Indexed OCR Text
Pages 521-540
ج - ١٢ شروط أهل الذمة وما يجوز لهم فعله فى دارنا وما لا يجوز ٥٢١ وذكر ابن تيمية رواية الخلال هذه مختصرة فى "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص٥١)، وقال: هذه الشروط أشهر شىء فى كتب العلم والفقه، وهى مجمع عليها فى الجملة بين العلماء من الأئمة المتبوعين وأصحابهم وسائر الأئمة اهـ. ورواه ابن مندة فى "غرائب شعبة" وابن زبر فى شروط النصارى (كنز العمال ٣٠٢:٢ و٣٠٣). وأخرجه ابن حزم فى "المحلى" (٣٤٦:٧) من طريق سفيان الثورى عن طلحة بن مصرف عن مسروق عن عبد الرحمن بن غنم ولم يعله بشىء وقال: وعن عمر أيضا أن لا يجاورونا بخنزیر اهـ. ٤٢٠٠- حدثنى بعض أهل العلم عن مكحول الشامى، "أن أبا عبيدة بن الجراح صالحهم بالشام واشترط عليهم حين دخلها أن تترك كنائسهم وبيعهم على أن لا يحدثوا بناء بيعة ولا كنيسة، وعلى أن عليهم إرشاد الضال وبناء القناطر على الأنهار من أموالهم، وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثة أيام، وعلى أن لا يشتموا مسلما ولا يضربوه، ولا يرفعوا فى نادى أهل الإسلام صليبا، ولا يخرجوا خنزيرا من منازلهم إلى أفنية المسلمين، وأن يوقدوا النيران للغزاة فى سبيل الله، ولا يدلوا للمسلمين على عورة، ولا يضربوا نواقيسهم قبل أذان المسلمين ولا فى أوقات أذانهم، ولا يخرجوا الرايات فى أيام عيدهم، ولا يلبسوا السلاح يوم عيدهم، ولا يتخذوه فى بيوتهم. فإن فعلوا ذلك عوقبوا، وأخذ منه، فقالوا لأبى عبيدة: اجعل لنا يوما فى السنة نخرج فيه صلباننا بلا رايات، وهو يوم عيدنا الأكبر فكتب أبو عبيدة إلى عمر رضى الله عنه فكتب إليه عمر رضى الله عنه وف لهم بشرطهم الذى شرطت لهم، فى جميع ما أعطيتهم. وأما إخراج الصلبان فى أيام عيدهم فلا تمنعهم من ذلك خارج المدينة بلا رايات ولا بنود(١) ولولا شهرتها عند الفقهاء لذكرنا ألفاظ كل طائفة فيها وهى أصناف: الصنف الأول ما مقصوده التمييز عن المسلمين فى الشعور واللباس والأسماء والمراكب ونحوها، يتميز المسلم من الكافر ولا يشبه أحدهما بالآخر فى الظاهر، ولم يرض عمر رضى الله عنه والمسلمون بأصل التمييز، بل بالتمييز فى عامة الهدى على تفاصيل معروفة، وذلك يقتضى إجماع المسلمين على التميز عن (١) جمع بند وهو العلم الكبير، كذا فى "المجمع" (١١٨:١). ٥٢٢ شروط أهل الذمة وما يجور لهم فعله فى دارنا وما لا يجوز إعلاء السنن على ما طلبوا منك يوما فى السنة فأما داخل البلد بين المسلمين ومساجدهم فلا تظهر الصلبان، فأذن لهم أبو عبيدة فى يوم من السنة - وهو يوم عيدهم الذى فى صومهم- فأما فى غير ذلك اليوم فلم يكونوا يخرجون صلبانهم". أخرجه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" (ص١٦٥ و ١٦٩) مطولا، وهذا مختصر منه وفيه من لم يسم مع إرساله، ولكن احتجاج المجتهد، واشتهار هذه الشروط يغنى عن الإسناد. ٤٢٠١- وحدثنى محمد بن إسحاق وغيره من أهل العلم بالفتوح والسير بعضهم يزيد على بعض قالوا: " لما قدم خالد بن الوليد من البمامة دخل على أبى بكر الصديق، فأقام أياما ثم قال له أبو بكر: تهيأ حتى تخرج إلى العراق -فذكر حديثا طويلا فى فتحه حصونا وبلادا من العراق- وفيه: ثم مضى إلى الحيرة فتحصن منه أهلها فى قصورها الثلاثة، ثم نزل إليه عبد المسيح بن حيان بن بقيلة وإياس بن قبيصة الطائى -وكان والى الحيرة من قبل كسرى- فقال لهم: أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام فإن أنتم فعلتم فلكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم، وإن أبيتم فأعطوا الجزية فإن أبيتم فقد أتيتكم بقوم هم أحرص على الموت منكم على الحياة، فقال له إياس بن قبيصة: ما لنا فى حربك من حاجة، وما نريد أن ندخل معك فى دينك، نقيم على ديننا ونعطيك الجزية فصالحه على ستين ألفا ورحل، على أن لا يهدم لهم بيعة ولا كنيسة ولا قصرا من قصورهم التى كانوا يتحصنون فيها إذا نزل بهم عدوهم ولا يمنعون من ضرب النواقيس، ولا من إخراج الصلبان فى يوم عيدهم، وعلى أن لا يشتملوا على تغبة(١)، وعلى أن يضيفوا من الكفار ظاهرا، وترك التشبه بهم. ولقد كان أمراء الهدى مثل العمرين وغيرهما يبالغون فى تحقيق ذلك بما یتم به المقصود، روی أبو الشیخ بإسناده عن محمد بن قیس وسعید بن عبد الرحمن بن حبان قال: دخل ناس من بنى تغلب على عمر بن عبد العزيز وعليهم العمائم كهيئة العرب. فقالوا: يا أمير المؤمنين! ألحقنا بالعرب. قال: فمن أنتم؟ قالوا: نحن بنو تغلب قال: أو لستم من أواسط العرب؟ قالوا: نحن نصارى. قال: على بجلم(٢)، فأخذ من نواصيهم، وألقى العمائم، وشق رداء كل واحد شبرا يحتزم به. وقال: لا تركبوا السروج واركبوا على الأكف (جمع إكاف)، والوا (١) أی ریتبه ولا فساد. (٢) الجلم الذى يجزبه الشعر والصوف والجلمان شفرتاه. ج - ١٢ شروط أهل الذمة وما يجوز لهم فعله فى دارنا وما لا يجوز ٥٢٣ مر بهم من المسلمين مما يحل لهم من طعامهم وشرابهم وكتب بينهم هذا الكتاب: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من خالد بن الوليد لأهل الحيرة، إن خليفة رسول الله عَّه أبا بكر الصديق رضى الله عنه أمرنى أن أسير بعد منصرفى من أهل اليمامة إلى أهل العراق من العرب والعجم بأن أدعوهم إلى الله جل ثناؤه وإلى رسوله عليه السلام وأبشرهم بالجنة وأنذرهم من النار، فإن أجابوا فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وإنى انتهيت إلى الحيرة فخرج إلى إياس بن قبيصة الطائى فى أناس من أهل الحيرة من رؤوسائهم، وإنى دعوتهم إلى الله وإلى رسوله فأبوا أن يجيبوا، فعرضت عليهم الجزية أو الحرب فقالوا: لا حاجة لنا بحربك، ولكن صالحنا على ما صالحت عليه غيرنا من أهل الكتاب، وإنى نظرت فى عدتهم، فوجدت عدتهم سبعة آلاف رجل، ثم ميزتهم فوجدت من كانت به زمانة ألف رجل فأخرجتهم من العدة، فصار من وقعت عليه الجزية ستة آلاف فصالحونى على ستين ألفا، وشرطت عليهم أن عليهم عهد الله وميثاقه الذى أخذ على أهل التوراة والإنجيل أن لا يخالفوا ولا يعينوا كافرا على مسلم من العرب، ولا من العجم ولا يدلوهم على عورات المسلمين فإن هم خالفوا، فلا ذمة لهم ولا أمان، وإن هم حفظوا