Indexed OCR Text

Pages 641-660

ج - ١٢
حد الساحر ضربة بالسيف وكذا من سب رسول الله
٦٤١
٤٣٢٢- عن الحسن أن أميرا من أمراء الكوفة دعا ساحرا يلعب بین یدی الناس،
فبلغ جندب فأقبل بسيفه واشتمل عليه، فلما رآه ضربه بسيفه فتفرق الناس عنه، فقال:
أيها الناس! لن تراعوا إنما أردت الساحر، فأخذه الأمير فحبسه، فبلغ ذلك سلمان،
فقال: بئس ما صنعا، لم یکن ینبغی لهذا، وهو إمام یؤتم به يدعو ساحرا يلعب بین یدیه،
ولا ينبغى لهذا أن يعاتب أميره بالسيف. رواه الحاكم فى "المستدرك" (٣٦١:٣).
وسكت عنه هو والذهبی، ورجاله كلهم ثقات.
٤٣٢٣- عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة أنه بلغه أن حفصة زوج
النبى عّ لّه قتلت جارية سحرتها، وكانت قد دبرتها، فأمرت بها فقتلت. رواه مالك فى
"الموطأ" (نيل ٧: ٨٥).
قتل المرتد إلى الإمام حرًاً كان أو عبدًا
قوله: "عن الحسن إلخ". دلالته على قتل الساحر ظاهرة، ولم يكن من المسلمين، كما هو
المتبادر، بل كان من أهل الذمة، وفيه أيضا إنكار سلمان على جندب فى استبداده بقتل الساحر من
دون إذن الأمير، وكذا أنكر عثمان على حفصة فى قتلها الجارية التى سحرتها من دون السلطان،
وبه نأخذ أن لا يقتل المرتد، ولا الساحر أحد دون الإمام أو نائبه. قال الموفق فى "المغنى" : "قتل
المرتد إلى الإمام، حرًا كان أو عبدًا، وهو قول عامة أهل العلم إلا الشافعى فى أحد قوليه فى العبد،
فإن لسيده قتله لقول النبى مرّ له: ((أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم))، ولأن حفصة قتلت جارية
سحرتها، ولنا أنه قتل لحق الله تعالى فكان إلى الإمام كرجم الزانى، وكقتل الحر، وقوله معدّ له:
وأقيموا الحدود، فلا يتناول القتل للردة، فإنه قتل لكفره لا حدا فى حقه (ولأن المعنى أقيموها
على أرقاءكم برفع الأمر إلى الإمام)، وأما خبر حفصة، فإن عثمان تغيظ عليها، وشق ذلك عليه
اهـ (١٠: ٨٠)، وقال المحقق فى "الفتح": وقتل المرتد مطلقا إلى الإمام عند عامة أهل العلم إلا
الشافعی فی وجه فی العبد إلى سيده (٣٣٢:٥).
قلت: فما ذكره محمد فى "السير الكبير" أن لمولى العبد أن يقتله بنفسه إن شاء، فعل ذلك
ابن عمر رضى الله عنه لعبد له تنصر، ولأنه بالردة صار كالحربى فى حكم القتل، ولكل مسلم قتل
الحربى الذى لا أمان له إلا أن الأفضل أن يرفعه إلى الإمام ليكون هو الذى يقتله لأن فيه معنى الحد،
واستيفاء الحدود إلى الإمام اهـ (١٦٢:٤) هو قول محمد وحده، لا قول أئمتنا جميعاً، والله تعالى
أعلم. والقياس على الحربى يقتضى مساواة الحر والعبد فى حكم القتلى، فلا وجة لتخصيصه بالعبد

٦٤٢
.. حد الساحر ضربة بالشيف وكذا من سب رسول الله
١٢٠١٧٠
إعلاء السنن
٠ ٤٣٢٤- عن ابن عمر رضى الله عنهما أن جارية لحفصة زوج النبى عليه
سحرتها فاعترفت به على نفسها فأمرت حفصة عبد الرحمن بن يزيد فقتلها، فأنكر
ذلك عليها عثمان فأتاه عبد الله فقال: إنها سحرتها واعترفت به، فكان عثمان أنكر
عليها ما فعلت دون السلطان. رواه الطبرانى من رواية إسماعيل بن عياش عن المدنيين،
وهى ضعيفة، وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٢٨٠:٦). قلت: قد وثقه بعض الأئمة
مطلقا، فالحديث حسن، وتأيد بمرسل ابن زرارة عند مالك فى "الموطأ".
٤٣٢٥- وأخرج الحاكم فى المستدرك (٤: ٢٢٠) عن عائشة أنها لم تقتل جاريتها
التى سحرته، بل باعتها من شر البيوت ملكة. صححه الحاكم، وسكت عنه الذهبى.
٤٣٢٦- عن أبي برزة الأسلمى قال: أغلظ رجل لأبى بكر الصديق رضى الله
عنه، فقلت: يا خليفة رسول الله! ألا أقتله؟ فقال: ليس هذا إلا لمن شتم النبى عَيٍّ. رواه
الحاكم فى "المستدرك" (٣٨٨:٣)، وسكت عنه هو والذهبى.
وقد ثبت عن عثمان وسلمان رضى الله عنهما الإنكار على من قتل الساحر، حرا أو عبدا دون
السلطان فالصحيح ما عليه الجمهور، وهو المذهب.
قوله: "عن أبى برزة إلى آخر الباب". قال المحقق فى "الفتح": وكل من أبغض رسول
الله عَ لِّ بقلبه صار مرتداً فالسباب بطريقٍ أولى. ثم يقتل حدا عندنا، فلا تعمل توبته فى إسقاط
القتل قالوا: هذا مذهب أهل الكوفة ومالك، ونقل عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه، ولا فرق
بين أن يجىء تائبا من نفسه، أو شهد عليه بذلك، بخلاف غيره من المكفرات، فإن الإنكار فيه
توبة، فلا تعمل الشهادة معه حتى قالوا يقتل، وإن سب سكران، ولا يعفى عنه، ولا بد من تقييده
بما إذا كان سكره سبب محظور باشره مختارًا بلا إكراه وإلا فهو كالمجنون، قال الخطابي: ولا أعلم
أحدًا خالف فى وجوب قتله وأما مثله فى حق الله تعالى فتعمل توبته فى إسقاط قتله اهـ (٢٣٢:٥).
قلت: وما ذكره المحقق من عدم قبول توبة الساب لعله أخذه عن البزازى وإلا فالمشهور من
مذهب الحنفية أن حكمه حكم المرتد فی قبول توبته فإن تاب نكل وإن أبى قتل، كما ذكره فى
"الدر والشامية" بأبسط وجه (٤٤٨:٣ و٤٥٠)، وهو منطوق عبارة أبى يوسف فى الخراج له
حيث قال: "وأيما رجل مسلم سب رسول الله، أو كذبه، أو عابه، أو تنقصه، فقد كفر بالله، وبانت
منه زوجته، فإن تاب، وإلا قتل، وكذلك المرأة إلا أن أبا حنيفة قال: لا تقتل المرأة، وتجبر على
الإسلام أهـ (ص: ٢١٧).

