Indexed OCR Text

Pages 101-120

ج - ١٣
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
١٠١
بمنفعته، فهو الذى أنكر أبو حنيفة لزومه فى ظاهر الرواية، فما فى "المحلى" لابن حزم: "فطائفة
أبطلت الحبس مطلقًا، وهو قول شريح، وروى عن أبى حنيفة إلى أن قال: وأتى أبو حنيفة بقول
خالف فيه كل من تقدم والسنة والمعقول، فقال: الحبس جائز إلا أن للمحبس إبطاله متى شاء، وبيعه
وارتجاعه ينقض الحبس الذى عقد فيه، ويجوز بعد الموت أيضًا، وهذا أشهر أقواله إلخ" (١٧٥:٩)
كله مبنى على التساهل فى حقيق مذهبه، فقد عرفت أن أبا حنيفة قائل بجواز الوقف ولزومه على
وجه الصدقة، وبجوازه ولزومه مطلقًا فيما حبس أصله وتصدق بثمرته إذا أضافه إلى ما بعد الموت
وصيته، وإنما أنكر اللزوم فى الثانى عند عدم الإضافة والتصريح بالتأييد.
حجة أبى حنيفة من السنة وأقوال السلف والمعقول:
وله حجة فى ذلك من السنة وأقوال السلف والمعقول، أما السنة فقول النبى معَّ له: ((يقول ابن
آدم: مالى مالى، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت
فأمضيت))، رواه مسلم والترمذى عن عبد الله بن الشخير، كما فى "الترغيب" للمنذرى،
(ص٥٠٩)، ولفظ مسلم فى "المشكاة": ((وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس)) (ص ٣٧٥)،
فبين النبى معَّ أن الإرث إنما ينعدم فى الصدقة التى أمضاها، وذلك لا يكون إلا بعد التمليك من
غيره أو بالإضافة إلى ما بعد الموت أو باتصال حكم الحاكم به، فمن تصدق بغلة أرضه، وحبس
أصلها، ولم يضف إلى ما بعد الموت، ولم يحكم به حاكم فقد تصدق ولم يمضه، فلا يتم الوقف
ولا يلزم، ومن ادعى الإمضاء بغير ذلك فعليه البيان.
ومنها ما روينا من طريق ابن وهب نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار ومحمد وعبد الله
ابنى أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم كلهم عن أبى بكر بن محمد قال: إن عبد الله بن زيد بن
عبد ربه قال لرسول الله عَ له: يا رسول الله! إن حائطى(١) هذا صدقة، وهو إلى الله ورسوله، فجاء
(١) قلت: وقوله: إن حائطى هذا صدقة، صريح فى كون الحائط ملكا له دون أبويه، هذا هو المتبادر منه، ولا يجوز صرف الكلام
عن ظاهره إلا بدليل، فما قاله الموفق فى "المغني" (١٨٧:٦): ويحتمل أن الحائط كان لهما أى لأبويه، وكان هو يتصرف فيه
بحكم النيابة عنهما، فتصرف بهذا التصرف بغير إذنهما فلم ينفذاه، وأتيا النبى مێۍ فرده إليهما اهـ رد عليه، ولو فتحنا باب
مثل هذا التأويل لم يكد يثبت من السنة شىء، وإن كان لهم ذلك فلأبى حنيفة أن يقول: إن جميع ما ورد من الآثار فى باب
الوقف محمول على الوقف المضاف إلى ما بعد الموت بطريق الوصية فى الثلث، وليس تأويله ذلك ببعيد رواية ودرايةً، أما
روايةً فبدليل ما ذكرنا لك ههنا من الآثار، وأما درايةً فلكون الوقف قاطعًا للمواريث مستلزما حرمان الورثة عما فرض الله لهم
فليكن محمولا على ما أجازه الشارع من الوصية بالثلث، اللهم إلا إذا كان تصدقًا بالأصل كوقف الأرض مسجدا ونحوه،
فيكون لازمًا نافذا فى جميع المال، لكونه كالصدقة المنفذة يخرج به الشىء عن ملك الوقف بخلاف ما حبس أصله وتصدق
بمنفعته، فإنه ليس كالصدقة المنفذة کما لا يخفى منه.

١٠٢
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
إعلاء السنن
أبواه فقالا: يا رسول الله! كان قوام عيشنا، فرده رسول الله عز له، ثم ماتا فورثهما ابنهما ذكره ابن
حزم فى "المحلى" (١٧٨:٩). وأعله بأنه منقطع، لأن أبا بكر لم يلق عبد الله بن زيد قط، قلت:
الشافعى أول من رد المرسل من المحدثين، وقد احتج بهذا الحديث كما فى "الأم" (٢٧٨:٣). وقال
البيهقى: وروى من أوجه أخر عن عبد الله بن زيد كلهن مراسيل (١٦٣:٦)، والمرسل إذا تعدد
مخرجه حجة عند الكل، كما مر غير مرة.
قال: والثالث إن لفظة "موقوفة" إنما انفرد بها من لا خير فيه، وموهوا بأخبار نحو هذا ليس
فی شیء منها ذکر الوقف، وإنما فيها صدقة، وهذا لا ننكره اه. قلت: فهل عندك حدیث عن
النبى معَّ له فيه لفظ الوقف؟ فإن كان الوقف لا يثبت إلا بهذا اللفظ لم يكن لك ولا للجمهور
حجة على جواز الوقف ومشروعيته أصلا، فهذا حديث عمر الذى جعلوه أصلا فى ذلك ليس فيه
لفظ الوقف، وإنما فيه قوله مرّه: ((إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها)) وفي لفظ قال عمر: قد
أردت أن أتصدق بها، فقال له النبى ◌ّ: احبس أصلها، وسبل ثمرتها، وكذلك صدقاته عليه
السلام بالمدينة إنما اشتهرت بالصدقات لا بالوقف، كما رويت أنت نفسك عن عمرو بن الحارث
قال: ما ترك رسول الله عَِّ دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمةً إلا بغلته البيضاء، وأرضًا جعلها
صدقة (المحلى ١٨١:٩).
· وقال ابن وهب: قال رجال من أهل العلم منهم ربيعة: إذا تصدق الرجل على جماعة من.
الناس لا يدرى بعددهم ولا يسميهم بأسمائهم فهى بمنزلة الحبس، كذا فى "المدونة" (١٨١:٩)
وابن وهب هو راوى الحديث، وهو أعرف بمعنى حديثه منك، وأيضًا فإن عبد الله بن زيد لم
يقتصر على قوله: إن حائطى هذا صدقة، حتى ضم إليه قوله: وهو إلى الله ورسوله، وهذا مما يدل
على معنى الوقف حتمًا، وقد رده رسول الله مد خله.
فثبت أن ما يتصدق بغلته وثمرته دون أصله لا يكون لازمًا إلا بالإضافة إلى الموت أو يحكم
الحاكم به، وأما قول البيهقى: إن الحديث وارد فى الصدقة المنقطعة، وكأنه تصدق به صدقة تطوع
وجعل مصرفها إلى اختيار رسول الله عَ ليه، فتصدق بها رسول الله عّ لٍّ على أبويه (١٦٣:٦).
فاحتمال ناشئ عن غير دليل، وليس بأولى من قولنا: إن صدقة عمر إنما كانت بطريق الوصية لما بعد
الموت بدليل ما ذكرناه من نسخة كتابه من طريق أبى داود فى المتن، ووقوف الصحابة كانت على
سننها، فلا دلالة فيها إلا على لزوم ما كان من الوقف وصية.

