Indexed OCR Text

Pages 661-680

٦٦١
محاربة أهل البغى وامتناع الخروج على الإمام
إعلاء السنن
٤٣٤٨- عن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله عَّ له
يقول: ((سيخرج قوم فى آخر الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول
خير البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من
الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة)). متفق عليه (نيل
الأوطار ٦٨:٧).
الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا.
حکم البداء بقتال البغاة قبل أن يبدأوا به:
قوله: "عن على بن أبى طالب إلخ". قلت: دل قوله عّ لّه (فأينما لقيتموهم فاقتلوهم)) على
جواز قتل البغاة قبل أن يبدأونا بقتال، وقال الشافعى: لا يجوز حتى يبدأونا بالقتال حقيقة؛ لأنه
لا يجوز قتل المسلم إلا دفعا، وهم مسلمون، بخلاف الكافر؛ لأن نفس الكفر مبيح عنده، ولنا أن
الحكم يدار على الدليل وهو الاجتماع والامتناع، وهذا لأنه لو انتظر الإمام حقيقة قتالهم ربما
لا يمكنه الدفع فيدار على الدليل ضرورة دفع شرهم، وإذا بلغه أنهم يشترون السلاح ويتأهبون
للقتال ينبغى أن يأخذهم، ويحبسهم حتى يقعدوا عن ذلك، ويحدثوا توبة دفعًا للشر بقدر
الإمكان، والمروى عن أبى حنيفة رحمه الله (من قوله: الفتنة إذا وقعت بين المسلمين فالواجب على
كل مسلم، أن يعتزل الفتنة، ويقعد فى بيته لقوله معَّ له: ((من فر من الفتنة أعتق الله رقبته من النار))،
وقال لواحد من الصحابة: ((كن حلسا من أحلاس بيتك)). رواه عنه الحسن بن زياد "فتح القدير")،
فمحمول على ما إذا لم يكن لهم إمام أما إعانة الإمام الحق، فمن الواجب عند الغناء والقدرة (وما
روى عن جماعة من الصحابة: ((أنهم قعدوا فى الفتنة)) محمول على أنه لم يكن لهم قدرة
ولا غناء، وربما كان بعضهم فى تردد من حل القتال اهـ. من "الهداية والفتح" ملخصا (٣٣٦:٥).
قلت: ويؤيد قوله: إن الحكم يدار على الدليل، ما رواه البزار من حديث عبد بن عمرو
مرفوعًا ((فى أمتى أشباه هذا يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم فإن خرجوا فاقتلوهم ثم إن خرجوا
فاقتلوهم قال ذلك ثلاثه) رجاله رجال الصحيح، كما فى "مجمع الزوائد" (٢٢٨:٦). والخروج
مفسر بالاجتماع والامتناع، كما هو ظاهر. قال الحافظ فى "الفتح": وفيه الكف عن قتل من يعتقد
الخروج على الإمام ما لم ينصب لذلك حربا، أو يستعد لذلك لقوله: فإذا خرجوا فاقتلوهم، وحكى
الطبرى الإجماع على ذلك فى حق من لا يكفر باعتقاده اهـ (٢٦٦:١٢).
والأولى أن لا يبدأ الإمام بالقتال ما لم يبدأوا به إذا لم يترتب عليه مفسدة، كذلك فعله

٦٦٢
ج - ١٢
محاربة أهل البغى وامتناع الخروج على الإمام
٤٣٤٩- عن أبى سعيد قال: قال رسول الله عَّ له: ((تكون أمتى فرقتين فيخرج من
على رضى الله عنه، وهو القدوة فى الباب، كما سيأتى.
وأسند الطبرى عن عمر بن عبد العزيز "أنه كتب فى الخوارج بالكف عنهم ما لم يسفكوا
دما حراما أو يأخذوا مالا، فإن فعلوا فقاتلوهم ولو كانوا ولدى"، ومن طريق ابن جريج قلت
العطاء: ما يحل لى قتال الخوارج؟ قال: إذا قطعوا السبيل وأخافوا الأمن. وأسند الطبرى عن الحسين
أنه سئل عن رجل كان يرى رأى الخوارج، ولم يخرج فقال: العمل أملك بالناس من الرأى ذكره
الحافظ فى "الفتح" (المذكورة)، وقوله: "إن قول أبى حنيفة الذى رواه عنه الحسن بن زياد محمول
على ما إذا لم يكن لهم إمام" يؤيده ما فى حديث حذيفة عند الشيخين وغيرهما "قلت: فهل بعد
ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها قلت: يا رسول
الله! صفهم لنا قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألستنا قلت: فما تأمرنى إن أدركنى ذلك؟ قال: تلزم
جماعة المسلمين وإمامهم قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال: فاعتزل تلك الفرق كلها،
ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك"، كذا فى "فتح البارى"
(٣٠:١٣ و٣١)، قال الحافظ فى "الفتح" عن الطبرى فى الحديث: إنه متى لم يكن للناس إمام
فافترق الناس أحزابا فلا يتبع أحدا فى الفرقة ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك خشية من الوقوع فى
الشر وعلى ذلك يتنزل ما جاء فى سائر الأحاديث، وبه يجمع بين ما ظاهر الاختلاف منها اهـ.
قوله: "عن أبى سعيد إلخ". دلالته على الباب ظاهرة، وفيه أيضا من أعلام النبوة آية كبرى،
فإن ظهور المارقة كان عند فرقة من المسلمين، وفيه أن أصحاب الجمل وصفين لم يكونوا من المارقة
طائفة أخرى خرجت بعد افتراق الأمة فرقتين وليست إلا الحرورية، وأهل النهروان الذين قتلهم
على بن أبى طالب رضى الله عنه وكان أولى الفرقتين بالحق ومات عمار بن ياسر رضى الله عنه قبل
ظهور المارقة، فما رواه الطبرانى فى "الأوسط" من طريق عامر بن سعد قال: قال عمار لسعد: أما
سمعت رسول الله عَّ له يقول: ((يخرج أقوام من أمتى يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية
يقتلهم على بن أبى طالب))، كما فى "فتح البارى" (٢٦٢:١٢).
لا حجة فيه لمن عد أهل الشام من أصحاب معاوية من المارقة، وإنما الحجة فى قول النبى عد اله
وفى قول على، فأما النبى عّ لّه فقد أفصح عن خروج المارقين عند فرقة من المسلمين، وهو أوضح
دليل على أنها طائفة غير الفرقتين كليهما، وأما على رضى الله عنه، فروى عنه زيد بن وهب عند
أحمد ومسلم أنه كان فى الجيش الذين كانوا مع أمير المؤمنين على الذين ساروا إلى الخوارج،

٦٦٣
محاربة أهل البغى وامتناع الخروج على الإمام
إعلاء السنن
بينهما ما رقة يلى قتلهم أولاهم بالحق -وفى لفظ- تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين.
فقال على: أيها الناس إنى سمعت رسول الله عَّ له يقول: ((يخرج قوم من أمتى يقرأون القرآن ليس
قراءتكم إلى قراءتهم بشىء يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم
يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع على
عضده مثل حلمة الثدى عليه شعيرات بيض قال فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء
القوم))، فذكر الحديث، وفيه: فقال أمير المؤمنين على رضى الله عنه: ((التمسوا فيهم المخدج
فالتمسوه فلم يجدوه فقام على بنفسه حتى أتى ناسا قد قتل بعضهم على بعض قال: أخروهم
فوجده مما يلى الأرض فكبر ثم قال صدق الله وبلغ رسوله)) الحديث (نيل الأوطار ٦٧:٧).
فقوله: "وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد إلخ" وقوله: ((فيذهبون إلى معاوية وأهل الشام
وتتركون هؤلاء)) أبين دليل وأوضح برهان على أن أصحاب الجمل وصفين لم يكونوا من المارقة،
فإن الآية وهى صفة المخدج لم توجد فيهم وإنما وجدت فى الخوارج أهل حروراء والنهروان فافهم.
وفى قوله مرّ له: ((يقتلها أولى الطائفتين بالحق)) دليل على أن كلا من الفرقتين على الحق، وإحداهما
التى تلى قتل المارقة أولهما به، وهو على بن أبى طالب رضى الله عنه وأصحابه. يؤيده ما قال
الذهبى: إنه صح عن أبى وائل عن أبى ميسرة عمرو بن شرحبيل، قال: رأيت كان قبابا فى رياض،
فقلت لمن هذه؟ فقالوا: لذى الكلاع وأصحابه، ورأيت قبابا فى رياض فقلت لمن هذه؟ فقيل: لعمار
ابن ياسر وأصحابه. قلت: وكيف وقد قتل بعضهم بعضاً؟ قال: إنهم وجدوا الله واسع المغفرة
انتهى. وهذا لأن قتالهم كان عن اجتهاد، كذا فى "فتح القدير" (٣٣٦:٥).
کان قتال أهل الجمل وأهل صفین عن اجتهاد:
فإن أصحاب الجمل وأهل صفين إنما خرجوا على علىّ رضى الله عنه حيث اعتقدوا أنه
يعرف قتلة عثمان ويقدر عليهم ولا يقتص منهم لرضاه بقتله ومواطاته إياهم. قال الحافظ فى
"الفتح": فى "التلخيص الحبير": وهذا ظاهر فى مكاتباتهم له ومخاطباتهم اهـ (٣٤٨:٢).
وقال المهلب: إن المعروف من مذهب أبى بكرة أنه كان على رأى عائشة فى طلب الإصلاح
بين الناس، ولم يكن قصدهم القتال لكن لما انتشبت الحرب لم يكن لمن معها بد من المقابلة،
ولم يرجع أبو بكرة عن رأى عائشة، وإنما تفرس بأنهم يغلبون لما رأى الذين مع عائشة تحت أمرها
لما سمع فى أمر فارس، قال: ويدل لذلك أن أحدا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليا فى
الخلافة، ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة، وإنما انكرت هى، ومن معها على منعها من قتل