ج - ١٢
حد الساحر ضربة بالسيف وكذا من سب رسول الله
٦٤٣
٤٣٢٧- عن ابن عمر قال: أتى عمر بن الخطاب برجل سب رسول الله عنا كلّه
فقتله ثم قال: من سب رسول الله مرّ أو أحدا من الأنبياء فاقتلوه. رواه أبو الحسن
الإصبهانى فى أماليه، وسنده صحيح (كنز العمال ٢٩٤:٦). وأخرجه حرب فى
"مسائله" عن ليث بن أبی سليم عن مجاهد قال: أتى عمر برجل سب النبى عبد،
فذكره (الصارم المسلول ص ١٩٥).
٤٣٢٨- قال ليث: وحدثنى مجاهد عن ابن عباس قال: أيما مسلم سب الله،
أو سب أحدا من الأنبياء فقد كذب رسول الله ێے، وهی ردة يستتاب، فإن رجع، وإلا
قتل. وأيما معاهد عائد فسب الله أو أحدا من الأنبياء أو جهر به فقد نقض العهد فاقتلوه.
رواه حرب فى مسائله (الصارم المسلول ص٤١٨)، والمذكور من السند حسن.
وقال الموفق فى "المغنى": ومن قذف أم النبى معَّ قتل مسلما أو كافرا يعنى أن حده القتل،.
ولا تقبل توبته، نص عليه أحمد، وحكى أبو الخطاب رواية أخرى أن توبته تقبل وبه قال أبو حنيفة
والشافعى، مسلما كان أو كافرا لأن هذا منه ردة، والمرتد يستتاب، وتصح توبته، قال: وقذف النبى معَّ لّ.
وقذف أمه ردة عن الإسلام وخروج عن الملة، (قلت: وكذلك قذف أزواجه، كما مر فتذكر).
وكذلك سبه بغير القذف إلا أن سبه بغير القذف يسقط بالإسلام لأن سب الله تعالى يسقط
بالإِسلام، فسب النبى أولى، وقد جاء فى الأثر (الصحيح أخرجه الشيخان): أن الله تعالى يقول:
(شَتمنى ابن آدم وما ينبغى له أن يشتمنى أما شتمه إياى فقوله إنى اتخذت ولدا وأنا الأحد الصمد
لم ألد ولم أولد))، ولا خلاف فى أن إسلام النصرانى القائل لهذا يمحوا ذنبه اهـ (٢٣٠:١٠ و٢٣١).
فتحرر أن مذهب الحنفية كمذهب الشافعى قبول توبته كما هو رواية عن مالك وأحمد وأن
تحتم قتله وإن تاب مذهب مالك رحمه الله، كما فى "الشفاء" للقاضى عياض وغيره من كتب
المالكية، واحتجوا بما رواه الطبرانى عن عبيد الله بن محمد بن عبد العزيز العمرى عن إسماعيل بن
أبى أويس عن موسى بن جعفر عن أبيه عن على بن الحسين عن الحسين بن على عن على رضى الله
عنهم، قال: قال رسول الله عَ له: ((من سب الأنبياء قتل ومن سب أصحابى جلد)) قال الطبرانى:
تفرد به ابن أبى أويس قال الحافظ فى "اللسان": كلهم ثقات إلا العمرى ضعفه الدارقطنى، ورماه
النسائى بالكذب اهـ (١١٢:٤)، فلا حجة فيه. وبما ذكرنا فى المتن عن عمر رضى الله عنه، ولكن
يعارضه قول ابن عباس: وهى ردة يستتاب منها فإن رجع، وإلا قتل إلخ، وبقول أبى بكر الصديق
فيما كتب به إلى المهاجر فى المرأة التى سبت النبى ◌ّ: لولا ما قد سبقنى فيها لأمرتك بقتلها لأن

٦٤٤
إعلاء السنن
باب ما يكون الرجل به مسلما يدرأ عنه القتل والسبى
٤٣٢٩- عن أبى هريرة أن رسول الله عّ لّه قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى
يقولوا: لا إله إلا الله فمن قال: لا إله إلا الله عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه
على الله. رواه مسلم (٣٧:١). وهو فى الأمهات عن جماعة من الصحابة (نيل ١٠٣:٧).
حد سب الأنبياء لا يشبه الحدود فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد ومعاهد فهو محارب
غادر اهـ (ص: ٢٨٢) من "الصارم المسلول" قلت: وكان مهاجر قطع يدها ونزع ثنيتها لكونها
تغنت وزمرت بشتيمة رسول الله عَّ له ذكره الطبرى فى "تاريخه" (٢٧٧:٣)، وقال الحافظ ابن
تيمية فى "الصارم المسلول": "إن إلحاق شين ونقص لحضرة الأنبياء عليهم السلام كفر، بل كل
الكفر، واستوعب فى كتابه هذه المسألة، وأوعب من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وأن
النبى معٍَّ كان له أن يعفو عن سابه وله أن يقتل، وقد وقع كلا الأمرين، وأما الأمة فيجب عليهم
قتله، وفى الاستتابة وعدمها وقبول التوبة وعدمه فى أحكام الدنيا اختلاف، اهـ أى وأما فى أحكام
الآخرة فيما بينه وبين الله تعالى، فتوبته مقبولة اتفاقًا، كتوبة سائر المرتدين (فإن الله يقبل التوبة عن
عباده ويعفو عن السيئات)، قاله الموفق فى "المغنى" (٢٣٠:١٠).
قلت: وكان اللعين متنبئ القاديان إذا أتى على ذكر عيسى عليه السلام استشاط غيظا،
ولم يملك نفسه فيسترسل فى مثالبه بالهمز واللمز والطعن واللعن، ويبسطه كل البسط ويلفته كل
اللفت وسرى ذلك فى أتباعه الملعونين فتراهم يصنفون فى هجاء عيسى عليه السلام ويشيعونه فى
أهل الإسلام دع النصارى وقصارى بغيتهم أن لا يبقى للناس رغبة فى نزول عيسى ابن مريم عليه
السلام من السماء ولا اشتياق إليه فيسلموا لذلك الشقى الهاذى الخابط المهذار خذله الله تعالى ومن
تبعه، أو هداهم للإسلام، وقد نص العلماء على أن التهور فى شأن الأنبياء وإن لم يقصد السب
كفر وردة، فإلى الله المشتكى وهو المستغاث، وبه نعوذ من الفتن ما ظهر منها وما بطن. ومن أراد
بسط الأقوال والأدلة فى الباب، فليراجع "كتاب إكفار الملحدين" للأستاذ أنور شاه رحمه الله،
فقد أجاد وأفاد وشفى واشتفى.
باب ما يكون الرجل به مسلم يدرأ عنه القتل والسبى
قوله: "عن أبى هريرة إلخ". قال الحافظ فى "الفتح": فيه منع قتل من قال لا إله إلا الله، ولو
لم يزد عليها، وهو كذلك لكن هل يصير بمجرد ذلك مسلما؟ الراجح لا، بل يجب الكف عن قتله
حتى يختبر، فإن شهد بالرسالة، والتزام أحكام الإسلام حكم بإسلامه، وإلى ذلك الإشارة بقوله:

٦٤٥
ما يكون الرجل به مسلما يدرأ عنه القتل والسبى
ج - ١٢
٤٣٣٠- عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله عَ له: أمرت
أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة،
ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على
الله تعالى أخرجه الشيخان (نيل الأوطار ١٠٤:٧). وفى لفظ عند مسلم (٣٧:١): حتى
يشهدوا أن لا إله إلا الله ویؤمنوا بی، وبما جئت به الحديث.
إلا بحق الإسلام، قال البغوى: الكافر إذا كان وثنيا، أو ثنويا لا يقر بالوحدانية، فإذا قال: لا إله
إلا الله حكم بإسلامه، ثم يجبر على قبول جميع الأحكام، ويبرأ من كل دين خالف دين الإسلام،
وأما من كان مقرا بالوحدانية منكرًا للنبوة فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول: محمد رسول الله،
فإن كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب خاصة، فلا بد أن يقول إلى جميع الخلق فإن كفر
بجحود واجب، أو استباحة محرم، فيحتاج أن يرجع عما اعتقده، ومقتضى قوله: يجبر، أنه إذا
لم يلتزم تجرى عليه أحكام المرتد، وبه صرح القفال، واستدل بحديث الباب.
غفلة عظيمة من القفال:
فادعى أنه لم يرد فى خبر من الأخبار "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وأن
محمدا رسول الله، أو أنى رسول الله" كذا قال وهى غفلة عظيمة. فالحديث فى "صحيحى"
البخارى ومسلم فى كتاب الإيمان من كل منهما من رواية ابن عمر ويحتمل أن يكون المراد بقول:
لا إله إلا الله هنا التلفظ بالشهادتين، لكونها صارت علما على ذلك، ويؤيده ورودهما صريحا فى
الطرق الأخرى (٢٤٧:١٢). وفيه أيضا " وقد رواه عبد الرحمن بن يعقوب (عند مسلم فى
"صحيحه " کما ذكرناه فى المتن) بلفظ يعم جمیع الشريعة حيث قال: ويؤمنوا بی وبما جئت به،
فإن مقتضى ذلك أن من جحد شيئا مما جاء به عّ لّه، ودعى إليه فامتنع، ونصب القتال أنه يجب
قتاله وقتله إذا أصر" اهـ (٢٤٥:١٢).
وفى "شرح السير" أن الكافر متی أظهر بخلاف ما كان يعتقده فإنه یحکم یإسلامه به.
والأصل فيه قول النبى معَّ له: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وقد كان يقاتل عبدة
الأوثان وهم كانوا لا يقولون بذلك، كما قال الله: ﴿إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله
يستكبرون﴾، فجعل ذلك علامة إيمانهم، ثم حين دعا اليهود بالمدينة إلى الإسلام جعل علامة
إيمانهم الإقرار برسالته حتى قال اليهودى الذى دخل عليه يعوده: اشهد أنى رسول الله، فلما شهد
ومات قال: الحمد لله الذى أعتق بى نسمة من النار، لأنهم كانوا لا يقرون برسالته، فجعل ذلك