ج - ١٣
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
١٠٣
ومنها ما رواه الطحاوى وابن عبد البر من طريق مالك عن ابن شهاب قال: قال عمر: لولا
أنى ذكرت صدقتى لرسول الله عَ ل لرددتها. واستدل به الطحاوى لأبى حنيفة وزفر فى أن إيقاف
الأرض -أى التصدق بغلتها دون أصلها- لا يمنع من الرجوع فيها، (ما لم يضفه إلى ما بعد الموت
أو يتصل به حكم الحاكم) وأن الذى منع عمر من الرجوع كونه ذكره للنبى عّ لّه، فكره أن يفارقه
على أمر ثم يخالفه إلى غيره ذكره الحافظ فى الفتح (٣٠١:٥). ثم قال: ولا حجة له فیما ذکره من
وجهين: الأول أنه منقطع ابن شهاب لم يدرك عمر قلت: وليس ذلك عندنا بعلة كما هو معروف.
ثانيهما: أنه يحتمل ما قدمته أى أن يكون عمر آخر وقفيته، ولم يقع منه قبل ذلك إلا
استشارته فی کیفیة، قلت: یأباه لفظ الرد، ولو كان كذلك لقال: لو لا أنی ذکرت صدقتی لرسول
الله ◌َّه لما تصدقت بها. ويحتمل أن يكون عمر يرى بصحة الوقف ولزومه إلا أن شرط
الواقف الرجوع، فله أن يرجع، وقد روى الطحاوى عن على مثل ذلك اهـ. قلت: احتمال بعيد،
وإن ثبت هذا عن عمر وعلى فقول أبى حنيفة بعدم لزوم الوقف بقولهما أشبه من قول الجمهور
به، كما لا يخفى.
قال الموفق فى "المغنى": وإن شرط أن يبيعه متى شاء أو يهبه أو يرجع فيه لم يصح الشرط
ولا الوقف، لا نعلم فيه خلافا، لأنه ينافى مقتضى الوقف اهـ (١٩٥:٦). قلت: ومنافاته لمقتضى
الوقف إنما هى لكون الوقف يقتضى اللزوم كما هو ظاهر، وقال العينى فى "العمدة": قال بعضهم:
لا حجة فيما ذكره الطحاوى من وجهين: أحدهما: أنه منقطع.
وثانيهما: أنه يحتمل أن يكون عمر كان يرى بصحة الوقف ولزومه، إلا أن شرط الواقف
الرجوع فله أن يرجع، فانتهى.
والجواب أن الأول أن المنقطع فى مثل رواية الزهرى لا يضر، لأن الانقطاع إنما يمنع لنقصان
فى الراوى بفوات شرط من شرائطه المذكورة فى موضعها، والزهرى إمام جليل القدر لا يتهم فى
روايته، وقد روى عنه مثل الإمام مالك فى هذه، ولولا اعتماده عليه لما روى عنه، وعن الثانى بأن
الاحتمال الناشئ عن غير دليل لا يعمل به، ولا يلتفت إليه اهـ (٥١٦:٦). وقد دل كلام الحافظ
أن الأثر الذى رواه مالك عن ابن شهاب عن عمر رضى الله عنه لا علة له سوى الانقطاع، وقد
جازف ابن حزم وتجاسر وتجاوز عن الحد كعادته فقال: وأما الخبر الذى ذكروه عن مالك فمنكر،
وبلية من البلایا، و کذب بلا شك، ولا ندری من رواه عن يونس (عن ابن وهب)، ولا هو معروف

١٠٤
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
إعلاء السنن
من حديث مالك. قلت: قد رواه الطحاوى: حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب أن مالكا أخبره عن زياد
ابن سعد(١) عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب قال فذكره كذا فى معانى الآثار ٢: ٢٥٠ والطحاوى
من الحفاظ المتقنين العدول الثقات لم يخلف بعده مثله، ورواه ابن عبد البر أيضًا كما قاله الحافظ فى
الفتح. قال: وهبك لو سمعناه من الزهرى لما وجب أن يتشاغل به، ولقطعنا بأنه سمعه ممن لا خير
فيه كسليمان بن الأرقم وضربائه، (قلت: لو كان كذلك لكان قدحا فى عدالة الزهرى وثقته، وقد
احتج مالك فى "الموطأ" بمراسيل الزهرى، وأكثر فى الاحتجاج بها، وناهيك به قدوةً، وقال
الذهبى فى الميزان: محمد بن مسلم الزهرى الحافظ الحجة، كان يدلس فى النادر (١٢٦:٣).
والتدليس فى النادر ليس بعلة، وإلا لم يسلم لنا كثير من الأئمة الحفاظ، فقد قال شعبة: ما
رأيت أحدا من أصحاب الحديث إلا يدلس إلا ابن عون وعمرو بن مرة، كذا فى طبقات المدلسين
(ص٢١) قال: ونحن نبت ونقطع بأن عمر رضى الله عنه لم يندم على قبوله أمر رسول الله مدظله
وما اختاره له فى تحبيس أرضه وتسبيل ثمرتها، والله تعالى يقول: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا
قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ وليت شعرى إلى أى شىء كان يصرف
عمر تلك الصدقة لو ترك ما أمره به عليه الصلاة والسلام فيها؟ حاش لعمر من هذا اهـ (١٨٢:٩).
قلت: هذا كله كلام من لا دراية له ولا فقه، فإن عمر رضى الله عنه قد نبهنا بقوله هذا على
أن وقف الأرض ليس بأفضل من تركها للورثة بعده يقتسمونها على فرائض الله تعالى، وأن رسول
الله عَّه إنما أشار عليه بذلك حين أراد أن يتصدق بها جملة، فقال: احبس أصلها وسبل ثمرتها،
لكون وقف الأرض على ذوى القربى والفقراء خيرا من التصدق بأصلها لتمكن الورثة من الانتفاع
بالوقف عند الفقر والحاجة، وإن كان تركها للورثة بعده يقتسمونها على فرائض الله خيرا من ذلك
كله، لحديث سعد بن أبى وقاص عند الشيخين وغيرهما مرفوعًا: ((إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير
من أن تذرهم عالة يتكففون الناس))، ((وإنك لن تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله إلا أجرت بها حتى
اللقمة ترفعها إلى فى امرأتك)) (مشكاة ص٢٢٤)، ويؤيد ما قلنا ما رواه الخصاف عن الواقدى:
حدثنا عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور عن أبيها قال: حضرت عمر بن الخطاب حين قرأ
علينا كتاب صدقاته وعنده المهاجرون، فتركت -أى الكلام-، وأنا أريد أن أقول يا أمير المؤمنين!
(١) هو الخراسانى نزيل مكة ثقة ثبت من أثبت أصحاب الزهرى، كما فى التقريب (ص٦٣).
1

ج - ١٣
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
١٠٥
إنك تحتسب الخير وتنويه، وإنى أخشى أن يأتى رجال قوم لا يحتسبون مثل حسبتك، ولا ينوون
مثل نيتك(١) فتنقطع المواريث ثم استحييت أن افتأت على المهاجرين، وإنى لأظن لو قلت ذلك ما
تصدق منها بشىء اهـ (ص٧). فهل يستبعد من مثل عمر رضى الله عنه أن يكون قد تنبه لما قد
تنبه له المسور، فيقول بعد كتابة الوقف قبل الوصية به: لولا أنى ذكرت صدقتى لرسول الله عد اله
لرجعت فيها خشية أن يحتج بفعله من لا يحتسب مثل حسبته، ولا ينوى مثل نيته فتنقطع
المواريث، ويظن الجهلة أن وقف الأرض على الفقراء خير من تركها للورثة بعده يقتسمونها على
فرائض الله تعالى، وتبين بأثر المسور هذا أن إشارته عرَ ◌ّ لعمر فى حبس الأصل وتسبيل الشتمرة لم
تكن لكون ذلك خيراً من تركها للورثة بل لكونه أفضل مما كان عمر قد أراده من التصدق بها
رأسا فافهم، فإن العلم ليس بكثرة الرواية، وإنما هو نور يضعه الله فى قلوب الرجال، وله الحمد، ولو
تنبه ابن حزم لهذا المعنى لعلم أن عمر لو ترك ما أشار به عليه رسول الله عرّ ة لترك الأرض لورثته
يقتسمونها على الفرائض، والله تعالى أعلم.
تأويل ما رواه عيسى بن أبان عن أبى يوسف: لو بلغ حديث عمر أبا حنيفة لقال به:
فإن قيل: قد حكى الطحاوى عن عيسى بن أبان قال: كان أبو يوسف يجيز بيع الوقف
فبلغه حديث عمر هذا (الذى رواه الجماعة عن نافع عن ابن عمر عنه، وقد ذكرناه فى المتن)، فقال:
من سمع هذا من ابن عون فحدثه به ابن علية؟ فقال: هذا لا يسع أحدا خلافه، ولو بلغ أبا حنيفة
لقال به، فرجع عن بيع الوقف حتى صار كأنه لا خلاف فيه بين أحد، كذا فى "فتح البارى"
(٥: ٣٠١)، وهذا كالصريح فى أن أثر عمر المرفوع يدل على لزوم الوقف وعدم جواز بيعه مطلقًا،
فكيف يعارضه مرسل الزهرى؟ وقد تقرر فى الأصول: أن المرفوع مقدم على المرسل اتفاقًا.
قلنا: لا نسلم كونه صريحا فيه، لأن قوله عَ لّه((إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها))
يحتمل أن يكون معناه حبست أصلها على ملكك، أو على ملك الله تعالى، ولا يدل على اللزوم
(١) بل يريدون بالوقف قطع ميراث الورثة، وقد روى ابن ماجه عن أنس والبيهقى فى الشعب عن أبى هريرة مرفوعًا: ((من قطع
ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة)) كذا فى "المشكاة" (ص٢٢٥). ولما قام بعض علماء الهند يطلبون من الحكومة وضع
القانون للوقف على الأولاد أنكر شيخ شيخنا مولانا محمد يعقوب قد س الله سره عليهم، وأرض عن موافقتهم فى ذلك،
وقال: إنكم لا تريدون بذلك رفع الحرج عن المسلمين بل تريدون قطع المواريث، وتأبى قلوبكم قسمة الأرض على فرائض الله
تعالى، وذلك من ضعف الإيمان المفضى إلى الكفر وإنكار الفرائض، فافهم.

