Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
ج - ١٣
صديقا له غير متأثل. قال: وكان ابن عمر هو يلى صدقة عمر، ويهدى لناس من أهل
مكة ينزل عليهم أخرجه البخارى (المنتقى)، وهو موصول الإسناد، كما فى رواية
الإسماعيلى (نيل الأوطار ٢٦٢:٥٠)، وفى لفظ للبخارى من طريق صخر بن جويرية عن
استبعد ما حكاه عيسى بن أبان عن أبى يوسف من قوله: لو بلغ أبا حنيفة لقال به، فإن صدقة عمر
كانت مشتهرة فى المدينة اشتهار الشمس فى نصف النهار، وتتابعت الصحابة رضى الله عنهم
بعدها فى وقف الددور والأراضى تقليدًا لعمر، ورضى بما فعله، ومثله لا يكاد يخفى على من له
أدنى إلمام بالعلم فضلا عمن هو أعلم الناس بالسنن والآثار، والخلق عيال عليه فى الفقه والاعتبار،
فالظاهر أن الحديث قد بلغه، ولم يكن عنده صريحا فى تأييد الوقف ولزومه على الإطلاق بل على
تأييد ما كان على طريق صدقة عمر، كما ذكرناه فيما تقدم.
وأما قوله: ولا يخفى ضعف هذا التأويل إلخ ففيه أن منشأ ضعفه عند الحافظ حمله
قوله عَّه: ((حبس الأصل)) على معنى حبسه على ملك الله تعالى، ودون إثباته خرط القتاد، وإن
كان معناه: حبسه على على ملكك كما هو الظاهر المتبادر منه فضعف تأويله فى محل الخفاء، فإن
المحبوس على ملك المحبس لا يكون خارجاً عن اختياره، كما هو ظاهر.
ولا يفهم من قوله: وقفت وحبست إلا التأييد، مبنى على ذلك أيضًا أن حقيقة الوقف هو
الحبس على ملك الله تعالى، وهو عين النزاع، فإن حقيقته عند أبى حينفة الحبس على ملك الواقف،
ولا يفهم منه التأييد ولا اللزوم، وتذكر ما قاله هلال بن يحيى: إن قوله: وقفت أو حبست لا يدل
على الوقف بالأصل لاحتماله الوقف للدين أو النوائب، وأما قوله: وكأنه لم يقف على الرواية التى
فيها حبيس ما دامت السماوات والأرض إلخ ففيه أن هذا اللفظ أخرجه الدارقطنى فى "كتاب
وقف عمر" مقرونا بوصيته (٥٠٦:٢). فلا دلالة فيه إلا على لزوم ما كان من الوقف بطريق
الوصية من الثلث، وأبو حنيفة أول قائل بلزومه، فكأن الطحاوى قد وقف على تلك الرواية، ولم
يرها حجة على أبى حنيفة فى تأييد ما لم يقل هو بتأييده فافهم، والعجب من الحافظ أنه قد صرح
نفسه بأن أكثر الروايات على أن الشرط من كلام عمر، وذكره يحيى بن سعيد وصخر بن جويرية
عن نافع من كلام النبى معَّه، فكيف يصح الاحتجاج به؟ على أن ماهيته التحبيس التى أمر بها
النبى ◌ّ عمر أن لا يباع المحبوس ولا يوهب ولا يورث، ولا حجة فى أفعال الصحابة وأقوالهم إلا
أن يصح إجماعهم على أمر، ولم يجمعوا على لزوم الوقف، وإنما أجمعوا على جوازه ومشروعيته،
کما ذ کرناه بما لا مزید علیه.

٠ ١٢٢٠
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
إعلاء السنن
نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما أن عمر تصدق بمال له على عهد رسول الله عليه،
وكان يقال له: ثمخ وكان نخلا فقال النبى عّ لّه: تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا
يورث ولكن ينفق ثمره فتصدق به عمر الحديث (فتح البارى ٢٩٣:٥).
الجواب بعن ما احتج به الشوكانى على أبى حنيفة:
وقال الشوكانى فى "النيل": ومما يؤيد هنا ما ذهب إليه الجمهور حديث: أما خالد فقد
حبس أدراعه، واعتده فى سبيل الله، متفق عليه اهـ.
قلت: لا دلالة فيه إلا على مشروعية الوقف لا على لزومه، سلمنا ولكنه لاتصال حكم
النبى معَّه به وهو سيد الحكام، أو لكون خالد قد أوصى بذلك عند موته أيضًا، كما فى رواية عند
الطبرانى عن ابن المبارك ثنا حماد بن زيد عن عبد الله بن المختار عن عاصم بن بهدلة عن أبى وائل
قال: لما حضرت خالد بن الوليد الوفاة فذكر الحديث، وفى آخره، ثم قال: إذا أنا مت فانظروا
سلاحى وفرسى فاجعلوه عدة فى سبيل الله تعالى (زيلعى" ١٦٩:٢). والمذكور من السند صحيح
على شرط مسلم، ولا نزاع فى لزوم الوقف إذا كان بطريق الوصية.
قال: ومن ذلك حديث أبى هريرة المذكور أول الباب، فإن قوله: "صدقة جارية" يشعر بأن
الوقف يلزم، ولا يجوز نقضه، ولو جاز النقض لكان الوقف صدقة منقطعة، وقد وصفه فى
الحديث بعدم الانقطاع اهـ.
قلت: لا ذكر للوقف فى الحديث، ولا لوصفه بعدم الانقطاع، والمذكور فيه إنما هو لفظ
الصدقة، وهو الموصوف بعدم الانقطاع، فلا دلالة فيه إلا على أن من الصدقة ما هى جارية، ومنها
ما هى غير جارية، وأما إن ما كان منها جارية فهى الوقف بعينها، وأن الوقف لا يوصف بعدم
الجربان فلا دلالة فيه على ذلك أصلا، سلمنا ولكنه إنما يكون حجة على من قال بعدم لزوم الوقف
مطلقًا، وأما من قال بلزومه إذا اتصل به حكم الحاكم أو أضيف إلى ما بعد الموت فلا يرد عليه
بذلك شىء، لأنه يحمله على ما كان صدقة جارية بشرائطها، وهذا القيد لا بد منه إجماعاً، فإن
الموقف شرائط معلومة عند الجمهور أيضًا، وأما إن تلك الشرائط ما هى؟ فالحديث ساكت عنه،
ويطلب ذلك من غيره. قال: ومن ذلك قوله مَ لّه: ((لا يباع ولا يوهب ولا يورث)) وهذا منه عرّ ض له
بيان لماهية التحبيس التى أمر بها عمر، وذلك يستلزم لزوم الوقف وعدم جواز نقضه وإلا لما كان
تحبيسًا، والمفروض أنه تحبيس اهـ، قلت: وفيه ما ذكرناه فيما مضى، فتذكر فقد استوفينا الكلام فيه
بما لا مزيد علیه.

ج - ١٣
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
١٢٣
٤٤٩٤- حدثنا حماد هو ابن خالد حدثنا عبد الله هو العمرى عن نافع عن ابن
عمر قال: أول صدقة - أى موقوفة- كانت فى الإسلام صدقة عمر، رواه أحمد كما فى
فتح البارى" (٣٠١:٥)، وإسناده حسن.
٤٤٩٥- عن عمرو بن سعد بن معاذ قال: سألنا عن أول حبس فى الإسلام فقال
المهاجرون: صدقة عمر، وقال الأنصار: صدقة رسول الله عَّه، رواه عمر بن شبة، وفى
إسناده الواقدى (فتح البارى ٣٠١:٥) قلت: قد تقدم غير مرة أنه مقبول فى المغازى
والسیر، والراجح عندنا توثيقه.
قال: ومن ذلك حديث أبى قتادة عند النسائى وابن ماجه وابن حبان مرفوعًا: ((ما يخلفه
الرجل بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له وصدقة تجرى يبلغه أجرها وعلم يعمل به من بعده)) والجرى
يستلزم عدم جواز النقض من الغير إهـ، قلت: هذا وحديث أبى هريرة المذكور أول الباب كلاهما
بمعنى واحد، فما شكرنا من المقال فى الاحتجاج به وارد ههنا أيضًا. قال: ومن ذلك وقف أبى
طلحة الآتى، وقول رسول الله عَ لَّه له: ((أرى أن تجعلها فى الأقربين)) وما روى من حديث أنس عند
الجماعة أن حسان باع نصيبه منه فمع كونه فعله ليس بحجة، وقد روى أنه أنكر عليه اهـ.
قلت: ولكنه قادح فى دعوى إجماع الصحابة على لزوم الوقف، وهذا حسان قد باع
حصته وقف من أبى خلحة واشتراها منه معاوية بن أبى سفيان، وكلاهما صحابيان كانا من
الإسلام بمكان، وتذكر ما أسلفناه فيما مضى.
قال: ومن ذلك وقف جماعة من الصحابة منهم على وأبو بكر والزبير وسعيد وعمر وابن
: العاس وحكيم بن حزام وأنس وزيد بن ثابت، روى ذلك كله البيهقى. (قلت: قد رواه من طريق
الحميدى معضلا، كما فى "نصب الراية" و"الدراية" (١٦٦:٢ و٢٧٧)، ولا يصح الاحتجاج
بمثله عند المحدثين، سلمنا ولكنها كانت على سنة صدقة عمر مضافةً إلى ما بعد الموت متصلة بحكم
الحاكم بها كما قدمنا). ومنه أيضا وقف عثمان لبئر رومة كما فى حديث الباب (٢٦٣:٥).
قلت: لا نزاع فى لزوم مثل هذا الوقف الذى تصدق بأصله ومنفعته جميعا، لا سيما وقد
اتصل به حكم النبى ◌ٍُّ، وهو سيد الحكام.
قوله: حدثنا حماد إلى قوله: وفى مغازى الواقدى إلخ قلت: دلالة الآثار على مشرعية
الوقف ظاهرة، ولا نزاع فى أن صدقات النبى ◌ّ لّ لا تورث لقوله عز له: ((إنا معاشر الأنبياء
لا نورث، ما تركناه صدقة)) وهو حديث مشهور قد احتج به أبو بكر على فاطمة، ووقعت الفتنة

