Indexed OCR Text
Pages 601-620
ج - ١٢ يجوز قتل المرتد بلا إمهال إذا استمهل فيمهل ٦٠١ ٤٢٧٧- عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد القارئ عن أبيه عن عمر رضى الله عنه أنه قال لوفد قدموا عليه من بنى ثور: هل من مغربة خبر؟ قالوا: نعم أخذنا رجلا من العرب كفر بعد إسلامه فقدمناه فضربنا سنقه، فقال: هلا أدخلتموه جوف بيت، فألقيتم إليه كل يوم رغيفًا ثلاثة أيام، واستبتموه لعله يتوب، أو يراجع أمر الله؟ اللهم لم أشهد ولم آمر ولم أرض إذ بلغنى. رواه مالك فى "الموطأ" (زيلعى ١٥٩:٢)، ٠ أبو يوسف الإمام فى "الخراج" (ص٣٤)، وهو مرسل، ورواه عبد الرزاق عن معمر وابن أبى شيبة عن ابن عيينة كلاهما عن محمد بن عبد القارئ عن أبيه، فعلى هذا هو متصل لأن عبد الرحمن بن عبد سمع عمر ا(لجوهر النقي ١٧٣:٢). المسألة غير ما ذكره ابن حزم فرده عليهم. قال الموفق فى "المغنى": وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد روى ذلك عن أبى بكر وعمر وعثمان ومعاذ وأبى موسى وابن عباس وخالد وغيرهم، ولم ینکر ذلك، فكان إجماعاً (٧٤:١٠). قلت: ومفاده أن المرتد لا يسترق، ولا توضع عليه الجزية ولا يقبل منه الموادعة لاستلزام كل ذلك إقراره على الردة، وهو لا يجوز إجماعًا، ويخالف قوله عرّ له ((من بدل دينه فاقتلوه)) الدال على وجوب قتله نصًا. قوله: "عن عبد الرحمن بن محمد إلخ". قلت: استدل به بعض العلماء على أن المرتد يستتاب أبدًا ولا يقتل ويودع السجن، لما ورد فى رواية البيهقى من قوله: ((فإن أبوا أو دعتهم السجن))، ولا حجة لهم فيه. فقد ورد فى مرسل محمد بن عبد الله بن عبد القارئ، عند مالك تقييد الحبس بثلاثة أيام والطرق يفسر بعضها بعضا فعليه يحمل ما فى رواية أنس عند البيهقى وغيره من إيداعهم السجن بالإطلاق، فإن المطلق يحمل على المقيد إذا كان مخرج الحديث واحدًا، ومراسيل مالك موصولة محتج بها، كما مر فى المقدمة. وقد وصل هذا الأثر الطحاوى فى "معانى الآثار" فقال: حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب أن مالك حدثه عن عبد الرحمن بن محمد عبد الله بن عبد القارئ عن أبيه عن جده أنه قال: قدم على عمر رجل من قبل أبى موسى، ثم ذكر نحوه" اهـ (١٢٠:٢). وهذا سند صحيح موصول، ولأن قتل المرتد مجمع عليه. قال الموفق فى "المغنى": "وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد، روى ذلك عن أبى بكر وعمر وعثمان وعلى ومعاذ وأبى موسى وابن عباس وخالد وغيرهم، ولم ينكر ذلك، فكان إجماعًا، وقال النخعى: يستتاب أبدًا، وهذا يفضى إلى أن لا يقتل أبد، وهو مخالف للسنة ٦٠٢ يجوز قتل المرتد بلا إمهال إذا استمهل فيمهل : إعلاء السنن ٤٢٧٨- ورواه البيهقى عن أنس قال: لما نزلنا على تستر، وفيه: فقدمنا على عمر فقال: يا أنس ما فعل الستة الرهط من بكر بن وائل الذين ارتدوا عن الإسلام، فلحقوا بالمشركين؟ قال: يا أمير المؤمين! قتلوا فى المعركة، فاسترجع قلت: وهل كان سبيلهم إلا القتل؟ قال: نعم، كنت أعرض عليهم الإسلام فإن أبوا أودعتهم السجن، ذكره الحافظ فى "التلخيص" (٣٥:٢)، وسكت عنه، فهو حسن أو صحيح، وأسنده ابن حزم فى "المحلى" (١٩١:١١) نا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا على بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة أنا داود، وهو ابن أبى هند عن الشعبى عن أنس بن مالك الحدیث، وصححه. والإجماع اهـ، ملخصا (٧٤:١٠ و٧٧). وزعم المحقق فى "الفتح" "أن حديث عمر رضى الله عنه هذا يدل على وجوب التأجيل، ثم قال فى تأويله: إنه لعله طلب التأجيل" (٣٠٨:٥). والحق ما قاله الطحاوى فى "معانى الآثار" له: "فهذا سعد وأبو موسى رضى الله عنهما لم يستتيباه، وأحب عمر أن يستتاب، فقد يحتمل أن يكون ذلك؛ لأنه كان يرجو له التوبة، ولم يوجب عليهم بفعلهم شيئا لأنهم فعلوا ما لهم أن يروه فيفعلوه، وإن خالف رأى إمامهم اهـ" (١٢١:٢). وإن سلمنا دلالته على الوجوب فليس ذلك لوجوب إمهال المرتد مطلقا، بل للنهى عن إقامة الحدود فى دار الحرب، وقد ورد فى رواية أنس عند البيهقى أن المرتدين قتلوا بالمعركة، فأنكر عمر ذلك. وقال: لأن يكون أخذتهم سلما أحب إلى من كذا وكذا، كما فى لفظ داود بن أبى هند عن الشعبى عن أنس عند الطحاوى (٢: ١٢٠)، وسنده صحيح. قال الموفق فى "المغنى": "إنه أى المرتد لا يقتل حتى يستتاب ثلاثا، هذا قول أكثر أهل العلم، منهم عمر وعلى وعطاء والنخعى ومالك والثورى وإسحاق وأصحاب الرأى، وهو أحد قولى الشافعى، وروى عن أحمد رواية أخرى أنه لا تجب استتابته لكن تستحب، وهذا القول الثانى للشافعى، وهو قول عبيد بن عمير وطاوس ويروى ذلك عن الحسن لقول النبى عّ له: ((من بدل دينه فاقتلوه)) ثم استدل للقائلين بوجوب الاستتابة ثلاثا بحديث عمر الذى رواه مالك وقد ذكرناه آنفا اهـ (٧٦:١٠-٧٧). فتراه قد عزى إلى الحنفية القول بوجوب الاستتابة خلاف ما ذكره صاحب "الهداية" والطحاوى، ونصه: قد تكلم الناس فى المرتد عن الإسلام أ يستتاب أم لا؟ فقال قوم: إن استتابه الإمام فهو أحسن، فإن تاب وإلا قتل، وممن قال ذلك أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمة الله عليهم، وقال آخرون: لا يستتاب، وجعلوا حكمه كحكم الحربيين إذا بلغتهم ج - ١٢ يجوز قتل المرتد بلا إمهال إذا استمهل فيمهل ٦٠٣ ٤٢٧٩- عن معمر عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبيه قال: أخذ ابن مسعود قومًا ارتدوا عن الإسلام من أهل العراق، فكتب فيهم إلى عثمان، فرد إليه عثمان أن أعرض عليهم دين الحق، وشهادة أن لا إله إلا الله، فإن قبلوها، فخل عنهم، وإن لم يقبلوها، فاقتلهم، فقبلها بعضهم فتركه، ولم يقبلها بعضهم فقتله. رواه عبد الرزاق، كما فى "المحلى" (١٩٠:١١)، وسنده صحيح. ٤٢٨٠- عن ابن جريج أخبرنى سليمان بن موسى أنه بلغه عن عثمان بن عفان أنه كفر إنسان بعد إيمانه فدعاه إلى الإسلام ثلاثا فأبى فقتله. رواه عبد الرزاق، كما فى "المحلى" (١٩٠:١١)، وهو مرسل صحيح، ورواه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" (ص٢١٤). وبهذا السند عن عثمان قال: يستتاب المرتد ثلاثا. الدعوة، وقد ذكرناه وقالوا: إنما يجب الاستتابة لمن خرج عن الإسلام لا عن بصيرة منه به، فأما من خرج منه إلى غيره على بصيرة، فإنه يقتل ولا يستتاب، وهذا قول قال به أبو يوسف فى "كتاب الإملاء"، قال: أقتله ولا أستتيبه إلا أنه إن بدرنى بالتوبة خليت سبيله، ووكلت أمره إلى الله