١٠٦
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
إعلاء السنن
إلا على الثانى دون الأول، والحبيس على ملك الله تعالى، إنما هو ما تصدق بأصله كالمسجد
وما أشبهه، وأما ما تصدق بمنفعته فهو حبيس على ملك المحبس بدليل أنه يجوز الانتفاع به زراعة
وسكنى وغير ذلك، فلم تنقطع عنه حقوق الملاك، وتعلق حقوق الملاك بالعين أثر ثبوت ملكهم فيها
على ما هو الأصل، فإما أن يكون ذلك الملك لغير الواقف أوله، واتفقنا على أنه لا يكون ملكا لغيره
من العباد فوجب أن يكون ملكا للواقف، وكذا الاستيضاح بنصب القوام وصرف غلاته وتدبيرها،
واعتبار شرائطه فى توزيعها يكون عن ملكه للعين بحسب الأصل، ولو خرج عن ملكه لما صح له
شرط فى الغلة وغيرها، بخلاف المسجد وما أشبهه، فإنه جعل الله تعالى على الخلوص محررا عن
أن يملك العباد فيه شيئًا غير العبادة فيه، وما كان كذلك خرج عن ملك الخلق أجمعين، والوقف
غير المسجد وما أشبهه، ليس كذلك بل ينتفع الملاك بعينه زراعة وسكنى وغيرهما كما ينتفع
بالمملوكات، وما كان كذلك ليس كالمسجد فلا يكون لازمًا، فالظاهر حمل قوله معَّهِ: ((إن شئت
حبست أصلها)) على المعنى الأول، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
فإن قيل: قوله: ((لا يباع ولا يوهب ولا يورث)) يدل على اللزوم، والتأييد صريحًا، قلنا:
قد اختلف الرواة فى كون هذا الشرط من كلام النبى مَّ ◌ُّه، فأكثرهم على أن الشرط من كلام
عمر رضى الله عنه، كما فى "فتح البارى" (٢٩٩:٥). سلمنا أنه من كلام النبى معَّ، فيحتمل أن
یکون أراد مدة اختياره لذلك، وإذا أراد أن یرجع عنه فله ذلك بدلیل مرسل الزهرى عن عمر، وهو
قول على كما تقدم، والله تعالى أعلم. وأيضًا فيعكر على ما رواه عيسى بن أبان عن أبى يوسف ما
رواه الخصاف حدثنا بشر بن الوليد عن أبى يوسف عن هشام بن عروة أن عمر بن الخطاب جعل
صدقته إلى حفصة ثم قال: من وليبها من بعد حفصة من ذى الرأى من بنى فله أن يأكل، ويؤكل
صديقا بالمعروف غير متأثل مالا (ص ٨).
قال: وحدثنا بشر بن الوليد أخبرنا أبو يوسف عن هشام بن عروة قال: جعل الزبير دوره
صدقة على بنيه لا تباع ولا تورث ولا توهب، وللمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضر
بها، فإذا استغنت بزوج فليس لها فيها حق، ولا تباع ولا تورث اهـ (ص١١)، وبشر بن الوليد
وثقه صالح جزرة والدارقطنى ومسلمة، وكان أحمد يثنى عليه، كما فى اللسان، وفيه دليل على أن
حديث صدقة عمر والزبير قد عرفه أبو يوسف فى حياة الإمام أبى حنيفة لكون هشام بن عروة
قد توفى قبله، فكيف يظن بأبى حنيفة وهو أعلم الناس بالسنن والآثار فى زمانه أن لا يبلغه من

١٠٧
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
ج - ١٣
الحديث ما عرفه أبو يوسف فى حياته، وإذا تعارضا تساقطا، وإلا فالراجح ما رواه بشر بن الوليد لما
قد عرفت أن صدقة عمر، وكذا صدقات سائر الصحابة جملة بالمدينة أشهر من الشمس لا يجهلها أحد،
فكيف يخفى مثل ذلك على إمام مجتهد طبق علمه مشارق الأرض ومغاربها من بلاد الإسلام؟
أبو حنيفة لم يخالف حدیث عمر فى الوقف بل قال به:
والظاهر أن الحديث قد بلغ الإمام وعمل به ولم يخالفه إلى غيره، فقد عرفت أن الوقف
ينقسم قسمين: قد وافق الإمام جمهور العلماء فى لزوم الأول منهما مطلقا، وقال بلزوم الثانى أيضًا
إذا اتصل به حكم الحاكم أو الإضافة إلى ما بعد الموت، وصدقة عمر إن كان قد تصدق بها فى
حياة النبى معَّ فقد اتصل بها حكمه عّ لّه، وإن كان قد تصدق بها بعد النبى عّ لّه فى خلافته
كما يشعر به ما فى نسخة كتابه من لفظة: و کتب معیقیب، لأن معیقیبا کان کاتبه فى زمن
خلافته، وقد وصفه فيه بأنه أمير المؤمنين كا سيأتى كل ذلك فى المتن، وظاهره أنه لم يقع منه قبل
ذلك إلا استشارته فی کیفیته.
فقد ثبت أنه أوصى به، وصرح فى وصيته بأنه حبيس ما دامت السماوات والأرض، كما
فى رواية عند الدار قطنى من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر (٥٠٦:٢) فلا يكون
الصنف الثانى من الوقف لازمًا إلا كذلك، وذلك لأن حبس العين والتصدق بثمرتها قد ورد على
خلاف القياس، فيقتصر على مورده، وصدقة عمر إما أن كانت بإذن النبى معَّ له وأمره أو كانت
بطريق الوصية فلا يكون مثله من الوقف لازمًا إلا بأحد هذين الشرطين، وأما صدقات سائر
الصحابة فقد کانت علی صدقة عمر لما روی الخصاف عن الواقدی بسنده أن زيد بن ثابت جعل
صدقته التى وقفها على سنة صدقة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وكتب كتابا على كتابه قال
الواقدى: وحدثنى قدامة(١) بن موسى عن بشير مولى المازنين قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول:
لما كتب عمر بن الخطاب رضى الله عنه صدقته فى خلافته دعا نفرا من المهاجرين والأنصار،
وأشهدهم على ذلك فانتشر خبرها، قال جابر: فما أعلم أحدًا ذا مقدرة من أصحاب رسول
الله عَ لّه إلا حبس مالا من ماله صدقة موقوفة لا تشترى ولا تورث ولا توهب اهـ (ص١٢ و ١٥)
فالظاهر اتصال حكم الحاكم بتلك الصدقات أو كانت بطريق الوقف فى الحياة والوصية بعد
الموت، ولا نزاع فى لزوم مثل ذلك، كما تقدم.
(١) أما قدامة بن موسى فثقة معمر من الخامسة، كما فى التقريب (ص١٧٣) وبشير مولى المازنيين لم أجد من ترجمته.

