Indexed OCR Text

Pages 421-440

ج - ١٢
الخراج الذى وضعه عمر رضى الله عنه على أرض السواد
٤٢١
الماء قفيزا من حنطة أو قفيزا من شعير ودرهما" رواه الإمام أبو يوسف فى "الخراج"
(ص٤٥) أيضا ومجالد ضعيف ولكن الإمام احتج به ولما رواه شواهد واحتج به أبو
عبيد فى "الأموال" (ص٦٩) أيضا.
٤٠٩٥- حدثنا أبو معاوية عن الشيبانى عن محمد بن عبيد الله الثقفى "قال:
وضع عمر بن الخطاب رضى الله عنه على أهل السواد على كل جريب عامر أو غامر
درهما وقفيزا وعلى جريب الرطبة خمسة دراهم وخمسة أقفزة، وعلى جريب الشجرة
عشرة دراهم وعشرة أقفزة، وعلى جريب الكرم عشرة دراهم وعشرة أقفزة. قال:
ولم يذكر النخل، وعلى رؤوس الرجال ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين واثنى عشر.
رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٦٩)، وهو مرسل صحيح.
أبعث إلى هدهقان من قبل العراق، فبعث إليه كل واحد منهما بواحد ومعه ترجمان من أهل
الحيرة، فلما قدموا على عمر رضى الله عنه قال: كيف كنتم تؤدون إلى الأعاجم فى أرضهم؟ قالوا:
سبعة وعشرين درهما. فقال عمر رضى الله عنه: لا أرضی منکم بهذا ووضع على كل جريب
عامر أو غامر يناله الماء قفيزا من حنطة، أو قفيزا من شعير، ودرهما فمسحا على ذلك اهـ (ص ٥٥).
وفيه دلالة على أن هذا الوضع لم يكن بطريق الإجارة وإلا لم يتم إلا بتراضى الطرفين بل كان
بطريق الجزية على الأرض.
قوله: "حدثنا أبو معاوية إلخ". قلت: دليل صريح لما ذهبنا إليه فى خراج السواد إلا أن فيه
ذكر الأقفزة مع الدراهم فى جريب الكروم والنخيل، والرطاب أيضًا. وهذه زيادة كأنها شاذة
لم نرها فى غير هذا الحديث، والله تعالى أعلم.
ثم اعلم أن الروايات قد اختلفت عن عمر رضى الله عنه كثيرا، فروى ابن أبى شيبة حدثا
على بن مسهر عن الشيبانى عن أبى عون محمد بن عبيد الله الثقفى ((قال: وضع عمر رضى الله عنه
على أهل السواد على كل جريب، أرض يبلغه الماء عامر أو غامر درهمًا، وقفيزا من طعام، وعلى
البساتين على كل جريب عشرة دراهم، وخمسة أقفزة من طعام، وعلى الرطاب على كل جريب
أرض خمسة دراهم وخمسة أقفزة من طعام وعلى الكروم على كل جريب أرض عشرة دراهم
وعشرة أقفزة. ولم يضع على النخيل شيئا وجعله تبعا للأرض)) (وهذه هى رواية المتن بتغير يسير)
ثم حدث عن أبى أسامة عن قتادة عن أبى مجلز ((قال: بعث عمر بن الخطاب رضى الله عنه عثمان
ابن حنيف على مساحة الأرض فوضع عثمان على الجريب من الكرم عشرة دراهم، وعلى جري ،

٤٢٢٠
الخراج الذى وضعه عمر رضى الله عنه على أرض السواد
إعلاء السنن
٤٠٩٦- حدثنا أبو النضر عن شعبة ولا أعلم الحجاج إلا قد حدثنيه أيضا عن
شعبة قال: أنبأنى الحكم قال: سمعت عمرو بن ميمون يقول: "شهدت عمر بن الخطاب
النخل ثمانية دراهم وعلى جريب القصب ستة دراهم يعنى الرطبة، وعلى جريب البر أربعة دراهم
وعلى جريب الشعير درهمين)). (فلم يذكر القفيز فى شىء).
وقال أبو عبيد فى "الأموال": ((حدثنا هشيم بن بشير أنبأنا العوام بن حوشب عن إبراهيم
التيمى لما افتتح المسلمون فساق الحديث بطوله - إلى أن قال- فمسح عثمان سواد الكوفة من أرض
أهل الذمة فجعل على جريب النخل عشرة دراهم، وعلى جريب العنب ثمانية دراهم، وعلى
جريب القصب ستة دراهم وعلى الجريب من البر أربعة وعلى الجريب من الشعير درهمين)). فقد
رأيت ماهنا من الاختلاف. وقيل: كل الروايات عن عمر صحيحة وإنما اختلفت لاختلاف
· النواحى. فوضع بعضها أقل وبعضها أكثر لتفاوت الربع فى ناحية مع ناحية (فروى كل واحد من
الرواة ما وقف عليه) وما قلنا أشهر رواية وأرفق بالرعية قاله المحقق فى "فتح القدير" (٢٨٣:٥).
قلت: وسيأتى ما يدل عليه.
قوله: "حدثنا أبو النضر إلخ". قلت: قال أبو عبيد فى "الأموال": فلم يأتنا فى هذا حديث
عن عمر أصح من حديث عمرو بن ميمون ولم يذكر فيه مما وضع على الأرض أكثر من الدرهم
والقفيز، ومع هذا أنه قد روى عن النبى معَّ. حديث فيه تقوية له وحجة لعمر فیما فرض عليهم
من الدراهم والقفيز، ثم ذكر حديث أبى هريرة مرفوعًا: ((منعت العراق درهمها وقفيزها)) الحديث،
وقد تقدم فى الباب الذی یلی هذا الباب، فتذ کر (ص٧١).
قلت: فثبت ما قاله المحقق؛ إن ما قلنا أشهر روايةً فلا يوضع على أرض الزرع إلا درهم وقفيز
فى كل جريب منها سواء كان جريب حنطة أو شعير أو سمسم أو قطن ونحوها، وأما غير أرض
الزرع من البساتين ونحوها فيوضع على الكرم والنخيل المتصلة عشرة دراهم وعلى الرطاب خمسة
دراهم، كما رواه الشعبى عن عمر رضى الله عنه وقد تقدم فى الباب السابق من قول شريك إن
الشعبی أعلم الناس بتلك الأمور. ولا یعارض ما رواه حديث عمرو بن ميمون فإنه روی فی أرض
الزرع مثل ما رواه من الدرهم والقفيز وإنما زاد ما قد زاده فى أرض البساتين وهى مما سكت عنها
عمرو بن ميمون والناطق يقضى على الساكت، ولا عكس قال الإمام حسن بن صالح: وأما
أرضهم فعليها الخراج الذى وضعه عمر بن الخطاب على الجريب درهم وقفيز وعلى النخل
والرطاب والكروم والشجر ما وضعه عليهم عمر اهـ من "كتاب الخراج" لابن آدم (ص٢٣).

