Indexed OCR Text
Pages 501-520
ج - ١٢ من أسلم وعليه جزية سقطت عنه ٥٠١ ٤١٨٣- حدثنا عبد الرحمن عن حماد بن سلمة عن عبيد الله بن رواحة قال: كنت مع مسروق بالسلسلة فحدثنى أن رجلا من الشعوب أسلم فكانت تؤخذ منه الجزية فأتى عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين! إنى أسلمت والجزية تؤخذ منى. قال: لعلك أسلمت متعوذا؟ فقال: أما فى الإسلام ما يعيذنى؟ قال: بلى، قال: فكتب عمر أن لا تؤخذ منه الجزية" أخرجه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٤٨ رقم ١٢٢)، وقال: الشعوب الأعاجم قلت: عبد الرحمن هو ابن مهدى وعبيد الله بن رواحة بصرى ثقة له ترجمة فى "تعجيل المنفعة" (ص ٢٧٠)، فالحديث حسن صحيح. وعلى، وعمر بن عبد العزيز، ما يقوى هذا المعنى فذكر ما قد ذكرنا بعضه فى المتن ثم قال: أفلا ترى أن هذه الأحاديث قد تتابعت عن أئمة الهدى بإسقاط الجزية عمن أسلم، ولم ينظروا فى أول السنة کان ذلك ولا فی آهرها فهو عندنا علی أن الإسلام أهدر ما کان قبله منها. بنو أمية أخذوا الجزية ممن أسلم من أهل الذمة بعد إسلامها وإنما احتاج الناس إلى هذه الآثار فى زمان بنى أمية، لا » يروى عنهم أو عن بعضهم أنهم كانوا يأخذون منهم، وقد أسلموا، يذهبون إلى أن الجزية بمنزلة الضرائب على العبيد يقولون: فلا يسقط إسلام العبد عنه ضريبته، ولهذا استجاز من استجاز من القراء الخروج عليهم. حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا حرملة بن عمران (التجيبى المصرى ثقة من السابعة تق ص٣٦) عن يزيد بن أبى حبيب قال: أعظم ما أتت هذه الأمة بعد نبيها مرّ ◌ُلّه ثلاث خصال: قتلهم عثمان، وإحراقهم الكعبة، وأخذهم الجزية من المسلمين اهـ مختصرا (ص٤٧ و ٤٨). قوله: " حدثنا عبد الرحمن إلخ" قال الموفق فى "المغنى": "إن الذمى إذا أسلم فى أثناء الحول لم تجب عليه الجزية، وإن أسلم بعد الحول سقطت عنه. وهذا قول مالك والثورى وأبى عبيد وأصحاب الرأى. وقال الشافعى وأبو ثور وابن المنذر: إن أسلم بعد الحول لم تسقط لأنها دين يستحقه صاحبه، واستحق المطالبة به فى حال الكفر فلا يسقط بالإسلام كالخراج وسائر الديون. ولنا قول الله تعالى: ﴿قل للذین کفروا إن ینتہوا یغفر لهم ما قد سلف﴾، وروی ابن عباس عن النبى ◌ّ: أنه قال: ((ليس على المسلم جزية)). رواه الخلال وذكر أن أحمد سئل عنه فقال: ليس يرويه غير جرير. قال أحمد: وقد روى عن عمر أنه قال: إن أخذها فى كفه، ثم أسلم ردها عليه. (وجزم مثله أحمد بشىء حجة)، وروى أن ذميا أسلم، فطولب بالجزية، وقيل: إنما أسلمت تعوذا (من الجزية). قال: إن فى الإسلام لمعاذا، فرفع إلى عمر فقال عمر: إن فى الإسلام معاذا، وكتب أن ٥٠٢ من أسلم وعليه جزية سقطت عنه إعلاء السنن ٤١٨٤- حدثنا حجاج عن حماد بن سلمة عن حميد قال: كتب عمر بن عبد العزيز "من شهد شهادتنا واستقبل قبلتنا واختتن فلا تأخذوا منه الجزية". رواه أبو عبيد (ص٤٨ رقم ١٢٥) أيضًا. قلت: حميد - هو الطويل- وحماد بن سلمة ابن أخته كلاهما من رجال الجماعة وحجاج هو ابن أرطاة حسن الحديث كما مر غير مرة، فالأثر حسن الإسناد. ٤١٨٥- حدثنى شيخ من علماء الكوفة قال: جاء كتاب من عمر بن العزيز لا تؤخذ منه الجزية، رواه أبو عبيد بنحو من هذا المعنى. ولأن الجزية صغار، فلا تؤخذ منه، كما لو أسلم قبل الحول، ولأن الجزية عقوبة تجب بسبب الكفر، فيسقطها الإسلام كالقتل، وبهذا فارق سائر الديون اهـ ملخصا (٥٨٨:١٠). الاختتان من شعائر الإسلام: قوله: "حدثنا حجاج إلخ" قلت: وقوله: "من شهد شهادتنا فلا تأخذوا منه الجزية" يعم أول السنة ووسطها وآخرها. وقوله: "واختتن" ليس بشرط فى الإسلام. ولكنه من شعائره يتحتم به إسلام الذمى ويتقوى ويقع به الطمأنينة بصحة إسلامه وصدق إيمانه، فهو كقوله مدّ له: ((من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذى له ذمة الله ورسوله)). قال الجصاص: وروى يحيى بن آدم عن المسعودى عن قتادة عن أبى مجلز، قال: كتب النبى معَِّ إلى المنذر، فذكره -وزاد- ومن أحب ذلك فهو آمن، ومن أبى ذلك، فعليه الجزية (أحكام القرآن ٩٢:٣). قوله: "حدثنى شيخ إلخ" دلالته على سقوط الجزية بالإسلام ظاهرة. وقوله: "وعليهم جزية عظيمةٌ ظاهر فى أن إسلامهم كان بعد تمام السنة ومع ذلك نهى عمر عن أخذها وهو قولنا تحقيق سقوط الجزية بالموت: فائدة: قال الموفق فى "المغنى" (٥٨٩:١٠): "وإن مات الذمى بعد الحول لم تسقط الجزية عنه فى ظاهر كلام أحمد، وهو مذهب الشافعى وحكى أبو الخطاب عن القاضى أنها بالموت، وهو قول أبى حنيفة، ورواه أبو عبيد عن عمر بن عبد العزيز لأنها عقوبة فتسقط بالموت كالحدود، ولنا أنه دين وجب عليه فى حياته فلم يسقط بموته كديون الآدميين. والحد يسقط بفوات محله، وتعذر استيفاءه بخلاف الجزية. وفارق الإسلام لأنه الأصل والجزية بدل عنه (فيه نظر بل الجزية بدل عن القتل عند الشافعى، وعوض عن نصرة المقالة عندنا) فإذا أتی بالأصل استغنى عن البدل کمن وجد الماء لا يحتاج إلى التيمم بخلاف الموت. ولأن الإسلام قربة وطاعة يصلح أن يكون معاذا من الجزية ج - ١٢ من أسلم وعليه جزية سقطت عنه ٥٠٣ رضى الله عنه إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن: كتبت إلى تسألنى عن أناس من أهل كما ذكر عمر رضى الله عنه والموت بخلافه أهـ". قلت: والرواية فيه عن عمر بن العزيز مختلفة. قال أبو عبيد: حدثنا سعيد بن عفير عن عبد الله بن لهيعة عن عبد الرحمن بن جنادة (لم أقف له على ترجمة) كاتب حيان بن سريج، وكان حيان بعثه إلى عمر بن عبد العزيز وكتب يستفتيه أ يجعل جزية موتى القبط على أحيائهم؟ فسأل عمر عن ذلك عراك بن مالك وعبد الرحمن يسمع فقال: ما سمعت لهم بعقد ولا عهد إنما أخذوا عنوة بمنزلة الصيد، فكتب عمر إلى حيان بن سريج يأمره أن يجعل جزية الأموات على الأحياء (قلت: وهذا فيمن أخذ عنوة وضرب عليه الجزية كرها لا صلحا، كما لا يخفى) قال ابن عفير: وكان حيان والى عمر بن عبد العزيز على مصر (وكان لا يولى إلا ثقة أمينا، كما هو معروف من سيرته. مؤلف) قال أبو عبيد: وقد روى من وجه آخر عن معقل بن عبيد الله (هو الجزرى أبو عبيد الله العبسی مولاهم صدوق یخطئ روی له مسلم وأبو داود والنسائى (تق ص ٢١١) عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ليس على من مات ولا على من أبق جزية. يقول: لا تؤخذ من ورثته بعد موته، ولا يجعلها بمنزلة الدين ولا من أهله إذا هرب عنهم منها لأنهم لم يكونوا ضامنين لذلك اهـ" (ص٤٩) قلت: وهذا هو الموافق لأصولنا، فإن الجزية عوض عن نصرة المقاتلة عندنا، وشرعت لدفع الشر، وإلزام الصغار وقد اندفع الشر بالموت، وفقد به محل الصغار، فينبغى أن تسقط به، فافهم، والله تعالى أعلم. لا جزية على المملوك والمکاتب والمدبر: فائدة: قال الموفق بن قدامة فى "المغنى": " ولا على سيد عبد عن عبده إذا كان السيد مسلمًا لا خلاف فى هذا نعلمه، لأنه يروى عن النبى معَُّّ أنه قال: لا جزية على العبد، وعن ابن عمر مثله ولأن ما لزم العبد إنما يؤديه سيده فيؤدى إيجابه على عبد المسلم إلى إيجاب الجزية على مسلم. فأما إن كان العبد لكافر فالمنصوص عن أحمد أنه لا جزية عليه أيضا وهو قول عامة أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنه لا جزية على العبد لما ذكر من الحديث. ولأنه محقون الدم فأشبه النساء والصبيان، أو لا مال له، فأشبه الفقير العاجز، ويحمل كلام الخرقی إيجاب الجزیة یؤدیها سیده وروی ذلك أيضا عن أحمد. وروى عن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه أنه قال: لا تشتروا رقيق أهل الذمة ولا مما فى أيديهم لأنهم أهل خراج يبيع بعضهم بعضا ولا يقرن أحدكم بالصغار بعد أن أنقذه الله منه. قال أحمد: أراد أن يوفر الجزية __ ٥٠٤ من أسلم وعليه جزیة سقطت عنه إعلاء السنن الحيرة يسلمون وعليهم جزية عظيمة وتستأذننى فى أخذ الجزية منهم، وإن الله جل ثناءه لأن المسلم إذا اشتراه سقط عنه أداء ما يؤخذ منه، والذمى يؤدى عنه وعن مملوكه خراج جماجمهم وروى عن على مثل حديث عمر. ولأنه ذكر مكلف قوى مكتسب فوجبت عليه الجزية كالحر والأول أولى اهـ (٥٨٧:١٠) وقال الحافظ فى "التلخيص الحبير": ((حديث ((لا جزية على العبد)) روى مرفوعًا، وروى موقوفا على عمر ليس له أصل بل المروى عنهما خلافه. قال أبو عبيد فى "الأموال": عن عثمان بن صالح عن ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة قال: كتب رسول الله عَّ إلى أهل اليمن ((أنه من كان على يهوديته أو نصرانيته، فإنه لا يفتن عنها، وعليه الجزية على كل حالم ذكر وأنثى عبد أو أمة دينار واف أو قيمته)). ورواه ابن زنجويه فى "الأموال" عن النضر ابن شميل عن عوف عن الحسن قال: كتب رسول الله عَّ ◌ُّ فذكره)). وهذان مرسلان يقوى أحدهما الآخر وروى أبو عبيد فى "الأموال" أيضا عن يحيى بن سعيد عن سعيد عن قتادة عن شقيق العقيلى عن أبى عياض عن عمر قال: لا تشتروا رقيق أهل الذمة فإنهم أهل خراج يؤدى بعضهم عن بعض أهـ (٣٧٨:٢)". قلت: أما مرسلا عروة والحسن فإنهما وردا فى جزية أهل اليمن، وقد تقدم أن النبى عدّ له كان قد صالحهم على ذلك وجزية الصلح لا تتقدر إلا بما يقع عليه التراضى، وأنهم تراضوا فيما بينهم على أن يوضع على كل بالغ دينار ذكرا أو أنثى حرا كان أو عبدا، ولا نزاع فى ذلك وإنما الكلام فى جزية يضعها الإمام على أهل الذمة ابتداءً. وأما موقوف عمر رضى الله عنه ففيه شقيق العقيلى، لا يدرى من هو؟ فقد روى أبو داود حديثا فى باب العدة (أى الوعد) بطريق بديل بن مسيرة عن عبد الكريم عن عبد الله بن شقيق عن أبيه عن عبد الله أبى الحمساء. وقيل: عن عبد الكريم بن عبد الله بن شقيق عن أبيه عنه، قال أبو بكر. البزار: والأول خطأ، لأن شقيقا والد عبد الله جاهلى لا أعلم له إسلاما كذا فى "التهذيب" (١٩٢:٥). وابنه عبد الله بن شقيق العقيلى بصرى ثقة فيه نصب من الثالثة روى له مسلم والأربعة (تق ص١٠٤)، وقتادة يروى عن عبد الله بن شقيق هذا كما فى "التهذيب" (٢٥٤:٥) فى ترجمة عبد الله. فلعل فى الإسناد سقطا وكان فى الأصل عن قتادة عن عبد الله بن شقيق العقيلى فحذف الكاتب عبد الله وجعله عن قتادة عن شقيق، ولكن الأثر أخرجه يحيى بن آدم فى "الخراج" حدثنا عبد السلام بن حرب عن سعيد عن قتادة عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن شقيق العقيلى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ((أنه نهى أن يشترى أحد من أرض الخراج، أو رقيقهم شيئا، ج - ١٢ من أسلم وعليه جزية سقطت عنه ٥٠٥ بعث محمداً عَوِيّية داعيا إلى الإسلام ولم يبعثه جابيا، فمن أسلم من أهل تلك الملل فعليه وقال: لا ينبغى لمسلم أن يقر بالصغار فى عنقه)) (ص٥٦). فزال احتمال السفط المذكور، ولكنه أسقط الواسطة بين شقيق وعمر رضى الله عنه، وهو أبو عياض ومثل هذا الإسناد لا يصلح للاحتجاج به عند المحدثين، ولا عند الفقهاء لقول البزار: إن شقيقا جاهلى لا أعلم له إسلاما. نعم رواه یحیی بن آدم بطریق ابن سیرین والحسن عن عمر من قوله باضطراب فی متنه فقال: حدثنا سفيان بن سعيد عن داود عن محمد بن سيرين قال: ((نهى عمر رضى الله عنه عن بيع رقيق أهل الذمة وأراضیهم). (لیس فیه النهى عن الاشتراء). حدثنا حفص بن غياث عن هشام بن حسان عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: ((لا تشتروا من عقار أهل الذمة ولا من بلادهم شيئا)). (ليس فيه ذكر الرقيق) حدثنا سنان البرجمى (صدوق فيه ضعف) عن هشام عن الحسن قال: ((لا تشتروا من بلاد أهل الذمة ولا من عقارهم یحدث بذلك عن عمر)). حدثنا عبد الرحيم عن هشام عن الحسن عن عمر مثله (ليس فيه ذكر الرقيق أيضا) قال: وحدثنا هشيم عن أبى عقيل(١) الأزدى أن الحسن حدثهم قال: نهى عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن يشترى أرض أهل الذمة ورقیقھم، قال: وحدثنا هشیم عن يونس عن الحسن مثله، ولم يبلغ به عمر (ص٥٥)، ویونس أثبت فى الحسن من أبى عقيل بل هو أثبت الناس فيه رجحه أبو زرعة على قتادة وهشام، كما فى "التهذيب" (٤٤٣:١١)، فصار كونه من قول عمر مترددا فيه. وإن سلمنا أن عمر رضى الله عنه نهى عن اشتراء رقيق أهل الذمة، فليس فيه أنه نهى عن ذلك لکونہم یضرب اخراج على رؤوسهم کما یضرب على رؤوس ساداتهم، بل إنما نهى عن ذلك لأن ساداتهم صاروا بسبهم أغنياء أو متوسطى الحال حتى وجب عليهم زيادة على مقدار الواجب على الفقير المعتمل. لأن العبيد مال ويجرون المال بالكسب، فإذا اشترينا عبيدهم التحقوا بصنف الفقراء ونقص الخراج الذى كان قد وضع عليهم وهم أغنياء وهذا هو معنى قول عمر: فإنهم أهل خراج يؤدى بعضهم عن بعض. ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان. فإن الاحتمال يضر (١) هو بشير بن عقبة الناجى السامى، ويقال: الأزدى أبو عقيل الدورقى البصرى، روى عن الحسن وابن سيرين ومجاهد وغيرهم. وعنه بهز بن أسد وابن مهدى وهشيم والقطان وغيرهم وهو من رجال الشيخين. ثقة صالح الحديث كما فى "التهذيب" (٢٦٥:١ و٢٦٦) وأخطأ محشى الخراج حيث قال: هو هاشم بن سلال، ويقال: سلام وأخطأ من قال: ابن بلال إلخ. فإن هاشما هذا لم ينسبه أحد بالأزدى. ولم يثبت أنه يروى عن الحسن وإنما روى عن سابق بن ناجية. كما فى "التهذيب" (١٧:١١) أيضًا، والله أعلم. ٥٠٦ من أسلم وعليه جزية سقطت عنه إعلاء السنن فى ماله الصدقة ولا جزية عليه. رواه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له (ص ١٥٧)، بالاستدلال. وهذا هو السر فى النهى عن اشتراء أراضيهم. من باع أرضه ولم يجعل ثمنها فى مثلها لا يبارك له فيه: فإن من باع أرضه ولم يجعل ثمنها فى مثلها لا يبارك له فيه، فيصير فقيرا بعد ما كان غنيا، فقد روى ابن ماجة وأحمد ويحيى بن آدم فى "الخراج" واللفظ له من طريق قيس عن عبد الملك ابن عمير عن عمرو بن حريث عن سعيد بن حريث قال رسول اللهير عَ له: لا يبارك فى ثمن أرض أو دار إلا أن يجعل فى أرض أو دار. وسنده حسن، فإن قيس بن الربيع تابعه إسماعيل بن إبراهيم ابن مهاجر عند أحمد. قال يحيى: وحدثنا مندل العنزى (ضعيف قد مشاه بعضهم) عن مسعر عن أبى عون، قال: قال عثمان بن مظعون(١): وجدت ما يقول أهل الكتاب أو كدت أجد ما يقول أهل الكتاب حقا: إنه مكتوب فى التوراة أنه من باع عقارا أو ورثها عن أبيه ولم يجعل ثمنها فى عقار دعت عليه طرفى النهار أن لا يبارك له فيه اهـ (ص٨٣ و ٨٤). وبالجملة فما ظنه الحافظ معارضًا لقوله: "لا جزية على العبد" ليس بمعارض له، بقى الكلام فى هذا الحديث فزعم الحافظ أنه لا أصل له، و کلام الموفق يدل على أن له أصلا لكونه جعله مبنی إجماع أهل العلم فى المسألة وعلله به كما مر وإجماع أهل العلم حجة برأسه فلا حاجة بنا إلى التنقير عن إسناد الحديث فإنهم لم يكونوا ليجمعوا على شىء إلا وعندهم دليل يستندون إليه، ولأن العبد لا مال له، ولأن سيده قد صار بسببه غنيا أو متوسط الحال حتى وجب عليه زيادة على مقدار الواجب على الفقير فلو أوجبنا على العبد جزية أيضا لزم إيجابها على المولى مرتين ولا قائل به. فائدة: قال الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له (ص١٥٧): "حدثنا إسماعيل بن أبى خالد (هو الأحمسى ثقة ثبت من الرابعة روى له الجماعة تق ص١٦) عن الشعبى أنه سئل عن مسلم أعتق عبدا نصرانيا، فقال الشعبى: ليس عليه خراج ذمته ذمة مولاه. قال أبو يوسف: فسألت أبا حنيفة عن ذلك. فقال: عليه خراج ولا يترك ذمى فى دار الإسلام بغير خراج رأسه، قال أبو يوسف: وقول أبى حنيفة أحسن ما رأينا فى ذلك، والله أعلم اهـ". إذا أعتق الذمى عبده ضربت عليه الجزية وكذا إذا أعتق المسلم عبدًا له كافرًا وقال الموفق فى "المغنى": "وإذا أعتق لزمته الجزية لما يستقبل، سواء كان المعتق له مسلمًا أو (١) عثمان بن مظعون الصحابى ليس له رواية توفى بالمدينة فى حياة النبى معَّ له، واستشهد ابنه السائب باليمامة بعد النبى مرّ له فى خلافة أبى بكر فليحقق هذا الإسناد. ج - ١٢ من أسلم وعليه جزية سقطت عنه ٥٠٧ فيه راوٍ لم يسم، ولكن احتجاج المجتهد بحديث تصحيح له، وأيضا فقوله: "شيخ" من ألفاظ التعديل. كافرا هذا الصحيح عن أحمد رواه عنه جماعة، وروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز. وبه قال الليث وسفيان وابن لهيعة، والشافعى وأبو ثور وأصحاب الرأى، وعن أحمد يقر بغير جزية. وروى نحو هذا عن الشعبى، لأن الولاء شعبة من الرق وهو ثابت عليه. ووهن الخلال هذه الرواية، وقال: هذا قول قديم رجع عنه أحمد، والعمل على ما رواه الجماعة. وعن مالك كقول الجماعة، وعنه إن كان المعتق له مسلما فلا جزية عليه (هذا هو الموافق لما قاله الشعبى)؛ لأن عليه الولاء لمسلم فأشبه ما لو كان عليه الرق، ولنا أنه حر مكلف موسر من أهل القتل فلم يقر بدارنا من غير جزية كالحر الأصلى، فإذا ثبت هذا فإن حكمه فيما يستقبل من جزيته حكم من بلغ من صبيانهم، أو أفاق من مجانينهم على ما مضى اهـ " (٥٩٠:١٠). وحاصل ما مضى: أن هؤلاء من أهل الجزية بالعقد الأول لا يحتاج إلى استئناف عقد له، وقيل: هو مخير بين التزام العقد وبين أن يرد إلى مأمنه، فإن اختار الذمة عقدت له، وإلا ألحق بمأمنه، وهو قول الشافعى. ولنا أنه لم يأت عن النبى معَّه ولا عن أحد من خلفائه تجديد (١) العقد لهؤلاء، ولأن العقد يكون مع سادتهم فيدخل فيه سائرهم. قال الموفق: فإن كان البلوغ أو الإفاقة (أو العتق) فى أول حول قومه أخذ منه فى آخره معهم، وإن كان فى أثناء الحول أخذ منه عند تمام الحول بقسطه اهـ (٥٨٣:١٠). والمعتبر عندنا فى الأهلية للجزية وعدمها وقت الوضع، فمن أفاق أو عتق أو بلغ أو برئ بعد وضع الإمام لم توضع عليه، لأن وقت الوجوب أول السنة عند وضع الإمام، فإن الإمام يجدد الوضع عند رأس كل سنة لتغير أحوالهم ببلوغ الصبى وعتق العبد وغيرهما. فإذا احتلم وعتق بعد الوضع فقد مضى وقت الوجوب فلم يكونا أهلا للوجوب "ولوالجية" (شامى ٤١٥:٣ و٤١٦). ومفاده أن من بلغ أو عتق بعد وضع الإمام لا يؤاخذ بجزية هذه السنة بل يضع الإمام عليه أول السنة الآتية. ثم يؤخذ بجزيتها فى كل شهر كما مر بخلاف الفقير إذا أيسر بعد الوضع حيث توضع عليه، لأن سقوطها عنه معجزة لا لعدم أهليته كذا فى "الدر والشامية" (ص مذكور). (١) بل روى ابن زنجويه فى الأموال عن الحكم "قال: كان عمر لا يكتب الجزية على السابية (أى الصبيان) حتى يحتملوا فيفرض عليهم عشرة دراهم ثم يزيد عليهم بعد ذلك بقدر ما بأيديهم وقدر أعمالهم (كنز العمال ٢: ٣٠١). ففيه أنه كان يفرض على الغلمان الجزية إذا احتملوا ولم يكن يخيرهم بين التزام العقد وبين أن يردد إلى مأمنهم، فافهم. ٥٠٨ إعلاء السنن باب إذا اجتمعت على الذمى الحولان تداخلت الجزيتان ٤١٨٦- ثنا محمد بن بكر عن ابن جريج أخبرنى سليمان الأحول عن طاوس أنه قال: "إذا تداركت الصدقتان فلا تؤخذ الأولى كالجزية". رواه ابن أبى شيبة فى "المصنف" (ص٦٢)، ورجاله ثقات كلهم، وقد تقدم فى باب يسقط الخراج بالتداخل. باب کیف تجتبی الجزية وما يؤمر به من الرفق بأهلها ٤١٨٧- حدثنا على بن معبد عن عبيد الله بن عمرو الرقى عن عبد الكريم الجزرى عن سعيد بن المسيب أنه كان يستحب أن يتعب الأنباط فى الجزية إذا أخذت باب إذا اجتمعت على الذمى الحولان تداخلت الجزيتان قوله: ثنا محمد بن بكر إلخ" قلت: قوله " كالجزية" يشعر بأن تداخل الجزيتين كان معلوما للسامعين، ومعروفا عندهم. فإن قياس الشىء بالشىء وتشبيهه به يستدعى كون المقيس عليه منصوصًا أو معروفا واضحا كالمنصوص كما تقرر فى الأصول وقد قدمنا أن المراد بالصدقتين خراج سنتين دون العشر، فإن