Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ هل يعشر من الذمى والحربى فى السنة أكثر من مرة إعلاء السنن (تقريب ص١٤١). وأخرجه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٥٣٨). حدثنا محمد بن كثير عن حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن ابن زياد بن حدير عن أبيه، وأبو يوسف الإمام فى "الخراج" له (ص ١٦٢)، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله المسعودى عن جامع ابن شداد عن زياد بن حدير "أنه مد حبلا على الفرات فمر عليه رجل نصرانى فأخذ منه ثم انطلق فباع سلعته، فلما رجع مر عليه فأراد أن يأخذ منه، فقال: كلما مررت عليك تأخذ منى؟ فقال: نعم! فرحل الرجل إلى عمر بن الخطاب فوجده بمكة يخطب الناس، وهو يقول: ألا إن الله جعل البيت مثابة فلا أعرفن من انتقض أحدا من مثابة الله شيئا، قال: فقلت له: يا أمير المؤمنين! إنى رجل نصرانى، مررت على زياد بن حدير فأخذ منى ثم انطلقت فبعت سلعتی، ثم أراد أن يأخذ منی قال: ليس له ذلك ليس له عليك فی مالك فى السنة إلا مرة واحدة، ثم نزل فكتب إليه فى، ومكثت أياما ثم أتيته فقلت له: أنا الشيخ النصرانى الذى كلمتك فى زياد، فقال: وأنا الشيخ الحنيفى، قد قضيت حاجتك " وهذا سند حسن. ٤٠٥٩- حدثنا يزيد عن جرير بن حازم، قال: قرأت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدى بن أرطاة "أن يأخذ العشور ثم يكتب بما يأخذ منهم البراءة، ولا يأخذ منهم من ذلك المال ولا ربحه زكاة سنة واحدة ويأخذ من غير ذلك المال إن مر به". رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٥٣٨). ورجاله ثقات ويزيد هو ابن هارون من رجال الجماعة ثقة متقن (تقريب ص ٢٤١). أكثر من مرة؛ لأن الحق الذى لزمه قد قضاه فلا يقضى حق واحد من مال واحد مرتين، وإن كان مر بمال سواه أخذ منه وإن جدد ذلك فى كل عام مرارًا إذا كان قد عاد إلى بلاده ثم أقبل بمال سوى المال الأول؛ لأن المال الأول لا يجزئ عن الآخر ولا يكون فى هذا أحسن حالا من المسلم، ألا ترى أنه لو مر بمال لم تؤد ز كاته أخذت منه الصدقة ثم إن مر بمال آخر فی عامه ذلك لم تكن أخذت منه الزكاة يؤخذ منه من ماله هذا أيضًا، لأن الصدقة الأولى لا تكون قاضية عن المال الآخر، قال أبو عبيد: فهذا ما فى أهل الذمة، فأما أهل الحرب فكلهم يقول: إذا انصرف إلى بلاده ثم عاد بماله ذلك أو بمال سواه أن عليه العشر كلما مر؛ لأنه إذا دخل دار الحرب بطلت عنه أحكام المسلمين، فإذا عاد إلى دار الإسلام كان مستأنفا للحكم كالذى لم يدخلها قط لا فرق بينهما اهـ (ص٥٣٩). ٣٨٢ ج - ١٢ باب هل یحلف المسلم أو الذمی إذا ادعی أنه لم يحل الحول أو أنه أداها إلى عاشر آخر ونحوه؟ : ٤٠٦٠- حدثنى أحمد بن عثمان عن عبد الله بن المبارك عن قرة بن خالد عن رجل من بنى ضبة قال: "مررت بحميد بن عبد الرحمن الحميرى وهو على السلسلة، وذلك فى رمضان فأمر بسفينتى فحبست ثم استحلفنى أنه ما فى سفينتى إلا ما سميت من الطعام". رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٥٤٠) وابن أبى شيبة فى "المصنف" (ص٥٠) عن معتمر عن قرة عمن حدثه ورجاله ثقات وفیه رجل لم يسم. وهذا منه حكاية الإجماع ودلالته على الجزء الأخير من الباب -وهو المستثنى - ظاهرة. باب هل يحلف المسلم أو الذمى إذا ادعى أنه لم يحل عليه الحول، أو أنه أداها إلى عاشر آخر ونحوه؟ قوله: "حدثنى أحمد بن عثمان إلخ". قلت: الأثران كلاهما لا يصلحان للاحتجاج على قاعدة المحدثين، وقد اختلف حميد بن عبد الرحمن الحميرى (وهو ثقة فقيه من الثالثة، تق (ص٤٧). وعبد الله بن مغفل المزنى (ثقة من كبار الثالثة تق (ص١١٣) وأبو وائل (شقيق بن سلمة الأسدى ثقة مخضرم تق ص٥٨). فذهب الأولان إلى جواز الاستخلاف وأبو وائل إلى عدم جوازه، والقياس يؤيد ما قالاه؛ لأن من أنكر تمام الحول ونحوه كان منكراً للوجوب، والقول قول المنكر مع اليمين، والعبادات وإن كانت يصدق فيها بلا تحليف لكن تعلق به هنا حق العبد وهو. العاشر فى الأخذ فهو يدعى عليه معنى لو أقر به لزمه فيحلف لرجاء النكول؛ فاندفع قول أبى يوسف لا يحلف المسلم لأنها عبادة (فى حقه) وكذا إذا قال: هذا المال ليس للتجارة أو هو بضاعة لفلان وكل ما وجوده مسقط اهـ من "فتح القدير" ملخصا (١٧٢:٢). قال أبو عبيد: فإن ارتاب العاشر بما ادعاه المسلم أو الذمى أو الحربى فأراد إحلافه على ذلك فإن سفيان قال: لا أرى أن يستحلف عليه المسلمون، لأنهم مؤتمنون على زكاتهم. وقال غير سفيان من أهل العراق: يستحلفون، وكذلك أهل الذمة فى هذا هم بمنزلة المسلمين كل شىء صدق فيه هؤلاء صدق فيه الآخرون، وأما مالك، فإنه يقبل للذمى قولا ولا يمينًا، وكيف تقبل يمينه، وهو لا تقبل بينته. قال أبو عبيد: وقد اختلف الناس فى الأحلاف قديمًا فذكر الأثرين الذين ذكرناهما فى المتن، وكلهم يقولون: لا يصدق الحربى فى شىء مما يدعى من دين عليه أو قوله: إن هذا المال ليس نى، لكن يؤخذ على كل حال إلا أن أهل العراق يقولون: يصدق الحربى فى خصلة واحدة إذا مر ٣٨٣ هل يحلف المسلم أو الذمی لو ادعا عدم وجوبها إعلاء السنن ٤٠٦١- حدثنى يحيى بن سعيد عن أبى بكر السراج حدثنى أبو وائل قال: مررت بعبد الله بن معقل بالسلسلة وهو على العشور بالقنطرة وهو يحلف الناس فقلت: يا ابن معقل! لم تحلف الناس تلقيهم فى النار هلكت، وأهلكت فقال: إن لم أفعلَ لم يعطونى شيئا فقلت: وما عليك؟ خذ ما أعطوك)). رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص ٥٤٠) وابن أبى شيبة فى "المصنف" (ص ٥٠) عن عباد بن العوام عن الزبرقان عن عبد الله بن معقل. وأبو بكر السراج لم أعرف من ترجمه، ولكن يحيى بن سعيد لا يحدث إلا عن ثقة وسند ابن أبى شيبة قد صحفه الناسخون، ولم أقدر على تعيين الزبرقان هذا. بجوار فقال: هؤلاء أمهات أولادى قبل منه ولم يؤخذ عشر قيمتهن اهـ ملخصا (ص٥٣٩و٥٤٠). وقال الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له: "وإذا مر المسلم على العاشر بغنم أو بقر أو إبل فقال: إن هذه ليست سائمة أحلف على ذلك فإذا حلف كف عنه، وكذلك كل طعام يمر به عليه، فقال: هو من زرعى وكذلك التمر يمر به فيقول: هو من تمر نخلى، فليس عليه فى ذلك عشر إنما العشر فى الذى اشترى للتجارة وكذلك الذمى، فأما الحربى فلا يقبل منه ذلك. قال: وإذا مر التاجر على العاشر بمال أو بمتاع، وقال: قد أدیت ز کاته وحلف على ذلك فإن ذلك يقبل منه ویکف عنه ولا يقبل فى هذا من الذمى ولا من الحربى، لأنه زكاة عليهما يقولان قد أديناها. (قلت: فينبغى أن لا يكف عنهما إذا قالا لم يمر عليه الحول، فإن الحول إنما هو شرط فى الزكاة ولا زكاة عليهما) قال: ومن مر بمال فادعى أنه مضاربة أو بضاعة، لم يعشر بعد أن يحلف على ذلك اهـ (ص ١٦٠) ،، أى إذا كان مسلماً أو ذميا، فإن كان حربيا لم يقبل قوله. وبالجملة: فقول أبى يوسف فى "كتاب الخراج" موافق لأبى حنيفة، ومحمد رحمهما الله تعالى فى أنه يحلف المسلم والذمى إذا ادعيا ما يسقط الزكاة، أو العشر عنهما. وروى عنه أن لا يستحلف المسلمون، وهو قول سفيان وله سلف فى ذلك من قول أبى وائل شقيق بن سلمة الأسدى الفقيه المخضرم. وهو أعلم الناس بحديث عبد الله. وقال النخعى: أدركت الناس وهم متوافرون وأنهم ليعدونه من خيارهم كذا فى "التهذيب" (٣٦٢:٤) فهو تابعى كبير قد ظهرت فتياه فى زمن الصحابة وقول مثله حجة عندنا، فقوله أولى من فعل حميد بن عبد الرحمن وعبد الله ابن معقل فإنهما من الطبقة الوسطى من التابعين، والله تعالى أعلم. ٣٨٤ ج - ١٢ باب هل يعشر الخمر والخنزير إذا مر بهما الذمى أو الحربى على العاشر؟ ٤٠٦٢- حدثنا عبد الرحمن عن سفيان بن سعيد عن إبراهيم بن عبد الأعلى الجعفى عن سويد بن غفلة قال: بلغ عمر بن الخطاب "أن ناسا يأخذون الجزية من الخنازير وقام بلال فقال: إنهم ليفعلون، فقال عمر: لا تفعلوا، ولوهم بيعها". وحدثنا الأنصارى محمد بن عبد الله عن إسرائيل عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة أن بلالا قال لعمر بن الخطاب "إن عمالك يأخذون الخمر والخنازير فى الخراج، فقال: باب هل يعشر الخمر والختزيز إذا مر بهما الذمى أو الحربى على العاشر قوله: "حدثنا عبد الرحمن إلخ" قلت: إبراهيم بن عبد الأعلى الجعفى من السادسة، ثقة روى له مسلم وأبو داود والنسائى (تقريب ص٩) والباقون لا يسأل عنهم وعبد الرحمن هو ابن مهدى إمام هذا الشأن وفى الأثر دليل على أن لا يؤخذ العشر من عين الخمر والخنزير، بل يؤخذ من أثمانهما. قال أبو عبيد: يريد أن المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذمة الخمر والخنزير من جزية رؤوسهم، وخراج أرضیهم بقیمتها ثم یتولی المسلمون بيعها فهذا الذی أنکره بلال ونهى عنه عمر ثم رخص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانها إذا كان أهل الذمة المتولين لبيعهما لأن الخمر والخنزير مال من أموال أهل الذمة ولا تكون مالا للمسلمين ومما يبين ذلك حديث لعمر آخر حدثنى على بن معبد عن عبيد الله بن عمر وعن الليث بن أبى سليم أن عمر كتب إلى العمال يأمرهم بقتل الخنازير وتقتضى أثمانها (وفى نسخة يقتص أثمانها) لأهل الجزية من جزيتهم قال أبو عبيد: فهو لم يجعلها قصاصًا من الجزية إلا وهو يراها مالا من أموالهم. ثم فرق أبو عبيد بين الجزية والخراج، فأجاز أخذهما من أثمان الخمر والخنازير وبين العشر فقال: لا يطيب للعاشر أن يعشرها ولا يأخذ ثمن العشر منها وإن كان الذمى هو المتولى لبيعها أيضا. قال: وهذا ليس من الباب الأول ولا يشبهه لأن ذلك حق وجب على رقابهم وأرضيهم وإن العشر ههنا إنما هو شىء يوضع على الخمر والخنازير أنفسها فكذلك ثمنها لا يطيب بقول رسول الله ◌ّ له: ((إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه)) اهـ. قلت: وهذا كله تعليل بمعرض النص، وقد صرح عمر رضى الله عنه بجواز أخذ العشر من ثمن الخمر والخنازير فى رواية رواها أحمد بلفظ -ولو هم بيع الخمر والخنزير بعشرها- وقول رسول الله ګله إنما هو فى حق المسلمین إذا حرم الله علیهم شيئا حرم عليهم بيعه واكتساب ثمنه. وأما الكفار فيجوز لنا أن نأخذ حقنا منهم من أثمان ما هو مال عندهم، وإن لم تكن