اهـ (٢: ١٢٠) قلت: ولكن قول أبى يوسف فى الخراج: يدل على وجوب الاستتابة مطلقًا، فإنه قال: وأما المرتد عن الإسلام إلى الكفر، فقد اختلفوا فيه، فمنهم من رأى استتابته، ومنهم من لم ير . ذلك، ثم قال بعد ما ذكر حجج من قال بوجوبها: فبهذه الأحاديث يحتج من رأى من الفقهاء، وهم كثير الاستتابة. وأحسن ما سمعنا فى ذلك -والله أعلم- أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم على ما جاء من الأحاديث المشهورة، وما كان عليه من أدركناه من الفقهاء اهـ (ص٢١٣ و ٢١٥)، وأول قوله عَّ: ((من بدل دينه فاقتلوه)) على أنه فيمن أقام على تبديله. وقال محمد فى "الموطأ": إن شاء الإمام أخر المرتد ثلاثا إن طمع فى توبته أو سأله عن ذلك المرتد، وإن لم يطمع فى ذلك، ولم يسأله المرتد فقتله فلا بأس" اهـ (ص٣٦٩). وهذه صريح فى عدم الوجوب، وهو الموافق لظاهر الرواية فى المذهب والله تعالى أعلم. قوله: "عن معمر الزهرى إلخ" استدل به من لم ير الاستتابة ثلاثة أيام لقول عثمان: أعرض عليهم دين الحق، فإن لم يقبلوها فاقتلهم، من غير تقييد بالإنظار، ويحتمل أن يكون لم يقيد بذلك لمرور الأجل فى المراسلة والمكاتبة، فاكتفى به، وقد روى عنه قولا وفعلا أنه كان يرى استتابة المرتد ثلاثا، كما ذكرناه فى المتن، ولكنه موقوف لا يصلح معارضا للمرفوع المتصل فيحمل على الندب. ٦٠٤ يجوز قتل المرتد بلا إمهال إذا استمهل فيمهل إعلاء السنن ٤٢٨١- حدثنا أشعث عن الشعبى قال: قال عَّ ◌ُله: ((يستتاب المرتد ثلاثا فإن تاب وإلا قتل))، رواه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" (ص٢١٤). وهو مرسل حسن، وأشعت ابن سوار من رجال مسلم والأربعة إلا أبا داود، وثقه ابن معين فى رواية، وقال البزار: لا نعلم أحدا ترك حديثه إلا من هو قليل المعرفة، كذا فى "التهذيب"، وضعفه آخرون، ومشاه بعضهم. ٤٢٨٢- نا عثمان عن سعيد بن أبى عروبة عن أبى العلاء عن أبى عثمان النهدى أن عليا استتاب رجلا كفر بعد إسلامه شهرا، فأبى فقتله. رواه عبد الرزاق، كما فى "المحلى" (١٩١:١١)، ولم يعله بشىء. قوله: "حدثنا أشعث إلخ". ظاهره وجوب الاستتابة ثلاثًا ولكن المرسل لا يصلح معارضاً للمرفوع المتصل الصحيح وهو قوله مرّ له: ((من بدل دينه فاقتلوه)) الدال على جواز القتل بدون الاستتابة فيحمل المرسل على الندب. قال فى "الهداية": "وعن أبى حنيفة وأبى يوسف أنه يستحب أنه يؤجله ثلاثة أيام طلب ذلك أو لم يطلب". حكم من قتل المرتد قبل أمر الإمام: وفيه أيضا "فإن قتله قاتل قبل عرض الإسلام عليه كره ولا شىء على القاتل ومعنى الكراهية ههنا ترك المستحب وانتفاء الضمان لأن الكفر مبيح للقتل والعرض بعد بلوغ الدعوة غير واجب" اهـ. قال المحقق فى "الفتح": "فهى كراهة تنزيه وعند من يقول بوجوب العرض كراهة تحريم، وفى "شرح الطحاوى": إذا فعل ذلك بغير إذن الإمام أدب اهـ" (٣١٠:٥). قلت: ودليل جواز القتل بدون الاستتابة ما مر من فعل أبى موسى وسعد، ولم يوجب عليهم عمر بفعلهم شيئا، فدل على انتفاء الضمان، فافهم. هل يؤجل المرتد فوق ثلاثة أيام؟ قوله: نا عثمان، وقوله: عن معمر إلخ فيه تأجيل المرتد فوق ثلاثة أيام. وظاهر المذهب أنه لا يؤجل فوقها لما قد عرفت أن تأجيل المرتد خلاف الأصل فإذا اختلف اروايات فى مدته أخذ بالمتيقن وهو ثلاثة أيام، لأنها مدة ضربت لإبلاء الأعذار بدلیل حديث حبان ابن منقذ فى الخيار ثلاثة أيام ضربت للتأمل لدفع الغبن وقصة موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مع العبد الصالح ﴿إن سألت عن شىء بعدها فلا تصاحبنى﴾، وهى الثالثة إلى قوله: ﴿وقد بلغت منى عذرا﴾ (فمن أجل ثلاثا فقد أعذر)، وهو المروى عن عمر رضى الله عنه (أى وعن ج - ١٢ يجوز قتل المرتد بلا إمهال إذا استمهل فيمهل ٦٠٥ ٤٢٨٣- عن معمر عن أيوب عن حميد بن هلال عن أبى بردة قال: قدم على أبى موسى الأشعرى معاذ بن جبل من اليمن وإذا برجل عنده فقال: ما هذا؟ فقال: رجل كان يهوديا فأسلم ثم تهود ونحن نريده على الإسلام منذ أحسبه قال: شهرين قال: معاذ الله لا أقعد حتى تضربوا عنقه فضربت عنقه ثم قال معاذ: قضاء الله ورسوله. رواه عبد الرزاق (المحلى لابن حزم ١٩١:١١). ورجاله كلهم ثقات، وأصله عند البخارى ومسلم من دون ذكر الاستتابة منذ شهرين، ورواه أبو داود من طرق فى بعضها: فقتل و کان قد استتيب قبل ذلك، وفى بعضها: فدعاه أبو موسى، فأبى عشرين ليلة، أو قريبا منها، وجاء معاذ فدعاه فأبى، فضربت عنقه، قال أبو داود: رواه عبد الملك بن عمير عن أبى بردة، فلم يذكر الاستتابة، وكذا ابن فضيل عن الشيبانى، وقال المسعودى عن القاسم يعنى ابن عبد الرحمن فى هذه القصة: فلم ينزل (أى معاذ) حتى ضرب عنقه، وما استنابه، كذا فى "فتح البارى" (٢٤٣:١١)، ورجح الحافظ الروايات المثبتة للاستتابة على الروايات الساكنة عنه، وعلى رواية المسعودى النافية لها. عثمان بل وعن النبى معٍَّ مرسلا أيضا)، قاله المحقق فى "الفتح" (٣٠٨:٥)، فدل على أنه لا حاجة إلى التأخير فوق ثلاثة أيام، وأيضا فليس فى الروايات أن عليا وأبا موسى أجلاه شهرا أو شهرين بعد الاستتابة، وبعد عرض الإسلام عليه، فيحتمل أن يكونا قد أخره إلى مثل هذه المدة للتثبت والتنقير عما نسب إليه، وهذا مما لا نزاع فيه. والكلام إنما هو فيما إذا ثبتت الردة بإقراره، أو بالبينة العادلة، وأتى به الإمام، فعرض علبه الإسلام وأبى، فلا يؤجل فوق ثلاثة أيام، بقى أن الإمام أو نائبه إن كان يطمع فى رجوعه إلى الإسلام بتأجيله فوق ثلاثة أيام نحو شهر أوشهرين، فهل له أن يؤجله إلى تلك المدة؟ لم أره صريحا فى كتب(١) القوم، ومقتضى القواعد أن له ذلك إن كان خيرا للمسلمين لأن التقييد بالثلاثة إنما كان لعدم الحاجة إلى الزيادة، فإن تحققت الحاجة جازت الزيادة. فالظاهر أن ما ورد من التأجيل إلى شهر أو شهرين فى هذه الروايات محمول عند علماءنا على الجواز، إذا كان خيرا للمسلمين ورجا بذلك عوده إلى الإسلام، والله تعالى أعلم. (١) ثم وجدت فى "المبسوط" ما يدل على أن المرتدين إن طلبوا الموادعة مدة، لينظروا فى أمورهم فلا بأس بذلك، إن كان خيرا للمسلمين ولم يكن للمسلمين بهم طاقة، وقد بينا أن المرتد إذا طلب التأجيل، يؤجل إلا أن هناك لا يزاد على ثلاثة أيام؛ لتمكن المسلمين من قتله، وههنا لا طاقة بهم للمسلمين، فلا بأس بأن يمهلوهم مقدار ما طلبوا من المدة اهـ (١١٧:١٠)، وفيه دلالة أن المرتد لا يمهل فوق ثلاثة أيام مطلقا، إلا إذا كانوا جماعة لا طاقة بهم للمسلمين. ٦٠٦ إعلاء السنن باب لا يستتاب الزنديق وهو الذى يظهر الإسلام ويخفى الكفر ٤٢٨٤- روى الثورى عن أبى إسحاق عن حارثة بن مضرب أنه أتى عبد الله فقال: ما بينى وبين أحد من العرب إحنة (حقد)، وإنى مررت بمسجد بنى حنيفة، فإذا هم يؤمنون بمسيلمة، فأرسل إليهم عبد الله، فجاء بهم واستتابهم غير ابن النواحة قال له: سمعت رسول الله عَ لّ يقول: لولا أنك رسول لضربت عنقك، فأنت اليوم لست برسول أين ما كنت تظهر من الإسلام؟ قال: كنت أتقيكم به، فأمر به قرظة بن كعب باب لا يستتاب الزنديق وهو الذى يظهر الإسلام ويخفى الكفر قوله: "روى الثورى إلخ". قال الجصاص: فهذا مما يحتج به من لم يقبل توبة الزنديق، وذلك لأنه أى عبد الله استتاب القوم، وقد كانوا مظهرين لكفرهم، وأما ابن النواحة فلم يستبه لأنه أقر أنه كان مسرًا للكفر مظهرا للإيمان على وجه التقية، وقد كان قتله إياه بمحضر من الصحابة؛ لأن فى الحديث أنه شاور الصحابة فيهم اهـ. وقال الطحاوى: فهذا عبد الله بن مسعود رضى الله . عنه قد قتل ابن النواحة، ولم يقبل توبته إذ علم أن هكذا خلقه يظهره التوبة إذا ظفر به، ثم يعود إلى ما كان عليه إذا خلى اهـ (١٢١:٢). وقال الحافظ فى "الفتح": واستدل به أى بحديث على فى قتل الزنادقة على قتل الزنديق من غير استتابة وتعقب بأن فى بعض طرقه، كما تقدم أن عليا استتابهم. (قلت: ولكنه منتف فى أثر ابن مسعود هذا)، وقد نص الشافعى، كما تقدم على القبول مطلقا، وقال: يستتاب الزنديق، كما يستتاب المرتد وعن أحمد وأبى حنيفة روايتان: إحداهما: لا يستتاب. والأخرى: إن تكرر منه لم تقبل منه وهو قول الليث وإسحاق وي الأول هو المشهور عن المالكية وحكى عن مالك إن جاء تائبا يقبل منه، وإلا فلا، وبه قال أبو يوسف، واختاره الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائنى وأبو منصور البغدادى، وعن بقية الشافعية أوجه كالمذاهب المذكورة. واستدل من منع بقوله تعالى ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا﴾، فقال: الزنديق لا يطلع على صلاحه لأن الفساد إنما أتى مما أسره، فإذا اطلع عليه، وأظهر الإقلاع عنه لم يزد على ما كان عليه، واستدل المالك بأن توبة الزنديق لا تعرف قال: وإنما لم يقتل النبى معَّه المنافقين للتألف، ولأنه لو قتلهم لقتلهم بعلمه فلا يؤمن أن يقول قائل إنما قتلهم لمعنى آخر. ومن حجة من استتابهم قوله تعالى: ﴿اتخذوا أيمانهم جنة﴾، فدل على أن إظهار الإيمان يحصن من القتل. (قلنا: نعم ما لم نطلع منه على ردة بعد الإيمان، ولم يطلع النبى عَّ ◌ُّ على ذلك من أقوام ج - ١٢ لا يستتاب الزنديق وهو الذى يظهر الإسلام ويخفى الكفر ٦٠٧ فضرب عنقه بالسوق ثم قال: من أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلا بالسوق؟ أخرجه الجصاص فى "أحكام القرآن" له (٢٨٧:٢)، والمذكور من السند صحيح، والمحدث لا يسقط من أهل الإسناد إلا ما كان سالما، وأصله عند أبى داود فى "سننه" (٣٩:٣) إلا قوله: أين ما كنت تظهر من الإسلام؟ قال: كنت أتقيكم به. ورواه الأثرم بإسناده عن ظبيان بن عمارة أن رجلا من بنى سعد مر على مسجد بنى حنيفة فذكر الحديث، وفيه: فأتى بهم فتابوا، فخلى سبيلهم إلا رجلا منهم يقال له: ابن النواحة قال: قد أتيت بك مرة فزعمت أنك قد تبت وأراك قد عدت فقتله. كذا فى "المغنى" لابن قدامة (٧٩:١)، ورواه الطحاوى (٢: ١٢١) والدارمى عن ابن معير السعدى أبسط منه، كما فى "جمع الفوائد" وفى "مجمع الزوائد" عزاه إلى أحمد وقال: ابن معير لم أعرفه والباقون ثقات. معلومين من المنافقين وإنما اطلع على ذلك منهم مجملا مبهما لا على التعيين. لقوله تعالى: ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) الآية. وقد بسط الكلام فى ذلك ابن حزم فى المحلى (١١: ٢٠١) وكلهم أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر والله يتولى السرائر (قلنا: وإذا عثرنا على رجل أنه يسر بالكفر، وقامت البينة العادلة على إسراره بذلك ظهر كونه زنديقًا ولم يكن كفره من السرائر التى يتولاها الله تعالى فإن مصداقها ما لم يطلع عليه أحد من الناس، فافهم). قال: وقال عَِّ لأسامة: هلا شققت عن قلبه وقال للذى ساره فى قتل رجل: أليس يصلى؟ قال: نعم! قال: أولئك الذين نهيت عن قتلهم وفى بعض طرق حديث أبى سعيد قال عرّ له: إنى لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس أخرجه مسلم اهـ (٢٤١:١٢). قلنا: كل ذلك فيمن لم تتكرر منه الردة، ولم نطلع على إخفاءه بالكفر بعد الإيمان، كما لا يخفى على من تأمل سياق الأخبار والله تعالى أعلم. قال فى "الدر": وكذا الكافر بسبب الزندقة لا توبة له، وجعله فى "الفتح" ظاهر المذهب. (قال الشامى: والمراد بعدم التوبة أنها لا تقبل منه فى نفى القتل عنه، كما مر فى السابق). لكن فى "الخانية" الفتوى على أنه إذا أخذ قبل توبة، ثم تاب لم تقبل توبته، ويقتل، ولو أخذ بعدها قبلت اهـ" (٤٥٨:٣). وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: واختلف الفقهاء فى استتابة المرتد والزنديق، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر فى الأصل: لا يقتل المرتد حتى يستتاب ومن قتل مرتدا قبل أن يستتاب فلا ضمان عليه، وذكر بشر بن الوليد عن أبى يوسف فى الزنديق الذى يظهر الإسلام قال أبو حنيفة: أستتيبه كالمرتد فإن أسلم خليت سبيله وإن أبى قتلته، وقال أبو يوسف كذلك زمانا، :٠ ٦٠٨ لا يستتاب الزنديق وهو الذى يظهر الإسلام ويخفى الكفر إعلاء السنن ٤٢٨٥- عن على رضى الله عنه أنه أتى برجل عربى قد تنصر فاستتابه، فأبى أن يتوب، فقتله وأتى برهط يصلون، وهم زنادقة، وقد قامت عليهم بذلك الشهود العدول فجحدوا، وقالوا: ليس لنا دين إلا الإسلام فقتلهم ولم يستتبهم، ثم قال: أتدرون لم استتبت النصرانى؟ استتبته لأنه أظهر دينه فأما الزنادقة الذين قامت عليهم. البينة، فإنما قتلتهم لأنهم جحدوا ، وقد قامت البينة، رواه الأثرم بإسناده، واحتج به الموفق فى "المغنى". فلما رأى ما يصنع الزنادقة ويعودون قال: أرى إذا أتيت بزنديق آمر بضرب عنقه ولا أستنيبه، فإن تاب قبل أن أقتله خليته، وذكر سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبى يوسف قال: إذا زعم الزنديق أنه قد تاب حبسته حتى أعلم توبته اهـ (٢٨٦:٢). فإن قيل: يشبه أن يكون مذهب ابن مسعود فى قتله ابن النواحة من غير استتابة أنه رأى قول النبى عّ لّه: ((لولا أنك رسول لضربت عنقك)) حكما منه بقتله، لولا علة الرسالة، فلما ظفر به ورفعت العلة أمضاه فيه، ولم يستأنف له حكم سائر المرتدين قاله الخطابى، كما فى "عون المعبود" (٣٩:٣). قلنا: قوله عّ لّه: لولا أنك رسول لضربت عنقك كان مبنيا على قول ابن النواحة برسالة مسيلمة الكذاب ونبوته، وارتفع ذلك بتوبته ودخوله فى الإسلام، فلم يكن لابن مسعود أن يقتله بمجرد قوله مّ هذا: ما لم يعثر منه على ردة بعد الإيمان، وإلا لقتله قبل إشهاد الشهود عليه، واحتال بقتله، ولكنه أخره سنين عديدة، فلما عثر على ذلك منه قتله من غير استتابة لزندقته، وأظهر كونه مستحقا لقتل من أول أمره، وأن النبى معَّ إنما كان قد خلى سبيله لكونه رسولا، وهو اليوم ليس برسول، وقد ثبتت زندقته، فلا يخلى سبيله، فافهم. قوله: "عن على إلخ". دلالته على عدم استتابة الزنديق، وعلى عدم قبول توبته ظاهرة، فلا حجة فيه للموفق على أن إنكار المرتد ردته ليس بتوبة، ولا رجوع ما لم ينطق بالشهادتين، فإن الأثر إنما هو فى الزنديق، وقد فارق حكمه حكم سائر المرتدين، وأيضا فما حكاه عن بعض أصحاب أبى حنيفة أن إنكار المرتد يكفى فى الرجوع إلى الإسلام، فالمراد الإنكار مع الإقرار بالشهادتين صرح به فى " كافى الحاكم"، وفى "البيرى مع الأشباه" (رد المحتار ٣: ٤٦٢). ج - ١٢ ٦٠٩ باب إسلام المرتد وتوبته أن يتبرأ عن الأديان أو عما انتقل إليه ولا یکتفی منه یاتیان الشهادتين ٤٢٨٦- روى الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله قال: أخذ بالكوفة رجال يؤمنون بمسيلمة الكذاب فكتب فيهم إلى عثمان فكتب عثمان "أعرض عليهم دين الحق وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله عَّ له، فمن قالها وتبرأ من دين مسيلمة، فلا تقتلوه، ومن لزم دين مسيلمة فاقتله، فقبلها رجال منهم، ولزم دين مسيلمة رجال فقتلوا"، ذكره الجصاص فى "أحكام القرآن"، والمذكور من السند مرسل صحيح، وقد وصله عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن ابن مسعود، کما مر فى الباب السابق. ٤٢٨١- حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا أبو أسامة عن بهز بن حکیم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: لا يقبل الله من مشرك أشرك بعد ما أسلم عملا حتى يفارق المشركين إلى المسلمين، رواه ابن ماجه (١٨٥)، وسنده صحيح، فقد صحح بعض الأئمة حديث ببر عن أبيه عن جده، كما مر فى "المقدمة"، ورواه الطحاوى (١٢٣:٢) حدثنا ابن مرزوق ثنا عبد الله بن بكر ثنا بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله! ما آية الإسلام؟ قال: ((أن تقول أسلمت وجهى الله وتخليت وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتفارق المشركين إلى المسلمين)) اهـ، وسنده صحيح أيضا. باب إسلام المرتد وتوبته أن يتبرأ عن الأديان أو عما انتقل إليه ولا یکتفی منه یاتیان الشهادتين قوله: "روی الزهرى إلخ". قلت: دلالة قول عثمان رضى الله عنه: فمن قالها، وتبرأ من دین مسيلمة إلى على اشتراط التبرى مع الشهادتين ظاهرة. قوله: "حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة إلخ". قلت: فسر بعضهم المفارقة بأن يهاجر من دارهم إلى دار المسلمين وهو بعيد فإن وجوب الهجرة يعم المسلم والمرتد كليهما إذا لم يتمكن المرء من دينه فى دار الحرب والحديث إنما ورد فى حق المرتد خاصة، فلا بد من حمل المفارقة على معنى يخص به وليس إلا أن يتبرأ عن دين الكفار ويفارقهم فى عقيدتهم وزيهم إلى عقيدة المسلمين وزيهم. قال الطحاوى: فلما كان جواب رسول الله عّ لّه لمعاوية بن حيدة لما سأله عن آية الإسلام دها ٦١٠ إعلاء السنن باب لا تقتل المرأة المرتدة بل تحبس وتجبر على الإسلام إلا إذا كانت ذات رأى وتبع فتقتل ٤٢٨٨- حدثنا الحسين بن إسحاق التسترى ثنا هرمز بن المعلى ثنا محمد بن أن تقول: أسلمت وتخليت، وكان التخلى هو ترك كل الأديان إلى الله، ثبت بذلك أن كل من لم يتخل مما سوى الإسلام لم يعلم بذلك دخوله فى الإسلام، وهو قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمة الله عليهم أجمعين اهـ (١٢٤:٢). قال فى "الهداية": ((وكيفية توبته أن يتبرأ عن الأديان كلها سوى الإسلام لأنه لا دين له، ولو تبرأ عما انتقل إليه كفاه لحصول المقصود)) اهـ. قال المحقق فى "الفتح": قيل: هو أن يقول: تبت ورجعت إلى دين الإسلام، وأنا برىء من كل دين غير الإسلام. قيل: لكن هذا بعد أن يأتى بالشهادتين، والإقرار بالبعث والنشور مستحب. وبه قالت الأئمة الثلاثة اهـ" (٣٠٩:٥). قلت: وهذا أى اشتراط التبرئ إنما هو فى إسلام المرتد، وأما فى إسلام الكافر الأصلى، فقد يكتفى بقول: لا إله إلا الله، وقد يكتفى بقوله محمد رسول الله، أو بقوله: إنى مسلم، أو دخلت فى دين محمد عَّ ◌ُله، كما ذكره فى "فتح القدير" و"رد المحتار" و"البحر الرائق" مفصلا بما لا مزيد عليه، وذكر الموفق فى "المغنى" اشتراط التبرى إذا كان كفره بما سوى جحد الواحدانية، أو جحد رسالة سيدنا محمد ◌ّ، أو جحدهما معًا، وإذا كان كفره بجحد أحدهما، أو كليهما، فشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله لم یکشف عن صحة ما شهد علیه به، وخلى سبيله اهـ (١٠: ١٠٠). قلت: والظاهر أن اشتراط التبرى عندنا إنما هو فيما إذا انتحل دينا آخر، وإن لم ينتحل دينا آخر بأن كان كفره بمجرد كلمة ردة جرت على لسانه فلا، وإن اشترط التبری فیمن انتحل دينا آخر إنما هو شرط لإجراء أحكام الدنيا عليه أما بالنسبة لأحكام الآخرة، فيكفيه التلفظ بالشهادتين ملخصا، كما فى "رد المحتار" (٤٤٢:٣). وما ذكرنا من الآثار فى المتن کله وارد فیمن انتحل دينا آخر، كما لا يخفى، والله تعالى أعلم. باب لا تقتل المرأة المرتدة بل تحبس وتجبر على الإسلام إلا إذا كانت ذات رأى وتبع فتقتل قوله: "حدثنا الحسين بن إسحاق إلخ". قلت: قد اضطرب الحافظ فى تحسين الحديث وتضعيفه كما ترى، والحق تحسينه لأنى لم أجد أحداً من رواته مضعفا فى "الميزان" وقال الهيثمى فى "مجمع الزوائد": رواه الطبرانى، وفيه راو لم يسم، قال مكحول: عن ابن لأبى طلحة اليعمرى ٦١١ ج - ١٢ لا تقتل المرأة المرتدة بل تحبس وتجبر على الإسلام إلا إذا كانت ذات رأى سلمة عن الفزارى عن مكحول عن أبى طلحة اليعمرى عن أبى ثعلبة الخشنى عن معاذ بن جبل أن رسول الله عَ ◌ّه قال له حين بعثه إلى اليمن: أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن تاب فاقبل منه، وإن لم يتب فاضرب