Indexed OCR Text
Pages 61-80
ج - ١٣ إذا جاء المفقود وقد تزوجت امرأته ٦١ ٤٤٥٤- قال هشيم: وأخبرنا إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى أنه قال فى امرأة المفقود: إذا تزوجت فبلغها أن زوجها الأول حى يفرق بينها وبين الثانى واعتدت منه امرأته، ففرق عمر بينهما وردها إليه (١٣٤:١٠). وهذا سند صحيح، وهو صريح فيما قلنا: إن نكاح الثانى لم يكن يبطل عند عمر بمجرد قدوم الأول، بل باختياره المرأة وبتفريق الحاكم بينها وبين الثانى، وروى ابن حزم أيضًا من طريق عبد الرزاق نا ابن جريج عن عطاء ابن أبى رباح فى امرأة المفقود قال: تتربص أربع سنين من يوم يتكلم ثم يطلقها وليه يأخذ بالوثاق، ولا يمنع زوجها (المفقود) تلك الطلقة أن يراجعها، وإن كانت البتة فتعتد عدة الوفاة، فإن جاء فاختارها اعتدت من الآخر، وإن اختار صداقها غرمته هى من مالها، ولم تعتد من الآخر وقرت عنده كما هى اهـ (١٣٧:١٠) فقوله: ولم تعتد من الآخر وقرت عنده كما هى صريح فى أن الأول إن اختار الصداق لم يحتج الثانى إلى تجديد النكاح، ولا إلى انقضاء العدة بل يكون معها على نكاحه كما كان. قول عمر بنفاذ قضاء القاضى ظاهرًا وباطنًا فى العقود والفسوخ: هذا هو المتبادر من الآثار المروية عن عمر رضى الله عنه، وليس ذلك إلا لكون قضاء القاضى بالفرقة نافذا ظاهرًا وباطنًا عنده، ومقتضاه أن لا يكون للأول خيار، لكونها بانت منه بفرقة. الحاكم، ولكن عمر رضى الله عنه خيره نظرا للجانبين، فكما أن للحاكم أن يفرق بينها وبين الأول نظراً لجانب المرأة وتضررها بفقده كذلك له أن يفرق بينها وبين الثانى إذا اختار الأول امرأته نظرا لجانب الرجل إذا تبين عذره فى الغيبة، ولكن الآخذين بقول عمر لا يقولون بذلك، كما ذكره الموفق، فثبت ترجيح قول على رضى الله عنه، ومعنى قوله: إذا جاء زوجها الأول فهى امرأته ولا خيار له، أنه لا يخير بين أخذ الصداق وبين إبقاء نكاحها من الثانى، وليس معناه أنه لا يخير بين أخذها وطلاقها، فإن الطلاق بيد الزوج له أن يطلقها متى شاء. قال شمس الأئمة فى "المبسوط": وأما تخيير عمر إياه بين أن يردها عليه وبين المهر فهو بناء على مذهب عمر رضى الله عنه فى المرأة إذا نعى إليها زوجها فاعتدت وتزوجت ثم أتى الزوج الأول حيا أنه یخیر بین أن ترد علیه وبین المهر، وقد صح رجوعه عنه إلی قول علی رضی الله عنه، فإنه كان يقول: ترد إلى زوجها الأول ويفرق بينها وبين الآخر، ولها المهر بما استحل من فرجها، ولا يقربها الأول حتى تنقضى عدتها من الآخر، وبهذا كان يأخذ إبراهيم رحمه الله تعالى فيقول: قول على رضى الله عنه أحب إلى من قول عمر رضى الله عنه، وبه نأخذ أيضًا، لأنه تبين أنها تزوجت وهى منكوحة، ومنكوحة الغير ليست من المحللات بل هى من المحرمات فى حق سائر ٦٢ إذا جاء المفقود وقد تزوجت امرأته إعلاء السنن فإن مات الأول اعتدت منه أيضا وورثته. رواه سعيد أيضا (المحلى ١٣٨:١٠ مختصر) وسنده صحيح. الناس، كما قال الله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء﴾، فكيف يستقيم تركها مع الثانى، وإذا اختار الأول المهر ولكن يكون النكاح منعقدا بينهما فكيف يستقيم دفع المهر إلى الأول، وهو بدل بضعها، فيكون مملوكا لها دون زوجها، كالمنكوحة إذا وطئت بشبهة، فعرفنا أن الصحيح أنها زوجة الأول، ولكن لا يقربها لكونها معتدة لغيره كالمنكوحة إذا وطئت بالشبهة اهـ (٢٧:١١). وقال ابن حزم فى "المحلى": ومن العجب قول مالك: إن جاء الزوج -أى المفقود- قبل أن تتزوج فهو أولى بها، وهى امرأته كما كانت، فيقال لمن قلده: ومن أين قلت هذا وأنت قد قطعت عصمته منها وأبحت لها أن تنكح من شاءت، و کیف تردها إلى أجنبی قد أبحت لها نكاح زوج سواه من أجل تأخيرها نكاحًا قد ربحته لها عادت إلى زوج قد فسخت نكاحها منه؟ هذا مع أنه قول لا يحفظ عن أحد قبل مالك، فأعجبوا لهذا الاختيار (قلت: لمالك أن يقول: كان فسخ النكاح بینه وبینها فى الظاهر دون الباطن، فإذا تبین کونه حیا بطل الفسخ، وعادت إليه كما كانت) ثم يقال لهم: ومن أين قلتم فى أحد قوليه من أنه إذا جاء الزوج وقد تزوجت إلا أنه لم يدخل بها فهى زوجة الأول، وإن جاء بعد دخول الثانى بها فلا سبيل له عليها؟ فقولوا لنا: هل دخل الزوج الثانى على زوجته أو على أجنبيته؟ فإن قالوا على زوجته، قلنا: فمن أين أبحتم فرج زوجته التى أحللتم له الدخول بها لإنسان قد فسختم نكاحه منها وحرمتموها عليه وعقدتم نكاحها مع غيره؟ وإن قالوا: بل دخل على غير زوجته فمن أين استحللتم أن تبيحوا له وطئ غير زوجته؟ فلاح يقينًا أنها أقوال فاسدة متخاذلة خطأ لا شك فيها. (قلت: وهذا عين ما أورده محمد فى الحجج له على المالكية (ص: ٣٥٤)، ولكنه التزم الأدب معهم، ولم يقذع فى الكلام كإقذاع ابن حزم ههنا). قال ابن حزم: وقد قال بعضهم: إنما فعلنا ذلك بما روی عن عمر رضى الله عنه ذلك فی ابی كنف، فقلنا: هذا تمويه آخر، وهل فعل عمر ذلك فى أبى كنف إلا إذا أطلق امرأته وأعلمها بالطلاق ثم راجعها ولم يعلمها بالرجعة، فمن الذى أدخل هذه القضية فى تلك؟ (فإن الطلاق قاطع للعصمة وقد وجد، والرجعة مشكوك فيها، وغيبة المفقود ليست بقاطعة للعصمة وعوده أرجى من رجعة المطلق فافترقا) مع أن هذين القولين جميعًا لا يحفظان عن أحد من أهل العلم أنه قاله قبل مالك، ولا يجدونه أبدا، فأعجبوا لفحش هذا التقليد إذ قلدوا قولا لا يعرف أحد قاله قبل مالك خالفوا فيه كل قول لصاحب أو تابع، رأوا فى تلك القصة التى أوهموا فيها أنهم يحتجون ببعض ٦٣ ج - ١٣ إذا جاء المفقود وقد تزوجت امرأته ٤٤٥٥- عن شعبة أنه سمع حماد بن أبى سليمان يقول: قال عمر فى امرأة المفقود: تخير، وقال على: هى امرأته، قال حماد: وعمر أحب إلى من على، وقول على أعجب إلى من قول عمر، رواه سعيد بن منصور. "المحلى" (١٣٩:١٠) وسنده صحيح. ٤٤٥٦- عن داود عن الشعبى عن مسروق قال: لولا أن عمر خير المفقود بين امرأته أو الصداق لرأيت أنه أحق بها، رواه البيهقى (التلخيص الحبير ٣٢٩:٢) وسكت الحافظ عنه، والمذكور من السند صحيح. رواه البيهقى فى سننه (٧: ٤٤٦) من طريق الشافعى أنا الثقفى عن داود بن أبى هند عن الشعبى عن مسروق به إلخ، وهذا سند صحیح. ٤٤٥٧- محمد قال: أخبرنا إسرائيل بن موسى