٦٤٦
ما يكون الرجل به مسلما يدرأ عنه القتل والسبى
إعلاء السنن
٤٣٣١- عن أنس أن رسول الله عّ لّه قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا:
لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله
واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلوا صلاتنا حرمت علينا دماءهم وأموالهم إلا بحقها.
علامة إيمانهم، إذا عرفنا هذا فنقول: إذا حمل مسلم على مشرك ليقتله فقال: لا إله إلا الله فإن كان
من قوم لا يقولون هذا فعلى المسلم أن يكف عنه لأنه سمع منه ما هو دليل إيمانه، فإن قال: ما أردت
الإسلام بما قلت إنما إردت اليهودية، أو التعوذ لئلا يقتلنى لم يلتفت إلى قوله: لأن الظاهر أنه إنما
قصد إجابته إلى ما طلب منه. والمسلم إنما طلب الإسلام لا اليهودية وقوله: لا إله إلا الله دليل على إسلامه
وإن لم يكن يقر بالإسلام كله فيلزمه حكم الإسلام بمنزلة ما لو صلى فى الجماعة مع المسلمين، فإن
ذلك يكون دليلا على إسلامه، فإذا امتنع من الإسلام بعد ذلك كان مرتدا فيقتل. ولو كان الرجل
ممن يقول: لا إله إلا الله، والمسألة بحالها، فلا بأس بأن يقتله، وإن تكلم بهذه الكلمة (والأولى أن
يكف عنه ويختبره لاحتمال أن يكون اقتصر على ذلك لضيق الوقت عن إتيان الشهادتين). وإن
قال بعد ما رهقه: محمد رسول الله أو دخلت فی دین محمد مطێ، فهذا كله دلیل إسلامه حتى لو
مات بعد ما قال هذه المقالة فإنه يصلى عليه، ويستغفر له اهـ ملخصا (٤: ٣٦٤ و ٣٦٧).
وقال فى "الفتح": إن اشتراط التبرى إنما هو فيمن بين أظهرنا منهم وأما من فى دار الحرب
لو حمل عليه مسلم فقال: محمد رسول الله فهو مسلم، أو قال: دخلت فى دين الإسلام أو دين
محمد عّ لّهِ فهو دليل إسلامه لأن فى ذلك الوقت ضيقا وقوله هذا إنما أراد به الإسلام الذى يدفع
عنه القتل الحاضر فيحمل عليه ويحكم به بمجرد ذلك اهـ. وعن الإمام الحلوانى فى الوثنى أنه يصير
مسلما بقوله: أنا مسلم أو على دين محمد أو الحنفية أو الإسلام، فعلى هذا يقال كذلك فى اليهود
والنصارى فى بلادنا، فإنهم يمتنعون من قول أنا مسلم حتى إن أحدهم إذا أراد منع نفسه عن أمر
يقول: إن فعلته أكون مسلما، فإذا قال: أنا مسلم طائعا، فهو دليل إسلامه اهـ.
واعلم أن الإسلام يكون بالفعل أيضا كالصلاة بجماعة، أو الإقرار بها، أو الأذان فى بعض
المساجد أو الحج، وشهود المناسك، لا الصلاة وحده ومجرد الإحرام (بحر)، ذكر كله الشامى فى
رد المحتار" وأشبع الكلام فى المسألة، فليراجع (٤٤٢:٣ و٤٤٦). قلت: ودلالة الآثار على معنى
الباب، وما ذكرناه من تفاصيله ظاهرة بأدنى، تأمل.
قد يكون الإسلام بالفعل:
قوله: "عن أنس ثالث الباب إلخ" فى قوله عّلّهِ: من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا دليل على

ج - ١٢
ما يكون الرجل به مسلما يدرأ عنه القتل والسبى
:: ٦٤٧
أخرجه البخارى والترمذى وأبو داود والنسائى، ولفظ البخارى: من شهد أن لا إله إلا
الله واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما للمسلم وعليه ما على
المسلم. (نيل الأوطار ١٠٤:٧).
٤٣٣٢- عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة قال له
رسول الله عَ لُله: يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله الحديث. رواه
مسلم (المحلى ٣١٦:٧).
٤٣٣٢- عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله عَ ◌ّه فى سرية، فذكر الحديث
وفيه: ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله فكف
عنه الأنصارى وطعنته فقتلته، فبلغ ذلك رسول الله عّ لّه فقال لى: يا أسامة! أ قتلته بعد
ما قال: لا إله إلا الله؟ قلت: يا رسول الله! إنما كان متعوذا فقال: أقتلته بعد ما قال:
لا إله إلا الله؟ فما زال يكرره الحديث، رواه مسلم (المحلى ٣١٦:٧).
٤٣٣٣- عن أنس أن يهوديا قال لرسول الله عرّ له: أشهد أنك رسول الله،
ثم مات، فقال رسول الله عَ ليه: صلوا على صاحبكم. رواه أحمد فى رواية مهنأ
محتجابه. وفى "مجمع الزوائد": أخرجه أبو يعلى بإسناد رجاله رجال الصحيح، (نيل
الأوطار ١٠٣:٧).
٤٣٣٤- عن ابن عمر قال: بعث رسول الله عَّه خالد بن الوليد إلى بنى خذيمة،
فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا فجعل
ما قلنا إن الإسلام قد يكون بالفعل. وإنما قيدنا الصلاة بالجماعة لأنه لو صلى منفردًا لا يوقف على
حقيقة، فعله أنه صلاة، أو قيام وقعود وانحناء، وعند أحمدٍ يحكم بإسلامه سواء صلى جماعة ،
أو منفردًا وعند الشافعى إن صلى فى دار الحرب حكم بإسلامه وفى دار الإسلام لم يحكم به، لأنه
يحتمل الرياء والتقية، ذكره الموفق فى "المغنى" (١٠٣:٣) قال: وأما سائر الأركان من الزكاة
والصيام والحج، فلا يحكم بإسلامه به، فإن المشركين كانوا يحجون اهـ. قلنا: كان ذلك قبل الفتح
ثم امتنعوا منه بقوله مَّ له: ((لا يحج بعد العام مشرك)) وأخرجوا من الحجاز بقوله: ((لا يبقى فى
جزيرة العرب دينان)) فالآن يحكم بإسلامه به إذا أتى بالمناسك على طريقة الإسلام.
قوله: "عن ابن عمر إلخ" فيه دليل على أن الكناية مع النية كصريح لفظ الإسلام قاله ابن