٦٦٤
محاربة أهل البغى وامتناع الخروج على الإمام
ج - ١٢
يقتلها أولى الطائفتين بالحق)). رواه أحمد ومسلم (نيل).
قتلة عثمان، وترك الاقتصاص منهم. وكان على ينتظر من أولياء عثمان أن يتحاكموا إليه فإذا ثبت
على أحد بعينه أنه ممن قتل عثمان اقتص منه. فاختلفوا بحسب ذلك وخشى من نسب إليهم القتل
أن يصطلحوا على قتلهم، فأنشبوا الحرب بينهم إلى أن كان ما كان أول ما وقعت الحرب، أن
صبيان العسكرين تسابوا ثم تراموا ثم تبعهم العبيد ثم السفهاء فنشبت الحرب، كذا فى "فتح
البارى" ملخصا (٤٧:١٣ و ٤٨).
وأخرج الحاكم فى "المستدرك" من طرق أن قاتل الزبير استأذن على على رضى الله عنه
فقال: ائذنوا له وبشروه بالنار، سمعت رسول الله مَّ له يقول: لكل نبى حوارى وحواى الزبير،
قال: وهذه أحاديث صحيحة عن أمير المؤمنين على وأقره عليه الذهبى (٣٦٧:٣). وأخرج من
طريق ليث عن طلحة بن مصرف ((قال: أجلس على رضى الله عنه طلحة يوم الجمل فمسح التراب
عن رأسه، ثم التفت إلى الحسن بن على فقال: وددت أنى مت قبل هذا ثلاثين سنة)). وأخرج أيضا
من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن عن أبى بكرة أن عليا رضى الله عنه قال يوم الجمل لما رأى
القتلى والرؤوس تندر: ((يا حسن! أى خير يرجى بعد هذا؟ قال: (يا أبت) نهيتك عن هذا قبل أن
تدخل فيه)) سكت عنهما الحاكم والذهبى كلاهما (٣٧٣:٣). وأخرج من طريق أبى حبيبة مولى
طلحة قال: دخلت مع عمران بن طلحة على على بعد ما فرغ من أصحاب الجمل فرحب به وأدناه
وقال: إنى لأرجو أن يجعلنى الله وأباك من الذين قال الله ﴿ونزعنا ما فى صدورهم من غل) الآية.
ثم قال: يا ابن أخى! كيف فلانة؟ ثم قال: لم نقبض أرضيكم فى هذه السنة إلا مخافة أن تنهب،
يا فلانة! انطلق معه إلى بنى قريظة فمره فليعطه غلته ويدفع إليه أرضه، فقال الحارث الأعور وآخر:
الله أعدل من أن تكونوا إخوانا فى الجنة قال: قوما ابعدوا أرض الله واسحقها فمن هو إذا لم أكن أنا
وطلحة؟ يا ابن أخى! إذا كانت لك حاجة، فأتنا. صححه الحاكم والذهبى كلاهما (٣٧٧:٣).
وأخرج الحاكم فى "المستدرك" وسكت عنه عن عبد الرحمن بن محمد عن أبيه عن جده
قال: ((لما كان يوم الجمل خرجت أنظر فى القتلى قال: فقام على والحسن بن على، وعمار بن ياسر
ومحمد بن أبى بكر وزيد بن صوحان يدورون فى القتلى قال: فأبصر الحسن بن على قتيلا
مكبوبا على وجهه، فقلبه على قفاه، ثم صرخ ثم قال: إنا الله وإنا إليه راجعون، فرخ قريش والله!
فقال له أبوه: من هو يا بنى؟ قال: محمد بن طلحة بن عبيد الله، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما
والله لقد كان شابا صالحا ثم قعد كثيبا حزينا، فقال له الحسن: يا أبت! قد كنت أنهاك عن هذا
المسير، فغلبك على رأيك فلان وفلان قال: قد كان ذلك يا بنى! ولوددت أنى مت قبل هذا

٦٦٥
إعلاء السنن
باب يستحب للإمام أن يدعو البغاة إلى العود
إلى الجماعة ويكشف عن شبهتهم
٤٣٥٠- عن ابن عباس رضى الله عنه؛ قال: "لما خرجت الحرورية اعتزلوا فى
بعشرين سنة إلخ (١٠٣:٣).
بشار بن موسى الخفاف:
أعله الذهبى ببشار(١) بن موسى الخفاف وله شاهد عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة
عند الطبرى فى "تاريخه" (٢٢١:٥). ذكره فيه توجع على رضى الله عنه على قتلى الجمل وثناءه
عليهم واحدا بعد واحد، وقوله: ((زعمتم إنما خرج معهم السفهاء والغوغاء وهذا الخبر قد ترون
وهذا يعسوب القوم وهذا العابد المجتهد، ثم صلى على قتلى الفريقين من هؤلاء وهؤلاء) وكل ذلك
يدل على ما قلنا: إن أصحاب الجمل وصفين لم يكونوا من المارقين الذى أخبرنا بهم النبى عّ لّه أن
عليا رضى الله عنه يقتلهم بل هم طائفة أخرى خرجت من بين الفريقين قتلهم أولى الطائفتين بالحق
فافهم ولا تكن من الغافلين. وأخرج الطبرى بسنده المذكور ن عليا رضى الله عنه سئل يوم الجمل
أترى لهؤلاء القوم حجة فيما طلبوا من هذا الدم أن كانوا أرادوا الله عز وجل بذلك؟ قال: نعم!
قال: فما حالنا وحالكم إن ابتلينا غدا؟ قال: إنى لأرجو أن لا يقتل أحد نقى قلبه لله منا، ومنهم إلا
أدخله الله الجنة (١٩٦:٥).
ولم يقل مثل ذلك فى الخوارج، ولم يتوجع بقتلهم ولم يصل على قتلاهم، وقال: أرى فيهم
ما سمعت رسول الله عَّ ◌ُله: ((يخرج قوم من أمتى يقرأون القرآن ليس قرائتكم إلى قرائتهم بشىء
يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية)). وقال فى أهل الجمل: إن الشىء إذا كان لا يدرك
فالحكم فيه أحوطه وأعمه نفعا، كما لا يخفى على من نظر فى وقائع الأيام والله أعلم. وسئل على
رضى الله عنه عن مسيره إلى صفين هل كان بعهد عهده إليه رسول الله عَّ ◌ُلّ أم رأى رآه؟ قال: بل
رأى رأيته، كذا فى "أعلام الموقعين" (٢٢:١)، فافهم.
باب يستحب للإمام أن يدعو بالبغاة إلى العود إلى الجماعة ويكشف عن شبهتهم
قوله: "عن ابن عباس إلخ". دلالته على الباب ظاهر، وليس فيه دليل على الوجوب، وإلا
(١) والرجل مختلف فيه كان أحمد يكتب عنه، وكان فيه حسن الرأى وقال: كان معروفًا كان صاحب سنة وقال أبو حاتم: شيخ
وقال ابن عدی: رجل مشهور بالحديث، یروی عن قوم ثقات وأرجو أنه لا بأس به، ولم أر فی حدیثه منکرا. وذكره ابن حبان
فى الثقات، وقال الخليلى: فيه لين وضعفه آخرون كما فى "التهذيب" (٤٤١:١).