هى أموالا فى حقنا. ولأجل ذلك جاز أخذ الجزية والخراج من أثمان الخمور والخنازير لأهل الذمة ولو كان قول ٣٨٥ هل يعشر الخمر والخنزيز إذا مر بهما الذمى أو الحربى على العاشر إعلاء السنن لا تأخذوها منهم، ولكن ولوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن" أخرجه أبو عبيد فى "الأموال" (ص ٥٠) والسندان صحیحان كلاهما وروی أحمد پإسناده عن سويد بن غفلة فى قول عمر: "ولوهم بيع الخمر والخنزير بعشرها". قال أحمد: إسناد جيد كذا فى "المغنى" (٦٠٠:١٠). رسول الله عَّه: ((إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه)) يعم المسلمين وغيرهم لم يجز لنا أن نأخذ الجزية والخراج أيضا من أثمان الخمر والخنزير. ولم يغن ما أبداه أبو عبيد من الفرق بينهما وبين العشر شيئا لكون قول رسول الله عَّه حاظرا عن ثمن المحرم مطلقًا. وأما ما حدثه أبو الأسود المصرى ثنا عبد الله بن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة السبائى ((أن عتبة ابن فرقد بعث إلى عمر بن الخطاب بأربعين ألف درهم صدقة الخمر فكتب إليه عمر: بعثت إلى بصدقة الخمر، وأنت أحق بها من المهاجرين، وأخبر بذلك الناس، فقال: والله لا أستعملتك على شىء بعدها قال: فتركه)) (وهذا سند صحيح)، وما حدثه عبد الرحمن بن مهدى عن المثنى بن سعيد الضيعى قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدى بن أرطاة ((أن ابعث إلى بفضل الأموال التى قبلك من أين دخلت، فكان فيما كتب إليه من عشر الخمر أربعة آلاف درهم. قال: فجاء جواب كتابه: إنك كتبت إلى تذكر من عشر الخمر أربعة آلاف درهم، وإن الخمر لا يعشر بها، ولا یبیعها)» الحدیث (وهذا أيضا سند صحيح) فكل ذلك محمول على الصورة التی أنکرها بلال، ونهى عنها عمر فى الجزية أنهم كانوا قد أخذوا العشر من عين الخمر وتولوا بيعها بأنفسهم. يفسر. ذلك قول عمر بن عبد العزيز: إن الخمر لا يعشرها مسلم ولا يشربها ولا يبيعها. فلم يذكر البيع إلا من قبل أن عامله كان قد باعها، وأخذ ثمنها وهذا لا يجوز للعاشر، ولا لواحد من المسلمين أبدا، ولم يقل بجوازه أحد من الأئمة. وأما إذا تولى أهل الذمة بيعها، وتقويمها وأخذ العاشر من أثمانها فلم ينه العمران عن ذلك بل قول عمر: "ولو هم بيع الخمر والخنزير بعشرها" يدل على جواز ذلك، وإليه ذهب الحسن وإبراهيم النخعى، فقد قال يحيى بن آدم فى "الخراج" له: "حدثنا حفص بن غياث عن أشعث بن عبد الملك عن الحسن قال: يؤخذ من الخمر العشر". قال: وحدثنا مفضل بن مهلهل عن سفيان عن حماد عن إبراهيم قال: يؤخذ من أهل الذمة من الخمر إذا اتجروا فيها، ويضاعف عليهم قال: وحدثنا عبد السلام عن يزيد بن عبد الرحمن عن حماد عن إبراهيم فى أموال أهل الذمة نصف العشر وفى الخمر العشز اهـ (ص ٦٩). ج - ١٢ هل يعشر الخمر والختزيز إذا مر بهما الذمى أو الحربى على العاشر . ٣٨٦ ٤٠٦٣- حدثنا إسرائيل بن يونس عن إبراهيم بن عبد الأعلى، قال: "سمعت سويد بن غفلة يقول: حضرت عمر بن الخطاب وقد اجتمع إليه عماله، فقال: يا هؤلاء! بلغنى أنكم تأخذوا فى الجزية الميتة والخنزير والخمر؟ فقال بلال: أجل! إنهم يفعلون ذلك، فقال عمر: فلا تفعلوا، ولكن ولوا أربابها بيعها، ثم خذوا الثمن منهم"، رواه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له (ص ١٥١)، وسنده صحيح. وقال الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له: "حدثنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال: إذا مر أهل الذمة بالخمر للتجارة أخذ من قيمتها نصف العشر، ولا يقبل قول الذمى فى قيمتها حتى يؤتى برجلين من أهل الذمة يقومانها عليه فيأخذ نصف العشر من الثمن" (ص١٦٤). - وهذه أسانيد صحاح وحسان، قال يحيى: وقال الحسن بن صالح: يقوم عليهم العاشر الخمر والخنازير إذا اتجروا فيها، ويأخذ عشورها من القيمة اهـ. وقال الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له: " وإذا مر أهل الذمة على العاشر بخمر أو خنازير قوم ذلك على أهل الذمة يقومه أهل الذمة ثم يؤخذ منهم العشر، وكذلك أهل الحرب إذا مروا بالخنازير والخمور. فإن ذلك يقوم عليهم، ثم يؤخذ منهم العشراهـ" (ص١٥٩). وكلامه هذا يعم ما إذا مروا بالخمر والخنازير وحدها، كما هو ظاهر. وقال الموفق فى "المغنى": واختلفت الرواية عن أحمد فى العاشر يمر عليه الذمى بخمر أو خنزير فقال فى موضع: قال عمر: ولو هم بيعها لا يكون إلا على الآخذ منها، وممن رأى ذلك مسروق والنخعى، وأبو حنيفة، ووافقهم محمد بن الحسن فى الخمر خاصة اهـ" (٦٠٠:١٠). وظاهر الرواية عن أئمتنا أن الذمى إذا مر بخمر أو خنزير عشر الخمر دون الخنزير، أى عشرها من قيمتها، وقال زفر: يعشرهما لاستوائهما فى المالية عندهم. وقال أبو يوسف: يعشرهما إذا مر بها جملة، كأنه جعل الخنزير تبعًا للخمر، فإن مر بكل واحد على الانفراد عشر الخمر دون الخنزير. ووجه الفرق على الظاهر: أن القيمة فى دوت القيم لها حكم العين، والخنزير منها، وفى ذوات الأمثال ليس لها هذا الحكم والخمر منها، كذا فى "الهداية مع فتح القدير" (١٧٦:٢). وأورد