٦٤٨
إعلاء السنن
خالد يقتل ويأسر حتى قدمنا على رسول الله عَّ له: فقال: اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع
خالد مريتن. رواه أحمد والبخارى (نيل ١٠٣:٧).
٤٣٣٥- عن عقبة بن مالك الليثى قال: بعث رسول الله عَّ اللّه سرية فأغاروا على
قوم فشد رجل من القوم فأتبعه رجل من السرية، ومعه السيف شاهرة فقال الشاد من
القوم: إنى مسلم فلم ينظر فيما قال فضربه فقتله، فنمى الحديث إلى رسول الله معدّ ليده
فقال فيه قولا شديدا بلغ القاتل فقال: والله يا رسول الله! ما قال الذى قال: إلا تعوذا من
القتل فأعرض عنه النبى عّ لّله ثلاثا، ثم أقبل عليه تعرف المساءة فى وجهه، وقال: إن الله
أبى على فيمن قتل مؤمنًا ثلاثًا. رواه الطبرانى فى "الكبير"، وأحمد وأبو يعلى إلا أنه قال
عقبة بن خالد ورجاله ثقات كلهم. (مجمع الزوائد ١: ١٠)، وهو مختصر.
باب هل يقبل إسلام الصبى العاقل؟ وهل يعتبر ارتداده
فيجبر على الإسلام ولا يقتل؟
٤٣٣٦- عن عروة قال: أسلم على وهو ابن ثمانى سنين. أخرجه البخارى فى
"تاريخه"، وأخرج أيضا عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قتل على رضى الله عنه،
وهو ابن ثمان وخمسين (المنتقى مع النيل ١٠٨:٧).
تيمية فى "المنتقى"، وفيه أيضًا وجوب الكف عن قتل الكافر إذا أتى بلفظ يوهم قبوله الإسلام،
وهو أصل لكل ما ذكره الفقهاء فى هذا الباب كما لا يخفى على من مارس الفقه والله تعالى أعلم.
ولم يلزم أسامة (ولا بالرجل من السرية) قود لأنه قتله وهو يظنه كافرا فلم يكن قاتل عمد، قاله ابن
حزم فى "المحلى" (٣١٧:٧).
باب هل يقبل إسلام الصبى العاقل؟ وهل يعتبر ارتداده فيجبر على الإسلام ولا يقتل؟
قوله: "عن عروة إلخ" قال فى "الهداية": ((وارتداد الصبى الذى يعقل ارتداد عند أبى حنيفة
ومحمد رحمهما الله ویجبر على الإسلام ولا یقتل، وإسلامه إسلام، لا یرث ابویه، إن کانا
کافرین. وقال أبو يوسف: ارتداده لیس بارتداد، وإسلامه إسلام (وهو رواية عن أحمد) وقال زفر
والشافعی: إسلامه لیش یاسلام و ارتداده لیس بارتداد.
ولنا أن عليًا رضى اللهعنه أسلم فى صباه، وصحح النبى عدّله إسلامه (ولم يثبت أنه أمره
بتجدید الإسلام بعد البلوغ) وافتخاره بذلك مشهور اهـ.
:

ج - ١٢
هل يقبل إسلام الصبى العاقل؟ وهل يعتبر ارتداده
٦٤٩
٤٣٣٧- عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن رسول الله عّ لّ دفع الراية إلى
على يوم بدر وهو ابن عشرين سنة، أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (١١١:٣)،
وصححه على شرطهما، وأقره عليه الذهبى، وقال: هذا نص فى أنه أسلم، وله أقل من
عشر سنين، بل نص فى أنه أسلم، وهو ابن سبع أو ثمان، وهو قول عروة.
قال الموفق فى "المغنى": إن الصبى يصح إسلامه فى الجملة، وبهذا قال أبو حنيفة
وصاحباه وإسحاق وابن أبى شيبة وأبو أيوب، وقال الشافعى وزفر: لا يصح إسلامه حتى يبلغ لقول
النبی مٹِّ: ((رفع القلم عن ثلاث عن الصبی حتی یبلغ))، حديث حسن.
ولنا أن ما ذكرناه إجماع فإن عليًا رضى الله عنه أسلم صبيا وقال: سبقتكم إلى الإسلام
طرا، صبيا ما بلغت آوان حلم ولهذا قيل: أول من أسلم من الرجال أبو بكر رضى الله عنه، ومن
الصبيان على رضى الله عنه، ومن النساء خديجة رضى الله عنها ومن العبيد بلال رضى الله عنه،
(ومن الموالى زيد بن حارثة)، وقال عروة: أسلم على والزبير، وهما ابنا ثمان سنين، وبايع
النبى معَّ ابن الزبير لسبع أو ثمان سنين (أحرجه الحاكم فى "المستدرك" عن عروة قال: أسلم
الزبير وهو ابن ثمان سنين، وهاجر وهو ابن ثمان عشرة سنة))، وكان عمه يعلقه فى حصيره،
ويدخن عليه، ويقول: ارجع إلى الكفر، فيقول: لا أكفر أبدا. سكت عنه الحاكم والذهبى
كلاهما، ورجاله ثقات (٣٦٠:٣).
وأخرج أيضا من طريق عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة عن أبيه، فذكر حديثا طويلا
فى فضائل عبد الله بن الزبير، وفيه " ثم جاء بعد، وهو ابن سبع سنين أو ابن ثمان سنين، ليبايع
النبى عّ لِّ أمره الزبير بذلك، فتبسم النبى معَّ حين رآه مقبلا، وبايعه الحديث. صححه الحاكم
على شرطهما، وأعله الذهبى بعبد الله بن محمد بن يحيى، تركه أبو حاتم" (٥٤٨:٣)، ولم يرد
النبى معٍَّ على أحد إسلامه من صغير ولا كبير فأما قول النبى معَّ له: رفع القلم عن ثلاث فلا حجة
لهم فیه، فإن هذا يقتضى أن لا یکتب علیه ذلك والإسلام یکتب له، لا علیه، ويسعد به فى الدنيا
والآخرة" اهـ (٨٨:١٠ و ٨٩).
وأما قولهم إن الإسلام يلزمه أحكاما تشوبها المضرة كحرمان الميراث من الأبوين الكافرين
مثلا، فلا يؤهل له كالهبة ونحوها فالجواب أنه أمر متوهم وهو مجبور بميراثه من أقاربه المسلمين
وسقوط نفقة أقاربه الكفار، ثم إن هذا الضرر مغمور فى جنب ما يحصل له من السعادة فى الدنيا
والآخرة، وخلاصهِ من شفاء الدارين، فافهم.

7 . ٦٥٠
هل يقبل إسلام الصبى العاقل؟ وهل يعتبر ارتداده
إعلاء السنن
٤٣٣٨- عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب انطلق مع رسول الله عَ ليه فى رهط من
أصحابه قبل ابن صياد حتى وجده يلعب مع الصبيان، وقد قارب الحلم فلم يشعر حتى
ضرب رسول الله عَّةٍ ظهره بيده، ثم قال رسول الله عَ ليه لابن صياد: أتشهد أنى
رسول الله؟ فنظر إليه ابن صياد فقال: أشهد أنك رسول الأميين الحديث، متفق عليه.
ورواه أبو داود والترمذى، ومالك فى "الموطأ" (نيل الأوطار ١٠٨:٧).
قوله: "عن ابن عمر إلخ" قال ابن تيمية فى "المنتقى": قد صح عنه مرّ له أنه عرض الإسلام
علی ابن صياد صغیرا اهـ.
نبذة من أحوال ابن الصياد والدجال
ودلالته على معنى الباب ظاهرة قال الحافظ فى "الفتح": وأقرب ما يجمع بين ما تضمنه
حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال أن الدجال بعينه هو الذى شاهده تميم موثقا (فى بعض
جزائر البحر)، وأن ابن صياد هو شيطان تبدئ فى صورة الدجال فى تلك المدة إلى أن توجه إلى
إصبهان فاستتر مع قرينه إلى أن تجىء المدة التى قدر الله تعالى خروجه فيها. فقد أخرج أبو داود
بسند صحيح عن جابر قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرة، وأخرج أبو نعيم فى "تاريخ إصيهان" عن
حسان بن عبد الرحمن عن أبيه أنه أتى إصبهان مرة، فإذا اليهود يزفنون (يرقصون) ويضربون،
فسألت صديقا لى منهم، فقال: ملكنا الذى نستفتح به على العرب يدخل، فنظرت فإذا هو ابن
صياد فدخل المدينة، فلم يعد حتى الساعة، قال الحافظ: وعبد الرحمن بن حسان ما عرفته، والباقون
ثقات اهـ (٢٧٦:١٣ و٢٧٧). وأخرج مسلم من طريق أبى بكر أنه يخرج من إصبهان يعنى
الدجال، وفى أخرى عند أحمد، والحاكم يخرج من خراسان، كذا فى "فتح البارى" (٧٩:١٣).
وأما ما ذكره ابن صياد لأبى سعيد ألست سمعت رسول الله عَ ◌ّه يقول: ((إنه لا يولد له؟))
قلت: بلى قال: فإنه قد ولد لى، أو لست سمعت رسول الله عّ لّه يقول: لا يدخل المدينة ولا مكة؟
قلت: بلى. قال: فقد ولدت بالمدينة وها أنا أريد مكة، ألم يقل نبى الله مرّ له: إنه يعنى الدجال
يهودى؟ وقد أسلمت قال أبو سعيد: حتى كدت أعذره، وفى آخر كل من طرق حديثه أنه قال:
إنى لأعرفه؛ وأعرف مولده وأين هو الآن. قال أبو سعيد: فقلت له: تبالك سائر اليوم. أخرجه
مسلم من طرق، كما فى "فتح البارى" أيضًا (٢٧٥:١٣).
فإنما ينفى كونه الدجال الأكبر، ولا ينفى كونه قرينه، وإنما نفى رسول الله عّ دخوله
المدينة ومكة حين ظهوره بدعواها التى يدعيها لا مطلقًا، فقد أخرج الطبرانى من طريق سليمان بن