١٢٤
إعلاء السنن
٤٤٩٦- وفى مغازى الواقدى أن أول صدقة موقوفة كانت فى الإسلام أراضى
مخيريق التى أوصى بها إلى النبى عدّ له، فوقفها النبى عدّ له. (فتح البارى ٣٠١:٥).
٤٤٩٧- وروى البيهقى (١٦:٦) من طريق أبي حفص الأبار عن الأعمش عن
إبراهيم عن مسروق عن عائشة رضى الله عنها ((أن رسول الله عَّ جعل سبعة حيطان
له بالمدينة صدقة على بنى هاشم وبنى المطلب))، أبو حفص الأبار صدوق يهم
فالحدیث حسن.
٤٤٩٨- وحبس عثمان بئر رومة على المسلمين بعلم رسول الله عد ◌ّ ينقل ذلك
الخلف عن السلف جيلا بعد جيل، وهى مشهورة بالمدينة، وكذلك صدقاته عليه السلام
بالمدينة مشهورة وقد تصدق عمر فى خلافته بثمغ، وتصدق بماله، وكان يغل مائة وسق
بوادى القرى كل ذلك حبسا وقفًا لا يباع ولا يشترى، وحبس عثمان وطلحة والزبير
وعلى بن أبى طالب وعمرو بن العاص دورهم على بنيهم وضياعًا موقوفة، و کذلك ابن
عمر وفاطمة بنت رسول الله عَ ليه وسائر الصحابة جملة صدقاتهم بالمدينة أشهر من
الشمس لا يجهلها أحد، وأوقف عبد الله بن عمرو بن العاص الوهط على بنيه،
اختصرنا الأسانيد لاشتهار الأمر، قاله ابن حزم فى "المحلى" (١٨٠:٩)، وحبس عثمان
بئر رومة، وحبس عمر ثمغ ثابت فى الصحيح، وأما غير ذلك مما ذكر فقد رواه البيهقى
فى سننه عن الحميدى معضلا (١٦١:٦).
٤٤٩٩- حدثنا سليمان بن داود المهرى أنا ابن وهب أخبرنى الليث عن يحيى بن
بين الناس بسبب ذلك، فترك الاشتغال به أسلم، ومعناه أن ما تركه يكون صدقة، ولا يكون ميراثا
عنه كذا فى "المبسوط" (٣٠:١٢). فلم تكن صدقاته من الحبس عن فرائض الله فى شىء.
قوله: وحبس عثمان إلخ دلالة الآثار على مشروعية الوقف ظاهرة، وهو إجماع المسلمين
كما تقدم، والخلاف إنما هو فى لزومه إِذا حبس أصله وتصدق بغلته، ولم يتصل به حكم الحاكم،
ولا الإضافة إلى ما بعد الموت.
قوله: حدثنا سليمان بن داود المهرى إلخ قلت: أخرجه الدارقطنى فى سنن من طريق عبيد
الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بلفظ: فكتب عمر هذا الكتاب: من عمر بن الخطاب فى ثمغ،
والمائة الوسق التى أطعمنيها رسول الله عَّ ◌ُله من أرض خيبر إنى حبست أصلها وجعلت ثمرتها

ج - ١٣
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
١٢٥
سعيد عن صدقة عمر بن الخطاب قال: نسخها لى عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن
الخطاب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتب عبد الله عمر فى ثمغ فقص من خبره
نحو حديث نافع، قال: غير متأثل مالا فما عفا عنه من ثمره فهو السائل والمحروم، قال:
وساق القصة، قال: وإن شاء ولى ثمغ اشترى من ثمره رقيقاً لعمله، وكتب معيقيب
صدقة لذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والمقيم عليها أن يأكل، أو يؤكل صديقا
لا جناح، ولا يباع ولا يوهب ولا يورث ما قامت السماوات والأرض، جعل ذلك إلى ابنته
حفصة، فإذا ماتت فإلى ذى الرأى من أهلها اهـ (٢: ٥٠٦).
واحتج الحافظ فى "الفتح" (٢٩٩:٥) بهذا الطريق فهو حسن أو صحيحي عنده، قال
الحافظ: وزاد أحمد من طريق حماد بن زيد عن أيوب فذكر الحديث، قال حماد: وزعم عمرو بن
دينار أن عبد الله بن عمر كان يهدى إلى عبد الله بن صفوان من صدقة عمر، وكذا رواه عمر بن
شبة من طريق حماد بن زيد عن عمر، وزاد عمر بن شبة عن يزيد بن هارون عن ابن عون فى آخر
هذا الحديث: وأوصى بها عمر إلى حفصة أم المؤمنين، ثم إلى الأكابر من آل عمر، ونحوه فى رواية
عبيد الله بن عمر عند الدارقطنى (قلت: ليس فيه: إلى الأكابر من آل عمر بل إلى ذى الرأى من
أهلها كما ذكرناه)، وفى رواية أيوب عن نافع عند أحمد: يليه ذوا الرأى من آل عمر، فكأنه كان
أولا شرط أن النظر فيه لذوى الرأى من أهله ثم عين وصيته لحفصة. (قلت: بل الظاهر وقوع
الاختصار فى رواية أيوب عن نافع عند أحمد، فحذف اسم حفصة وذكر من يليه بعدها، ولم يزل
ذلك من دأَب الرواة يختصر بعضهم الحديث، ويأتى به آخر على أتم سياق)، وقد بين ذلك عمر بن
شبة عن أبى غسان المدنى قال: هذه نسخة صدقة عمر أخذتها من كتابه الذى عند آل عمر،
فنسختها حرفًا حرفًا: هذا ما كتب عبد الله أمير المؤمنين فى تمغ أنه إلى حفصة ما عاشت، تنفق
ثمره حيث أراها الله، فإن توفيت فإلى ذوى الرأى من أهلها.
قلت: فذكر الشرط كله نحو الذى تقدم الحديث المرفوع ثم قال: والمائة وسق الذى
أطعمنى النبى معَّه فإنها مع ثمغ على سننه الذى أمرت به، وإن شاء ولى ثمغ أن يشترى من ثمره
رقيقًا يعملون فيه فعل، وكتب معيقيب، وشهد عبد الله بن الأرقم. وكذا أخرج أبو داود فى
روايته نحو هذا، وذكرا جميعًا كتابا آخر نحو هذا الكتاب، وفيه من الزيادة: وصرمة بن الأكوع
والعبد الذى فيه صدقة كذلك، وهذا يقتضى أن عمر إنما كتب كتاب وقفه فى خلافته لأن
معيقيبًا كان كاتبه فى زمن خلافته وقد وصفه فيه بأنه أمير المؤمنين، فيحتمل أن يكون وقفه فى