١٠٨
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
إعلاء السنن
ومن الحجة لأبى حنيفة رحمه الله ما رواه ثقتان عه ابن لهيعة عن أخيه عيسى عن عكرمة
عن ابن عباس رضى الله عنهما لما نزلت سورة النساء قال النبى معَّ له: ((لا حبس بعد سورة النساء))
وعيسى بن لهيعة قال الدار قطنى: ضعيف، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، وذكر له الحديث
المذكور، كذا فى "اللسان" (٤٠٣:٤).
وقال محمد بن الحسن الإمام فى الحجج له: أخبرنى الثقة قال: حدثنى ابن لهيعة حدثنى
أخى قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: لما أنزل الله تعالى سورة النساء وأنزل
فيها فرائض قال رسول الله عَ ليه: ((لا حبس(١) فى الإسلام)) (ص٢٧٦)، أى لا مال يحبس بعد
موت المالك عن القسمة بين الورثة، وفرائض الله تعالى أنصباه الورثة التى فرضها فى آية المواريث
كما قال: ﴿فريضة من الله والله عليم حكيم﴾، والمراد به ما لم يزل عنه ملك المالك من الأوال،
فلا يرد وقف المسجد ولا ما تصدق به فى صحته صدقة منفذة، ولا ما وهبه وسلمه للموهوب له
فإنه لا يجرى فيه الإرث، ولم يكن ذلك حبسا عن الفرائض لانعدام تعلقها به.
وأما الوقف الذى حبس أصله وتصدق بمنفعته فلم يزل ملك المالك عنه بدليل أنه يعتبر
شرائطه فى صرف الغلة وإذا خرب وتعطلت منافعه يرجح إلى ورثة الواقف عند محمد، وبيع
واشترى بثمنه ما يرد على أهل الوقف عند أحمد وغيره، كما فى "المغنى" (٢٢٥:٦)، وكذلك من
سبل وحبس على منقطع، فإذا مات المسبل عليه عاد الحبس إلي أقرب الناس بالواقف، كما فى
"المحلى" (١٨٣:٩)، وبه قال مالك وأبو يوسف وأحمد والشافعى فى أحد قوليه، كما فى "المغنى"
(٢١٤:٦)، ولو زال ملكه عنه لما اعتبر شرطه، ولم يرجع إلى ورثته بحال، وكل ذلك دليل بقاء
ملكه فيه، وإذا كان كذلك تتعلق به الفرائض ويكون الوقف حبسًا عن فرائض الله تعالى، فلا يكون
لازما إلا باتصال حكم الحاكم به أو بإضافته إلى ما بعد الموت بطريق الوصية، ليكون شبيها بصدقة
عمر وغيره من الصحابة رضى الله عنهم.
(١) أوله الجمهور على إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من حبس البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، كما فى "الأم" للشافعى، وفيه
أنه يلزم على ذلك جواز حبس البحيرة والسائبة وضرائبها فى الإسلام قبل نزول سورة النساء ونزول الفرائض فيها، ونحن
نقطع ونبت بأن مثل هذا الحبس لم يكن جائزا فى الإسلام قط لا قبل سورة النساء ولا بعدها، وأيضًا فيرده ما ورد فى كلام
على وابن مسعود من استثناء السلاح والكراع، وليسا من البحيرة والسائبة فى شىء، ويرده أيضًا ما صح عن شريح أنه نهى
عن حبس الدار على الولد وأولاده، وقال: لا حبس عن فرائض الله كما سيأتى، فدل على عدم اختصاص النفى بما كان عليه
أهل الجاهلية مع أن النكرة تحت النفى تقتضى العموم، ولا يجوز تخصيصها إلا بدليل لا بمجرد الاحتمال والتأويل.

ج - ١٣
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
١٠٩
الرد على ابن حزم فى إنكاره حديث: ((لا حبس عن فرائض الله»:
واندحض بما ذكرناه من معنى الحديث وتفسيره ما قاله ابن حزم فى "المحلى": ونصه: أما
قوله: لا حبس عن فرائض الله. فقول فاسد، لأنهم لا يختلفون فى جواز الهبة والصدقة فى الحياة
والوصية بعد الموت، وكل هذه مسقطة لفرائض الورثة، فيجب بهذا القول إبطال كل هبة وكل
صدقة وكل وصية، لأنها مانعة من فرائض الله تعالى بالمواريث اهـ (١٧٧:٩). فهذا كله كلام من
لا دراية له ولا فقه، فإن الحبس إنما يتصور فيما تعلق به الفرائض لا فيما لم تتعلق به، وهى لا تتعلق
إلا بما كان فى ملك الواقف لا بما خرج عنه كما بينا، وأما الوصية فقد نص الكتاب بتقدمها على
الفرائض لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية توصون بها أو دين﴾ وقد قلنا بلزوم الوقف إذا كان على
سبيل الوصية فى الثلث، فتذكر.
وأما قول ابن حزم: هذا خبر موضوع، وابن لهيعة لا خير فيه وأخوه مثله، وبيان وضعه أن
سورة النساء أو بعضها نزلت بعد أحد - يعنى آية المواريث- وحبس الصحابة بعلم رسول الله عَ ل.
بعد خيبر وبعدنزول المواريث فى سورة النساء، وهذا أمر متواتر جيلا بعد جيل، ولو صح هذا الخبر
لكان منسوخًا باتصال الحبس بعلمه عليه الصلاة والسلام إلى أن مات (١٧٧:٩). فهذه جسارة
عظيمة لا يجترئ على مثلها غير من لا دراية له ولا فقه، فقد عرفت غير مرة أن ابن لهيعة حسن
الحدیث احتج به مسلم مقرونا به، وثقه غير واحد من الأئمة، وأخوه عیسی وثقه ابن حبان، كما
مر، ورواه ابن أبى شيبة موقوفا على على رضى الله عنه، حدثنا هشيم عن إسماعيل ابن أبى خالد
عن الشعبى قال: قال على رضى الله عنه: لا حبس عن فرائض الله إلا ما كان من سلاح أو كراع
(وهذا سند صحیح(١).
الشعبى عن على متصل:
والشعبى قد أدرك عليا، وروايته عنه فى البخارى ثابتة، وينبغى أن يكون لهذا الموقوف حكم
المرفوع، لأنه بعد أن علم ثبوت الوقف، ولهذا استثنى الكراع والسلاح -الذى يتصدق بأصلها فى
سبيل الله- لا يقال إلا سماعًا، كذا فى "فتح القدير" (٤٢١:٥). ورواه ابن أبى شيبة عن شريح
عن النبى معَّ مرسلا حدثنا وكيعـ وابن أبى زائدة عن ابن عون عن(٢) شريح قال: "جاء
(١) وقال الحافظ فى "الدراية": أخرجه ابن أبى شيبة بسند حسن اهـ (ص٢٧٧) ولعله اقتصر على التحسين لما فى سماع الشعبى
من على من الخلاف.
(٢) قال الحافظ فى "الدراية": إسناده إلى شريخ صحيح اهـ (ص٢٧٧).

١١٠
٠٠٠
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
إعلاء السنن
محمد عَّ ببيع الحبيس" قال المحقق فى "الفتح" (ص مذكور): وأخرجه البيهقى، وشريح من
کبار التابعین، وقد رفع الحدیث فهو حديث مرسل يحتج به من يحتج بالمرسل اهـ.
أهل بيت الرجل أدری بحديثه:
قلت: ويلزم من يحتج بمرسل ابن المسيب أن يحتج به لكون شريح أجل منه وأقدم، لأنه
تابعى مخضرم، والله تعالى أعلم، وله طريق أخرى عند الطبرانى فى معجمه حدثنا يحيى بن عثمان
ابن صالح (صدوق رمى بالتشيع، ولينه بعضهم (تقريب ص ٢٣٦) ثنا حسان بن عبد الله الواسطى
(ثقة من رجال البخارى (تهذيب) ثنا ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج (صدوق من السادسة (تقريب
ص ١٧٤) عن حنش (هو الصنعانى من رجال مسلم، والأربعة ثقة، "تهذيب" ٥٧:٣) عن فضالة
بن عبيد عن رسول الله عَّ ◌ُلّه قال: ((لا حبس)) (زيلعى ١٦٨:٢) وهذا سند على أصلنا الذى أصلناه
فى المقدمة، وهو شاهد حسن لما رواه ابن لهيعة عن أخيه عن عكرمة عن ابن عباس، وقال محمد:
أخبرنا هشيم بن بشير (ثقة من رجال الجماعة) أخبرنا مطرف(١) بن طريف عن القاسم بن عبد
الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: قال عبد الله بن مسعود: لا حبس فى سبيل الله إلا ما كان من
كراع أو سلاح (كتاب الحجج ص٢٧٦)، وهذا سند صحيح إلا أن القاسم عن عبد الله منقطع،
وهو ليس بعلة عندنا فى القرون الفاضلة المشهود لها بالخير لا سيما والقاسم من أهل بيت عبد الله،
والرجل أدرى بما فى بيته من غيره، والانقطاع فى رواية أهل بيت الرجل ليس بعلة قادحة عند
المحققين، قال الحافظ فى "التلخيص الحبير" (٢٥٩:٢): وقفت فاطمة على نساء النبى عّ لّه وفقراء
بنى هاشم والمطلب، رواه الشافعى بسند فيه انقطاع إلا أنهم من أهل البيت اهـ فقوله: إلا أنهم من
أهل البيت يؤيد ما قلناه.
فاندحض بذلك ما قاله ابن حزم فى "المحلى" (١٧٦:٩): إن والد القاسم لا يحفظ عن أبيه
كلمة، وكان له إذ مات أبوه ست سنين فكيف ولده اهـ. قلت: ومع ذلك فقد صحح الدار قطنى
روايته عن عبد الله لكونه أدرى بما بيته، كما مر غير مرة، وكذلك رواية القاسم عنه، فافهم.
وأما إن سفيان بن عيينة رواه عن مطرف بن طريف عن رجل عن القاسم، كما فى "المحلى"
أيضا فلا يعل به ما رواه هشيم عن مطرف عن القاسم بلا واسطة، فإن مطرفا من أصحاب الشعبى،
(١) من رجال الجماعة، ثقة.