ج - ١٢
هل يقبل إسلام الصبى العاقل؟ وهل يعتبر ارتداده
٦٥١
٤٣٣٩- عن جابر قال: قال رسول الله عَ ليه: كل مولود يولد على الفطرة حتى
يعرب عنه لسانه، فإذا أعرب عنه لسانه، فإما شاكرا وإما كفورا. رواه أحمد، وأصله فى
"الصحيحين" (نيل ١٠٨:٧).
شهاب قال: نزل على عبد الله بن المعتمر وكان صحابيا فحدثنى عن النبى عرّ له: أنه قال الدجال
ليس به خفاء يجىء من قبل المشرق، فيدعوا إلى الدين فيتبع، ويظهر فلا يزال حتى يقدم الكوفة،
فيظهر الدین ويعمل به فيتبع، ويحث على ذلك، ثم يدعى أنه نبى، فيفزع من ذلك كل ذى لب
ويفارقه، فيمكث بعد ذلك، فيقول: أنا الله فتغشى عينه، وتقطع أذنه، ويكتب بين عينيه كافر،
فلا يخفى على كل مسلم فيفارقه كل أحد من الخلق فى قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.
وسنده ضعيف. وأخرج أبو نعيم فى ترجمة حسان بن عطية أحد ثقات التابعين من الحلية بسند
حسن صحيح قال: لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنا عشر ألف رجل وسبعة آلاف امرأة، وهذا
لا يقال من قبل الرأى فيحتمل أن يكون مرفوعًا أرسله أو يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب. قاله
الحافظ فى "الفتح" (١٣: ٨٠). وإنما تكلمنا على قصة ابن صياد مع كون المقام ليس مقام الكلام
عليها لأنها من المشكلات المعضلات التى لا يزال أهل العلم يسألون عنها، فأردنا أن نذكر ههنا ما
يحل الإشكال ويحسم مادة الإعضال أعاذنا الله، وجميع المسلمين من شر الدجال، وسائر
الدجاجلة. وجعلنا وإياهم مع المتقين فى الحياة وبعد الممات. وجنبنا عن الفرق الباطلة، آمين.
قوله: "عن جابر إلخ" قال فى "النيل": فيه دليل على أنه لا يحكم للصبى ما دام غير مميز إلا
بدين الإسلام (أى فى أحكام الآخرة)، فإذا أعرب عنه لسانه بعد تمييزه حكم عليه بالملة التى
يختارها أهـ (١٠٩:٧)، ومعنى قوله: حتى يعرب عنه لسانه - والله أعلم- أن يكون بحيث يفهم
ويفحم أى إذا ناظر الموحد أفهم، وإذا ناظر الملحد أفحم، كذا فى "فتح القدير"، والكفاية عن
"المبسوط" (٢٣١:٥).
متی یکون الصبى عاقلا؟
وفى "الدر": والعاقل المميز هو ابن سبع فأكثر (وبه قال أحمد فى رواية، كما فى
"المغنى"). وقيل: الذى يعقل أن الإسلام سبب النجاة ويميز الخبيث من الطيب، والحلو من المر، قاله
الطرسوسى فى "أنفع الوسائل" قائلا: ولم أرض قدره بالسن اهـ (٤٧٣:٣) ولا يقتل الصبى إذا
ارتد عاقلا وإن أدرك كافرا، وفى القياس يقتل إذا أدرك، وبه قال مالك وأحمد ولكنا استحسنا عدم
قتله لقيام الشبهة بسبب اختلاف العلماء فى صحة إسلامه فى الصغر، ولكن لو قتله إنسان لم يغرم

٦٥٢
إعلاء السنن
٤٣٤٠- عن أنس قال: كان غلام يهودى يخدم النبى عَّ ◌ُّه فمرض، فأتاه
النبى عَِّ يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم فنظر إلى أبيه، وهو عنده فقال: أطع
أبا القاسم فأسلم، فخرج النبى عّ لّه وهو يقول: الحمد لله الذى أنقذه بى من النار. رواه
البخاری (زیلعى ٥٩:٢).
باب لا يعتبر ارتداد الصبى غير العاقل والمجنون والسكران والمكره
٤٣٤١- عن عائشة رضى الله عنها مرفوعًا: رفع القلم عن ثلاث عن الصبى حتى
يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق. رواه أحمد وأبو داود والنسائى
وابن ماجه والحاكم وابن حبان. ورواه أبو داود والنسائى وأحمد والدارقطنى والحاكم
وابن حبان وابن خزيمة من طرق عن على (التلخيص الحبير ٦٨:١).
وقال العزيزى بعد ما رواه بلفظ "وعن المبتلى حتى يبرأ وعن الصبى حتى يكبر"
فى حديث عائشة: قال الشيخ: حديث صحيح، وبلفظ "عن المجنون المغلوب على عقله،
وعن الصبى حتى يحتلم" فى حديث على وقال: بطرق عديدة يقوى بعضها بعضًا اهـ.
شيئا، لأن من ضرورة صحة ردته إهدار دمه، دون استحقاق قتله كالمرأة إذا ارتدت لا تقتل، ولو
قتلها قاتل لم يلزمه شىء قاله المحقق فى "الفتح" (٢٣١:٥).
قوله: "عن أنس إلخ" استدل به صاحب "التنقيح" على صحة إسلام الصبى، كما فى
"نصب الراية" (١٥٩:٢). ولى فيه نظر لأن قوله معَّ: ((الحمد لله الذى أنقذه بى من النار)) يدل
على كون الغلام مدركا فإن من لم يدرك من أولاد الكفار لا يدخل النار، لقوله مَّ له: ((رفع القلم
عن ثلاث عن الصبى حتى يحتلم)). الحديث، وقد يطلق الغلام على البالغ باعتبار ما كان، أو لكونه
مستحكم القوة، كما فى حديث الإسراء من قول موسى عليه السلام: رب هذا غلام بعثته بعدى.
سمى النبى عّ لّه غلاما، وقد كان كهلا لكونه مستحكم القوة، فافهم.
باب لا يعتبر ارتداد الصبى غير العاقل والمجنون والسكران والمكره
قوله: "عن عائشة إلخ". فيه دلالة على رفع القلم عن الثلاثة المذكورة فى الحديث، ومقتضاه
أن لا تعتبر ردة الصبى قبل البلوغ مطلقا ولكن قيام الإجماع على صحة إسلام المميز من الصبيان
استلزم اعتبار ردته، فصار مستثنى منه. وبقى غيره على الأصل وعليه الإجماع، فلم يقل أحد
باعتبار ارتداد من لا يعقل من الصبيان وكذا المجنون، واختلف فى السكران، فقال الشافعى وأحمد