١٢٦
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
إعلاء السنن
وشهد عبد الله بن الأرقم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوعى به عبد الله عمر أمير
المؤمنين إِذ حدث به حدث أن ثمغا وصرمة بن الأكوع والعبد الذى فيه: والمائة سهم
زمن النبى عَّ باللفظ، وتولى هو النظر عليه إلى أن حضرته الوصية، فكتب حينئذ الكتاب،
ويحتمل أن يكون آخر وقفيته ولم يقع منه قبل ذلك إلا استشارته فى كيفيته اهـ (٣٠٠:٥ و٣٠١).
تأييد قول الإمام:
قلت: وإذا جاء الاحتمال لم يكن حديث عمر هذا أصلا فى لزوم كل وقف بل على لزوم ما
كان منه بطريق الوقف فى الحياة، والصدقة بعد الممات وصيةً، فمن أدعى لزوم ما لم يكن منه
مضافا إلى ما بعد الممات بطريق الوصية فليأت بأصل غير هذا، ودون إثباته خرط القتاد، وإذا كان
كذلك فما ذا على أبى حنيفة إن أنكر لزوم الوقف بدون حكم الحاكم أو الإضافة إلى ما بعد الموت
وصيةً نظرا إلى حديث عمر الذى هو الأصل فى الباب، وترجيحًا لأحد الاحتمالين فيه، وهو كونه
آخر وقفيته إلى أن حضرت الوصية فوقف حينئذ وكتب الكتاب، فإن الظاهر كون الوقف متصلا
بكتابه لما فى الوقت باللفظ بدون الإشهاد عليه، وكتابته من مظنة التباس الصدقة الموقوفة بالتركة
التى يتعلق بها حق الوارث إن أدركه الموت قبل الكتاب، ويبعد ذلك من مثل عمر رضى الله عنه،
وقد مر عن جابر أن الصحابة تتابعوا فى وقف الأراضى والدور حين قرأ عمر عليهم كتاب وقفه،
واشته ذلك بينهم، فلو كان عمر وقفه فى حياة النبى معَّه باللفظ تتابعوا فيه قبل كتابته الكتاب،
وقد علمت أن التصدق بالمنفعة مع حبس الأصل غير معقول المعنى، والوارد على خلاف القياس
يقتصر على مورده، فلا يكون الوقف لازمًا إلا إذا كان على سنن صدقة عمر، والراجح كونها وقفًا
فى الحياة مضافة إلى ما بعد الموت بطريق الوصية، نافهم.
قال الحافظ: واستدل به على جواز الوقف على الوارث فى مرض الموت، فإن زاد على الثلث
رد، وإن خرج منه لزم، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، لأن عمر جعل النظر بعده لحفصة (١)، وهى
ممن يرثه، وجعل لمن ولى وقفه أن يأكل منه، وتعقب بأن وقف عمر صدر منه فى حياة النبى عربيّ،
والذى أوصى به إنما هو شرط النظر اهـ (٣٠٣:٥).
قلت: وفيه ترجيح لأحد الاحتمالين من غير دليل، ولفظ كتاب عمر عند الدار قطنى: إنى
(١) فيه دليل على أن أحمد قد حمل حديث عمر هذا على الوقف فى مرض الموت بطريق الوصية فتأمل، وانظر جلالة فقه أبى
حنيفة كيف يضطر الناس إلى ما قاله وهم لا يشعرون. ظـ

ج - ١٣
مشروعية الوقف وأنه لا بباع ولا يورث ولا يوهب
١٢٧
الذى بخيبر ورقيقه الذى فيه والمائة التى أطعمه محمد عرّبّ بالوادى تليه حفصة ما
حبست أصلها، وجعلت ثمرتها صدقة إلى قوله: جعل ذلك إلى ابنته حفصة إلخ ظاهرة، إنشاء
الوقف عند كتابة الكتاب مع الوصية بالنظر لحفصة.
والحق فى الجواب عن استدلال أحمد به أن جعل النظر للوارث لا يستلزم جواز الوقف عليه
فى مرض الموت، وشرط عمر لمن ولى وقد، أن يأكل ه بالمعروف لا يقتصى كونه وقفا على
حفصة ولا على من وليه بعدها من أهل بيته، وإلا لم يمنعه أن يتخذ لنفسه منه مالا، ولم يشترط أن
يأكل منه بقدر عمالته، والله تعالى أعلم، نعم قوله: فتصدق بها فى الفقراء والمساكين وذوى القربى
والضيف يفيد صحة الوقف على الوارث لكون ذى القربى عامًا للوارث وغيره، ولكن لا دلالة فيه
لصحة الوقف على الوارث المعين كما هو ظاهر، والذى جعله لحفصة إنما هو النظر والولاية، والذى
يحل لها منه إنما هو عمالتها، وليس ذلك من الوقف على الوارث فى شىء.
ودلالة الحديث على أن الوقف بحبس الأصل والتصدق بالغلة إذا كان مضافًا إلى ما بعد
الموت بطريق الوصية لا يباع ولا يشترى ولا يوهب ولا يورث ظاهرة، وهو إجماع المسلمين،
وذهب أبو يوسف ومحمد والجمهور إلى لزومه بدون الإضافة أيضًا لخلو أكثر الروايات عن ذكر
الوصية فى صدقة عمر فحملوه على أن الوقف صدر منه فى حياة النبى ◌ّه، والذى أوصى به إنما
شرط النظر، وحمله أبو حنيفة على أنه أخر الوقف إلى أن حضرته الوصية، فحينئذ كتب كتاب
وقفه، ولم يقع منه قبل ذلك إلا استشارته فى كيفيته كما تقدم، وقول أبى حنيفة وإن كان قويا من
حيث المعنى.
المختار للفتوى قول أبى يوسف ومحمد وهو قول سائر العلماء:
ولكن المختار للفتوى قولهما، وهو قول سائر العلماء، قال المحقق فى "الفتح": والحق ترجيح
قول عامة العلماء بلزومه، لأن الأحاديث والآثار متظافرة على ذلك قولا، كما صح من قوله عليه
الصلاة والسلام: ((لا يباع ولا يورث)) إلى آخره، وتكرر ذلك فى أحاديث كثيرة، واستمر عمل
الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على ذلك وتوارث الناس أجمعون ذلك، فلا تعارض بمثل
الحديث الذى ذكره (أبو حنيفة ومن انتصر له) ..
وبالجملة فلا يبعد أن يكون إجماع الصحابة العملى ومن بعدهم متوارثاً على خلاف قوله
فلذا ترجح خلافه، وذكر بعض المشايخ أن الفتوى على قولهما اهـ ملخصًا (٤٢٢.٥). ولى فى
بعض ما ذكره نظر، والمقصود إنما هو تأييد ما ذكرته من أن المختار للفتوى قولهما، وهو مذهب

١٢٨
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
إعلاء السنن
عاشت ثم يليه ذو الرأى من أهلها أن لا يباع ولا يشترى ينفقه حيث رأى من السائل
الحنفية فى الباب، والعلم والحكم الله العلى الوهاب.
وقد تم كتاب الوقف ههنا على قول أبى حنيفة رحمه الله، والمذكور بعد هذا أكثره على
قولهما فليتنبه له، ولنذكر ههنا ما ذكره العلامة العينى فى "عمدة القارى"، اطلعت عليه بعد تحرير
المقام، وهو كالخلاصة لما ذكرته من مفصل الكلام فحمدت الله على الموافقة، وإن لم أكن أهلا
لذلك، قال فى باب الشروط فى الوقف فى شرح حديث عمر رضى الله عنه فى صدقته ما نصه.
احتج به الجمهور وأبو يوسف ومحمد على جواز الوقف، ولا خلاف بينهم فى جواز
الوقف فى حق وجوب التصدق بما يحصل من الواقف ما دام الواقف حيا، ولا خلاف أيضا فى
جوازه فى حق زوال ملك الرقبة إذا اتصل به قضاء القاضى أو أضافه إلى ما بعد الموت بأن قال: هو
وقف فی حیاتی صدقة بعد وفاتی.
واختلفوا فى جوازه مزيلا لملك الرقبة إذا لم يوجد الإضافة إلى ما بعد الموت، ولا اتصل به
حكم حاكم، فقال أبو حنيفة: لا يجوز حتى إن للواقف بيع الموقوف وهبته، وإذا مات بصير ميراثا
لورثته، وقال أبو يوسف ومحمد والجمهور: يجوز حتى لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وفيه أن
الوقف مشروع خلافا للقاضى شريح، وفيه أن الوقف لا يجوز بيعه ولا هبته، ولا يصير ميراثا، لأنه
صار لله تعالى(١) وخرج من ملك الواقف.
واختلفوا هل يدخل فى ملك الموقوف عليه أم لا؟ فقال أصحابنا: لا يدخل لكنه ينتفع بغلته
بالتصدق عليه، لأن الوقف حيس الأصل وتصدق بالفرع، والحبس لا يوجب ملك المحبوس، وعن
الشافعى ومالك وأحمد رحهم الله، ينتقل إلى ملك الموقوف عليه لو كان أهلا له، وعن الشافعى فى
قول ينتقل إلى الله تعالى، وهو رواية عن أصحابنا، وعن الشافعى أن الملك فى رقبة الوقف لله تعالى.
وذكر صاحب"التحرير" أنه إذا كان الوقف على شخص وقلنا: الملك للموقوف عليه افتقر
إلى قبضه كالهبة، وقال النووى فى "الروضة": هذا غلط ظاهر، وفيه ما كان نظير الأرض التى
حبسها عمر رضى الله تعالى عنه كالدور والعقارات يجوز وقفها.
واحتج أبو حنيفة فيما ذهب إليه بقول شريح: لا حبس عن فرائض الله تعالى، أخرجه
الطحاوى عن سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبى يوسف عن عطاء بن السائب عنه، ورجاله ثقات،
(١) على قول أبى يوسف ومحمد، وهو المفتى به فى المذهب.