ج - ١٣
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
١١١
روى عنه وعن أبى إسحاق السبيعى وعبد الرحمن بن أبى ليلى وحبيب بن أبى ثابت ونظراءهم،
كما فى "التهذيب"، (١٧٢:١٠، وهؤلاء أقدم من القاسم بن عبد الرحمن وأجل فإنه من الرابعة،
كما فى "التقريب" (ص١٧١)، والشعبى من الثالثة كما فيه أيضا (ص٩٤)، وكذا أبو إسحاق
السبيعى وحبيب بن أبى ثابت (ص ٣٤ و ١٥٩)، وعبد الرحمن بن أبى ليلى من الثانية، كما فى
"التقريب" (ص١٢٥)، فمن كان قد روى عن أمثال هؤلاء الأجلة كيف لا يروى عن القاسم بن
عبد الرحمن، وقد أدرك من هو أكبر منه وأقدم، فالراجح الصحيح طريق هشيم عن مطرف عن
القاسم بلا واسطة، ويمكن أن يقال: إنه كان قد سمعه مرة بواسطة رجل عن القاسم ثم لقيه بعد
وسمعه منه بلا واسطة، ولكن ابن حزم إذا كان بصدد تضعيف الحديث يغمض عينيه عن كل ما
يفيد تصحيحه ويقتضى ترجيحه، وليس ذلك من ديدن المحققين، وإنما هو شأن المجادلين المشككين.
وقال محمد فى "الحجج" أيضا: أخبرنا سلام بن سليم الحنفى (من رجال الجماعة ثقة متقن
صاحب حديث تق ص ٨٢) عن المغيرة (الضبى من رجال البخارى ثقة متقن تق ٢١٣) عن إبراهيم
(النخعى) قال: كان يقال: كل حبس على سهام الله تعالى إلا الفرس والسلاح فى سبيل الله، قال
محمد: فهذا ما عليه الفقهاء وأهل العلم ببلادنا، قد روته الفقهاء من كل وجه اهـ (ص٢٧٦).
إذا قال إبراهيم: كانوا يريدون بذلك أصحاب عبد الله:
وإذا قال إبراهيم: كانوا يقولون (أو كان يقال) فإنما يعنى بذلك أصحاب عبد الله، قاله
الطحاوى فى "معانى الآثار" (١: ٢٨٠): وهو شاهد جيد لما رواه القاسم عن عبد الله، وقال
الطحاوى(١): ثم هذا شريح، وهو قاضى عمر وعثمان وعلى الخلفاء الراشدين رضى الله عنهم،
قد روى عنه فى ذلك أيضا ما قد حدثنا سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبى يوسف عن عطاء بن
(١) قال الطحاوى: وهذا لا يسع القضاة جهله، ولا یسع الأئمة تقليد من یجهل مثله، ثم لا ینکر علیه ذلك منکر من أصحاب
رسول الله مَّ ولا من تابعيهم رحمة الله عليهم اهـ، ورد عليه ابن حزم بقوله: لو استحيا قائل هذا لكان خيرا له، وأى نكرة
فى جهل شريح سنة وألف سنة، والله لقد غاب عن ابن مسعود نسخ التطبيق، وعن أبى بكر ميراث الجدة، وعن عمر أخذ
الجزية من المجوس سنين إلى آخر ما قال وأطال (١٧٨:٩). قلت: لم يرد الطحاوى أن القضاة لا يسعهم جهل سنة مطلقًا، وإنما
أراد أنبهم لا يسعهم جهل مثل هذه السنة التى هى عند ابن حزم أشهر من الشمس لا يجهلها أحد، كما قاله فى "المحلى"
(٩: ١٨٠). فلا يرد عليه ما غاب عن ابن مسعود وأبى بكر وعمر من بعض السنن، فإنها لم تكن مشهورة كالشمس بل مما.
تفرد بعلمها آحاد الناس، ولو تأمل ابن حزم قول الطحاوى ثم لا ينكر عليه ذلك منكر من الصحابة ولا من التابعين لم يقل ما
قال واستحیا مما هذر ونال ..

١١٢
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
إعلاء السنن
السائب: سألت شريحا عن رجل جعل داره حبسا على الآخر فالآخر من ولده، فقال: إنما أقضى
ولست أفتى، قال: فناشدته فقال: لا حبس عن فرائض الله اهـ (٢٥٠:٢).
وأخرجه محمد فى "الحجج": عن أبی یوسف عن عطاء بن السائب نحوه (ص٢٧٥)، ثم
قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن عطاء بن السائب قال: قلت لشريح: يا أبا أمية! أفتنى، قال: يا ابن
أخى! إنما أنا قاض، ولست بمفت، فقلت: إنى والله ما أريد خصومة، إن رجلا من الحى جعل داره
حبسا، قال: فسمعته وقد دخل وهو يقول لرجل كان يقرب الخصوم إليه، أخبر الرجل أنه لا حبس
عن فرائض الله اهـ (ص٢٧٦). وأخرجه البيهقى فى سننه من طريق الحميدى ثنا سفيان ثنا عطاء بن
السائب، فذكره أطول منه (١٦٢:٦).
وشريح من أصحاب عبد الله بن مسعود وعلى رضى الله عنهما، وقد قال فى الحبس ما قال،
وفى ذلك تأييد لما رواه القاسم عن عبد الله والشعبى عن على رضى الله عنهم، وهذه كلها شواهد
لما رواه ابن لهيعة عن أخيه عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا، فأحسن الله عزائنا فيك يا ابن حزم!
فما أجرأك على رد الأحاديث، ونسبة رواتها إلى الوضع والكذب بمجرد الرأى من غير تحقيق
ولا مراجعة لما يشهد لها من الآثار، وهل قولك: وبيان وضعه أن سورة النساء أو بعضها نزلت بعد
أحد، وحبس الصحابة بعلم رسول الله عّ لّه بعد خيبر وبعد نزول المواريث فى سورة النساء إلخ إلا
تحكم بالقياس، والقياس كله عندك باطل، وأيضًا فإن ذلك لا يرد إلا على من أنكر الوقف مطلقا،
وأما من أثبته أنكر لزومه فلا يرد ذلك عليه أصلا، فإنه يقول: قد ثبت عن النبى مرّ لّ أنه قال:
(لا حبس عن فرائض الله))، وثبت عنه أنه قال لعمر: ((حبس الأصل وتصدق بثمرتها)).
فأخذنا بكلا القولين، وقلنا بجواز الوقف ووجوب التصدق بغلته ما دام الواقف حيا، وقلنا
بعدم لزومه حتى جاز للواقف بيعه، وللورثة إبطاله وقسمته على فرائض الله تعالى إلا إذا اتصل به
حكم الحاكم أو الإضافة إلى ما بعد الموت، لكونه كالصدقة المنفذة فى الأول، وكالوصية فى
الثانى، ولا يوجد فيهما الحبس عن فرائض الله لخروج الوقوف عن ملك الواقف فى الأول، وتقدم
الوصية على قسمة الفرائض فى الثانى، ولا يخفى أن إعمال الحديثين أولى من إعمال أحدهما
وإهمال الآخر بمجرد القياس، ولا يقبل دعوى النسخ إلا بدليل التعارض، وهو منتف ههنا على ما
قررناه، فبطل قول ابن حزم: ولو صح هذا الخبر لكان منسوخًا إلخ.
وث يحتج به لأبى حنيفة ما رواه البخارى وغيره عن أنس جاء أبو طلحة إلى رسول