عنقه. وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن تابت فاقبل منها وإن أبت فاستتبها، رواه الطبرانى فى "معجمه" (زيلعى ٧٥:٢). قال الحافظ فى "الدراية" (٢٧:٢): إسناده ضعيف. ثم ذكره فى "الفتح" بلفظ. "فإن عادت وإلا فاضرب عنقها"، وقال: وسنده حسن، والحق أن الحديث واحد، وقد وهم الحافظ فى لفظه، والراجح من اللفظ ما ذكره الزيلعى، والحافظ نفسه فى الدراية، وبقية رجاله ثقات اهـ. قلت: هو معدان بن أبى طلحة الكنانى اليعمرى روى عن عمر بن الخطاب وأبى الدرداء وثوبان، وعنه سالم بن أبى الجعد والسائب بن حبيش وأهل الشام كما فى "التهذيب" (٢٢٨:١٠) فالإسناد حسن كما قاله الحافظ فى "الفتح"، والمعروف بنسبة اليعمرى هو معدان هذا وحده. فإن السمعانى لم يذكر فى "الأنساب" أحدا يعرف بها غيره والله تعالى أعلم. ومعدان هذا من رجال مسلم والأربعة ثقة، كما فى "التقريب" (ص٢١١). ومع ذلك فالصحيح من اللفظ ما ذكره الحافظ نفسه فى "الدراية"، والزيلعى فى "نصب الراية"، والمحقق فى "الفتح"، والهيثمى فى "المجمع". واللفظ الذى ذكره الحافظ فى "الفتح"، لم يعزه إلى أحد ممن خرجه، فلا حجة فيه ما لم يعرف من خرجه والذى أخرجه الطبرانى عن معاذ ليس إلا باللفظ الذى أودعناه فى المتن. وقد عثرت فى هذا المقام على أوهام للحافظ المقدام فإنه ذكر ههنا أى فى باب حكم المرتد والمرتدة أن أبا بكر قتل امرأة ارتدت. أخرجه الدارقطنى من وجه حسن اهـ (١٢: ٢٤٠). وإنما أخرجه الدارقطنى فى "سننه" عن سعيد بن عبد العزيز منقطعا. وقد اعترف الحافظ بانقطاع إسناده فى "الدراية" (ص٢٧٢). فكان عليه أن يقول: أخرجه الدارقطنى من وجه حسن مرسلا، وقال: وأخرج الدارقطنى عن ابن المنكدر عن جابر أن امرأة ارتدت فأمر النبى عّ لّه بقتلها اهـ (٢٣٦:١٢). وسكت عنه، وقد التزم فى الأحاديث المزيدة فى "الفتح" شرط الصحة أو الحسن وأثر جابر هذا ضعيف البتة؛ فإن الدار قطنى أخرجه من طريق عبد الله بن أذنية عن هشام بن الغاز عن محمد بن المنكدر به، وعبد الله بن أذنية جرحه ابن حبان فقال: لا يجوز الاحتجاج به بحال، وقال الدار قطنى: متروك. وقال ابن عدى: منكر الحديث (زيلعى ١٥٨:٢). وضعفه على بن حرب، وقال الحاكم والنقاش: روى أحاديث موضوعة، قاله الحافظ فى "لسان الميزان" (٢٥٧:٣). ٦١٢ إعلاء السنن لا تقتل المرأة المرتدة بل تحبس وتجبر على الإسلام إلا إذا كانت ذات رأى والمحقق فى "فتح القدير" (٣١٢:٥)، والحافظ الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (٢٦٣:٦)، وسنده حسن، كما قاله الحافظ فى "الفتح"، ونفصله فى الحاشية. وذكر هذا الحديث فى مناكيره (٣١٧:٣). فكيف ساغ له أن يسكت عنه فى "الفتح" ولا يبين(١) وهنه؟ فإن قيل: لعله اعتمد قول الذهبى فى "الميزان": عبد الله بن عطارد بن أذنية الطائى بصرى لين (٥٧:٢)، قلنا: ما كان له أن يعتمد ذلك، فإن الذهبى لم يتنبه لكون عبد الله بن عطارد هو عبد الله بن أذنية بعينه، ولذا أفرد لهما ترجمتين والحافظ قد تنبه لذلك، وعرف بأن عبد الله بن عطارد هو ابن أذنية نفسه قد ينسب إلى جده، فكيف جاز له أن يغتر بمجرد قول الذهبى هذا؟ وهو يعرف بعدم تنبيهه لما تنبه هو له، كما يدل على ذلك كلامه فى "اللسان" (٣١٧:٣). والذهبى لم يلين عبد الله بن أذنية قط بل اقتصر فى ترجمته على قول ابن حبان: حدث بنسخة لا يحل ذكرها إلا على سبيل القدح اهـ (٢٢:٢). وإنما لين عبد الله بن عطارد بن أذنية أنه آخر غير عبد الله بن أذنية ولم يصب فى ذلك، فقد صرح ابن عدى بكونهما واحداً، فافهم. وقد حكم الحافظ فى "التلخيص": بضعف إسناد حديث جابر هذا فأصاب. ونصه: حدیث جابر أن امرأة يقال لها أم رومان ارتدت «فأمر النبی مێے بأن یعرض عليها الإسلام فإن تابت وإلا قتلت)). (رواه) الدارقطنى والبيهقى من طريقين وزاد فى أحدهما، فأبت أن تسلم فقتلت. وإسناداهما ضعيفان اهـ (٣٤٩:٢). وقال فى "الدراية": "وفى إسناده عبد الله بن أذنية، وقد قال فيه ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به بحال" اهـ (ص٢٧٢). فإن قيل: أخرجه الدار قطنى أيضا عن معمر بن بكار السعدى ثنا إبراهيم بن سعد عن الزهرى عن محمد بن المنكدر عن جابر قلنا: معمر بن بكار فى حديثه وهم قاله العقيلى، وهذا الحديث ملحق بالأول (زيلعى (١٥٨:٢). أراد بالأول حديث عائشة أخرجه الدارقطنى عن محمد ابن عبد المالك الأنصارى عن الزهرى عن عروة عن عائشة قالت: ارتدت امرأة يوم أحد، فأمر النبى عٍَّ أن تستتاب، فإن تابت، وإلا قتلت، ومحمد بن عبد المالك هذا قال أحمد وغيره فيه: يضع (زيلعى)، فوهم معمر بكار فجعله عن إبراهيم بن سعد عن الزهرى عن محمد بن المنكدر عن (١) فإن قيل: فهذا يرفع الآمان عن سكوت الحافظ عن الأحاديث المزيدة فى "الفتح" رأسًا، قلت: كلا فقد عرفت أن للحافظ مستندا فى تحسينه من قول الذهبى فى عبد الله بن عطارد إنه بصرى لين، فإن كان تحرير ما فى "الفتح" مقدما على تحرير ما فى ": "اللسان" فلا إشكال، وإن كان مؤخرا فلعله اعتمد على تلبين الذهبى، ولم يلتفت إلى توهين غيره إياه وأيضا فإن للحديث طرقا عند الدارقطنى فى بعضها معمر بن بكار السعدى ليس إلا وهو، وإن كان العقيلى نسبه إلى الوهم فقد قال الذهبى: صويلح، ذكره ابن أبى حاتم فى "الثقات" كما فى "اللسان" (٦٦:٦)، وبقية الإسناد رجاله ثقات، فلعل الحافظ سكت عن الحديث وحسنه؛ لتعدد طرقه. ٦١٣ ج - ١٢ لا تقتل المرأة المرتدة بل تحبس وتجبر على الإسلام إلا إذا كانت ذات رأى ٤٢٨٩- عن حفص بن سليمان أبى عمر الأسدى عن موسى بن أبى كثير عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة أن امرأة على عهد رسول الله عَ ليه ارتدت فلم يقتلها، رواه ابن عدى فى "الكامل"، وقال: لا يرويه عن موسى بن أبى كثير غير حفص وضعف حفص بن سليمان اهـ (زيلعى ١٥٧:٢). قلت: قال فيه أحمد: صالح، ومرة: ما به بأس وقال محمد بن سعيد العوفى عن أبيه: حدثنا حفص لو رأيته لقرت عيناك فهما وعلما وقال أبو عمر الدانى: قال وكيع: كان ثقة اهـ. من "التهذيب" (٤٠٠:٢ و٤٠١)، وهو شاهد حسن لحديث معاذ المتقدم. ٤٢٩٠- عن خلاس بن عمرو عن على قال: المرتدة تستتاب ولا تقتل. أخرجه الدارقطنى فى سننه ثم قال: وخلاس ضعيف (زيلعى ١٥٨:٢). قلت: يا سبحان الله !. توثیق خلاس بن عمرو خلاس بن عمرو من رجال الجماعة أخرج له الشيخان وغيرهم، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة. وقال الآجرى عن أبى داود: ثقة ثقة. وقال