١٢٩
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
ج - ١٣
والمحروم وذى القربى، ولا حرج على من وليه إن أكل أو آكل أو اشترى رقيقا منه. رواه
وأخرجه البيهقى فى سننه بأتم منه، ومعناه لا يوقف مال، ولا يزوى عن ورثه، ولا يمنع عن القسمة
بينهم، ويؤيد هذا ما رواه الطحاوى أيضا من حديث عكرمة عن ابن عباس قال: ((سمعت رسول
الله عَظِلِّ يقول بعد ما أنزلت سورة النساء وأنزل فيها الفرائض نهى عن الحبس))، وأخرجه البيهقى
أيضًا، وقال: فى سنده ابن لهيعة، وأخوه عيسى، وهما ضعيفان.
ابن لهيعة:
قلت: ما لابن لهيعة؟ وقد قال ابن وهب: كان لهیعة صادقًا، وقال فى موضع آخر: حدثنى
الصادق البار والله ابن لهيعة، وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما كان محدث مصر
إلا ابن لهيعة، وعنه: من مثل ابن لهيعة بمصر فى كثرة حديثه وضبطه وإتقانه؟ ولهذا حدث عنه
أحمد فى مسنده بحديث كثير، وأما أخوه عيسى، فإن ابن حبان ذكره فى "الثقات"، وقال
الطحاوى: هذا شريح، وهو قاضى عمر وعثمان وعلى الخفاء الراشدين رضى الله تعالى عنهم قد
روى عنه هذا، وقد وافق أبا حنيفة فى هذا عطاء بن السائب وأبو بكر بن محمد وزفر بن الهذیل.
فإن قلت: ما تقول فى وقفٍ رسول الله عَ ليه وفى أوقاف الصحابة بعد رسول الله عَ ليه؟
قلت: أما وقف رسول الله عَّه فإنما جاز، لأن المانع وقوعه حبسا عن فرائض الله، ووقفه عليه
الصلاة والسلام لم يقع حبسا عن فرائض الله تعالى لقوله معرّ له: ((إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما
تركناه صدقة) وأما أوقاف الصحابة بعد موته مرّ له فاحتمل أن ورثتهم أمضوها بالإجازة، هذا هو
الظاهر، أورد عليه ابن حزم أن عمر ترك ابنيه زيدا وأخته صغيرين جدا، وكذلك عثمان وعلى
وغيرهم، فلو كان الحبس غير جائز لما حل ترك أنصباء الصغار تمضى حبسا اهـ (١٨١:٩).
فالحق فى الجواب ما ذكرناه أنها محمولة على اتصال حكم الحاكم بها أو كونها مضافة إلى
ما بعد الموت، وليس ذلك ببعيد. فإن قلت: قال البيهقى: ولو صح هذا الخبر لكان منسوخا، قلت:
النسخ لا یثبت إلا بدلیل، ولم یبین دلیله فمجرد الدعوى غير صحيح، والجواب عن حديث الباب
(أى حديث صدقة عمر) أن قوله مَ له: ((إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها)) لا يستلزم
إخراجها عن ملكه، ولكنها تكون جارية على ما أجراها عليه من ذلك ما تر کها، ويكون له فسخ
ذلك حتى شاء، ويؤيد هذا ما رواه الطحاوى حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب أن مالكا أخبره عن
زياد بن سعد عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: ((لولا أنی ذکرت صدقتی
لرسول الله عَّ أو نحو هذا الرددتها)). فلما قال عمر هذا دل أن نفس الإيقاف للأرض لم يكن

١٣٠
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
إعلاء السنن
أبو داود، وسكت عنه هو والمنذرى (عون المعبود ٧٦:٣).
يمنعه من الرجوع فيها، وإنما منعه من الرجوع فيها أن رسول الله عَ ليه أمره فيها بشىء، وفارقه على
الوفاء به فكره أن يرجع عن ذلك.
فإن قلت: قال ابن حزم: هذا الخبر منكر، وبلية من البلايا، وكذب بلا شك، قلت: قوله:
هذا بلية وكذب تهافت عظيم، وكيف يقول هذا القول السخيف والحال أن رجاله علماء ثقات؟
فيونس من رجال مسلم والبقية من رجال الصحيح على ما لا يخفى، والله أعلم بحقيقة الحال اهـ
ملخصًا (٤٦٩:٦ و٤٧١) قلت: وأما علة الإرسال فقد قدمنا الكلام فيها مستوفى، فتذكر.
وأما ما رواه البيهقى فى "سننه": من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: سمعت
الشافعى يقول: اجتمع مالك وأبو يوسف عند أمير المؤمنين فتكلما فى الوقوف وما يحبسه الناس،
فقال يعقوب: هذا باطل، قال شريح: جاء محمد عَّه بإطلاق الحبس، فقال مالك: إنما جاء
محمد عَّ بإطلاق ما كانوا يحبسونه لآلهتهم من البحيرة والسائبة، فأما الوقوف فهذا وقف عمر
ابن الخطاب حيث استأذن النبى معٍَّ فقال: ((حبس أصلها، وسبل ثمرتها)) وهذا وقف الزبير،
فأعجب الخليفة ذلك منه، وبقى يعقوب ساكتا اهـ (١٦٣:٦).
ففيه أن محمد بن عبد الله بن الحكم وإن كان ثقة صدوقًا فيما يرويه عن النبى معَّ له
فلا نسلم كونه ثقة فيما يرويه من مناظرات الشافعى مع أصحاب أبى حنيفة، ولما حكى مناظرته مع
محمد بن الحسن فى إتيان المرأة فى الدبر، وفيها احتجاج الشافعى لمن يقول بالجواز.
قال الربيع: لما بلغه ذلك كذب محمد -أى ابن عبد الله بن الحكم - والله الذى لا إله إلا هو
لقد نص الشافعى على تحريمه فى ستة كتب كما فى "التهذيب" (٢٦١:٩) وكيف يظن بأبى
يوسف أن يطلق القول ببطان الوقف مطلقًا ولم يقل به أبو حنيفة، فقد مر أنه لا نزاع فى صحة
الوقف ومشروعيته.
وإنما الخلاف فى لزومه، وإن حمل قوله: هذا باطل على أنه غير لازم فكيف يظن به أن يبقى
سا کتا، وقد روی هو نفسه عن عطاء بن السائب، قال: سألت شریحًا عن دار حبسها صاحبها
على الآخر فالآخر من ولده، فقال: لا حبس عن فرائض الله كما تقدم، وهذا أدل دليل على أن قول
شريح: إنما جاء محمد عَ ◌ّ بإطلاق الحبس لم يكن عنده على ما قاله مالك من إطلاق ما كانوا
يحبسونه من البحيرة والسائبة، بل على إطلاق الحبس وعدم لزومه مطلقا، وشريح أعلم بمعنى ما
واه من غيره، كيف ولم يكن حبس أهل الجاهلية مقصوراً على البحيرة والسائبة بل كانوا