٤٢٣
الخراج الذى وضعه عمر رضى الله عنه على أرض السواد
ج - ١٢
وأتاه ابن حنيف فجعل يكلمه فسمعته يقول له: والله لئن وضعت على كل جريب من
وفيه دليل على ما قلنا: إن الدرهم والقفيز كان على أرض الزرع دون البساتين
والأشجار، والله تعالى أعلم.
لا یزاد علی نصف الخارج فیما ليس فيه توظيف عمر
قال فى "الهداية": وما سوى ذلك من الأصناف كالزعفران والبساتين وغيره يوضع عليها
بحسب الطاقة لأنه ليس فيه توظيف عمر وقد اعتبر الطاقة فى ذلك (كما سيأتى دليله) فتعتبر فيما
لا توظيف فيه قالوا: ونهاية الطاقة أن يبلغ الواجب نصف الخارج لا يزاد عليه لأن التنصيف عين
الإنصاف لما كان لنا أن نقسم الكل بين الغانمين اهـ (٢٨٣:٥ مع "الفتح").
فإن قيل: يرد على ما قالوا ما رواه الإمام أبو يوسف فى الخراج له حدثنى الحسن بن عمارة
عن محمد بن عبيد الله عن عبد الرحمن بن سابط عن يعلى بن أمية قال: لما بعثنى عمر ين
الخطاب رضى الله عنه على خراج أرض نجران يعنى نجران التى قرب اليمن ((كتب إلى أن أنظر كل
أرض خلا أهلها عنها فما كان من أرض بيضاء تسقى سيحا أو تسقيها السماء، فما كان فيها من
نخيل أو شجر فادفعه إليهم يقومون عليه ويسقونه فما أخرج الله عن شىء فلعمر وللمسلمين
منه الثلثان ولهم الثلث. وما كان منها يسقى بغرب فلهم الثلثان، ولعمر وللسلمين الثلث، وادفع
إليهم ما كان من أرض بيضاء يزرعونها فما كان منها يسقى سيحا أو تسقيه السماء فلهم الثلث
ولعمر وللمسلمين الثلثان. وما كان من أرض بيضاء تسقى بغرب فلهم الثلثان ولعمر وللمسلمين
الثلث اهـ (ص ٩٠).
قلت: لم يفعل عمر ذلك فى أراضى أهل الذمة بل فعل ذلك فى أراضى بيت المال، فإنه كان
قد أجلى نصارى نجران اليمن إلى نجران العراق كما ذكره أبو يوسف رحمه الله فى "الخراج" أيضا
(ص٨٧) وكتب إلى أمراء الشام وأمراء العراق من مر به هؤلاء فليوسقهم من حرث الأرض فما
اعتملوا من ذلك فهو لهم صدقة بوجه الله وعقبة لهم مكان أرضهم. فلما أعطاهم أرض نجران
العراق عقبة لهم مكان أرضهم باليمن صارت أراضيهم تلك إلى بيت مال المسلمين، يدل على
ذلك قول عمر ليعلى: أن انظر كل أرض خلا أهلها عنها. وظنى أنه جلا عنها أهلها بالجيم، فدفع
تلك الأراضى إلى من بها من أهل الذمة مقاسمةً ولا نزاع فى ذلك فإن المقاسمة تصح بالنصف
فصاعدا من الثلثين وغيرهما، وقد وجدنا عن عمر ما يدل على أنه مَّ كان دفع تلك الأراضى إلى
أهلها قبل إجلائهم إياهم من نجران على النصف. قال أبو عبيد فى " كتاب الأموال": وذكر كتابا

٤٢٤
الخراج الذى وضعه عمر رضى الله عنه على أرض السواد
إعلاء السنن
الأرض درهما وقفيزا من طعام لا يشق عليهم ولا يجهدهم". رواه أبو عبيد فى
"الأموال" (ص٧١) أيضا، وسنده صحيح موصول.
كتبه عمر إليهم قبل إجلائه إياهم منها حدثنا ابن أبى زائدة عن ابن عون قال: قال لى محمد بن
سيرين: انظر كتابا قرأته عند فلان بن جبير فكلم فيه زياد بن جبير قال: فكلمته فأعطانى فذكر
كتابا طويلا، وفيه: أما بعد فقد أمرت يعلى أن يأخذ منكم نصف ما عملتم من الأرض وإنى لن
أريد نزعها منكم ما أصلحتم اهـ (ص٩٩) فثبت ما قاله المشايخ إن ما سوى ذلك من الأصناف
يوضع عليها بحسب الطاقة ولا يزاد على النصف، والله تعالى أعلم.
دليل اشتراط النماء التقديرى فى الخراج:
ويدل على اعتبار الطاقة قول عمر رضى الله عنه لعثمان بن حنيف وحذيفة: انظرا لعلكما
حملتما الأرض ما لا تطيقه، وسيأتى، وقد مر قول عثمان: لئن وضعت على كل جريب من
الأرض درهمًا وقفيزاً من طعام لا يشق ذلك عليهم ولا يجهدهم اهـ. قال فى "الهداية": " وإن
غلب على أرض الخراج الماء أو انقطع عنها الماء، أو اصطلم الزرع آفة فلا خراج عليه وإن عطلها
صاحبها فعليه الخراج لأن التمكن كان ثابتًا وهو الذى فوته اهـ (٢٨٤:٥ مع "الفتح"). ودليل
ذلك ما فى حديث عمر، وهو أول أحاديث الباب، و(فرض) على كل أرض يبلغها الماء عملت،
أو لم تعمل درهمًا ومختوما وما فى بقية الآثار من قوله: "جعل على كل عامر أو غامر درهمًا
وقفيزا"، والغامر ما لم يزرع مما يحتمل الزراعة لأن الماء يغمره، كذا فى "مجمع البحار" (٣٧:٢).
وقوله: "يبلغه الماء" دليل اشتراط التمكن من الزراعة فى الخراج، وهو الذى عبر عنه الفقهاء بالنماء
التقدیری، فافهم.
قال الإمام أبو يوسف: حدثنى الحسن بن عمارة عن الحكم عن عمرو بن ميمون وحارثة بن
مضرب قال: ((بعث عمر بن الخطاب رضى الله عنه عثمان بن حنيف - وفيه- فوضع على كل
جريب عامر أو غامر يعمل مثله درهمًا وقفيزا)) الحديث (ص٤٥). وهذا سند حسن. وقوله: "يعمل
مثله" صريح فى اشتراط النماء التقديرى فى الخراج. قال الإمام حسن بن صالح: "ووضع عمر
الخراج على كل عامر وغامر من أرضهم يناله الماء ويقدر على عمارته عمله صاحبه أو لم يعمله،
قال حسن: إلا أن يدع عمله من عذر فإنه يخفف عنه ولا يكلف فوق طاقته". كذا فى "الخراج"
لابن آدم (ص٢٢). وأخرج الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له: "حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن
ثوبان عن أبيه قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن ((أن أنظر الأرض،

٤٢٥
ج - ١٢
باب هل يجوز النقصان عما وضع الإمام على أرض الخراج والزيادة عليه؟
٤٠٩٧- عن عمرو بن ميمون "قال: رأيت عمر بن الخطاب قبل أن يصاب بأيام
بالمدينة، ووقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف قال: كيف فعلتما؟ أتخافان
أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمرا هى له مطيقة فيها كبير
فضل. قال: انظرًا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق قال: قالا: لا". فذكر الحديث
بطوله رواه البخارى. وفى رواية ابن أبى شيبة عن محمد بن فضيل عن حصين بهذا
الإسناد "فقال حذيفة: لو شئت لأضعفت أرضى أى جعلت خراجها ضعفين، وله من
طريق الحكم عن عمرو بن ميمون أن عمر قال لعثمان بن حنيف: لئن زدت على كل
رأس درهمين وعلى كل جريب درهما وقفيزا من طعام لأطاقوا ذلك؟ قال: نعم" (فتح
البارى ٤٩:٧).
ولا تحمل خرابا على عامر ولا عامرا على خراب، وانظر الخراب فإن أطاق شيئا فخذ منه ما أطاق
وأصلحه حتى يعمر ولا تأخذ من عامر لا يعتمل شيئا، وما أجدب من العامر من الخراج فخذه فى
رفق وتسكين لأهل الأرض)). الحديث، وهذا سند حسن فإن عبد الرحمن بن ثابت صدوق،
وأبوه ثقة، كما فى "التقريب" (ص ٢٦ و١١٩). وقوله: "ولا تأخذ من عامر لا يعتمل شيئا"
معناه: لا يصلح للعمل، والله تعالى أعلم.
باب هل يجوز النقصان عما وضع الإمام على أرض الخراج والزيادة عليه؟
قوله: "عن عمرو بن ميمون إلخ" قلت: فيه أن حذيفة وعثمان رضى الله عنهما أخبرا
عمر رضى الله عنه أنهما حملا الأرض أمرا هى له مطبقة فيها كبير فضل. وتفسير هذا الفضل ما
ورد فى لفظ ابن أبى شيبة صريحا ومع ذلك لم يزد على ما وظفاه. فدل على عدم جواز الزيادة
على ما وظفه الإمام من الخراج أو نائبه. وقول عمر لهما: أتخافان أن تكون حملتما الأرض ما
لا تطيق، وقوله ثانيًا: انظرا. أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق، دليل على جواز النقصان عند قلة
الريع. قال فى "الهداية": " وهو جائز بالإجماع، وأما الزيادة عند زيادة الريع فيجوز عند محمد
اعتبارا بالنقصان، وعند أبى يوسف لا يجوز، لأن عمر لم يزد حين أخبر بزيادة الطاقة اهـ". قال
المحقق فى "الفتح": "وفى هذا (أى فى جواز النقصان عند قلة الريع) لا فرق بين الأراضى التى
وظف عليها عمر رضى الله عنه ثم نقص نزلها وضعفت الآن أو غيرها. وأجمعوا أنه لا تجوز الزيادة
على وظيفة عمر رضى الله عنه فى الأراضى التى وظف فيها عمر رضى الله عنه، أو إمام آخر مثل