ج ـ ١٢
يستحب للإمام أن يدعو بالبغاة إلى العود إلى الجماعة
٦٦٦
دار وكانوا ستة آلاف، فقلت لعلى: يا أمير المؤمنين! أبرد بالصلاة لعلى أكلم هؤلاء
القوم، قال: إنى أخافهم عليك. قلت: كلا! فلبست ثيابى ومضيت إليهم حتى دخلت
عليهم دارهم -وهم مجتمعون فيها- فقالوا: مرحبا بك يا ابن عباس ما جاء بك؟ قلت:
أتيتكم من عند أصحاب النبى معَّ المهاجرين والأنصار، من عند ابن عم النبى معَ لّم.
وصهره، وعليهم نزل القرآن وهم أعرف بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد، جئت
لأبلغكم ما يقولون وأبلغهم ما تقولون، فانتحى لى نفر منهم، قلت: هاتوا ما نقمتم على
أصحاب رسول الله عَّ ◌ُلّه وابن عمه وختنه وأول من آمن به قالوا: ثلاث. قلت: ما هى؟
قالوا: إحداهن أنه حكم الرجال فى دين الله، وقد قال تعالى: ﴿إن الحكم إلا لله﴾ ..
قلت: هذه واحدة قالوا: أما الثانية فإنه قاتل ولم يسب ولم يغنم فإن كانوا كفارا فقد
حلت لنا نسائهم وأموالهم، وإن كانوا مؤمنين فقد حرمت علينا دمائهم، قلت: هذه
أخرى، قالوا: وأما الثالثة فإنه محا نفسه من أمير المؤمين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فإنه
يكون أمير الكافرين. قلت: هل عندكم شىء غير هذا؟ قالوا: حسبنا هذا. قلت لهم:
أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله وحدثتكم عن سنة نبيه مّللّه ما يرد قولكم هل
ترجعون؟ قالوا: اللهم نعم، قلت: وأما قولكم: إنه حكم الرجال فى دين الله فأنا أقرأ
عليكم أن قد صير الله حكمه إلى الرجال فى أرنب ثمنها ربع درهم، قال تعالى:
﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾-إلى قوله- ﴿یحکم به دوا عدل منكم﴾، وقال فى
المرأة وزوجها: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها﴾،
أنشدكم الله أحكم الرجال فى حقن دمائهم وأنفسهم وإصلاح ذات بينهم أ حق أم فى
أرنب ثمنها ربع درهم؟ قالوا: اللّهم بل فى حقن دمائهم وأنفسهم وإصلاح ذات بينهم.
لم يقل لابن عباس: إنى أخافهم عليك الدال على منعه من دعوتهم قال فى "فتح القدير": "وليس
ذلك واجبا بل مستحب، لأنهم كمن بلغتهم الدعوة لا تجب دعوتهم وتستحب، وحروراء اسم
لقرية من قرى الكوفة وفيه المد والقصر ومنه قول عائشة لمعاذة: أحرورية أنت؟ اهـ (٣٣٥:٥).
الراجح وجوب دعوتهم و کشف شبهتهم:
وقال الإمام أبو يوسف فى "الخراج": "إن الصحيح عندنا من الأخبار عن على بن أبى
طالب رضى الله عنه أنه لم يقاتل قوما قط من أهل القبلة ممن خالفه حتى يدعوهم إلخ".

٦٦٧
يستحب للإِمام أن يدعو بالبغاة إلى العود إلى الجماعة
إعلاء السنن
قلت: أخرجت من هذه؟ قالوا: اللّهم نعم، قلت: وأما قولكم: إنه قتل ولم يسب،
ولم يغنم، أ تسبون أمكم عائشة فتستحلون منها ما تستحلون من غيرها وهى أمكم؟ لئن
فعلتم فقد كفرتم، فإن قلتم: ليست أمنا فقد كفرتم، قال الله تعالى: ﴿النبى أولى بالمؤمنين
من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم﴾ فأنتم بين ضلالتين فأتوا منها بمخرج! أخرجت من
هذه الأخرى؟ قالوا: اللهم نعم. قلت: وأما قولكم: إنه محا نفسه من أمير المؤمنين، فإن
رسول الله مَّ له كتب يوم الحديبية بينه وبين قريش كتابا فقال: أكتب هذا ما قاضى عليه
محمد رسول الله. فقالوا: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا
قاتلناك، ولكن أكتب محمد بن عبد الله فقال: والله إنى لرسول الله عَّ له وإن
كذبتمونى، يا على! أكتب محمد بن عبد الله فرسول الله عَّ ◌ُلّه خير من على وقد محا
نفسه، ولم يكن محوه ذلك محوا من النبوة أخرجت من هذه الأخرى قالوا: اللهم نعم،
فرجع منهم ألفان وبقى سائرهم فقتلوا على ضلالتهم قتلهم المهاجرون والأنصار".
أخرجه النسائى فى "سننه الكبرى" فى خصائص على "فتح القدير" (٣٣٥:٥)،
وأحمد والبيهقى (التلخيص الحبير ٣٤٩:٢). وسكت عنه الحافظ، والحاكم فى
"المستدرك" (١٥٠:٢)، وصححه على شرط مسلم، وأقره عليه الذهبى.
وأخرج أيضا من طريق عبد الله بن شداد، وفيه "فواضعوه على كتاب الله ثلاثة
أيام فرجع منهم أربعة آلاف كلهم تائب بينهم ابن الكواء، حتى أدخلهم على على فبعث
على إلى بقيتهم قال: قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم فقفوا حيث شئتم حتى
يجتمع أمة محمد عّ لّه، وتنزلوا حيث شئتم بيننا وبينكم أن نقيكم رماحنا ما لم تقطعوا
سبيلا، أو تطلبوا دما، فإنكم إن فعلتم ذلك فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء إن الله
لا يحب الخائنين". الحديث وصححه على شرطهما، وأقره الحافظ الذهبى فى
"تلخيصه" (٢: ١٥٥). ورواه الطبرانى وأحمد وفيه -فرجع منهم عشرون ألفا، وبقی
منهم أربعة آلاف فقتلوا- ورجالهما رجال الصحيح "مجمع الزوائد (٢٤١:٦).
(ص:٢٥٤)، وقال الموفق فى "المغنى": لا يجوز قتالهم حتی یبعث إليهم من يسألهم ویکشف لهم
الصواب، إلا أن يخاف كلهم فلا يمكن ذلك فى حقهم، فأما إن أمكن تعريفهم عرفهم ذلك،
وأزال ما يذكرونه من المظالم، وأزال حججهم فإن لجوا قاتلهم حينئذ لأن الله تعالى بدأ بالأمر ..

٦٦٨
ج - ١٢
باب لا يجهز على جريحهم ولا يتبع موليهم ولا يسبى لهم ذرية
ولا يقسم لهم مال ولا بأس بأن يقاتل بسلاحهم وكراعهم إذا احتاج إليه
٤٣٥١- عن أبى أمامة رضى الله عنه قال: " شهدت صفین فكانوا لا يجهزون
على جريح ولا يقتلون موليا ولا يسلبون قتيلا". أخرجه الحاكم فى "المستدرك"
(١٥٥:٢) وقال: حديث صحيح الإسناد فى هذا الباب، وأقره حليه الذهبى.
بالإصلاح قبل القتال فقال سبحانه ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾، ثم ذكر ما
ذكرناه فى المتن، وقال: فإن أبو الرجوع وعظهم وخوفهم القتال، وإنما كان كذلك لأن المقصود
كفهم ودفع شرهم لا قتلهم، فإذا أمكن بمجرد القول كان أولى من القتال لما فيه من الضرر
بالفريقين، فإن سالوا الإنظار نظر فى حالهم وبحث عن أمرهم، فإن بان له أن قصدهم الرجوع إلى
الطاعة ومعرفة الحق أمهلهم. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من أحفظ عنه العلم اهـ
(٥٤:١٠). قلت: وظاهر قول أبى يوسف وجوب دعوتهم، والكشف عن شبهتهم وهو ظاهر قول
القدورى، فإنه قال: ((وإذا تغلب قوم من المسلمين على بلد وخرجوا عن طاعة الإمام دعاهم إلى
العود إلى الجماعة، وكشف شبهتهم ولا يبدأ بقتالهم حتى يبدأوه، فإن بدأوا قاتلهم حتى يفرق
جمعهم)) اهـ (ص:٢٣٣)، والقياس على من بلغتهم الدعوة من أهل الحرب ليس فى محله، فإن
الباغى إنما يبغى على الإمام لظنه فيه الفسق والجور، ولا يبلغه الدعوة فى ذلك ما لم يدعه الإمام إلى
طاعته ، ويكشف عن شبهته. والله تعالى أعلم.
باب لا یجهز علی جریحهم ولا يتبع مولییهم ولا یسبی لهم ذرية
ولا يقسم لهم مال ولا بأس بأن يقاتل بسلاحهم و کرا عهم إذا احتاج إليه
قوله: عن أبى أمامة إلى آخر الباب، دلالتها على الباب ظاهرة. وقال الإمام أبو يوسف رحمه
الله فى "الخراج" له: إن الصحيح عندنا من الأخبار عن على بن أبى طالب رضى الله عنه أنه
لم يقاتل قوما قط من أهل القبلة ممن خالفه حتى يدعوهم، وأنه لم يتعرض بعد قتالهم وظهوره
عليهم بشىء من مواريثهم ولا لنسائهم ولا لذراريهم ولم يقتل منهم أسيرا ولم يذفف منهم على
جريح، ولم يتبع منهم مدبرا. (وأنكر على من قتل موليا وقال لقاتل الزبير: "ائذنوا له وبشروه
بالنار، لأنه قتله وقد نزع عن القتال". وأما ما كان عسكرهم وما أجلبوا به إليه فقد اختلف علينا
فيه، فمنهم من قال: قسم ما أجلبوا به عليه فى عسكرهم بعد أن خمسه، وقال بعضهم: رده على
أهله ميراثا بينهم، (قلت: وجمع بينهما ما رواه سيف عن محمد وطلحة: أنه إنما أخذ من السلاح