ابن معين: ثقة. وقال . العجلى: بصرى تابعى ثقة. وقال الحاكم: كان أبوه صحابيا. وقال الجوزجاني والعقيلى: كان على شرطة على. وقال الحافظ: قد ثبت أنه قال: سألت عمار بن ياسر، ذكره محمد بن نصر فى كتاب الوتر من "التهذيب" (١٧٧:٣) ملخصا: قلت: فلا ينكر سماعه من على، فالأثر صحيح، ولا أقل من أن يكون حسنا قال الزيلعى: وأخرج عبد الرزاق نحوه عن الحسن وعطاء وإبراهيم النخعى اهـ. جابر، ولم يروه إبراهيم بن سعد عن الزهرى، ولا الزهرى عن محمد بن المنكدر، وإنما رواه محمد ابن عبد المالك عن الزهري عن عروة عن عائشة وهو متهم بالوضع فلا حجة فيه، ولو سلم أن معمر بن بكار لم يهم فهو محمول على أن المرأة المرتدة كانت ذات رأى وتبع، ومثلها تقتل إجماعًا. قال المحقق فى "الفتح": ولهذا قلنا: لو كانت المرتدة ذات رأى وتبع تقتل لا لردتها، بل لأنها حينئذ تسعى فى الأرض بالفساد (٣١١:٥)، ودلالة الحديث الذى فتحنا به الباب على الجزء الأول منه ظاهرة. قوله: عن حفص بن سليمان إلخ دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة، وحفص بن سليمان هذا هو صاحب القراءة، والإمام فيها حسن الحديث على الأصل الذى أصلناه فى "المقدمة". قوله: "عن خلاس بن عمرو إلخ". قلت: دلالته على النهى عن قتل المرتدة ظاهرة ٦١٤ إعلاء السنن لا تقتل المرأة المرتدة بل تحبس وتجبر على الإسلام إلا إذا كانت ذات رأى ٤٢٩١- أخبرنا أبو حنيفة عن عاصم بن أبی النجود عن أبی رزین عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: "لا يقتل النساء إذا ارتددن عن الإسلام ويجبرن عليه"، أخرجه الإمام محمد بن الحسن فى الآثار (ص٨٧). والإمام أبو يوسف فى الخراج (ص٢١٥) بلفظ "لا يقتل النساء إذا هن ارتددن عن الإسلام، ولكن يحبسن ويدعين إلى الإسلام ويجبرن عليه" اهـ. ورواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" عن عبد الرحمن بن سليمان ووكيع عن أبى حنيفة به بلفظ أبى يوسف، ورواه عبد الرزاق فى "مصنفه" أواخر القصاص: أخبرنا سفيان الثورى عن عاصم عن أبى رزين به، وأخرجه الدار قطنى من طريق أبى مالك النخعى أحد الضعف عن عاصم به (زيلعى ١٥٨:٢، دراية ص ٢٧٢). فلم ينفرد أبو حنيفة به، بل تابعه عن عاصم سفيان وأبو مالك، وكفى بأبى حنيفة إماما وبسفيان متابعًا، وعاصم من رجال الجماعة، وثقه الأئمة الأعلام. وقال ابن معين: ثقة، لا بأس به، من نظراء الأعمش اهـ. من "التهذيب" (٣٩:٥ و٤٠). وأبو رزين مسعود ابن مالك الأسدى الكوفى ثقة فاضل من الثانية، ومن رجال الخمسة (تق ص ٢٠٦). ولا يلتفت إلى تضعيف من ضعفه لأجل الخلاس. فقد عرفت أن كثيرا من الأعلام قد وثقوه، ولو ضعفنا الرجال بمجرد كلام بعض الجارحين فيه، لم يسلم لنا كبير شىء، وضاع معظم الحدیث، کما لا يخفى. التنبيه على وهم ابن التركمانى فى قوله: "أبو رزين صحابى": قوله: "أخبرنا أبو حنيفة إلخ". قلت: وهم ابن التر كمانى حيث قال فى "الجوهر النقى" متكلما علی رجال السند: وأبو رزین صحابی اهـ (١٧٢:٢). فأبو رزين الذى يروى عنه عاصم ليس بصحابى، بل هو من كبار التابعين، كما ذكره فى المتن. ذكرناه الحافظ فى "الإصابة" فى القسم الثالث. وقال: مختلف فی إدراکه، ثم ذ کره فی القسم الرابع، وقال: ذكره ابن شاهین فی الصحابة، وتعقبه أبو موسى، وقال: لا صحبة له ولا إدراك اهـ (٧٢:٧ و ٧٣)، وأبو رزين الصحابى إنما لقيط بن صبرة روى عنه عاصم بن لقيط، كما فى "التهذيب" (٤٥٦:٨). لم يدركه عاصم بن بهدلة، ولم يكن ليدركه قال ابن التركمانى: وذكر أبو عمر (هو الحافظ ابن عبد البر) فى "التمهيد" أن أبا حنيفة والثورى رويا هذا الأثر عن عاصم، وكذا أخرجه دارقطنى فى سننه بسند جيد عنهما عن عاصم، وأخرجه عبد الرزاق فى "مصنفه" عن الثورى عنه، فقد تابع الثوری ٦١٥ ج - ١٢ لا تقتل المرأة المرتدة بل تحبس وتجبر على الإسلام إلا إذا كانت ذات رأى ٤٢٩٢- عن ابن عمر قال: وجدت امرأة مقتولة فى بعض مغازى النبى علّم فنهى رسول الله عَ ليه عن قتل النساء والصبيان. رواه الجماعة إلا النسائى. أبا حنيفة اهـ (١٧٢:٢). التنبيه على وقوع التصحيف فى نسخة الدار قطنى قلت: وتبين بذلك وقوع التصحيف فى نسخة الدار قطنى المطبوعة بد، وكذا فى النسخة التى وقعت بيد الزيلعى والحافظ ابن حجر، فقد وقع فيها نا عبد الرزاق عن سفيان عن أبى حنيفة عن عاصم بن أبى النجود إلخ (٣٣٨:٢). وإنما هو نا عبد الرزاق عن سفيان وعن أبى حنيفة عن عاصم إلخ. يؤيده أن عبد الرزاق أخرجه فى "المصنف" عن سفيان عن عاصم ولم يذكر أبا حنيفة، فالصحيح ما قاله ابن عبد البر: إن الدار قطنى أخرجه عنهما عن عاصم، لا كما يوهمه عبارة النسخة الحاضرة، وإن سلمنا أن سفيان رواه عن أبى حنيفة فيمكن أن يكون سمعه بعد ذلك عن عاصم بلا واسطة كما يشعر به لفظ عبد الرزاق فى "المصنف" فإن سفيان أدرك عاصما، كما أدركه أبو حنيفة، فاندحض به ما قاله الحافظ فى "الفتح": رواه أبو حنيفة عن عاصم عن أبی رزين عن ابن عباس، وخالفه جماعة من الحفاظ فى المتن اهـ (٢٣٦:١٢). فليت شعرى من هؤلاء الحفاظ وهل الحافظ إلا سفيان فى عصره وهل أحد من معاضريه يساميه فى الحفظ والإتقان؟ فماذا على أبى حنيفة إن خالفه الناس إذا وافقه سفيان وهو أرجحهم فى الحفظ والثقة وله شأن رفيع فى الحديث وأى شأن؟ قال ابن التركمانى وحكى الترمذى وابن عبد البر وغيرهما، (كابن المنذر فإنه قال: قال الجمهور: تقتل المرتدة وقال على: تسترق، وقال عمر ابن عبد العزيز: تباع بأرض أخرى، وعزى إلى الثورى مثل ما ذكره عنه الترمذى وابن عبد البر، كذا فى "فتح البارى" (٢٣٦:١٢) أن مذهب الثورى أن المرأة تحبس ولا تقتل فيبعد أن يكون هذا مذهبه ثم يقول: أما من ثقة فلا اهـ كما حكاه عنه البيهقى أنه سئل عنه أى عن حديث عاصم عن أبى رزين عن ابن عباس لا يقتل النساء إذا ارتددن فقال: أما من ثقة فلا اهـ" (١٧٢:٢)، فلو كان الحديث ضعيفا وراويه غير ثقة عنده لم يذهب إليه قط وإن سلمنا أنه صعفه لما فى عاصم من المقال فذهابه إليه، وإفتاءه به يدل على أنه وجد لعاصم متابعًا فيه وثبتت عنده صحته، وعاصم قد وثقه جماعة، وأخرج له الشيخان فى "صحيحيهما" مقرونا بغيره، وأخرج له الحاكم فى "المستدرك"، وابن حبان فى "صحيحه"، كما فى "الجوهر النقى". قوله: "عن ابن عمر إلخ". قال أبو عمر فى "التمهيد": روى قتادة عن خلاس عن على مثله، (أى مثل ما رواه أبو حنيفة وسفيان عن عاصم عن أبى رزين عن ابن عباس) وهو قول الحسن ٦١٦ إعلاء السنن لا تقتل المرأة المرتدة بل تحبس وتجبر على الإسلام إلا إذا كانت ذات رأى ٤٢٩٣- ورواه أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم عن رباح بن ربيع، وفيه: فقال عَّ له: ما كانت هذه لتقاتل، كذا فى "النيل" (١٤٧:٧) وسنده صحيح، كما تقدم فى أول الكتاب. وعطاء ومن حجتهم أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن قتل النساء والولدان "الجوهر النقى". الجواب عن حجج القائلين بقتل المرتدة: قال المحقق فى "الفتح": "وهذا أى قوله: نهى عن قتل النساء، مطلق يعم الكافرة أصليا وعارضا وثبت تعليله عَّه بالعلة المنصوصة فى الحديث من عدم حرابها بقوله ((ما كانت هذه لتقاتل) فكان مخصصا لعموم ما رواه الشافعى من قوله مّ له: ((من بدل دينه فاقتلوه) بعد أن عمومه مخصص بمن بدل دينه من الإسلام إلى الكفر، وأيضا فإن الأصل تأخير الأجزية إلى دار الآخرة وإنما عدل عنه دفعا لشرنا جاز لمصالح تعود إلينا فى هذه الدار كالقصاص وحد القذف والشرب. والزنا والسرقة، شرعت لحفظ النفوس، والأعراض، والعقول، والأنساب، والأموال، فكذا يجب فى القتل بالردة أن يكون لدفع شر حرابه، لا جزاء على فعل الكفر، لأن جزائه أعظم من ذلك عند الله، فيختص بمن يتأتى منه الحراب وهو الرجل. ولهذا نهى النبى معَّ له عن قتل النساء، وعلله بأنها لم تكن تقاتل على ما صح من الحديث، ولهذا قلنا: لو كانت المرتدة ذات رأى وتبع تقتل لا لردتها بل لأنها حينئذ تسعى فى الأرض بالفساد اهـ" (٣١١:٥). وبهذا اندحض ما احتج به الجمهور من حيث النظر، بأن الكافرة الأصلية تسترق فتكون غنيمة للمجاهدين والمرتدة لا تسترق عندهم فلا غنم فيها فلا يترك قتلها، ذكره الحافظ فى "الفتح". (١٢: ٢٤٠)، فإن علة النهى عن قتل النساء ليس استغنامنا باسترقاقها كما زعموا، بل العلة إنما هى عدم حرابها، كما هى منصوصة فى الحديث، فانهدم البناء بانهدام المبنى، وكذا بطل ما قاله السهيلى فى "الروض الأنف": ولم يصب من قاس المرأة المرتدة على نساء الحرب، فإن المرتدة لا تسترق لا تسبى، كما تسبى نساء الحرب، فلذلك نهى النبى عدّ له عن قتل نساء الحرب ليكن مالا للمسلمين ذكره الزيلعى (١٥٧:٢)، فإن تعليل النهى بقوله: ليكن مالا للمسلمين ممنوع. وقال أبو الفتح اليعمرى فى سيرته "عيون الأثر": حديث من بدل دينه فاقتلوه، وحديث أنه مێ نهى عن قتل النساء عامان متعارضان، وكل من الفريقين يخص أحد الحدیثین بالآخر، ولکن حدیث من بدل دينه فاقتلوه، فيه مع العموم قوة أخرى وهى تعليق الحكم بالردة والتبديل، ذكره الزيلعى أيضا. ولا يخفى ما فيه فإن مثل هذه القوة حاصل لعموم النهى عن قتل النساء أيضا، وهو ٦١٧ ج - ١٢ لا تقتل المرأة المرتدة بل تحبس وتجبر على الإسلام إلا إذا كانت ذات رأى ٤٢٩٤- حدثنا ابن مرزوق ثنا أبو داود الطيالسى ثنا سليمان بن معاذ الضبى عن عمار بن أبى معاوية الدهنى عن أبى الطفل أن قومًا ارتدوا، وكانوا نصارى، فبعث إليهم على بن أبى طالب معقل بن قيس التيمى، فقال لهم: إذا حككت رأسى فاقتلوا المقاتلة، واسبوا الذرية، أتى على طائفة منهم، فقال: ما أنتم؟ فقالوا: كنا قوما نصارى، فخيرنا بين الإسلام، وبين ديننا، فاخترنا الإسلام، ثم رأينا أن لا دين أفضل من ديننا الذى كنا عليه، فنحن نصارى، فحك رأسه فقتلت المقاتلة وسبيت الذرية. قال عمار: فأخبرنى أبو شعبة أن عليا أتى بذراريهم، فقام مسقلة بن هبيرة الشيبانى فاشتراهم من على بمائة ألف فأتاه بخمسين ألفا، فقال على: إنى لا أقبل المال إلا كاملا، فدفن المال فى داره وأعتقهم، ولحق بمعاوية، فنفذ على عتقهم، رواه الطحاوى فى "معانى الآثار"، وسنده حسن وسليمان بن معاذ هذا من رجال مسلم والأربعة إلا ابن ماجة قال أحمد: لا بأس به، واستشهد به البخارى (حاشية التقريب ص ٧٨). تعليله معّ له بقوله: ما كانت هذه لتقاتل، وفيه قوة أخرى وهى بقاؤه على عمومه فى غير محل النزاع اتفاقًا بخلاف عموم حدیث من بدل دينه فاقتلوه فإنه مخصص بمن بدل دينه من الكفر إلى الإسلام وبمن بدل دينه كرها لا طوعًا وهو إجماع. فإن قيل: وكذا عموم النهى عن قتل النساء مخصص بسابة الرسول ◌ّ ظله فقد قلتم بقتلها، كما تقدم، وكذا بالساحرة، فإنكم قائلون بقتلها، كما سيأتى، قلنا: ليس ذلك من التخصيص فى شىء، فإنا نقول بقتل المرأة عند انتفاء علة النهى عن قتلها ولا بد، وسابة الرسول، وكذا الساحرة كالمقاتلة عندنا قتقتل. فبطل احتجاج من احتج على قتل المرتدة بما ورد فى بعض الأحاديث والآثار من قتل من كانت تسب الرسول معد له وتشتمه من نساء أهل الذمة وأهل العهد من اليهود وأمثالهم، ولا حجة لهم لما عرفناك. وأيضا فإن قتل السابة والساحرة ليس مما أجمع عليه أئمتنا فقد قال أبو يوسف فى "الخراج": وأيما رجل مسلم سب رسول الله ◌ّ أو كذبه أو عابه أو تنقصه فقد كفر بالله، وبانت منه زوجته، فإن تاب وإلا قتل. وكذلك المرأة إلا أن أبا حنيفة قال: لا تقتل المرأة وتجبر على الإسلام اهـ (٢١٧:١)، وسيأتى بيان الخلاف فى الساحرة، فانتظر، ولعلك لا تجد مثل هذا التأييد لأبى حنيفة رحمه الله وأصحابه فى المسألة فى كتاب غير هذا، ولله الحمد على ما أنعم وعلم وفهم. قوله: "حدثنا ابن مرزوق إلخ" دلالته على الامتناع من قتل المرتدة ظاهرة فإن معقل بن قيس لم يقتل من المرتدين غير المقاتلة وسبى الذرية وهى تعم النساء والصبيان، يدل على ذلك لفظ موم ٦١٨ إعلاء السنن لا تقتل المرأة المرتدة بل تحبس وتجبر على الإسلام إلا إذا كانت ذات رأى ٤٢٩٥- حدثنى أبو الزناد عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبى بكر الصديق قالت: قد رأيت أم محمد بن على بن أبى طالب، وكانت من سبی بنی حنيفة فلذلك سميت الحنفية وسمی ابنها محمد بن الحنفية، قال: وحدثنى عبد الله بن نافع عن أبيه قال: كانت أم زيد بن عبد الله بن عمر من ذلك السبى، رواه الواقدى فى "كتاب الردة" (زيلعى ١٥٣:٢)، ورجاله كلهم ثقات، والواقدى مقبول فى المغازى، صرح به الحافظ فى "التلخيص"، كما مر فى باب "لا توضع الجزية على أهل الأوثان" إلخ. قال ابن التركمانى: وهو المشهور فى " كتب السير" أن أبا بكر قتل أهل الردة، وسبى نساءهم ولم يقتلن اهـ (الجوهر النقى ١٧٣:٢). الطبرى فى تاريخه، ثم أقبل بهم حتى مر بهم على مصقلة بن هبيرة الشيبانى وهو عامل على أردشير خره وهم خمسمائة إنسان فبكى النساء والصبيان إلخ (٧٥:٤). وإذا لم تقتل المرتدة، وهى حرب علينا، فلأن لا تقتل إذا لم تحارب أولى. قوله: "حدثنى أبوالزناد إلخ". قلت دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة، فإن أبا بكر لم يقتل المرتدات وهن حرب علينا فكيف تقتل إذا لم تحارب؟ قال ابن التركمانى: ثم حكى البيهقى عن الشافعى أنه قال لمخالفه: قد روى بعضهم أن أبا بكر قتل نسوة ارتددن عن الإسلام فكيف لم تقر إليه؟ ثم ذكر البيهقى ذلك (الأثر)، ثُم حكى عن الشافعى أنه قال: مما كان لنا أن نحتج إذا كان ضعيفًا عند أهل الحديث قلت: فلذلك لم يصر إليه مخالفه وأيضا فقد خالف ما هو المشهور فى كتب السير أن أبا بكر قتل أهل الردة، وسبى نساءهم ولم يقتلن اهـ (١٧٣:٢)، فتبين بذلك أن ما رواه الواقدى هو المشهور عند أهل السير لم ينفرد هو به، ودلالته على الامتناع من قتل المرتدة ظاهرة. استرقاق المرتدة: ثم اعلم أن المرتدات إنما يسبين، ويسترققن إذا حارب أهل الردة المسلمين، والتحقوا بدار الحرب وإذا لم يحاربوا فلا تسترق، بل تحبس وتجبر على الإسلام، كما قاله على وابن عباس: وعن الإمام فى رواية "النوادر": تسترق(١) (مطلقا) لو فى دار الإسلام، ولو أفتى به حسما لقصدها السىء لا بأس به، وتكون قنة للزوج بالاستيلاء (مجتبى). حاشية. ٦١٩ ج - ١٢ لا تقتل المرأة المرتدة بل تحبس وتجبر على الإسلام إلا إذا كانت ذات رأى ٤٢٩٦- حدثنى "أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز التنوخى أن أم قرفة الفزارية كانت فيمن ارتد فأتى بها أبو بكر فقتلها ومثل بها، قال أبو مسهر: وأبى سعيد أن يخبرنا كيف مثل بها، رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص ١٨٠). وسنده صحيح منقطع قال: (الزيلعى ١٨٥:٢). أخرج الدارقطنى عن سعيد بن عبد العزيز أن أبا بكر قتل أم قرفة الفزارية فى ردتها قتلة مثلة شد رجليهما بفرسين ثم صاح بهما فشقاها لكن قيل: إن سعيدا هذا لم يدرك أبا بكر فيكون منقطعًا اهـ. وقال الحافظ فى الفتح (١٢: ٢٤٠): أخرج الدار قطنى أثر أبى بكر من وجه حسن اهـ. (أى مرسلا). وقال فى "التلخيص ،، (٢: ٣٥٠): فى "السير": أن النبى عّ لّه قتل أم قرفة يوم قريظة وهى غير تلك اهـ. وفى "الفتح": إذا ارتدت فى دار الإسلام صارت فيئا للمسلمين فتسترق على رواية "النوادر": بأن يشتريبها من الإمام، أو يهبها له. أما لو ارتدت فيما استولى عليه الكفار، وصار دار حرب، فله أن يستولى عليها بنفسه بلا شراء ولا هبة، كمن دخل دار الحرب متلصصا، وسبى منهم، وهذا ليس مبنيًا على رواية "النوادر"؛ لأن الاسترقاق وقع فى دار الحرب، لا فى دار الإسلام، كذا فى "الدر" و"رد المحتار" (٤٧٠:٣)، وفيه أيضا: "والمرتدة تحبس أبدً؟ ولا تجالس، ولا تؤاكل حتى تسلم ولا تقتل" اهـ قال الشامى: لم يذكر ضربها فى ظاهر الرواية، وعن الإمام أنها تضرب فى كل يوم ثلاثة أسواط، وعن الحسن تسعة وثلاثين إلى أن تموت أو تسلم، وهذا قتل معنا؛ لأن موالاة الضرب تفضى إليه، كذا فى "الفتح" اهـ. قوله: "حدثنى أبو مسهر إلخ". قلت: دلالته على الجزء الآخر من الباب ظاهرة فترى - والله أعلم - أن أبا بكر رضى الله عنه إنما قتل أم قرفة لكونها ذات رأى وتبع قال فى "المبسوط": إن أم قرفة كان لها ثلاثون ابنا وكانت تحرضهم على قتال المسلمين ففى قتلها كسر شوكتهم، ويحتمل أنه كان من الصديق بطريق المصلحة والسياسة كما أمر بقطع يد النساء اللاتى ضربن الدف لموت رسول الله عَ ◌ّه لإظهار الشماتة (١١٠:١٠) ألا ترى أنه قتلها قتلة مثلة وهى منهية عنها إجماعًا، وإنما ذلك نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين والمتقيات، فافهم. فاندحض به ما قاله الحافظ فى "الفتح": " وتعقب أى قول الحنفية بأن ابن عباس راوى الخبر قد قال: تقتل المرتدة، وقتل أبو بكر فى خلافته امرأة ارتدت، والصحابة متوافرون، فلم ينكر ذلك عليه أحد، وقد أخرج ذلك كله ابن المنذر، وأخرج الدار قطنى أثر أبى بكر من وجه حسن اهـ" (٢٤٠:١٢). فقد رأيت أن أثر أبى بكر ليس فيه حجة للجمهور لكونه قتلها مثلةً والنهى عن المثلة مجمع ٦٢٠ إعلاء السنن ٤٢٩٧- أخبرنا الثورى عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب أمر فى أم ولد تنصرت أن تباع فى أرض ذات مؤنة عليها، ولا تباع فى أهل دينها، فبيعت بدومة الجندل من غير أهل دينها. رواه عبد الرزاق فى "مصنفه" (زيلعى ١٥٨:٢). وهو مرسل صحيح ويحيى بن سعيد عده ابن عيينة فى محدثى الحجاز الذين يجيئون بالحدیث على وجهه، وابن المدينى فى أصحاب صحة الحديث وثقاته، وابن عمار فى موازين أصحاب الحديث، كما فى "التهذيب" (٣٢٣:١١)، فإرساله كإرساله ابن سيرين والحسن والنخعى. باب لا یقتل الذمی إذا تحول من دین کفر إلی دین کفر قال الله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، فالدين فى الحقيقة هو الإسلام، عليه، كما مر فى أبواب كيفية القتال فهل يحتج به الجمهور على جواز المثلة بالمرتدة أيضا؟ كلا، فكيف ساغ لهم الاحتجاج بما لا يصلح للاحتجاج به إلا على الوجه الذى ذكرناه، ونحن أول قائل به، على أن أثر أبى بكر هذا منقطع، كما ذكرنا، والخصم لا يحتج بالمنقطع، كما هو معروف، ولذا قال الإمام الشافعى: فما كان لنا أن نحتج به إذا كان ضعيفا عند المحدثين، فافهم. وأما إن ابن عباس راوى الخبر قال: تقتل المرتدة فالجواب إعمال الخبرين أولى من إعمال أحدهما وإهمال الآخر. فقوله "تقتل المرتدة" محمول عندنا على ما إذا كانت ذات رأى وتبع، والنهى على ما إذا لم تكن كذلك، وهو الموفق لنهيه مرّ له عن قتل النساء وتعليله بأنها ما كانت لتقاتل الدال على جواز قتلها إذا باشرت القتال بنفسها أو برأيها، والله تعالى أعلم. قوله: "أخبرنا الثورى إلخ". دلالته على امتناع عمر من قتل المرتدة ظاهرة، وفى "الهداية" عن "الجامع الصغير": وتجبر المرأة على الإسلام حرة كانت أو أمة والأمة يجبرها مولاها. أما الجبر فلما ذكرنا (من أثر على وابن عباس) ومن المولى لما فيه من الجمع بين الحقين اهـ. وفى "الكفاية" : قال أبو حنيفة: إذا ارتدت الأمة، واحتاج المولى إلى خدمتها دفعت إليه، وأمره القاضى أن يجبرها على الإسلام اهـ" (٣١١:٥) مع "الفتح"، ومفاده أنه إن لم یکن محتاجاً إلى خدمتها، فحكمها الحبس، ويقوم النفى والتغريب ببيعها فى أرض ذات مؤنة عليها من غير أهل دينها مقامه، كما لا يخفى، فالأثر موافق لما ذهبنا إليه غير مخالف لها، والله تعالى أعلم. باب لا یقتل الذمی إذا تحول من دین کفر إلی کفر قوله: "قال الله تعالى إلخ". قلت: قد تقدم فى باب جواز قتل المرتد بلا إمهال أن بعض