ج - ١٣
إذا صح الوقف خرج من ملك الواقف ولم يدخل فى ملك الموقوف عليه
١٣١
باب إذا صح الوقف خرج من ملك الواقف
ولم يدخل فى ملك الموقوف عليه
٤٥٠٠- عن نافع عن ابن عمر ((أن رسول الله عَّ ◌َّه قال لعمر: إن شئت حبست
أصلها وتصدقت بها)) وفى رواية عبيد الله بن عمر: احبس أصلها، وسبل ثمرتها، وفى
رواية يحيى بن سعيد: تصدق بثمره، وحبس أصله، فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها،
ولا يوهب ولا يورث فى الفقراء والقربى والرقاب وفى سبيل الله والضيف وابن
يحبسون الحرث والزرع أيضًا، قال تعالى حاكيا عنهم: ﴿وقالوا هذه أنعام وحرث لا يطعمها إلا
من نشاء بزعمهم، وأنعام حرمت ظهورها﴾ الآية، فالأنعام التى حرمت ظهورها هى البحيرة
والسائبة، وهى غير الأنعام والحرث الحجر التى لا يطعمها إلا من شاءوا بزعمهم، فوقف الأرض،
أو الدار على الأولاد والذرية، أو على قوم بأعيانهم داخل فى الحرث الحجر الذى كان أهل الجاهلية
يحبسونه عن من شاءوا إلا أن يجعل آخره صدقة على المساكين لوجه الله تعالى، فهو صدقة
كصدقات عمر وعلى وابن عمر وزيد بن ثابت لم ينكر أبو حنيفة جوازه، وإنما أنكر ما كان
حبسها على الولد أو ولد الولد لا يرجع آخره إلى أن يكون صدقة فى الفقراء فهو باطل عنده، وهو
الذى أنكره شريح، وقال فيه: إنما جاء محمد عَّه بإطلاق الحبس، فافهم، وتذكر ما أسلفناه بما
لا مزيد عليه.
باب إذا صح الوقف خرج من ملك الواقف
ولم يدخل فى ملك الموقوف عليه
قوله: "عن نافع إلخ" دلالة قوله: لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم
صديقا غير متمول فيه، وفى رواية الأنصارى عند البخارى قال ابن سيرين: غير متأثل مالا (فتح
: البارى ٣٠٠:٥)، مع جعله الولاية لابنته حفصة، ولذوى الرأى من آل عمر بعدها على أن الموقوف
لا يدخل فى ملك الموقوف عليه ظاهرة، وإلا لم يمنع ناظر الوقف من التمول به وتأثله مع كونه من
القربى الموقوف عليهم، فإن المراد من القربى قربى الواقف، بهذا جزم القرطبى، كما فى "فتح
البارى"، وهو الظاهر المتبادر.
قال الموفق فى "المغنى": من وقف فى صحة من عقله وبدنه على قوم وأولادهم وعقبهم،
ثم آخره للمساكين، فقد زال ملكه عنه أى أن الوقف إذا صح زال به ملك الواقف عنه فى الصحيح
من المذهب، وهو المشهور من مذهب الشافعى ومذهب أبى حنيفة، وعن أحمد لا يزول ملكه،

١٣٢
إذا صح الوقف خرج من ملك الواقف ولم يدخل فى ملك الموقوف عليه
إعلاء السنن
السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقا غير متمول فيه
رواه البخارى وما فيه من الزيادات فمن فتح البارى (٢٩٩:٥) وفيه أيضاً من طريق عمر
ابن شبة وأبى داود: هذا ما كتب عبد الله أمير المؤمنين عمر فى ثمغ أنه إلى حفصة ما
عاشت تنفق ثمره حيث أراها الله، فإن توفيت فإلى ذوى الرأى من أهلها اهـ (٥: ٣٠١).
وهو قول مالك، وحكى قولا للشافعى رضى الله عنه لقول النبى عّ لّه: ((حبس الأصل
وسبل الثمرة))، ولنا أنه سبب يزيل التصرف فى الرقبة والمنفعة فأزال الملك كالعتق، ولأنه لو كان
ملكه لرجعت إليه قيمته كالملك المطلق، وأما الخبر، فالمراد به أن يكون محبوسًا لا يباع،
ولا یوهب، ولا یورث اهـ.
قال: وينتقل الملك فى الموقوف إلى الموقوف عليهم فى ظاهر المذهب، قال أحمد: إذا وقف
داره على ولد أخيه صارت لهم، وهذا يدل على أنهم ملكوه، وروى عن أحمد أنه لا يملك، وعن
الشافعى من الاختلاف نحو ما حكيناه، وقال أبو حنيفة: لا ينتقل الملك فى الوقف اللازم بل يكون
حقا لله تعالى، لأنه إزالة ملك عن العين والمنفعة على وجه القربة بتمليك المنفعة، فانتقل الملك إلى
الله تعالى كالعتق.
ولنا أنه سبب يزيل ملك الواقف وجد إلى من يصح تمليكه على وجه لم يخرج المال عن
ماليته، فوجب أن ينتقل الملك إليه كالهبة والبيع، ولأنه لو كان تمليك المنفعة المجردة لم يلزم كالعارية
والسكنى، ولم يزل ملك الواقف عنه كالعارية، ويفارق العتق، فإنه أخرجه عن المالية، وامتناع
التصرف فى الرقبة لا يمنع الملك كأم الولد اهـ (١٩٠:٦).
قلت: ولو تأمل الفقيه لعرف أن الأئمة كلهم قد قالوا فى الوقف اللازم ما قاله أبو حنيفة فى
الغير اللازم عنده، وهو ما لم يضف إلى ما بعد الموت أو لم يتصل به حكم الحاكم، فقد قال مالك
بعدم خروج الموقوف من ملك الواقف، وقال أحمد بدخوله فى ملك الموقوف عليه، فهل لأحد
بعد ذلك أن ينسب أبا حنيفة إلى مخالفة الإجماع وغيره من المجتهدين يقول بما قاله؟ فإن قيل:
لم يقل مالك وأحمد بجواز بيعه وكونه ميراثا.
قلنا: قد قالا بذلك فيما لم يوجد فيه شرائط لزوم الوقف، كما ستعرفه، وبه يقول أبو
حنيفة، وإنما النزاع فى تلك الشرائط، فقال: لا يكون الموقوف كأم الولد والمدبر إلا بعد حكم
الحاكم بلزومه أو بالإضافة إلى ما بعد الموت بطريق الوصية، وقال غيره: يكون مثلهما بمجرد
الوقف، ولا دليل لهم على ذلك فإن صدقة عمر التى هى الأصل فى الباب إنما كانت بطريق

ج - ١٣
١٣٣
:
باب ألفاظ الوقف وجواز انتفاع الواقف بوقفه العام
٤٥٠١- عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله عَ لّه قال لعمر: ((إن شئت حبست
أصلها، وتصدقت بها))، فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث الحديث.
الوصية، أو متصلة (١) بحكم الحاكم، هذا ويشهد لأبى حنيفة فى عدم دخول الموقوف فى ملك
الموقوف عليه بعد لزومه شرط عمر لمن ولى وقفه أن يأكل منه بالمعروف غير متأثل مالا بالتقرير
الذى ذكرنا، قال فى "الكفاية": وإذا صح الوقف خرج من ملك الواقف، ولم يدخل فى ملك
الموقوف عليه إلى أن قال: إذا جعل صح بمعنى لزم أى بحكم الحاكم عند أبى حنيفة أو بتعليقه
بالموت، وبمجرد القول عند أبى يوسف رحمه الله، وبالتسلیم إلى المتولى عند محمد خرج من ملك
الواقف بالإجماع، ويدل عليه قوله فى أول الكتاب، قال أبو حنيفة رحمه الله: لا يزول ملك
الواقف عن الوقف إلا أن يحكم به الحاكم أو يعلقه بموته اهـ ملخصًاً (٤٢٥:٥ مع "الفتح").
باب ألفاظ الوقف وجواز انتفاع الواقف بوقفة العام
قوله: "عن نافع إلخ" قال الحافظ فى "الفتح": وفيه أی فی حدیث صدقة عمر أنه لا يكفى
فى الوقف لفظ الصدقة، سواء قال: تصدقت بكذا، أو جعلته صدقةً، حتى يضيف إليها شيئًا آخر
لتردد الصدقة بين أن تكون تمليك الرقبة أو وقف المنفعة، فإذا أضاف إليها ما يميز أحد المحتملين
صح بخلاف ما لو قال: وقفت أو حبست فإنه صريح فى ذلك على الراجح وقيل: الصريح
الوقف خاصة، وفيه نظر لثبوت التحبيس فى قصة عمر هذه، نعم لو قال: تصدقت بكذا على كذا،
وذكر جهة عامة صح، وتمسك من أجاز الاكتفاء بقوله: تصدقت بكذا بما وقع فى حديث الباب
من قوله: فتصدق بها عمر، ولا حجة فى ذلك لما قدمته من أنه أضاف إليها لا تباع ولا توهب اهـ
(١) وأيضًا فإن الشىء إذا ثبت ثبت بلوازمه، ومن لازم كونه ملكا للواقف أو الموقوف عليه أن يرجع إليهما قيمته كالملك المطلق،
وحرمة بيع المدبر وأم الولد إنما هو لأجل إضافة العتق إلى ما بعد الموت فى قول المولى أو فى كلام الشارع، وبه نقول فى
الوقف المضاف لوجود الإضافة فيه من المالك، وفيما اتصل به حكم الحاكم لكونه نائبا للشارع صلوات الله وسلامه عليه، فإن
قيل: قد وجدت الإضافة فى كلام الشارع للموقوف كوجودها فى كلامه لأم الولد؟
قلنا: قد وقع التردد فى كون الشرط -أن قوله: لا يباع ولا يورث ولا يوهب - من كلام النبى مرّةٍ أو من كلام عمر كما
مر، فلا تتحقق الإضافة فى الوقف بدون تصريح الواقف بها أو حكم الحاكم بلزومه، ومن ادعى حرمه جميع المملوك ما دام
مملوكا بدون هذه الإضافة فعليه البيان، وبهذا يتبين لك سخافة ما قاله ابن حزم فى "المحلى": ويقال لهم: هلا قستموه على
التدبير الذى لا يجوز فيه الرجوع عندكم؟ أو هلا قستم قولكم فى التدبير على قولكم فى الحبس إلخ (١٧٩:٩) فإن قياس
الوقف على التدبير لا يصح ما لم يوجد فيه الإضافة إلى ما بعد الموت، فافهم.