حدثنا سماك بن حرب عن أشياخ من أهل المدينة أن امرأة فقدت زوجها، فتزوجت فجاء زوجها، فقال على رضى الله عنه: هى امرأته، وقال عمر: إن أخذ امرأته رد الصداق، كتاب الحجج (ص ١٣٦) وسنده صحيح غير ما فيه من جهالة أشياخ من أهل المدينة، ولا تضر لا سيما وقد عدلوا بلفظ الأشياخ. ٤٤٥٨- عن زاذان عن على أنه قضى فى التى تزوج فى عدتها أنها يفرق بينهما، الصحابة رضى الله عنهم وبالله التوفيق اهـ (١٤٢:١٠). قلت: قد ثبت عند مالك قول عمر فى امرأة أبى كنف، ولم يثبت عنده رجوعه عنه، فقاس عليه امرأة المفقود، فلا لوم على مجتهد قد قلد قول عمر إن خالفه الناس، فافهم. قوله: عن شعبة إلخ فيه ترجيح المجتهد قول على رضى الله عنه على قول عمر، وقد عرفت أنه أشبه بالكتاب والسنة وأوفق للقياس. توله: عن داود إلخ دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة. قوله: محمد قال أخبرنا إسرائيل إلخ اختلفت الروايات عن عمر رضى الله عنه فى تخيير الأول بين امرأته وبين الصداق، فأكثر الروايات على أنه إذا اختار المرأة ردت إليه بلا شىء، ولا غرامة عليه، ورواية الحجج هذه توجب عليه رد الصداق الذى أصدقها الثانى، وهذا اختلاف شديد يقتضى طرح الروايات كلها، وترجيح قول على فى الباب. قوله: عن زاذان إلخ دلالته على الجزء الأخير من الباب ظاهرة، لكون نكاح المعتدة أهون من ٦٤ إعلاء السنن ولها الصداق بما استحل من فرجها، رواه الشافعى، وروى الثورى عن أشعث عن الشعبى عن مسروق عن عمر أنه رجع فقال: لها مهرها، ويجتمعان إن شاءا، رواه البيهقى (التلخيص الحبير ٣٢٨:٢)، وسكت الحافظ عنه، فهو صحيح أو حسن، والمذكور من السند رجاله رجال الصحيح. ٤٤٥٩- أخبرنا أبو حنيفة حدثنا حماد بن أبى سليمان عن إبراهيم النخعى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال: إذا طلق الرجل امرأتع تطليقة أو تطليقتين ثم أشهد على رجعتها قبل أن تنقضى عدتها ولم يبلغها ذلك حتى تزوج فإنه يفرق بينها وبين زوجها الآخر، ولها الصداق بما استحل من فرجها، وهى امرأة الأول ترد إليه، رواه محمد فى الحجج له (ص: ٣٧٦)، وهو مرسل صحيح، ومراسيل النخعى فى حكم المسانيد كما مر غير مرة. باب إذا قدم المفقود وقد تزوجت امرأته وولدت فھی له والأولاد للثانی ٤٤٦٠- روى سعيد فى سننه عن عمران بن كثير أن عبيد الله بن الحر تزوج نكاح امرأة المفقود، فإن من المعتدة من تنقطع عصمتها ويبطل نكاحها كمعتدة البائن، ولا كذلك امرأة المفقود فهى امرأته فى قول على أو هو أحق بها إذا قدم فى قول عمر كما تقدم، فلما استحقت المعتدة العقر على من نكحها فى العدة فامرأة المفقود أولى بهذا الاستحقاق، تأمل. قوله: أخبرنا أبو حنيفة إلخ، قلت: هذه نظيرة امرأة المفقود بعينهما، لكونهما جميعاً قد تزوجتا بزوج آخر بظن انقطاع عصمتها من الأول، فإذا كان لإحداهما الصداق بما استحل الثانى من فرجها، كان لنظيرتها أيضًا، وبالجملة فيجب المهر للموطوءة فى نكاح فاسد والموطوءة بشبهة بغير خلاف نعلمه، صرح به الموفق فى "المغنى"، قال: وقد روى أبو داود بإسناده أن رجلا يقال له: نصر بن أكتم نكح امرأة فولدت لأربعة أشهر، فجعل النبى معَّه لها الصداق، وفى لفظ قال: الصداق لما استحللت من فرجها، فإذا ولدت فاجلدوها اهـ (٩٧:٨ و١٠٠). يجب المهر للموطوءة بنكاح فاسد وللموطوءة بشبهة إجماعاً باب إذا قدم المفقود وقد تزوجت امرأته وولدت فھی له والأولاد للثانی قوله: روى سعيد فى سننه عن عمران إلخ قلت: ولا يظن بأهل الجارية أنهم زوجوها ٦٥ ج - ١٣ جارية من قومه يقال لها: الدرداء، فانطلق عبيد الله فلحق بمعاوية، ومات أبو الجارية، فزوجها أهلها رجلا يقال له: عكرمة، فبلغ ذلك عبيد الله فقدم، فخاصمهم إلى على رضى الله عنه فقصوا عليه قصتهم، فرد عليه المرأة، وكانت حاملا من عكرمة فوضعت على يدى عدل، فقالت المرأة لعلى رضى الله عنه: أنا أحق بمالى أو عبيد الله؟ قال: بل أنت أحق بمالك، قالت: فاشهدوا أن ما كان لى على عكرمة من صداق له فهو له، فلما وضعت ما فى بطنها ردها على عبيد الله بن الحر، وألحق الولد بأبيه، ذكره الموفق فى "المغنى" (١٠١:٨) واحتج به، رواه البيهقى فى السنن (٤١٣:٧) من طريق سعيد بن منصور عن هشيم عن الشيبانى أخبرنى عمران بن كثير أن عبيد الله بن الحر فذكره. باب ينفق على زوجة المفقود وأولاده الصغار من ماله ٤٤٦١- نا أبو عوانة عن أبى بشر عن عمرو بن هرم عن جابر بن زيد عن بعكرمة وهم يعلمون بحياة زوجها، ولو كان كذلك لاستحقوا التعزير والنكال الشديد، فالظاهر أنهم لم يعلموا بلحوق عبيد الله بمعاوية، ولم يطلعوا له على أثر، ففعلوا بامرأته ما كان يفعل بامرأة المفقود فى زمان عمر رضى الله عنه. ودلالة قوله: والحق الولد بأبيه، على معنى الباب ظاهرة، قال الموفق فى "المغنى": فإن غاب عن زوجته سنين فبلغتها وفاته فاعتدت ونكحت نكاحاً صحيحاً فى الظاهر ودخل بها الثانى وأولدها أولادًا ثم قدم الأول فسخ نكاح الثانى، وردت إلى الأول، وتعتد من الثانى، ولها عليه صداق مثلها، والأولاد له، لأنهم ولدوا على فراشه، روى ذلك عن على رضى الله عنه، وهو قول الثورى وأهل العراق وابن أبى ليلى ومالك وأهل الحجاز والشافعى وإسحاق وأبى يوسف وغيرهم من أهل العلم، إلا أن أبا حنيفة قال: الولد للأول، لأنه صاحب الفراش، لأن نكاحه صحيح ثابت، ونكاح الثانى غير ثابت، فأشبه الأجنبى اهـ (٥٧:٩). قلت: ولكن المذهب الذى رجع إليه الإمام أن الأولاد للثانى وعليه الفتوى، وإنما يكون الولد للأول إذا أتت به لأقل من ستة أشهر من عقد الثانى لعدم تصور العلوق منه، وكانت فراشًا للأول قبل عقد الثانى عليها، فإذا لم يتصور العلوق من الثانى كان الولد للأول وإن أتت به لستة أشهر من عقد الثانى أو لأكثر منها فالأولاد له دون الأول، لأن الولد للفراش الحقيقى وإن كان فاسدا، وتفصيل المسألة وبسط الأقوال فى "رد المحتار" (١٠٣٨:٢) فليراجع. باب ينفق على زوجة المفقود وأولاده الصغار من ماله قوله: نا أبو عوانة إلخ قلت: دلالته على معنى الباب ظاهرة، والمختار عندنا قول ابن عمر: إن ٦.