الخراج هو المشابه للجزية دونه، ومذهب أبى حنيفة ما ذكره فى "الهداية" ونصه : -وإن اجتمعت عليه الحولان تداخلت- وفى "الجامع الصغير": ومن لم يؤخذ منه خراج رأسه وجاءت سنة أخرى لم يؤخذ، وهذا عند أبى حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد رحمها الله: يؤخذ منه وهو قول الشافعى وقيل: خراج الأرض على هذا الخلاف، وقيل: لا تداخل فيه بالاتفاق (فيؤخذ ما مضى) (٢٩٧:٥). وفى "الهندية" عن "المحيط": "ذكر صدر الإسلام عن أبى حنيفة روايتين (فى خراج الأرض) والصحيح أنه يؤخذ اهـ". وبه جزم فى "المنتقى" وبه ظهر أن كلا من القولين مروى عن صاحب المذهب والمصرح بتصحيحه عدم السقوط فكان هو المعتمد، ولذا جزم به فى متن "المنتقى"، وذكر فى "العناية": الفرق بينه وبين الجزية بأن الخراج فى حالة البقاء مؤنة من غير التفات إلى معنى العقوبة، ولهذا يجب على المسلم إذا اشترى أرضا خراجية فجاز أن لا يتداخل بخلاف الجزية، فإنها عقوبة ابتداء وبقاء ولهذا لم تشرع فى حق المسلم أصلا والقعوبات تتداخل اهـ" من "الشامية" (٤١٧:٣). قلت: وللإمام سلف فيما ذهب إلیه من قول طاوس وناهيك به قدوة، والله تعالى أعلم. باب كيف تجتبی الجزية وما يؤمر به من الرفق بأهلها؟ ترجمة على بن معبد الحنفى راوى الجامع الصغير والكبير عن محمد بن الحسن الإمام قوله: "حدثنا على بن معبد إلخ". قلت: هو على بن معبد بن شداد العبدى أبو الحسن، ج - ١٢ کیف تجتبی الجزية وما يؤمر به من الرفق بأهلها ٥٠٩ منهم". رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٧٥٣ رقم ١٤٠). قلت: سند حسن صحيح. ويقال: أبو محمد الرقى نزيل مصر، روى له أبو داود والنسائى حدث عن عبيد الله بن عمرو الرقى وعتاب بن بشير ومالك والليث وابن عيينة وابن المبارك وابن وهب، وعبد الوهاب الثقفى وجرير وإسماعيل بن عياش وأبى الأحوص الكوفى وعيسى بن يونس والشافعى ومحمد بن الحسن الفقيه، وموسی بن أعین وهشیم وو کیع و خلق کثیر. روى عنه إسحاق بن منصور الکوسج ویحیی بن معين -وهو من أقرانه- ويونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن إسحاق الصاغانى وسلمة بن شبيب ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه ويحيى بن سليمان الجعفى ويعقوب بن سفيان ودحيم وأبو عبيد، وبحر بن نصر وأبو حاتم وعلى بن معبد بن نوح الصغير، وآخرون. قال أبو حاتم: "ثقة"، وقال ابن يونس: مروزى الأصل قدم مصر مع أبيه، وكان يذهب مذهب أبى حنيفة. وروى عن محمد بن الحسن الجامع الكبير والصغير وحدث بمصر، وتوفى بها لعشر بقين من رمضان سنة ٢١٨ هـ ذكره ابن حبان فى الثقات. وقال: مستقيم الحديث. وذكر الذى بعده (أى على بن معبد الصغير)، وقال فيه أيضا مثل ذلك. وقال الحاكم: هو شيخ من جلة المحدثين اهـ، من التهذيب (٣٨٤:٧ و٣٨٥). قال أبو عبيد: لم يرد سعيد فيما نرى بالإتعاب تعذيبهم ولا تكليفهم فوق طاقتهم، ولكنه أراد أن لا يعاملوا عند طلبها منهم بالإكرام لهم، ولكن بالاستخفاف بهم وأحسبه(١) تأول قول الله تعالى ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾، وقد فسرها بعضهم عن يد قال: نقدا، وقال بعضهم: يمشون بها (لا يرسلونها على يد أحد من عبيدهم وغلمانهم). وقال بعضهم: يعطيبها وهو قائم والذى يُقبضها منه جالس اهـ (ص٥٤). وفى "الهداية": " ولهذا لا تقبل منه لو بعث على يد نائبه فى أصح الروايات بل يكلف أن يأتى به بنفسه، فيعطى قائما، والقابض منه جالس، وفى رواية: يأخذ بتلبيبه (أى ما على صدره من الثياب) ويهزه هزا ويقول: أعط الجزية يا ذمى" اهـ (٢٩٨:٥ مع "الفتح"). وفى "الشامية" تحت قول الدر: "ويقول: أعط يا عدو الله! ويصفعه فى عنقه، لا يا كافر! ويأثم القائل إن آذاه به "قنيه" ما نصه: ومفاده المنع من قول يا عدو الله! بل ومن الأخذ بالتلبيب والهز والصفع، إذ لا شك بأنه يؤذيه ولهذا رد بعض المحققين من الشافعية ذلك بأنه لا أصل له فى السنة، ولا فعله أحد من الخلفاء الراشدين اهـ" (ص٤١٨). قلت: والظاهر أن مراد ابن المسيب بإتعاب الأنباط فى الجزية، إنما هو أن يكلفوا أداءها (١) وهو كذلك فقد أخرجه أبو الشيخ عن سعيد بن المسيب بلفظ: أحب لأهل الذمة أن يتعبوا فى أداء الجزية لقول الله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون﴾ كذا فى "الدر المنثور" (٢٢٨:٣). ٥١٠ كيف تجتبى الجزية وما يؤمر به من الرفق بأهلها إعلاء السنن ٤١٨٨- حدثنى عبد الرحمن بن بشر النيسابورى ثنا سفيان عن ابن سعد عن عكرمة ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ قال: أى تأخذها وأنت جالس وهو قائم. رواه الطبرى فى "التفسير" (٧٨:١٠). وعبد الرحمن من رجال الشيخين، ثقة. وسفيان هو ابن عيينة، وابن سعد هو عثمان الكاتب مختلف فيه وثقه أبو نعيم وأبو جعفر السبی، وقال ابن عدی: هو حسن الحدیث، ومع ضعفه یکتب حديثه. وقال بأنفسهم ولا تقبل منهم لو بعثوا على يد نوابهم، وقال الإمام الشافعى فى "الأم": " فلم يأذن الله عز وجل فى أن تؤخذ الجزية ممن أمر بأخذها منه حتي يعطيبها عن يد صاغرا، قال: وسمعت عددا من أهل العلم يقولون: الصغار أن يجرى عليهم حكم الإسلام. قال الشافعى: وما أشبه ما قالوا بما قالوا لامتناعهم من الإسلام، فإذا جرى عليهم حكمه فقد أصغروا بما يجرى عليهم منه" اهـ (٩٩:٤). قوله: "حدثنى عبد الرحمن بن بشر إلخ" قال الطبرى: وقال آخرون: معنى قوله ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ عن أنفسهم بأيديهم يمشون بها وهم كارهون، وذلك قول روى عن ابن عباس من وجه، فيه نظر، وقال آخرون: إعطاءهم إياها هو الصغار اهـ (٧٨:١٠). وروى أبو عبيد فى "الأموال": " حدثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبى البخترى ((قال: حاصر سلمان حصنا من حصون فارس فذكر حديثا طويلا -وفيه- فإن أبيتم فعليكم الجزية، وخاک برسر بالفارسية، يقول: هو التراب على رؤوسكم (ص٢٥). أى مذمومين غير محمودين" وأخرج ابن أبى حاتم عن سفيان بن عيينة فى قوله: ﴿عن يد﴾ قال: من يده لا يبعث بها مع غيره .. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿عن يد وهم صاغرون﴾ قال: ولا يلكزون. وأخرج ابن أبى حاتم عن المغيرة رضى الله عنه أنه بعث إلى رستم فذكر حديثا طويلا -وفيه- فإن أبيت فتعطى الجزية عن يد وأنت صاغر، فقال لترجمانه: أما الجزية فقد عرقتها فما قولك: "وأنت صاغر" قال: تعطيها وأنت قائم وأنا جالس وأسعط على رأسك كذا فى "الدر المنثور" (ص٢٢٨). وقال الجصاص في "أحكام القرآن" له: "إن قوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾، قد اقتضى وجوب قتلهم إلى أن تؤخذ منهم الجزية على وجه الصغار والذلة، فغير جائز على هذه القضية أن تكون لهم ذمة إذا تسلطوا على المسلمين بالغصوب وأخذ الضرائب والظلم سواء كان السلطان ولاه ذلك أو فعله بغير أمر السلطان وهذا يدل على أن هؤلاء النصارى الذين يتولون أعمال السلطان وظهر منهم ظلم واستعلاء على المسلمين وأخذ الضرائب لا ذمة لهم وأن دمائهم مباحة والقعود على المراصد لأخذ أموال الناس يوجب إباحة ج - ١٢ كيف تجتبى الجزية وما يؤمر به من الرفق بأهلها ٥١١ الحاكم: بصرى ثقة عزيز الحديث ولينه أبو زرعة وقال أبو حاتم: شيخ. وتكلم فيه يحيى ابن سعيد من قبل حفظه اهـ. ملخصا من التهذيب (١١٧:٧ و ١١٨). فالإسناد حسن. دماءهم، وإن كان آخذ الضرائب ممن ينتحل الإسلام إذا كانوا بمنزلة قطاع الطريق. ومن قصد إنسانا لأخذ ماله فلا خلاف بين الفقهاء أن له قتله، وكذلك قال النبى ◌ّ له: ((من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد)) فإذا كان هذا حكم من طلب أخذ مال غيره غصبا، وهو ممن ينتحل الإسلام، فالذمى إذا فعل ذلك استحق القتل من وجهين: أحدهما: ما اقتضاه ظاهر الآية من وجوب قتله. والآخر: قصده المسلم بأخذ ماله ظلمًا اهـ" (٩٩:٣). وفى "روح المعانى" "وعن ابن عباس رضى الله عنهما تؤخذ الجزية من الذمى ويوجأ عنقه وفى رواية أنه يؤخذ بتلبيبه ويهز هذا ويقال: أعط الجزية يا ذمى إلخ" (٧٠:١٠). قلت: وهذا هو مبنى ما ذكره فى "الهداية" بقيل، وفى "الدر المختار": بالجزم، ولكن فى ثبوته عن ابن عباس نظرا كما أشار إليه الطبرى فى تفسيره، وقد مر فى "الروح" بعد ذكر الأقوال بأسرها فى معنى الصغار ما نصه: وكل الأقوال لم نر اليوم لها أثرا؛ لأن أهل الذمة فيه قد امتازوا على المسلمين، والأمر لله عز وجلّ بكثير، حتى إنه قبل منهم إرسال الجزية على يد نائب منهم وأصح الروايات أنه لا يقبل ذلك منهم بل يكلفون أن يأتوا بها بأنفسهم مشاة غير راكبين، وكل ذلك من ضعف الإسلام عامل الله تعالى من كان سببا له بعدله إلى أن قال: وقد أفتى فقهاءنا بحرمة توليتهم الأعمال لثبوت ذلك بالنص وقد ابتلى الحكام بذلك حتى احتاج الناس إلى مراجعتهم بل تقبيل أيديهم كما شاهدناه مرارا، وما كل ما يعلم يقال: فإنا لله وإنا إليه راجعون (٧٠:١٠ و٧٢). حكم البلاد التى استولى عليها الكفار من بلاد الإسلام وفى "الفتاوى الغيائية": وهذه البلية الواقعة فى زماننا باستيلاء الكفار على بعض ديارنا لا بد من معرفة حكمها، والحق فى ذلك أن ما فى أيديهم من بلاد المسلمين، فهو دار الإسلام لا شك. لأنها غير متأخمة متصلة ببلادهم ولأنهم لم يظهروا فيها أحكامهم بل القضاة والحكام مسلمون بأحكام الملة كيف وهم يرجعون إلى علماء هذه الملة ويتحاكمون إليهم؟ ومن وافقتهم من المسلمين فهو فاسق، لا مرتد، ولا كافر. وتسميتهم كافرين من أكبر الكبائر لأنها تنفير عن الإسلام، وتقليل السواد، وإغراء على الكفر، وإنما الملوك الذين يطيعونهم عن ضرورة فهم على صحة الإسلام، والحمد لله. وإن كانت طاعتهم لا عن ضرورة فكذلك لكنهم فساق، فكل بلد فيه وال مسلم من جهتهم تجوز فيه إقامة الجمع والأعياد وأخذ الخراج وتقليد القضاة وتزويج الأيامى، ٥١٢ کیف تجتبی الجزية وما يؤمر به من الرفق بأهلها إعلاء السنن ٤١٨٩- حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن هشام بن حكيم بن حزام "أنه مر على قوم يعذبون فى الجزية بفلسطين فقال هشام: سمعت رسول الله عَ ليه يقول: إن الله يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس فى الدنيا. رواه أبو عبيد (ص ٤٢ رقم ١١٠)، وسنده صحيح والحديث أخرجه مسلم فى "صحيحه" (٣٢٧:٢). بطرق عديدة، وأحمد فى "مسنده" (٤٠٣:٣ و ٤٦٨). ٤١٩٠- حدثنا نعيم حدثنا بقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن · ابن جبير بن نفير عن أبيه "أن عمر بن الخطاب، أتى بمال كثير قال أبو عبيد: أحسبه قال من الجزية. فقال: إنى لأظنكم قد أهلكتم الناس، قالوا: لا والله ما أمأنا إلا عفوا صفوا قال: بلا سوط ونوط(١)؟ قالوا: نعم، قال: الحمد لله الذى لم يجعل ذلك على يدى، ولا فى سلطانى". أخرجه أبو عبيد أيضا (ص٤٣ رقم ١١٤)، ورجاله كلهم ثقات من رجال مسلم غير نعيم فإنه من رجال البخارى. وفيه عنعنة بقية بن الوليد فالأثر حسن. وطاعته لهم نوع موادعة أو مخادعة. وأما البلاد التى عليها ولاة الكفار من بلاد المسلمين، فإنه يجوز للمسلمين إقامة الجمع والأعياد ونصب القاضى بتراضى المسلمين ويجب على المسلمين أن يلتمسوا منهم واليا مسلمًا والمعلوم من حالهم أنهم لا يضايقون بذلك، وعسى الله أن يأتى بالفتح أو أمر من عنده اهـ (ص ١٠٥). قلت: وقوله: "فكل بلد فيه وال مسلم إلى آخره" ذكر الشامى نحوه فى "الرد المحتار" عن "البزازية" (٣٩١:٣). هذا وقد تبدلت الأمور وتتابعت الفتن والشرور فترى المسلمين فى بلادنا هذه، لا يتراضون فيما بينهم على نصب القاضى، ولا يلتمسون من الكفار المتسلطین علیهم والیا مسلما لهم. و کل ذلك لافتراق كلمتهم وافتفاد وحدتهم، ووهن همتهم، فإلى الله المشتكى وبه المستغاث. قوله: " حدثنا أبو معاوية إلى آخر الباب" دلالة الآثار على الرفق بأهل الذمة والوفاء بعهدهم ظاهرة. وبالجملة فقد أمرنا بعدم تعظيم أهل الذمة ونبهينا عن الظلم والتشديد عليهم، وإيذاؤهم وتكليفهم بما لا يطيقون وهذا هو العدل الإسلامى الذى لن نجد مثله فى شىء من قوانين الأمم وشرائعها. قال الإمام أبو يوسف فى الخراج له: وقد ينبغى يا أمير المؤمنين! أيدك الله! أن تتقدم فى الرفق بأهل ذمة نبیك، وابن عمك محمد مێے وتفقدهم حتى لا يظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا فوق (١) النوط التعليق. ج - ١٢ كيف تجتبى الجزية وما يؤمر به من الرفق بأهلها ٥١٣ ٤١٩١- حدثنى إسماعيل بن المهاجر البجلى عن عبد الملك بن عمير قال: حدثنى رجل من ثقيف قال: "استعملنى على بن أبى طالب رضى الله عنه على عكبراء(١)، فقال لى وأهل الأرض معى يسمعون: انظر أن تستوفى ما عليهم من الخراج، وإياك أن ترخص لهم فى شىء، وإياك أن يروا منك ضعفا، ثم قال: إلى عند الظهر، فرحت إليه عند الظهر فقال لى: إنما أوصيتك بالذى أوصيتك به قدام أهل عملك؛ لأنهم قوم خدع، انظر إذا قدمت عليهم، فلا تبيعن لهم كسوة شتاء ولا صيفًا، ولا رزقا يأكلونه، ولا دابة يعملون عليها، ولا تضربن أحدا منهم سوطا واحدا فى درهم، ولا تقمه علی رجله فی طلب درهم ولا تبع لأحد منهم