ج - ١٣
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
١١٣
الله عَّهِ، فقال: يا رسول الله! يقول الله فى "كتابه": ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وأن
أحب أموالى إلى بيرحاء قال: وكانت حديقة كان رسول الله عَّ يدخلها ويستظل فيها ويشرب
من مائها، فهى إلى الله وإلى رسول الله عَ ليه أرجو بره وذخره، فضعها أى رسول الله عّ لّه حيث
أراك الله، فقال رسول الله عز اليه: ((نج يا أبا طلحة! ذلك مال رابح قبلناه منك، ورددناه عليك.
فاجعله فى الأقربين)) فتصدق به أبو طلحة على ذوى رحمه، قال: وكان منهم أبى وحسان، قال.
وباع حسان حصته منه من معاوية، فقيل له: تبيع صدقة أبى طلحة؟ فقال: ألا أبيع صاعًا من تمر
بصاع من دراهم؟ قال الحافظ فى "الفتح": ووقع فى أخبار المدينة لمحمد بن الحسن المخزومى من
طريق أبى بكر ابن حزم: إن ثمن حصة حسان مائة ألف درهم قبضها من معاوية بن أبى سفيان اهـ
(٥: ٢٩٠) ولى لفظ للبخارى قال: أحب أموالى إلى بيرحاء، وإنها صدقة لله (٢٩٦:٥).
ولا يخفى أن قوله: صدقة لله، وقوله: فهى إلى الله ورسوله، يفيد معنى الوقف، لكونه
صدقة علی قوم غير مسمى ولا معلوم، ومن هنا ذكره البخاری فی باب الوقف، واحتج به ابن
حزم فى"المحلى" (١٨٣:٩) على مسائل من باب الوقف، ولم يدر أنه حجة لأبى حينفة رحمه الله
فى جواز بيع الوقف وعدم لزومه لما فيه من أن حسان باع حصته من معاوية، فإن قيل: قد أبكر
الناس ذلك من حسان، وقالوا له: أ تبيع صدقة أبى طلحة؟
قلنا: كون حسان ومعاوية من أصحاب النبى معد له معلوم قطعًا، ولم يعرف حال هؤلاء
" المنكرين هل كانوا من الصحابة أو من التابعين؟ فالحجة إنما هى فى فعل حسان ومعاوية لا فى إنكار
من أنكر على حسان، نعم فى إنكار الناس ذلك منه دليل على أن صدقة أبي طلحة هده كانت
وقفا، خلاف ما قاله الحافظ فى الفتح": إن بيع -حسان حصته منه يدل على أن أبا طلحة ملكهم
الحديثة المذكورة، ولم يقفها عليهم؛ إذ لو وقفها ما ساغ لحسان أن يبيعها اهـ. قلت: كلا بل كما !.
قد وقفها عليهم، وإلا لم ينكر الناس على حسان بيع حصته منه لظهور جواز بيع المملوك ١٩٠ه
لا يشك فى جواز مسلم، فكيف ساغ الناس أن ينكروا ذلك على مثل حسان، فافهم.
قال الحافظ: ويحتمل أن يقال: شرط أبو طلحة عليهم لما وقفها عليهم أن من احتاج إلى بيع
حصته منهم جاز له بيعها، وقد قال بجواز هذا الشرط بعض العلماء كعلى وغيره، والله أعلم ١ هـ
(٢٩٠:٥). قلت: تجويز مثل هذا الاحتمال تحكم بلا دليل، وهب أنه يحتمله فمثل هذا الشرط
الذى هو مناف لحقيقة الوقف عند الجمهور لا يجوز عندهم إجماعًا، وإنما يجور مثله عند أبى

١١٤
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
إعلاء السنن
حنيفة القائل بعدم لزومه، فثبت أن حديث صدقة أبى طلحة هذا دليل لما ذهب إليه أبو حنيفة، وهو
قول على رضى الله عنه وغيره، فبطل ما قاله ابن حزم: إن أبا حنيفة قد أتى بقول خالف فيه كل من
تقدم والسنة والمعقول اهـ. فقد أريناك حجته من أقوال من تقدمه من الصحابة على وابن مسعود
وحسان ومعاوية رضى الله عنهم، وشريح وإبراهيم النخعى وغيرهما من أصحاب عبد الله،
وعرفناك دليله من السنة الصحيحة المرفوعة التى أخرجها البخارى ومسلم وغيرهما، ومن مرسل
الزهرى عن عمر، ومن حديث ابن عباس مرفوعًا، ومن حديث شريح مرسلا وغير ذلك من الآثار.
وقد نبهناك على حجته من المعقول فى غضون الكلام، فتذكر، ونشير إليها بالإجمال ههنا،
أن قوله ◌َّه العمر: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بثمرتها، وفى لفظ: حبس أصلها، وسبل
ثمرتها، يدل على بقاء المحبوس والموقوف على ملك الواقف، هذا هو المتبادر من قوله: حبس أصلها
أى على ملكك، ومن ادعى أن معناه حبس أصلها على ملك الله تعالى فليأت ببرهان، فإنه مع كونه
خلاف المتبادر يخالف قول عمر: لولا أنى ذكرت صدقتى لرسول الله عَ ◌ّ لرددتها. كما تقدم،
وإذا كان المحبوس باقيا على ملك الواقف لا يكون محبوسا عن فرائض الله تعالى، ولا كذلك
المسجد وما أشبهه مما تصدق بأصله ومنفعته جميعًا، فإنه لا يكون باقيا على ملك الواقف، كما
ذكرناه مفصلا بما لا مزيد عليه.
قال فى "الهداية": والملك فيه للواقف، ألا ترى أن له ولاية التصرف فيه بصرف غلاته إلى
مصارفها ونصب القوام فيها إلا أنه يتصدق بمنافعه، ولأنه يحتاج إلى التصدق بالغلة دائما، ولا
تصدق عنه إلى بالبقاء على ملكه، بخلاف الإعتاق لأنه إتلاف، وبخلاف المسجد لأنه جعل لله
تعالى خالصًا، ولهذا لا يجوز الانتفاع به، وههنا لم ينقطع حق العبد عنه فلم يصر خالصًا لله تعالى،
وأما قول المحقق فى "الفتح": إن عدم خروجه عن الملك لا يستلزم عدم لزومه وجواز البيع، لم لا
يجوز أن يكون كالمدبر وأم الولد باقيا على ملكه لا يباع ولا يورث؟ (٤١٩:٥).
فالجواب أنه يكون كالمدبر وأم الولد بالإضافة إلى ما بعد الموت أو بحكم الحاكم بلزومه،
وأما بغير ذلك فلا، ودليل التقييد بذلك قد ذكرناه مستوفى فتذكر، وتذكر ما أسلفناه فى تأويل
قوله: لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وإنه لا يدل على تأييد الوقف ولزومه صريحًا مع اختلاف
الرواة فى كونه من كلام النبى ◌ّ أو من كلام عمر.
ومن حجته أيضًا: ما ذكره ابن وهب من طريق يزيد بن عياض عن أبى بكر بن حزم أن

ج - ١٣
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
١١٥
عمر بن عبد العزيز كتب إليه أن يفحص له عن الصدقات، وكيف كانت أول ما كانت، قال:
فكتبت إليه أذكر له صدقة عبد الله بن زيد وأبى طلحة وأبى الدحداحة، وكتبت إليه أذكر له أن
عمرة بنت عبد الرحمن ذكرت أى عن عائشة أنها كانت إذا ذكرت صدقات الناس اليوم وإخراج
الرجال بناتهم منها، تقول: ما وجدت للناس مثلا اليوم فى صدقاتهم إلا كما قال الله عز وجل.
﴿وقالوا ما فى بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا﴾، قالت: والله إنه ليتصدق
الرجل بالصدقة العظيمة على ابنته فيرى غضارة صدقته عليه، وترى ابنته الأخرى، وأنه ليعرف
عليها الخصاصة؛ لما أبوها أخرجها من صدقته، وإن عمر بن عبد العزيز مات حين مات، وإنه ليريد
أن يرد صدقات الناس التى أخرجوا منها النساء، كذا فى "المدونة" (٣٤٥:٤)، ورواه الخصاف من
طريق الواقدى عن يحيى بن خالد بن دينار عن أبي بكر بن حزم نحوه (ص١٦)، هكذا فى الأصل،
وقد وقع فيه تصحیف عن بابن، فإن یحیی بن خالد بن دینار لا وجود له فى الرواة، وهو عن یحیی
عن خالد بن دينار عن أبى بكر بن حزم، ويحيى هو القطان، وخالد بن دينار هو أبو خلدة التميمى
صدوق من رجال البخارى (ص ٥٠)، فالأثر صالح للاحتجاج به، والله تعالى أعلم.
وفى قوله: وإن عمر بن عبد العزيز مات حين مات، وإنه ليريد أن يرد صدقات الناس التى
أخرجوا منها النساء، دليل على أن الوقف يقبل الرد والفسخ، وإذا كان كذلك لا يكون لازمًا،
وفيه دليل أيضًا على أن الوقف على الورثة الذين لا وصية لهم لا يكون لازما إلا باتصال حكم
الحاكم به، وإلاّ لم يكن لعمر أن يردها، وقد لزمت بقول الواقف وحبسه، ولعلك قد عرفت بما
ذكرنا لك من حجج الإمام أبى حنيفة رحمه الله أنه لم يأت فى هذا الباب بما خالف فيه كل من
تقدم والسنة والمعقول، بل قد أتى بماله سلف فيه من السنة وأقوال الصحابة والتابعين، وسلك
مسلكا جمع به بين مختلف الحديث، ولم يرد بعضه ببعض، كما فعل غيره من العلماء.
تأويل ما فى "المبسوط" من استبعاد محمد قول أبى حنيفة فى الوقف.
ولعمرى! لقد وقف شعرى واقشعر جلدى حين رأيت فى "المبسوط" للسرخسى أن
محمداً قد استبعد قول أبى حنيفة هذا، وسماه تحكما على الناس من غير حجة وقال: ما أخذ الناس
بقول أبى حنيفة وأصحابه إلا بتركهم التحكم على الناس، فإذا كانوا هم الذين يتحكمون على
الناس بغير أثر ولا قياس لم يقلدوا هذه الأشياء، ولو جاز التقليد كان من مضى من قبل أبى حنيفة
مثل الحسن البصرى وإبراهيم النخعى رحمهما الله أحرى أن يقلدوا اهـ (٢٨:١٢).