٦ ينفق على زوجة المفقود وأولاده الصغار من ماله إعلاء السنن ابن عباس وابن عمر قالا جميعا فى امرأة المفقود: تنتظر أربع سنين، قال ابن عمر: ينفق عليها فيها من مال زوجها، لأنها حبست نفسها عليه، قال ابن عباس: إذا يحجف ذلك امرأة المفقود ينفق عليها من مال زوجها لأنها زوجته، وقد حبست نفسها عليه، وقول ابن عباس: يحجف ذلك بالورثة ليس بقوى، لأن استدانتها وقضائها الدين من نصيبها من الميراث إحجاف بها، لا سيما إذا صبرت إلى موت أقرانه أو إلى أن يأتيها يقين موته، قال الموفق فى "المغنى": وإن اختارت امرأة المفقود المقام والصبر حتى يتيقن أمره فلها النفقة ما دام حيا، وينفق عليها من ماله حتى يتبين أمره، لأنها محكوم عليها بالزوجية فتجب لها النفقة، كما لو علمت حياته، فإذا تبينّ أنه مات أو فارقها فلها النفقة إلى يوم موته أو بينونتها منه، ويرجع عليها بالباقى، لأنا تبينا أنها أنفقت مال غيره أو أنفقت من ماله وهى غير زوجة له، وإن رفعت أمرها إلى الحاكم فضرب لها مدة فلها النفقة لأن فى مدة التربص ومدة العدة، لأن مدة التربص لم يحكم فيه بينوتها من زوجها، فهى محبوسة عليه بحكم الزوجية، فأشبه ما قبل المدة، وأما مدة العدة فلأنها غير متيقنة، بخلاف عدة الوفاة، فإن موته متيقن (فلا يقال: إن قول ابن عمر وابن عباس ينفق عليها بعد أربع سنين أربعة أشهر وعشرا من جميع المال يفيد وجوب النفقة لمعدة الوفاة، والمذهب أن لا نفقة للمتوفى عنها زوجها، لأنا نقول: إن قولهما إنما هو فيمن لم يتيقن بموت زوجها، وضرب لها الحاكم مدة يحكم بعدها بموته، فليست هذه المتوفى عنها زوجها، فينفق عليها فى مدة التربص ومدة العدة جميعًا فافهم). وما بعد العدة إن تزوجت أو فرق الحاكم بينهما سقطت نفقتها، لأنها أسقطتها بخروجها عن حكم نكاحه وإن لم تتزوج ولا فرق الحاكم بينهما فنفقتها باقية، لأنها لم تخرج بعد من نكاحه، وإن قدم الزوج بعد ذلك وردت إليه عادت نفقتها من حين الرد، ثم ذكر ما ذكرنا فى المتن من الأثر (١٣٩:٩). وفى "الهداية": والأصل أن كل من يستحق النفقة فى ماله حال حضرته بغير قضاء القاضى ينفق عليه من ماله فى غيبته، لأن القضاء حينئذ يكون إعانةً، (لأن لهم أن يأخذوا حاجتهم من ماله إذا كان جنس حقهم من النقد والثياب، فكان إعطاء القاضى إن كان المال عنده أو تمكينهم إن كان عندهم إعانةً لا قضاءٍ على الغائب، فإنهم كانوا مأوذنين شرعًا أن يتناولوا بأنفسهم "فتح القدير". وكل من لا يستحقها فى حضرته إلا بالقضاء، لا ينفق عليه من ماله فى غيبته، لأن النفقة حينئذ تجب بالقضاء والقضاء على الغائب ممتنع اهـ (٣٦٩:٥). (فائدة فى حكم قسمة مال المفقود) : : قال الموفق فى "المغنى": وهو -أى المفقود- نوعان: أحدهما الغالب من حاله الهلاك، وهو ٦٧ ج - ١٣ ينفق على زوجة المفقود وأولاده الصغار من ماله بالورثة ولكن تستدين، فإن جاء زوجها أخذت من ماله، فإن مات قضت من نصيبها من يفقد فى مهلكة، فهذا ينتظر به أربع سنين، فإن لم يظهر له خبر قسم ماله، واعتدت امرأته عدة الوفاة، وحلت للأزواج، نص عليه الإمام أحمد، وهذا اختيار أبى بكر (من الحنابلة) ولم يفرق سائر أهل العلم بين هذه الصورة وبين سائر صور الفقدان فيما علمنا إلا أن مالكا والشافعى رضى الله عنهما فى القديم وافقا على الزوجة أنها تتزوج خاصة، والأظهر من مذهبه - أى الشافعى - مثل قول الباقين (أنها لا تتزوج) فأما ماله فاتفقوا على أنه لا يقسم حتى تمضى مدة لا يعيش فى مثلها على ما سنذكره فى الصورة الأخرى إن شاء الله تعالى، لأنه مفقود لا يتحقق موته فأشبه التاجر والسائح، ولنااتفاق الصحابة رضى الله عنهم على تزويج امرأته على ما ذكرناه. (قلت: فى اتفاقهم نظر، فإن خلاف على وابن مسعود وأصحابهما فى ذلك مشهور كما قدمناه) وإذا ثبت ذلك فى النكاح مع الاحتیاط للأبضاع ففی المال أولی (قلنا: لم يثبت ذلك عندنا فى النكاح فلا يثبت فى المال أيضًا، ولمالك والشافعى فى القديم أن الأصل البقاء فلا يزول عنه بالشك، وإنما صرنا إلى إباحة التزويج لأقوال الصحابة، ولأن بالمرأة حاجة إلى النكاح صونا لها عن الزنا وضرراً فى الانتظار، فاختص ذلك بها، ولا يقسم ماله حتى تعلم وفاته). قال: النوع الثانى من ليس الغالب هلاكه، ولم يعلم خبره ففيه روايتان: إحداهما: لا يقسم ماله، ولا تتزوج امرأته حتى يتيقن موته أو يمضى مدة لا يعيش فى مثلها، وذلك مردود إلى اجتهاد الحاكم، وهذا قول الشافعى رضى الله عنه ومحمد بن الحسن، وهو المشهور عن مالك وأبى حنيفة وأبى يوسف، لأن الأصل حياته، والتقدير لا يصار إليه إلا بتوقيف، ولا توقيف ههنا فوجب التوقف عنه. والثانية: أنه ينتظر به تمام تستعين سنة مع سنة يوم فقد، وهذا قول عبد الملك بن ماجشون، لأن الغالب أنه لا يعيش أكثر من هذا، وقال عبد الله بن الحكم: ينتظر به إلى تمام سبعين سنة مع سنة يوم فقد، ولعله يحتج بقول النبى معرّ له: ((أعمار أمتى ما بين السبعين والستين) أو كما قال: ولأن الغالب أنه لايعيش أكثر من هذا فأشبه التسعين اهـ (٢٠٧٠٧). وفى المحلى لابن حزم: واختلفوا فى ميراثه هل يقسم؟ فروينا أن فى خلافه عثمان رضى الله عنه قسم ميراثه إذا أبيح لامرأته الزواج اهـ (١٤١:١٠)، قلت: لم يكن ذلك فى المفقود بل فى من جاء النعى بموته، كما قدمنا، فتذكر. لا يرث المفقود أحد قبل حكم الحاكم بموته، ولا يرث أحدًا ويوقف له نصيبه حتى يتبين أمره فائدة: قال الموفق فى "المغنى": واتفق الفقهاء على أنه لا يرث المفقود إلا الأحياء من ورثته ٦٨ ينفق على زوجة المفقود وأولاده الصغار من ماله إعلاء السنن من الميراث، ثم قالا جميعا: ينفق عليها بعد الأربع سنين أربعة أشهر وعشرا من يوم قسم ماله، لا من مات قبل ذلك ولو بيوم اهـ، قال: واختلفن مات وفى ورثته مفقود، فمذهب أحمد وأكثر الفقهاء على أنه يعطى كل وارث من ورثته اليقين، ويوقف الباقى حتى يتبين أمره أو تمضى مدة الانتظار، فتعمل المسألة على أنه حى ثم على أنه ميت، وتضرب إحداهما فى الأخرى إن تباينتا أو فى وفقهما إن اتفقتا، وتجتزئ بإحداهما إن تماثلتا أو بأكثرهما إن تناسبتا، وتعطى كل واحد أقل النصيبين ومن لا يرث إلا من أحدهما لا تعطيه شيئًا وتقف الباقى اهـ (٢٠٨:٧ و٢٠٩) قلت: وهذا هو مذهب الحنفية فى الباب، كما فى الشريفية شرح السراجية (ص: ١٣٨). تفصيل الاختلاف فى قضية المفقود: فائدة: قال أبو محمد بن حزم: اختلف السلف فى اثنى عشر موضعا من هذه القصة - أى قصة المفقود- وهى من المفقود والتأجيل؟ ومن متى يبدأ التأجيل، وكم التأجيل؟ وهل بعد التأجيل طلاق الولى؟ وهل بعد ذلك عدة الوفاة؟ وحكم تخيير الزوج إن قدم، وفيما ذا يخّير؟ وعلى من غرم الصداق إن اختاره؟ وأى صداق يكون؟ وهل يقسم ميراثه؟ وهل تعتق أمهات أولاده؟ فأما من المفقود؟ فإن كل من روى عنه فى هذا شىء لم يفرق بين أحوال الفقد، وهم عمر وعثمان وعلى وابن مسعود وابن عباس وابن عمر، ومن التابعين الحسن وخلال بن عمرو، وإبراهيم النخعى والحكم بن عتيبة وعطاء والزهرى ومكحول والشعبى، وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب وقتادة، وأبو الزناد وربيعة وحماد بن أبى سليمان وابن أبى ليلى، وابن شبرمة وعثمان البتى وسفيان الثورى وهشيم والحسن بن حى، والأوزاعى والليث وأبو حنيفة والشافعى وداود وأصحابهم، حاشا مالكا وأحمد وإسحاق، فإن مالكا قال: ليس هذا الحكم فى المفقود فى الحرب، ولا نعلم هذا عن أحد قبل مالك، وقال أحمد وإسحاق: ليس هذا الحكم فيمن خرج عن أهله ففقد. وأما التأجيل: فإن كل من ذكرنا روى التأجيل -أى تربص أربع سنين- حاشا روايات عن على وابن مسعود ورواية عن الشعبى ورواية عن النخعى وحماد بن أبى سليمان وأبى ليلى وابن شبرمة وسفيان الثورى والحسن بن حى وأبى حنيفة والشافعى وداود وأصحابهم (فإن أولئك فقهاء الكوفة، ومن وافقهم من أهل الحديث ذهبوا إلى قول على أنها امرأة ابتليت فلتصبر، ولا تتزوج حتى يأتيها اليقين). ٦٩ ينفق على زوجة المفقود وأولاده الصغار من ماله ج - ١٣ جميع المال رواه سعيد بن منصور، قال ابن حزم: هذا صحيح عن ابن عباس وابن عمرو (المحلى ١٣٥:١٠). وأما متى يبدأ التأجیل فی قول من قال به؟ فإن أكثر من ذکرنا یری مبدأه من حین یرفع أمرها إلى الإمام، حاشا رواية ضعيفة عن عمر أنه أمرها بإتمام أربع سنين من حين غاب، وقال بعضهم: تربص أربع سنين، ولم يجدوا من حين تبدأ (قلت: ولكن يحمل المجمل على ما صح عن عمر مفسراً) وأما كم التأجيل؟ فإن من ذكرنا يراه أربع سنين إلا سعيد بن المسيب ومالكا، قال سعيد: أرى أن تؤجل امرأة من فقد فى الصف سنة، ومن فقد فى غير الصف أربع سنين، وقال مالك: إن كان عبدا أجلت له عامين، ولا يعلم هذا عن أحد قبله. وأما طلاق الولى بعد التأجيل فإنه صح عن عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب، (وفيه نظر، لكونه خلاف المشهور عن على كما ذكرنا) والحسن وعطاء. وأما هل بعد ذلك عدة وفاة، فإنه قد ذكرنا عن عمر وعثمان وعمر بن عبد العزيز تربص أربعة أعوام، ثم تتزوج دون ذكر عدة وفاة، وصح عن عثمان وابن عباس وابن عمر وعلى والحسن . وعطاء وأبى الزناد وربيعة أنها تعتد أيضا عدة الوفاة، (قـت: والذى صح عن عثمان إنما هو فيمن نعى إليها زوجها كما تقدم) وفى بعض تلك الروايات أنها تعتد أيضًا من الطلاق. وأما تخيير الزوج إذا قدم فثابت عن عمر وعثمان وعلى، (قلت: خلاف المشهور عنه، والذى ثبت عن عثمان؛ فإنما هو فى من نعى إلى أهله، فتذكر) ولم يرد عن صاحب رأى التأجيل خلاف ذلك، وصح أيضا عن الحسن وخلاس وإبراهيم وعطاء والحكم بن عتيبة والزهرى ومكحول والشعبى، (قلت: واختلفت الروايات عن بعضهم، كما هو ظاهر لمن مارس الأخبار) وروينا عن كل من ذكرنا عنه تخيير الزوج أنه يخير بين زوجته وبين الصداق، إلا رواية عن عمر صحيحة أنه خيره بين زوجته وبين أن يزوجه من أخرى. واختلف بعضهم فيمن يغرم الصداق إن اختاره الزوج، فقال جمهور من ذكرنا: يغرمه الزوج الآخر، وقال الزهرى: تغرمه المرأة، واختلفوا أيضا أى الصداق يقضى له به إن اختاره؟ فقال جمهورهم: صداقه الذى كان أصدقها هو، وقال خلاس بن عمرو: بل صداق الزوج الآخر. قلت: وقد صح عن عمر أن الأول إن اختار المرأة والصداق أى الصداق الذى أصدقها الثانى كما فى المتن). واختلفوا هل تعتق أمهات أولاده؟ فقال قتادة: تعتق إذا أبيح لزوجة الزواج، وإنما قضى بذلك فى خلافة عثمان رضى الله عنه، (وفيه ما فيه، فتذكر) وقال بعضهم: لا يعتقن (حتى يأتى خبر موته أو يمضى عليه مدة لا يعيش فى مثلها) واختلفوا فى ميراثه هل يقسم؟ فروينا أن فى خلافة ٧ إعلاء السنن کتاب الشركة باب جواز الشر کة وثبوتها شر عا قال الله تعالى: ﴿فهم شركاء فى الثلث﴾ وقال حاكيا عن داود النبى عليه السلام: ﴿وإن من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾. ٤٤٦٢- عن أبى هريرة رفعه قال: إن الله يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما. رواه أبو داود، وسكت عنه هو والمنذرى، وصححه الحاكم (نيل الأوطار ١٣٥:٥). عثمان رضى الله عنه قسم ميراثه إذا أبيح لامرأته الزواج، (وفيه ما فيه، فتذكر) (١٤٠:١٠ و١٤١). وفى "رد المحتار" تحت قول الدر: ولا يفرق بينه وبينها، ولو بعد مضى أربع سنين، خلافا لمالك ما نصه: فإعنده تعتد زوجة المفقود عدة الوفاة بعد مضى أربع سنين (من مرافعتها إلى الإمام) وهو مذهب الشافعى القديم. وأما الميراث: فمذهبهما كمذهبنا فى التقدير بتسعين سنة أو الرجوع إلى رأى الحاكم، وعند أحمد إن كان يغلب على حاله الهلاك فهذا بعد أربع سنين يقسم ماله، وتعتد زوجته، بخلاف ما إذا لم يغلب عليه الهلاك، فإنه يفوض للحاكم فى رواية عنه، وفى أخرى يقدر بتسعين من مولده كما فى "شرح ابن الشحنة" أهـ (٥١٠:٣). کتاب الشركة باب جواز الشر کة وثبوتها شرعًا قوله: قال الله تعالى الاية - قال صاحب الهداية: الشركة جائزة، لأنه عدّ له بعث والناس يتعاملون بها فقررهم عليه، قال: والشركة نوعان: شركة أملاك وشركة عقود، فشركة الأملاك: العين يرثها رجلان أو يشتريانها، وشركة العقود ركنها الإيجاب والقبول إلخ. قلت: فشركة الأملاك دليلها قوله تعالى: ﴿فهم شركاء فى الثلث﴾، وقوله: ﴿وإن كثيرا من الخلطاء﴾ يحتملها جميعًا، وشرع من قبلنا شرع لنا إذا لم ينكره الشارع، كما تقرر فى الأصول. قوله: عن أبى هريرة إلخ أعله ابن القطان بالجهل بحال سعيد بن حيان، وقد ذكره ابن حبان فى "الثقات"، أعله أيضًا ابن القطان بالإرسال، فلم يذكر فيه أبا هريرة، وقال: إنه الصواب، ولم يسنده غير أبى همام محمد بن الزبرقان، وأخرج نحوه أبو القاسم الأصبهانى فى"الترغيب والترهيب" عن حكيم بن حزام، كذا فى "النيل" (١٣٦:٥). قلت: محمد بن الزبرقان