فى "العناية" و "الفتح" على وجه الفرق يرادات ثم أجيب عنها بأجوبة لا يخلو كلها من التكلف والتعسف، وأثر عمر الذى ذكرناه فى المتن لم يفرق بينهما، فالراجع عندنا ما ذكره أبو يوسف فى الخراج وعزاه الموفق إلى أبى حنيفة، وقال به زفر رحمه الله: إنه يؤخذ العشر من أثمانها مطلقا، والله تعالى أعلم. ج - ١٢ ٣٨٧ باب يؤخذ من التغلبى إذا مر على العاشر نصف العشر كسائر أهل الذمة لا العشر ٤٠٦٤- حدثنا شريك عن إبراهيم بن المهاجر عن زياد بن حدير قال: "بعثنى عمر إلى نصارى بنى تغلب وأمرنى أن آخذ نصف عشر أموالهم" ، رواه ابن أبى شيبة فی "المصنف" (ص ٥٠)، وسنده حسن. ٤٠٦٥- حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن المهاجر حدثنى زياد بن حدير قال: "كتب إلى عمر أن آخذ من نصارى بنى تغلب نصف العشر ولا آخذ من مسلم ولا معاهد شيئا"، أخرجه يحيى بن آدم فى "الخراج" له (ص٦٥)، وسنده حسن أيضا. ٤٠٦٦- حدثنا سفيان بن سعيد عن إبراهيم بن المهاجر قال: سمعت زياد بن حدير يقول: "أنا أول من عشر فى الإسلام. قال: وحدثنى رجل عنه أنه كان يأخذ من بنی تغلب نصف العشر"، أخرجه یحیی بن آدم (ص٦ ٦)، وسنده حسن. ٤٠٦٧- حدثنا أبو معاوية حدثنا أبو إسحاق الشيبانى عن السفاح عن داود بن باب يؤخذ من التغلبى إذا مر على العاشر نصف العشر كسائر أهل الذمة لا العشر قوله: حدثنا شريك إلى آخر الباب" قلت: دلالة الآثار على معنى الباب ظاهرة. قال الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له: "ويعشر الذمى التغلبى والذمى من أهل نجران كسائر أهل الذمة من أهل الكتاب فى أخذ نصف العشر منهم، والمجوس والمشركون فى ذلك سواء اهـ" (ص١٦٠). وقال الموفق فى "المغنى": إذا اتجر نصرانى تغلبى فمر بالعاشر فقال أحمد: يؤخذ منه العشر ضعف ما يؤخذ من أهل الذمة، وروى بإسناده عن زياد بن حدير أن عمر بعثه مصدقا فأمر أن يأخذ من نصارى بنى تغلب العشر ومن نصارى أهل الكتاب نصف العشر)) ورواه أبو عبيد اهـ (٥٩٥:١٠). قلت: وأثر زياد بن حدير هذا صححه ابن حزم فى "المحلى" (١١٤:٦)، وسيأتى الكلام فيه. قوله: " حدثنا أبو معاوية إلخ" قال أبو عبيد: والحديث الأول حدیث داود بن کردوس، وزرعة أو النعمان هو الذى عليه العمل أن يكون عليهم الضعف مما على المسلمين ألا تسمعه يقول: من كل عشرين درهمًا درهم، فذاك ضعف هذا وهو المضاعف الذى اشترط عمر رضى الله عنه عليهم، وكذلك سائر أموالهم من المواشى والأرضين يكون عليها فى تأويل هذا الحديث الضعف أيضًا اهـ" (ص٦٩). وقال الموفق فى "المغنى": وهذا ظاهر كلام الخرقى لقوله: مثل ما يؤخذ من المسلمين وهو أقيس، فإن الواجب فى سائر أموالهم ضعف ما على أهل الذمة اهـ (٥٦٦:١٠). ٣٨٨ يؤخذ من التغلبى إذا مر على العاشر نصف العشر إعلاء السنن كردوس "قال صالحت عمر بن الخطاب عن بنى تغلب بعد ما قطعوا الفرات وأرادوا اللحقوق بالروم على أن لا يصبغوا صبيانهم ولا يكرهوا على دين غير دينهم، وعلى أن عليهم العشر مضاعفا من كل عشرين درهما درهم"، رواه أبو عبيد فى "الأموال" ثم اعلم أن ابن حزم قد أعل أثر داود بن كردوس هذا بشدة الاضطراب فى سنده وبجهالة بعض رواته، فقال: لأنه يقول راويه مرة: عن السفاح بن مطرف ومرة عن السفاح بن المثنى، ومرة عن داود بن كردوس أنه صالح عمر عن بنى تغلب ومرة عن داود بن کردوس عن عبادة بن النعمان أو زرعة بن النعمان أو النعمان بن زرعة، أنه صالح عمر ومع شدة هذا الاضطراب المفرط فإن جميع هؤلاء لا يدرى أحدهم من هم خلق الله تعالى؟ اهـ (٦-١١٣)، وقد ذكر الزيلعى فى "نصب الراية" الأسانيد بأسرها فمن شاء، فليراجع (١- ٣٩٥ و ٣٩٦). والجواب أن الاضطراب إن كان منشأه التصحيف فى الكتابة أو التلفظ فلا يضر إذا حدثه ثقة على الصواب، وههنا فقد رواه ابن أبى شيبة عن على بن مسهر، فقال: عن السفاح بن مطرف، وفى "التهذيب" السفاح بن مطرف الشيبانى روى عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد وداود بن كردوس التغلبى، وعنه أبو إسحاق الشيبانى والعوام بن حوشب، وذكره ابن حبان فى "الثقات" (١٠٦:٤). وليس بمجهول من روى عنه ثقتان ووثقه أحد من الناقدین. وأما اختلاف الرواة فى الراوى عن عمر بن الخطاب: أنه داود بن كردوس أو عبادة بن النعمان واختلف فى اسمه فقيل زرعة بن النعمان، وقيل: نعمان بن زرعة، فالحق أن كلاهما روى ذلك عن عمر، فإنهما تغلبيان جميعا وأتيا عمر رضى الله عنه للمصالحة عن قومهما. فقد قال العينى فى "معانى الأخيار": داود بن كردوس التغلبى، ذكره ابن حبان فى "الثقات"، وقال: يروى عن عمر بن الخطاب عداده فى أهل الكوفة روى عنه السفاح بن مطرف اهـ" من "كشف الأستار" (ص٣٢). وقال الحافظ فى "الإصابة": عبادة بن زرعة بن النعمان التغلبى له إدراك وذكر فى ترجمة السفاح بن مطرف من "تاريخ البخارى" (٨٨:٥)، ذكره الحافظ فى القسم الثالث من الصحابة الذين أدركوا النبى معَّ، ولم يروه وتبين بذلك أن الصحيح من اسمه إنما هو عبادة بن زرعة بن النعمان صحفه الرواة مرة بعبادة بن النعمان نسبة إلى الجد وتارة بزرعة بن النعمان