ج - ١٢
لا يعتبر ارتداد الصبى غير العاقل والمجنون والسكران والمكره
٦٥٣
٤٣٤٢- عن ثوبان مرفوعًا رفع عن أمتى الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه.
رواه الطبرانى، وقال الشيخ: حديث صحيح (العزیزی ٢٢٠:٢).
فی رواية: تعتبر ردته لم يقتل حتی یفیق ویتم له ثلاثة أيام من وقت ردته، فإن مات فی سکره مات
كافرا، واحتجوا بأن الصحابة رضى الله عنهم قالوا فى السكران: إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى
فحدوه حد المفترى، فأوجبوا عليه حد الفرية التى يأتى بها فى سكره وأقاموا مظنتها مقامها، ولأنه
يصح طلاقه فصحت ردته كالصاحى، كذا فى "المغنى" (١٠٩:١٠).
ولنا: أن الردة تبتنى على تبدل الاعتقاد ونعلم أن السكران غير معتقد لما قال وحد شرب
الخمر إنما شرع زجرًا عن السكر فلا يصح القياس عليه، ووقوع الطلاق عليه لأنه لا يفقتر إلى
القصد ولذا لزم طلاق الناسى، لحديث ((ثلاث جدهن جدوهن لهن جد الطلاق والعتاق والرجعة)).
وتقدم فى كتاب الطلاق، كذا فى "فتح القدير" (٣٣٠:٥).
قوله: "عن ثوبان إلخ". دلالته على رفع القلم عن المكره والخاطئ والناسى ظاهرة، ومقتضاه
أن لا تصح ردتهم لأن مبناه على تبدل الاعتقاد ولا اعتقاد لهؤلاء. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة
والشافعى. قال الموفق فى "المغنى": "وقال محمد بن الحسن: هو كافر فى الظاهر، تبين منه امرأته
ولا يرثه المسلمون إن مات، ولا يغسل لا يصلى عليه، وهو مسلم فيما بينه وبين الله تعالى لأنه نطق
بكلمة الكفر، فأشبه المختار" اهـ (١٠٨:١٠).
قلت: ولم أر هذا القول لمحمد فى كتب أصحابنا، ولم يذكروا فى المسألة خلافًا، فإن ثبت
فهو محمول على من لم يظهر إسلامه بعد زوال الإكراه ويجب على المكره أنه متى زال الإكراه
يظهر إسلامه، وكونه مكرها فيما نطق به فافهم. وسيأتى تفصيل أحكامه فى باب الإكراه إن شاء
الله تعالى. والأصل فى الباب قوله تعالى: ﴿ومن كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطئمن
بالإيمان﴾ الآية. وكان الكفار يعذبون المستضعفين من المؤمنين فما منهم أحد إلا أجابهم إلا بلالا
فإنه كان يقول: أحد أحد. ويروى أن عمارا أكرهه المشركون، فضربوه حتى تكلم بما طلبوا منه،
ثم أتى النبى معَ ◌ّه وهو يبكى فأخبره فقال له النبى معَّه: إن عادوا فعد، كذا فى "المغنى"
(١٠٦:١٠). ولم يثبت أنه ◌ّ جعل واحدا منهم كافرا فى الظاهر، وأبان منه امرأته أو أجرى
عليه شيئا من أحكام الكفار، والله تعالى أعلم.

ج - ١٢
٦٥٤
أبواب أحكام البغاة
باب محاربة أهل البغى وامتناع الخروج على الإمام
ولو جابرا فاسقا ما لم يأت بكفر بواح
قال الله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت
إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله﴾ - إلى قوله- ﴿إنما
المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾
أبواب أحكام البغاة
باب محاربة أهل البغى وامتناع الخروج على الإمام
ولو جابرًا فاسقا ما لم يأت بكفر بواح
قوله: "قال الله تعالی" الآية، فيها خمس فوائد: (أحدها): أنهم لم يخرجوا بالبغی عن
الإيمان، فإنه سماهم مؤمنين. (الثانية): أنه أوجب قتالهم. (الثالثة): أنه أسقط قتالهم إذا فاءوا إلى أمر
الله. (الرابعة): أنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه فى قتالهم. (الخامسة): أنه يجوز قتال كل من منع
حقًا عليه. والبغى فى اللغة الطلب، بغيت كذا أى طلبته قال الله تعالى حكاية ﴿ذلك ما كنا نبغى﴾
﴿وقالوا يا أبانا ما نبغى﴾، ثم اشتهر فى العرف فى طلب ما لا يحل من الجور والظلم، والباغى فى
عرف الفقهاء الخارج عن طاعة إمام الحق.
أصناف الخارجين عن طاعة الإمام
والخارجون عن طاعته أربعة أصناف: أحدها: الخارجون بلا تأويل بمنعة ، وبلا منعة يأخذون
أموال الناس، ويقتلونهم، ويخيفون الطريق، وهم قطاع الطريق. والثانى: قوم كذلك إلا أن بم
لا منعة لهم لكن لهم تأويل، فحكمهم حكم قطاع الطريق إن قتلوا وصلبوا، وإن أخذوا مال
المسلمين قطعت أيديهم وأرجلهم على ما عرف. والثالث: قوم لهم منعة وحمية خرجوا عليه
بتأويل يرون أنه على باطل كفر أو معصية يوجب قتله بتأويلهم، وهؤلاء يسمون بالخوارج،
يستحلون دماء المسلمين وأموالهم، ويسبون نساءهم، ويكفرون أصحاب رسول الله مَ ◌ّه.
وحكمهم عند جمهور أهل الفقهاء وجمهور الحديث حكم البغاة، وعند مالك یستتابون، فإن تابوا
وإلا قتلوا، وذهب بعض أهل الحديث إلى أنهم مرتدون، لهم حكم المرتدين لقوله عَظله: ((يخرج
قوم فى آخر الزمان)) الحديث، وفيه (فأين ما لقيتموهم فاقتلوهم فإن فى قتلهم أجرا إلى يوم القيامة»،
وعن أبى أمامة أنه رأى رؤوسا منصوبة على درج مسجد دمشق فقال: كلاب أهل النار كان هؤلاء

٦٥٥
محاربة أهل البغى وامتناع الخروج على الإمام
إعلاء السنن
مسلمين فصاروا كفارا، قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدا وافق أهل الحديث على تكفيرهم. وهذا
يقتضى نقل إجماع الفقهاء وابن المنذر أعرف بمذاهب المجتهدين فما يقع فى كلام أهل المذاهب من
تكفير كثير ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون، بل من غيرهم ولا عبرة بغير الفقهاء.
والمنقول عن المجتهدين ما ذكرنا، (ولا يعارضه ما ورد فى الحديث من الأمر بقتلهم. فإن القتل قد
يكون دفعا للفساد لا للكفر. ولا قول أبى أمامة، فإنه إنما سماهم كفارا لكونهم فعلوا ما يفعل
الكفار بالمسلمين من القتل والقتال، كما ورد فى الحديث: ((سباب المؤمن فسوق وقماله كفر» يدل
على ذلك لفظ الطبرانى ((فقال: كلاب النار، ثلاثا شر قتلى تحت أديم السماء، ومن قتلوه خير
قتلى. ثم استبكى قلت: يا أبا أمامة! ما يبكيك؟ قال: كانوا على ديننا ثم ذكر ما هم صائرون إليه
غدا، ثم قال: اختلفت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة،
وتختلف هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون فرقة فى النار، وواحدة فى الجنة.
فقلنا: أنعتهم لنا. قال: السواد الأعظم، رجاله ثقات، ورواه ابن ماجة والترمذى باختصار، كذا فى
"مجمع الزوائد" (٢٣٣:٦). فتراه قد جعل الخوارج من فرق هذه الأمة، وهذا هو ما عليه الفقهاء.
قال الحافظ فى "الفتح": "قال الخطابي: أجمع علماء الإسلام على أن الخوارج مع ضلالتهم
فرقة من فرق المسلمين، وأجازوا مناكحتهم، وأكل ذبائحهم، وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسكين
بأصل الإسلام" (٢٦٧:٢). والرابع: قوم مسلمون خرجوا على إمام العدل ولم يستبيحوا ما
استباحة الخوارج من دماء المسلمين وذراريهم، وهم البغاة. قاله المحقق فى "فتح القدير" (٣٣٤:٥).
قلت: ولهم صنف خامس، وهو من خرج عن طاعة إمام جائر أراد الغلبة على ماله أو نفسه
أو أهله، أو على أموال المسلمين وأنفسهم، فهو معذور لا يحل قتاله وله أن يدفع عن نفسه وماله
وأهله بقدر طاقته، فقد أخرج الطبرى بسند صحيح عن عبد الله بن الحارث عن رجل من بنى نصر
عن على رضى الله عنه، وذكر الخوارج فقال: إن خالفوا إمامًا عدلا فقاتلؤهم وإن خالفوا إماما
جائرا، فلا تقاتلوهم، فإن لهم مقالا، وعلى ذلك يحمل ما وقع للإمام حسين بن على رضى الله
عنه، ثم لأهل المدينة فى الخرة ثم لعبد الله بن الزبير ثم للقراء الذين خرجوا على الحجاج مع ابن
الأشعث قاله الحافظ فى "الفتح"، وهل يجوز الخروج على الإمام الجائر؟ سيأتى حكمه، ولكن
لايحل قتال من خرج عليه إذا كان خروجه للأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وإقامة دعائم
الإسلام لا لطلب الملك والإمارة فافهم.