٦٦٩
لا یجهز علی جریحھم ولا یتبع مولیہم ولا یسبی لھم ذرية
إعلاء السنن
٤٣٥٢- عن يزيد بن ضبيعة العبسى قال: "نادى منادى عمار يوم الجمل وقد
ولى الناس: ألا لا يذاف على جريح ولا يقتل مول ومن ألقى السلاح فهو آمن فشق
ذلك علينا". أخرجه الحاكم أيضا (٢: ١٥٥). وصححه هو والذهبى، وقد تقدم فى
حديث ابن عباس أن الخوارج نقموا على أمير المؤمنين على رضى الله عنه أنه قاتل،
ولم یسب ولم يغنم.
٤٣٥٣- عن عرفجة عن أبيه قال: لما جىء على بما فى عسكر أهل النهروان قال:
من عرف شيئا فليأخذه قال: فأخذوا إلا قدرا، قال: "ثم رأيتها بعد أخذت". رواه ابن
أبى شيبة والبيهقى، وأخرجه من طرق، كذا فى "التلخيص الحبير" (٣٤٩:٢).
٤٣٥٤- عن عبد خير عن على "أنه قال يوم الجمل: لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا
على جريح ومن ألقى السلاح فهو آمن". رواه ابن أبى شيبة فى آخر "المصنف":
حدثنا يحيى بن آدم ثنا شريك عن السدى عن عبد خير عن على به (زيلعى ١٦١:٢).
وهذا إسناد حسن وأخرجه من طريق عبدة بن سليمان عن جويبر عن الضحاك -وزاد-
ولا يفتح باب ولا يستحل فرج ولا مال "زيلعى" (١٦١:٢). وجويبر له رواية ومعرفة
بأيام الناس وحاله حسن فى التفسير وهو لين فى الرواية قاله أحمد بن سيار المروزى
(تهذيب ١٢٤:٢)، وضعفه آخرون.
ما كان عليه من سهم السلطان قد أخذوه البغاة من بيت المال ورد ما سواه، كما ذكرنا فى المتن)،
وأما ما لم يكن معهم فى عسكرهم من الأموال والمساكن والضياع، فتركها لأهلها، ولم يتعرض
لها، ومما ترك النشاشيح (قرية على نهر الكوفة عظيمة الدخل) بالكوفة لطلحة وأموال طلحة والزبير
بالمدينة وضياع أهل البصرة ومساكنهم وأموالهم، وقال بعض أصحابنا: إن عسكر أهل البغى إذا
كان مقيما قتل أسرارهم وأتبع مدبرهم، وذفف على جريحهم، وإن لم يكن لهم عسكر، ولا فئة
يلجأون إليها لم يتبع مدبر، ولم يذفف على جريح ولم يقتل أسير، فإن خيف من الأسارى أن
یکون لهم جمع يلجئون إلیه إذا عفی عنه استودعهم السجن حتی یعرف توبتهم اهـ (ص: ٢٥٤).
وقال الموفق فى "المغنى": وإن حضر معهم من لا يقاتل لم يجز قتله، وقال أصحاب الشافعى: فيه
وجه آخر يجوز لأن عليا رضى الله عنه نهى أصحابه عن قتل محمد بن طلحة السجاد (كان من
الزهاد المجتهدين فى العبادة، وكان أصحاب رسول الله عَّه يتبركون به وبدعاءه، وهو أول من
٠٠

ج - ١٢
لا یجهز علی جریحھم ولا یتبع مولیهم ولا یسبی لھم ذرية
٦٧٠
٤٣٥٥- حدثنا حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: "أمر على
مناديه فنادى يوم البصرة (أى يوم الجمل) لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح ولا يقتل
أسير، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن، ولم يأخذ من متاعهم شيئا". رواه ابن أبى
شيبة، وأخرجه عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج عن جعفر به -وزاد- وكان على لا يأخذ
مالا لمقتول ويقول من اعترف شيئا فليأخذه" (زيلعى ١٦١:٢). وهذا مرسل صحيح،
ومحمد بن على بن الحسين رضى الله عنهم، وإن لم يدرك عليا، ولكنه أعرف الناس
بأيام آباءه الكرام.
٤٣٥٦- أخبرنا الفضل بن دكين ثنا فطر بن خليفة عن منذر الثورى قال سمعت
محمد بن الحنفية وذكر يوم الجمل "قال: لما هزموا قال على: لا تجهزوا على جريح،
ولا تتبعوا مدبرا وقسم بينهم ما قوتل به من سلاح و کراع وأخذنا ما جلبوا به علينا من
كراغ أو سلاح". رواه ابن سعد فى "الطبقات"، وابن أبى شيبة فى "المصنف" عن
وكيع عن فطر به "زيلعى" (١٦١:٢). وهذا سند صحيح، ومنذر هو ابن يعلى الثورى
-أبو يعلى الكوفى- ثقة من رجال الجماعة، (تقريب ص٢١٤).
لقب بالسجاد (قاله الحاكم)، وقال: إياكم وصاحب(١) البرنس فقتله رجل وأنشأ يقول:
قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
وأشعث قوام بآيات ربه
فخر صريعًا لليدين وللفم
هتکت له بالرمح جیب قميصه
عليا ومن لم يتبع الحق يندم
على غير شىء غير أن ليس تابعا
فهلا تلاحم قبل التقدم
يناشدنى حم والرحم شاجر
وكان السجاد حامل راية أبيه ولم يكن يقاتل فلم ينكر على قتله، ولأنه صار رداءهم. ولنا
قول الله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاءه جهنم﴾، والأخبار الواردة فى قتل المسلم،
والإجماع على تحريمه، وإنما خص من ذلك ما حصل ضرورة دفع الباغى ففيما عداه يبقى على
العموم والإجماع فيه، ولذا حرم قتل مدبرهم وأسيرهم، والإجهاز على جريحهم مع أنهم إنما
تركوا القتال عجزًاً عنه، ومتى ما قدروا عليه عادوا إليه، فمن لا يقاتل تورعا عنه مع قدرته عليه،
ولا يخالف منه القتال بعد ذلك أولى. ولأنه مسلم لم يحتج إلى دفعه، ولا صدر منه أحد الثلاثة،
: (١) أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٣٧٥:٣).