١٣٤
' w _.
ألفاظ الوقف وجواز انتفاع الواقف بوقفة العام
إعلاء السنن
رواه البخارى وفى رواية عبيد الله بن عمر: احبس أصلها وسبل ثمرتها، وفى رواية
(٣٠٢:٥). وقال البخارى: إذا قال: دارى صدقة لله، ولم يبين للفقراء، أو غيرهم فهو جائز
ويعطيبها للأقربين أو حيث أراد، قال النبى معَّ لأبى طلحة حين قال: أحب مالى إلى بيرحاء، وإنها
صدقة لله، فأجاز النبى معَّ ذلك، وقال بعضهم: لا يجوز حتى يبين لمن؟ والأول أصح، وإذا قال:
أرضى أو بستانى صدقة لله عن أمى فهو جائز، وإن لم يبين لمن ذلك.
قال الحافظ فى "الفتح": قال ابن بطال: ذهب مالك إلی صحة الوقف وإن لم یعین مصرفه،
ووافقه أبو يوسف ومحمد والشافعى فى قول، قال ابن القصار: وجهه أنه إذا قال: وقف أو صدقة
فإنما أراد به البر والقربة، وأولى الناس ببره أقاربه ولا سيما إذا كانوا فقراء، وهو كمن أوصى بثلث
ماله ولم يعين مصرفه فإنه يصح، ويصرف فى الفقراء، والقول الآخر للشافعى: إن الوقف لا يصح
حتى يعين جهة مصرفه وإلا فهو باق على ملكه. وقال بعض الشافعية: إن قال: وقفته وأطلق فهو
محل الخلاف، وإن قال: وقفته لله خرج عن ملكه جزمًا، ودليله قصة أبي طلحة اهـ (٢٨٨:٥).
وقال المحقق فى "الفتح": أما ركنه: فالألفاظ الخاصة كأن يقول: أرضى هذه صدقة موقوفة
مؤبدة على المساكين، ولا خلاف فى ثبوته بهذا اللفظ بعد شروطه(١)، ولا بأس أن نسوق شيئًا من
الألفاظ، أرضى هذه صدقة، أو تصدقت بأرضى هذه على المساكين، لا تكون وقفًا بل نذرًاً يوجب
التصدق بعينها أو بقيمتها، فإن فعل خرج عن عهدة النذر، وإلا ورثت عنه (قلت: وإن نوى الوقف
فهى وقف لاستعمال الصدقة بمعنى الوقف أحيانًا) "وموقوفة" فقط (أى إذا قال: أرضى هذه
موقوفة، ولم يقل على المساكين) لا تصح إلا عند أبى يوسف، فإنه يجعلها بمجرد هذا اللفظ وقفا
على الفقراء، وهو قول عثمان البتى، وإذا كان مفيدا لخصوص المصرف -أعنى الفقراء- لزم كونه
مؤبدًا، لأن جهة الفقراء لا تنقطع، قال الصدر الشهید: ومشايخ بلخ یفتون بقول أبی يوسف،
ونحن نفتى بقوله أيضًا لمكان العزف.
وبهذا يندفع رد هلال قول أبى يوسف بأن الوقف يكون على الغنى والفقير ولم يبين فبطل،
لأن العرف إذا كان يصرفه للفقراء كان كالتنصيص عليهم، فلو قال: موقوفة على الفقراء عند
(١) وهى الإضافة إلى ما بعد الموت أو لحوق الحكم به عند أبى حنيفة، وكونه مقسوما غير مشاع فيما يحتمل القسمة، ومسلما إلى
متولى عند محمد، وأما عند أبى يوسف: فلا يشترط سوى كون المحلى قابلا له من كونه عقارا أو دارا، قاله المحقق فى "الفتح"
أيضاً (٤١٨:٥).
٠٠

ج - ١٣
ألفاظ الوقف وجواز انتفاع الواقف بوقفة العام
١٣٥
يحيى بن سعيد: "تصدق بثمره وحبس أصله"، كما فى "فتح البارى"، وقد مر فى
الباب السابق.
هلال أيضا، لزوال الاحتمال بالتنصيص على الفقراء، بخلاف قوله: محبوسة أو حبس، ولو كان
فى حبس(١) مثل هذا العرف يجب أن يكون كقوله: موقوفة، وكذا إذا قال: للسبيل، إذا تعارفوه
وقفًا مؤبدًا على الفقراء، وإلا سئل، فإن قال: أردت الوقف صار وقفًا، لأنه محتمل لفظه أو قال:
أردت معنى صدقة فهو نذر، فيتصدق بها أو بثمنها وإن لم ينو (أو نوى النذر، ولم يف به) كانت
ميراثا، ذكره فى النوازل، وقال فى قوله: جعلتها للفقراء إن تعارفوه وقفا عمل به، وإلا سئل، ولو
قال: صدقة موقوفة فهلال وأبو يوسف وغيرهما على صحته، لأنه عرف بقوله: صدقة مصرفه
(وهم الفقراء)، وانتفى بقوله: موقوفة احتمال كونه نذرا، وكذلك حبس صدقة، وكذلك صدقة
محرمة، قيل: ومحرمة بمنزلة وقف، وهى معروفة عند أهل الحجاز بخلاف ما لو قال: "حبس أو
محبوسة موقوفة" ، لأنه بمعنى موقوفة، فكان كإفراد لفظ موقوفة (فيصح عند أبى يوسف لمكان
العرف دون هلال، وهو اختلاف لفظى مبناه اختلاف العرف).
وفى "النوازل": لو قال: جعلت نزل كرمى وقفا وفيه ثمرا ولا يصير الكرم وقفا، وكذا لو
قال: جعلت غلته وقفا، تصحيحا للكلام ما أمكن، ولو زاد فقال: صدقة موقوفة على الفقراء ينبغى
أن لا يختلف فيه كما لو قال مع ذلك مؤبدًا، وهو موضع اتفاق مجيزى الوقف على أنها العبارة
الوافية إلا أن قوله فى الأسرار: ولو لم يقل: مؤبدا، كان وقفا على قول عامة من يجيز الوقف يفيد
أن فيه خلافًا، ولا ينبغى؛ فإن التأبيد أن يجعله فى أول الأمر أو آخره لجهة لا تنقطع، (ولا خصوص
لفظ التأبيد) وجعله للفقراء يفيد ذلك، وقوله: موقوفة لله تعالى بمنزلة صدقة موقوفة أهـ (٤١٨:٥).
قلت: وقوله: صدقة لله تعالى، ليس بصريح فى الوقف لاحتمال النذر، وجنح البخارى إلى
كونه وقفا لحديث أبي طلحة، ويعكر عليه بيع حسان حصته من صدقته، قال الحافظ فى "الفتح":
هذا يدل على أن أبا طلحة ملكهم الحديقة المذكورة، ولم يقفها عليهم، إذ لو وقفها ما ساغ لحسان
أن يبيعها اهـ (٥: ٢٩٠). وفيه ما فيه فتذكر، وكذا قوله: "صدقة عن أمى" وهى ميتة يحتمل النذر
والوقف جميعًا إلا أن يترجح أحد الاحتمالين بقرينة، وإلا سئل عنه، والله تعالى أعلم.
(١) ظاهر الأحاديث أنه كان فى عرف أهل الحجاز ثم الوقف سواء، ولكن ليس عرف بلا حجة على أهل بلد آخر سواه، فلكل قوم
عرفه فيما كان مبناه على العرف. ظـ