من رجال ٧١ ج - ١٣ جواز الشركة وثبوتها شرعًا ٤٤٦٣- عن السائب بن أبى السائب أنه قال للنبى عدّ: كنت شريكى فى الجاهلية، فكنت خير شريك لا تدارينى ولا تمارينى. رواه أبو داود وابن ماجه، ولفظه: كنت شريكى، ونعم الشريك كنت لا تدارى ولا تمارى. وأخرجه النسائى والحاكم، وصححه (النيل ١٣٦:٥). ٤٤٦٤- عن أبى المنهال أن زيد بن أرقم والبراء بن عازب كانا شريكين، فاشتريا فضة بنقد ونسيئه، فبلغ النبى عّ لّ فأمرهما أن ما كان بنقد فأجيزوه، وما كان بنسيئة فردوه. رواه أحمد والبخارى، ولفظه: ((ما كان يدا بيد فخذوه وما كان نسيئة فردوه)). (نيل الأوطار ١٣٧:٥). الجماعة إلا الترمذى صدوق من الثامنة (تقريب ص: ١٨٢) وقد زاد الوصل، والزيادة من الثقة مقبولة فزالت العلة وصلح الحديث للاحتجاج به، قال المحقق فى "الفتح": ولا شك أن كون الشركة مشروعة أظهر ثبوتا مما به ثبوتها من هذا الحديث ونحوه، إذ التوارث والتعامل بها من لدن النبى معَّ وهلم جرا متصل لا يحتاج إلى إثبات حديث ينه، فلهذا لم يزد المصنف على ادعاء تقريره عَّ عليها اهـ (٣٧٧:٥). وقال الموفق فى "المغنى": الشركة هى الاجتماع فى استحقاق أو تصرف، وهى ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب والسنة فذكر منهما ما ذكرناه فى المتن، ثم قال: وأجمع المسملون على جواز الشركة فى الجملة، وإنما اختلفوا فى أنواع منها نبينها إن شاء الله تعالى اهـ (١٠٩:٥). قوله: عن السائب بن أبي السائب إلخ، الحديث مضطرب متنا وإسنادًا، فقد رواه أحمد بن حنبل من حديث عبد الله بن عثمان بن خيثم عن مجاهد عن السائب أن النبى معَّ قال له يوم الفتح: مرحبا بأخى وشريكى كان لا يدارى ولا يمارى، وقال السهيلى: إنه تثير الاضطراب، فمنهم من يرويه عن السائب، ومنهم من يرويه عن قيس بن السائب، ومنه من يرويه عن عبد الله بن السائب، وهذا اضطراب لا يثبت به شىء، ولا تقوم به حجة (فتح القدير ٣٧٧:٥). والجواب أن ذلك إنما يصح إذا أراد الحجة فى تعيين القائل: لا تدارى ولا تمارى. وإنما غرضنا وهو ثبوت مشاركته عّ لّ فثابت على كل حال، ولعل الراجح فى الإسناد كونه عن السائب ابن السائب، كما فى سنن أبى داود وابن ماجه ومستدرك الحاكم و"المجتبى" للنسائى، وإذا ترجح إحدى الطرق على الأخرى زال الاضطراب، فافهم. قوله: عن أبى المنهال إلخ دلالته على ثبوت الشركة ظاهرة، ولا دلالة فيه على جواز الشركة ٧٢ إعلاء السنن باب شركة المفاوضة ٤٤٦٥- عن صالح بن صهيب عن أبيه قال: قال رسول الله عَ لّه: ثلاث فيهن البركة، البيع إلى أجل، والمقارضة، وإخلاط البر بالشعير للبيت لا للبيع، وفى بعض نسخ ابن ماجة: المفاوضة بدل المقارضة، رواه ابن ماجه (فتح القدير ٣٨١:٥ ونصب الراية ١٦٧:٢). قلت: قال ابن ماجة: حدثنا الحسن بن على الخلال ثنا بشر بن ثابت البزار ثنا نصر بن القاسم عن عبد الرحیم بن داود عن صالح بن صھیب به ونصر وعبد الرحيم وصالح مجاهيل، قال البخارى: وهذا موضوع (التهذيب ٤٣٢:١٠). باب جواز الشركة بالإشارة والمعنى دون اللفظ ٤٤٦٦- يذكر أن رجلا ساوم شيئًا فغمزه آخر، فرأى عمر أن له شركة، علقه بأن تكون الدنانير من أحدهما والدراهم من الآخر كما لا يخفى وسيأتى حكمها إن شاء الله تعالى. باب شركة المفاوضة قوله: عن صالح بن صهيب إلخ، قلت: فالحديث ليس بصالح للاحتجاج به، وقال في "الهداية": وهذه الشركة جائزة عندنا استحسانا، وفى القياس لا تجوز، وهو قول الشافعى، وقال مالك: لا أعرف ما المفاوضة؟ وجه الاستحسان قوله عَّه: ((فاوضوا فإنه أعظم للبركة))، (هذا الحديث لم يعرف فى كتب الحديث أصلا) (فتح القدير). وكذا الناس يعاملونها من غير نكير، وبه يترك القياس، قال المحقق فى "الفتح: لأن التعامل كالإجماع، ولو منع ظهور التعامل بها على الشروط التى ذكرتم من من المساواة فى جميع ما يملكه من النقود بل على شرط التفويض العام كما عن مالك أمكن اهـ (٥: ٣٨١). قلت: والظاهر أن أهل العراق تعاملوها فقط دون أهل الحجاز، فلذا لم يعرفها مالك، وعرفها فقهاء العراق، وقيدوها بقيود تعاملها الناس بها، فإن الوارد على خلاف القياس يقتصر على مورده على ما تقرر فى الأصول، وأيضًا فجواز أصل الشركة فى الشرع يستدعى جواز جميع أنواع الشركة التى تعاملها المسلمون من غير نكير، فلا تقبل دعوى الاختصاص بالبعض إلا بدليل، وقول مالك: لا أعرف ما المفاوضة؟ ليس بحجة على من عرفها من فقهاء العراق، وكان بها من الصحابة والتابعين عدد كثير، كما لا يخفى على من مارس علم الرجال، فتعامل أهلها بشىء من غير نكير حجة كتعامل أهل الحجاز، فافهم. باب جواز الشركة بالإشارة والمعنى دون اللفظ قوله: يذكر أن رجلا إلخ، قال الحافظ فى "الفتح": وهذا يدل على أنه كان لا يشترط ٧٣ ج - ١٣ البخارى ووصله سعيد بن منصور من طريق إياس بن معاوية أن عمر أبصر رجلا يساوم سلعة وعنده رجل فغمزه حتى اشتراها، فرأى عمر أنها شركة (فتح البارى ٩٦:٥). باب الشركة فى الطعام وقول الرجل: أشركنى ٤٤٦٧- عن زهرة بن معبد أنه كان يخرج به جده عبد الله بن هشام إلى السوق فيشترى الطعام، فيلقاه ابن عمر وابن الزبير فيقولان له: أشركنا فإن النبى عّ لّه قد دعا للشركة صيغةً، ويكتفى فيها بالإشارة إذا ظهرت القرينة، وهو قول مالك اهـ، وفى "الدر المختار": وركنها -أى ماهيتها- الإيجاب والقبول ولو معنًى اهـ، قال "الشامى": قوله: ولو معنى، يرجع إلى كل من الإيجاب والقبول (٣: ٥٢٠). قلت: ولكن شركة المفاوضة لا تصح عندنا إلا بلفظ المفاوضة أو بيان جميع مقتضياتها إن لم يذكرا لفظها بأن يقول أحدهما وهما حران بالغان مسلمان أو ذميان، شاركتك فى جميع ما أملك من نقد وما تملك على وجه التفويض العام من كل منا للآخر فى التجارات والنقد والنسيئة، وعلى أن كلا ضامن عن الآخر ما يلزمه من أمر كل بيع (فتح)، كذا فى "الشامية" (٥٢٢:٣). ولا يخفى أن الأثر المذكور فى المتن إنما هو فى الشركة فى الشراء، وهى شركة ملك لا شركة عقد، فلا يدل على جواز شركة العقد بالإشارة ونحوها، فافهم، وكونها شركة ملك صرح به الشامى فى "رد المحتار" (٥٤٤:٣)، وهى لا تتوقف على اللفظ، بل قد تثبت جبرا بلا اختيار، كما لو ملكا مالا بإرث أو اختلط مالهما بلا صنع من أحدهما، وقد تثبت باللفظ، كما لو ملكا مالا يبيع