١١٦
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
إعلاء السنن
١
وظنى: أن هذا ليس من كلام محمد أصلا، بل هو إلحاق قد دسه فى كلامه حاسد،
أو معاند، لأنه قد أيد قول أبى حنيفة فى الحجج له، وقواه وشيده بالآثار والنظر والنقل والعقل،
ورد على أهل المدينة بقوله: قد جاءت فى الحبس آثار كثيرة على ما قال أبو حنيفة، ولا نعلم أن
لكم فى الحبس أثرا واحدا إلى أن قال بعد سرد الآثار، فهذا ما عليه الفقهاء وأهل العلم ببلادنا قد
رونة الفقهاء من كل وجه كما تقدم ذلك كله فتذكر. فهل يسع لمن يرى الآثار واردة على ما قال
أبو حنيفة أن يستبعد قوله، ويسميه تحكما على الناس من غير حجة؟ كلا لا يجوز ذلك أبدًا،
ولا أظن محمدا أنه قال ما حكاه السرخسى عنه قط، فإما أن يكون الدس قد وقع فى"مبسوط
السرخسى"، أو فى "مبسوط محمد"، والله أعلم، وبالجملة كلام أبى حنيفة قوى من حيث المعنى
والمبنى، وإن كان الناس لم يأخذوا به لكون الآثار مشتهرة عن الصحابة ومن بعدهم بلزوم الوقف
مطلقًا من غير تقييد شىء منه بحكم الحاكم، أو الإضافة إلى ما بعد الموت بطريق الوصية، كذا فى
"المبسوط" (٣٠:١٢) ملخصا بمعناه.
وفى "أحكام الوقف" لهلال بن يحيى بن مسلم الرائى صاحب أبى يوسف ما نصه: قلت:
أرأيت رجلا قال: أرضى هذه - وسمى حدودها- صدقة موقوفة، ثم لم يزد على ذلك شيئا، قال
أبو حنيفة رحمه الله: هذا كله باطل لا يجوز، ولا يكون وقفا، وله أن يحدث فيه ما بدا له بعد
ذلك، وهذا قول العامة من أهل الكوفة، (ثبت به أن أبا حنيفة لم لم ينفرد بذلك) مسعر عن ابن
عون الثقفى عن شريح قال: جاء محمد عليه السلام ببيع الحبيس، وكان أبو حنيفة رحمه الله يحتج
بهذا الحديث، ويقول: إن قضى قاض فأنفذ ذلك أجزته، لأنه مما يختلف فيه الفقهاء، فإذا قضى
قاضٍ فأجاز ذلك جاز، أبو يوسف عن عطاء بن السائب قال: سألت شريحًا عن دار حبسها
صاحبها على الآخر فالآخر من ولده، قال: إنما أقضى ولا أفتى فأعدت عليه المسألة، فقال: لا حبس
عن فرائض الله تعالى.
وبلغنا: أن ابنة لعبد الله بن مسعود رضى الله عنه قالت لعبد الله: لو وقفت داری صدقة،
فكره ذلك عبد الله بن مسعود، وقال: أدعها على فرائض الله تعالى، وأما قولنا وقول أبى يوسف:
فهذا وقف صحيح جائز، يكون أصل الأرض وقفا ويتصدق بغلتها على المساكين، وما جاء فى
الأحاديث فى إجازة الوقف أكثر وأظهر من حديث ابن مسعود وبها نأخذ (قلت: لا منافاة بينها
وبين حديث ابن مسعود، كما يظهر لك من التأمل فيما ذكرناه).

ج - ١٣
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
١١٧
قال: وبلغنا عن رسول الله عّ لّه أنه أمر عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن يوقف أرضا له،
فوقفها عمر بأمر رسول الله عَّ خله. (قلت: كان قد وقفها بطريق الوصية، كما دل عليه ما ذكرناه
من نسخة وقفه برواية أبى داود، وأبو حنيفة لم ينكر لزوم مثل هذا الوقف المضاف إلى ما بعد
الموت، فتذكر) ووقف على بن أبى طالب رضى الله عنه والزبير بن العوام وغيرهما من أصحاب
رسول الله عَ ظُلّه ورضى عنهم، (قلت: نعم لا يجحده جاحد ولا ينكره منكر، وغايته أن الوقف
مستحب ثبت فعله عن الصحابة، وأما إنه لا زم بمجرد الوقف أو إذا كان بطريق الوصية فقد ذكرنا
أن أصل هذه الوقوف وهو وقف عمر كان بطريق الوصية فظاهر كون سائرها كذلك، ومن ادعى
غير ذلك فعليه البيان) قال: وحديث عثمان فى بئر رومة ووقوف أصحاب رسول الله عَ لّ إلى
اليوم الناس على هذا فأى حجة أوضح من هذه؟ وهذه أخبار متواترة لا يجوز ردها اهـ (ص٦).
قلت: لم يردها أبو حنيفة رحمه الله وما ذلك له بخلق، وإنما حملها على الوقف بطريق
الوصية بدليل ما مر ذكره مستوفى، والعجب من هلال بن يحيى أنه وافق أبا حنيفة فيما إذا قال
الرجل: أرضى هذه صدقة، وسمى موضعها وحدودها، ولم يزد على هذا شيئا، فقال: إنه ينبغى له
أن يتصدق بأصلها على الفقراء والمساكين، أو يبيعها ويتصدق بثمنها على المساكين، ولا يكون
وقفا، لأنها بمنزلة النذر، ألا ترى أنه لو قال: إن هذه الدراهم صدقة، كان عليه أن يتصدق بها على
المساكين، وهذا بمنزلة رجل يقول: لله على أن أتصدق بهذه الدراهم، فنيته أن يتصدق بها، ولا
تجبره على ذلك، ألا ترى أن الفقهاء اختلفوا فقال قائلون منهم: إذا قال: مالى صدقة إن فعلت كذا
وكذا، إن عليه كفارة يمين، وقال آخرون: يتصدق به، ولم يقل أحد من الفقهاء: إن ماله وقف،
وكذلك الباب الأول، ووافقه أيضا فيما إذا قال: أرضى هذه موقوفة، ولم يزد على ذلك، قال: لا
تكون أرضه هذه صدقة ولا وقفًا، لأن قوله: وقف، ليس له معنى يعرف ما أراد به، ألا ترى أن
الأرض توقف للدين أو الأمر يكون فتقول: قد وقفت هذه الأرض لدينى أو حبستها لدينى (أو
لنوائبى) أو تقول: هذه الأرض بعد وفاتى لعيالى، ولا يبيعوها، فإذا كان قوله: قد وقفت هذه
الأرض يحتمل معنى وقف دون وقف بالأصل، ومعنى وقف للدين فلم تجعله على وقف الأصل
دون وقف الدین.
وقال أهل البصرة: كل وقف لا يكون آخره للمساكين فليس بوقف، وإن قال: صدقة
موقوفة، حتى يجعل آخرها للمساكين، ولم يزل على ذلك حكام البصرة اهـ (ص٣ و٥)، وفيه
اعتراف بأن قوله: صدقة موقوفة ليس بنص فى الصدقة على المساكين، بل يحتمل الصدقة على