٤٢٦
هل يجوز النقصان عما وضع الإمام على أرض الخراج والزيادة عليه؟
إعلاء السنن
٤٠٩٨- حدثنا ابن المبارك عن معمر عن على بن الحكم عن محمد بن زيد "قال:
سمعت إبراهيم النخعى قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إن أرض كذا وكذا
يطيقون من الخراج أكثر مما عليهم. فقال: لا سبيل عليهم إنا قد صالحناهم صلحاً".
مختصر رواه يحيى بن آدم فى "الخراج" (ص٥٤ رقم ١٤٩). وعبد الرزاق فى
"المصنف" فرواه عن معمر به (زيلعى ١٤٩:٢). وأبو عبيد فى "الأموال" (ص١٤٣
رقم ٣٩٠). عن يحيى بن سعيد عن سفيان عن معمر عن على بن الحكم عن رجل عن
إبراهيم ولم يسم الرجل وهو ابن زيد وهذا مرسل حسن(١) صحيح فإن على بن الحكم
البنانى ثقة من رجال البخارى والأربعة ضعفه الأزدى بلا حجة (تقريب ص١٤٩)
ومحمد بن زید بن علی الکندی قال أبو حاتم: صالح لا بأس به، وذكره ابن حبان فى
"الثقات" (تهذيب التهذيب ١٧٣:٩).
٤٠٩٩- حدثنا الحسن بن صالح عن ابن أبی لیلی "أنه کان قد رد إليهم عمر بن
الخطاب رضى الله عنه أراضيهم وتركها لهم وصالحهم على الخراج قال: فكان لا يرى
بشراها بأسا"، أخرجه يحيى بن آدم فى "الخراج" (ص٢٣).
وظيفة عمر، ذكره فى "الكافى". وأما فى بلد لو أراد الإمام أن يبتدئ فيها التوظيف فعند أبى
حنيفة وأبى يوسف لا يزيد، وقال محمد - وهو قول مالك وأحمد ورواية عن أبى يوسف- كما
فى الخراج له وقول الشافعى): "له ذلك" ومعنى هذا إذا كانت الأرض التى فتحت بعد الإمام عمر
رضى الله عنه تزرع الحنطة فأراد أن يضع عليها درهمين وقفيزا، وهى له مطبقة ليس له ذلك. وعند
محمد له ذلك اعتبارا بالنقصان، ومنعه أبو يوسف بأن عمر رضى الله عنه لم يزد حين أخبر بزيادة
طاقة الأرض اهـ (٢٨٤:٥). ووجه ذلك والله أعلم أن خراج الأرض جزيتها كالجزية على الرؤوس
فالأراضى التى وضع عليها عمر بن الخطاب رضى الله عنه خراجا معلوما فكأنه صالح أهلها عليه
وأهل الصلح لا يجوز الزيادة عليهم فيما صولحوا عليه.
قوله: حدثنا ابن المبارك إلخ. قلت: دلالة قوله: "لا سبيل عليهم" على عدم جواز الزيادة فى
الخراج الموظف ظاهرة. وفى قوله: "إنا قد صالحناهم صلحا" دليل على ما قلنا من التعليل، فافهم.
قوله: حدثنا الحسن بن صالح. فيه دليل على أن وضع الخراج من عمر رضى الله عنه كان
(١) لا أقول: حسن صحیح إلا حیث ترددت فی صحة الإسناد وحسنه، فتنبه له.

ج - ١٢
هل يجوز النقصان عما وضع الإمام على أرض الخراج والزيادة عليه؟
٤٢٧
٤١٠٠- قال يحيى: قال حسن: "وأما أراضيهم فعليها الخراج الذى وضعه عمر
ابن الخطاب، فإن احتملوا أكثر من ذلك فلا يزاد عليهم، وإن عجزوا عن ذلك خفف
عنهم. ولا يكلفون فوق طاقتهم كما قال عمر. قال يحيى: قال حسن: "ولا نعلم عليا
رضى الله عنه خالف عمر، ولا غير شيئا مما صنع حين قدم الكوفة". رواه يحيى أيضا
(ص٣٣ رقم ٢٨).
بطريق الصلح. ويوضحه قول ابن الرفيل له: يا أمير المؤمنين! على ما صالحتمونا؟ قال: على أن
تؤدوا إلينا الجزية، ولكم أرضكم وأموالكم وأولادكم. وقد تقدم فإنه يدل على أن الأرض كانت
لأهل الذمة والخراج صلح قد صولحوا عليه لا بطريق الإجازة كما ذهب إليه مالك، ذكره المحقق
فى "الفتح" (٢٨٢:٥). فلا يجوز الزيادة عليه بما روى شعبة عن منصور عن هلال بن يساف عن
رجل من ثقيف عن رجل من جهينة من أصحاب النبى معَّه. ((قال: قال رسول الله عَ له: إنكم
لعلكم تقاتلون قوما فيتقونكم بأموالهم دون أنفسهم وأبنائهم ويصالحونكم على صلح فلا تأخذوا
منهم فوق ذلك. فإنه لا يحل لكم)). أخرجه أبو عبيد فى "الأموال" (ص١٤٣ رقم ٣٨٩). ففيه أن
السنة فى أرض الصلح أن لا يزاد على وظيفتها التى صولحوا عليها، وإن قووا على أكثر من ذلك
ولا يخفى أن الأراضى التى افتتحت عنوة فى زمن عمر رضى الله عنه فإنه لما ردها إلى أهلها ووضع
عليهم الخراج فى أراضيهم كان ذلك صلحا منه قد صالحهم عليه، فلا يجوز الزيادة على ما وظف
عليها من الخراج وإن قووا على أكثر منه، والله تعالى أعلم.
قوله: "قال يحيى إلخ". قلت: فيه دليل على أن الأئمة بعد عمر رضى الله عنه لم يزيدوا
على ما وضع من الخراج على أراضى السواد وغيرها، وأما ما افتتحه الأئمة بعد عمر رضى الله عنه
فهل لهم أن يزيدوا عند ابتداء التوظيف على ما وظفه هو أم لا؟ فقد علمت ما فيه من الاختلاف،
والراجح عندنا قول محمد والجمهور. ولعل ابا یوسف قد رجع إلیه أيضًا، فإنه قد صرح فى
"الخراج(١)" بجواز الزيادة والنقصان جميعاً حيث قال: ومما يدل على أن للإمام أن ينقص ويزيد
فيما يوظفه من الخراج على أهل الأرض على قدر ما يحتملون، وأن يصير على كل أرض ما شاء
بعد لا يجحف ذلك بأهلها، أن عمر رضى الله عنه جعل أهل السواد على كل جريب عامر أو غامر
(١) كتاب "الخراج" ليس من ظاهر الرواية، ولم يروه محمد عن أبى يوسف لأنه صنفه بعد ما ولى القضاء ببغداد، وصار قاضى
القضاة فى خلافة هارون الرشيد بن المهدى، ورواية محمد عنه سابقة على ذلك، كما لا يخفى على من مارس الفقه.

٤٢٨
إعلاء السنن هل يجوز النقصان عما وضع الإمام على أرض الخراج والزيادة عليه؟
٤١٠١- حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن طلحة عن داود بن سليمان الجعفى،
قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن: "سلام عليك، أما بعد!
فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور فى أحكام وسنن خبيثة، سنتها عليهم
عمال السوء. وإن أقوم الدين العدل والإحسان، فلا يكونن شىء أهم إليك من نفسك
أن توطنها لطاعة الله، فإنه لا قليل من الإثم وأمرتك أن تطرز عليهم (أى تميزها عليهم)
أرضهم وأن لا تحمل خرابا على عامر ولا عامرا على خراب، ولا تأخذ من الخراب إلا ما
يطيق ولا من العامر إلا وظيفة الخراج فى رفق وتسكين لأهل الأرض، وأمرتك أن
لا تأخذ فى الخراج إلا وزن سبعة ليس لها آس ولا أجور الفرابين ولا إذابة الفضة
ولا هدية النيروز والمهرجان، ولا ثمن المصحف ولا أجور البيوت ولا دراهم النكاح".
الحديث، رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٤٦ رقم ١٢٠)، وفيه داود بن سليمان
الجعفى لم أعرف من ترجمه، وأخرجه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" (ص١٠٢) عن
عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه، وسنده حسن.
قفيزا ودرهمًا، وعلى الجريب من النخل ثمانية دراهم (وفى رواية عشرة)، وقد قالوا: إنه ألغى
النخل عونا لأهل الأرض. وقالوا: إنه جعل فيما سقى منه سيحا العشر، وفيما سقى بالدالية نصف
العشر وما كان من نخل عملت أرضه فلم يجعل عليه شيئا وجعل على الكرم والرطاب وغيره ذلك
مما ذكرناه. ووجه يعلى بن أمية إلى أرض نجران فكتب إليه يأمره أن يقاسم أهل الأرض على الثلث
والثلثين مما أخرج الله منها من غلة وأن يقاسمهم ثمر النخل، ما كان منه يسقى سيحا فللمسلمين
الثلثان ولهم الثلث، وما كان يسقى بغرب فلهم الثلثان، وللمسلمين الثلث. ففى هذين الفعلين من
عمر فى أرض السواد وفى أرض نجران ما يدل على أن للإمام أن يختار فيجعل على كل أرض ما
يحتمل ويطيق أهلها إلخ (ص١٠١ و١٠٢). وأيضا فقد علمت أن علة عدم جواز الزيادة على ما
وظفه عمر رضى الله عنه كون ما وظفه على أراضى أهل الذمة بمنزلة صلح قد صالحهم عليه بعد ما
رد إليهم الأراضى، ولا يجوز الزيادة على ما انعقد عليه الصلح، وقد فقدت هذه العلة فيما افتتحه
الأئمة بعده من البلاد فلهم أن یوظفوا عليها ما شاؤوا من اخراج بعد أن لا یجحف ذلك بهم،
فيكون هذا بمنزلة ابتداء صلح منهم فللإمام أن ينظر فيما كان عمر رضى الله عنه جعله على أهل
الخراج، فإن كانوا يطيقون ذلك اليوم وكان أرضهم محتملة له لا يزيد عليه وكان وضع ما وضعه
أولى كما صرح به أبو يوسف فى الخراج (ص١٠٢). وإلا وضع عليهم ما تحتمله الأرض ويطيقه
أهلها، والله تعالى أعلم.
قوله: حدثنا عبد الرحمن إلخ. قلت فى قوله: ولا تأخذ من الخراب إلا ما يطيق دلالة على