١٣٦
ألفاظ الوقف وجواز انتفاع الواقف بوقفة العام
إعلاء السنن
وقال الموفق فى "المغنى": وألفاظ الوقف ستة، ثلاثة: صريحة، وثلاثة: كناية، فالصريحة:
وقفت، وحبست، وسبلت، متى أتى بواحد من هذه الثلاثة صار وقفًا من غير انضمام أمر زائد،
لأن هذه الألفاظ ثبت لها(١) عرف الاستعمال بين الناس، وانضم إلى ذلك عرف المشرع بقول
النبى(٢) مَّ لعمر: (إن شئت حبست أصلها، وسبلت ثمرتها)) فصارت هذه الألفاظ فى الوقف
كلفظ التطليق فى الطلاق، وأما الكناية فهى: تصدقت، وحرمت، وأبدت، فلييست صريحة؛ لأن
لفظة الصدقة والتحريم مشتركة، فإن الصدقة تستعمل فى الزكاة والهبات (والنذور)، والتحريم
يستعمل فى الظهار والأيمان، ويكون تحريماً على نفسه وعلى غيره، والتأييد يحتمل تأييد التحريم،
وتأیید الوقف، ولم يثبت لهذه الألفاظ عرف الاستعمال، فلا یحصل الوقف بمجردها ککنایات
الطلاق فیه، فإن انضم إليها أحد ثلاثة أشياء حصل الوقف بها.
أحدها: أن ينضم إليها لفظة أخرى تخلصها من الألفاظ الخمسة فيقول: صدقة موقوفة، أو
محبسة أو مسبلة أو محرمة أو مؤبدة، أو يقول: هذه محرمة موقوفة أو محبسة أو مسبلة أو مؤبدة.
الثانى: أن يصفها بصفات الوقف فيقول: صدقة لا تباع ولا تورث، لأن هذه القرينة تزيل
الاشتراك.
الثالث: أن ينوى الوقف فيكون على ما نوى إلا أن النية تجعله وقفا فى الباطن دون الظاهر
لعدم الاطلاع على ما فى الضمائر، فإن اعترف بما نواه لزم فى الحكم لظهوره، وإن قال: ما أردت
الوقف، فالقول قوله لأنه أعلم بما نوى.
فائدة: قال الموفق: وظاهر مذهب أحمد أن الوقف يحصل بالفعل مع القرائن الدالة عليه
(١) أما ثبوت عرف الاستعمال فى وقفت فمسلم اتفاقًا، ويحتمل أن يكون فى حبست وسبلت اختلاف، لعدم ثبوت عرف
الاستعمال فيهما فى بعض البلاد.
(٢) قلت: وفى الاستدلال به على كون حبست وسبلت صريحا فى الوقف نظر لما فى بعض الروايات من زيادة قوله: لا يباع ولا
يورث ولا يوهب فلا يكون صريحا إلا بانضمام ذلك إليه، فافهم. قال العلامة العينى فى "العمدة": وألفاظه على مراتب:
إحداها: قوله: وقفت كذا أو حبست أو سبلت أو أرضى موقوفة أو محبسة أو مسبة فكل لفظ من هذا صريح، هذا هو
الصحيح الذى قطع به الجمهور، وفى وجه: هذا كله كناية، وفى وجه: الوقف صريح والباقى كناية. الثانية: قوله: حرمت
هذه البقعة للمساكين أو أبدتها أو دارى محترمة أو مؤبدة كناية المذهب. الثالثة: تصدقت بهذه البقعة ليس بصريح، فإن زاد
معه، صدقة محرمة أو محبسة أو على موقوفة التحق بالصريح، وقيل: لا بد من التقييد؛ فإنه لا يباع ولا يوهب اهـ (٦: ٤٧٠)
والحق أن مدار الصريح والكناية على العرف ولكل قوم وبلد عرف، كما لا يخفى.

ج - ١٣
ألفاظ الوقف وجواز انتفاع الواقف بوقفة العام
١٣٧
٤٥٠٢- عن أبى هريرة مرفوعا: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة
أشياء: صدقة جارية)) الحديث رواه الجماعة إلا البخارى، وقد تقدم أيضًا.
٤٥٠٣- عن عثمان أن النبى معَّ ل قدم المدينة، وليس بها ماء يستعذب غير بئر
رومة فقال: ((من يشترى بئر رومة فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها
فى الجنة؟))، فاشتريتها من صلب مالى. رواه النسائي والترمذى، وقال: حديث حسن
مثل أن يبنى مسجدًا ويأذن للناس فى الصلاة فيه، أو مقبرة ويأذن فى الدفن فيها، أو سقاية ويأذن
فى دخولها، فإنه قال فى رواية أبى داود وأبى طالب فيمن أدخل بيتا فى المسجد وأذن فيه لم يرجع
فيه، وكذلك إذا اتخذ المقابر وأذن للناس والسقاية فليس له الرجوع، وهذا قول أبى حنيفة، وذكر
القاضى فيه رواية أخرى: أنه لا يصير وقفًا إلا بالقول، وهذا مذهب الشافعى، واحتجوا بأن هذا
تحبيس أصل على وجه القربة، فوجب أن لا يصح بدون اللفظ كالوقف على الفقراء.
ولنا أن العرف جار بذلك، وفيه دلالة على الوقف فجاز أن يثبت به کالقول، وجرى مجرى
من قدم إلى ضيفه طعاما كان إذنا فى أكله، ومن ملأ خابية ماء على الطريق كان تسبيلا له، ومن
نثر على الناس نثارا كان إذنا فى التقاطه، وأبيح أخذه، وكذلك دخول الحمام واستعمال مائه من
غير إذن مباح بدلالة الحال، وقد قدمنا فى البيع أنه يصح بالمعاطاة من غير لفظ، وكذلك الهبة
والهدية لدلالة الحال، فكذلك ههنا.
وأما الوقف على المساكين فلم تجر به عادة بغير لفظ، ولو كان شىء جرت به العادة،
أو دلت الحال عليه كان كمسألتنا، والله أعلم اهـ ملخصًا (١٩٠:٦ و١٩٢).
قلت: قد ذكر علماءنا صحة الوقف بالفعل فى المسجد، كما فى الدر مع الشامية (٥٧١:٣)
وقد تقدم أن المقبرة والسقاية ونحوهما ملحق بالمسجد فی کونه تصدقا بالأصل مع المنافع فافهم،
وقول الموفق الذى ذكرناه آنفا يدل على كون المقبرة والسقاية كالمسجد عند أبى حنيفة، وهو
المستفاد من كلام الخصاف خلاف ما ذكره غيره من علماء المذهب، والله تعالى أعلم.
قوله: عن أبى هريرة إلخ، قلت: مفاده أن يكون قوله: هذه صدقة جارية مثل قوله: موقوفة،
وهو ظاهر.
قوله: عن عثمان إلخ، قلت: قوله: قد جعلتها للمسلمين، أو دلوى فيها كدلاء المسلمين،
ينبغى أن يكون صريحًا فى الوقف، وفيه دلالة على جواز انتفاع الواقف بوقفه العام.
قال الموفق فى "المغنى": من وقف وقفًا صحيحًا فقد صارت منافعه جميعها للموقوف عليه،