٦٧١
لا یجهز علی جریحھم ولا یتبع مولیہم ولا یسبی لھم ذریة
إعلاء السنن
٤٣٥٧- حدثنا يحيى بن آدم ثنا مسعود بن سعد الجعفى عن عطاء بن السائب
عن أبى البخترى قال: لما انهزم أهل الجمل قال على: لا تطلبوا من كان خارجا من
العسكر، وما كان من دابة أو سلاح فهو لكم، وليس لكم أم ولد وأى امرأة قتل زوجها
فلتعتد أربعة أشهر وعشرا قالوا: يا أمير المؤمنين! تحل لنا دماءهم ولا تحل لنا نساءهم؟
فخاصموه فقال: هاتوا سهامكم وأقرعوا على عائشة، فهى رأس الأمر وقائدهم، قال:
فخصمهم على وعرفوا، وقالوا: نستغفر الله. رواه ابن شيبة (زيلعى ٢: ١٦١). ورجاله
كلهم ثقات.
٤٣٥٨- وروى الطبرى فى "تاريخه" (٢٢٢:٥) عن السرى عن شعيب عن
سیف عن محمد وطلحة أن علیا جمع ما کان فی العسکر من شیء ثم بعث به إلى
مسجد البصرة: أن من عرف شيئا فليأخذه إلا سلاحا كان فى الخزائن عليه سمة
السلطان، فإنه مما بقى ما لم يعرف، خذوا ما أجلبوا به عليكم من مال الله عز وجل
لا يحل لمسلم من مال المسلم المتوفى شىء، وإنما كان ذلك السلاح فى أيديهم من غير
تنفل من السلطان " اهـ.
فلم يحل دمه. وأما حديث على فى نهيه عن قتل السجاد فهو حجة عليه. فإن نهى على أولى من
فعل من خالفه، ولا يمتثل قول الله تعالى، ولا قول رسوله، ولا قول إمامه، وقولهم لم ينكر قتله قلنا:
لم ينقل إلينا أن عليا علم حقيقة الحال فى قتله، ولا حضر قتله فينكره، وقد جاء أن عليا رضى الله عنه
حين طاف فى القتلى رآه فقال: السجاد! ورب الكعبة هذا الذى قتله بره بأبيه. وهذا يدل على أنه لم يشعر
بقتله، (وقد تقدم من رواية الحاكم أنه قال: حين رآه فى القتلى: ((لوددت أنى مت قبل هذا اليوم بعشرين
سنة)) وأى إنكار أبلغ من هذا؟)، ويجوز أن يكون تركه الإنكار عليهم اجتزاء بالنهى المتقدم،
ولأن القصد من قتالهم كفهم، وهذا كاف لنفسه، فلم يجز قتله كالمنهزم اهـ ملخصا (٥٦:١٠).
قلت: وهذا هو قولنا، وليس على القاتل العادل دية لأنه أهدر دمه حين وقف فى صفهم،
وإنما يحرم قتله إذا ألقى السلاح، وما لم يلق السلاح جاز قتله، كذا فى "فتح القدير" (٣٤١:٥).
قال الموفق فى "المغنى": "فأما غنيمة أموالهم وسبى ذريتهم، فلا نعلم فى تحريمه بين أهل العلم
خلافًا، وقد ذكرنا حديث أبى أمامة وابن مسعود، ولأنهم معصومون، وإنما أبيح من دماءهم
وأموالهم ما حصل من ضرورة دفعهم وقتالهم، وما عداه يبقى على أصل التحريم، وقد روى ((أن
عليا رضى الله عنه يوم الجمل قال: من عرف شيئا من ماله مع أحد فليأخذه))، وهذا من جملة ما
12

٦٧٢
الانتفاع بسلاح البغاة و کراعهم فی حربهم
ج - ١٢
٤٣٥٩- حدثنى محمد بن إسحاق عن أبى جعفر "قال: كان على إذا أتى
بالأسير يوم صفين أخذ دابته وسلاحه، وأخذ عليه أن لا يعود وخلى سبيله". رواه الإمام
أبو يوسف فى "الخراج" (ص ٢٥٥). وهو مرسل صحيح.
نقم الخوارج من على، فإنهم قالوا: إنه قاتل، ولم يسب ولم يغنم، وما أخذ من كراعهم وسلاحهم
لم يرد إليهم حال الحرب لئلا يقاتلونا به.
اختلفوا فى الانتفاع بسلاح البغاة و کرا عهم فى حربهم:
وذكر القاضى أن أحمد أومأ إلى جواز الانتفاع به حال التحام الحرب ولا يجوز فى غير
قتالهم. وهذا قول أبى حنيفة لأن هذه الحال يجوز فيها إتلاف نفوسهم وحبس سلاحهم وكرعهم،
فجاز الانتفاع به كسلاح أهل الحرب وقال الشافعى: لا يجوز ذلك إلا من ضرورة إليه، لأنه مال
مسلم، فلم يجز الانتفاع به بغير إذنه كغيره من أموالهم. (قلت: ، إنما قال أبو حنيفة بجواز القتال
بسلاحهم وكراعهم عند الحاجة إلا فلا، كما أشرنا إليه فى حمة الباب).
قال الموفق: ومتى انقضت الحرب وجب ردد .. كما ترد إليهم سائر أموالهم لقول
النبى معَّةٍ ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس مه)) وروى أبو قيس أن عليا رضى الله عنه
نادى ((من وجد ماله فليأخذه)) اهـ ملخصا (٦٦:١٠).
وفى "الهداية": فإن كانت لهم فئة جهز على جريحهم، واتبع مراليهم دفعا لشرهم كى
لا يلحقوا بهم، إن لم يكن لهم فئة لم يجهز على جريحهم ولم يتبع موليهم لاندفاع الشر دونه،
وقال الشافعى: لا يجوز ذلك فى الحالين لأن القتال إذا تر کوه لم يبق قتلهم دفعًا. وجوابه ما ذكرناه
أن المعتبر دليله لا حقيقة قال المحقق فى "الفتح": ولأن قتل من ذكرنا إذا كان له فئة لا يخرج عن
كونه دفعا لأنه يتخيز إلى الفئة، ويعود شره كما كان ، وأصحاب الجمل لم يكن لهم فئة أخرى
سواهم (٣٣٧:٥).
يدل على ذلك اختلاف سيرة على رضى الله عنه فى أصحاب الجمل وأهل النهروان،
ولا يستوى أهل الصلاح وأهل الفساد، قال فى "الهداية": ولا يسبى لهم ذرية ولا يقسم لهم مال،
لقول على يوم الجمل: لا يقتل أسير ولا يكشف ستر وهو القدوة فى هذا الباب، وقوله فى الأسير
تأويله إذا لم يكن لهم فئة فإن كانت يقتل الإمام الأسير وإن شاء حبسه، ولأنهم مسلمون والإسلام
یعصم النفس والمال ولا بأس بأن یقاتلوا بسلاحهم إن احتاج المسلمون إلیه، والکراع كذلك، وقال
الشافعى: لا يجوز ولنا أن علينا قسم السلاح فيما بين أصحابه بالبصرة، وكانت قسمته للحاجة،
لا للتمليك. قال المحقق فى "الفتح": "ولولا أن فيه إجماعًا لأمكن التمسك ببعض الظواهر فى
i

٦٧٣
إعلاء السين
باب لا يضمن البغاة ما أتلفوه حال الحرب من نفس ولا مال
٤٣٦٠- أنبأنا معمر أخبرنى الزهرى أن سليمان بن هشام كتب إليه يسأله عن
امرأة خرجت من عند زوجها وشهدت على قومها بالشرك ولحقت بالحرورية فتزوجت
ثم أنها رجعت إلى أهلها تائبةً قال: فكتب إليه: أما بعد فإن الفتنة الأولى ثارت
وأصحاب رسول الله عَّ له ممن شهد بدرًا كثير فاجتمع رأيهم على أن لا يقيموا على
تملكه، ثم ذكر ما رواه ابن أبى شيبة عن أبى البحترى، وفيه: وما كان من دابة أو سلاح فهو
لكم"، وهو مذكور فى المتن (٣٣٨:٥). وقد أشرت إلى طريق الجمع بينه وبين ما يخالفه بأنه
أعطاهم ما كان عليه سمة السلطان وعلامة بيت المال ورد ما سواه إلى أهله.
باب لا يضمن البغاة ما أتلفوه حال الحرب من نفس ولا مال
قوله: "أنبأنا معمر إلخ". دلالته على معنى الباب ظاهرة قال فى "الهداية": إن العادل إذا
أتلف نفس الباغى أو ماله لا يضمن ولا يأثم لأنه مأموره والباغى إذا قتل العادل لا يجب الضمان .
عندنا ويأثم (لأنه مأزور) وقال الشافعى رحمه الله فى القديم: يجب، وعلى هذا الخلاف إذا تاب
المرتد وقد أتلف نفسا أو مالا، له أنه أتلف نفسا معصومة أو مالا معصومًا فيجب الضمان اعتبارا بما
قبل المنعة ولنا إجماع الصحابة، رواه الزهرى اهـ، (٣٣٩:٥) مع "الفتح".
وقال الموفق فى "المغنى: ليس على أهل البغى ضمان ما أتلفوه من نفس ولا مال حال
· الحرب، وبه قال أبو حنيفة والشافعى فى أحد قوليه، وفى الآخر يضمنون ذلك لقول أبى بكر لأهل
الردة: تدون قتلانا ولا ندى قتلاكم، ولنا ما روى الزهرى أنه قال: كانت الفتنة العظمى بين الناس
وفيهم البدريون فأجمعوا فذكر نحو ما ذكرناه فى المتن ثم قال: ولأنها طائفة ممتنعة بالحرب بتأويل
سائغ، فلم تضمن ما أتلفت على الأخرى كأهل العدل، ولأن تضمينهم يفضى إلى تنفيرهم عن
الرجوع إلى الطاعة، فلا يشرع كتضمين أهل الحرب، فأما قول أبى بكر رضى الله عنه فقد رجع
عنه ولم يمضه، فإن عمر قال له: أما إن يدوا قتلانا فلا فإن قتلانا قتلوا فى سبيل الله تعالى على ما أمر
الله فوافقه (القوم وتتابعوا على ذلك) أبو بكر ورجع إلى قوله، فصار أيضا إجماعًا حجة لنا،
ولم ينقل أنه غرم أحدا شيئا من ذلك وقد قتل طليحة عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم، ثم أسلم
فلم يغرم شيئا، ثم لو وجب التغريم فى حق المرتدين لم يلزم مثله ههنا، فإن أولئك كفار لا تأويل
لهم، وهؤلاء طائفة من المسلمين لهم تأويل سائغ، فكيف يصح إلحاقهم بهم؟ اهـ (٦٢:١٠).
قلت: وحديث أبى بكر هذا أخرجه البيهقى من حديث أبى إسحاق عن عاصم بن ضمرة،