ج - ١٢
٤٢٩
باب من أسلم من أهل الخراج أخذ منه الخراج على حاله
٤١٠٢- حدثنا ابن المبارك عن معمر عن على بن الحكم عن محمد بن زيد،
"قال: سمعت إبراهيم النخعى يقول: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه،
فقال: إنى قد أسلمت فضع عن أرضى الخراج قال: لا إن أرضك أخذت عنوة".
الحديث، وهو مرسل حسن صحيح، فإن مراسيل النخعى صحاح عند القوم.
جواز النقصان عند قلة الريع، وفى قوله: "ولا من العامر إلا وظيفة الخراج" الموظف، قال أبو عبيد:
قال عبد الرحمن قوله: "دراهم النكاح" يعنى به بغايا، كان يؤخذ منهن الخراج اهـ (ص٤٧).
باب من أسلم من أهل الخراج أخذ منه الخراج على حاله
قوله: حدثنا ابن المبارك إلخ". قلت: دلالته على الباب ظاهرة. وقول عمر: "لا، إن أرضك
أخذت عنوة" معناه: أنها افتتحت أولا عنوةً ثم رددناها عليك ووضعناه عليها الخراج صلحا،
لتكون مادة للمسلمين كافة فلا يوضع عنها الخراج. وفيه دليل على أنه يوضع العشر على أرض
أسلم أهلها طوعًا من أول الأمر، وهو المذهب. قال فى "الهداية": "لأن الخراج يجب فى أرض
افتتحت عنوةً وقهرًا، أو العشر فى أرض أسلم أهلها طوعًا" (٢٨٧:٥ مع "الفتح"). قال المحقق فى
"الفتح": قوله: "من أسلم من أهل الخراج أخذ منه الخراج على حاله، وعند مالك والشافعى يسقط
عنه الخراج لما فيه معنى الذل والصغار وهو غير لائق بالمسلم. ولنا أن فيه معنى المؤنة والمسلم من
أهل المؤنة كالعشر والأرض لا تخلو منها فإبقاء ما تقرر واجبا أولى ولأن وضع عمر رضى الله عنه
بموافقة جماعة من الصحابة ما كان إلا ليجد الذين يجيئون بعد أهل الفتح ما يسد حاجتهم، وفتح
هذا الباب يؤدى إلى فوات هذا المقصود، فإن الإسلام غير بعيد بعد مخالطة المسلمين، ومعرفة
محاسنه، أو تقية من الكلفة، وتجشم المشاق فى الزراعة اهـ (ص ٢٨٥).
قلت: وأما معنى الصغار والذل، فقد رده الإمام عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه: بقوله:
"إنما الجزية على الرؤوس، وليس على الأرض جزية". أخرجه أبو عبيد بطريق عبد الله بن صالح
عن الليث بن سعد عنه، وقال: كان عمر بن عبد العزيز يتأول الرخصة فى أرض الخراج بأن الجزية
التى قال الله عز وجل ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ إنما هى على الرؤوس لا على
الأرض، فالداخل فى أرض الجزية ليس بداخل فى هذه الآية اهـ (ص٨٤). وأما إن إبقاء ما تقرر
واجبا أولى فيؤيده ما رواه يحيى بن آدم فى "الخراج" له: ((حدثنا هشيم عن حصين بن عبد
الرحمن قال: طلب أناس من أهل السواد إلى عبد الحميد فكتب لهم إلى عمر بن عبد العزيز فى

٤٣٠
من أسلم من أهل الخراج أخذ منه الخراج على حاله
إعلاء السنن
٤١٠٣- حدثنا قيس بن الربيع عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب "قال:
أسلمت دهقانة من أهل نهر(١) الملك فكتب عمر إلى سعد أو إلى عامله أن ادفع إليها
أرضها تؤدى عنها" وأخرجه بطريق الحسن بن صالح عن قيس بن مسلم عن طارق
بلفظ: "إن اختارت أرضها وأدت ما على أرضها فخلوا بينها وبين أرضها وإلا فخلوا بين
المسلمين وأرضهم". رواه يحيى بن آدم فى "الخراج" له (ص ٥٩ و ٦٠ رقم ١٨١
و١٨٢)، وهذا سند صحيح. وأخرجه عبد الرزاق وابن أبى شيبة أيضا (دراية).
أرضين فى أيديهم أن يرفع عنها الجزية (أى الخراج)، ويضع عليها الصدقة، فكتب إليه عمر أما
بعد! فإنى لا أعلم شيئا هو أنفع لنائبة المسلمين ومادتهم من هذه الأرض التى جعلها الله فيئا لهم،
فانظر من كان منهم له بها أرض ومسكن فأجر على كل جدول منها ما كان يجرى قبل ذلك،
ومن لم یکن له بها أرض ومسكن، فأجر على كل جدول منها ما كان يجرى قبل ذلك، ومن
لم يكن له بها أرض ومسكن فارددها إلى أهلها (ص٦٢ رقم ١٩٤). وهذا سند رجاله ثقات.
والظاهر أن هؤلاء الذين طلبوا رفع الخراج عن أراضيهم ووضع الصدقة عليها كانوا مسلمين، فإن
طلب ذلك من أهل الذمة بعيد جداً فترى أن عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه لم يرفع الخراج عنها
مع إسلام أهلها، للوجه الذی ذکره المحقق، وفى ذلك تأیید لأبى حنيفة وأصحابه رضی الله عنهم،
قال يحيى بن آدم: حدثنا إسماعيل بن عياش الشامى عن عبد الله البهرانى (هو ابن دينار) عن عمر
ابن عبد العزيز "أنه كتتب من أسلم من أهل الأرض فله ما أسلم عليه من أهل أو مال وأما داره أو
أرضه، فإنها كائنة فى فىء الله المسلمين" (ص١٩٣). وقد تقدم فى باب من أسلم على شىء له فهو
له دون الدار والعقار، وقوله: " كائنة فى فىء الله" أى باقية على خراجها لا يسقط عنها ولا يوضع
عليها الصدقة مكانه.
قوله: "حدثنا قيس بن الربيع إلخ". قلت فى قوله: "وأدت ما على أرضها" دلالة على معنى
الباب ظاهرة. وقوله: "وإلا فخلوا بين المسلمين وأرضهم" ليس معناه أنها مملوكة للمسلمين بل إنما
نسبتها إليهم لما لهم فيها من الحق فى خراجها، قال فى الكفاية: أما إذا عجز المالك عن الزراعة
باعتبار عدم مؤنه وأسبابه فللإمام أن يدفعها إلى غير مزارعة ويأخذ الخراج من نصيب المالك
ويمسك الباقى له، وإن شاء آجرها، وأخذ ذلك من الأجرة وإن شاء زرعها بنفقة من بيت المال،
(١) كورة واسعة ببغداد بعد نهر عيسى قاله الياقوت كذا فى حاشية الكتاب.

