهى كذلك ولم يأمره بالقسمة، ولا علق حكم الوقف عليها، فدل على جواز وقف المشاع، وأيضًا فإن عمر رضى الله عنه حين كتب الكتاب ذكر ثمغ باسمها، ولم يذكر غيرها إلا بالمائة سهم والمائة وسق، وهو يشعر بكون السهام والأوساق مشاعة غير مقسومة وقت الكتابة أيضًا، هذا هو الظاهر المتبادر منه، ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان، وعلق أبو يحيى الساجى عن الحسن والحسين وقف أحدهما أشقاصًا من دوره فأجاز ذلك العلماء، وتصدق ابن عمر بالسهم بالغابة الذى وهبت له حفصة، كذا فى "السنن الكبرى" للبيهقى (١٦٣:٦)، وهذا صاحب لم نر له مخالفا من الصحابة، والله أعلم. وفى "نيل الأوطار": وأوضح ما احتج به من منع من وقف المشاع أن كل جزء من المشترك محكوم عليه بالمملوكية للشريكين، فيلزم مع وقف أحد الشريكين أن يحكم عليه بحكمين مختلفين متضادين مثل صحة البيع بالنسبة إلى كونه مملوكا، وعدم الصحة بالنسبة إلى كونه موقوفًا، فيتصف كل جزء بالصحة وعدمها، ويتصف بذلك الجملة. (١) قلت: لم أجد فى مسلم بل هو فى البخارى كما ذكره الحافظ فى "فتح البارى" (٢٩٣:٥). ١٥٧ ج - ١٣ وقف المشاع يشعر بغير ذلك فإنه قال: إن المال المذكور يقال له: ثمغ، وكان نخلا اهـ. وأجاب صاحب "المنار" عن هذا: بأنه نظير العتق المشاع، وقد صح ذلك هناك كما صح هنا، وإذا صح من جهة الشارع بطل هذا الاستدلال اهـ (٢٦٦:٥)، ولمحمد أن يقول: إن الوقف بالصدقة أشبه منه بالعتق، فلا يصح قياسه على العتق. الجواب عن استدلال البخارى على صحة وقف المشاع: واستدل البخارى على صحة وقف المشاع بحديث أنس فى قصة بناء المسجد، وأن النبى معَّ ◌ُلّه قال: ((ثامنونى حائطكم))، فقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله عز وجل، وهذا ظاهر فى جواز وقف المشاع، ولو كان غير جائز لأنكر عليهم النبى معَ ◌ّ قولهم هذا وبين لهم الحكم، وفيه أنه ليس من وقف المشاع فى شىء فإن الموقوف لم يكن بعض الحائط بل كله، وقد قال بجواز مثل ذلك من منع وقف المشاع. قال المحقق فى "الفتح": ولو كانت الأرض بين رجلين فوقفاها على بعض الوجوه ودفعاها إلى وال يقوم عليها كان ذلك جائزا عند محمد، لأن المانع من تمام الصدقة شيوع فى المحل المتصدق به، ولا شيوع ههنا؛ لأن الكل صدقة، غاية الأر أن ذلك مع كثرة المتصدقين والقبض من الوالى فى الكل وجد جملة واحدةً، فهو كما تصدق بها رجل واحد سواء اهـ (٤٢٧:٥). وأيضًا فقد روى البخاری فی باب الهجرة من الصحیح بعد ذکر تأسیس مسجد قباء، ثم ركب رسول الله عّم راحلته، فسار يمشى معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول معد له بالمدينة، وهو يصلى فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربدا للتمر لسهيل وسهل -غلامين يتيمين فى حجر أسعد بن زرارة-، فقال رسول الله عَ ليه حين بركت به راحلته: هذا- إن شاء الله- المنزل، ثم دعا رسول الله عّ الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذ مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله! فأبى رسول الله عَّله أن يقبله منهما هبةً حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدًا، الحديث. قال الحافظ فى "الفتح": ذكر ابن سعد عن الواقدى عن معمر عن الزهرى أن النبى عر ◌ُّه أمر أبا بكر أن يعطيهما ثمنه، قال: وقال غير معمر: أعطاهما عشرة دنانير، ولا منافاة بینه وبین حدیث أنس المتقدم فيجمع بأنهم لما قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله عز وجل، سأل عمن يختص بملكه منهم؟ فعينوا له الغلامين، فابتاعه منهما (أو من وليهما إن كانا غير بالغين، فقد وقع فى رواية ابن عيينة، فكلم عمهما أى الذى كانا فى حجره أن يبتاعه منهما، كذا فى "وفاء الوفاء" (٢٣١:١). فحينئذ يحتمل أن يكون الذين قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تحملوا عنه للغلامین بالثمن، ١٥٨ إعلاء السنن باب يجوز وقف العقار والدور ولا يجوز وقف ما ينقل ويحول إلا تبعا ويجوز وقف الكراع والسلاح استقلالا وكذا وقف ما فيه تعامل من المنقولات ٤٥٢٢- عن عمرو بن الحارث ختن رسول الله عَّهه أخى جويرية بنت الحارث قال: ما ترك رسول الله عَ لّه عند موته دينارًا ولا درهمًا عبدًا ولا أمةً ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء التى كان يركبها وسلاحه وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة. أخرجه البخارى، كما فى "الزيلعي" (١٦٨:٢). وعند الزبير: أن أبا أيوب أرضاهما عن ثمنه اهـ (١٩٢:٧). ونقل عقبة أن أسعد عوض الغلامين عنه نخلا له فى بنى بياضة، ويحتمل أن كلا من أسعد وأبى أيوب وابن عفراء أرضى اليتيمين بشىء فنسب ذلك لکل منہم (وفاء الوفاء ٢٣١:١) ولم یکتف النبی رُێے پارضائهم حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير لكونه لليتيمين، فالظاهر أن النبى معَّ هو الذى تصدق به إلى الله تعالى، وليس فيه وقف مشاع أصلا. التنبيه على ذهول الحافظ فى "الفتح": والعجب من الحافظ ابن حجر حيث ذهل عن كل ذلك، وقال فى (باب وقف المشاع) من "فتح البارى": وأما ما ذكره الواقدى: أن أبا بكر دفع ثمن الأرض لمالكها منهم وقدره عشرة دنانير، فإن ثبت ذلك كانت الحجة للترجمة من جهة تقرير النبى عّ لّهم على ذلك، ولم ينكر قولهم: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فلو كان وقف المشاع لا يجوز لأنكر عليهم، وبين لهم الحكم اهـ (ص٢٩٨). قلت: وكيف ينكر عليهم قولهم، ولم يتبين له المالك منهم من غير المالك، . واحتمل أن يكون لواحد منهم قد علمت الجماعة أنه لا يطلب ثمنه إلا من الله عز وجل، فلما تبين له أنه للغلامين أنكر عليهما، وأبى أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ولما ثبت فى الصحيح أنه مَّ ابتاعه منهما فلا حاجة إلى التعرض لما ذكره الواقدى، فثبوته وعدمه سواء، ولابد من بيان الحجة للترجمة على كل حال، فلا أدرى لأى وجه علقه الحافظ على ثبوت ذلك؟ فافهم. باب يجوز وقف العقار والدور، ولا يجوز وقف ما ينقل ويحول إلا تبعًا، ويجوز وقف الكراع والسلاح استقلالا، وكذا وقف ما فيه تعامل من المنقولات قوله: عن عمرو بن الحارث، وقوله: عن عثمان بن الأرقم إلخ، دلالتهما على وقف العقار ج - ١٣ ما يجوز وقفه وما لا يجوز ١٥٩ ٤٥٢٣- عن عثمان بن الأرقم أنه كان يقول: أنا ابن سبع الإسلام أسلم أبى سابع سبعة، وكانت داره على الصفا، وهى الدار التى كان النبى عّ لّه يكون فيها فى الإسلام، وفيها دعا الناس إلى الإسلام، فأسلم فيها قوم كثير، ودعيت دار الأرقم دار الإسلام، وتصدق بها الأرقم على ولده، فقرأت نسخة صدقة الأرقم بداره: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما قضى الأرقم فى ربعه ما حاز الصفا أنها صدقة بمكانها من الحرم لا تباع ولا تورث، شهد هشام بن العاص وفلان مولی هشام، قال: فلم تزل هذه الدار صدقة قائمة فيها وولده يسكنون ويواجرون ويأخذون عليها، حتى كان زمن أبى جعفر رواه الحاكم فى "المستدرك" (٥٠٢:٣)، وسكت عنه هو والذهبى فى تلخيصه، وفى سنده الواقدى، قال المحقق فى "الفتح": وهو حسن عندنا (٤٢٩:٥). والدار ظاهرة، قال المحقق فى "الفتح": وهذا كله يستدل به على أبى حنيفة فى عدم إجازته الوقف اهـ (٤٢٩:٥). قلت: لو راجع المستدرك وتأمل سياق الحديث بتمامه لسكت عن ذلك، وتمامه فيه. قال محمد بن عمر (الواقدى): فأخبرنى أبى عن يحيى بن عمر أن ابن عثمان بن الأرقم قال: إنى لأعلم اليوم الذى