ذلك ورعوه وأدوه إلى المسلمين فلهم ما للمعاهد وعلينا المنع لهم. فإن فتح الله علينا فهم على ذمتهم، لهم بذلك عهد الله وميثاقه أشد ما أخذ على نبى من عهد أو ميثاق، وعليهم مثل ذلك لا يخالفوا، فإن غلبوا فهم فى سعة يسعهم ما وسع أهل الذمة ولا يحل فيما أمروا به أن يخالفوا، وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين، وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام، فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة ودار الإسلام فليس على المسلمين النفقة أرجلكم من شق واحد، ومن جملة الشروط: ما يعود بإخفاء منكرات دينهم وترك إظهارها كمنعهم من إظهار الخمر والناقوس والنيران والأعياد ونحو ذلك. ومنها ما يعود بإخفاء شعائر دينهم كأصواتهم بكتابهم ومنها: ما يعود بترك إكرامهم وإلزامهم الصغار الذى شرعه الله تعالى، فاتفق عمر رضى الله عنه والمسلمون معه وسائر العلماء بعده ومن وفقه الله من ولاة الأمور على منعهم من أن يظهروا فى دار الإسلام شيئا مما يختصون به مبالغة فى أن لا يظهروا فى دار الإسلام : ٥٢٤ شروط أهل الذمة وما يجوز لهم فعله فى دارنا وما لا يجوز إعلاء السنن على عيالهم، وأيما عبد من عبيدهم أسلم أقيم فى أسواق المسلمين، فبيع بأعلى ما يقدر عليهم فى غير الوكس ولا تعجيل. ودفع ثمنه إلى صاحبه ولهم كل ما لبسوا من الزى إلا زى الحرب من غير أن يتشبهوا بالمسلمين فى لباسهم. وأيما رجل وجد عليهم شىء من زى الحرب سئل عن لبسه ذلك، فإن جاء منه بمخرج وإلا عوقب بقدر ما عليه من زى الحرب، وشرطت عليهم جباية ما صالحتهم علیه حتی یؤدووه إلى بيت مال المسلمين عما لهم منهم، فإن طلبوا عونا من المسلمين أعينوا به، ومؤنة العون من بيت مال المسلمين". أخرجه الإمام أبو يوسف أيضا (ص١٦٩ و ١٧٣). وهذا مختصر، وفيه إرسال، ولكن احتجاج المجتهد به أغنانا عن الإسناد. ٤٢٠٢- حدثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران أن عمر ابن الخطاب بعث حذيفة بن اليمان وسهل بن حنيف (قال أبو عبيد: هكذا قال كثير وإنما هو عثمان بن حنيف) "قال: ففلجا(١) الأرض بالجزية على أهل السواد. وقالا: "من لم يأتنا فنختم فى رقبته فقد برئت منه الذمة. قال: فحشدوا فختما أعناقهم ثم فلجا الجزية على كل إنسان أربعة دراهم فى كل شهر ثم حسبا أهل القرية وما عليهم، وقالا لدهقان: كل قرية على قريتك كذا وكذا فاذهبوا فتوزعوها بينكم. قال: فكانوا يأخذون الدهقان بجميع ما على أهل قرية". رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٥٢ رقم ١٢٤). وسنده صحيح على شرط مسلم ورجاله کلهم رقیون. ٤٢٠٣- حدثنی عبيد الله عن نافع عن أسلم مولی عمر عن عمر رضى الله عنه، "أنه كتب إلى عماله أن يختموا رقاب أهل الذمة". أخرجه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له (ص١٥٣). وسنده صحيح كلهم من رجال الجماعة غير أبى يوسف وهو إمام، وأخرجه أبو عبيد (ص٥٣) أيضا عن أبى المنذر ومصعب بن المقدام كلاهما عن سفیان عن عبيد الله به. خصائص المشركين فكيف إذا عملها المسلمون وأظهروها لهم، وقد كان لعمر رضى الله عنه فى هذا الباب من السياسيات المحكمة ما هى مناسبة سيرته المرضية، فإنه رضى الله عنه هو الذى استحالت ذنوب الإسلام بيده غربا فلم يفر عبقرى فريه حتى صدر الناس بعطن فاغر الإسلام، (١) من الفلج وهو القسم قال الأصمعى: يعنى قسماها نقله فى "اللسان"، وفيه أيضا فلجت الجزية على القوم إذا فرضتها عليهم. ج - ١٢ شروط أهل الذمة وما يجوز لهم فعله فى دارنا وما لا يجوز ٥٢٥ ٤٢٠٤- حدثنا عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر عن نافع عن أسلم "أن عمر رضى الله عنه أمر فى أهل الذمة أن تجز نواصيهم وأن يركبوا على الأكف وأن يركبوا عرضا، وأن لا يركبوا كما يركب المسلمون، وأن يوثقوا المناطق"، قال أبو عبيد: يعنى الزنانير، أخرجه فى "الأموال" (ص٥٣)، وسنده حسن، وذكره الحافظ فى "التلخيص" (٣٨:٢)، وسكت عنه. ٤٢٠٥- حدثنا النضر بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن إسحاق عن خليفة بن قيس ، قال: قال عمر ليرفأ: "اكتب إلى أهل الأمصار فى أهل الكتاب أن تجز نواصيهم، وأن يربطوا الكستيجان فى أوساطهم ليعرف زيهم من أهل الإسلام". رواه أبو محمبيد أيضا (ص٥٣). والنضر مختلف فيه وثقه العجلى، وقال الدارقطنى: صالح وابن عدى: أرجو أنه لا بأس به. وضعفه آخرون (تهذيب ٤٣٥:١) وعبد الرحمن بن إسحاق من رجال مسلم مختلف فیه وثقه کثیرون وضعفه آخرون و خلیفة هو ابن حصین بن قیس أحسبه وثقه النسائى وابن حبان (تهذيب ١٥٩:٣) فالإسناد حسن، إن شاء الله تعالى. ٤٢٠٦- حدثنى عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه "أن عمر بن عبد العزيز کتب إلی عامل له: أما بعد! فلا تدعن صلیبا ظاهرا إلا کسر ومحق ولا یر کبن يهودى ولا نصرانى على سرج وليركب على إكاف، وتقدم فى ذلك تقدما بليغا، وامنع من قبلك فلا يلبس نصرانى قباء ولا ثوب خز ولا عصب(١)، وقد ذكر لى أن كثيرا ممن قبلك من النصارى قد راجعوا لبس العمائم وتركوا المناطق على أوساطهم، واتخذوا الجمام(٢) والوفر وتركوا التقصيص، ولعمرى لئن كان يصنع ذلك فيما قبلك، أن ذلك بك لضعف وعجز، ومصالغة(٣) وأنهم حين يراجعون ذلك ليعلموا ما أنت، فانظر كل شىء نهيت عنه فاحسم عنه من فعله والسلام". رواه الإمام أبو يوسف فى "الخراج (ص١٥٢)، وسنده حسن. وأذل الكفر وأهله وأقام شعائر الدين الحنيف ومنع من كل أمر فيه نزوع إلى نقض عرى الإسلام مطيعا فى ذلك لله ولرسوله وقافًا عند كتاب الله ممتثلا لسنة رسول الله عّ لّه محتذيا حذو صاحبيه، (١) برود يمانية يعصب غزلها أى يجمع ويشد ثم يصنع وينسج فيأتى موشيا. (٢) جمع جمة ووفرة . - (٣) أى مداهنة. ٥٢٦ شروط أهل الذمة وما يجوز لهم فعله فى دارنا وما لا يجوز إعلاء السنن ٤٢٠٧- حدثنى كامل بن العلاء عن حبيب بن أبى ثابت "أن عمربن الخطاب رضى الله تعالى عنه بعث عثمان بن حنيف على مساحة أرض السواد ففرض على كل جريب أرض عامر أو غامر درهما وقفيزا، وختم على علوج السواد فختم خمسمائة ألف علج على الطبقات ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين واثنى عشر فلما فرغ من عرضهم دفعهم إلى الدهاقين وكسر الخواتيم"، رواه الإمام أبو يوسف أيضا (ص١٥٣)، وهو مرسل صحيح. ٤٢٠٨- حدثنا أبو اليمان حدثنا أبو بكر بن عبد الله ابن أبى مريم عن حكيم بن عمير "أن عمر بن الخطاب تبرأ إلى أهل الذمة من معرة(١) الجيش". رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص١٥١ رقم ٤٢٤)، وأبو بكرابن أبى مريم ضعيف ولكن له شاهدا. ٤٢٠٩- حدثنى عبد الله بن سعيد بن أبى سعيد (المقبرى) عن جده "أن عمر بن الخطاب كان إذا صالح قوما اشترط عليهم أن يؤدوا الخراج كذا وكذا، وأن يقروا ثلاثة أيام، وأن يهدوا الطريق ولا يمالئوا علينا عدونا، ولا يؤوا لنا محدثا، فإذا فعلوا ذلك فهم آمنون على دماءهم، ونساءهم وأبناءهم وأموالهم، ولهم بذلك ذمة الله، وذمة رسوله الله عٍَّ ونحن برآء من معرة الجيش". رواه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" (ص٤٦)، وعبد الله بن سعيد المقبرى ضعيف، وقال البزار: فيه لين (تهذيب ٢٣٨:٥)، وقد تأيد بما قبله. مشاورا فى أموره للسابقين الأولين حتى إن العمدة فى الشروط على أهل الكتاب (أى أهل الذمة) على شروطه وحتى منع من استعمال كافر أو ائتمانه على أمر الأمة وإعزازه بعد أن أذله الله انتهى كلام ابن تيمية مختصرا ملخصا (ص٥٩ و٦١) وسيأتى نهى عمر رضى الله عنه من استعمال الكافر، فانتظر. قوله: حدثنا أبو اليمان -إلى قوله- حدثنى عبد الرحمن بن ثابت إلخ. قلت: وهذا هو العدل الإسلامى الذى لن تجد له مثالا فى سير الملوك، فإن الخلفاء مع تبرأهم إلى أهل الذمة من معرة الجيش كانوا يعوضونهم قيمة ما أتلفه الجيش وأفسده من أموالهم وزروعهم، فتأمل. (١) المعرة الأمر القبيح المكروه والأذى، ومعرة الجيش أن ينزلوا بقوم فيأكلوا من زروعهم بغير علم ومع ذلك فكان عمر يضمنهم ما أتلفه الجيش، كما سيأتى. ج - ١٢ شروط أهل الذمة وما يجوز لهم فعله فى دارنا وما لا يجوز ٥٢٧ ٤٢١٠- حدثنى هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عن خالد بن يزيد بن أبى مالك عن أبيه قال: "كان المسلمون بالجابية وفيهم عمر بن الخطاب فأتاه رجل من أهل الذمة يخبره أن الناس قد أسرعوا فى عنبه فخرج عمر حتى لقى رجلا من أصحابه يحمل ترسا عليه عنب فقال له عمر: وأنت أيضا؟ فقال: يا أمير المؤمنين! قد أصابتنا مجاعة فانصرف عمر فأمر لصاحب الكرم بقيمة عنبه". رواه أبو عبيد أيضا (ص٥١)، وخالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبى مالك ضعيف (تقريب ١٢٧:٣)، وثقه أبو زرعة وأحمد بن صالح والعجلى (تهذيب ص١٤٣)، ولولا عنعنة الوليد حكمت بحسن الإسناد مع إرساله، فإن يزيد بن عبد الرحمن لم يدرك عمر رضى الله عنه. ٤٢١١- حدثنى عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه "قال: كتب عدى بن أرطاة -عامل عمر بن عبد العزيز - إليه أما بعد! فإن أناسا قبلنا لا يؤدون الخراج حتى يمسهم شىء من العذاب فكتب إليه عمر، أما بعد! فالعجب كل العجب من استئذانك إياى فى عذاب البشر كأنى جنة لك من عذاب الله وكأن رضاى ينجيك من سخط الله، إذا أتاك كتابى هذا فمن أعطاك ما قبله عفوا وإلا فاحلفه، فو الله لأن يلقوا الله بجناياتهم أحب إلى من أن ألقاه بعذابهم والسلام". "قال: وأتى عمر رجل فقال: يا أمير المؤمنين! أزرعت زرعًا فمر به جيش من أهل الشام فأفسدوه، قال: فعوضه عشرة آلاف. رواه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" (ص١٤٣)، وسنده حسن. ٤٢١٢- حدثنا هشيم ومروان بن معاوية عن إسماعيل بن أبى خالد عن الحارث ابن شبيل عن أبى عمرو الشيبانى "قال: بلغ عمر أن رجلا من أهل السواد قد أثرى فى تجارة الخمر فكتب: أن اكسروا كل شىء قدرتم له عليه، وسيروا كل ماشية له، ولا يؤوين أحد له شيئا". أخرجه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٩٦)، وسنده صحيح. ٤٢١٣- حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن المثنى بن سعيد (هو الضبعى) قال: قوله: "حدثنا هشيم ومروان -إلى قوله، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى إلخ". قال أبو عبيد: فأما الذى فعله عمر بالذى أثرى فى تجارة الخمر من تيسير ماشيته وكسر متاعه، وما فعله على كرم الله وجهه بأهل زرارة من إحراقها وهم ممن قد أقر على ملته فإنما وجهه عندنا والله أعلم: أنهما فعلا ذلك لأن التجارة فى الخمر لم تكن مما شرط لهم إنما كان فى ذمتهم شربها، فأما المتأخر فيها ٥٢٨ شروط أهل الذمة وما يجوز لهم فعله فى دارنا وما لا يجوز إعلاء السنن "كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن -وهو عامله على الكوفة- أن لا تحمل الخمر من رستاق إلى رستاق وما وجدت منها فى السفن فصيره خلا، فكتب عبد الحميد إلى عامله بواسط محمد بن المنتشر بذلك فأتى السفن فصب فى كل راقود ماء وملحا فصيره خلا". رواه أبو عبيد أيضا (ص١٠٢)، وسنده صحيح. وحملها من بلد إلى بلاد فلا. وهو مبين فى حديث يروى عن عمر بن عبد العزيز فذكره. ثم قال: فلم يحل عمر بينهم وبين شربها لأنهم على ذلك صولحوا وحال بينهم وبين حملها والتجارة فيها، وإنما نراه أمر بتصييرها خلا، وتركه أن يصبها فى الأرض صبا. لأنه مال من أموال أهل الذمة، ولو كانت لمسلم ما جاز إلا هراقتها فى الأرض، يتبع فى ذلك ما جاء عن النبى معَ له وأصحابه (فى البخارى وغيره أن أبا طلحة الأنصارى كان يتجر فى الخمر لأيتام، وأن النبى عّ لِّ أمره أن يهريقها فشق زقاقها، وسالت فى الوادى من الهامش)، مؤلف. حكم تجارة أهل الذمة فى الخمر والخنزير: قال أبو عبيد: "فلو جاءت الرخصة من رسول الله عَ ليه فى تصييرها خلا لكانت فى أموال اليتامى وكذلك فعل عمر بمال رويشد الثقفى حين أحرق عليه منزله فلم يأمره أن يجعلها خلا. حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: وجد عمر فى بيت رجل من ثقيف شرابا فأمر به فأحرق وكان يقال له رويشد فقال: أنت فويسق اهـ" (ص١٠٢ و١٠٤). قلت: سند صحيح وكره للمسلم تخليل الخمر ويجوز له اشتراء خلها من أهل الكتاب وغيرهم، بدليل أثر عطاء والحرث العكلى وعلى بن أبى طالب ذكرها أبو عبيد نفسه والله تعالى أعلم. وموضع البسط أبواب الكراهة إن شاء الله تعالى، وقد