ج - ١٢
من أسلم من أهل الخراج أخذ منه الخراج على حاله
٤٣١
٤١٠٤- حدثنا شريك وقيس عن جابر عن عامر "قال: أسلم الرفيل فأعطاه عمر
أرضه بخراجها، وفرض له ألفين". حدثنا قيس بن الربيع عن إبراهيم بن مهاجر عن
شيخ من بني زهرة عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه "فذكر قصة إسلام ابن الرفيل،
وأن عمر قال له: إن أقمت فى أرضك أديت عنها ما كنت تؤدى".
٤١٠٥- حدثنا عبد السلام بن حرب عن أشعث بن سوار عن رجل عن ربيع بن
عميلة الفزارى "قال: أسلم الرفيل على عهد عمر رضى الله عنه ففرض له عمر فى
ألفين، وقال لعمر: دع أرضى فى يدى أعمرها وأعالجها وأودى عنها ما كانت تؤدى
ففعل". روى الآثار كلها يحيى بن آدم فى "الخراج" له (ص ٦٠ و ٦١)، وهذه أسانيد
يشد بعضها بعضا، وربيع بن عميلة من رجال مسلم والأربعة وثقه ابن معين وابن حبان
وابن سعد والعجلى (تهذيب ٢٥٠:٣).
٤١٠٦- حدثنا حفص بن غياث عن محمد بن قيس الأسدى عن أبى عون
الثقفى "قال: كان عمر وعلى (رضى الله عنهما) إذا أسلم الرجل من أهل السواد تركاه
يقوم بخراجه فى أرضه". رواه ابن آدم فى "الخراج" (ص٧٦١ رقم ١٨٧) أيضا، وهو
مرسل صحيح وأخرجه ابن أبى شيبة وعبد الرزاق بلفظ قالا: "إذا أسلم وله أرض
وضعنا عنه الجزية وأخذنا خراجها" (دراية ص٢٦٨).
فإن لم يتمكن ولم يجد من يقبل ذلك باعها وأخذ من ثمنها الخراج. وهذا بلا خلاف وإن كان
هذا نوع حجر وفيه ضرر ولكن هذا إلحاق ضرر بواحد للعامة اهـ (٢٨٥:٥ مع الفتح). فهذا هو
معنى قول عمر: فخلوا بين المسلمين وأرضهم وقول على: فنحن أحق بها ولم يرد أنها مملوكة
للمسلمين دون الآخرين فقد مر أن عمر رضى الله عنه كان قد رد أرض السواد إلى أهلها ملكا لهم
وصالحهم على الجزية والخراج. ويدل على ذلك أيضا اشتراء الصحابة تلك الأراضى منهم، كما سيأتى.
وقد اغتر بهذا اللفظ وما يقاربه من قول على رضى الله عنه لدهقان أسلم على عهده: أما
أنت فلا جزية عليك، وأما أرضك فلنا: أبو عبيد رحمه الله فقال: فلم يقل على للدهقان: أما
أرضك فلنا، ثم يرى قسم السواد إلا وهو عنده فى للمسلمين دون الآخرين (ص ٨٠)، وقد عرفت
أنه لا حجة له فيه، وإن سلمنا فيحتمل أن تكون أرض هذا الدهقان من الصوافى التى أصفاها عمر
رضى الله عنه لمن أفاء الله عليه، وقد مر أن عليا رضى الله عنه إنما أراد قسم هذا النوع من السواد
دون كله، ثم امتنع عن ذلك لأنه جامع الحكماء وترك قول السفهاء.
قوله: " حدثنا شريك إلى قوله: حدثنا هشيم إلخ". دلالة الآثار على معنى الباب ظاهرة.

٤٣٢
من أسلم من أهل الخراج أخذ منه الخراج على حاله
إعلاء السنن
٤١٠٧- حدثنا هشيم عن سيار أبى الحكم عن الزبير بن عدى "قال: أسلم
دهقان من أهل السواد فى عهد على رضى الله عنه، فقال له على: إن أقمت فى أرضك
رفعت الجزية عن رأسك، وأخذنا من أرضك وإن تحولت عنها فنحن أحق بها". أخرجه
ابن آدم فى "الخراج" (ص ٦١ رقم ١٨٨) أيضا، وهو مرسل صحيح، وأخرجه عبد
الرزاق وابن شيبة أيضا (دراية ص٢٦٨).
٤١٠٨- حدثنا الأشجعى عن سفيان عمن حدثه عن ابن سيرين "أنه ورث من
أبيه أرضًا فكان يؤدى عنها الخراج". رواه ابن آدم (ص٥٩ رقم ١٧٩) أيضا، وفيه رجل
لم يسم وظنى أنه عبد العزيز بن قدير، وهو ثقة. فإن أبا عبيد (ص٨٤ رقم ٢٢٢)،
أخرج معناه عن قبيصة عن سفيان عنه عن ابن سيرين. وذكرناه اعتضادًا، والأشجعى
هو عبيد الرحمن مصغرا، كلاهما ثقة مأمون أثبت الناس كتابا فى الثورى من كبار
التاسعة (تقريب ص١٣٦).
قوله: " حدثنا الأشجعى إلخ". قلت: فلو كان الخراج يسقط عن المسلم ويوضع على أرضه
العشر بعد ما صارت إليه لكان ابن سيرين أحق بذلك كما لا يخفى. ولكن الأئمة لم يسقطوا
الخراج عن أرضه التى ورثها من أبيه، فدل على ما قلنا إن من أسلم من أهل الخراج أخذ منه الخراج
على حاله. قال الموفق فى "المغنى": فأما ما صولحوا عليه على أن الأرض لهم، ونفرهم فيها بخراج
معلوم فهذا الخراج فى حكم الجزية تسقط بإسلامهم والأرض لهم لا خراج عليها، لأن الخراج
الذى ضرب عليهم إنما كان من أجل كفرهم بمنزلة الجزية المضروبة على رؤوسهم، فإذا أسلموا
سقط كما تسقط الجزية وتبقى الأرض ملكا لهم، لا خراج عليها. ولو انتقلت الأرض إلى مسلم
لم يجب عليها خراج لذلك اهـ (٥٨٤:٢).
قلت: قد خالفك الأئمة فإنهم لم يسقطوا الخراج عن ابن سيرين بعد ما انتقلت أرض أبيه
إليه، ولم يسقط عمر الخراج عن الدهقانة، ولا عن الرفيل وابنه ولا على عن الدهقان الذين أسلموا
وكفى بهما قدوة، وأما قوله: إن الخراج ضرب عليهم لأجل كفرهم، فهو عين النزاع بل إنما ضرب
عليهم عوضًا عن القسمة التى طلبها المسلمون من عمر رضى الله عنه كما قسم رسول الله مرّ له
خيبر سهمانا، فلم يجبهم إلى ذلك نظرًا لمن يأتى من المسلمين بعدهم، فضرب الخراج ليكون مادة
لهم أجمعين كما مر فتذكر. وإذا كان كذلك فلا يجوز إسقاط الخراج عن أرض الخراج بحال ولو
أسلم صاحبها، أو انتقلت إلى مسلم بالشراء والوراثة ونحوها.