١١٨
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
إعلاء السنن.
الأهل والعيال، ولذا لم يقل حكام البصرة بصحة الوقف بذلك حتى يجعل آخرها للمساكين، وهذا
عين ما قاله أبو حنيفة، فمن أين لهلال بن يحيى أن يخالفه فى ذلك، ويلزمه بوقوف أصحاب
رسول الله عَّ؟ فإن أكثر أوقافهم إنما كانت بلفظ الصدقة كما لا يخفى على من مارس الأحاديث
والآثار، فإن كانت وقوفهم حجة في لزومها مطلقًا فلتكن حجة فى لزومها بلفظ الصدقة أيضاً
وحدها، وهو لا يقول بها.
فالحق ما قاله أبو حنيفة: إن الوقف لا يلزم بقوله: هذه صدقة أو هذه موقوفة أو هذه صدقة
موقوفة حتى يجعل آخرها للمساكين، ويضيفه إلى الحياة وما بعد الموت، فإن تواتر الأخبار بوقوف
أصحاب النبى معَّ ◌ُلّه لا تفيد إلا مشروعية الوقف فحسب، وأما إنه يصير لازمًا بمجرد قوله: هذه
صدقة أو هذه موقوفة أو هذه صدقة موقوفة، فلا دلالة فيها على ذلك، وليست بمتواترة فى هذا
المعنى البتة بل هى متجاذبة فى ذلك، فليس قول أبى حنيفة بعدم لزومه فيما إذا قال: أرضى هذه
صدقة موقوفة إلا كقول من قال(١) بعدم لزومه فيما إذا قال: أرضى هذه صدقة، أو قال: مالى فى
المساكين صدقة، ولم يتصدق بها، أو قال: أرضى هذه موقوفة.
والفرق بينه وبين الأول، وهو قوله: أرضى هذه صدقة موقوفة بأن (٢) فد علمنا أنه يرد بقوله:
موقوفة، وقف الدين، لأنه فال ذلك مع قوله: صدقة، ولأنه ذكر حبس أصلها وتصدق بها،
وخرجت بقوله، موقوفة من أن يكون نذرًا، وكذلك الوقف الجائز، ألا ترى إلى قول رسول
الله عَّه لعمر بن الخطاب: ((إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها)) جمع بين الحبس والصدقة؟
فإذا اجتمعا كان الوقف جائزًا، ليس بأولى من قول أبى حنيفة إن عمر رضى الله عنه قال بعد ذلك:
لولا أنى ذكرت صدقتى لرسول الله عَو ◌ّ لرددتها وهو مرسل صحيح، كما مر، وفيه دلالة على عدم لزوم
الوقف، وجوار رده باجتماع الكلمتين أيضاً ولو سلمنا فقول شريخ: جاء محمد عّ لّه ببيع الحبيس،
وقوله: لا حبس عن فرائض الله، وقول على وابن مسعود نحوه يفيد عدم لزوم الوقف من أصله.
ولا يخفى: أن إعمال الآثار كلها أولى من إعمال بعضها وإهمال بعضها، فالصحيح ما قلنا
من صحة الوقف بمعنى النذر ما دام الواقف حيا مع عدم لزومه، وكونه مقسومًا على فرائض الله
.. بعد موته إلا أن يكون قد أضافه إلى ما بعد الموت بطريق الوصية، كما فعله عمر أو قضى قاض
بلزومه فيلزم، والله تعالى أعلم.
(١) قال به هلال بن یحیی نفسه: کما صرح به فی "أحکام الوقف" له (ص٢ و٥).
(٢) صرح بهذا الفرق هلال بن يحيى نفسه فى "أحكام الوقف" (ص٧).

ج - ١٣
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
١١٩
٤٤٩٣- عن ابن عمر أن عمر أصاب أرضًا من أرض خيبر فقال: يا رسول الله!
أصبت أرضًا بخير لم أُصب مالا قط أنفس عندى منه فما تأمرنى؟ فقال: إن شئت
حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق بها عمر على أن لا تباع ولا توهب ولا تورث
قوله: عن ابن عمر أن عمر إلخ قال الحافظ فى الفتح: قال السبكى: اغتبطت بما وقع فى
رواية يحيى بن سعيد عن نافع عند البيهقى تصدق بثمره وحبس أصله لا يباع لا يورث، وهذا
ظاهره أن الشرط من كلام النبى عَّ بخلاف بقية الروايات، فإن الشرط فيها ظاهره أنه من
كلام عمر.
قلت: قد تقدم من طريق صخر بن جويرية عن نافع بلفظ: فقال النبى معَّله: ((تصدق بأصله
لا يباع ولا يورث ولا يوهب، ولكن ينفق ثمره)» وهى أتم الروايات وأصرحها فى المقصود، فعزوها
إلى البخارى أولى، وقد علقه البخارى فى المزارعة بلفظ: قال النبى معَ ◌ّة لعمر: ((تصدق بأصله
لا يباع ولا يوهب ولكن لينفق ثمره)» وحكيت هناك أن الداودى الشارح أنكر هذا اللفظ، ولم
يظهر لى إذ ذاك سبب إنكاره، ثم ظهر لى أنه بسبب التصريح برفع الشرط إلى النبى معَ ◌ّه إلا أنه لو
كان الشرط من قول عمر فما فعله إلا لما فهمه من النبى عّلٍّ حيث قال له: احبس أصلها، وسبل
ثمرتها اهـ (٣٠٠:٥).
قلت: وإذا وقع التردد فى كون الشرط من كلام النبى ◌ّ له، فكيف يحتج به من لا حجة
عنده فى أحد دون رسول الله عّ لّ كابن حزم ومن وافقه من أهل الظاهر، فما ذا على أبى حنيفة إن
أنكر لزوم الوقف والحال هذه؟ لا سيما وقد ثبت خلاف ما فى حديث عمر هذا عن على وابن
مسعود رضى الله عنهما أنه لا حبس عن فرائض الله، وإذا اختلفت أقوال الصحابة فلا حجة فى
أحد دون غيره، وللمجتهد أن يختار منها ما هو أقرب إلى الأصول عنده.
قال الموفق فى "المغنى": ولم ير شريح الوقف، وقال: لا حبس عن فرائض الله، وهذا مذهب
أهل الكوفة (ذهابا منهم إلى قول على وابن مسعود وأصحابهما)، وذهب أبو حنيفة إلى أن الوقف
لا يلزم بمجرده، وللواقف الرجوع فيه إلا أن يوصى به بعد موته فيلزم أو يحكم بلزومه حاكم،
. وحكاه بعضهم عن على وابن مسعود وابن عباس، وخالفه صاحباه، فقالا كقول سائر أهل العلم.
الجواب عن إيراد الموفق على أبى حنيفة بأنه خالف الإجماع فى الوقف . . ..
قال: وهذا القول يخالف السنة الثابتة عن رسول الله عليه، وإجماع الصحابة رضى الله
عنهم، فإن النبي ◌ِّه قال لعمر فى وقفه: ((لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث)) (فيه ما

١٢٠
مشروعية الوقف وأنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب
إعلاء السنن
فى الفقراء وذوى القربى والرقاب والضيف وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن
يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول، وفى لفظ: غير متأثل مالا. رواه الجماعة، وفى
حديث عمرو بن دينار قال فى صدقة عمر: ليس على الولى جناح أن يأكل ويؤكل
قد تقدم من التردد فى كونه من كلام النبى مَّظّ أو من كلام عمر، وأين الإجماع وقد ثبت عن
على وابن مسعود، لا حبس عن فرائض الله، وبه قال شريح، ورواه عن النبى عدّ له مرسلا كما
تقدم؟) قال الترمذى رحمه الله: العمل على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبى مع اليه
وغيرهم لا نعلم بين أحد من المتقدمين منهم فى ذلك اختلافًا اهـ (١٨٦:٦).
قلت: لا خلاف بينهم فى صحة الوقف ومشرعيته، وأما لزومه فهو مختلف فيه عندهم كما
مر، ولا يلزم من عدم علمه بذلك علم العدم، وقد أثبت غيره خلاف شريح وإبراهيم النخعى
وأصحاب عبد الله فى ذلك، وقال أحمد: إن قول شريح هو مذهب أهل الكوفة كما ذكره الموفق،
فأين الإجماع مع خلافهم وفيهم الفقهاء والمحدثون من أصحاب على وابن مسعود رضى الله عنهما
وأصحاب أصحابهم وعليهم دارت الفتوى والقضاء كما لا يخفى على من مارس تاريخ الإسلام؟
الجواب عن إيراد الحافظ فى "الفتح" على الطحاوى:
قال الحافظ فى "الفتح": وحديث عمر هذا أصل فى مشروعية الوقف، ثم أسند من طريق
أحمد عن نافع عن ابن عمر قال: أول صدقة -أى موقوفة- كانت فى الإسلام صدقة عمر.
(قلت: بل صدقة عثمان، فإنه اشترى بئر رومة مقدم النبى معَّ لّ المدينة، وجعلها للمسلمين،
كما فى "فتح البارى" (٣٠٥:٥). اللهم إلا أن يقال: إن أول صدقة موقوفة حبس أصلها، وتصدق
بمنفعتها صدقة عمر، فإن عثمان كان قد تصدق بأصل البئر ومنفعتها جميعًا)، وقال أبو حنيفة:
لا يلزم، وخالفه جميع أصحابه إلا زفر، وحكى الطحاوى عن عيسى بن أبان عن أبى يوسف أنه
قال حين بلغه حديث عمر: لو بلغ أبا حنيفة لقال به، ومع حكاية الطحاوى هذا فقد انتصر كعادته،
فقال: قوله فى قصة عمر: حبس الأصل وسبل الثمرة، لا يستلزم التأييد بل يحتمل أن يكون أراد
مدة اختياره لذلك اهـ، ولا يخفى ضعف هذا التأويل، ولا يفهم من قوله: وقفت وحبست إلا
التأييد حتى يصرح بالشرط عند من يذهب إليه، وكأنه لم يقف على الرواية التى فيها حبيس ما
دامت السماوات والأرض اهـ (٣٠١:٥).
قلت: لم ينتصر الطحاوى لأبى حنيفة فى هذه المسألة بل انتصر لأبى يوسف ومحمد
والجمهور واختار قولهم: وقال: فإلى هذا أذهب وبه أقول من طريق النظر اهـ (٢: ٢٥١)، ولكنه