٦٧٤
ج - ١٢
لا يضمن البغاة ما أتلفوه حال الحرب من نفس ولا مال
أحد حدا فى فرج استحلوه بتأويل القرآن ولا قصاصا فى دم استحلوه بتأويل القرآن إلا
أن يوجد شىء بعينه فيرد على صاحبه، وإنى أرى أن ترد إلى زوجها وأن يحد من افترى
عليها". رواه عبد الرزاق فى "مصنفه" (فتح القدير ٣٤٠:٥)، وهو مرسل صحيح.
٤٣٦١- إن عليا رضى الله عنه قاتل أصحاب الجمل وأهل الشام والنهروان،
ولم يتتبع بعد الاستيلاء ما أخذوه من الحقوق". ذكره الرافعى وقال الحافظ فى
"التلخيص الحبير" (٣٤٧:٦)، وهذا معروف فى التواريخ الثابتة، وقد استوفاه أبو جعفر
ابن جرير الطبرى وغيره اهـ.
والبخارى من طريق طارق بن شهاب، قال: جاء (أهل الردة من) وفد بزاخة أسد وعطفان إلى أبى
%,
بكر يسألونه الصلح فخيرهم بين الحرب المجلية والسلم المخزية قالوا: أما السلم المخزية؟ قال: تؤدون
الحلقة والكراع وتتركون أقواما يبتغون أذناب الإبل (حتى يرى الله خليفة نبيه مدّئآ والمؤمنين رأيا
يعذرونكم به وتشهدون أن قتلانا فى الجنة وقتلاكم فى النار) وتدون قتلانا ولا ندى قتلاكم
الحديث ذكر منه البخارى طرفا وساقه البرقانى فى مستخرجه بطوله وفيه: أن عمر وافق أبا بكر
على ذلك إلا على قوله: تدون قتلانا ولا ندى قتلاكم واحتج بأن قتلانا قتلوا على أمر الله فلا ديات
لهم قال: فتتابع الناس على ذلك كذا فى "التلخيص الحبير" (٣٤٩:٢). ورواه الطبرانى فى
"الأوسط" وفيه إبراهيم بن بشار الرمادى وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه ابن معين وغيره وبقية
رجاله رجال الصحيح "مجمع الزوائد" (٢٢٢:٦). قال الموفق فى "المغنى: فأما ما أتلفه بعضهم
على بعض فى غير حال الحرب قبله أو بعده، فعلى متلفه ضمانه، وبهذا قال الشافعى ولذلك لما قتل
الخوارج عبد الله بن خباب أرسل إليهم على أقيدونا من عبد الله بن خباب ولما قتل ابن ملجم عليا
فى غير المعركة أقيد به إلخ (٦٢:١٠). قلت: أما قصة قتل عبد الله بن خباب فأخرجها بن أبى شيبة
ويعقوب بن سفیان بسند صحیح وفیه: فبلغ علیا فأرسل إليهم أقیدونا بقاتل عبد الله بن خباب
فقالوا: كلنا قتله فأذن حينئذ فى قتالهم كذا فى "النيل" (٧٥:٧ و٧٦). وقصة قتل ابن ملجم
أخرجها البيهقى من حديث الشعبى أن ابن ملجم لما ضرب عليا تلك الضربة أوصى فقال: قد
ضربنى فأحسنوا إليه وألينوا فراشه فإن أعش فعفو أو قصاص وإن أمت فعاجلوه فإنی مخاصمه عند
ربى عز وجل كذا فى "التلخيص الحبير" (٣٤٩:٢) والحاكم فى "المستدرك"، وسكت عنه هو
والذهبى، وفى إسناده مجالد بن سعيد مختلف فيه (١٤٤:٣).
قال الحافظ: وفيه رد على من زعم أن الحسن بن على قتله لكونه من الساعين فى الأرض

٦٧٥
إعلاء السنن
باب ما جباه البغاة من الخراج والعشر والصدقات
لم يأخذه الإمام ثانیا
٤٣٦٢- حدثنا عبد الله بن صالح عن اللیث عن يونس عن ابن شهاب فى رجل
زكت الحرورية ماله هل عليه حرج؟ فقال: "كان ابن عمر يرى أن ذلك يقضى عنه"،
والله أعلم. رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٥٧٨)، وهو مرسل حسن صحيح،
والزهرى أعرف الناس بقضايا ابن عمر وآثاره.
فسادًا لا قصاصا لقول على فى هذا الأثر: عاجلوه اهـ. قلت: وفيه دليل أيضا على عدم تحتم قتل
الباغى إذا قتل أحدا من أهل العدل فى غير المعركة لقول على: فإن أعش فعفو أو قصاص.
الرد على ابن حزم:
وأغرب ابن حزم وبالغ فقال: لا خلاف بين أحد من الأئمة فى أن ابن ملجم قتل عليا متأولا
مجتهدا مقدرا أنه على الصواب كذا قال. وهذا الكلام لا خلاف فى بطلانه فلم يكن ابن ملجم
قط من أهل الاجتهاد ولا كاد، وإنما كان من الخوارج وقد وصفنا سبب خروجهم على على رضى
الله عنه واعتقادهم فيه وفى غيره "التلخيص الحبير" (ص: ٣٤٨).
وقال المحقق فى "الفتح": "والباغى إذا قتل العادل بعد قيام منعتهم وشوكتهم لا يجب
الضمان عليه عندنا وبه قال أحمد والشافعى فى قوله الجديد، ولو قتله قبل ذلك اقتص منه اتفاقًا،
وكذا يضمنون المال. والحاصل أن نفى الضمان منوط بالمنعة مع التأويل فلو تجرد المنعة عن التأويل
كقوم غلبوا على أهل بلدة فقتلوا واستهلكوا الأموال بلا تأويل ثم ظهر عليهم أخذوا بجميع ذلك،
ولو انفرد التأويل عن المنعة بأن انفرد واحد أو اثنان فقتلوا وأخذوا عن تأويل ضمنوا إذا تابوا أو قدر
عليهم)) أهـ (٣٣٩:٥).
قلت: ولا يضمن العادل شيئا إذا قتل الباغى أو أتلف ماله سواء قتله بالمنعة أو منفردا بعد ما
تحقق خروجه على الإمام عملا، فإن الصحيح على ما ذكرنا إباحة قتلهم بعد الخروج، فلا شىء
على من قتلهم من إثم، ولا ضمان ولا كفارة لأنه فعل ما أمر به، وقتل من أحل الله قتله، وأمر
بمقاتلته، لم أره صريحا، ولكنه مقتضى القواعد، والله تعالى أعلم.
باب ما جباه البغاة من الخراج والعشر والصدقات لم يأخذه الإمام ثانيا
قوله: "حدثنا عبد الله بن صالح إلخ" دلالته على معنى الباب ظاهرة قال فى "الهداية":
"وما جباه أهل البغى من البلاد التى غلبوا عليها من الخراج والعشر لم يأخذه الإمام ثانيا لأن ولاية