ج - ١٢
٤٣٣
٤١٠٩- حدثنا مجالد بن سعيد عن عامر (هو الشعبى) عن عتبة بن فرقد "أنه
قال: اشتريت أرضا من أرض السواد فقال عمر: أنت فيها مثل صاحبها". أخرجه أبو
يوسف فى "الخراج" (دراية ص٢٦٨). قلت: ومجالد فيه مقال وسنده حسن على
أصلنا، وعزاه الزيلعى فى "نصب الراية" (٤٩:٢) إلى البيهقى فى " كتاب المعرفة"،
وقال يحيى بن آدم فى "الخراج" له (ص٣٤ رقم ٣٥): قال عمر لعتبة بن فرقد حين
اشترى أرض خراج فقال عمر: أدعنها ما كنت تؤدى، ذكره معلقا وجزم مثله بشىء
حجة، کما مر فى الأصول.
٤١١٠- حدثنا إسرائيل عن منصور عن إبراهيم فى الرجل من أهل السواد يسلم
قال: إن أسلم وأقام بأرضه أخذ منه الخراج. قال يحيى: حدثنا قيس عن منصور عن
إبراهيم مثله وأخرجه بطريق حسن بن صالح عن منصور أيضا (كتاب الخراج لابن آدم
ص٦٢ رقم ١٩١)، قلت: وهذه أسانيد حسان صحاح.
باب يجوز للمسلم أن يشترى أرض الخراج من الذمى ويؤخذ منه الخراج
٤١١١- حدثنا أبو معاوية ويزيد بن عبد العزيز عن الأعمش عن شقيق بن سلمة
قوله: "حدثنا مجالد بن سعيد إلخ". دلالته على معنى الباب ظاهرة. وقد ذكرنا طريق
الجمع بينه وبين ما روى عنه أنه اشترى أرضا على شاطئ الفرات فقال له عمر: ممن اشتريتها؟ قال:
من أهلها قال: هؤلاء أهلها وأشار إلى المهاجرين والأنصار، أخرجه أبو عبيد (ص٨٤) ويحيى بن
آدم فى "الخراج" له (ص٥٧)، وفى سنده بكير بن عامر أبو إسماعيل الكوفى ضعفه ابن معين،
وتركه حفص بن غياث وجرحه عمرو بن على وأحمد فى رواية، ووثقه آخرون (تهذيب ٤٩١:١)
وهو من رجال ابن ماجة وحده، ومجالد أرفع حالا منه فإنه من رجال مسلم والأربعة وثقه النسائى
وكفى به موثقا. وقال البخارى: صدوق وقال العجلى: جائز الحديث وقال يعقوب بن سفيان:
تكلم الناس فيه وهو صدوق. وقال محمد بن المثنى: يحتمل حديثه بصدقه، وقال العجلى: مجالد
أرفع من أشعث، وتكلم فيه آخرون (تهذيب ٤٠:١٠ و٤١).
قوله: "حدثنا إسرائيل إلخ". دلالته على معنى الباب ظاهرة، وكفى بقول إبراهيم حجة.
باب يجوز للمسلم أن يشترى أرض الخراج من الذمى ويؤخذ منه الخراج
قوله: حدثنا أبو معاوية إلخ". قلت: فيه دليل على جواز دخول المسلم فى أرض الخراج،

٤٣٤
يجوز للمسلم أن يشترى أرض الخراج من الذمى ويؤخذ منه الخراج
إعلاء السنن
عن مسروق قال: وقال عبد الله: بينما رجل ممن كان قبلكم قائم فى أرضه يسقيها إذا
ارتفعت عنانة ترهيا (تهيات للمطر) فقال: هذه تسقى أرضى قال: فسمع فيها صوتًا أن
أسقى أرض فلان". فذكر حديثا طويلا قال مسروق: فكان عبد الله يبعثنى إلى أرضه
بزبارا وقال الآخر بالسالحين فاصنع مثل ذلك كل عامر رواه ابن آدم فى "الخراج"
(ص٧٩ رقم ٢٥٢)، وسنده صحيح.
٤١١٢- حدثنا عبد السلام بن حرب عن حجاج عن القاسم بن عبد الرحمن
قال: جاء دهقان إلى عبد الله بن مسعود فقال: اشتر أرضى فقال عبد الله: على أن
تکفینی خراجها قال: نعم فاشتراها منه. أخرجه یحیی بن آدم وسنده حسن، ثم
أخرجه بطريق حفص بن غياث عن مجالد عن الشعبى وهو شاهد له (كتاب الخراج
ص٥٦ رقم ١٦٦).
٤١١٣- حدثنا حسن بن صالح عن ابن أبى ليلى "قال: اشترى الحسن بن على
فإن زبارا وسالحين كلاهما من أرض السواد، وهى أرض خراج قال ياقوت: زبارا موضع أظنه من
نواحى الكوفة ذكر فى قتال القرامطة أيام المقتدر، ولم أجد ضبطه قال المحشى: وقد وجدته مذ کورا
فى تاريخ الطبرى، قال: وخرج أهل الكوفة يستقبلون ابن الأشعث حين أقبل بعد ما جاز قنطرة
زبارا (١٤:٨). وهذا فى عصر بنى أمية سنة ٨٢. والسالحين قال ياقوت: والعامة تقول صالحين
وكلاهما خطأ وإنما هو السيلحين بفتح السين واللام بينهما ياء ساكنة. ويظهر من كلامه أنها
مواضع بهذا الاسم منها موضع بين الكوفة والقادسية كذا فى حاشية "الخراج" لابن آدم (ص ٨٠).
قوله: "حدثنا عبد السلام بن حرب إلخ". دلالته على جواز دخول المسلم فى أرض الخراج
ظاهرة وفيه دليل على أن أرض الخراج لا يسقط خراجها بانتقالها إلى المسلم وإلا لم يكن لقوله
على أن تكفينى خراجها، معنى، وتأوله أبو عبيد فى "الأموال" على الاكتراء قال: لأنه لا يكون
مشتريا. والجزية على البائع وقد خرجت الأرض من ملكه (ص٧٨) قلت: وكيف لا يكون ذلك
وإنما اشترى الأرض، ولم يشتر الخراج، وكيف يسوغ حملها على الاكتراء، وقد ثبت أن ابن
مسعود رضى الله عنه كانت له أرض خراجية كان يؤدى خراجها، ولا يجوز صرف الكلام عن
الحقيقة ما أمكنت، فافهم.
قوله: "حدثنا حسن بن صالح إلخ". قلت: دلالته على معنى الباب ظاهرة. ويؤيده ما رواه
أبو حنيفة عمن حدثه وسيأتى. وفى كل ذلك دليل على جواز دخول المسلم فى أرض الخراج.

٤٣٥
ج - ١٢ يجوز للمسلم أن يشترى أرض الخراج من الذمى ويؤخذ منه الخراج
ملحة أو ملحًا واشترى الحسين سويدين من أرض الخراج، وقال: قد رد إليهم عمر
أراضيهم وصالحهم على الخراج الذى وضعه عليهم. قال: وكان ابن أبى ليلى لا يرى
بشراها بأسا" .
٤١١٤- حدثنا عبد الرحيم عن أشعث عن الحكم عن شريح أنه اشترى أرضا من
أرض الحيرة يقال له "زبا" أخرج الأثرين يحيى بن آدم فى "الخراج" (ص٥٧ و ٥٨)،
والأول مرسل والثانی سنده حسن.
٤١١٥- حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن حماد بن سلمة عن رجاء أبى المقدام
(ثقة تقريب) عن نعيم(١) بن عبد الله "أن عمر بن عبد العزيز أعطاه أرضه بجزيتها، قال
عبد الرحمن: يعنى من أرض السواد".
٤١١٦- حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد عن عمر بن عبد العزيز
"قال: إنما الجزية على الرؤوس، وليس على الأرض جزية". رواه أبو عبيد الله فى
"الأموال" (ص ٨٤ رقم ٢٢٣) أيضا، وهو مرسل حسن.
٤١١٧- حدثنا قيس بن الربيع عن شمر بن عطية عن المغيرة بن سعد بن الأخرم
عن أبيه، قال: سمعت عبد الله ((قال: قال رسول الله عَ ليه: لا تتخذوا الضيعة فترغبوا فى
الدنيا قال: ثم يقول عبد الله: وبالمدينة ما بالمدينة، وبراذان ما براذان)). أخرجه ابن آدم فى
"الخراج" (ص٨٠ رقم ٢٥٤)، وأبو عبيد فى "الأموال" (ص٨٤ رقم ٢٢١) عن
قوله: "حدثنا عبد الرحمن بن مهدى إلخ". وقوله: "حدثنا عبد الله بن صالح إلخ" دلالتهما
على جواز دخول المسلم فى أرض الخراج ظاهرة. وقد مر تفسير قول عمر بن عبد العزيز ليس على
الأرض جزية التى جعلها الله صغارا، فتذكر. ولا يخفى أن دلائل هذا الباب دلائل للباب المتقدم
أيضا، وبالعكس.
قوله: "حدثنا قيس بن الربيع عن شمر إلخ" قال أبو عبيد بعد ما ذكر أدلة كراهة الدخول
فى أرض الخراج: ومع هذا كله أنه قد سهل فى الدخول فى أرض الخراج أئمة يقتدى بهم ولم
يشترطوا عنوة ولا صلحا، منهم من الصحابة -عبد الله بن مسعود- ومن التابعين - محمد بن
سيرين وعمر بن عبد العزيز- وكان ذلك رأى سفيان الثوری، فیما يحكى عنه. فأما حديث ابن
(١) مقبول (التقريب).