مر فى ما رواه حرب والخلال أن عمر رضى الله عنه شرط على أهل الذمة أن لا يبيعوا الخمر فتذكر! وقال الإمام أبو يوسف فى الخراج له: "ويتركون أى أهل الذمة يسكنون فى أمصار المسلمين وأسواقهم يبيعون ويشترون ولا يبيعون خمرا ولا خنزيرا ولا يظهرون الصلبان فى الأمصار اهـ"، (ص ١٥٢). قيد بالأمصار وظاهره يفيد جواز بيعهم الخمر والخنزير فى القرى وأثر عمر بن عبد العزيز يفيد منعهم عن بيعهما فى القرى أيضًا فيوفق بأن الإجازة إذا كان أكثر أهلها أهل الذمة، والمنع إذا كان أكثر أهلها مسلمين أو متساويين، ونظيره ما فى "الهداية": وقيل فى ديارنا يمنعون من ذلك فى القرى أيضا لأن فيها بعض الشعائر والمروى عن صاحب المذهب فى قرى الكوفة لأن أكثر أهلها الذمة اهـ (٢٩٩:٥ مع الفتح). وفى "شرح السير الكبير" تحت قول محمد: "القرى التى أهلها مسلمون إلا أنها ليست ج - ١٢ شروط أهل الذمة وما يجوز لهم فعله فى دارنا وما لا يجوز ٥٢٩ ٤٢١٤- حدثنى أبو نعيم عن شبل بن عباد عن قيس بن سعد "قال: سمعت طاوسا يقول: لا ينبغى لبيت رحمة أن يكون عند بيت عذاب". أخرجه أبوعبيد أيضا (ص١٩٥) وسنده صحيح. ٤٢١٥- حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن هشام الدستوائى عن قتادة عن الحسن عن الأحنف بن قيس: "إن عمر رضى الله عنه اشترط الضيافة على أهل الذمة يوما وليلة وأن يصلحوا القناطر، وإن قتل رجل من المسلمين بأرضهم فعليهم ديته". رواه أبو عبيد (ص١٤٥) أيضاوسنده صحيح على شرط مسلم. ورواه أحمد أيضا (المغنى ٦٠٧:١٠). بأمصار إذا اشترى أهل الذمة فيها منازل، وأعلنوا فيها بيع الخمر والخنزير لم يمنعوا من ذلك" ما نصه: فالحاصل أنهم يمنعون من إحداث ذلك فى المصر وفنائه ولا يمنعون فى القرى التى أكثر السكان بها من أهل الذمة، فأما فى القرى التى يسكنها المسلمون اختلاف بين المشايخ على ما بينا (٢٣٥:٣). وبهذا انحل إشكال يرد على أخذهم العشر من خمور أهل الذمة مع منعهم إياهم من التجارة فيها والعشر لا يؤخذ إلا من مال التجارة فافهم. والله تعالى أعلم، أو تحمل الإجازة على تجارتهم فيها سرا، والنهى على التجاهر بها، ولهذا نهى عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه من حملهم الخمر من رستاق إلى رستاق لكونه من التجاهر بها فتأمل. وفى "شرح السير": "ولو مر ذمى بخمر له فى سفينة فى مثل دجلة والفرات فمر بها فى وسط بغداد أو واسط أو المدائن لم يمنع من ذلك، لأن هذا الطريق الأعظم لا بد له من الممر فيه إلا أنه لا يترك أن يرد بها إلى شىء من قرى هذه الأمصار ظاهرا، لما فى ذلك من الاستخفاف بالمسلمين، وهذا غير موجود فى وسط دجلة. فإن فعل شيئا من ذلك فالحكم فى تأديبه (أى يؤدبه على ذلك بالضرب والحبس ولا يريق خمره) (٢٥٩:٣ و٢٦٠). ولله الحمد على الموافقة فإنى اطلعت على كلام محمد فى السير بعد ما وفقت بین الأثر وقول ابی یوسف بالقياس. قوله: "حدثنى أبو نعيم إلخ" قال أبو عبيد: "أراه يعنى -الكنائس والبيع وبيوت النيران -- يقول: لا ينبغى أن تكون مع المساجد فى أمصار المسلمين اهـ". قلت: والنهى عن ذلك مصرح به فى شروط عمر رضى الله عنه، وعليه العمل والإجماع. قوله: "حدثنا عبد الوهاب بن عطاء إلخ". قلت: لم أر حكم هذه الضيافة التى كانت مشروطة على أهل الذمة فى كتب أصحابنا ومقتضى ما ذكرناه عن الجصاص فى "باب مقدار الجزية" أن الضيافة كانت محسوبة عليهم فى الجزية، وأن عمر رضى الله عنه كان قد نقص لهم ٥٣٠ شروط أهل الذمة وما يجوز لهم فعله فى دارنا وما لا يجوز إعلاء السنن ٤٢١٦- حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد عن سهيل بن عقيل عن عبد الله بن هبيرة السبائى "قال: صالح عمرو بن العاص أهل الظابلس وهى من بلاد برقة بين أفريقية ومصر على الجزية على أن يبيعوا من أبنائهم ما أحبوا فى جزيتهم". رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص١٤٦). ورجاله ثقات ولم أعرف سهيل بن عقيل هذا، ولكن اللیث أجل من أن یروی عمن لا يحتج به عنده، وهو إمام مجتهد، وله شاهد. ٤٢١٧- حدثنى محمد بن سعد عن الواقدى عن شرحبيل بن أبى عون عن عبد الله بن هبيرة "قال: لما فتح عمرو بن العاص الإسكندرية سار فى جنده يريد المغرب حتى قدم برقة - وهى مدينة الظابلس- فصالح أهلما على الجزية، وهى ثلاثة عشر ألف دينار يبيعون فيها من أبنائهم من أحبوا بيعه". رواه البلاذرى فى "الفتوح" (ص٢٣)، وشرحبيل بن أبى عون هو مولى أم بكر بنت المسور ابن مخرمة، ذكره ابن يونس فى المصريين (تعجيل المنفعة ص١٧٧)، ولم يذكره بجرح ولا تعدیل. عن الجزية بقدرها، فإنه وضع على من لم يشترط عليهم الضيافة ثمانية وأربعين درهما وعلى من اشترط عليهم الضيافة وأربعين درهما. وقال الموفق فى "المغنى": "ويجوز أن يشترط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين، ولا يجب ذلك من غير شرط، وهو مذهب الشافعى ومن أصحابنا من قال تجب بغير شرط لوجوبها على المسلمين. والأول أصح لأنه أداء مال فلم يجب بغير رضاهم كالجزية، فإن شرطها عليهم فامتنعوا من قبولها لم تعقد لهم الذمة. وقال الشافعى: لا يجوز قتالهم عليها اهـ" (٦٠٧:١٠ و ٦٠٨). وفيه أيضا (٦٠٩:١٠): "فإن امتنع بعضهم من القيام بما يجب عليه أجبر عليه فإن امتنع الجميع أجبروا فإن لم يمكن إلا بالقتال قوتلوا، فإن قاتلوا انتقض عهدهم اهـ". قلت: وهذا مما لا خلاف فيه نعلمه، فإن أهل الذمة يجبرون على العمل بالشروط التى شرطوها على أنفسهم اتفاقًا. فإذا امتنع الجميع يجبرون ولا يتركون يخالفوا الشروط، فإن قاتلوا قوتلوا وينتقض العهد بالحراب. وروى أبو عبيد فى الأموال حدثنى أبو اليمان الحمصى عن أبى بكر ابن عبد الله ابن أبى مريم عن حكيم بن عمير ((قال: كتب عمر بن الخطاب: أيما رفقة من المهاجرين آواهم الليل إلى أهل قرية من المعاهدين فلم يؤوهم، فقد برئت منهم الذمة» (ص ١٤٥). وأبو بكر هذا ضعيف كما مر وفيه دليل على انتقاض عهدهم بترك الإيواء المراد به الضيافة، والله تعالى أعلم. قوله: "حدثنا عبد الله بن صالح- إلى قوله- حدثنا عبد الله بن صالح ثانيًا إلخ". قلت: وظن ج - ١٢ شروط أهل الذمة وما يجوز لهم فعله فى دارنا وما لا يجوز ٥٣١ ٤٢١٨- حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب: "أن عمرو بن العاص كتب فى شرطه على أهل لواتة من البربر من أهل برقة أن عليكم أن تبيعوا أبنائكم ونسائكم فيما عليكم من الجزية". رواه البلاذرى فى "الفتوح" (ص٣٣٣). وهذا مرسل صحيح رجاله كلهم ثقات، وأخرجه أبو عبيد فى "الأموال" (ص١٨٤) عن الليث بن سعد، ولم یذکر یزید. ٤٢١٩- حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد "قال: إنما الصلح بيننا وبين النوبة على أن لا نقاتلهم ولا يقاتلوننا وأنهم يعطوننا دقيقا ونعطيهم طعاما. قال: وإن باعوا أبنائهم ونسائهم لم أر بأسا على الناس أن يشتروا منهم. قال الليث: وكان يحيى بن سعيد الأنصارى لا يرى بذلك بأسا" اهـ. رواه أبو عبيد أيضا (ص١٤٦)، محشى "الأموال" أن سهيل بن عقيل هذا هو سهل بن عقيل المذكور فى "الخلاصة" وليس كما ظن فإن سهل بن عقيل هذا والصواب سهل بن أبى عقيل هو سهل بن هاشم بن بلال الحبشى، يروى عن الثورى وشعبة والأوزاعى وعنه أبو مسهر وهشام بن عمار كما فى الخلاصة (١٣٤:١). وهو من التاسعة، كما فى "التقريب" (ص٨١) فكيف يمكن أن يسمع من شيوخ الليث بن سعد الإمام الذى هو من السابعة (تقريب ص١٧٦)، وكيف يمكن سماعه من عبد الله بن هبيرة الذى هو من الثالثة (تق ص١١٤) ولد سنة الجماعة وما سنة ست وعشرين ومائة (تهذيب ٦٢:٦). ولكن الأنر قد تأيد بطرق عديدة فصلح للاحتجاج وقال أبو عبيد: "وحدثنا نعيم بن حماد عن حسين بن حسن عن ابن عون عن ابن سيرين فى العدو يسبى بعضهم بعضا، قال: ((لا بأس على المسلمين أن يشتروا منهم. قال نعيم: رأيت عبد الرحمن بن مهدى قائما على رأس حسين يسأله عن هذا الحدیث اهـ) (ص١٨٤). إذا باع الحربى ولده هناك من مسلم: وفى هذه الآثار كلها دليل على أن الحربى لو باع هناك ولده من مسلم جاز شراءه منه، فإنه إذا جاز فى دار الموادعة ففى دار الحرب بالأولى. قال الليث: قال يحيى بن سعيد: ومن باع ولده من أهل الصلح من العدو فلا بأس باشتراء ذلك منهم. قال أبو عبيد: وكذلك كان رأى الأوزاعى قال: لا بأس به لأن أحكامنا لا تجرى عليهم وأما سفيان وأهل العراق: فيكرهون ذلك، قال أبو عبيد: وهو أحب القولين إلى لأن الموادعة أمان فكيف يسترقون؟ اهـ (ص ١٤٧) قلت: وفيه أن الأمان إنما يمنع ما يعده أهل الصلح خلاف الأمان وما لا فلا، فإذا رضى أهل الصلح ببيع أولادهم ٥٣٢ شروط أهل الذمة وما يجوز لهم فـ فى دارنا وما لا يجوز إعلاء السنن وفيه دليل على أن الليث ويحيى بن سعيد قد احتجا بما رواه سهيل عن عبد الله بن هبيرة عن عمرو بن العاص. واسترقاقهم لا يمنع البائع ولا المشترى بشرط أن يكون العقد فى دار الموادعة دون دار الإسلام لكون أحكامنا لا تجرى هنالك وتجرى ههنا فلا يجوز فى دار الإسلام بيع الرجل أولاده ومحارمه، لا بالرضا ولا بدونه. قلت: وكلام أبى عبيــ مشعر بأن أهل العراق، إنما كرهوا مثل هذا البيع فى دار الموادعة، وعللوا الكراهة بكون الموادعة تنافى الاسترقاق، ومقتضى ذلك جواز مثل هذا البيع والشراء فى دار الحرب اتفاقًا لانتفاء العلة التى بها كرهوه فى دار الموادعة. تنبيه: قال الشامى فى "النهر" عن "منية المفتى": "إذا باع الحربى هناك ولده من مسلم عن الإمام أنه لا يجوز ولا يجبر على الرد (وفى "التحرير المختار" عبارة (ط) يجوز بالإثبات، وهى الأصوب ورأيته فى "النهر" مثل ما قاله (٥٧:٢). وعن أبى يوسف أنه يجبر إذا خاصم الحربى (أى فى دار الإسلام) لو دخل دارنا بأمان مع ولده لا يجوز فى الروايات اهـ. أى لأن فى إجازة بيع الولد نقض أمانه (٣٧٦:٣). وفى "الفتاوى الغيائية": باع الحربى ابنه أو ابنته من مسلم مستأمن بطوع قال أكثر مشايخنا: بأن البيع باطل، وذكر الكرخى أنهم إن كانوا لا يرون جواز البيع بطل، وإن كانوا يرون جوازه جاز، لأنهم يبيعون بطريق القهر والغلبة فيملك بالقهر. والمختار هو الأول -إلى أن قال -: والصحيح أن الحربى البائع إذا كان يرى جواز هذا البيع يملك المشترى مطلقًا وحل له وطئہا و کل تصرف لأنه أُخذہ قهرًا لما باع البائع قھرا فملکہ بالقهر، وإن كان البائع (لا) یری جوازه إن اشتراه المسلم وأخرجه قهرا فكذلك، وإن أخرجه وهو طائع لم يملكه، لأنه لم يوجد منه القهر عليه فى دار الحرب. وفى "الحاوى" فى باب صلح الملوك: والموادعة مسألة تدل على أنه يجوز إذا رأى البائع جوازه قيل: وهو المختار اهـ (ص: ١٠٢) قلت: وقول الكرخى هو الراجح عندی لتأيده بالآثار. دلیل قول الإمام أن لا ربا بین المسلم والحربی فی دار الحرب ودلت هذه الآثار على أن لا ربا بين المسلم والحربى فى دار الحرب، لأن أحكامنا لا تجرى عليهم وبيع الولد والربا سواء فى الحرمة كما لا يخفى، فجواز أحدهما فى دار الحرب يستدعى جواز الآخر هناك والمستأمن إنما لا يجوز له العذر بعهده، وبعد ذلك فكل ما أخذ بطيب أنفسهم يجوز أخذه وثيبت عليه ملكه فافهم فإن مدارك الإمام أبى حنيفة دقيقة جدا، والله تعالى أعلم. ولو باع بالحربى المستأمن ولده أو امرأته فى دارنا بطل البيع ويعاقبان. قال الإمام أبو يوسف ج - ١٢ شروط أهل الذمة وما يجوز لهم فعله فى دارنا وما لا يجوز ٥٣٣ ٤٢٢٠- عن ابن عباس قال: ((صالح رسول الله ◌ّ أهل نجران على ألفى حلة فذكر الحديث وفيه: على أن لا يهدم لهم بيعة ولا يخرج لهم قس ولا يفتنوا عن دينهم ما لم يحدثوا حدثًا أو يأكلوا الربا)). أخرجه أبو داود وسكت عنه وهو من رواية السدى عن ابن عباس قال المنذرى: فى سماعه منه نظر. ولكن له شواهد (نيل الأوطار ٦٨:٧). وقد تقدم الحديث فى أول أبواب الجزية، وذكرنا هناك أن لا نظر فى سماعه منه. ٤٢٢١- وأخرج أبو عبيد فى "الأموال" (ص١٨٨) بسند حسن عن عروة بن الزبير مرسلا ((أن رسول الله عَّ له كتب لأهل نجران -وفيه- فمن أكل الربا من ذى قبل فذمتی منه بریئة. ٤٢٢٢- عن أبى هريرة قال قال رسول الله عَّ له: ((لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم فى طريق فاضطروهم إلى أضيقها). متفق عليه (نيل الأوطار ٢٧٧:٧). فى "الخراج" له: حدثنا سعيد عن قتادة عن عبد الله بن عباس فى الحر يبيع الحر قال: ((يعاقبان ولا قطع عليهما)) (ص٢١٣). منع أهل الذمة من عقد الربا فى دار الإسلام: قوله: "عن ابن عباس إلخ". قال