وقع فى نفس أبى جعفر أنه يسعى بين الصفا والمروة فى حجة حجها ونحن على ظهر الدار. فيمر تحتنا لو أشاء أن آخذ قلنسوته لأخذتها، وأنه لينظر إلينا من حين يهبط الوادى حتى يصعد إلى الصفا، فلما خرج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة كان عبد الله بن عثمان بن الأرقم ممن بايعه ولم يخرج معه، فتعلق عليه أبو جعفر بذلك ثم بعث رجلا من أهل الكوفة يقال له: شهاب بن عبد رب. فدخل شهاب علي عبد الله بن عثمان الحبس، وهو شيخ كبير، وقد ضجر فى الحديد والحبس، فقال: هل لك أن أخلصك مما أنت فيه وتبيعنى دار الأرقم؟ فإن أمير المؤمنين يريدها، وعسى إن بعته إياها أن أكلمه فيك فيعفو عنك، قال: إنها صدقة ولكن حقى منها له، ومعى فيها شركاء إخوتى وغيرهم، فقال: إنما عليك نفسك أعطنا حقك وبرئت، فأشهد له، وكتب عليه كتاب شراء عى سبعة عشر ألف دينار ثم تتبع إخوته، ففتنتهم كثرة المال، فباعوه فصارت لأبى جعفر، الحدیث. و کان ذلك بمحضر من التابعين فلم ینکر علیه أحد منهم، وفى ذلك دليل لأبى حنيفة فى جواز بيع الوقف، وكونه ميراثا بعد موت الواقف، فافهم. وروى عن على رضى الله عنه أنه وقف على ولديه الحسن والحسين رضى الله تعالى عنهما، فلما خرج إلى صفين قال: إن فزت ١٦٠ ما يجوز وقفه وما لا يجوز . إعلاء السنن ٤٥٢٤- عن هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير جعل دوره صدقة على بنيه لا تباع ولا توهب ولا تورث، وأن للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها، فإن استغنت بزوج فليس لها حق. وصله الدارمى فى مسنده، وذكره البخارى تعليقًا (فتح البارى ٣٠٥:٥). وفيه حديث صدقة عمر بثمغ، ووقف أنس دارا له بالمدينة، وقد تقدما، وأسند الخصاف فى أول كتابه فى الأوقاف عن جماعة من رجال الصحابة ونسائهم أنهم وقفوا أراضيهم ودورهم. ٤٥٢٥- وقد صح عن النبى عّ لّله أنه قال: أما خالد فإنكم تظلمون خالدا فقد احتبس أدراعه واعتده فى سبيل الله. أخرجه الشيخان فى الزكاة (زيلعى ١٦٨:٢). بهم الدار بيعوه، واقسموا ثمنه بينهم، ولم يكن شرط البيع فى أصل الوقف ثم أمر بالبيع، كذا فى "شرح السير الكبير" (٢٥١:٤). قوله: عن هشام بن عروة إلخ، دلالة على ما دل عليه ما قبله ظاهرة، وفيه أنه لا يجب التسوية بين الأولاد فى الوقف، فإن الزبير لم يجعل لبناته حقا فى الوقف إلا للمردودة منهن، وسيأتى بيانه مستوفی. قوله: وقد صح إلى آخره، دلالته على وقف الكراع والسلاح فى سبيل الله ظاهرة. قال محمد رحمه الله تعالى: لا بأس بأن يحبس الرجل فرسه وسلاحه فى سبيل الله، فيقول: ذلك حبيس على من غزا، ويدفعه إلى رجل يقوم بذلك، ويعطيه من احتاج إليه، وذلك لأن هذا القرب، ومن وقوف السلف من الصحابة نحو عمر وعلى وعبد الله بن مسعود رضى الله عنهم، ومن التابعين إبراهيم النخعى وعامر الشعبى رحمة الله عليهم، هؤلاء كلهم حبسوا فى سبيل الله، كذا فى "شرح السير" (٢٤٨:٤). وفى "الهداية": يجوز وقف العقار، لأن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم وقفوه، ولا يجوز وقف ما ينقل ويحول، قال رضى الله عنه: هذا على الإرسال قول أبى حنيفة، وقال أبو يوسف: إذا وقف ضيعة ببقرها وأكرتها وهم عبيدة جاز، وكذا سائر آلات الحراثة، لأنه تبع للأرض فى تحصيل ما هو المقصود، وقد يثبت من الحكم تبعًا ما لا يثبت مقصودًا كالشرب فى البيع والبناء فى الوقف، ومحمد معه فيه، وقال محمد: يجوز حبس الكراع والسلاح، ومعناه وقفه فى سبيل الله، وأبو يوسف معه فيه على ما قالوا، وهو استحسان، والقياس أن لا يجوز لما بيناه من قبل، (من شرط التأبيد، والمنقول لا يتأبد). وجه الاستحسان الآثار المشهورة، منها: قوله عليه الصلاة والسلام: ((أما خالد فقد حبس