٤٣٦
يجوز للمسلم أن يشترى أرض الخراج من الذمى ويؤخذ منه الخراج
إعلاء السنن
حجاج عن شعبة عن أبى التياح عن رجل من طئ حسبته قال: عن أبيه عن عبد الله بن
مسعود ((قال: نهى رسول الله مَّه عن التبقر فى الأهل والمال، ثم قال عبد الله: فكيف
بمال براذان وبكذا وبكذا؟)) وروى الترمذى (٥٦:٢) المرفوع منه بلفظ ابن آدم وسنده.
وقال: هذا حديث حسن.
٤١١٨- حدثنى الأعمش عن إبراهيم بن المهاجر عن موسى بن طلحة "قال:
أقطع عثمان بن عفان لعبد الله بن مسعود فى النهرين ولعمار بن ياسر إستينيا وأقطع
خبابا صنعاء وأقطع سعد بن مالك قرية هرمزان قال: فكل جار قال: فكان عبد الله بن
مسعود وسعد يعطيان أرضهما بالثلث والربع". رواه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له
(ص٧٣)، وأبو عبيد فى "الأموال" (ص٢٧٨ رقم ٢٨٩) نحوه وابن آدم فى
"الخراج" (ص٧٨ رقم ٢٤٨) بطريق قيس بن الربيع عن إبراهيم عنه "قال: أقطع
مسعود فإن حجاجا حدثنى عن شعبة فذكر حديث المتن اهـ (ص٨٣). وفيه دليل على أن راذان من
أرض الخراج، وكتب محشى الأموال وكذا محشى الخراج لابن آدم أنها قرية بنواحى المدينة اهـ.
وقد مر أن أرض العرب لا يوضع عليها الخراج البتة. وفى القاموس "رذان" كسحاب قرية
بنيسابور و "راذان" عين اهـ. وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: " ومعلوم أن راذان من أرض
الخراج فلم يكره عبد الله ملك أرض الخراج اهـ (١٠٢:٣)، والله تعالى أعلم.
والأثر احتج به العلماء على جواز الدخول فى أرض الخراج، فالظاهر أن راذن قرية من قرى
السواد علی عین تسمی بها كما جزم بذلك الجصاص وحسبك به.
قوله: " حدثنا الأعمش إلخ" دلالته على معنى الباب ظاهرة وقد أنكر البلويون على عثمان
إقطاعه جماعة من الصحابة من أراضى العراق. وقالوا: إنه أقطع فىء الله على المسلمين بعضا منهم
بغير حق، وأجاب الشعبى بعض من قال بقولهم بأحسن جواب قال الطبرى فى تاريخه: وعن
سيف عن عمرو بن محمد عن عامر (هو الشعبى) قال: أقطع الزبير وابن مسعود وابن ياسر وابن
هبار زمان عثمان، فإن يكن عثمان أخطأ فالذين قبلوا منه الخطأ أخطأوا، وهم الذين أخذنا عنهم
ديننا، وأقطع عمر طلحة وجرير بن عبد الله، والربيل بن عمرو وأقطع أبا مفرز دار الفيل فى عدد
ممن أخذنا عنهم، وإنما القطائع على وجه النقل من خمس ما أفاء الله، وكتب عمر إلى عثمان بن
حنيف مع جرير أما بعد! فأقطع جرير بن عبد الله قدر ما يقوته لا وكس ولا شطط، فكتب عثمان

٤٣٧
ج - ١٢ يجوز للمسلم أن يشترى أرض الخراج من الذمى ويؤخذ منه الخراج
عمر رضى الله عنه، وذكر الزبير مكان عمار بن ياسر، وزاد أسامة وفى لفظ ابن آدم:
فأما أسامة فباع أرضه، وتفرد قيس بذكر عمر، وإنما أقطعهم عثمان". كما قاله
الأعمش، وتابعه سفيان عند أبى عبيد، وسند أبى يوسف وأبى عبيد سند صحيح.
إلى عمر أن جريرا قدم على بكتاب منك تقطعه ما يقوته فكرهت(١). أن أمضى ذلك حتى أراجعك
فيه، فكتب إليه عمر أن قد صدق جرير فأنفذ ذلك وقد أحسنت فى مؤامرتى، وأقطع (أى عمر)
أبا موسى وأقطع على رضى الله عنه كردوس بن هانئ الكردوسية، وأقطع سويد بن غفلة الجعفى
(أرضا لداذويه، كما ذكره سيف) اهـ (١٤٨:٤).
وقد أثبت أبو عبيد فى "الأموال" جواز الإقطاع عن رسول الله عرّ وعن أبى بكر
وعمر رضى الله عنهما، وقد ذكرنا بعض ذلك فيما مضى، فتذكر. قال أبو عبيد: ولهذه الأحاديث
التى جاءت فى الإقطاع وجوه مختلفة إلا أن حديث النبى معَّ الذى ذكرناه فى عادى الأرض هو
عندى مفسر لما يصلح فيه الإقطاع من الأرضين ولما لا يصلح. والعادى كل أرض كان لها ساكن
فى آباد الدهر، فانقرضوا، فلم يبق منهم أنيس فصار حكمها إلى الإمام، وكذلك كل أرض موات
لم يحيبها أحد ولم يملكها مسلم ولا معاهد، وإياها أراد عمر بكتابه إلى أبى موسى إن لم تكن أرض
جزية ولا أرضا يجرى إليها ماء جزية، فأقطعها إياه.
فقد بين أن الإقطاع ليس يكون إلا فيما ليس له مالك فإذا كانت الأرض كذلك فأمرها إلى
الإمام، ولهذا قال عمر: لنا رقاب الأرض سمعت أزهر السمان يحدثه عن ابن عون عن ابن سيرين
عن عمر. وأما إقطاع أبى بكر طلحة وعيينة وما كان من إنكار عمر ذلك وامتناعه من الختم عليه،
فلا أعلم لهذا مذهبًا إلا أن يكون رأى عمر أنه كان يومئذ يكره الإقطاع، ولا يراه، ثم رأى بعد ما
أفضى الأمر إليه غير ذلك فقد علمنا أنه قد أقطع غير واحد فى خلافته، وهذا كالرأى يراه الرجل
ثم يتبين له الرشد فى غيره، فيرجع إليه، وهذا من أخلاق العلماء قديما وحديثًا. وأما إقطاع عثمان
من أقطع من الصحابة وقبولهم إياه. فإن قوما قد تأولوا أن هذا من السواد، وقد سألت قبيصة هل
كان فيه ذكر السواد؟ فقال: لا، فإن يكن كما تأولوا، فإنه عندى من الأصناف التى كان أصفاها
عمر من أرض السواد، حدثنى نعيم بن حماد عن عبد الله بن المبارك عن عبد الله بن الوليد عن عبد
الملك بن أبى حرة عن أبيه ((قال أصفى عمر من السواد عشرة أصناف)) الحديث.
(١) هذا هو الحزم الذى حبلت عليه الصحابة رضى الله عنهم.

٤٣٨
يجوز للمسلم أن يشترى أرض الخراج من الذمى ويؤخذ منه الخراج
إعلاء السنن
٤١١٩- حدثنا قيس عن برد أبى العلاء عن مكحول، "قال: قال رسول الله عَ ليه
جعل رزق هذه الأمة فى سنابك خيلها وأزجة رماحها ما لم يزرعوا فإذا زرعوا كانوا
قال أبو عبيد: فهذه كلها أرضون قد جلا عنها أهلها فلم يبق بها ساكن ولا لها عامر فكان
حكمها إلى الإمام كما ذكرنا فى عادى الأرض، فلما قام عثمان رأى أن عمارتها أرد على
المسلمين، وأوفر لخراجهم من تعطيلها فأعطاها من رأى إعطائه على أن يعمروها كما يعمرها
غيرهم ويؤدوا عنها ما يجب للمسلمين عليهم. فأما أن يكون وجه هذا عندى على ما يحمله عليه
ناس من الناس (أنه أقطعهم إياها وأسقط عنها الخراج) فلا، قال أبو عبيد: ومما يثبت أن عثمان إنما
كان إقطاعه مما أصفى عمر أنه يروى فى غير حديث سفيان بن عيينة تسمية القرى التى كان أقطع
صعنبًا، والنهرين، وقرية هرمز، وكان هرمز أحد الأكاسرة، فهذا مفسر لما قلنا: إنه إنما أقطع من
تلك الأرضین التی لم يبق لهارب اهـ (ص٢٧٨ و ٢٨٤).
وبهذا تبين أن ما ورد فى رواية الخراج لأبى يوسف أنه أقطع خبابًا "صنعاء" قد وقع فيه
تصحيف من الناسخين، فإن صنعاء بلدة كبيرة عامرة باليمن لا يصح للإمام أن يقطعها، وإنما هو
"(صعنب" أرض من أراضى السواد من الصوافى، والله تعالى أعلم.
قوله: "حدثنا قيس إلخ". قلت: هذا هو محمل ما روى عن بعض الصحابة والتابعين من
كراهتهم الدخول فى أرض الخراج فمنه ما رواه يحيى بن آدم فى الخراج حدثنا عبد السلام بن
حرب عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن شقيق العقيلى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ((أنه
نهى أن يشترى أحد من أرض الخراج أو رقيقهم شيئا وقال: لا ينبغى لمسلم أن يقر بالصغار فى
عنقه)). قلت: وشقيق هذا لم أعرف من ترجمه، والظاهر من "التقريب والتهذيب" أنه مجهول
وأخرجه ابن آدم من طريق سفيان الثورى عن داود عن محمد بن سيرين ((قال نهى عمر رضى الله
عنه عن بيع رقيق أهل الذمة وأراضيهم)) (ص ٥٥) وهذا سند صحيح على إرساله ولكنه فى البيع
دون الشراء، وإنما نهى عن بيع ذلك لأنا صالحناهم على أن لهم أولادهم وأراضيهم، فلا يجوز لنا
أن ننزع عنهم أموالهم ونبيعها. ثم أخرجه بأسانيد عديدة من طريق الحسن قال: قال عمر بن
الخطاب رضى الله عنه: ((لا تشتروا من عقار أهل الذمة، ولا من بلادهم شيئا». قال یحیی: وحدثنا
هشیم عن يونس عن الحسن مثله ولم يبلغ به عمر.
وبالجملة فالنهى لعلة الصغار لم يثبت عن عمر رضى الله عنه، والذی ثبت عنه إنما هو مجرد
النهى عن اشتراها ومجملها المعنى الذى أفاده أثر مكحول وإنما قيده لعقار أهل الذمة لكونهم