عرضا فى شىء من الخراج. فإنا إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو، فإن أنت خالفت ما أمرتك به يأخذك به دونى، وإن بلغنى عنك خلاف ذلك عزلتك. قال: قلت: إذن أرجع إليك كما خرجت من عندك قال: وإن رجعت كما خرجت، قال فانطلقت بالذى أمرنى به فرجعت ولم أنتقص من الخراج شيئا". رواه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" (ص١٨)، وسنده لا بأس به، ورواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٤٤) بسند آخر سواه، فتقوى أحدهما بالآخر. ٤١٩٢- عن صفوان سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله عَّ له عن آباءهم دنية عن رسول الله عَّ له قال: ((ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة)). رواه أبو داود وسكت عنه وقال المنذرى: فيه مجهولون (عون المعبود ١٣٦:٣). وقال العراقى: "سند جيد ولا يضر الجهل بحال الأبناء فإنهم يبلغون حد التواتر الذى لا يشترط فيه العدالة، فقد أخرج البيهقى فى سننه، فقال فى رواية: عن ثلاثين من أبناء أصحاب رسول الله عّ لّ (التعقبات للسیوطی ص ٤١). طاقتهم، ولا يؤخذ شىء من أموالهم إلا بحق يجب -إلى أن قال :- وحدثنا هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه مر بطريق الشام وهو راجع فى مسيرة من الشام على قوم قد أقيموا فى الشمس يصب على رؤوسهم الزيت، فقال: ما بال هؤلاء؟ فقالوا: عليهم الجزية (١) بينه وبين بغداد عشرة فراسخ قاله ياقوت. كذا فى حاشية "الأموال" لأبى عبيد (ص٤٤). ٥١٤ کیف تجتبی الجزية وما يؤمر به من الرفق بأهلها إعلاء السنن ٤١٩٣°- عن عمرو بن ميمون أن عمر بن الخطاب قال حين أصيب: أوصى الخليفة من بعدى بالمهاجرين الأولين وبالأنصار وبأهل الأمصار، وبالأعراب - إلى أن قال- وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من وراءهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم". مختصر رواه البخارى فى باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان بن عفان مطولا (فتح البارى ٤٩:٧). لم يؤدوها فهم يعذبون حتى يؤدوها. فقال عمر: فما يقولون هم وما يعتذرون به فى الجزية؟ قالوا: يقولون: لا نجد. قال: فدعوهم ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، فإنى سمعت رسول الله عَ ليه يقول: ((لا تعذبوا الناس فإن الذين يعذبون الناس فى الدنيا يعذبهم الله يوم القيامة)) وأمر بهم فخلى سبيلهم (قلت: مرسل حسن صحيح). قال: وحدثنا ورقاء الأسدى عن أبى ظبيان قال كنا مع سلمان الفارسى فى غزاة فمر رجل وقد جنى فاكهة فجعل يقسمها بين أصحابه فمر بسلمان فسبه فرد على سلمان، وهو لا يعرفه قال: فقيل له: هذا سلمان قال: فرجع فجعل يعتذر إليه ثم قال له الرجل: ما يحل لنا من أهل الذمة يا أبا عبد الله؟ قال ثلاث من عماك إلى هداك، ومن فقرك إلى غناك، وإذا صحبت الصاحب منهم تأكل من طعامه ويأكل من طعامك، ويركب دابتك وتركب دابته فى أن لا تصرفه عن وجه يريده)) اهـ (ص ١٥٠). قلت: وفيه دليل على لقاء أبى ظبيان سلمان وقد أنكره شعبة وأحمد وسئل الدار قطنى ألقى أبو ظبيان عمرو عليا؟ قال: نعم كذا فى "التهذيب" (٢: ٣٨٠) وأبو ظبيان اسمه حصين بن جندب من رجال الجماعة ثقة وورقاء الأسدى هو وقاء بن إياس أبو يزيد الأسدى الكوفى لين الحديث من السادسة (تق ص ٢٣٠) صحفه الكاتب من وقاء إلى ورقاء وهو من رجال "التهذيب" قد خفى على حين ألفت الجزء السابع من هذا الكتاب فقلت فى باب القصر إلى أن يدخل موضع الإقامة: "لم أقف عليه" (ص ١٨١). وقاء الأسدى وفيه التنبيه على غفلة المؤلف: قال الثورى: لا بأس به وقال أبو حاتم: صالح وقال ابن عدى: أرجو أنه لا بأس به وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به وتكلم فيه يحيى بن سعيد وقال: لم يكن بالقوى (تهديب ١٢٢٠١١). والأثر ذكره أبو عبيد فى الأموال فى باب "ما يحل للمسلمين من مال أهل الذمة فوق ما صولحوا عليه وذكر آثارا عديدة. وقال: إنما وجوه هذه الأشياء عندى التى كان المسلمون يأخذون أهل الذمة إنها كانت شروطا عليهم مشترطة حين صولحوا عليها مع ج - ١٢ ٥١٥ باب لا يؤخذ الخمر والخنزير والميتة فى الجزية بل یولی أربابها بيعها ثم يؤخذ من أثمانها ٤١٩٤- حدثنا إسرائيل بن يونس عن إبراهيم بن عبدالأعلى "قال: سمعت سويد بن غفلة يقول: حضرت عمر بن الخطاب رضى الله عنه وقد اجتمع إليه عماله فقال: يا هؤلاء! إنه بلغنى أنكم تأخذون فى الجزية الميتة والخنزير والخمر فقال بلال: أجل إنهم يفعلون ذلك، فقال عمر: فلا تفعلوا، ولكن ولوا أربابها بيعها، ثم خذوا الثمن منهم"، رواه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" (ص١٥١)، وسنده صحيح موصول. باب شروط أهل الذمة وما يجوز لهم فعله فى دارنا وما لا يجوز ٤١٩٥- حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد حدثنى توبة بن النمر الحضرمى قاضى مصر عمن أخبره قال: قال رسول الله عَّ له: ((لا خصاء فى الإسلام الجزية. هكذا يحكى عن شريك والحسن بن صالح وقد روى عن مالك نحو منه اهـ (ص١٤٨). باب لا يؤخذ الخمر والخنزير والميتة فى الجزية بل یولی أربابها بيعها ثم يؤخذ من أثمانها قوله: "حدثنا إسرائيل إلخ". قلت: إبراهيم بن عبد الأعلى الجعفى من رجال مسلم، وأبى داود والنسائى وابن ماجة ثقة من السادسة (تق ص٩)، وإسرائيل بن يونس وسويد من رجال الجماعة ثقتان، ودلالة الأثر على معنى الباب ظاهرة. وفرق أبو عبيد بين الجزية فأجاز أخذ أثمان هذه الأشياء فيها، وبين العشر فلم يجز أخذها فيه، وقد تقدم الكلام معه فى "باب العشر والخراج"، فتذكر. وقال الموفق فى "المغنى": ويجوز أخذ ثمن الخمر والخنزير منهم على جزية رؤوسهم، وخراج أرضيهم احتجاجا بقول عمر هذا ولأنها من أموالهم التى نقرهم على اقتنائها، والتصرف فيها فجاز أخذ أثمانها منهم كثيابهم اهـ (٦٠١:١٠). ولم يذكر فيه خلافا، كما ذكر فى تعشير الخمر والخنزير، فالظاهر أن ذلك لا خلاف فيه، ولم أر حكم المسألة فى كتب المذهب مصرحا، وإنما ذكرته اعتمادا على إخراج أبى يوسف الحديث فى الخراج، وسكوته عنه. ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. باب شروط أهل الذمة وما يجوز لهم فعله فى دارنا وما لا يجوز قوله: "حدثنا عبد الله بن صالح إلخ". قال فى "الهداية": ولا يجوز إحداث بيعة، ولا كنيسة فى الإسلام لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا خصاء فى الإسلام ولا كنيسة»، والمراد ٥١٦ شروط أهل الذمة وما يجوز لهم فعله فى دارنا وما لا يجوز إعلاء السنن ولا كنيسة)). رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٩٤ رقم ٢٥٩) وتوبة بن النمر قال الدار قطنى "كان فاضلا عابدا" (تعجيل المنفعة ص٤١)، فالحديث حسن الإسناد مرسل وجهالة الصحابى لا تضر. وأخرجه البيهقى فى "سننه" عن ابن عباس مرفوعًا وضعفه وأخرجه ابن عدى فى الكامل عن عمر رضى الله عنه مرفوعا بإسناد ضعيف (زيلعى ١٥٦:٢)، وتعدد الطرق يفيد الحديث قوة. ٤١٩٦- حدثنى أبو الأسود عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير، قال: قال عمر بن الخطاب: "لا كنيسة فى الإسلام ولا خصاء". رواه أبو عبيد أيضا (ص١٩٤) وسنده حسن وأبو الخير -هو مرثد بن عبد الله اليزنى المصرى- ثقة فقيه من الثالثة (تقريب ص٢٠٤) ورواه ابن عدى عن عمر مرفوعًا بلفظ: لا يبنى كنيسة فى الإسلام، ولا يجدد ما خرب منها (التلخيص الحبير ٢: ٣٨٠)، وسكت الحافظ عنه. ٤١٩٧- حدثنا سليمان حدثنا حنش عن ابن عباس رضى الله عنهما " أنه سئل عن العجم أ لهم أن يحدثوا بيعة أو كنيسة فى أمصار المسلمين؟ فقال: أما مصر مصرته إحداثها اهـ. قال المحقق فى "الفتح": وفى رواية "البيهقى" تصريح بذلك عن ابن عباس بلفظ: "ولا بنيان كنيسة". وروى ابن عدى فى الكامل بسنده إلى عمر رضى الله عنه رفعه بلفظ: "لا تبنى كنيسة فى الإسلام ولا يبنى ما خرب منها" وأعل بسعيد بن سنان وإذا تعددت طرق الضعيف يصير حسنا، ثم قيل: المراد بالخصاء نزع الخصيتين. وقيل: كناية عن التخلى عن إتيان النساء اهـ (٣٠٠:٥). قلت: وتوبة بن النمر يروى عن عريف بن سريع أبى عفير عن ابن عمر، وعريف وثقه ابن حبان، كما فى "تعجيل المنفعة" (ص٢٨٦). قوله: "حدثنا سليمان إلخ". قلت: سليمان هو ابن طرخان التيمى البصرى ثقة عائد من الرابعة من رجال الجماعة (تقريب ص٧٨). وتابعه على بن عاصم عند أبى عبيد قال المحقق فى "الفتح": قيل: أمصار المسلمين ثلاثة: أحدها: ما مصره المسلمون كالكوفة والبصرة وبغداد وواسط، فلا يجوز فيها إحداث بيعة ولا كنيسة ولا مجتمع لصلاتهم ولا صومعة بإجماع أهل العلم ولا يجوز صلحهم على ذلك بدليل ما روى عكرمة عن ابن عباس ذكرناه فى المتن - قاله ابن قدامة فى "المغنى" (٦٠٩:١٠). ولا يمكنون فيه من شراب الخمر واتخاذ الخنازير وضرب الناقوس. وثانيها: ما فتحه المسلمون عنوةً فلا يجوز فيها إحداث شىء بالإجماع (وتجديد ما كان ج - ١٢ شروط أهل الذمة وما يجوز لهم فعله فى دارنا وما لا يجوز ٥١٧ العرب فليس لهم أن يحدثوا فيه بناء بيعة، ولاكنيسة ولا يضربوا فيه بناقوس ولا يظهروا فيه خمرا ولا يتخذوا فيه خنزيرا، وكل مصر كانت العجم مصرته ففتحه الله على العرب فنزلوا على حكمهم، فللعجم ما فى عهدهم وعلى العرب أن يوفوا لهم بذلك". رواه الإمام أبو يوسف فى الخراج (ص١٧٧- ١٧٨) وأبو عبيد فى "الأموال" (ص٩٧ رقم ٢٦٩)، والبيهقى فى السنن، وفيه حنش، وهو ضعيف (التلخيص الحبير ٣٨٠:٢). قلت: قال الحاكم فى "المستدرك" (٢٧٥:١): ثقة، وقال أبو محصن: إنه شيخ صدوق، وقال البزار: لين الحديث (التهذيب ٣٦٥:٢) فالحديث صالح للاحتجاج به رواه الإمام أحمد، واحتج به (المغنى ٦١:١٠). خرابا عند الفتح إحداث أيضا فيمنع منه وهو محمل ما رواه ابن عدى بلفظ: ولا يجدد ما خرب منها، وأما ما كان عامرا عند الفتح وخرب بعده فتجديده بناء لما استهدم فأشبه بناء بعضها إذا انهدم ورم شعثها. فلا يرد علينا ما أورده الموفق فى "المغنى" (٢١٢:١٠). وما كان فيها شىء من ذلك هل يجب هدمه؟ فقال مالك والشافعى فى قول وأحمد فى رواية: يجب، وعندنا إذا جعلهم ذمة أمرهم أن يجعلوا كنائسهم مساكن ويمنع من صلاتهم فيها ولكن لا تهدم وهو قول الشافعى ورواية عن أحمد (وكلام الموفق فى "المغنى" مشعر بكون هذه الرواية مختارة فى "المذهب" (٦١٠:١٠) لأن الصحابة فتحوا كثيرا من البلاد عنوة ولم يهدموا كنيسةً ولا ديرًاً ولم ينقل ذلك قط (ويشهد لصحة هذا وجود الكنائس، والبيع فى البلاد التى فتحت عنوة ومعلوم أنها ما أحدثت فيلزم أن تكون موجودة فأبقيت، وقد كتب عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه إلى عماله أن لا يهدموا بيعة ولا كنيسة ولا بيت نار، ولأن الإجماع قد حصل على ذلك، فإنها موجودة فى بلاد المسلمين من غير نكير قاله الموفق فى "المغنى" (٦١٠:١٠). وأثر عمر بن عبد العزيز ذكره أبو عبيد فى "الأموال" حدثنا حفص بن غياث عن أبى بن عبد الله "قال: أتانا كتاب عمر بن عبد العزيز لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار، ولا تحدثوا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار، ولا تحدثوا شفرة على رأس بهيمة، ولا تجمعوا بين صلاتين إلا من عذر" (ص٩٥) (وأبى بن عبد الله لم أعرف من ترجمه). وثالثها: ما فتح صلحًا، فإن صالحهم على أن الأرض لهم والخراج لنا جاز إحداثهم، وإن صالحهم على أن الدار لنا ويؤدون الجزية فالحكم فى الكنائس على ما يوقع عليه الصلح. فإن صالحهم على شرط تمكين الإحداث لا يمنعهم، · إلا أن الأولى أن لا يصالحهم إلا على ما وقع عليه صلح عمر رضى الله عنه من عدم إحداث شىء ٥١٨ شروط أهل الذمة وما يجوز لهم فعله فى دارنا وما لا يجوز إعلاء السنن ٤١٩٨- إن "أمير المؤمنين عمر فى الصحابة رضى الله عنهم، ثم عامة الأئمة بعده، وسائر الفقهاء جعلوا فى الشروط المشروطة على أهل الذمة من النصارى وغيرهم منها، وإن وقع الصلح مطلقا لا يجوز الإحداث ولا يتعرض للقديمة ويمنعون من ضرب الناقوس وشرب الخمر واتخاذ الخنزير بالإجماع انتهى. وقوله: "يمنعون من شرب الخمر" أى التجاهر به وإظهاره، وفى المحيط: لو ضربوا الناقوس فى جوف كنائسهم لا يمنعون انتهى. وقال محمد: كل قرية من قرى أهل الذمة أو مصر أو حديقة لهم أظهروا فيها شيئا من الفسق مثل الزنا والفواحش التى يحرمونها فى دينهم يمنعون منه. وكذا عن المزامير والطنابير والغناء. ومن كسر شيئا من ذلك يضمن. واعلم أن البيع والكنائس القديمة فى السواد لا تهدم على الروايات كلها وأما فى الأمصار فاختلف كلام محمد فذكر فى "العشر والخراج" تهدم القديمة وذكر فى "الإجازة" أنها لا تهدم وعمل الناس على هذا فإنا رأينا كثيرا منها توالت عليها أئمة وأزمان وهى باقية لم يأمر بهدمها إمام فكان متوارثًا من عهد الصحابة رضى الله عنهم اهـ (٢٩٩:٥ وص ٣٠٠). قلت: وأما أرض العرب فلها حكم غير ذلك كما سيأتى. قال الموفق فى "المغنى": "أمصار المسلمين على ثلاثة أقسام: أحدها: ما مصره المسلمون كالبصرة وبغداد والكوفة وواسط فلا يجوز فيها إحداث كنيسة ولا بيعة - إلى أن قال -: وما وجد فى هذه البلاد من البيع والكنائس مثل كنيسة الروم فى بغداد فهذه كانت فى قرى أهل الذمة (ثم دخلت فى هذه الأمصار حين اتساعها وتمصرها)، فأقرت على ما كانت عليه" اهـ (٦١٠:١٠). وقال الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له: "ولست أرى أن يهدم شىء مما جرى عليه الصلح. ولا يحول (أى لا يمكنون من نقلها لأنه إحداث هداية) وأن يمضى الأمر فيها على ما أمضاه أبو بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم أجمعين. فإنهم لم يهدموا شيئا منها مما كان الصلح جرى عليه. وأما ما أحدث من بناء بيعة أو كنيسة، فإن ذلك يهدم وقد كان نظر فى ذلك غير واحد من الخلفاء الماضين وهموا بهدم البيع والكنائس التى فى المدن والأمصار. فأخرج أهل المدن الكتب التى جرى الصلح فيها بين المسلمين وبينهم، ورد عليهم الفقهاء والتابعون ذلك وعابوه عليهم فكفوا عما أرادوا من ذلك فالصلح نافذ على ما أنفذه عمر رضى الله تعالى عنه إلى يوم القيامة اهـ (ص١٧٦). قوله: "إن أمير المؤمنين عمر - إلى قوله -: حدثنى كامل بن العلاء إلخ" قلت: وفيما ذكرنا من الآثار دليل لما ذكره فقهاؤنا فى كتبهم أن يؤخذ أهل الذمة بالتميز عن المسلمين فى زيهم ومراكبهم وسروجهم وقلانسهم، فلا يركبون الخيل ولا يعلمون بالسلاح، وفى"الجامع الصغير": ج - ١٢ شروط أهل الذمة وما يجوز لهم فعله فى دارنا وما لا يجوز ٥١٩ فيما شرطوه على أنفسهم، أن نوقر المسلمين ونقوم لهم من مجالسنا، إن أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم فى شىء من ملابسهم قلنسوة أو عمامة، أو نعلين أو فرق شعر ولانتكلم بكلامهم. ولا نتكنى بكناهم ولا نركب السروج ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله ولا ننقش خواتيمنا بالعربية. ولا نبيع الخمور وأن نجز مقادم رؤوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا ولا نظهر صليبا، ولا كتبا فى شىء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب بنواقيسنا فى كنائسنا إلا ضربًا خفيفا ولا نرفع أصواتنا مع موتانا ولا نظهر النيران معهم فى شىء من طرق المسلمين". رواه حرب بإسناد جيد، كذا فى "اقتضاء الصراط المستقيم" للعلامة ابن تيمية (ص٤٨). ٤١٩٩- عن إسماعيل بن عياش قال: حدثنا غير واحد من أهل العلم "قالوا: كتب أهل الجزيرة إلى عبد الرحمن بن غنم: إنا حين قدمنا من بلادنا طلبنا إليك الأمان لأنفسنا وأهل ملتنا، على أنا شرطنا لك على أنفسنا أن لا نحدث فى مدينتنا كنيسة، ولا فيما حولها ديرا ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب من كنائسنا ولا ما كان منها فى خطط المسلمين، ولا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها فى الليل والنهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، ولا نؤوى فيها ولا فى منازلنا جاسوسا وألا نكتم أمر من غش المسلمين، وألا نضرب نواقيسنا إلا ضربا خفيا فى جوف كنائسنا، ولا نظهر عليها صليبا ولا نرفع أصواتنا فى الصلاة ولا القراءة فى كنائسنا فيما يحضره المسلمون. ولا نخرج صليبنا ولا كتابنا فى سوق المسلمين، وألا نخرج باعوثا ولا شعانين، ولا نرفع ويؤخذ أهل الذمة بإظهار الكستيجات (وهو خيط غليظ فى غلظ الإصبع من الصوف يشده فوق الثياب دون الزنار من الإبريسم)، والركوب على السروج التى هى كهيئة الأكف وإنما يؤخذون بذلك إظهارا للصغار عليهم، وصيانة لضعفة المسلمين ولأن المسلم يكرم والذمى يهان فلو لم تكن علامة مميزة فلعله يعامل معاملة المسلمين، وذلك لا يجوز ويجب أن يتميز نساءهم عن نساءنا فى الطرقات والحمامات ويجعل على دورهم علامات كى لا يقف عليها سائل يدعو لهم بالمغفرة. قالوا: الأحق أن لا يتركوا أن يركبوا إلا للضرورة وإذا ركبوا للضرورة فلينزلوا فى مجامع المسلمين ويمنعون من لباس يختص به أهل العلم، والزهد والشرف. وهذا كله إذا وقع الظفر عليهم ومن ٥٢٠ شروط أهل الذمة وما يجوز لهم فعله فى دارنا وما لا يجوز إعلاء السنن أصواتنا مع أمواتنا ولانظهر النيران معهم فى أسواق المسلمين، وألا نجاورهم بالخنازير ولا نبيع الخمور، ولا نظهر شركاء ولا نرغب فى ديننا ولا ندعو إليه أحدا ولا نتخذ شيئا من الرقيق الذين جرت عليهم سهام المسلمين، وألا نمنع أحدا من أقربائنا إذا أراد الدخول فى الإسلام، وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن لا نتشبه بالمسلمين فى لبس قلنسوة ولا عمامة، ولا نعلين ولا فرق شعر، ولا فى مراكبهم ولا نتكلم بكلامهم. وأن لا نتكنى بكناهم، وأن نجز مقادم رؤوسنا ولا نفرق نواصينا. ونشد الزنانير على أوساطنا ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نركب السروج ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله ولا نقلد السيوف وأن نوقر المسلمين فى مجالسهم، ونرشد الطريق ونقوم لهم عن المجالس إذا أرادوا المجالس ولا نطلع عليهم فى منازلهم، ولا نعلم أولادنا القرآن ولا يشارك أحد منا مسلما فى تجارة إلا أن يكون إلى المسلم أمر التجارة، وأن نضيف كل مسلم عابر سبيل ثلاثة أيام، ونطعمه من أوسط ما نجد، ضمنا ذلك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكننا، وإن نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا، وقد حل لك مناما يحل لأهل المعاندة والشقاق، فكتب بذلك عبد الرحمن ابن غنم إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه فكتب لهم عمر أن امض لهم ما سألوه، وألحق فيه حرفين. اشترط عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم أن لا يشتروا من سبايانا شيئا، ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده. فأنفذ عبد الرحمن بن غنم ذلك، وأقر من أقام من الروم فى مدائن الشام على هذا الشرط". رواه الخلال بإسناده، كذا فى "المغنى" لابن قدمة (٦٠٦:١٠). عليهم. فأما إذا وقع الصلح معهم على بعض هذه الأشياء فإنهم يتركون على ذلك اهـ. ملخصا من "الهداية" (٣٠٢:٥). قلت: ولا ينبغى للإمام أن يهادنهم على ما يخالف شروط عمر رضى الله عنه من غير ضرورة. فإنه هو القدوة فى هذا الباب. قال الموفق: "وينبغى للإمام عند عقد الهدنة أن يشترط عليهم شروطا نحو ما شرطه عمر رضى الله عنه، وقد رویت عن عمر رضى الله عنه فى ذلك أخبار منها ما رواه الخلال بإسناده، فذكر ما ذكرناه فى المتن اهـ" (٦٠٦:٧). لا بد من تمييز الكفار عن المسلمين فى عامة الهدى: وقد حكى ابن تيمية إجماع الفقهاء، وسائر الأئمة على مراعاة تلك الشروط، قال: