Indexed OCR Text
Pages 481-500
ج - ١٢ حكم عبدة الأوثان من العرب وأهل الردّة ٤٨١ - الله. فإذا فعلوا ذلك أحرزوا دمائهم، وأموالهم إلا بحقها، قال: وكان النبى عنّيّةٍ يقاتل مشركى الأعاجم حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإن أبوا فحتى يعطوا الجزية فيحرزوا دماءهم، وأموالهم)) قال ابن جريج: وقال آخرون: إنها نزلت فى مشركى العرب، خاصة دون الملل ثم نسختها ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، رواه أبو عبيد أيضا (ص٣١ رقم ٧٧)، وسنده حسن مع إرساله. ٤١٦٢- عن سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع أبى بكر أمره علينا رسول الله مَّ ◌ُلِّ فغزونا فزارة، وذكر الحديث بطوله - وفيه- ثم نظرت إلى عنق فيهم الذرارى، والمن هل هو باق أم لا؟ فقال بعضهم بنسخه بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، وهو قول أصحابنا الحنفية أيضا كما تقدم، فثبت بذلك أن المشركين من أهل العرب لا يسترقون بل حكمهم القتل إلا أن يسلموا. قوله: "عن سلمة بن الأكوع إلخ". فيه دلالة على استرقاق ذرية أهل الأوثان من العرب ولنساءهم، ودل على ذلك ما قد تقدم فى باب "من لا يجوز قتله" من أن النبى م ◌ّ نهى عن قتل الذرية والنساء أيضا. وقد عزى بعض المصنفين إلى الحنفية عدم جواز استرقاق العرب مطلقا، وليس بصحيح فقد صرح فى "الهداية" وغيرها باسترقاق نسائهم وذريتهم ولا بد منه فإنهم قالوا بحرمة قتل النساء والولدان، ولا يظن بهم القول بتركهم حربا علينا؛ فلا بد من القول باسترقاقهم. وبهذا ظهر ضعف . ما أورد عليهم المخالفون لهم من الأحاديث التى دلت على استرقاق الذرية والنساء من العرب - وهم أول قائل به- فمنه ما ذكره فى "المنتقى" عن أبى هريرة رضى الله عنه ((أن عائشة كانت عندها سبية من تميم، فقال رسول الله مَ له: ((أعقتيها فإنها من ولد إسماعيل)). متفق عليه. ففيه تصريح بكونها سبية، ومنه ما ورد فى سبى هوازن رواه أحمد والبخارى وأبو داود، ولكن يحتاج المستدل به إلى إثبات أن النبى عّ لِّ كمان قد قسم على المسلمين رجالهم كما قسم نسائهم وذريتهم - ودون إثباته خرط القتاد فإن الروايات إنما تدل على كون السبى ذرية ونساء، فلفظ موسى بن عقبة في مغازيه "ثم انصرف رسول الله مَ ◌ّه من الطائف فى شوال إلى الجعرانة، وبها السبى -أى سبى هوازن- وقدمت عليه وفد هوازن مسلمين ثم كلموه فقالوا: ((يا رسول الله! إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات والعمات والخالات وهن مخازى القوم)). ولفظ ابن إسحاق حدثنی عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال يا رسول الله! إن اللواتى فى الحظائر من ٤٨٢ حكم عبدة الأوثان من العرب وأهل الردّة إعلاء السنن فرميت بسهم بينهم وبين الجبل فوقفوا فجئت بهم أسوقهم إلى أبى بكر، وفيهم السبايا خالاتك وعماتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك - وأنت خير مكفول- ثم أنشده الأبيان المشهورة - أولها- فإنك المرء نرجوه وندخر امنن علينا رسول الله فى كرم يقول فيها: إذ فوك تملؤه من محضها الدرر امنن على نسوة قد كنت ترضعها ذكره الحافظ فى "الفتح" (٢٦:٨ و٢٧). وفى كل ذلك تصريح بما قلنا: إن السبى كانت نسوة وذرية لا رجالا، ومنه سبى بنى المصطلق أخرج قصتها أحمد والشيخان وابن إسحاق وغيرهم من أهل المغازى، والذى ثبت فى الصحيح أنه مَّهِ: إنما سبى نسائهم وولدانهم وقتل مقاتلتهم، فقد أخرج البخارى فى "كتاب العتق" من حديث ابن عمر بلفظ ((أن النبى معَّ أغار على بنى المصطلق، وهم غارون وأنعامهم يستقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم)). وذكر ابن إسحاق عن مشايخه عاصم بن عمر ابن قتادة وغيره («أنه عرّ خرج إليهم حتى لقيهم على ماء يقال له: المريسيع وقائدهم الحرث بن أبى ضرار فزاحف الناس واقتتلوا فهزمهم الله وقتل منهم، ونفل رسول الله مُ له نسائهم وأبناهم)) أى أخذهم غنيمة)، ذكره الحافظ فى "الفتح" أيضًا (٣٣٣:٧). ولا يرد عليه ما رواه ابن سعد بلفظ"فحملوا عليهم حملة واحدة فما أفلت منهم إنسان، بل قتل منهم عشرة وأسر الباقون رجالا ونساءاهـ"، كما فى "الفتح" فإنه إنما يدل على أسر الرجال ولا ننكره، وأما إنه استرق الرجال وقسمهم بين المسلمين كما قسم النساء والذرية فلا دلالة له عليه، وحديث ابن إسحاق ولفظ الصحيح صريح فى أنه قتل مقاتلتهم ونفل نساءهم وأبناءهم، فيمكن أن يكون من أسرهم من الرجال قتلهم أو من على بعضهم وفادى ببعضهم أسارى المسلمين. ومنه ما قاله أحمد رحمه الله، كما فى"المنتقى": لا أذهب إلى قول عمر:"ليس على عربى ملك قد سبى النبى عرّتّ العرب فى غير حديث، وأبو بكر وعلى حين سبى بنى ناجية اهـ. - قلت: أما إن النبى عدّ سبى العرب فنعم، ولكنه كان يضرب رقابهم أو يمن عليهم أو يفادى بهم المسلمين كما قال تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا (أى مشركى العرب)، فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم، فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء﴾ كانت هذه سيرته فى أسارى مشركى العرب حتى نزلت براءة من اللهير، وقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ ج - ١٢ حكم عبدة الأوثان من العرب وأهل الردّة ٤٨٣ امرأة من بنى فزارة معها ابنة لها من أحسن الناس فنفلنى ابنتها أخرجه مسلم (زيلعى ١٢٨:٢). الآية، فلم يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ولم يسترق رجالهم قط، كما تقدم إلا ما كان من النساء والذرية فاسترقهم ولم يقتلهم ولا تركهم حربا على المؤمنين. وكذلك أبو بكر رضى الله عنه لم يسترق رجال المرتدين قط بل قتلهم إذا تيقن بردتهم أو حبسهم إن عرض له شك فى ارتدادهم، وإنما سبى النساء والذرية واسترقهم، وكذلك على رضى الله عنه إنما استرق ذرية بنى ناجية، وقتل مقاتلتهم قال الإمام الطبرى فى "تاريخه": حدثنى على بن الحسن الأزدى حدثنا عبد الرحمن بن سليمان عن عبد الملك بن سعيد بن حاب عن الحر عن عمار الدهنى حدثنى أبو الطفيل ((قال: كنت فى الجيش الذى بعثهم على بن أبى طالب رضى الله عنه إلى بنى ناجية قال: فانتهينا إليهم فوجدناهم على ثلاث فرق. فقال أميرنا لفرقة منهم: ما أنتم؟ قالوا: نحن قوم نصارى لم نر دينًا أفضل من ديننا فثبتنا عليه. فقال لهم: اعتزلوا! ثم قال للفرقة الأخرى: ما أنتم؟ قالوا: نحن كنا نصارى فأسلمنا فثبتنا على إسلامنا. فقال لهم: اعتزلوا! ثم قال للفرقة الأخرى الثالثة ما أنتم؟ قالوا: نحن قوم كنا نصارى فأسلمنا فلم نر دينا هو أفضل من ديننا الأول. فقال لهم: فأسلموا فأبوا، فقال لأصحابه: إذا مسحت رأسى ثلاث مرات، فشدوا عليهم فاقتلوا المقاتلة واسبوا الذرية فجىء بالذرية إلى على فجاء مصقلة بن هبيرة فاشتراهم بمائتى ألف فجاء بمائة ألف فلم يقبلها على، فانطلق بالدراهم وعمد إليهم مصقلة فأعتقهم ولحق بمعاوية فقيل لعلى: ألا تأخذ الذرية فقال: لا، فلم يعرض لهم)) اهـ (٦ :٧٣). نعم كان قد التحق ببنى ناجية طائفة من أهل الذمة من النصارى وامتنعوا من أداء الجزية وكسروا الخراج فسباهم معقل بن قيس أمير الجند الذى بعثه على رضى الله عنه إلى بنى ناجية ولم يكن هؤلاء من العرب بل من العلوج، والأكراد. أخرج الطبرى فى"التاريخ: حدثنى عمر سن شبه حدثنا أبو الحسن عن على بن مجاهد عن الشعبى ((فذكر حديثا طويلا . .وفيه- وصف الخريت ابن راشد التاجى (رأس بنى ناجية وصاحب أمرهم) من معه من العرب فكانوا ميمنة وجعل أهل البلد والعلوج ومن أراد كسر الخراج وأتباعهم من الأكراد ميسرة قال: وسار فينا معقل بن قيس. يحرضنا، ويقول لنا: عباد الله! إنما تقاتلون مارقة مرقت من لدين وعلوجاً منعوا الخراج، وأكراد إنى آخره (٧١:٦ و ٧٢). ولا نزاع فى جواز استرقاق العلوج والأكراد ولم يثبت لنا من طريق صحيحة أن على بن ٤٨٤ إعلاء السنن حكم عبدة الأوثان من العرب وأهل الردّة ٤١٦٣- عن الواقدى بسنده من حديث خالد بن الوليد رضى الله عنه أنه قسم سهم بنى حنيفة خمسة أجزاء وقسم على الناس أربعة، وعزل الخمس حتى قدم به على أبى بكر، ثم ذكر من عدة طرق أن الحنفية (أم محمد ابن الحنفية) كانت من ذلك السبي. ذكره الحافظ فى "التلخيص الحبير." (٣٥٠:٢)، وسكت عنه، والواقدى مقبول فى المغازى، كما صرح به الحافظ فى "التلخيص" (٢٣١:١) أيضا وساق الزيلعى (١٥٣:٢)، أسانيده بأبسط وجه. ٤١٦٤ - حدثنا فضيل بن عياض عن ليث عن مجاهد "قال: يقاتل أهل الأوثان على الإسلام ويقاتل أهل الكتاب على الجزية". رواه يحيى بن آدم فى "الخراج" (ص٢٦ رقم ٤٦) ورجاله ثقات ولیث حسن الحديث، كما مر غير مرة. ٤١٦٥- عن ابن عباس قال: مرض أبو طالب فجاءته قريش، وجاءه النبى معَّ وشکوه إلى أبى طالب فقال: يا ابن أخى! ما تريد من قومك؟ قال: أريد منهم كلمة -.. أبى طالب رضى الله تعالى عنه كان قد سبى واسترق واحدا من رجال بنى ناجية، بل قتل مقاتلتهم وسبى ذريتهم، كما قدمنا، والله تعالى أعلم ... قوله: "عن الواقدى بسنده إلخ" فيه دلالة على جواز استرقاق ذرية المرتدين ونساءهم، ولو كانوا عربًا. وهو المذهب كما صرح به فى "الهداية" حيث قال: "ولا توضع على عبدة الأوثان من العرب، ولا المرتدين، وإذا ظهر عليهم فنساؤهم وصبيانهم فى ءاهـ" قال المحقق فى "الفتح": "لأن النبى څ﴾ استرق ذرارى أوطاس وهوازن، وأبو بكر استرق بنى حنيفة، ثم أسنده عن الواقدى بأسانيده" (٢٩٣:٥). قوله: "حدثنا فضيل بن عياض إلخ" قلت: أراد بأهل الأوثان عبدة الأصنام من العرب یدليل الآثار التى قدمناها، وبدليل ما سيأتى وبأهل الكتاب كلهم عربا كانوا أو عجما. قال أبو عبيد: "فعلى هذا تتابعت الآثار عن رسول الله عَّ والخلفاء بعده فى العرب من أهل الشرك أن من كان منهم ليس من أهل الكتاب فإنه لا يقبل منه إلا الإسلام أو القتل، كما قال الحسن. وأما العجم فتقبل منهم الجزیة، وإن لم یکونوا أهل كتاب اه" (ص٣٠ رقم ٧٤). قوله: "عن ابن عباس إلخ". قلت: فيه مقابلة العرب بالعجم فذكر فى العرب أنها تدين لقريش، وفى العجم أنها تؤدى إليها الجزية، فدل على أن لا جزية على العرب، وأنها تؤخذ من ج - ١٢ حكم عبدة الأوثان من العرب وأهل الردّة ٤٨٥ تدين لهم بها العرب وتؤدى إليهم بها العجم الجزية. قال: كلمة واحدة، قولوا: لا إله إلا الله، قالوا: إلها واحدًا؟ ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق. قال: فنزل فيهم القرآن ﴿ص والقرآن ذی الذ کر﴾ إلى قوله- ﴿إن هذا إلا اختلاق﴾. رواه أحمد والترمذى. وقال: حديث حسن (المنتقى)، وفى "نيل الأوطار" (٢٦٦:٧): أخرجه النسائى أيضا، وصححه الترمذى والحاكم اهـ. العجم مطلقا أهل كتاب كانوا أو عبدة الأوثان. والمراد بالعرب من كان منهم ينتحل ملة إبراهيم ويحج البيت، فإن أصل العرب كانوا كذلك. وأما النصارى واليهود والمجوس منهم، فلا يطلق عليهم العرب بل يقال لهم: "العرب المتنصرة" ونحوه والمتبادرة من العرب إنما هو ما ذكرناه كما. لا يخفى. قال فى "البحر": "والمراد بالعربى عربى الأصل - وهم عبدة الأوثان- وأنهم أميون، كما وصفهم الله تعالى فى كتابه، فخرج الكتابى، فأهل الكتاب وإن سكنوا فيما بين العرب وتوالدوا، فهم ليسوا بعربى الأصل اهـ (٥: ١١١). فاندحض بذلك ما قاله ابن حزم فى "المحلى": إن هذا الخبر ليس على عمومه، وأنه عليه السلام إنما عنى بأداء الجزية بعض العجم لا كلهم بدليل قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشر کین حیث وجدتموهم﴾ اهـ ملخصًا (٣٤٦:٧). قلنا: أمر الله تعالى فى هذه الآية بقتل المشركين أو يسلموا، وأنتم قائلون بجواز استرقاق الوثنى من العجم لا نعلم فيه خلافًا فكان الأمر مختصا بمشرکی .. العرب إجماعًا. وفى "الكفاية" شرح "الهداية": قوله: "فالمعجزة فى حقهم" - أى العرب- أظهر لأنه نشأ بين أظهرهم، وكانوا أعرف بحاله قبل بعثه حتى كانوا يسم ونه أمينا (صادقًا) وكانوا يعرفونه محترزا عن الكذب غاية الاحتراز فمن كان محترزا عن الكذب على العباد لا يكذب على .. الله تعالى. والقرآن نزل بلغتهم وكانوا أعرف بفهم معانيه وأعلم ببلاغته وإعجازه، فكانت الحجة. عليهم ألزم. فإن قيل: على هذا وجب أن لا تقبل الجزية من العرب وإكانوا من أهل الكتاب وإن سكنوا فیما بین العرب وتوالدوا فیهم ليسوا بعربی الأصل فالنبی مێ صالح بنی نجران و كذا عمر رضى الله عنه أخذ الجزية من نصارى بنى تغلب، وهم عرب لكن لا باعتبار الأصل. وإنما العرب فى الأصل هم عبدة الأوثان وأنهم أميون كما وصفهم الله تعالى فى كتابه وأهل الكتاب جنایتهم فى الكفر أخف من جناية عبدة الأوثان لإقرارهم ببعض الرسل، والكتاب ألا ترى أنه تحل منا کحتهم وذبيحتهم بهذا القدر. فذلك ثبت هذا النوع من التخفيف اهـ. " (٢٩٣:٥ مع "الفتح"). ٤٨٦ حكم عبدة الأوثان من العرب وأهل الردّة إعلاء السنن ٤١٦٦- عن معاذ أن النبى عَّ له قال يوم حنين: ((لو كان الاسترقاق جائزا على العرب لكان اليوم إنما هو أسر أو فدا)). وذكره الشافعى فى القديم عن الواقدى عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمى عن أبيه عن السلولى عن معاذ وأخرجه البيهقى من طريق الواقدى أيضا. رواه الطبرانى فى الكبير من طريق أخرى فيها يزيد بن عياض وهو أشد ضعفا من الواقدى، كذا فى "التلخيص الحبير" (٣٧٣:٢). قلت: الواقدى عندنا کابن إسحاق سواءً كما ذكرنا فى المقدمة فالحدیث حسن وله شواهد. ٤١٦٧- أخبرنا معمر عن الزهرى: ((أن النبى عّ لّ صالح عبدة الأوثان على الجزية إلا من كان منهم العرب)). أخرجه عبد الرزاق (الجوهر النقى ٢٠٩:٢)، وهو مرسل صحيح. قوله: "عن معاذ إلخ" دلالة الحديث على عدم جواز الرق على العرب ظاهرة. قوله: "أخبرنا معمر إلخ" دلالته على عدم قبول الجزية من أهل الأوثان من العرب ظاهرة. وهو المذهب، كما مر. وفيه دلالة أيضًا على وجود أهل الأوثان فى العرب بعد نزول حكم الجزية، كما هو المتبادر منه فإن معناه إلا من كان من عبدة الأوثان من العرب فإنه لم يصالحهم على الجزية. الجواب عن قول ابن القيم أن النبى معَّه لم يأخذ الجزية من مشركى العرب لنزول فرضها بعد أن أسلمت دارة العرب کلها فاندحض به ما ذكره بعض من أجاز أخذ الجزية منهم أن النبى مّ لّه إنما لم يأخذها من مشركى العرب، لأنها إنما نزل فرضها بعد أن أسلمت دارة العرب. ولم يبق فيها مشرك فإنها نزلت بعد فتح مكة ودخول العرب فى دين الله أفواجاً فلم يبق بأرض العرب مشرك. ولهذا غزا بعد فتح تبوك وكانوا نصارى ولو كان بأرض العرب مشركون لكانوا يلونه، وكانوا أولى بالغزو من الأبعدين، ومن تأمل السير وأيام الإسلام علم أن الأمر كذلك، فلم تؤخذ منهم الجزية لعدم من يؤخذ منه لا، لأنهم ليسوا من أهلها، كذا فى "زاد المعاد" لابن القيم (٣٣٦:١). قلت: ولعلك لن ترى ولن تسمح بأعجب من هذا الكلام وأغرب منه، فإن ابن القيم نفسه قد صرح بأن النبى عّ لّه قدم المدينة من تبوك فى رمضان وقدم عليه فى ذلك الشهر وفد ثقيف -وهم كفار- وقد كان فيما سألوا رسول الله عَّ أن يدع لهم الطاغية -وهى اللات- لا يهدمها ثلاث سنين. وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهاءهم ونساءهم وذراريهم، ويكرهون أن يرعوا قومهم بهدمها، حتى يدخلها الإسلام، وقد كانوا يسألونه مع ترك ٤٨٧ حكم عبدة الأوثان من العرب وأهل الردّة ج - ١٢ ٤١٦٨- حدثنا أبو بكر بن عياش حدثنا أبو حصين عن الشعبى، قال: لما قام عمر، قال: ليس على عربى ملك، ولسنا بنازعى من يد رجل شيئا أسلم عليه، ولكنا نقومهم الملة خمسا من الإبل. رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص١٣٣ رقم ٢٥٨). الطاغية أن يعفوهم من الصلاة، كذا فى "زاد المعاد" (ص٤٥٨). وفيه دليل على أنه مرّ ◌ُلِّ خرج إلى تبوك، وفى العرب مشركون، بل ورجع من تبوك، وفى العرب مشر کون، فإن غزوة تبوك کانت سنة تسع فی رجب، وعند ابن عائذ من حديث ابن عباس أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر قاله الحافظ فى "الفتح" (٨٤:٨). وقال ابن إسحاق: " لما افتتح رسول الله مطفي مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقیف وبایعت، ضربت إليه الوفود من كل وجه، كذا فى "سيرة ابن هشام" (٣٥٤:٢). فثبت أن رسول الله عَّ ◌ُلِّ غزا تبوك وأرض العرب ملأى من عبدة الأوثان، وإنما دخلوا فى دين الله أفواجًا، وبعثوا إليه الوفود بعد مرجعه من تبوك. وأما قوله: "ولو كان بأرض العرب مشركون لكانوا يلونه وكانوا أولى بالغزو من الأبعدين اهـ". فذلك حيث لم يكن بالبداءة بالأبعدين سبب وعلة وإلا فيبدأ بهم. ألا ترى أنه مَ لّه بعث زيد بن حارثة وجعفر بن أبى طالب فى ثلاثة آلاف إلى أرض الشام بمؤتة، بعد مرجعه من خيبر. وذلك قبل فتح مكة بسبب قد ذكره أصحاب الفتوح والسير، فكذلك غزا تبوك، وبدأ بالأبعدين بسبب فى ذلك، وهو ما ذكره ابن سعد وشيخه وغيره، قالوا: بلغ المسلمين من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة، أن الروم جمعت جموعا، وأجلبت معهم لحم وجذام وغيرهم من متنصرة العرب، وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء فندب النبى ◌ّ الناس إلى الخروج، وأعلمهم بجهة غزوهم ذكره الحافظ فى "الفتح" (٨٥:٨). هل كفاك أو أزيدك؟ فقد أخرج الطبرى فى "تاريخه": حدثنا ابنّ حميد حدثنا سلمة حدثنى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر قال: ((بعث رسول الله عَّه فى شهر ربيع الآخر أو فى جمادى الأولى من سنة عشر إلى بلحارث بن كعب وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام فإن لم يفعلوا فقاتلهم)) الحديث (٣: ١٥٦). ولم يأمره بأن يدعوهم إلى الجزية لكون القوم مشركين وعبدة الأوثان من العرب، وذلك بعد تبوك بسنة أو نحوها فكيف يدعى ابن القيم رحمه الله أن النبى عدّ له إنما لم يأخذها من مشركى العرب لأنها إنما نزل فرضها بعد أن أسلمت دارة العرب، ولم يبق فيها مشرك اهـ، فهل هذا إلا تجازف أو رجم بالغيب. قوله: "حدثنا أبو بكر بن عياش إلخ" قلت: دلالة قوله ◌ّ ◌ُلّه: ليس على عربى ملك على ٤٨٨ حكم عبدة الأوثان من العرب وأهل الردّة إعلاء السنن عدم جواز استرقاق العرب ظاهرة. قال أبو عبيد رحمه الله: "فهذه أحكام الأسارى المن. والفداء والقتل، وكانت هذه فى العرب خاصة لأنه لا رق على رجالهم وبذلك مضت سنة رسول .. الله مرّظله، أنه لم يسترق أحدا من ذكورهم وكذلك حكم عمر فيهم أيضا حتى رد سبى أهل الجاهلية وأولاد الإماء منهم أحرار إلىّ عشائرهم على فدية يؤدونها إلى الذين أسلموا. وهم فى أيديهم قال: وهذا مشهور من رأيه اله" (ص١٣٣). قلت: وحاشا عمر رضى الله عنه أن يرى ما لا يستند فيه إلى نص من رسول الله عّ لّ فرأيه ذلك يؤيد ما رواه الواقدى والطبرانى عن معاذ رضى الله عنه مرفوعًا وقوله: "لكنا نقومهم الملة خمسًا إلخ" أراد بالملة الدية والفداء، كما فى "النهاية" وجمعها ملل. قال الأزهرى: كان أهل الجاهلية يطفون الإماء ويلدن لهم فكانوا ينسبون إلى آباءهم، وهم عزب فرأى عمر رضى الله عنه أن يردهم على آباءهم فيعتقون ويأخذ من آباءهم لمواليهم عن كل واحد خمسًا من الإبل، كذا فى حاشية "الأموال". وأثر الشعبى هذا أخرجه يحيى بن آدم فى "الخراج" (ص٢٩) بهذا السند بعينه ولكن وقع فيه تصحيف من الكاتب فى لفظ الملة فكتبه (أتعملةً) ولذا اضطر محشى الخراج إلى قوله :. "لم نفهم معنى هذه الجملة". وقال الإمام الشافعى رحمه الله فى "الأم": "إذا قول أهل الحرب من العجم جرى السباء على ذراريهم ونسائهم ورجالهم، لا اختلاف فى ذلك. وإذا قوتلوا، وهم من العرب فقد سبا رسول الله عَّ له بنى المصطلق وهوازن وقبائل من العرب. وأجرى عليهم الرق حتى من علیهم بعد. فاختلف أهل العلم بالمغازى، فرغم بعضهم أن النبى مێ لما أطلق سبی هوازن، قال: لو كان تاما على أحد من العرب سبى لتم على هؤلاء، ولكنه أسار وفداء. فمن أثبت هذا الحديث زعم أن الرق لا يجرى على عربى بحال، وهذا قول الزهرى وسعيد بن المسيب والشعبى ويروى عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز. قال الشافعى: أخبرنا سفيان عن يحيى بن يحيى الغسانى عن عمر بن عبد العزيز قال: وأخبرنا سفيان عن الشعبى ((أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: لا يسترق عربى)). قال الربيع: قال الشافعى: ولولا أنا نأثم بالتمنى لتمنينا أن يكون هذا ... هكذا. قال الشافعى: أخبرنا ابن أبى ذئب عن الزهرى عن ابن المهيب أنه قال فى المولى ينكج الأمة: يسترق ولده، وفى العربى ينكحها: لا يسترق ولده وعليه قميتهم اهـ (١٨٦:٤). قلت: وقد صرح علماؤنا بعدم استرقاق من يؤشر فى الحرب من مشركي العرب من .. الرجال. وأما إنه لا يسترق ولد العربى من أمة تزوجها بإذن مؤلاها، فلم أره صريحًا فى كلامهم .... ج - ١٢ حكم عبدة الأوثان من العرب وآهل الردّة ٤٨٩ ٤١٦٩- حدثنا معاذ عن ابن عون قال: أنبأنا غاضرة العنبرى، "قال: أتینا عمر فى نساء أو إماء مباعين فى الجاهلية، فأمر بأولادهن أن يقوموا على آباءهم، وأن لا يسترقوا". رواه أبو عبيد (ص١٢٤ رقم ٣٦٠)، وسنده صحيح موصول وغاضرة العنبرى ثقة، كما فى "تعجيل المنفعة" (ص٣٢٩). ٤١٧٠- حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب "أن عمر فرض على كل إنسان فودى من العرب بست قلائص وكان يقضى بذلك فيمن تزوج الوليدة من العرب أن يفادى كل إنسان بست قلائص قال أبو عبيد: يعنى أولادهم من الإماء" (كتاب الأموال ص١٢٤ رقم ٣٦٢)، وهذا مرسل صحيح. ٤١٧١- حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد عن عمرو بن الحارث قال: كتبت إلى ربيعة بن أبى عبد الرحمن أسأله عن المجوس كيف ثبتت عليهم الجزية؟ وكيف تركوا مشركى العرب؟ فكتب إلى ربيعة: قد كان لك فى أمر من قد مضى ما يغنيك عن المسألة عن مثل هذا" رواه أبو عبيد فى الأموال (ص٣٦ رقم ٩٢) أيضًا، وسنده حسن وعمرو بن الحارث هو ابن أيوب المصرى ثقة فقيه من السابعة (تقريب ص١٥٧). ٤١٧٢- عن سعید بن عمرو بن سعید بن العاص عن أبيه عن جده أنه سمع عمر يقول: لولا أنى سمعت رسول الله عَ ◌ّه يقول: إن الله تبارك وتعالى سيمنع الدين بنصارى(١) من ربيعة على شاطىء الفرات ما تركت عربيا إلا قتلته أو يسلم رواه أبو عبيد فى "الأموال" (٥٤٢ رقم ١٦٩٨) هكذا معلقا واحتج به، والمحدث لا يحذف من أول قوله: حدثنا معاذٍ وقوله: حدثنا عبد الله بن صالح إلخ. دلالتهما على عدم استرقاق العرب ظاهرة. قوله: "حدثنا عبد الله بن صالح ثانيا إلخ". فيه دلالة على أن الصحابة ومن بعدهم من الخلفاء أخذوا الجزية من المجوس ولم يأخذوها من مشركى العرب. قوله: "عن سعيد بن عمرو إلخ". فيه دلالة على أن لا يقبل من مشركى العرب إلاّ الإسلام أو السيف، وإنما وضع عمر رضى الله عنه على نصارى العرب من بنى تغلب وبنى تنوخ ما وضعه اتباعًا لما سمعه من النبى عَّ ◌ُّه، ولولا ذلك لم يقبل منهم إلا السيف أو الإسلام وهذا هو قول أئمتنا). (١) هم بنو تغلب الذين أنفوا من الجزية فصالحهم عمر رضى الله عنه على الصدقة المضاعفة. ٤٩٠ حكم عبدة الأوثان من العرب وأهل الردّة إعلاء السنن الإسناد إلا ما كان سالما من العلة، ولا يحتج إلا بما هو صحيح صالح عنده، والمذكور من السند صحيح على شرط مسلم. ٤١٧٣- عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((لا يقبل من مشركى العرب إلا الإسلام أو السيف)). وذكر محمد بن الحسن عن يعقوب عن الحسن عن مقسم عن ابن عباس وقال: أو القتل مكان أو السيف. ذكره المحقق فى "فتح القدير" (٢٩٣:٥). ويعقوب هو الإمام أبو يوسف القاضى والحسن هو ابن عمارة، وهو کما مر ذكره. قوله: "عن ابن عباس إلخ". دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة. وأما أهل الردة، فلا توضع على الرجال البالغين منهم الجزية ولا يسترقون لأنهم لا يتركون أحياء، بل يجب قتلهم إن لم يراجعوا الإسلام، كما سيأتى فى أحكام المرتدين، وأما ذراريهم ونساءهم فيسترقون، ولا يقتلون، كما فعله أبو بكر الصديق رضى الله عنه فى بنى حنيفة ونساءهم وصبيانهم، وقسمهم بین الغانمین، کما مر ذكره. تحقيق الصائبين وتأييد قول الإمام: فائدة: قال أبو عبيد: إن النبى مرُّّ خص عرب أهل الكتاب بالجزية دون من لا کتاب له، ثم لم يرض من سائرهم إلا بالإسلام أو القتل، وعم العجم من ذوى الكتب ومن لا كتاب له بقبول الجزية منهم، وهم المجوس فقال قائلون: لم يقبلها النبى معَّ له منهم إلا وهم أهل كتاب. وتأولوا قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ الآية، ورووه عن على أنه قال: "هم أهل كتاب"، وقد عرفنا الوجه الذین روی هذا منه وليس مثله يحتج به إنما هو من حديث سعيد بن المرزبان، والذی عندنا أنه ليس بمحفوظ عن على، ولو كان له أصل ما حرم رسول الله م ◌ّ ذبائحهم ولا منا کحتهم، ولكان هو أولى بعلم ذلك. وليس هذا (أى أخذ الجزية من المجوس)، بخلاف الكتاب فإن شرائع القرآن كلها إنما نزلت جملا حتى فسرتها السنة. فعلى هذا ما كان أخذه مُ ◌ّ بالجزية من العجم كافة إن كانوا أهل الكتاب أو لم يكونوا وتركه أخذها من العرب إلا أن يكونوا أهل كتاب فلما فعل ذلك استدللنا بفعله على أن الآية التى نزل فيها شرط الكتاب على أهل الجزية إنما كانت خاصة للعرب وأن العجم تؤخذ منهم الجزية على كل حال ومما يبين ذلك إجماع الأمة على قبولها من الصائبين بعده، وليس يشهد لهم القرآن بكتاب، وإنما نرى الناس فعلوا ذلك واستجازوه استنانا بالنبى معَِّ فى أمر المجوس وتشبيهًا بهم لأن المسلمين أو أكثرهم على كراهية