٦٧٦
ج - ١٢
ما جباه البغاة من الخراج والعشر والصدقات لم يأخذه الإمام ثانيا
٤٣٦٣- حدثنا أحمد بن عثمان عن ابن المبارك عن سعيد بن أبى أيوب عن نافع
أن الأنصار "سألوا ابن عمر عن الصدقة فقال: ادفعوها إلى العمال فقالوا: إن أهل الشام
الأخذ له باعتبار الحماية ولم يحمهم فإن كانوا صرفوه فى حقه أجزأ من أخذ منه لوصول الحق إلى
مستحقه، وإن لم يكونوا صرفوه فى حقه فعلى أهله فيما بينهم وبين الله تعالى لأنه لم يصل إلى
مستحقه قالوا: لا إعادة عليهم فى الخراج لأنهم مقاتلة فكانوا مصارف وإن كانوا أغنياء، وفى
العشر إن كانوا فقراء فكذلك لأنه حق الفقراء وقد بيناه فى كتاب الزكاة اهـ (٥: مع الفتح). قلت:
فليراجع كتاب الزكاة من "الهداية" و "رد المحتار".
وقال الموفق فى "المغنى": إن أهل البغى إذا غلبوا على بلد فجبوا الخراج والزكاة والجزية
وأقاموا الحدود وقع ذلك موقعه، فإذا ظهر أهل العدل بعد على البلد وظفروا بأهل البغى لم يطالبوا
بشىء مما جبوه، ولم يرجع به على من أخذ منه، روى نحو هذا عن ابن عمر وسلمة بن الأكوع،
وهو قول الشافعى وأبى ثور وأصحاب الرأى، وسواء كان من الخوارج، أو من غيرهم، وقال أبو
عبيد: على من أخذوا (أى الخوارج) منه الزكاة الإعادة لأنه ممن لا ولاية له صحية، فأشبه ما لو
أخذها آحاد الرعية.
ولنا: أن عليا لما ظهر على أهل البصرة لم يطالبهم بشىء مما جبوه وكان ابن عمر إذا أتاه
ساعى نجدة الحرورى دفع إليه زكاته وكذلك سلمة بن الأكوع، ولأن فى ترك الاحتساب بها
ضررًاً عظيما ومشقة كثيرة، فإنهم قد يغلبون على البلاد السنين الكثيرة، فلو لم يحتسب بما أخذوه
أدى إلى ثنا الصدقات فى تلك المدة كلها اهـ (٦٩:١٠).
الجواب عن حجة أبى عبيد فى الباب:
قال أبو عبيد: أما الذى اختار فى أمر الخوارج فإنه يكون على من أخذوا منه الإعادة لقول
رسول الله عَّ به: الناس فى هذا الأمر تبع لقريش فلم يجعل مَّ ولاة الأمر فى غيرهم وأما حديث
ابن عمر حين سئل عن أهل الشام وغيرهم فإن هذا جائز لأنهم إنما كانوا يدعون إلى قريش
والخوارج دون هؤلاء، وأما حديث فيمن زكت الحرورية ماله أنه یقضی عن صاحبه فإنه لیس یثبت
عنه إنما كان ابن شهاب يرسله عنه. قلت: والإرسال ليس بعلة عندنا لا سيما والزهرى أعرف الناس
بابن عمر وقضاياه ثم كأنه لم يكن على ثقة منه ألا تراه قال فى آخره والله أعلم اهـ (ص٥٧٥).
قلت: والله أعلم ليس كلام الزهرى بل من كلام ابن عمر هذا هو الظاهر المتبادر منه،
سلمنا، ولكن معناه أن ابن عمر كان يقول إن ذلك يقضى عنه والله أعلم هل يقضى ذلك عنه أم لا،

٦٧٧
ما جباه البغاة من الخراج والعشر والصدقات لم يأخذه الإمام ثانیا
إعلاء السنن
يظهرون مرة وهؤلاء مرة فقال: ادفعوها إلى من غلب". رواه أبو عبيد أيضا (ص٥٧٨)،
واحتج به ورجاله ثقات کلهم غیر شیخه، فلم أعرفه.
فلا دلالة فيه على عدم ثقته بحفظه عن ابن عمر، وإنما كان يتردد فى صحة القضاء عند
الله عز وجل، ولذا لم نقل بصحة القضاء مطلقا بل قيدناها بما إذا كانوا يصرفونه فى حقه، وأما
قول أبى عبيد: إنه معَّه لم يجعل ولاة الأمر فى غير قريش فمسلم، ولكن الزكاة لا يتوقف صحة
أداءها على قبض الأمراء سواء كانت ظاهرة كالماشية وما يلحق بها أو باطنة. نعم للأمراء ولاية الجبر فى
الأموال الظاهرة دون الباطنة، فلو أداها المالك بنفسه أو بنائبه إلى الفقراء صح، وإلا لم تصح
زكاة من هو فى دار الحرب ولم يقل به أحد من العلماء فحديث: ((الأئمة من قريش)) لا يدل على
بطلان زكاة من أداها إلى غير الأمراء وقد أجمعوا أن من كان بدار الحرب لو فرق زكاة بنفسه على
الفقراء أجزأت عنه فكذلك لو صرفها غيره فى حقها وكالة عنه، ومن ادعى الفرق، فليأت ببرهان.
فإن قيل: إذا لم يصرفها البغاة فى حقها ولزم أرباب الأموال إعادتها أفضى ذلك إلى ضرر
عظيم، قلنا: هذا مثل ما لو أخذها قطاع الطريق أو آحاد الراعية وقد اتفقوا على عدم الإجزاء
بأخذهم إذا كانوا أغنياء فكذلك ههنا وإن كانوا فقراء أجزأت عنهم والله تعالى أعلم.
الجواب عن إيراد ابن حزم على الحنفية فى الباب:
وبهذا اندحض ما أورده ابن حزم على الحنفية- فى هذا الباب (١١: ١١٠و ١١١)، فإنه
لم يذكر فى حجتهم إلا دليل القياس، فرده عليهم، ولم يذكر الآثار التى احتجوا بها، قال: فنظرنا
فى قول أبى حنيفة فوجدناهم يحتجون بأن قالوا إن أخذ الصدقات إنما جاء التضييع من قبل الإمام،
فيجب عليه دفعهم، وأما من مر عليهم، فقد عرض ماله للتلف. وهذا لا شىء لأنه لم يأت نص
ولا إجماع بأن تضييع الإمام يسقط الحقوق الواجبات لله تعالى، وأيضا فكما أوجبوا العشر ثانيًا،
فكذلك يلزمهم أن يأخذوا الزكاة ثانية، ويجعلوا ذنب أهلها أنهم عرضوا أموالهم للتلف، فقد كان
يمكنهم الهرب عن موضع البغاة، أو يعذروا المعشرين أهـ.
قلت: ولا يخفى ما فى الهرب عن الوطن من المشقة والحرج ولا يستوى المختار والمضطر،
فقياس من أخذ البغاة منه الزكاة على مر على عاشرهم بنفسه باطل. وأما قوله: لم يأت نص،
ولا إجماع بأن تضييع الإمام يسقط الحقوق الواجبة إلخ.
ففيه أن الحنفية لم يقولوا: بأن تضييع الإمام يسقط الحقوق وإنما قالوا بأن تضييعه يسقط
ولايته على من ضيعه لكون الولاية منوطة بالحماية. فمن لم يحمه الإمام لا ولاية له عليه کالمسلمین

٦٧٨
ج - ١٢
٤٣٦٤- حدثنا معاذ عن ابن عون عن أنس بن سيرين قال: كنت عند ابن عمر
فقال رجل: أندفع صدقات أموالنا إلى عمالنا؟ فقال: نعم، فقال: إن عمالنا كفار، قال:
وكان زياد - هو زياد بن أبيه الوالى المشهور - يستعمل الكفار فقال: لا تدفعوا
صدقاتكم إلى الكفار. رواه أبو عبيد أيضا (ص٥٦٩). وهو سند صحيح.
باب من قتل رجلا وهما من عسكر أهل البغى
ثم ظهر عليهم فليس عليهم شىء
قال الله تعالى: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة﴾.
المقيمين بدار الحرب، لا ولاية للإمام على صدقاتهم وعشورهم وقضاياهم، وهو مجمع عليه
لا يختلف فيه اثنان فكذلك المقيمون بدار البغاة لا ولاية للإمام على صدقاتهم وغيرها، فإن أخذ
البغاة منهم وصرفوها فى مواضعها أجزاتهم ولا يأخذها الإمام ثانیا، و کیف یأخذها منهم، وقد قال
رسول الله مرّة: ((لا ثنى فى الصدقة)) أخرجه أبو عبيد فى "الأموال" عن سفيان بن عيينة عن
الوليد بن كثير عن حسن بن حسن عن أمه فاطمة بنت حسین مرسلا (ص: ٣٧٥).
ورواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" بهذا السند بعينه (ص: ٦٢)، ويؤيد ما ذهبنا إليه أثر ابن
عمر الذى أودعناه فى المتن فبطل قول ابن حزم: إنه لم يأت به نص وإجماع.
فهذا ابن عمر يقول فى رجل زكت الحرورية ماله: إن ذلك يقتضى عنه ولا يعرف له
مخالف فى الصحابة بل قال فى "البحر" بأنها أى الصدقات لم تزل تؤخذ كذلك ولا تعاد، وبأن
عليا رضى الله عنه لم يثن على من أعطى الخوارج، كذا فى "النيل" (٤: ٤٢)، وهذا كما ترى
كالإجماع على الجواز والإجزاء.
قوله: "حدثنا معاذ إلخ". فيه أن الصدقات لا تدفع إلى الكفار من العمال، وهذا مما لا يشك
مسلم فى كراهته، وهل يقضى ذلك عنه أم لا؟ فإن كانوا أمناء يؤدون الأمانات إلى أهلها،
ثم يصرفها الإمام فى مواضعها أجزأت وإلا فلا وعلى أرباب الصدقات إعادتها والله تعالى أعلم.
باب من قتل رجلا وهما من عسكر أهل البغى
ثم ظهر عليهم فليس عليهم شىء
قوله: قال الله تعالى الآية. وجه دلالته على معنی الباب أن الله تعالی لم يوجب فى قتل مؤمن
هو من قوم عدو لنا إلا الكفارة وأسقط القود والدية عن قاتله وليس ذلك إلا لكونه ملحقا بأهل
الحرب لكونه مقيما بدارهم بعد إسلامه، ولم يبهاجر إلى دار الإسلام، فدل على أنه لا قيمة لدم