فى "شرح السير": "وكل قرية من قرى أهل الذمة أظهروا فيها شيئا من الفسق مما لم يصالحوا عليه مثل الزنا وإتيان الفواحش فإنهم يمنعون من ذلك كله، والأصل فيه عقد الربا فقد صح أن رسول الله مرّ لي كتب إلى نجران بأن تدعوا الربا أو تأذنوا بحرب من الله ورسوله" - إلى أن قال- لأن هذا لم يتناوله عقد الذمة فى التقرير عليه إذ لم يثبت أنهم كانوا مقرين عليه فى دينهم، وإنما يثبت ذلك فى الخمور والخنازير، ونكاح المحارم وعبادة غير الله تعالى، فلا يتعرض لهم فى ذلك خاصة. فأما فيما سوى ذلك فحالهم كحال المسلمين فى المنع من ارتكاب الفواحش اهـ ملخصا (٢٦٠:٣ وص٢٦١). قلت: بل يمنعون من أكل الربا فى دار الإسلام ولو ثبت أنهم كانوا مقرين عليه فى دينهم دفعًا عن المسلمين، وأن لا يبايعوهم به فيأكل المسلمون الربا ويتسلط أهل الذمة على أموالهم ودورهم وعقارهم، ولولا المسلمون ما كان أكل أولئك الربا إلا كسائر مالهم فيه من المعاصى من شرب الخمر ونكاح المحارم وغيره والشرك أعظم قاله أبو عبيد فى "الأموال" (ص ١٩٠). قوله: "عن أبى هريرة -إلى قوله- عن أنس أولا وثانيا إلخ". قال فى "الهداية": ولأن المسلم ٥٣٤ شروط أهل الذمة وما يجوز لهم فعله فى دارنا وما لا يجوز إعلاء السنن ٤٢٢٣- عن أنس قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم)) متفق عليه، وفى رواية لأحمد: فقولوا: ((عليكم)) بغير واو (نيل الأوطار ٢٧٧:٧). ٤٢٢٤- عن أنس أيضا "قال: كان غلام يهودى يخدم رسول الله عّ لّه فمرض فأتاه النبى معَّمِ يعوده فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه - وهو عنده- فقال له: أطع أبا القاسم! فأسلم فخرج النبى معَّ له، وهو يقول: ((الحمد لله الذى أنقذه بى من النار))". رواه أحمد والبخارى وأبو داود (نيل الأوطار ٢٧٩:٧). يكرم والذمى يهان ولا يبتدأ بالسلام ويضيق عليه الطريق وقال المحقق فى "الفتح": ولا يبدأ بالسلام ويرد عليه بقوله وعليكم فقط اهـ (٣٠٢:٥). حکم عيادة الذمی: واختلف أقوال العلماء فى العيادة قال المنذرى: قيل: يعاد المشرك ليدعى إلى الإسلام إذا رجى إجابته فأما إذا لم يطمع فى الإسلام، ولا يرجو إجابته فلا ينبغى عيادته وهكذا قال ابن بطال، إنها إنما تشرع عيادة المشرك إذا رجى أن يجيب إلى الدخول فى الإسلام، فأما إذا لم يطمع في ذلك فلا. قال الحافظ: والذى يظهر أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد فقد تقع بعيادته مصلحة أخرى، كذا فى "النيل" (٢٨٠:٧). وفى "الأشباه والنظائر" فى أحكام الذمى: "ولا تكره عيادة جاره الذمى ولا ضيافته. قال الحموى: ويعلم من عبارة "الجامع الصغير" أن تقييد المصنف بالجار اتفاقى لا احترازى ففى الجامع الصغير عن الإمام: لا بأس بعيادة النصارى وفى الفتاوى: وأما عيادة المجوسى منهم من قال: لا بأس بها، وقال بعضهم: لا تجوز، واختلفوا فى عيادة الفاسق أيضًا. والأصح أنه لا بأس بها، لأنه مسلم، والعيادة من حقوق المسلمين اهـ ملخصا" (ص٣٥١). وفى "نيل الأوطار": قوله: "لا تبدأوا اليهود إلخ" فيه تحريم ابتداء اليهود والنصارى بالسلام، وحكاه النووى عن عامة السلف وأكثر العلماء. وحكى القاضى عياض عن جماعة: أنه يجوز ابتداءهم به للضرورة والحاجة. وهو قول علقمة والنخعى اهـ (٢٧٨:٧). قلت: وإذا احتاج إلى ذلك فليقل: السلام على من اتبع الهدى اتباعًا للنص والمأثور أو يقول: السلام عليك لا عليكم بالجمع، كما قاله الماوردى ذكره فى "النيل" أيضا. وقال النووى فى "شرح مسلم": اتفق العلماء على الرد على أهل الكتاب إذا سلموا لكن لا يقال لهم: وعليكم السلام، بل يقول: عليكم أو وعليكم فقد جاءت الروايات باثبات الواو حذفها، وأكثر الروايات ج - ١٢ شروط أهل الذمة وما يجوز لهم فعله فى دارنا وما لا يجوز . ٥٣٥ ٤٢٢٥- عن عياض الأشعرى عن أبى موسى "أنه استكتب نصرانيا فانتهره عمر وقرأ: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء﴾ الآية فقال أبو موسى: والله ما تولیته، وإنما کان یکتب فقال: أما وجدت فى أهل الإسلام من یکتب؟ لا تدنهم إذ أقصاهم الله، ولا تأتمنهم إذ خونهم الله ولا تعزهم بعد أن أذلهم الله". رواه البيهقى وسكت عنه الحافظ فى "الفتح" (١٣: ١٦٠) فهو صحيح أو حسن. ٤٢٢٦- حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن شريك عن أبى هلال الطائى عن وسق الرومى قال: كنت مملوكًا لعمر بن الخطاب رضى الله عنه وكان يقول لى: أسلم فإنك إن أسلمت استعنت بك على أمانة المسلمين، فإنه لا ينبغى لى أن أستعين على أمانتهم من ليس منهم. قال: فأبيت فقال: لا إكراه فى الدين. قال: فلما حضرته الوفاة المقتضى وقال: اذهب حيث شئت". رواه أبو عبيد فى "الأموال" (٣٢٥:١). ٤٢٢٧- عن حذيفة رضى الله عنه ضرب لنا النبى عَّ له مثلا قال: "إن قوما كانوا أهل ضعف ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداء فأظهر الله أهل الضعف عليهم فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه". لأحمد بلين (جمع الفوائد ٣٥:١). بإثباتها، كذا فى "النيل" أيضا (٢٧٩:٧). قوله: "عن عياض- إلى قوله- عن حذيفة إلخ". دلالته على المنع من استعمال أهل الذمة وائتمانهم على أمر الأمة، وإعزازهم بعد الذلة ظاهرة. قال فى "الأشباه": " وتكره مصافحته -أى الذمى- ويحرم تعظيمه ويكره للمسلم أن يؤجر نفسه من كافر اهـ" (ص ٣٥٠). ووجه الكراهة أن فيها استهانة صورة، قاله الحموى عن "شرح المجمع" لابن الملك اهـ. قلت: ومقتضاه أن لا يكره أى إيجار نفسه من كافر إذا أسلم من الاستهانة، وكان العمل مباحًا فى الشرع والله تعالى أعلم. وأما استعمال الذمى وتسليطه على المسلمين فلا يجوز بحال لإفضائه إلى تعظيمه وإعزازه وإهانة المؤمنين، وكان ذلك هو السبب فى زوال دولة الإسلام، وغلبة الكفرة اللئام على كثير من بلاد الإسلام، كما لا يخفى على من مارس التاريخ وأمعن النظر فى أسباب ضعف المسلمين، وإلى الله المشتكى فإن هذه الأمة لم تؤت إلا من قبلها، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. ولا يخفى أن هذه أحكام أهل الذمة الذين هم آت أيدينا فى دار الإسلام وهل هى أحكام ٥٣٦ إعلاء السنن باب الذمى إذا استكره المسلمة على نفسها فعليه من الحد ما على المسلم ٤٢٢٨- عن الشعبى عن سويد بن غفلة قال: كنا عند عمر - وهو أمير المؤمنين- بالشام فأتاه نبطى مضروب مشجوج يستعدى فغضب وقال لصهيب: انظر من صاحب هذا؟ فذكر القصة فجاء به -وهو عوف بن مالك- فقال: رأيته يسوق بامرأة مسلمة، فنخس الحمار ليصرعها، فلم تصرع ثم دفعها فخرت عن الحمار فغشيها ففعلت به ما الكفار الذين قد استولوا على بلادنا وصرنا نحن تحت أيديهم؟ لم أره صريحا فى كتب القوم، ولعل الله یحدث بعد ذلك أمرا. كيفية تعزية الذمى: وفى "الخراج" لأبى يوسف: "سألت أبا حنيفة رحمه الله تعالى عن اليهودى والنصرانى يموت له الولد أو القرابة كيف يعزى؟ قال: يقول: إن الله كتب الموت على خلقه فنسأل الله أن يجعله خير غائب ينتظر وإنا لله وإنا إليه راجعون، عليك بالصبر فيما نزل بك لا نقص الله لك عددا (أى لتكثر الجزية عليكم)، وبلغنا أن رجلا نصرانيا كان يأتى الحسن ويغشى مجلسه فمات، فسار الحسن إلى بيت أخيه ليعزيه. فقال له: أثابك الله على مصيبتك ثواب من أصيب بمثلها من أهل دينك وبارك لنا فى الموت وجعله خير غائب ننتظره، عليك بالصبر فيما نزل بك من المصائب اهـ" (ص٢٥٧)، والله تعالى أعلم. باب الذمى إذا استكره المسلمة على نفسها فعليه من الحد ما على المسلم قوله: "عن الشعبى إلخ" قال الإمام أبو يوسف فى "الخراج": الذمى إذا استكره المرأة المسلمة على نفسها فعليه من الحد ما على المسلم فى قول فقهائنا، وقد رويت فيه أحاديث فذكر ما هو مذكور فى المتن من الآثار. وفيه دليل على أن أبا يوسف رحمه الله حمل ما فى تلك الآثار من صلب النبطى، وقتل النصرانى وغيرهما، على أن ذلك كان بطريق الحد لا لأن العهد ينتقض بمثل هذا الفعل. فإن قيل: إن كان هذا المستکره بکرا فحده الجلد اتفاقًا، وإن كان ثيبًا فكذلك عند الحنفیة، فکیف صلبه عمر رضى الله عنه وقتله أبو عبيدة؟ قلنا: کان ثيًا، وحده الرجم عند أبی يوسف والشافعى كما فى "الهداية": "إن الشافعى يخالفنا فى اشتراط الإسلام فى الإحصان، وكذا أبو يوسف فى رواية، وبه قال أحمد، وقول مالك كقولنا. فلو زنى الذمى الثيب الحر يجلد عندنا ويرجم عندهم، لهم ما فى الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أن النبی عێ رجم يهوديين قد زنيا. ولنا ما رواه ابن راهويه فى "مسنده" أخبرنا عبد العزيز بن محمد ج - ١٢ الذمى إذا استكره المسلمة على نفسها فعليه من الحد ما على المسلم ٥٣٧ ترى قال: فقال عمر: والله ما على هذا عاهدناكم فأمر به فصلب. ثم قال: أيها الناس فوا بذمة محمد عَّ ◌ُلّ فمن فعل منهم هذا فلا ذمة له". رواه البيهقى "التلخيص الحبير" (٣٨:٢). ورواه أبو يوسف الإمام فى "الخراج" (ص٢١٢) من طريق مجالد عن الشعبى عنه -وزاد- فانكشفت عنها ثيابها فجامعها، وأبو عبيد فى "الأموال" (ص١٨١) من طريق مجالد أيضًا وزاد قال: قال سويد: فذلك اليهودى أول مصلوب رأيته فى الإسلام. ومجالد فيه مقال، ووثقه بعضهم، وهو من رجال مسلم والأربعة. حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبى عّ لّه ((قال: من أشرك بالله فليس بمحصن)) اهـ (٢٤:٥ مع "الفتح"). فإن قيل: إذا كان حده الرحم لم جز تبديله بالقتل قلنا: حد الذمى إنما هو بمعنى التعزير، فلا بأس بتبديله بما هو فى معناه. هذا هو تأويله على قول أبى يوسف والجمهور، وأما على قول أبى حنيفة ومحمد فإنما صلبه تعزيرا والتعزير موكول إلى رأى الإمام أو صلبه لأجل انتقاض العهد باستخفافه بالإسلام وأهله وتمرده عليهم حيث زنى بالمسلمة على شارع الطريق جهارا. واعلم أن أثرى عمر وأبى عبيدة رضى الله عنهما المذكورين فى المتن قد احتج بهما الجمهور على أن العهد ينتقض بإكراه المسلمة على الزنا، ذكره الموفق فى "المغنى" (٦٠٩:١٠). والمحقق فى "الفتح" (٣٠٣:٥). ولا يخفى ما فيه فإن مجرد القتل لا ينتهض دليلا على وجود الانتقاض، ألا ترى أن الذمى إذا قتل مسلما يقتل به قصاصًا، ولا يكون ذلك دليلا على نقض العهد، فكذا إكراه المسلمة على الزنا يقتل به حدا أو تعزيرا لا نقضا للعهد. وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، وثمرة الخلاف أن من حكم بنقض عهده بذلك خير الإمام فيه بين أربعة أشياء القتل، والاسترقاق، والفداء، والمن كالأسير الحربى. وعندنا لا يخير بل يجب أن يقيم عليه الحد أو يعزره بالجلد والحبس. ويجوز له أن يقتله تعزيرا إن رآه. وإن سلمنا دلالة الأثرين على انتقاض العهد به، فذلك لأجل ما اشترطه عمر رضى الله عنه عليهم أن يوقروا المسلمين، ولا يشتموا أحدا منهم، ولا يضربوه، واستكراه المسلمة على نفسها أشد من الشتم والضرب، كما لا يخفى. فانتقض العهد لأجل مخالفتهم الشرط لا لكونه سببًا لانتقاض العهد به مطلقا من غير اشتراط. يؤيد ذلك قول عمر وأبى عبيد: والله ما على هذا عاهدناكم، فافهم. وأيضًا فإن عمر رضى الله عنه لم يصلب الذى صلبه لمجرد زناه بالمسلمة، بل لأنه استكرهها على نفسها وزنى بها على الطريق جهارا. وفيه من إهانة المسلمين والاستخفاف بهم ما لا يخفى. ٥٣٨ الذمى إذا استكره المسلمة على نفسها فعليه من الحد ما على المسلم إعلاء السنن ٤٢٢٩- عن ابن جريج أخبرت أن أبا عبيدة بن الجراح وأبا هريرة قتلا كتابيين أرادا امرأة على نفسها مسلمة. رواه عبد الرزاق "التلخيص الحبير" (٣٨٠:٢)، وهو مرسل صحيح وقال الإمام أبو يوسف فى "الخراج" (ص٢١٢): حدثنا داود بن أبى هند عن زياد بن عثمان: "أن رجلا من النصارى استكره امرأة مسلمة على نفسها فرفع ذلك إلى أبى عبيدة. فقال: ما على هذا صالحناكم، فضرب عنقه". وهذا شاهد جيد لمرسل ابن جريج. فلا يكون صلبه إياه دليلا على كون الزنا بمسلمة أو إكراهها عليه سببًا لانتقاض العهد به مطلقًا، بل إنما دل على أن الذمى إذا استعلى على المسلمين على وجه صار متمردا عليهم مستخفا بهم حل للإمام (بل ولكل مسلم) قتله، أو يرجع إلى الذل والصغار. وبه نقول كما صرح به الجصاص فى : "أحكام القرآن" له كما تقدم، والمحقق فى "الفتح" (٣٠٣:٥). قوله: "عن ابن جريج إلخ" دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة. وزياد بن عثمان فى سند أُبی یوسف لعله زياد بن عثمان الذی روی عنه حجاج بن حجاج وهو یروی عن عباد بن زیاد عن النبى معَّه مرسلا ذكره ابن حبان فى الثقات كما فى "اللسان" (٢٩٥:٢)، والأثر ذكره أبو يوسف فى موضع الاحتجاج، وهو تصحيح له منه، والله أعلم. وفى "الأشباه والنظائر" والحاصل: أنه تقام الحدود كلها عليه -أى- على الذمى إلا حد شرب الخمر. قال الحموى: قال بعض الفضلاء: يفيد أنه يقام عليه حد اهـ" (ص٣٥٠). ورحم الله ابن حزم حيث عزى إلى أبى حنيفة لا حد على أهل الذمة فى الزنا، ولا فى شرب الخمر. وقال محمد بن الحسن -صاحبه -: لا أمنع الذمنى من الزنا وشرب الخمر وأمنعه من الغناء، كما فى "المحلى" (١٥٨:١). وهذه فرية لا مرية فقد أجمعوا على إقامة الحدود على أهل الذمة فى الزنا، وإنما اختلفوا فى أن حدهم الرجم والجلد كحد المسلم سواء، أو الجلد وحده فى كل حال، كما مرّ فی کتاب الحدود. وصرح محمد فى "السير الكبير" بمنع أهل الذمة من إظهار الفواحش كلها فى دار الإسلام، كما مر وسيأتى ولم يستثنوا من الحدود غير حد الشرب لكون الخمر حلالا لهم كالخل لنا، وإنما نأخذ الجزية عنهم لفقرهم وما يدينون. ٥٣٩ ج - ١٢ باب يقتل الذمى رجلا كان أو امرأة إذا أعلن بسب الله والرسول بما لا يدينه وكذا إذا طعن فى دين الإسلام بنحوه ٤٢٣٠- عن عكرمة نا ابن عباس "أن أعمى كانت له أم ولد، تشتم النبى على ضيه وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهى، ويزجرها فلا تنزجر، فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع فى النبى معَّ له وتشتمه فأخذ المعول فوضعه فى بطنها، واتكأ عليها فقتلها. وذكر ذلك للنبى عَّ فقال: ((ألا اشهدوا أن دمها هدر)). رواه أبو داود وسكت عنه والمنذرى وقال: وأخرجه النسائى (عون المعبود ٢٢٦:٤). باب يقتل الذمى رجلا كان أو امرأة إذا أعلن بسبّ الله والرسول بما لا يدينه وكذا إذا طعن فى دين الإسلام بنحوه قوله: "عن عكرمة إلخ". قال محمد فى "السير الكبير": "وكذلك إن كانت تعلن بشتم رسول الله عربيةٍ فلا بأس بقتلها، لحديث أبى إسحاق الهمدانى قال: ((جاء رجل إلى رسول الله عَ له وقال: إنى سمعت امرأة من يهود، وهى تشتمك، والله يا رسول الله! إنها لمحسنة إلى فقتلتها. فأهدر النبى عّ دمها)). واستدل بحديث عمير بن عدى ((فإنه لما سمع عصماء بنت مروان تؤذى النبى عَّةٍ وتعيب الإسلام وتحرض على قتال رسول الله عّ ل فقتلها ليلا، ثم أصبح وصلى الصبح مع رسول الله عَّه فلما نظر إليه قال: أ قتلت ابنة مروان؟ قال: نعم، فهل على فى ذلك شىء؟ فقال رسول الله مَّ: لا ينتطح فيه عنزان)) إلخ (١٨٣:٢ وص١٨٤). وقصة قتل عمير عصماء، ذكرها الحافظ فى "الإصابة" (٣٤:٥) من طريق الواقدى -وفيه- فكان (رسول الله عّ لّ) أول من قالها أى هذه الكلمة فسار بها المثل اهـ. وقد عرف أنه عّ لّه كان قد عاهد يهود المدينة وما والاها حين قدم المدينة، فدل على جواز قتل الذمى إذا أعلن بسب الرسول عّ له -وهو المذهب- قال ابن كمال باشا فى أحاديثه الأربعينية: والحق أنه يقتل عندنا إذا أعلن بشتمه عليه الصلاة والسلام. صرح به فى سير الذخيرة حيث قال: واستدل محمد لبيان قتل المرأة إذا أعلنت بشتم الرسول بما روى أن عمير بن عدى لما سمع عصماء بنت مروان تؤذى الرسول فقتلها ليلا مدحه عَ لّه على ذلك انتهى، فليحفظ كذا فى "الدر المختار" مع "الشامية" (٤٣٢:٣). وبالجملة فلا خلاف بين العلماء فى قتل الذمى أو الذمية إذا أعلن بشتم الرسول، أو طعن فى دين الإِسلام طعنًا ظاهرا أو نسب إلى الله تعالى ما لا يعتقده، ولا يتدين به وإنما الخلاف فى انتقاض العهد به قال الموفق فى "المغنى": "فالخصلتان الأوليان ينتقض العهد بهما بلا خلاف فى المذهب ٥٤٠ إعلاء السنن يقتل الذمى رجلا كان أو امرأة إذا أعلن بسبّ الله والرسول أو الطعن ٤٢٣١- عن الشعبى عن على "أن يهودية كانت تشتم النبى عَ ◌ّه وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت فأبطل رسول الله عَ ليه دمها. رواه أبو داود وسكت عنه، وقال المنذرى: ذكر بعضهم أن الشعبى سمع من على بن أبى طالب وقال غيره أنه رآه" (عون المعبود ٢٢٦:١ و ٢٢٧). وهو مذهب الشافعى (وأراد بالخصلتين الامتناع من بذل الجزية، وجرى أحكامنا عليهم إذا حكم بها حاكم، والاجتماع على قتال المسلمين) قال: وفى معناهما قتالهم للمسلمين منفرين أو مع أهل الحرب، لأن إطلاق الأمان يقتضى ذلك، فإذا فعلوه نقضوا الأمان لأنهم إذا قاتلونا لزمنا قتالهم وذلك ضد الأمان - إلى أن قال- وقال أبو حنيفة: لا ينتقض العهد إلا بالامتناع من الإمام على وجه يتعذر معه أخذ الجزية منهم اهـ" (٦٠٨:١٠). وقال الخير الرملى: لا يلزم من عدم النقص عدم القتل فقد صرحوا قاطبة بأنه يعزر على ذلك ويؤدب ويجوز الترقى فى التعزير إلى القتل إذا أعظم موجبه، ومذهب الشافعى كمذهبنا على الأصح قال ابن السبكى: لا ينبغى أن يفهم من عدم الانتقاض أنه لا يقتل، فإن ذلك لا يلزم اهـ" قال الشامى: لكن هذا إذا أعلن بالسب، وكان مما لا يعتقده كما علمته آنفا اهـ (٣: ٤٣١). الرد على ابن حزم: وممن فهم من عدم الانتقاض عدم القتل محدث الأندلس -العلامة بن حزم الظاهرى- فنسب إلى الحنفية القول بعدم قتل من سب الله ورسوله، وجعل يطعنهم ويرميهم بكل سوء، ولم يدر أن الآفة فى ذلك من عنده لا من عندهم وهذا هو اللائق بظاهريته. حيث قال: وقال سفيان وأبو حنيفة وأصحابه: إن سب الذمى الله تعالى أو رسوله مَّه بأى شىء سبه، فإنه لا يقتل لكن ينهى عن ذلك وقال بعضهم: يعزر اهـ (٤١٥:١١). فقوله: "إنه لا يقتل" كذب عليهم، وإنما قالوا: لا ينتقض العهد به ولا يلزم منه عدم القتل وكذا قوله: وقال بعضهم: "يعزر" خطأ فإنهم قد صرحوا قاطبة بأنه يعزر على ذلك ويؤدب كما مر، والتعزير عندنا يعم الضرب والقتل جميعًا وهو مفوض إلى رأى الإمام، ويسمى القتل سياسةً وإن سلمنا أنهم قالوا: لا ينتقض العهد بذلك ولا يقتل به فليس معناه أن يتركهم الإمام وهم يسبون الله والرسول ويطعنون فى ديننا فى دارنا. كما فهمه ابن حزم وغيره من أهل الظاهر من قلة فهمهم، وعدم تدبرهم فى كلام علماءنا، بل معناه: إن العهد لا ينتقض بذلك وعلى الإمام أن ينبذ إليهم على سواء إذا آذونا فى الله وفى الرسول وطعنوا فى ديننا، فإن الجهاد ماض إلى يوم القيامة