١٣٨
ألفاظ الوقف وجواز انتفاع الواقف بوقفة العام
إعلاء السنن
(نيل الأوطار ٢٦٠:٥)، ورواه البغوى فى الصحابة، وزاد: فاشتراها عثمان بخمسة
وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبى معَِّ، وقال: قد جعلتها للمسلمين (فتح البارى
٣٠٥:٥)، وهو حسن أو صحيح على أصله، وفى "التلخيص الحبير": (٢٥٨:٢) أن
عثمان وقف بير رومة، وقال: دلوى فيها كدلاء المسلمين. علقه البخارى اهـ.
٤٥٠٤- عن أنس بن مالك أن أبا طلحة قال: يا رسول الله! إن الله يقول: ﴿لن
تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وإن أحب أموالى إلى بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو
برها وذخرها عند الله، فضعها حيث أراك الله. الحديث متفق عليه، وفى اللفظ لأحمد
ومسلم قال: فإنى أشهدك أنى جعلت أرضى بيرحاء لله. (نيل الأوطار ٢٦٧:٥).
٤٥٠٥- عن ابن عباس أن سعد بن عبادة توفيت أمه وهو غائب، فأتى
النبى عَّهِ، فقال: يا رسول الله! فهل ينفعها شىء إن تصدقت به عنها؟ قال: نعم، قال:
فإنى أشهدك أن حائطى الخراف صدقة عليها، وفى لفظ: صدقة عنها. رواه البخارى
(فتح البارى ٢٩٢:٥) مختصراً.
وزال عن الواقف ملكه وملك منافعه، فلم يجز أن ينتفع بشىء منها، إلا أن يكون قد وقف شيئًا
للمسلمين (عامة)، فيدخل فى جملتهم مثل أن يقف مسجدا فله أن يصلى فيه، أو مقبرة فله الدفن
فيها، أو بئرا للمسلمين فله أن يستقى منها، أو سقاية أو شيئًا يعم المسلمين، فيكون كأحدهم،
لا نعلم فى هذا كله خلافًا، وقد روى عن عثمان بن عفان رضى الله عنه أنه سبل بئر رومة، وكان
دلوه فيها كدلاء المسلمين أهـ (١٩٣:٦).
قوله: عن أنس إلخ احتج به البخارى على أن قوله: صدقة لله، يدل على الوقف، والحق أنه
ليس بصريح فيه، وكذا قوله: إنى جعلت أرضى الله بل هو من كناياته، ولعل الذين أنكروا على
حسان بيع حصته من صدقة أبى طلحة فهموا كونها وقفا بقرينة دلت على ذلك من قوله، وإلا لما
ساغ لهم إنكار بيعها، والله تعالى أعلم.
قوله: عن ابن عباس إلخ: الظاهر أن جعل الأرض صدقةً على الميت يدل على كونها وقفا
للفقراء إذا قامت قرينة تمنع إرادة النذر، وههنا كذلك، فإن سعدا لم يرد النذر بتصدق المخراف،
أو منافعها عن أمه بل أراد وقفيتها كما فهمه البخارى رحمه الله، ويؤيده ما رواه الحصاف من
طريق الواقدى حدثنا يحيى بن عبد العزيز عن أهله أن سعد بن عبادة تصدق بصدقة عن أمه فيها

ج - ١٣
١٣٩
باب للواقف أن يشترط لنفسه أو لأهله
أن يأكلوا من الوقف أو ينتفعوا به فيكون لهم قدر ما يشترط
٤٥٠٦- قال أحمد: سمعت ابن عيينة عن ابن طاوس عن أبيه عن حجر المدرى
أن فى صدقة رسول الله عَّه أن يأكل منها أهله بالمعروف غير المنكر، ذكره الموفق فى
سقى الماء، ثم حبس عليها مالا من أمواله على أصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث اهـ (ص١٥)،
فاللفظ من کنایات الوقف دون صریحها، فافهم.
باب للواقف أن يشترط لنفسه أو لأهله
أن يأكلوا من الوقف أو ينتفعوا به فيكون لهم قدر ما يشترط
قوله: قال أحمد إلخ، قلت: ذهب إلى جواز ذلك أبو يوسف، خلافا لمحمد وهلال الرائى
والشافعى رحمهم الله تعالى، لهم أن الوقف تبرع على وجه التمليك بطريق التقرب إلى الله تعالى،
فاشتراطه الكل، أو البعض لنفسه، أو لعبيده وإماءه وأولاده الصغار يبطله، لأن التمليك من نفسه
لا يتحقق، فصار كالصدقة المنفذة بشرط أن يكون بعضه له، وشرط بعض بقعة المسجد لنفسه،
ولأبى يوسف ما روى أن النبى معَّه ((كان يأكل من صدقته))، والمراد منها صدقته الموقوفة دون
الزكاة، فإنه لم يكن يدخر شيئا تجب فيه الزكاة، وأيضًا: فلم يكن يحل له أكلها سواء كانت زكاة
ماله أو مال غيره، ولا يحل له الأكل من صدقته الموقوفة إلا بالشرط للإجماع على أن الواقف إذا
لم يشرط لنفسه الأكل منها لا يحل له أن يأكل منها.
وإنما الخلاف فيما إذا شرطه فدل على صحته، ولأن الوقف إزالة الملك إلى الله تعالى على
وجه القربة على ما بيناه، فإذا شرط البعض أو الكل لنفسه فقد جعل ما صار مملوكا لله تعالى لنفسه،
لا أنه يجعل ملك نفسه لنفسه، وهذا جائز، كما إذا بنى خانا أو سقاية أو جعل أرضه مقبرة وشرط
أن ينزله أو يشرب منه أو يدفن فيه فيجوز له ذلك اتفاقًا، ولأن مقصوده القربة، وفى الصرف إلى
نفسه ذلك، قال عليه الصلاة والسلام: ((نفقة الرجل على نفسه صدقة))، كذا فى "الهداية" و"فتح
القدير" (٤٣٨:٥) ملخصًا بمعناه.
قال المحقق: فقد ترجح قول أبى يوسف، قال الصدر الشهيد: والفتوى على قول أبى
يوسف، ونحن أيضًا نفتى بقوله ترغيبًا للناس فى الوقف، واختاره مشايخ بلخ، وكذا ظاهر الهداية
حيث أخر وجهه ولم يدفعه، ومن صور الاشتراط لنفسه ما لو قال: على أن يقضى دينه من غلته،
وفى وقف الخصاف: إذا شرط أن ينفق على نفسه وولده وحشمه وعياله من غلة هذا الوقف،

١٤٠
للواقف أن يشترط لنفسه أو لأهله
إعلاء السنن
"المغنى" (١٩٣:٦)، وقال: احتج به أحمد، ورواه الخصاف من طريق الواقدى وابن
أبى شيبة فى المصنف كلاهما قال: حدثنى سفيان بن عيينة عن ابن طاوس عن أبيه قال:
فجاءت غلته فباعها وقبض ثمنها ثم مات قبل أن ينفق ذلك هل يكون ذلك للورثة أو لأهل الوقف؟
قال: يكون لورثته؛ لأنه قد حصل ذلك وكان له، قال المحقق: والحديث المذكور -أى قوله -: ((إن
النبى معَ ◌ّ كان يأكل من صدقته)) بهذا اللفظ لم يعرف اهـ (٤٣٨:٥).
وقال الحافظ فى "الدراية": لم أجده، ويمكن أن يكون المراد أنه مَّر كان يأكل من
الأراضى التى قال فيها: ما تركت بعدى فهو صدقة اهـ (ص٢٧٨). قلت: لا يجدى ذلك أبا
يوسف شيئًا، فإنها لم تكن صدقة فى حياته، بل بعد وفاته معَّه، فلا يلزم من أكله منها الأكل من
صدقته، وقال الزيلعى: غريب، وفى "مصنف ابن أبى شيبة": حدثنا ابن عيينة، فذكر ما ذكرناه فى
المتن (١٦٩:٢).
دليل ما ذكره صاحب "الهداية" أن النبى عرّ الر كان يأكل من صدقته:
قلت: قد وجدته -ولله الحمد- عند الخصاف من طريق الواقدى حدثنى محمد بن بشر بن
حميد عن أبيه قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول فى خلافته بخناصرة(١): سمعت بالمدينة
والناس يومئذ بها كثير من مشيخة من المهاجرين والأنصار أن حوائط رسول الله عَ لّه السبعة التى
وقف من أموال مخيريق، وقال: إن أصبت فأموال لمحمد عَّه يضعها حيث أراه الله، وقتل يوم
أحد، فقال رسول الله عَّ له: مخيريق خير يهود، ثم دعا لنا بتمر منها، فأتى بتمر فى طبق فقال:
كتب إلى أبى بكر بن حزم يخبرنى أن هذا التمر من الغدق(٢) الذى كان على عهد رسول.
الله عَّةِ، وكان رسول الله عَّ يأكل منه، فقلت: يا أمير المؤمنين! فاقسمه بيننا، فقسمه، فأصاب
كل واحد منا تسع تمرات، قال عمر بن عبد العزيز: قد دخلتها إذ كنت واليا بالمدينة، وأكلت من
هذه النخلة، ولم أر مثلها من التمر أطيب ولا أعذب اهـ (ص ١ و ٢).
وفيه أيضًا قال: حدثنى صالح بن جعفر عن المسور بن رفاعة عن ابن كعب قال: أول صدقة
كانت فى الإسلام وقف رسول الله عَّه أمواله، فقلت لابن كعب: فإن الناس يقولون: صدقة
عمر بن الخطاب أول، فقال: قتل مخيريق بأحد على رأس اثنين وثلاثين شهرا من مهاجر رسول
(١) بالضم بلد بالشام من عمل حلب، مصحح عن "القاموس".
(٢) بالفتح النخلة، مصحح عن "المصباح".