٦٧٩
من قتل رجلا وهما من عسكر أهل البغى ثم ظهر عليهم فليس عليهم شىء
إعلاء السنن
المقيم بدي الحرب بعد إسلامه قبل الهجرة إلينا، وإن كان محظور الدم فلا ضمان على متلف
نفسه، وإنما عليه الكفارة فكذلك الرجلان من أهل البغى قتل أحدهما الآخر لا يجب على القاتل
دية ولا قصاص إذا ظهرنا عليهم لأنه قتل نفسا يباح قتلها، ألا ترى أن العادل إذا قتله لا يجب عليه
شىء، فلما كان مباح القتل لم يجب به شىء، ولأن القصاص لا يستوفى إلا بالولاية وهى بالمنعة،
ولا ولاية للإمام عليهم حين القتل، فلم ينعقد موجبًا كالقتل فى دار الحرب. وعند الأئمة الثلاثة
يقتل به، لأن عندهم كل موضع تجب فيه العبادات فى أوقاتها، فهو كدار العدل، وتقدم الكلام
فيه، كذا فى "فتح القدير" (٣٣٩:٥).
ويؤيده ما ذ کرنا من النص، فإنه فرق بین دم مؤمن منا، وبين دم مؤمن من قوم عدو لنا،
فلا یستوفی دم مؤمن هو.من أهل دار الإسلام، وفى حكمه المستأمن الذى دخل دار الحرب بأمان،
ودم مؤمن من أهل دار الحرب، وفى حكمه المسلم الأسير بأيديهم لأن إقامته هناك لا على وجه
الأمان ، وهو مقهور مغلوب.
إفراط ابن حزم فى تكفير من لم يهاجر من دار الحرب:
وقد أفرط ابن حزم فقال: إن من خرج عن دار الإسلام إلى دار الحرب فقد أبق عن الله
تعالی، وعن إمام المسلمین و جماعتهم، ویبین هذا حديثه مآ أنه برىء من كل مسلم مقيم بین
أظهر المشركين وهو عليه السلام لا يبرأ إلا من كافر، فمن سكن بأرض الهند والسند والصين
والترك والسودان والروم من المسلمين فإن كان لا يقدر على الخروج من هناك لثقل ظهر أو لقلة
مال أو لضعف جسم أو لامتناع طريق فهو معذور وإن كان إنما يقيم هنالك لدنيا يصيبها وهو
كالذمى لهم وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمين وأرضهم فما يبعد من الكفر وما نرى له
عذرا، ونسأل الله العافية (٢٠٠:١١). ولم يدر أنه مرّ إنما برئ عن ضمان نفسه وماله ولم يبرأ من
إيمانه، يدل على ذلك سياق الحديث وهو ما رواه أبو داود بسند صحيح عن جرير بن عبد الله قال:
((بعث رسول الله مَّ له سرية إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود فأسرع فيهم القتل فبلغ ذلك
النبى معَّ فأمر لهم بنصف العقل وقال: أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين)) الحديث
"أحكام القرآن للرازى" (٣٤٢:٢). وليس معناه البراءة عن دينه وإيمانه ولو سلم فهو محمول على
التغليظ دون الحقيقة، فافهم.
الجواب عن إيراد ابن حزم على الحنفية فى الباب:
ثم ناقض ابن حزم قوله ذلك كله، ولم يدر ما قدمت يداه وأخرت، فقال فى أحكام البغاة:

٦٨٠
من قتل رجلا وهما من عسكر أهل البغى ثم ظهر عليهم فليس عليهم شىء
ج - ١٢
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا كانت جماعة من أهل العدل فى عسكر الخوارج وأهل البغى، فقتل
بعضهم بعضا عمدا، أو جرح بعضهم بعضا عمدا، وأخذ بعضهم مال بعض عمدا (أى وأتلفه)،
فلا شىء فى ذلك لا قود ولا دية، غلب أهل الجماعة والعدل عليهم بعد ذلك أو لم يغلبوا، قال ابن
حزم: ما لهذا القول جواب إلا أنه حكم إبليس ووالله ما ندرى كيف انشرحت نفس مسلم لاعتقاد
هذا القول المعاند لله تعالى، ولرسوله عليه السلام إلى آخر ما قال وأطال وهذى (١١٤:١١).
قلنا: ليس هذا إلا حكمك أنت وقد انشرح به صدر أبى حنيفة وأصحابه، كما انشرح
صدرك بتكفير مسلم أقام بدار الحرب ولم يهاجر فلم لا ينشرح صدرك بجعل من أقام بعسكر
البغاة باغيا؟ وهل هذا إلا تناقض من القول وتهافت فقد علم كل عاقل بأنه لا فرق بين أهل الحرب
وأهل البغى فى إباحة قتلهم وقتالهم. وانشرح به صدر أبى حنيفة وأصحابه أيضا لقول الله عز وجل
﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة﴾، فإنه قد أسقط قيمة دم مؤمن هو من
قوم عدو لنا، وهو يعم أهل الحرب وأهل البغى كليهما بجامع العداوة، وقد برئ رسول الله عَ ليه
من مسلم مقيم بين أظهر المشركين، وأهل البغى مثلهم فى إباحة القتل والقتال، كما تقدم، فكيف
لا يبرأ نفس كل مسلم ممن برئ منه رسول الله عّ لّه، فافهم ولا تعجل فى الطعن على أئمة الهدى
فتهلك وتردى ويظهر سخافة رأيك على عامة الورى، قال فى "المبسوط": "وإذا كان قوم من أهل
العدل فى يدى أهل البغى تجارا، وأسرى فجنى بعضهم على بعض، ثم ظهر عليهم أهل العدل
لم يقتص لبعضهم من بعض لأنهم فعلوا ذلك حيث لا تصل إليهم يد إمام أهل العدل، ولا يجرى
عليهم حكمه، فكأنهم فعلوا ذلك فى دار الحرب اهـ (١٣٠:١٠).
وقال فى "الهداية": " وإن غليوا أى أهل البغى على مصر فقتل رجل من أهل المصر رجلا
من أهل المصر عمدا، ثم ظهر على المصر، فإنه يقتص منه، وتأويله إذا لم يجر على أهله أحكامهم
وأزعجوا قبل ذلك" اهـ (٣٣٩:٥ مع الفتح)، فيحمل ما فى "المبسوط" على قوم جرى عليهم
أحكام أهل البغى، وقد اعترف ابن حزم نفسه بأن من سكن أرض القرامطة مختارا فكافر بلا شك،
لأنهم معلنون بالكفر وترك الإسلام ونعوذ بالله من ذلك (١١: ٢٠٠). فما له يلوم أبا حنيفة
وأصحابه فى جعلهم من فى عسكر أهل البغى تحت حكمهم كالبغاة فى سقوط قيمة دمه من غير
أن يسقط حرمته؟ وهل هذا إلا تحكم وتحامل بالباطل؟ ويؤيد أبا حنيفة ما رواه أبو يعلى وعلى بن
معبد فى "كتاب الطاعة" عن ابن مسعود مرفوعًا وابن المبارك فى "الزهد" عن أبى ذر موقوفا من