وأخرى بنعمان بن زرعة، فداود بن كردوس وعبادة بن زرعة بن النعمان كلاهما قد أدركا عمر بن الخطاب وتوليا الصلح بينه وبين قومهما بنى تغلب فصح قول داود بن کردوس: صالحت عمر بن الخطاب عن بنى تغلب، وقوله: إن عبادة (ابن زرعة) بن النعمان قال لعمر بن الخطاب يا أمير ٣٨٩ يؤخذ من التغلبى إذا مر على العاشر نصف العشر ج - ١٢ (ص٢٨) وسنده حسن والسفاح هو ابن مطرف الشيبانى، كما فى "المحلى" لابن حزم (١١١:٦) و "المصنف" لابن أبى شيبة (ص ٥٠)، والسفاح وداود بن كردوس، ذكرهما ابن حبان فى "الثقات"، كما فى "التهذيب" (١٠٦:٤) و (٢: ٤٢٥) و "اللسان". المؤمنين! إن بنى تغلب من قد علمت شوكتهم وأنهم بإزاء العدو، فإن ظاهروا عليك العدو اشتدت مؤنتهم. فإن رأيت أن تعطيهم شيئا فافعل! قال: فصالحهم على أن لا يغمسوا أحدا من أولادهم فى النصرانية، ويضاعف عليهم الصدقة، كما فى "الخراج" (ص٦٦ رقم ٢٠٧) ليحيى بن آدم. وبهذا تبين خطأ محشى "المحلى" حيث قال: ((والذى يظهر لى أنه (أى قول داود بن كردوس: صالحت عمر بن الخطاب عن بنى تغلب إلخ) خطأ فقد روى يحيى بن آدم فى "الخراج" عن داود إخباره بأن عمر صالح بنى تغلب، وكذلك نقله ابن حجر فى "التلخيص" (١: ٣٨٠) عن ابن أبى شيبة، وكذلك شارح أبى داود (١٣٢:٣). وروى يحيى بن آدم عن داود عن عبادة بن النعمان، وكذلك رواه أبو يوسف فى "الخراج" (ص١٤٣) فقال: عن داود بن كردوس عن عبادة بن النعمان التغلبى فيظهر من هذا أن هنا خطأ بحذف عبادة بن النعمان إلخ (١١٢:٦) وكل ذلك لعدم معرفته بأن داود بن كردوس قد أدرك عمر بن الخطاب، وروى عنه، والحق أن الروايتين صحيحتان كلاهما، كما تقدم، والله تعالى أعلم. وأما معارضة ابن حزم لحديث المتن بقوله: وقد صح عن عمر بأصح طريق من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن شعبة عن الحكم بن عتيبة عن إبراهيم النخعى عن زياد بن حدير قال: أمرنى عمر بن الخطاب أن آخذ من نصارى بنى تغلب العشر ومن نصارى أهل الكتاب نصف العشر (١١٤:٢). ففيه أن هذا الأثر عندنا من مراسيل النخعى، عن زياد بن حدير وهو فى الأصل من رواية النخعى عن إبراهيم بن المهاجر عنه، يدل على ذلك ما أودعناه فى المتن عن شريك وعن إسرائيل وعن سفيان الثورى كلهم عن إبراهيم بن المهاجر قال: "سمعت زياد بن حدير إلخ" وقال الإمام أبو يوسف القاضى فى "الخراج": حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر سمعت أبى يذكر قال: سمعت زياد بن حدير، فذكر نحو ما ذكروه إلا أنه قال: وأمرنى أن أغلظ على نصارى بنى تغلب قال: إنهم قوم من العرب وليسوا من أهل الكتاب فلعلهم يسلمون اهـ" (ص١٤٤). وفى "تهذيب التهذيب": "وروى عبد الرحمن بن مهدى عن إسرائيل عن إبراهيم بن (١) قد مر معناه فى كلام يحبى بن آدم، فتذكر. ٣٩٠ يؤخذ من التغلبى إذا مر على العاشر نصف العشر إعلاء السنن مهاجر، قال: بعثنى إبراهيم النخعى إلى زياد بن حدير كان أميرًا على الكوفة، فذكر قصته (٣: ٣٩١). وإذا رجع الحديث إلى إبراهيم بن مهاجر؛ لم يكن ما رواه شعبة عن الحكم أصح طريق من غيره بل يرجح عليه ما رواه الجماعة: إسرائيل وسفيان الثورى وشريك عنه عن زياد بن حدير أن عمر أمره أن يأخذ من بنى تغلب نصف عشر أموالهم. وأما ما رواه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن أبيه من التغليظ عليهم، فيحتمل التغليظ بالتفاضى والتشديد دون تضعيف نصف العشر إلى العشر لا سيما وقد تأيد ما رواه الجماعة بما رواه داود بن کردوس عن عمر رضى الله عنه، وعليه العمل کما صرح به أبو عبيد، فصار ما رواه شعبة عن الحكم عن إبراهیم شاذا بالمرة، فافهم. وقد وجدنا عن زياد بن حدیر ما يدل على أنه كان يأخذ من بنى تغلب نصف العشر لا العشر. قال الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له: حدثنا السرى بن إسماعيل عن عامر الشعبى عن زياد بن حدير الأسدى "أن عمر بن الخطاب بعثه على عشور العراق والشام، وأمره أن يأخذ من المسلمين ربع العشر، ومن أهل الذمة نصف العشر، ومن أهل الحرب العشر فمر عليه رجل من بنى تغلب من نصارى العرب، ومعه فرس فقوموها بعشرين ألفا، فقال: أعطنى الفرس، وخذ منى تسعة عشر ألفا، أو أمسك الفرس، وأعطنى ألفًا. قال: فأعطاه ألفًا، وأمسك الفرس" الحديث (ص١٦٢). والسرى وإن كان ضعيفًا عند المحدثين، ولكن لا بأس به فى المتابعات، لا سيما وقد احتج به الإمام المجتهد فقيه العراقيين أبو يوسف احتجاج واحتجاج المجتهد بحديث تصحيح له عندنا كما مر فى الأصول. وأيده ما رواه ابن أبى شيبة عن حماد بن خالد عن ابن أبى ذئب قال: "سألت الزهرى عن جزية نصارى كلب وتغلب فقال: بلغنا أنه يؤخذ نصف العشر من مواشيهم اهـ" (ص٥١)، ولا يعارضه ما رواه وكيع عن سفيان عن عبد الله بن محمد بن زياد بن حدير، قال: كنت مع جدى فمر على نصرانى بفرس قيمته عشرون ألفًا. فقال له: إن شئت أعطيت ألفين، وإن شئت أخـ ذمت الفرس، وأعطيناك قيمته ثمانية عشر ألفا، كما فى "المصنف" لابن أبى شيبة (ص ٥١، لأنه لم يصرح بكون النصرانى تغليبًا؛ فيحتمل أن يكون من أهل الحرب ووقع له معه مثل