أو شراء، ولا يخفى أن البيع يجوز بالتعاطى، كما يجوز بالإيجاب والقبول لفظا، فكذا شركة الملك به، والله تعالى أعلم. باب الشركة فى الطعام وقول الرجل: أشركنى قلت: وهذا أيضًا من شركة الملك دون شركة العقد، قال فى "الدر المختار": ومن اشترى عبدًا مثلا فقال له آخر: أشركنى فيه، فقال: فعلت، إن قبل القبض لم يصح (لأن الإشراك يبتنى على صيرورة المشترى بائعا للذى أشركه، فلو أشركه قبل القبض لم يصح، لكونه بيع ما لم يقبض وهو منهى عنه)، وإن بعده صح، ولزمه نصف الثمن، وإن لم يعلم بالثمن خير عند العلم به، قال الشامى: لا يخفى أن هذه الشركة شركة ملك اهـ (٣: ٥٤٤). التنبيه على غفلة الحافظ: فما قاله الحافظ فى "الفتح": تحت قول البخارى باب الشركة فى الطعام وغيره ما نصه: ٧/٤ الشركة فى الطعام وقول الرجل: أشر كنى إعلاء السنن لك بالبركة فيشركهم، فربما أصاب الراحلة كما هى فيبعث بها إلى المنزل رواه البخارى (فتح البارى ٩٧:٥). أى من المثليات، والجمهور على صحة الشركة فى كل ما يتملك، والأصح عند الشافعية اختصاصها بالمثلى، وسبيل من أراد الشركة بالعروض عندهم أن يبيع بعض عرضه المغلوم ببعض عرض الآخر المعلوم، ويأذن له فى التصرف، وفى وجه لا يصح إلا فى النقد المضروب كما تقدم. وعن المالكية تكره الشركة فى الطعام، والراجح عندهما الجواز اهـ (٦٦:٥). ليس فى محله، وكدا قوله: فيقولان له: أشركنا هو شاهد الترجمة، لكونهما طلبا منه الاشتراك فى الطعام الذى اشتراه، فأجابهما إلى ذلك وهم من الصحابة، ولم ينقل عن غيرهم ما يخالفه فيكون حجة اهـ (٦٧:٥). لما عرفت أن الأثر إنما هو فى شركة الملك، ولا نزاع فى جواز شركة الملك فى الطعام وغيره من المثليات وذوات القيم، والنزاع إنما هو فى جواز شركة العقد -أى المفاوضة والعنان- بغير النقدين من الذهب والفضة، والفلوس النافقة، فمنعه الحنفية، وقال الأكثر: يصح فى كل مثلى، ولا حجة لهم فى هذا الأثر لما بينا، قال ابن بطال: أجمعوا على أن الشركة الصحيحة أن يخرج كل واحد مثل ما أخرج صاحبه، ثم يخلطا ذلك حتى لا يتميز، ثم يتصرفا جميعًا إلا أن يقيم كل واحد منهما الآخر مقام نفسه، وأجمعوا على أن الشركة بالدراهم والدنانير جائزة، لكن اختلفوا إذا كانت الدنانير من أحدهما والدراهم من الآخر، فمنعه الشافعى ومالك فى المشهور عنه، والكوفيون إلا الثورى انتهى. (قلت: والحنفية إنما منعوه فى المفاوضة إن تفاوتت قيمتها، ولم يمنعوه فى العنان مطلقا لاشراط المساواة فى الأولى دون الأخرى، صرح به فى الدر والشامية ٥٢٧:٣ و٥٢٨)، وزاد الشافعى أن لا يختلف الصفة أيضًا كالصحاح والمكسرة، وقد اختلف العلماء فى الدراهم المغشوشة والتبر وغير ذلك، فقال الأكثر: يصح فى كل مثلى، وهو الأصح عند الشافعية، وقيل: يختص بالنقد المضروب اهـ (٩٥:٥ "فتح البارى"). قلت: وعندنا لا تصح المفاوضة ولا العنان إلا بالنقدين والفلوس النافقة، ولا تجوز بالعروض أصلا إلا بالحيلة التى مر ذكرها فى كلام الحافظ، وأما التبر والنقرة فإن جرى التعامل بهما صحت، وإلا فكالعروض، والدراهم المغشوشة إن كان الغالب عليها الفضة ففى حكم الصحاح، وإلا فكالعروض والله تعالى أعلم، واتفقوا على ذلك فى المضاربة، قال ابن حزم: والقراض إنما هو بالدنانير والدراهم، ولا يجوز بغير ذلك إلا بأن يعطيه العرض، فيأمره ببيعه بثمن محدود، وبأن يأخذ الثمن فيعمل به قراضًا، لأن هذا مجمع عليه وما عداه مختلف فيه، ولا نص پإيجابه، ٧٥ ج - ١٣ باب جواز شركة الأبدان ٤٤٦٨ - عن أبى عبيدة عن عبد الله قال: اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر، قال: فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ ما وعمار بشىء. رواه "أبو داود و "النسائى" و"ابن ماجة"، وهو منقطع، لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله بن ولا حكم لأحد فى ماله إلا بما أباح له النص، وممن منع من القراض بغير الدنانير والدراهم الشافعى ومالك وأبو حنيفة وأبو سليمان وغيرهم اهـ (٢٤٠:٨). باب جواز شركة الأبدان قوله: عن أبى عبيدة إلخ، قال الشوكانى: استدل بحديث أبى عبيدة على جواز شركة الأبدان كما ذكره المصنف - أى صاحب المنتقى - وهى أن يشترك العاملان فيما يعملانه، فيو كل كل واحد منهما صاحبه أن يتقبل ويشمل عنه فى قدر معلوم مما استؤجر عليه ويعينان الصنعة، وقد ذهب إلى صحتها مالك بشرط اتحاد الصنعة، وإلى صحتها ذهبت العترة وأبو حنيفة وأصحابه، وقال الشافعى: شركة الأبدان كلها باطلة، لأن كل واحد منها متميز ببدنه ومنافعه، (فلا يتحقق الخلط وهو شرط الشركة عنده)، فيختص بفوائده، وهذا كما لو اشتركا فى ماشيتهما، وهى متميزة ليكون الدر والنسل بينهما فلا يصح، وأجابت الشافعية عن هذا الحديث بأن غنائم بدر كانت لرسول الله عَ لّه يدفعها لمن يشاء اهـ (١٣٨:٥). والجواب بالمنع كما تقدم فى باب الجهاد، فإن غنائم بدر ما كانت لرسول الله عّ لّه ملكا بل كانت إليه تصرفا وتنفيلا، قال الموفق فى "المغنى": وقال أبو حنيفة: يصح - أى شركة الأبدان- فى الصناعة، ولا يصح فى اكتساب المباح كالاحتشاش والاغتنام، لأن الشركة مقتضاها، الوكالة، ولا تصح الوكالة فى هذه الأشياء، لأن من أخذها ملكها، وفى هذا الحبر حجة على أبى حنيفة، لأنهم اشتركوا فى مباح وفيما ليس بصناعة، وهو يمنع ذلك اهـ (١١٢:٥). والجواب بالمنع، فلا نسلم أنهم اشتركوا فى مباح بل اشتركوا فيما يستحقونه من الغنيمة، وليست كمثل الصيد من أخذها ملكها، وإنما يملكها الغانمون بقسمة الإمام وتنفيله، وليس النفل من المباحات، لما قدمنا أن القاتل لا يستحق سلب القتيل بمجرد قتله بل يتنفيل الإمام، وليس للقاتل أن يأخذه مستبدا بنفسه بدون إذنه، ولا نسلم أيضا أنهم اشتركوا فيما ليس بصناعة، فإن القتال وأسر العدو من أغرب الصنائع وأحمزها، ولهذا ترى الناس يأخذون فنونها، وقواعدها من أساتذة هذا الفن، قاله الشيخ عبد الغنى المجددى فى إنجاح الحاجة لكشف سنن ابن ماجه" (ص١٦٦)، ٧٦ جواز شركة الأبدان إعلاء السنن مسعود (نيل الأوطار ١٣٨:٥) قلت: ولكن الدارقطنى (٣٦١:٢) صحح روايته عن أبيه، وقال: أبو عبيدة أعلم بحديث أبيه وبمذهبه وفتياه من نظراءه اهـ. فهو كاشتراك رجلين فى تعليم الكتابة والقرآن ونحوهما، فما رزق الله تعالى فهو بينهما، وذلك جائز عندنا، كما فى "الدر" والشامية (٥٣٧:٣)، فكذا هذا. الجواب من إيراد ابن حزم على الحنفية والمالكية فى هذا الباب: واندحض بذلك ما قاله ابن حزم فى "المحلى"، ونصه بعد ما أقذع فى الكلام: أول ذلك أن هذا خبر منقطع، لأن أبا عبيدة لا يذكر من أبيه شيئا، (قلنا: نعم! ولكنه أعرف الناس بحديث أبىه وبمذهبه، ولذا صحح الدارقطنى روايته عن أبيه كما ذكرناه فى المتن). قال: والثانى أنه لو صح لكان أعظم حجة عليهم؛ لأنهم أول قائل معنا ومع سائر المسلمين أن هذه شركة لا تجوز، (قلنا: وكيف لا تجوز وقد فعلها الصحابة بمحضر من النبى عرّ له وأقرهم عليه؟ وقال أحمد: أشرك بينهم النبى معٍَّ، كذا فى "المغنى" (١١٢:٥). والأثر قد احتج به أحمد، واحتجاج المجتهد بحديث تصحيح له) قال: وإنه لا ينفرد أحد من أهل العسكر بما يصيب دون جميع أهل العسكر، حاشا ما اختلفنا فيه من كون السلب للقاتل. (قلنا: ومن قال لك: إن شركة المجاهدين بالأبدان تستدعى انفراد أحد الشركاء بما يصيب؟ وهل هذا إلا التمويه بالباطل؟ وإنما تستدعى اشتراك الشركاء فيما يرزقهم الله تعالى). قال: والثالث: أن هذه شركة لم تتم، ولا حصل لسعد ولا لعمار ولا لابن مسعود من ذينك الأسيرين إلا ما حصل لطلحة بن عبيد الله الذى كان بالشام، ولعثمان بن عفان الذى كان بالمدينة، (قلنا: مبنى هذا القول على أنه عُّ قسم غنائم بدر بينهم بالسوية، وهو محمول عندنا على قسمة أربعة الأخماس منها بعد إخراج الخمس لله وللرسول عّ لّه، وبعد إخراج ما كان وعده لمن أسر الأساری أو على ما أخذوه بغیر قتال، فقد أخرج أبو دود فى سننه بسند صحيح عن ابن عباس أن رسول الله عّ لّه قال يوم بدر: من قتل قتيلا فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا. وفى "السير الكبير": وذكر عن موسى بن سعد بن زيد قال: نادى منادى رسول الله عَ ليه يوم بدر: ((من قتل قتيلا فله سلبه ومن أسر أسيرا فهو له))، فأعطى قاتل أبى جهل -لعنه الله- سلبه، وما أخذوا بغير قتال قسمه بينهم عن فواق -يعنى على سواء- وهكذا ذكره ابن عباس، وقد اتفقت الروايات أنه أعطى كل قاتل سلب قتيله يومئذ على ما ذكر عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: أخذ على سلب الوليد بن عتبة، وأخذ حمزة سلب عتبة، وأخذ عبيدة بن الحارث سلب شيبة، ٠ ج - ١٣ ٧٧ باب شر کة الوجوه ٤٤٦٩- أخبرنا مالك أخبرنا العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب أن أباه أخبره قال فدفع إلى ورثته لكونه مات قبل أن ينتهى إلى المدينة، كذا فى "بذل المجهود" (٤٧:٤). قال: فكيف يستحل من يرى العار عارا أن يحتج بشركة أبطلها الله تعالى ولم يمضها؟ (قلت: هذا كله تمويه بالباطل، فإنهم لم يكونوا اشتركوا فى شىء بعينه بل كانوا قد اشتركوا فيما يرزقهم الله تعالى يوم بدر، فهل ترى أن الله لم يرزقهم من غنائمه شيئا؟ وهب أن رسول الله عَ لّم قسمها بينهم بالسوية فهل من مانع من أن يكونوا بعد ذلك قد خلطوا ما صابهم ثم قسموه بينهم على الشركة؟). قال: والرابع أنهم يعنى -الحنفيين- لا يجيزون الشركة فى الاصطياد، ولا يجيزها المالكيون فى العمل فى مكانين، فهذه الشركة المذكورة فى الحديث لا تجوز عندهم، فمن أعجب ممن يحتج فى تصحيح قوله برواية لا تجوز عنده؟ (قلنا: قياسها على الشركة فى الاصطياد باطل وأبطل، فإن الصيد لمن أخذه، ولا كذلك الغنيمة والنفل والسلب، فإنها لمن أعطاها الإمام كما تقدم، فالشركة المذكورة فى الحديث جائزة عندنا كالشركة فى تعليم الكتابة وتعليم القرآن ونحوهما، وبهذا ظهر أن ما ذكره فى بذل المجهود" ههنا تبعا لابن الهمام ليس فى محله، والحق ما قاله الشوكانى، وإلى صحتها ذهبت العترة وأبو حنيفة وأصحابه اهـ، كيف لا وقد دل. كلام ابن حزم على أن من أجاز شركة الأبدان احتج برواية أبى عبيدة عن أبيه هذه، وبعيد عن الحنفية أن يحتجوا بهذا الحديث، ولا يقولوا بجواز الشركة المذكورة فيه فافهم، فلعل الحق لا يتجاوز عما قاله الشيخ عبد الغنى المجددى الدهلوى رحمه الله تعالى فى "إنجاح الحاجة": إن الظاهر أن هذه ليست بشركة فاسدة كاحتشاش واصطياد وسائر المباحات، (لما عرفت من أن الغنيم والنفل والسلب لا يملكها من أخذها) لأن المقاتلة من جملة (١) الصنائع، ولهذا ترى الناس يأخذون فنونها وقواعدها من أساتذة هذا الفن اهـ). باب شرکة الوجوه قوله: أخبرنا مالك إلخ، قال محمد: وبهذا نأخذ لا بأس بأن يشترك الرجلان فى الشراء (١) قال سيدى حكيم الأمة: ولا يخفى أن المقاتلة من جملة العبادات والطاعات، فجواز الشركة فيها إنما يصح على قول المتأخرين منا القائلين بجواز الإجارة والاستئجار على بعض الطاعات كالإمامة والأذان وتعليم القرآن، وإذا كان كذلك فلنقل بجواز أن يتخذ الإمام فوجا للجهاد بالأجرة كما هو عادة السلاطين فى هذا الزمان، لأن الحاجة إلى ذلك أشد من الحاجة إلى الاستئجار على الأذان والإمامة ونحوهما، فيتأمل ظ. ٧٨ شر کة الوجوه إعلاء السنن أخبرنى أبى قال: كنت أبيع البز فى زمان عمر بن الخطاب، وإن عمر بن الخطاب قال: لا يبيعه فى سوقنا أعجمى فإنهم لم يقيموا فى الميزان والمكيال، قال يعقوب: فذهبت إلى عثمان بن عفان، فقلت: هل لك فى غنيمة باردة؟ قال: ما هى؟ قلت: بز قد علمت مكانه ببيعه صاحبه برخص لا يستطيع بيعه، أشتريه لك ثم أبيعه لك، قال: نعم، فذهبت فصفقت بالبز، ثم جئت به فطرحت فى دار عثمان، فلما رجع عثمان فرأى العكوم فى داره قال: ما هذا؟ قالوا: بز جاء به يعقوب، قال: ادعوه لى، فجئت فقال: ما هذا؟ قلت: هذا الذى قلت لك. قال: أنظرته؟ قلت: كفيتك، ولكن رابه حرس عمر، قال: نعم، فذهب عثمان إلى حرس عمر، فقال: إن يعقوب يبيع بزى فلا تمنعوه، قالوا: نعم، فجئت بالبز السوق، فلم ألبث حتى جعلت ثمنه فى مزود وذهبت إلى عثمان وبالذى استريت البز منه، فقلت: عد الذى لك فاعتده، وبقى مال كثير، قال: فقلت لعثمان: هذا لك أما أنى لم أظلم به أحدا. قال: جزاك الله خيرا وفرح بذلك، قال: فقلت: أما أنى قد علمت مكان بيعها مثلها أو أفضل، قال: وعائد أنت؟ قال: قلت: نعم إن شئت، قال: قد شئت، قال: ففلت: إنى باغ خيرًا فأشركنى، قال: نعم بينى وبينك. أخرجه محمد فى "الموطأ" (ص: ٣٤٥) ويعقوب المدنى مولى الحرقة مقبول من الثانية، (تقريب ص: ٣٤٢) وبقية الإسناد صحيح على شرط مسلم. بالنسيئة، وإن لم يكن لواحد منهما رأس مال على أن الربح بينهما، والوضيعة على ذلك، قال: وإن ولى الشراء والبيع أحدهما دون صاحبه لا يفصل واحد منهما صاحبه فى الربح فإن ذلك لا يجوز أن يأكل أحدهما ربح ما ضمنه صاحبه، وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهاءنا اهـ (ص٣٤٦). وقال الموفق فى "المغنى": فأما شركة الوجوه فهو أن يشترك اثنان فيما يشتريان بجاههما، وثقة التجار بهما من غير أن يكون لهما رأس مال على أن ما اشتريا بينهما نصفين أو ثلاثا أو أرباعًا أو نحو ذلك، فما قسم الله تعالى فهو بينهما، فهى جائزة سواء عين أحدهما لصاحبه ما يشتريه، أو قدره أو وقته أو ذكر صنف المال أو لم يعين شيئا من ذلك بل قال: ما اشتريت من شىء فهو بيننا، قال أحمد فى رواية ابن منصور فى رجلين اشتركا بغير رؤوس أموالهما على أن ما يشتريه كل واحد منهما بينهما فهو جائز، وبهذا قال الثورى ومحمد بن الحسن وابن المنذر، وقال أبو حنيفة: لا يصح حتى يذكر الوقت أو المال أو صنفا من الثياب اهـ (١٢٢:٥). ٧٩ ج - ١٣ باب شر کة العنان وأحكامها ٤٤٧٠ - روينا من طريق وكيع عن سفيان الثورى عن أبى حصين قال: قال على ابن أبى طالب فى المضارب وفى الشريكين: الربح على ما اصطلحا عليه، رواه ابن حزم فى المحلى (١٢٦:٨)، وسنده صحيح مرسل، ورواه عبد الرزاق عن قيس بن الربيع عن أبى حصين عن الشعبى عنه (التلخيص ٢: ٢٥٥). ٤٤٧١ - ومن طريق وكيع عن سفيان الثورى عن هشام أبى كليب وعاصم الأحول وإسماعيل الأسدى قال إسماعيل: عن الشعبى، وقال عاصم: عن جابر بن زيد، قلت. لم يذكر أصحابه فى كتبهم عن أبى حنيفة ما ذكره الموفق عنه، بل صرحوا بأن شركة الوجوه نكون عامة وخاصة، ويكون كل من التقبل والوجوه عنانا ومفاوضة بشرطه، كما فى "الدر مع الشامية (٥٣٨:٣). وقال فى "المبسوط": وهذه الشركة عندنا تجوز عنانا ومفاوضة إلا أن المفاوضة لا تكون إلا باعتبار المساواة فى المشترى والربح جميعًا اهـ (١٠٤:١١) وقد تقدم أن المفاوضة هى المشاركة فى جميع ما يملكه الشريكان من نقد على وجه التفويض العام من كل منهما فى التجارات والنقد والنسيئة على أن كلا ضامن عن الآخر ما يلزمه من أمر كل بيع اهـ، والتفويض العام ينافى تخصيص الوقت أو المال أو صنف من الثياب ونحوها، كما لا يخفى، والله تعالى أعلم. باب شركة العنان وأحكامها قوله: روينا من طريق وكيع إلخ قلت: قوله فى الشريكين: الربح على ما اصطلحا عليه ظاهر فى شركة العنان؛ فإن المفاوضة لا تكون إلا بمساواتهما فى رأس المال والربح لا على ما اصطلحا عليه كما لا يخفى، وإنما يجوز الربح على ما اصطلحا عليه فى العنان، وقد وقع التصريح بها فى الأثر المذكور بعده، فإنه فى شريكين أخرج أحدهما مائة والآخر مائتين، وهذه ليست إلا شركة العنان، فإنها تصح مع التفاصيل فى المال دون الربح وعكسه، وبخلاف الجنس كدنانير من أحدهما ودراهم من آخر، وبخلاف الوصف كبيص وسود، وإن تفاوتت قيمتها والربح على ما شرطا ومع عدم الخلط كما فى "الدر" مع الشامية (٥٣٧:٣). وقال الموفق فى المغنى: النوع الثالث من أنواع الشركة هى شركة العنان، ومعناها: أن يشترك رجلان بماليهما على أن يعملا فيها بأبدانهما والربح بينهما، وهى جائزة بالإجماع، وذكره ابن المنذر، وإنما اختلف فى بعض شروطها اهـ (١٢٤:٨). ذكر ما أجمع عليه من أحكام الشركة: .. ولنذكر بعد ذلك من أحكام الشركة ما أجمع عليه أورد به الأثر، فإن أكثر أحكامها ٨٠ شركة العنان وأحكامها إعلاء السنن وقال هشام: عن إبراهيم النخعى قالوا كلهم فى شريكين أخرج أحدهما مائة والآخر مائتين: إن الربح على ما اصطلحا (١) عليه، والوضيعة على رأس المال. رواه ابن حزم أيضا فى "المحلى" (١٢٦:٨)، ورجاله ثقات، وهشام أبو كليب قال مغلطاى: هو ثقة، قال الحافظ فى "التلخيص" (٢٥٥:٧) ثم وجدته فی ثقات ابن حبان اهـ. لا يوجد فى المرفوع من الأحاديث، قال الموفق فى "المغنى": ولا خلاف فى أنه يجوز جعل رأس المال الدراهم والدنانير، فإنها قيم الأموال، وأثمان البياعات، والناس يشتركون بها من لدن النبى عَّه إلى زمننا من غير نكير، فأما العروض فلا تجوز الشركة فيها فى ظاهر المذهب، نص عليه أحد، وحكاه عنه ابن المذر، وذكره ذلك ابن سيرين ويحيى بن أبى كثير والثورى والشافعى وإسحاق، وأبو ثور وأصحاب الرأى اهـ (١٢٤:٨). قال الموفق: والربح على ما اصطلحا عليه يعنى فى جميع أقسام الشركة، ولا خلاف فى ذلك فى المضاربة المحضة، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن للعامل أن يشترط على رب المال ثلث الربح أو نصفه أو ما يجمعان عليه بعد أن يكون ذلك جزءً معلومًا من أجزاء، وأما شركة العنان، فيجوز أن يجعلا الربح على قدر المالين، ويجوز أن يتساويا مع تفاضلهما فى المال، وأن يتفاضلا فيه مع تساويهما فى المال، وبهذا قال أبو حنيفة، وقال مالك، والشافعى: من شرط. صحتها كون الربح والخسران على قدر المالين، لأن الربح فى هذه الشركة تبع للمال، ولنا أن العمل مما يستحق به الربح، فجاز أن يتفاضلا فى الربح مع وجود العمل منهما كالمضاربين الرجل واحد اهـ (١٤٠:٨). قلت: ويؤيدنا أثر على بن أبى طالب وقول الشعبى وجابر زيد والنخعى، كما ذكرناه فى المتن، وهذا صحابى لا يعرف له مخالف من الصحابة، ووافقه فقهاء التابعين فهو الحجة فى الباب، قال: والوضيعة على قدر المال، يعنى الخسران فى الشركة على كل واحد منهما بقدر ماله، فإن كان مالهما متساويان فى القدر فالخسران بينهما نصفين، وإن كان أثلاثا فالوضيعة أثلاثا، لا نعلم فى هذا خلافا بين أهل العلم، وبه يقول أبو حنيفة والشافعى وغيرهما، (قلت: وهو قول الشعبى وجابر بن زيد والنخعى كما هو مذكور فى المتن) وفى شركة الوجوه تكون الوضيعة على قدر (١) احتج ابن حزم بهذا الأثر وبما تقدمه على جواز عقد الشركة بين المسلم والذمى، ثم قال: هذا صاحب لا يعرف له من الصحابة مخالف، وقد خالفه الحنفيون والمالكيون، وخالفوا معه من ذكرنا من التابعين اهـ، وأحسن الله عزائنا فيك يا ابن حزم! فهل فى. هذه الآثار ذكر عقد الشركة بين المسلم والكافر؟ فإن كان هذا هو شأن الاستدلال فقد ضاع والله اسم فهم الحديث وفقهه.