ج - ١٢
محاربة أهل البغى وامتناع الخروج على الإمام
٦٥٦
٤٣٤٣- عن عرفجة الأشجعى قال: سمعت رسول الله عَّ ◌ُّ يقول: من أتاكم
وأمركم الجمع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه، رواه
أحمد ومسلم (نيل٧: ٨١) وفى لفظ لمسلم (١٢٨:٢): فاضربوه بالسيف كائنا من كان.
٤٣٤٤- عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال: بايعنا رسول الله عَّ له على
السمع والطاعة فى منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر
أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان، متفق عليه (نيل ٨١:٧).
يجب اتفاق الأمة على إمام واحد:
قوله: "عن عرفجة إلخ". فيه دلالة على وجوب اتفاق الأمة على الإمام وقتل من خالفه،
وأراد شق عصا المسلمين، واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين فى عصر واحد، سواء
اتسعت دار الإسلام أم لا، وقال إمام الحرمين: وعندى أنه لا يجوز عقدها لاثنين فى صقع واحد،
وهذا مجمع عليه قال: فإن بعد ما بين الإمامين وتخللت بينهما شسوع، فللاحتمال فيه مجال،
وحكى المازرى هذا القول، وهو قول فاسد مخالف لما عليه السلف والخلف، ولظواهر إطلاق
الأحاديث، والله أعلم. قاله النووى فى "شرح مسلم" (١٢٦:٢).
قوله: "عن عبادة إلخ". قال الخطابي: معنى قوله: "بواحا" يريد ظاهرا من قولهم باح
بالشىء يبوح به بوحا وبواحا إذا أذاعه وأظهره، ووقع فى رواية حبان أبى النضر إلا أن يكون
معصيته لله بواحا، عند أحمد عن جنادة ما لم يأمرك ياثم بواحا. وفى رواية عند أحمد والطبرانى
والحاكم عن عبادة: سيلى أموركم من بعدى رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما
تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله. ولفظ ابن أبى شيبة "فليس لأولئك عليكم طاعة" ومن ثم قال
النووى: المراد بالكفر هنا (أى فى حديث عبادة عند الشيخين) المعصية ومعنى الحديث لا تنازعوا
ولاة الأمور فى ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد
الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم وقوموا بالحق حيثما كنتم، انتهى. وقال غيره: المراد بالإثم
هنا المعصية والكفر فلا يعترض على السلطان إلا إذا وقع فى الكفر الظاهر، والذى يظهر حمل
رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة فى الولاية إلا إذا ارتكب الكفر، وحمل رواية المعصية على
ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية فإذا لم يقدح فى الولاية نازعه فى المعصية بأن ينكر عليه برفق
ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عنف، ومحل ذلك إذا كان قادرا، والله أعلم. قاله الحافظ فى
"الفتح" (٦:١٢). قلت: ولم يرد النووى بالمنازعة فى المعصية إلا ما كان بالمقال دون القتال لقوله

٦٥٧
مخاربة أهل البغى وامتناع الخروج على الإمام
إعلاء السنن
٤٣٤٥- عن عوف بن مالك الأشجعى مرفوعا فى شرار الأئمة قال: قلنا:
بعد ما ذكره الحافظ عنه: وأما الخروج عليهم، وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة
ظالمین، وقد تظافرت الأحاديث بمعنی ما ذكرته، ولقوله فى حديث ابن مسعود: ((ستكون بعدى
أثرة وأموراً تنكرونها)) الحديث إن فيه الحث على السمع والطاعة وإن كان المتولى ظالما عسوفا،
فيعطى حقه من الطاعة، ولا يخرج عليه، ولا يخلع بل يتضرع إلى الله تعالى فى كشف أذاه، ودفع
شره اهـ (٢: ١٢٦)، ويؤيده ما فى حديث عوف بن مالك: من ولى عليه وال، فرآه يأتى شيئا من
معصية الله، فيكره ما يأتى من معصية الله، ولا ينزعن يدًا من طاعته، كما ذكرناه فى المتن.
تحقيق انعزال الإمام عن الولاية بفسقه:
قال النووى: وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور فى كتب
الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل، وحكى عن المعتزلة أيضا فغلط من قائله مخالف للإجماع، قال
القاضى عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل،
قال: وكذا لو ترك إقامة الصلاة والدعاء إليها، قال: وكذلك عند جمهورهم البدعة، فلو طرأ عليه
كفر أو تغير للشرع أو بدعة، خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام
عليه، وخلعه ونصب إمام عادل، إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة، وجب عليهم القيام
بخلع الكافر. ولا يجب فى المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه فإن تحققوا العجز لم يجب القيام
وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها، ويفر بدينه، قال: ولا ينعقد لفاسق ابتداءً (أى خلافا
للحنفية)، فلو طرأ على الخليفة فسق قال بعضهم: يجب خلعه إلا أن يترتب عليه فتنة وحرب.
وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل
الحقوق، ولا يخلع، ولا يجوز الخروج عليه بذلك، (لما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء،
وفساد ذات البين، وطمع العدو بالمسلمين، وضعفهم عن مقاومته بتفرق كلمتهم، فتكون المفسدة
فى عزله أكثر منها فى بقاءه)، بل يجب وعظه أو تخويفه للأحاديث الواردة فى ذلك. قال
القاضى: وقد ادعى أبو بكر بن مجاهد فى هذا الإجماع.
تحقيق خروج الإمام حسين بن على رضى الله عنهما وأمثاله على أئمة الجور
وقد رد عليهم بعضهم هذا القيام لحسين وابن الزبير، وأهل المدينة على بنى أمية،
وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث. وتأول هذا القائل
قوله مرّه: أن لا ننازع الأمر أهله فى أئمة العدل، وحجة الجمهور أن قيامهم على الحجاج (وأمثاله)

ج - ١٢
محاربة أهل البغى وامتناع الخروج على الإمام
٦٥٨
يا رسول الله! أ فلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، إلا من ولى عليه
ليس بمجرد الفسق، بل لما غير من الشرع، وظاهر من الكفر، وقيل: إن هذا الخلاف كان أولا،
ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم، والله أعلم (٢: ١٢٥).
قلت: ويمكن أن يقال: إن الولاة الذين خرجوا عليهم كانوا فسقةً من أول الأمر، وقد عرفت
أن الولاية لا تنعقد لفاسق ابتداءً عند الجمهور، فلم يكن خروجهم على الإمام، وهو المنهى عنه،
بل على غير إمام، وإن كانوا عدولا فى الابتداء، ثم طرأ عليهم الفسق، فقد عرفت من وجوب
عزله على المسلمين إن أمكنهم فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر دون
الفاسق والمبتدع، إلا إذا ظنوا القدرة عليه، فأولئك الأئمة الذين خرجوا على يزيد والحجاج لعلهم
ظنوا من أنفسهم القدرة على خلعهما لكثرة من بايعهم على ذلك فقد بايع على يد مسلم بن عقيل
للإمام حسين بن على عدد كثير من أهل الكوفة تزيد عدتهم على أربعين ألفا. وقد ورد فى
الحديث: ((لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة إذا اجتمعت كلمتهم))، وسئل مالك أ فيسعنا التخلف عن
مجاهدة من بدل الأحكام؟ فقال: إن كان معك اثنا عشر ألفا مثلك لم يسعك التخلف، وإلا فأنت
فى سعة منه، كما قدمناه فى "باب الفرار من الزحف"، فلم يكن خروجهم خلاف الإجماع،
ولا خلاف السنة، ولكن أوتوا من قبل أصحابهم، فلم يكونوا، كما ظنوا أولا ما أملوا ما لم تكن
كلمتهم مجتمعة، ولا همتهم متحدة، ولم يكونوا صادقين فيما أظهروا من الحب لأهل البيت
والعزم على الجهاد فى الله وإقامة دعائم الإسلام كما لا يخفى على من مارس التاريخ، ووقف على
سيرة الشيعة من أهل الكوفة وغيرهم، فالمكر شعارهم والغدر دثارهم والله الموفق، وقال الحافظ فى
"الفتح" فی حدیث أسامة: قيل له: ألا تكلم هذا أی عثمان؟ قال: قد کلمته ما دون إن أُفتح بابا
أکون أول من یفتحه، ما نصه.
-اختلاف السلف فى الأمر بالمعروف وبيان الصواب فيه:
اختلف السلف فى الأمر بالمعروف فقالت طائفة: يجب مطلقًا، واحتجوا بحديث طارق بن
شهاب رفعه: ((أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر))، وبعموم قوله: ((من رأى منكم منكرا
فليغيره بيده)) الحديث، (وقد تقدما أو الكتاب)، وقال بعضهم: يجب إنكار المنكر لكن شرطه أن
لا يلحق المنكر بلاء لا قبل له به من قتل ونحوه. وقال آخرون: ينكر بقلبه لحديث أم سلمة مرفوعًا:
(یستعمل عليكم أمراء بعدی فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضی وتابع)). قال:
١
والصواب اعتبار الشرط المذكور، ويدل عليه حديث ((لا ينبغى لمؤمن أن يذل نفسه)، ثم فسره بأ:
يتعرضن من البلاء لما لا يطيق انتهى ملخصا.