ذبائحهم ومنا كحتهم ٤٩١ حكم عبدة الأوثان من العرب وأهل الردّة ج - ١٢ يروى عن مقسم بواسطة الحكم عنه فلعل فى الإسناد سقطا من الناسخين، أو رواه لأنهم عندهم فى حد المجوس. حدثنا هشيم قال أخبرنى مطرف قال: كنا عند الحكم بن عتيبة، فحدثه رجل عن الحسن البصرى أنه كان يقول فى الصابئين: هم بمنزلة المجوس فقال الحكم: أليس قد كنت أخبرتكم بذلك (مطرف هو ابن طريف ثقة فاضل من رجال الجماعة تق ص٢٠٨) حدثنا عباد بن العوام عن حجاج (هو ابن أرطاة) عن القاسم بن أبي بزة (من رجال الجماعة ثقة من الخامسة تق ص ١٧٠) عن مجاهد قال: الصابئون قوم من المشركين بين اليهود والنصارى ليس لهم کتاب (سنده حسن) قال أبو عبيد: و کذلك یروی عن الأوزاعی أنه کان یقول: کل دین بعد الإسلام سوى اليهودية والنصرانية فهم مجوس. يقول: أحكامهم كأحكامهم. وهو قول مالك أيضا. واختلف فيه أهل العراق فأكثرهم يجعل الصابئين بمنزلة المجوس، وقالت طائفة منهم: هم كالنصارى، حدثنا يزيد (هو ابن هارون) عن حبيب بن أبى حبيب (هو البصرى الحرمی من رجال مسلم والنسائى وثقه غير واحد) (تهذيب ٢: ١٨٠) عن عمرو بن هرم (ثقة من رجال مسلم والنسائى والترمذى تق (ص ١٦١) عن جابر بن زيد (أبى الشعثاء ثقة فقيه تق ص ٢٧) أنه سئل عن الصابئين أ من أهل الكتاب هم وطعامهم ونساءهم حل للمسلمين؟ فقال: نعم اهـ (ص٥٤٤ وص ٥٤٦) ملخصا. قلت: وأسند الطبرى فى تفسيره عن الحسن أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة وعن قتادة نحوه قال: وحدثنى المثنى ثنا آدم ثنا أبو جعفر عن الربيع عن أبى العالية قال: الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرأون الزبور، حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا أبى عن سفيان قال: سئل السدى عن الصابئين فقال: هم طائفة من أهل الكتاب اهـ (٢٥٣:١). قلت: سفيان بن وكيع ليس بذلك ضعفه غير واحد، وفى "أحكام القرآن" للجصاص (٣٢٨:٢) ما نصه: وقد اختلف فى الصابئين هم من أهل الكتاب أم لا؟ فروى عن أبى حنيفة أنهم أهل كتاب. وقال أبو يوسف ومحمد: ليسوا بأهل كتاب وكان أبو الحسن الكرخى يقول: الصابئون الذين هم عنده من أهل الكتاب قوم ينتحلون دين المسيح ويقرأون الإنجيل. فأما الصابئون الذين يعبدون الكواكب، وهم الذين بناحية "حران"، فإنهم ليسوا بأهل كتاب عندهم جميعا، قال أبو بكر: الصائبون الذين يعرفون بهذا الاسم فى هذا الوقت، ليس فيهم أهل كتاب وانتحالهم فى الأصل واحد -أعنى - الذين بناحية حران والذين بناحية البطائح فى سواد واسط، وأصل اعتقادهم تعظيم الكواكب السبعة، وعبادتها واتخاذها آلهة، وهم عبدة الأوثان فى الأصل إلا أنهم منذ ظهر ٤٩٢ حكم عبدة الأوثان من العرب وأهل الردّة إعلاء السنن الحسن عن مقسم مرسلا، وإنما ذكرناه اعتضادا لا احتجاجاً به وإن كان احتجاج المجتهد تصحيحا له، كما ذكرناه فى "المقدمة". الفرس على إقليم العراق وأزالوا مملكة الصابئين وكانوا نبطا لم يجسروا على عبادة الأوثان ظاهراً. لأنهم منعوهم من ذلك، وكذلك أهل الروم والشام الجزيرة كانوا صابئين فلما تنصر قسطنطين حملهم بالسيف على الدخول فى النصرانية، فبطلت عبادة الأوثان من ذلك الوقت، ودخلوا في غمار النصارى فى الظاهر، وبقى كثير منهم على تلك النحلة مستخفين بعبادة الأوثان فلما ظهر الإسلام دخلوا فى جملة النصارى، ولم يميز المسلمون بينهم وبين النصارى إذ كانوا مستخفين بعبادة الأوثان کاتمين لأصل الاعتقاد، وهم أکتم الناس لاعتقادهم ولهم أمور وحيل فى صبيانهم إذا عقلوا فی کتمان دينهم. الإسماعيلة أخذت مذهبها عن الصابئين: وعنهم أخذت الإسماعيلة كتمان المذهب وإلى مذهبهم انتهت دعوتهم، وأصل الجميع اتخاذ الكواكب السبعة آلهة، وعبادتها واتخاذها أصناما على أسماءها لا خلاف بينهم فى ذلك وإنما الخلاف بين الذين بناحية حران وبین الذین بناحية البطائح فی شیء من شرائعهم، ولیس فيهم أهل كتاب، فالذى يغلب فى ظنى فى قول أبى حنيفة فى الصابئين أنه شاهد قوما منهم أنهم يظهرون أنهم من النصارى، وأنهم يقرأون الإنجيل، وينتحلون دين المسيح تقية، لأن كثيرا من الفقهاء لا يرون إقرار معتقدى مقالتهم بالجزية، ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف. ومن كان اعتقاده من الصابئين ما وصفنا، فلا خلاف بين الفقهاء أنهم ليسوا أهل كتاب، وأنه لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنکح نساءهم اهـ. قلت: ويمكن أن يقال فى دليل أبى حنيفة: إن الله تعالى قد فرق فى اللفظ بين المشركين، وبين أهل الكتاب والصابئين والمجوس بقوله: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا﴾، فعطف بالمشركين على هذه الأصناف، فدل ذلك على أن إطلاق هذا اللفظ أى المشركين يختص بعبدة الأوثان وأن المعطوفين عليهم ليسوا بعبدة الأوثان، ثم قام الدليل على حرمة ذبائح المشركين والمجوس ومناكحتهم، وعلى حل طعام أهل الكتاب، ونساءهم لنا، ولم يقم فى حق الصابئين شىء، ولا سبيل إلى إثبات الحرمة بالشك، والأصل فى الأشياء الإباحة، فقال: بحل ذبائح الصابعين ومنا کحتهم حتى يقوم دليل الحرمة، ومما يؤيد كون الصابئين من أهل الكتاب ذكره تحالى إياهم بين اليهود والنصارى فى هذه الآية التى جمعت بين الأصناف كلها، والله تعالى أعلم. ج - ١٢ ٤٩٣ باب لا جزية على صبى ولا امرأة ولا علی زمن وأعمی وشيخ كبير ولا على فقير غير معتمل ٤١٧٤- حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا أيوب السختياني، عن نافع عن أسلم مولى عمر أن عمر رضى الله عنه كتب إلى أمراء الأجناد أن يقاتلو فى سبيل الله، ولا يقاتلوا إلا من(١) قاتلهم ولا يقتلوا النساء ولا الصبيان، ولا يقتلوا إلا من جرت عليه المواسى، وكتب إلى أمراء الأجناد أن يضربوا الجزية، ولا يضربوها على النساء والصبيان وكل ذلك حكم الصابئين الموجودين حين ينزل القرآن. ويمكن أن يكون قد تولدت بعدهم فرقة سمعت نفسها بهذا الاسم، وتبدلت من طريقة المسمى إلى طريق غيرها، كما تبدلت نصارى زماننا من مذهب أهل الكتاب إلى مذهب الدهرية الملاحدة، فلا يجدى بقاء الاسم إذا تبدل المسمى، فافهم، والله تعالى أعلم. باب لا جزیة علی ھبی ولا مرأة ولا علی زمن وأ عمی وشيخ كبير ولا على فقير غير معتمل قوله: "حدثنا إسماعيل بن إبراهيم إلخ". دلالته على أن لا جزية على النساء والصبيان ظاهرة، وقال القاضى ابن رشد فى "بداية المجتهد" (٢٣٨:١): المسألة الثانية: وهى أى الأصناف من الناس تجب عليهم الجزية فإنهم اتفقوا على أنها إنما تجب بثلاثة أوصاف الذكورية والبلوغ والحرية وإنها لا تجب على النساء ولا على الصبيان. وكذلك أجمعوا أنها لا تجب على العبيد اهـ. وقال الموفق فى "المغنى". ولا جزية على صبى، ولا زائل العقل، ولا امرأة لا نعلم بين أهل العلم خلافا فى هذا وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعى وأبو ثور. قال ابن المنذر: ولا أعلم عن غيرهم خلافهم وقد دل على صحة هذا أن عمر رضى الله عنه كتب إلى أمراء الأجناد فذكر ما ذكرنا، وقال: رواه سعيد وأبو عبيد والأثرم وقول النبى معَ ◌ّهِ: ((خَذَ من كل حالم دينارًا)) دليل على أنها لا تجب على غير بالغ ولأن الجزية تؤخذ لحقن الدم وهؤلاء دماءهم محقونة بدونها اهـ (٥٨٢:١٠). فإن قيل: قد ورد فى بعض طرق حديث معاذ ذكر الحالمة والعبد وهو يقتضى وجوب الجزية على النساء والعبيد قلنا: قال أبو عبيد فى "الأموال". وقد جاء فى كتاب النبى ◌ٍّ إلى معاذ (١) أى ولا يقاتلوا ولا يقتلوا من لا يقاتلهم من النساء والصبيان والزمنى والشيوخ والرهبان وأصحاب الصوامع الذين ليسوا من ٤٩٤ أى الأصناف من الناس تجب عليهم الجزية ومن لا تجب عليهم إعلاء السنن ولا يضربوها إلا على من جرت عليه المواسى))، رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٣٦ رقم ٩٣)، وإسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية ثقة من رجال الصحيح، والجماعة والباقون لا يسأل عنهم، فالسند صحیح موصول. باليمن الذى ذكرنا أن على حالم دينارًا، فيه تقوية لقول عمر ألا ترى أنه معدّ ل خص الحالم دون المرأة والصبى، إلا أن فى بعض ما ذكرناه من كتبه الحالم والحالمة، فنرى والله أعلم: أن المحفوظ المثبت من ذلك هو الحديث الذى لا ذكر للحالمة فيه لأنه الأمر الذى عليه المسلمون وبه كتب عمر إلى أمراء الأجناد فإن يكن الذى فيه ذكر الحالمة محفوظًا فإن وجهه عندى، والله أعلم أن يكون ذلك كان فى أول الإسلام إذا كان نساء المشركين، وولدانهم يقتلون مع رجالهم، وقد كان ذلك، ثم نسخ اهـ (ص٣٧). وعندنا هو محمول على جزية الصلح. وقد نص أبو بكر الجصاص على أنه يجوز أخذها من النساء على وجه الصلح، وانظر بحث الجزية وافيا فى "أحكام القرآن" له (٩٠:٣-١٠٣). وقد أدعى العلامة ابن القيم فى "زاد المعاد" (٣٣٧:١)، والعلامة ابن التركمانى فى "الجوهر النقى" (٢١٠:٢). مسروق عن معاذ متصل: إن حديث مسروق عن معاذ الذى فيه ذكر الحالمة حديث منقطع، لأن مسروقا لم يلق معاذا، اعتمادا على ما نقله عبد الحق عن ابن البر، وهذا مردود بما نقله ابن القطان من أنه لم يجد ذلك فى كلام ابن عبد البر، بل الموجود فى كلامه أن الحديث الذى من رواية مسروق عن معاذ متصل كذا فى "تهذيب التهذيب" (١١١:١٠). والصحيح أن يعتمد فى ذلك على قول معمر فإنه هو الذى روى ذلك عن الأعمش عن أبى وائل عن مسروق عن معاذ وعن الأعمش عن شقيق بن سلمة عن مسروق عنه ثم قال معمر: هذا أى قوله:" حالمة غلط ليس على النساء شىء، كذا فى"نصب الراية" (١٥١:٢). نعم وقع ذلك فى مرسل عروة بن الزبير ومرسل الحكم ومرسل الحسن البصرى ومرسل معاوية بن قرة وعبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عند أبى داود فى "مراسيله"، وعند أبى عبيد فى "الأموال" وابن زنجويه فى " كتاب الأموال" له، وعند الطبرى فى "تاريخه"، وفى بعض هذه المراسيل ذكر العبد والأمة أيضا. وإذا تعدد طرق المرسل كان حجة عند الكل، ولكنه كان على طريق الصلح، فإن اليمن إنما فتحت صلحا كما مر ذكره، فتذكر. وقد ذكر طرق المراسيل أكثرها الزيلعى فى "نصب الراية" (١٥١:٢)، والطبرى فى"التاريخ" (١٥٧:٣). الرد على ابن حزم: وشذ ابن حزم فقال بوجوب الجزية على النساء والعبيد بدليل أثر معاذ، ج - ١٢ أى الأصناف من الناس تجب عليهم الجزية ومن لا تجب عليهم ٤٩٥ ٤١٧٥- حدثنا الهيثم بن عدى عن عمر بن نافع حدثنى أبو بكر العبسى صلة بن زفر "قال: أبصر عمر رضى الله عنه شيخا كبيرا من أهل الذمة يسأل فقال له: مالك؟ قال: ليس لى مال، وإن الجزية تؤخذ منى، فقال له عمر: ما أنصفناك، أ كلنا شبيبتك ثم نأخذ منك الجزية. ثم كتب إلى عماله -أن لا يأخلوا الجزية من شيخ كبير-". رواه ابن زنجويه فى "الأموال" له (فتح القدير ٢٩٤:٥) و(الزيلعى ١٥٥:٢). وأخرجه أبو يوسف الإمام فى "الخراج" له (ص١٥٠) قال: حدثنى عمر بن نافع عن أبى بكر فذكره أطول منه. وفيه شيخ كبير ضرير البصر، وزاد: ووضع الجزية عنه وعن ضربائه قال: وقال أبو بكر: أنا شهدت ذلك من عمر ورأيت ذلك الشروخ اهـ" وعمر بن نافع هذا ذكره ابن حبان فى الثقات والساجى وابن الجارود فى "الضعفاء" (تهذيب ٧: ٥٠٠)، فالأثر حسن الإسناد، وله شاهد. كما فى "المحلى" (٣٤٧:٧). ولا حجة له فيه فإن حديث معاذ إنما هو فى الجزية التى توضع بطريق الصلح والتراضى ولا نزاع فيها، وإنما الكلام فى الجزية التى يبتدئ الإمام بوضعها وهى لا توضع إلا على الرجال الأحرار دون النساء والعبيد، بدليل ما ذكرنا من الآثار. وأما الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون﴾، فقد ذكرنا أنه فى حق من هو من أهل القتال وأجمعوا على ذلك. وابن حزم أيضا لا يقول بوجوب الجزية على الصبيان فكذلك النساء، فافهم. قوله: "حدثنا الهيثم بن عدى إلخ" قلت: الهيثم بن عدى هذا ليس بثقة وترجمته مستوفاة فى "اللسان" (٢٠٩:٦). ولكن الأثر رواه الإمام أبو يوسف عن عمر بن نافع فسقط الهيثم من البين ولهذا حكمت بحسن الإسناد ولولا متابعة أبى يوسف للهيثم لم أحكم بذلك. والعجب من الحافظ ابن حجر أنه ذكر هذا الأثر فى "الدراية" (ص٢٧١) وعزاه إلى "الأموال" لابن زنجويه وحده، وسكت عن الهيثم هذا ولم يجرحه بشىء ولعل منشأ سكوته عنه قول على بن المدينى: هو أؤ ثنى من الواقدى، ولا أرضاه فى شىء اهـ. كما فى "اللسان" أيضا والواقدى ليس ممن أجمع على تركه، بل هو مقبول فى المغازى، كما صرح به الحافظ نفسه فى "التلخيص الحبير"، فمن هو أوثق منه كان أحرى بالقبول، والأثر الذى نحن بسبيله متعلق بالمغازى، والله تعالى أعلم. ودلالة الأثر على سقوط الجزية عن الشيخ الكبير ظاهرة، وعن الأعمى والزمن بالأولى لكونهما أعذر من الكبير، كما لا يخفى. 1 ٤٩٦ :«أى الأصناف من الناس تجب عليهم الجزية ومن لاتجب عليهم : " إعلاء السنن ٤١٧٦٠- حدثنا محمد بن كثير عن أبى رجاء الخراسانى عن جسر أبى جعفر "قال: شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدى بن أرطاة قرئ علينا بالبصرة أما بعد: فإن الله سبحانه إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن رغب عن الإسلام، واختار الكفر عتيا وخسرانا بينا، فضع الجزية على من أطاق حملها وخل بينهم وبين عمارة الأرض؛ فإن فى ذلك صلاحاً لمعاش المسلمين وقوة على عدوهم وانظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه، فلو أن رجلا من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه · المكاسب كان من الحق له عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عتق، وذلك أنه بلغنى أن أمير المؤمنين عمر مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس. فقال: ما أنصفناك أن كنا أخذنا منك الجزية فى شبيبتك ثم ضيعناك فى كبرك. قال: ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه". رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص ٤٥ رقم ١١٩). وسنده حسن، وذكرنا ترجمة رجاله فى الحاشية. قوله: "حدثنا محمد بن كثير إلخ" قلت: محمد بن كثير هذا من رجال أبى داود والترمذى والنسائى يروى عن الأجلة كالأوزاعى ومعمر بن راشد، وأبى إسحاق الفزارى وزائدة والثورى، وابن عيينة وعنه أحمد بن إبراهيم الدورقى وأبو عبيد القاسم بن سلام، ومحمد بن يحيى الذهلى وغيرهم. قال أبو حاتم: كان رجلا صالحاً. وقال صالح بن محمد: صدوق كثير الخطأ. وقال ابن معین: كان صدوقا، وفى رواية: ثقة. وقال الحسن بن الربيع: محمد بن كثير اليوم أو ثق الناس كان يكتب عنه وإسحاق الفزارى حى. وكان يعرف بالخير مذ كان، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، وقال: يخطئ ويغرب، وقال ابن سعد: كان ثقة، ويذكرون أنه اختلط فى أواخر عمره وضعفه أحمد وابن المدينى والنسائى. وقال البخارى: لين جدا كذا فى "التهذيب" (٤٢٦:٩ و ٤١٧). فهو ممن اختلف فى توثيقه وتضعيفه. ومثله حسن الحديث عندنا كما مر فى المقدمة. وأبو رجاء الخراسانى هو عبد الله بن واقد الهروى من رجال ابن ماجة ثقة، موصوف بخصال الخير من السابعة (تق: ص ١١٤). جسر أبو جعفر وجسر أبو جعفر -هو ابن فرقد القصاب- ضعفه ابن حبان، وقال مرة: یعتبر حديثه إذا روى عن غير ابنه، وقال الساجى: صدوق ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: كان رجلا صالحاً ج - ١٢ أى الأصناف من الناس يجب عليهم الجزية ومن لا تجب عليهم ٤٩٧ ٤١٧٧- عن عمر رضى الله عنه "أنه ضرب الجزية على الغنى ثمانية وأربعين درهما وعلى المتوسط أربعة وعشرين وعلى الفقير المكتسب اثنى عشر". رواه البيهقى بطرق مرسلة وسكت الحافظ عنه فى "التلخيص الحبير" (٢: ٣٨٠)، فهو مرسل حسن، أو صحیح، وقد تقدم فى باب مقدار الجزية. وليس بالقوى، كما فى "اللسان" (١٠٤:٢ و١٠٥). ولا يخفى أن حديثه هذا ليس من رواية ابنه عنه فهو مما يعتبر به على قول ابن حبان. وقول عمر: فضع الجزية على من أطاق حملها، دليل على صحة ما قاله فقهاءنا: إن خراج الأرض لا يوضع على أرض لا طاقة لها. فكذا هذا الخراج أى خراج الرأس لا يوضع على من لا يطيق "الهداية" مع "الفتح" (٢٩٤:٥). وقوله: "وانظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه إلخ" دلالته على معنى الباب ظاهرة. وهو نص فى عدم الجزية على جميع من ذهب فقهاؤنا إلى عدم وضعها عليه، فافهم. قوله: "عن عمر رضى الله عنه إلخ" دلالته على أن لا جزية على الفقير الغير المعتمل ظاهرة، إما بالمفهوم عند من يحتج به، وإما بالأصل عند من لا يحتج به. وقد مر الكلام فيه مستوفى فتذكرا والعجب من الحافظ ابن حجر أنه مع فوله بالاحتجاج بالمفهوم يقول فى "الدراية": والذى وظف الخراج والجزية هو عثمان بن حنيف فى خلافة عمر، ولم أجد عنه هذا الاستثناء الفقير الغير المعتمل (ص٢٧١). وقد اعترف بأن عمر رضى الله عنه وضع الجزية على الفقير الكستب اثنى عشر درهماً، وهو بمفهومه يدل على استثناء فقير غير معتمل، فافهم. قال الموفق فى "المغنى": " ولا على فقير - يعنى الفقير العاجز عن أدائها- وهذا أ. أقوال الشافعى، وقال فى الآخر: يجب عليه لقوله عليه السلام: (خذ من كل حالم دينارا)). ولأن دمه غير محقون فلا تسقط عنه الجزية (لكونها عوضا عن القتل عنده). ولنا أن عمر رضى الله عنه جعل الجزية على ثلاث طبقات جعل أدناها على الفقير المعتمل فيدل على أن غير المعتمل لا شىء عليه، ولأن الخراج ينقسم إلى خراج أرض وخراج رؤوس، ثم ثبت أن خراج الأرض على قدر طاقتها، وما لا طاقة له لا شىء عليه، كذلك خراج الرؤوس، وأما الحديث فيتناول الأخذ ممن يمكن الأخذ منه، فالأخذ منه مستحيل، فكيف يؤمر به؟ قال: ولا على شيخ فانٍ، ولا زمن ولا أعمى. وهو قول أصحاب الرأى. وقال الشافعى فى أحد قوليه: عليهم الجزية بناء على قتلهم، وقد سبق قولنا فى أنهم لا يقتلون فلا تجب عليهم الجزية كالنساء والصبيان" (٥٨٥:١٠ و ٥٨٦). ٤٩٨ إعلاء السنن باب لا توضع الجزية على الرهبان الذين لا يخالطون الناس ٤١٧٨- حدثنا أبو اليمان عن صفوان بن عمرو عن عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه أنه فرض على رهبان الديارات على كل راهب دينارين". أخرجه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٤٢ رقم ١٠٩). قلت: وهذا سند صحيح على شرط مسلم، فإن أبا اليمان هو الحكم بن نافع من رجال الجماعة، وصفوان بن عمر وأبو عمرو الحمصى من رجال مسلم، والأربعة ثقة من الخامسة (تقريب ص ٤٥ و ٨٩). باب لا توضع الجزية على الرهبان الذين لا يخالطون الناس قوله: "حدثنا أبو اليمان" إلخ قلت: الديارات جمع الدار والدارة - وهى البناء والعرصة والبلد- كما فى "القاموس" (٢٦٣:١)، ويحتمل أن يكون جمع الدير وهو خان النصارى. فالمعنى أنه وضع على الرهبان الذين يسكنون فى البلاد وذلك لأجل مخالطتهم الناس غير زاهدین فى الدنيا ولا تاركين لأهلها؛ فدل بالمفهوم على عدم وضعها على رهبان صوامع الصحارى والجبال لأنهم لا يخالطون الناس. قال فى "الهداية": " ولا توضع على الرهبان الذين لا يخالطون الناس كذا ذكرههنا، وذكر محمد عن أبى حنيفة أنه يوضع عليهم إذا كانوا يقدرون على العمل، وهو قول أبى يوسف، ووجه الوضع عليهم أن القدرة على العمل هو الذى ضيعها فصار كتعطيل الأرض الخراجية، ووجه الوضع عنهم أنه لا قتل عليهم إذا كانوا لا يخالطون الناس والجزية فى حقهم لإسقاط القتل اهـ. وعن محمد: لا جزية على السياحين قيل: أراد من لا يخالط الناس ومن لا يخالط الناس لا يقتل اهـ (٢٩٥:٥ مع الفتح). وفى "الخراج" لأبى يوسف: "ولا تؤخذ الجزية من المسكين الذى يتصدق عليه، ولا من أعمى لا حرفة له ولا عمل، ولا من ذمی يتصدق عليه، ولا من مقعد. والمقعد والزمن إذا كان لهما يسار أخذ منهما. كذلك الأعمى، وكذلك المترهبون الذين فى الدیارات إذا كان لهم يسار أخذ منهم، وإن كانوا إنما هم مساكين يتصدق عليهم أهل اليسار منهم لم يؤخذ منهم، وكذلك أهل الصوامع إن كان لهم غنى ويسار، وإن كانوا قد صيروا ما كان لهم لمن ينفقه على الديارات ومن فيها من المترهبين والقوام أخذت الجزية منهم، يؤخذ بها صاحب الدير. فإن كان صاحب الدير الذى ذلك الشىء فى يده وحلف على ذلك بالله، وبما يحلف به مثله من أهل ديته ما فى يده شىء من ذلك، ترك ولم يؤخذ منه شىء اهـ" (ص١٤٦). قلت: ولا يخفى أن قول صاحب "الهداية": "والجزية فى حقهم لإسقاط القتل إلخ" إنما هو يقول الإمام الشافعى ألصق فإنها بدل عن القتل عنده، وأما عندنا فهى بدل عن نصرة المقاتلة التى ٠٠ ٤٩٩ ج - ١٢ ٤١٧٩- عن خالد بن الوليد "أنه صالح أهل الحيرة على تسعين ومائة ألف درهم تقبل فى كل سنة جزاء عن أيديهم فى الدنيا رهبانهم وقسيسهم إلا من كان غير ذى يد حبيسا عن الدنيا تار كا لها وسائحا تار كا للدنيا". مختصر رواه الطبرى فى "تاريخه" (١٤:٤). باب من أسلم وعليه جزية سقطت عنه ٤١٨٠- عن جرير عن قابوس بن أبى ظبيان عن أبيه عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما، قال قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((ليس على مسلم جزية)). أخرجه أبو داود والترمذى (زیلعی ١٥٥:٢) قلت: وسكت عنه أبو داود. فاتت بالكفر لميلهم إلى أهل الدار المعادين لنا، ونصرة المقاتلة تجب على أهل اليسار عامة لكونهم يطيقونها، فالراجح أن توضع الجزية على الرهبان مطلقًا إذا كان لهم يسار وغنى، كما قاله أبو يوسف رحمه الله تعالى. ويؤيده أثر عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه وأما أثر عمر فى البدائع أيضا حيث قال: وأما أصحاب الصوامع فعليهم الجزية، إذا كانوا قادرين على العمل لأنهم من أهل القتال إلخ (١١١:٧). ومقتضى القياس أن تضرب على الشيخ والزمن والمقعد أيضا إذا كان لهم يسار، لأنهم من أهل القتال فى الجملة قد ينتفع برأيهم فى الحرب. وأما أثر عمر بن الخطاب فى وضعه الجزية عن الشيخ الكبير، فالمراد به من كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب، ولا يسار له كما فسره به عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه فافهم ولكن الصحيح فى هؤلاء جواب ظاهر الرواية لأنهم ليسوا من أهل القتال عادة، ألا ترى أنهم لا يقتلون، كذا فى البدائع (١١١:٧). قوله: "عن خالد بن الوليد إلخ". دلالته على أخذ الجزية من الرهبان والقسيسين إذا كان لهم يسار وغنى ووضعها عمن كان منهم غير ذى يد تاركا للدنيا ظاهرة وهو قول أبى يوسف ورواية عن الإمام، كما تقدم، والله تعالى أعلم. باب من أسلم و علیه جزیة سقطت عنه قوله: "عن جرير إلخ". قال المحقق فى "الفتح": من أسلم وعليه جزية بأن أسلم بعد كمال السنة سقطت عنه، وكذا إذا مات كافرا خلافا للشافعى فيهما، وكذا لو مات فى أثناء السنة، أو أسلم، وفى أصح قول الشافعى لا يسقط فيهما أيضا قسط ما مضى؛ له أن الجزية وجبت بدلا عن العصمة أو بدلا عن السكنى وقد وصل إليه المعوض فلا يسقط العوض بهذا العارض كسائر الديون. ولنا ما أخرجه أبو داود والترمذى فذكر حديث المتن وقال: وباللفظِ الذى فسره سفيان ٥٠٠ من أسلم وعليه جزية سقطت عنه إعلاء السنن ٤١٨١- وقال: حدثنا محمد بن كثير قال: سئل سفيان يعنى الثورى عن هذا فقال: من أسلم فلا جزية عليه اهـ. وأعله المنذرى بقابوس فقال: لا يحتج بحديثه (عون المعبود ١٣٦:٣). قلت: الرجل مختلف فيه، وثقه ابن معين ويعقوب بن سفيان، وقال العجلى: كوفى لا بأس به، وهو قول ابن عدى، وتكلم فيه آخرون (تهذيب ٣٠٦:٧). ٤١٨٢- حدثنا محمد بن يعقوب الخطيب ثنا عيسى بن أبى حرب الصفار ثنا يحيى بن أبى بكير ثنا عمرو بن يزيد عن محارب بن دثار عن ابن عمر عن النبى معَّ له قال: ((من أسلم فلا جزية عليه)). رواه الطبرانى فى "الأوسط" (زيلعى ١٥٥:٢)، وسكت عنه الحافظ فى "الدراية"، وفيه عمرو بن یزید التمیمی ضعفه ابن معين وغيره، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، وقال ابن عدى: هو ممن يكتب حديثه من الضعفاء (تهذيب ١١٩:٨- ١٢٠). الثوری رواه الطبرانى فى "معجمه الأوسط" عن ابن عمر فذكر ثانى الباب، ثم قال: وضعف ابن القطان قابوسا وليس قابوس فى "مسند الطبرانى" (فيه دليل على ثقة رواته عند المحقق مؤلف) فهذا بعمومه يوجب سقوط ما كان استحق عليه قبل إسلامه بل هو المراد بخصوصه، لأنه موضع الفائدة إذ عدم الجزية على المسلم ابتداء من ضروريات الدين. فالإخبار به من جهة الفائدة ليس كالإخبار بسقوطه فى حال البقاء وهذا يخص السقوط بالإسلام والوجه يعم موته وإسلامه (وهو ما ذكره صاحب "الهداية" بقوله: ولأنها وجبت عقوبة، ولهذا تسمى جزية وعقوبة الكفر تسقط بالإسلام ولا تقام بعد الموت، ولأن شرع العقوبة فى الدنيا لا يكون إلا لدفع الشر. وقد اندفع بالموت والإسلام (٢٩٦:٥). قلت: وقد وافق الشافعى أبو يوسف منا فيما إذا أسلم الذمى بعد كمال السنة، ونصه فى "كتاب الخراج" له: ولا يؤخذ من مسلم جزية رأسه إلا أن يكون أسلم بعد خروج السنة، فإنه إذا أسلم بعد خروجها فقد كانت الجزية وجبت عليه، وصارت خراجًا لجميع المسلمين فتؤخذ منه، وإن أسلم قبل تمام السنة بيوم أو يومين أو شهر أو شهرين أو أكثر، أو أقل لم يؤخذ بشىء من الجزية إذا كان أسلم قبل انقضاء السنة اهـ (ص١٤٦). قال أبو عبيد: تأويل هذا الحديث أى حديث قابوس عن أبيه مرفوعًا ((ليس على مسلم جزية)) إن رجلا لو أسلم فى آخر السنة وقد وجبت عليه الجزية، إن إسلامه يسقطها عنه فلا تؤخذ منه، وإن كانت قد لزمته قبل ذلك، لأن المسلم لا يؤدى الجزیة ولا تکون دینا علیه، کما لا تؤخذ منه فیما یستأنف بعد الإسلام. وقد روى عن عمر،