٤٣٩
ج - ١٢ يجوز للمسلم أن يشترى أرض الخراج من الذمى ويؤخذ منه الخراج
من الناس"، رواه ابن آدم فى "الخراج" (ص ٨٠ رقم ٢٥٥)، وهو مرسل حسن وبرد أبو
العلاء صدوق من الخامسة (تقريب ص٢٢).
أصحاب العقار والزرع إذ ذاك، ولأن الخراج أشد من العشر فلا ينبغى للمسلم أن يشدد على نفسه
فنهى عن ذلك تنزيها، قال يحيى حدثنا عبدة عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن على رضى الله
عنه ((أنه كان يكره أن يشترى من أرض الخراج شيئا، ويقول: عليها خراج المسلمين)) (ص٥٩)
وهذا منقطع ومحمله أن المسلم إذا اشترى أرض الخراج فعسى أن يتمادى الزمان، ويدعى ورثته أن
الأرض ليست بخراجية بل عشرية لكونها فى أيدى المسلمين من دهر طويل.
ومنه ما رواه أبو عبيد حدثنی هشام بن عمار حدثنا یزید بن سمرة أبو هزان حدثنی یحیی
ابن أبى عمرو الشيبانى عن عبد الله بن عمرو بن العاص ((قال: ألا أخبر كم بالراجع على عقبيه؟
رجل أسلم فحسن إسلامه وهاجر فحسنت هجرته، وجاهد فحسن جهاده. فلما قفل حمل أرضا
بجزيتها، فذلك الراجع على عقبيه)) (ص٧٩) وأبو هزان ذكره ابن حبان فى الثقات وقال: ربما
أخطأ، كذا فى "اللسان" (٢٨٨:٦) ويحيى بن أبى عمرو عن عبد الله بن عمرو مرسل. قال فى
"التقريب": ثقة من السادسة وروايته عن الصحابة مرسلة (ص٢٣٦)، ومحمله ما إذا اختار العقار
والزراعة، وأعرض عن الجهاد.
ومنه ما رواه ابن آدم فى "الخراج" حدثنا سفيان بن سعيد (هو الثورى) عن جابر (هو
الجعفى) عن القاسم عن عبد الله ((قال: من أقر بالطبق فقد أقر بالصغار)) (ص٥٦) وجابر ضعيف
ويعارض ما رواه ما أودعناه فى المتن أن ابن مسعود كان له أرض خراج، وكذا غيره من الصحابة
رضى الله عنهم فإن كان ذلك صغارا لم يرضوه لأنفسهم ولم يقل سفيان بجواز الدخول فيها،
وهو يروى ذلك عن جابر عن القاسم عن ابن مسعود فإما أن يكون لم يعتمد على ما رواه جابر أو
حمله على أنه يشبه الصغار فينبغى التنزه عنه ولم يحمله على التحريم، وهذا هو الذى يقول به،
وهو قول الشعبى قال يحيى بن آدم: حدثنا سفيان بن سعيد عن عيسى بن المغيرة (هو أبو شهاب
التيمى الكوفى ذكره ابن حبان فى "الثقات")، قال: سألت الشعبى عن شرى أرض الخراج. قال:
ما أقول: إنه ربا (أی حرام) ولا آمر به اهـ (ص٥٨).
وقال المحقق فى "الفتح" بعد ما ذكر بعض ما يدل على اشتراء بعض الصحابة أرض الخراج
ما نصه: "فدل على جواز الشراء للمسلم وعدم كراهته لا كما يقول بعض المتقشفة رحمة الله
عليهم ورحمنا بهم من كراهة ذلك؛ لما روى أنه عليه الصلاة والسلام رأى شيئا من آلات الحراثة

٤٤٠
يجوز للمسلم أن يشترى أرض الخراج من الذمى ويؤخذ منه الخراج
إعلاء السنن
٤١٢٠- حدثنا أبو حنيفة رضى الله عنه عمن حدثه قال: "كان لعبد الله بن
مسعود أرض خراج، وكان لخباب أرض خراج، وكان للحسين بن على رضى الله
عنهم أرض خراج ولغيرهم من الصحابة رضى الله عنهم، وكان لشريح أرض خراج،
فكانوا يؤدون عنها الخراج". رواه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" (ص٧٤)، وهذا
مرسل، فإن شيوخ الإمام ثقات عندنا لا يحدث إلا عن ثقة عنده.
فقال: ما دخل هذا بيت قوم إلا ذلوا، ظنا منهم أن الذل بالتزام الخراج، وليس كذلك، بل المراد أن
المسلمين إذا اشتغلوا بالزراعة، وأتبعوا أذناب البقر قعدوا عن الغزو فكر عليهم عدوهم فجعلوهم
أذلة لا ما ذكروه إلخ" (٢٨٦:٥) وأيضا إذا اشتغل المسلمون بالزراعة واشتروا أرض الخراج اشتغل
أهل الذمة بالتجارة، وتحصيل العلوم والصنائع وخرجوا من أسباب الذلة إلى مراقى العزة، وفى ذلك
وهن للمسلمين شديدا وأما إذا لم يخلوا بالجهاد والغزو ولا بالتجارة وتعلم العلم والصناعة وغلبوا
على باب العزة كلها فلا بأس بأن يشتغل جماعة منهم بالزراعة، ويغلبوا على خزائن الأرض أيضا،
هذا ما عندى، والله تعالى أعلم بالصواب.
قوله: "حدثنا أبو حنيفة إلخ" دلالته على معنى الباب ظاهرة ولا فرق بين أرض اشتراها وبين
ما ورثها عن أبيه أو أقطعه الإمام إياها، فإن العلة التى بها كره الدخول فى أرض الخراج من كرهه
إنما هى كون الخراج صغارا عنده وهى مشتركة فى هذه الفصول كلها. وأما من كره اشتراءها
لأجل كونها فيئا للمسلمين وقفا عليهم فقد بينا ما يدل على أن معنى كونها وقفا ليس هو كما
زعمه هؤلاء من منع بيعها وقسمتها وتوارثها بين أهلها، بل المراد منع قسمتها بين الغانمين سهمانا
قاله ابن القيم: وقد مر الكلام على ذلك مستوفى فى باب قسمة الغنائم فليراجع. وقد أشرنا إلى
ذلك فى باب "أرض السواد خراجية" وفى باب "الخراج الذى وضعه عمر رضى الله عنه على
أرض السواد"، فافهم.
فائدة: قال أبو عبيد: "فهذا ما تكلموا فيه من الكراهة والرخصة (فى شراء أرض الخراج)
وإنما كان اختلافهم فى الأرضين المغلة التى يلزمها الخراج من ذوات المزارع والشجر. فأما المساكن
والدور بأرض السواد فما علمنا أحدا كره شراءها وجيازتها وسكناها. قد اقتسمت بالكوفة خططا
فى زمن عمر بن الخطاب، وهو إذن فى ذلك؛ ونزلها من أكابر الصحابة رجال فذكر أسماءهم، ثم
قدمها على رضى الله عنه فيمن معه من الصحابة، فأقام بها خلافته كلها. ثم كان التابعون بعد بها،
فما بلغنا أن أحدا منهم ارتاب بها ولا كان فى نفسه منها شىء بحمد الله ونعمته اهـ (ص٧٥).