٦٥٩
محاربة أهل البغى وامتناع الخروج على الإمام
إعلاء السنن
وال فرآه يأتى شيئا من معصية الله، فليكره ما يأتى من معصية الله، ولا ينزعن يدا من
طاعته، رواه مسلم فى "صحيحه" (١٢٩:٢).
وفى الحديث تعظيم الأمراء، والأدب معهم، وتبليغهم ما يقول الناس فيهم ليكفوا، ويأخذوا
"حذرهم بلطف، وحسن تأدية بحيث يبلغ المقصود من غير أذية الغير أهـ (٤٤:١٢).
كيفية النصيحة للأمراء وأمرهم بالمعروف:
قلت: روى الطيرانى والبزار - وإسناد الطبرانى سند جيد- عن ابن عمر قال: سمعت
الحجاج يخطب، فذكر كلاما أنكرته، فأردت أن أغير، فذكرت قول رسول الله عَ ليه: لا ينبغى
للمؤمن أن يذل نفسه قال: قلت: يا رسول الله! كيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما
لا يطيق، كذا فى "مجمع الزوائد" (٢٧٤:٢)، وروى أحمد عن شريح عن عبيد وغيره قال: جلد
عياض بن غنم صاحب دار حين فتحت، فأغلظ له هشام بن حكيم القول حتى عضب عياض،
ثم مكث ليالى فأتاه هشام بن حكيم، فاعتذر إليه ثم قال هشام: ألم تسمع بقول رسول الله مرّ اته:
إن من أشد الناس عذابًا أشدهم عذابًا فى الدنيا للناس؟ فقال عياض بن غنم: يا هشام بن حكيم!
قد سمعنا ما سمعت ورأينا ما رأيت، أو لم تسمع رسول الله مَّ يقول: من أراد أن ينصح لذى
سلطان بأمر فلا يبدله علانيةً، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى
الذى عليه. وإنك أنت يا هشام! لأنت الجرىء إذ تجترئ على سلطان الله، فهلا خشيت أن يقتلك
السلطان، فتكون قتيل سلطان الله، قال الهيثمى فى "مجمع الزوائد" فى "الصحيح": طرف منه
من حديث هشام فقط. رواه أحمد، ورجاله ثقات إلا أنى لم أجد لشريح بن عياض وهشام
سماعًا، وإن كان تابعيا، ورواه أحمد من طريق جبير بن نفير أن عياض بن غنم وقع على صاحب
دار حين فتحت، فأتاه هشام بن حكيم، فأغلظ له القول. فذكر الحديث بنحوه ورجاله ثقات
وإسناده متصل اهـ (٢٢٩:٥ و٢٣٠)، وعن سعيد بن جمهان قلت لأبى أمامة: إن السلطان يظلم
الناس، ويفعل بهم ما يفعل، فتناول بيدى فغمزها غمزة شديدة ثم قال: يا ابن جمهان عليك
بالسواد الأعظم فإن كان السلطان يسمع منك فأته فى بيته، فأخبره بما تعلم، فإن قبل منك وإلا
فدعه فلست بأعلم منه. رواه الطبرانى وأحمد ورجال أحمد ثقات، كما فى "مجمع الزوائد"
(٢٣٢:٦)، وفى "الخراج" للإمام أبى يوسف: حدثنى عبد الله بن على عن الزهرى، قال: جاء
رجل إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال له: يا أمير المؤمنين! لا أبالى فى الله، لومة لائم خير
لى أم أقبل نفسى؟ فقال: أما من ولى من أمر المؤمنين شيئا، فلا يخفف فى الله لومة لائم، ومن كان

ج - ١٢
محاربة أهل البغى وامتناع الخروج على الإمام
٦٦٠
٤٣٤٦- عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا فى حديث طويل: ومن بايع إماما، فأعطاه
صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، وإجاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر،
رواه مسلم أيضا (١٢٦:٢).
٤٣٤٧- عن أبى سعيد قال: قال رسول الله عَُّله: إذا بويع للخليفتين فاقتلوا
الآخر منهما، رواه مسلم أيضا (١٢٨:٢).
خلوا من ذلك، فيقبل على نفسه، ولينصح لولى أمره اهـ (ص: ١٦)، وعبد الله بن على هذا هو أبو
أيوب الإفريقى الكوفى الأزرق روى عن الزهرى وأبى إسحاق السبيعى وزيد بن أسلم وطبقتهم
وعنه موسى بن عقبة ويحيى بن زكريا بن أبى زائدة وأبو يوسف القاضى، وغيرهم. ذكره ابن
حبان فى الثقات، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو زرعة: لين اهـ من "التهذيب" (٣٢٦:٥).
قلت: وأثر عمر هذا أقوى حجة لمن تقاعد من علماء الهند عن النهضة السياسية المتولدة
المتجددة فيها لكونهم خلوا من ولاية أمر المؤمنين فأقبلوا على أنفسهم وتركوا أمر العامة.
حجة من تقاعد من العلماء عن النهضة السياسية فى الهند:
قوله: عن عبد الله بن عمرو إلخ. دلالته ودلالة الحديث بعده على وجوب إطاعة الإمام وقتل
من ينازعه فى الولاية ظاهرة، قال فى "النيل" عن "الفتح": وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة
السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما فى ذلك من حقن الدماء،
وتسكين الدهماء، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته فى
ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها، كما فى الحديث انتهى. وقد استدل القائلون بوجوب
الخروج على الظلمة، ومنابذتهم بالسيف، ومكافحتهم بالقتال بعمومات من الكتاب والسنة فى
وجوب الأمربالمعروف، والنهى عن المنكر، ولا شك ولا ريب أن الأحاديث التى ذكرها المصنف
فى هذا الباب، وذكرناها أخص من تلك العمومات مطلقًا، وهى متواترة المعنى، كما يعرف ذلك
من له أنسة بعلم السنة، ولكنه لا ينبغى لمسلم أن يحط على من خرج من السلف الصالح من العترة
وغيرهم على أئمة الجور، فإنهم فعلوا ذلك باجتها. منهم، وهم أتقى لله، وأطوع لسنة رسول
الله عَّه من جماعة ممن جاء بعدهم من أهل العلم، ولقد أفرط بعض العلم كالكرامية، ومن وافقهم
فى الجمود على أحاديث الباب حتى حكموا بأن الحسين السبط رضى الله عنه، وأرضاه باغ على
يزيد بن معاوية، فيا لله العجب من مقالات تقشعر منها الجلود، ويتصدع من سماعها كل جلمود
اهـ ملخصا (٨٤:٧) بحذف السب، واللعن على يزيد، وقد نهانا رسول الله عَ له عن سب