ما وقع مع التغلبی، وأيضا فعبد الله بن محمد بن زياد بن حدیر لم نعرف من ترجمه، والله تعالى أعلم. ٣٩١ ج - ١٢ باب أخذ العشر من أهل الحرب بمثل ما يأخذون منا و عدم الأخذ منهم عند عدمه منا ٤٠٦٨- عن أبى أسامة عن سعيد عن قتادة عن أبى مجلز "أن عمر بعث عثمان ابن حنيف فجعل على أهل الذمة فى أموالهم التى يختلفون بها فى كل عشرين درهما باب أخذ العشر من أهل الحرب بمثل ما يأخذون منا و عدم الأخذ منهم عند عدمه منا قوله: "عن أبى أسامة إلخ" قلت: ففيه سؤال عمر عن قدر ما يأخذه أهل الحرب منا، فلما أجيب بأنهم يأخذون العشر قال: فكذلك فخذوا منهم. فثبت أن الأخذ منهم بطريق المجازاة، ودل على ذلك أيضا قوله فيما كتب إلى أبى موسى: خذ أنت منهم كما يأخذون من تجار المسلمين. وهو أصرح شىء فى هذالباب، ومن هنا قال محمد فى "الجامع الصغير": فإن مر حربى بخمسين درهما لم يؤخذ منه شىء (أى لقول عمر رضى الله عنه فيما كتب إلى أبى موسى رضى الله عنه وليس فيما دون المائتين شىء) إلا أن يكونوا يأخذون منا من مثله (أى لقول عمر: خذ أنت منهم كما يأخذون من تجار المسلمين، وإن لم يعلم كم يأخذون منا أخذ منه العشر وإن لم يأخذوا منا شیئا لم یؤخذ منهم شیء اهـ (ص٢٤). وفى "المبسوط" للسرخسى: فأما أهل الحرب فالأخذ منهم على طريق المجازاة، كما أشار إليه عمر رضى الله عنه، ولسنا نعنى بهذا إن أخذنا بمقابلة أخذهم (مثله)، فأخذهم أموالنا ظلم وأخذنا بحق، ولكن المراد أنا إذا عاملنا هم بمثل ما يعاملوننا به كان ذلك أقرب إلى مقصود الأمان، ( واتصال التجارات اهـ" (١٩٩:٢). وفى "شرح السير": "وإنما أمر عمر رضى الله تعالى عنه بأخذ ربع العشر من المسلمين، لأن المأخوذ منهم زكاة والزكاة ربع العشر، فأما الذمى فإنما أمر بأخذ نصف العشر منه، وذلك لأنه حق يؤحدٍ من الكافر، فوجب أن يؤخذ منه ضعف ما يؤخذ من المسلمين، كما فى النصرانى التغلبى. فإنه يؤخذ منه الصدقة المضاعفة، وأما الحربى فإنما أمر بأخذ العشر منه لأنهم يأخذون منا العشر، فأمرنا بأخذ العشر منهم إذا الأمر بينا وبين الكفار مبنى على المجازاة، حتى إنهم إن كانوا يأخذون منا الخمس أخذنا منهم الخمس، وإن كانوا يأخذون منا نصف العشر أخذنا منهم نصف العشر، وإن كانوا لا يأخذون منا شيئا فنحن لا نأخذ منهم شيئا ثم ذكر نحو ما ذكرناه فى المتن من قول عمر: كم يأخذون منا؟. قيل: العشر فقال: خذ منهم العشر، قال: فقد جعل الأمر بيننا وبينهم ٣٩٢ إعلاء السنن أخذ العشر من أهل الحرب بمثل ما يأخذون منا وعدم الأخذ منهم عند عدمه منا درهما وكتب بذلك إلى عمر فرضى وأجازه وقال لعمر: كم تأمرنا أن نأخذ من تجار مبنيا على المجازاة، وإن كنا لا نعلم كم يأخذون منا أو لا نعلم أ يأخذون منا أو لا يأخذون أخذنا منهم العشر أيضا. فإنه روى من عمر رضى الله عنه أنه قال لعشاره: خذوا منهم ما يأخذون منا فإن أعياكم ذلك فخذوا منهم العشر اهـ (٢٨٣:٤)" قلت: وقول عمر: فإن أعياكم إلخ. لم نعرف من أخرجه. وقال الحافظ فى "الدراية": لم أجده (ص١٦٣). وقال الصدر الشهيد فى "شرح الجامع الصغير" لحديث عمر: قال فى الحربى: يؤخذ منه ما يأخذون منا، فإن أعياكم فالعشر، فإن لم يأخذوا منا شيئا لم نأخذ شيئا لكيلا يأخذوا اهـ، من حاشية "الجامع الصغير" (ص٢٤)، ولو ثبت ذلك عن عمر لكان قاطعًا للنزاع، وأما إذا أخذوا منا الجميع لا يؤخذ منهم الجميع، لأنه غدر وظلم ولا متابعة فى الظلم، هكذا فى "المبسوط" وغيره. وفى "المحيط": "إن أخذوا منا الجميع يؤخذ منهم الجميع إلا قدر ما يبلغهم إلى ما منهم كذا فى "البناية" (٢٢٠:١) "أى وإنما نفعل ذلك زجرا لهم ليتركوا الأخذ من تجارنا، ولأنهم لم يحموا تجارنا فعلينا أن لا نحمى تجارهم إذا مروا على عاشرنا مرةً بعد أخرى، وحق الأخذ إنما يثبت لأجل الحفظ والحماية. قاله الصدر الشهيد فى "شرح الجامع الصغير" (مذكور) وفى "مبسوط" شيخ الإسلام " وإن كانوا يأخذون الكل يؤخذ الكل، لأن ما يؤخذ منهم بطريق المجازاة فيجازيهم بمثل صنعهم، حتى ينزجروا اهـ" من "البناية" (مذكور) -وفيه أيضا- وإن كانوا لا يأخذون أصلا لا نأخذ ليتركوا الأخذ من تجارنا ولأنا أحق بمكارم الأخلاق -أى- لأن عدم أخذهم من تجارنا يدل على الكرم منهم ونحن أولى بذلك اهـ. قلت: وهذا إذا كانت التجارة بيننا وبينهم متصلة وأما إذا كان تجار المسلمين لا يتجرون فى دار الحرب إلا القليل. وأهل الحرب يتجرون فى بلادنا كثيرا فلا يكون عدم أخذهم من تجارنا دليلا على الكرم منهم، فينبغى أن يؤخذ منهم العشر، لم أره صريحا، ولكنه مقتضى التعليل، والله تعالى أعلم. وقال الموفق فى "المغنى": "وإذا دخل إلينا منهم تاجر حربى بأمان أخذ منه العشر. وقال أبو حنيفة: لا يؤخذ منه شىء إلا أن يكونوا يأخذون منا شيئا، فنأخذ منهم مثله. (قلت: فى كلامه إيجاز قد أخل ببيان مراد الإمام اهـ). لما روى عن أبى مجلز لاحق بن حميد فذكر مثل ما ذكرناه فى المتن، وعن زياد بن حدير قال: كنا لا نعشر مسلمًاً ولا معاهدًا. قال: من كنتم تعشرون؟ قال: كفار أهل الحرب، فنأخذ منهم كما يأخذون منا، وقال الشافعى: إن دخل إلينا بتجارة لا يحتاج إليها المسلمون لم يأذن له الإمام إلا بعوض يشرطه عليه، ومهما شرط جاز ويستحب أن يشترط ٣٩٣ ج - ١٢ أخذ العشر من أهل الحرب بمثل ما يأخذون منا وعدم الأخذ منهم عند عدمه منا أهل الحرب؟ قال: "كم يأخذون منكم إذا أتيتم بدارهم؟ قالوا: العشر قال: فكذلك العشر ليوافق فعله فعل عمر رضى الله عنه، وإن أذن مطلقًا من غير شرط فلم يستحق به شىء كالهدنة، ويحتمل أن يجب العشر لأن عمر أخذه. ولنا ما رويناه فى المسألة التى قبلها (إن عمر رضى الله عنه بعث مصدقا وأمره أن يأخذ من المسلمين من كل أربعين درهمًا درهمًا، ومن أهل الذمة من كل عشرين درهمًا درهمًا، ومن أهل الحرب من كل عشرة واحدًا)، وإن عمر أخذ منهم . العشر واشتهر ذلك فيما بين الصحابة، وعمل به الخلفاء الراشدون بعدهم والأئمة بعدهم فى كل عصر من غير نكير، فأى إجماع يكون أقوى من هذا؟ "ولم ينقل أنه شرط ذلك عليهم عند دخولهم، ولا يثبت ذلك بالتخمين من غير نقل، ولأن مطلق الأمر يحمل على المعهود فى الشرع، وقد استمر أخذ العشر منهم فى زمن الخلفاء الراشدين فيجب أخذه، فأما سؤال عمر عما يأخذون منا؟ فإنما كان لأنهم سألوه عن كيفية الأخذ ومقداره ثم استمر الأخذ من غير سؤال، ولو تقيد أخذنا منهم بأخذهم منا لوجب أن يسأل عنه فى كل وقت اهـ" (٦٠٣:١٠). وحاصله: أن أخذ العشر من الحربى أمر تعبدى عند أحمد، لا يجوز لأحد أن يزيد عليه، أو ينقص عنه، وغير تعبدى عندنا، بل هو بطريق المجازاة، له ما ذكره من الإجماع عليه عمار وما رواه الطبرانى، حدثنا: محمد بن جابان الجنديسابورى، ثنا زنيج أبو عسان، ثنا محمد بن المعلى، ثنا أشعث، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك ((قال: فرض رسول الله عَُّلّه فى أموال المسلمين فى كل أربعين درهمًا درهم، وفى أموال أهل الذمة فى كل عشرين درهمًا درهم، وفى أموال من لا ذمة له من كل عشرة دراهم درهم)) زيلعى(٤٠٥:١). وقد ذكرنا فى الجزء التاسع من الكتاب أنه حسن صحيح مرفوعًا ولا يضره وقف من وقفه فإن الذى رفعه صدوق ثقة ويؤيد رفعه ما أخرجه الطحاوى بطريق عبد الرحمن بن مهران عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أيوب بن شرحبيل ((أن خذ من المسلمين من كل أربعين دينارًا دينار، ومن أهل الكتاب من كل عشرين ديناراً دينارًا إذا كانوا يديرونها، ثم لا تأخذ منهم شيئا حتى رأس الحول، فإنى سمعت ذلك ممن سمع النبى معَ له يقول ذلك)) اهـ (٣١٣:١)، وقد قدمنا أنه حسن الإسناد. وفى "شرح السير" للسرخسى: إن عمر رضى الله عنه هكذا أمر عاشره بأخذ العشر، وكان ذلك بمشهد من المهاجرين والأنصار، ولم ينكر عليه أحد فحل محل الإجماع وقد روى مرفوعًا إلى رسول الله عَّ له فعلينا اتباعه اهـ (٢٤٢:٤). ولنا ما ذكرناه فى المتن من سؤال عمر: كم يأخذون منا؟ فلو كان تقدير العشر تعبدا من الشارع، لم يكن لهذا السؤال معنى. وأما ما قاله الموفق: إن سؤاله إنما كان لأنهم سألوه عن كيفية ٣٩٤ إعلاء السنن أخذ العشر من أهل الحرب بمثل ما يأخذون منا وعدم الأخذ منهم عند عدمه منا فخذوا منهم". رواه ابن أبى شيبة فى "المصنف" (ص٥١). ورجاله ثقات، مع ما فيه من الانقطاع بین أبی مجلز وعمر رضى الله عنه. الأخذ ومقداره، ففيه أنهم لم يسألوه عن الكيفية، وإنما سألوه عن المقدار، كما هو نص الحديث الذى أودعناه فى المتن وسؤالهم عن المقدار دليل أن أخذ العشر من الحربى، ليس تعبداً وإلا لعرفه الصحابة، ولم يحتاجوا إلى السؤال عنه، وإن سلمنا عدم معرفة السائلين بالحكم، لم يؤخذ أهل الحرب منا - وأيضًا- فإنه كتب إلى أبى موسى: خذ أنت منهم كما يأخذون من تجار المسلمين. وأطلق ولم يقيده بالعشر فصاعدا أو ما دونه، فدل على ما قلنا: إنه أمر غير تعبدى على طريق المجازاة، وأما ما قاله الموفق: إنه لو تقيد أخذنا منهم بأخذهم منا لوجب أن يسأل عنه فى كل وقت، فلا يرد علينا فإنا لم نقل بوجوب السؤال عن ذلك، بل قلنا: إذا لم يعلم هذا من ذاك أخذ منهم العشر، كما تقدم. وأما إن العشر قد اشتهر فيما بين الصحابة وعمل به الخلفاء الراشدون بعده إلخ؛ فذلك لأن أهل الحرب كانوا يأخذون من تجار المسلمين العشر كما دل على ذلك أحاديث المتن، واستمروا على ذلك فى عصر الخلفاء الراشدين والأئمة بعدهم، لانعدام ما يدل على خلافه، نعم لو أثبت الموفق أن الخلفاء أخذوا من أهل الحرب العشر ولم يكونوا يأخذون من تجار المسلمين شيئا أو كانوا يأخذون منا أقل من العشر لكان حجة له، وإذ لا فلا، وأما قوله: ولم ينقل أنه شرط ذلك عليهم عند دخولهم، ولا يثبت ذلك بالتخمين إلخ، ففيه أن كتابه إلى عشاره وأمرهم إياهم بأخذ العشر من الحربيين بمنزلة شرطه ذلك عليهم، فإن العاشر هو الذى قد أقيم على الدرب الذى بين المسلمين والكفار، فلا يجاوز الدرب أحد إلا بإذنه ومعرفته بما عليه من الشرط، على أن عندنا أثرا يدل على أن عمر رضى الله عنه كان شرط ذلك عليهم عند دخولهم وهو، ما سيأتى عن ابن جريج، فانتظر. قال الموفق: ويؤخذ منهم العشر -أى من الحربيين- من كل مال للتجارة فى ظاهر كلام الخرقى، وقال القاضى: إذا دخلوا فى نقل ميرة بالناس إليها حاجة أذن لهم فى الدخول بغير عشر یؤخذ منهم، وهذا قول الشافعی، لأن دخولهم نفع للمسلمين ثم قال: وروی صالح عن أبيه عن عبد الرحمن بن مهدى، عن مالك، عن الزهرى، عن سالم، عن أبيه، عن عمر، ((أنه كان يأخذ من النبط من القطنية العشر، ومن الحنطة والزبيب نصف العشر، ليكثر الحمل إلى المدينة)) وهذا يدل على أنه يخفف عنهم إذا رأى المصلحة فيه، وله الترك أيضا إذا رأى المصلحة (٦٠٣:١٠). فقد اعترف بأن أخذ العشر من الحربيين ليس بأمر تعبدى، لا يجوز خلافه وإنما هو بطريق ج - ١٢ أخذ العشر من أهل الحرب بمثل ما يأخذون منا وعدم الآخذ منهم عند عدمه منا ٣٩٥ ٤٠٦٩- حدثنا عاصم بن سليمان عن الحسن "قال: كتب أبو موسى الأشعرى (رضى الله تعالى عنه) إلى عمر بن الخطاب (رضى الله تعالى عنه) أن تجارا من قبلنا من المسلمين يأتون أرض الحرب فيأخذون منهم العشر قال: فكتب إليه عمر: خذ المجازاة والمصلحة، هذا وكلام الموفق صريح فى حمله هذا الأثر على تجار الحرب، فإن التخفيف إنما يتحقق فى حقهم، ولو كانوا من أهل الذمة لم يكن ذلك من التخفيف، بل من التشديد، حيث أخذ منهم من القطنية وهى الحبوب العشر، وكذا حمِله عليهم الإمام الرافعى فى "الشرح الكبير" وأقره عليه الحافظ فى "التلخيص الحبير"؛ حيث قال: حديث عمر أنه أذن للحربی فی دخول دار الإسلام بشرط أخذ عشر ما معه من أموال التجارة، وفى رواية أنه شرط فى الميرة نصف العشر، وشرط العشر فى سائر التجارات، قصد بذلك تكثير الميرة. مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه ((كان عمر يأخذ من القبط)) إلخ (٢: ٣٨٠) كذا فى الأصل، والصحيح النبط كما ذكرنا ولكن مالكًا رحمه الله حمله على أهل الذمة حیث ذكره فى "الموطأ" فى باب عشور أهل الذمة (ص١٢٣)، وليس فى الأثر ما يدل على كون هؤلاء النبط منهم غير ما رواه ابن أبى شيبة فى "المصنف" عن عبد الأعلى عن معمر عن الزهرى عن عبيد الله ابن عبد الله ((أن عمر بن الخطاب استعمل أباه ورجلا آخر على صدقات أهل الذمة مما يختلفون به إلى المدينة (هو عتبة بن مسعود مؤلف) يأمرهم أن يأخذوا من القمح نصف العشر تخفيفا عليهم ليحملوا إلى المدينة، ومن القطنية وهى الحبوب العشر اهـ)) (ص٥١) ولكن قوله: "على صدقات أهل الذمة" ظن من الراوى، وهو معمر عندى، بدليل ما سيأتى فقد رواه مالك فى "الموطأ" عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد ((أنه قال: كنت عاملا مع عبد الله بن عتبة بن مسعود على سوق المدينة فى زمان عمر بن الخطاب فكنا نأخذ من النبط العشر)) (ص١٢٣)، فلفظ النبط هو المحفوظ عن الزهرى فى هذا الأثر دون لفظ أهل الذمة، قال أبو عبيد: حدثنا إسحاق بن عيسى عن مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد ((قال: كنت عاملا على سوق المدينة فى زمن عمر قال: فكنا نأخذ من النبط العشر)) قال. وحدثنا أبو المنذر ويحيى بن بكير وأبو نوح وإسحاق بن عيسى وسعيد بن عفير، كلهم عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ((قال: كان عمر يأخذ من النبط من الزيت والحنطة نصف العشر لكى يكثر الحمل إلى المدينة، ويأخذ من القطنية العشر اهـ)) (ص٥٣٣). فأصحاب مالك كلهم متفقون على لفظ النبط ومالك أجل من روى عن الزهرى فهذا هو ٣٩٦ إعلاء السنن أخذ العشر من أهل الحرب بمثل ما يأخذون منا و عدم الأخذ منهم عند عدمه منا أنت منهم كما يأخذون من تجار المسلمين، وخذ من أهل الذمة نصف العشر ومن المسلمين من كل أربعين درهمًا درهمًا، وليس فيما دون المائتين شىء، فإذا كانت مائتين ففيها خمسة دراهم، وما زاد فبحسابه"، رواه الإمام أبو يوسف فى "الخراج الصحيح، وكان هؤلاء النبط إذ ذاك من أهل الحرب دون أهل الذمة وإلا لم يؤخذ منهم العشر من سائر التجارات عدا الحنطة والزبيب، فقد تواتر عن عمر أنه أمر عشاره أن يأخذوا من أهل الذمة نصف العشر مما يختلفون به، وإنما أمر بأخذ العشر من أموال أهل الحرب، كما لا يخفى على من مارس الأخبار وراجع ما ذكرناه فى المتن والحاشية من الآثار، ومن هنا قال محمد فى "الموطأ" بعد ما ذكر الحديث بلفظ أبى عبيد: يوخذ من أهل الذمة مما اختلفوا فيه للتجارة من قطنية أو غير قطنية نصف العشر فى كل سنة، ومن أهل الحرب إذا دخلوا أرض الإسلام بأمان العشر من ذلك كله، وكذلك أمر عمر بن الخطاب زياد بن حدير وأنس بن مالك حين بعثهما على عشور الكوفة والبصرة اهـ (ص ١٧١). وحاصله أن رواية الزهرى هذه خلاف ما اشتهر عن عمر رضى الله عنه فى ذلك فلا يؤخذ به، ويؤخذ بالمشهور، وفيه علة أخرى، فإن لفظ ابن أبى شيبة بطريق معمر عنه يخالف آخره أوله، لأنه قال: "إن عمر بن الخطاب استعمل أباه ورجلا آخر على صدقات أهل الذمة، ثم قال: فكان يأمرهم أن يأخذوا من القمح نصف العشر تخفيفًا عليهم" وأى تخفيف على أهل الذمة فى نصف العشر؟ وهذا هو المفروض عليهم فى جل أموالهم التى يتجرون بها، وإنما يصح التخفيف لو كان أمرهم بذلك فى أهل الحرب؛ فإن قيل: فلعل نصف العشر. كان على أهل الذمة إذا اتجروا فى غير أرض الحجاز والمدينة، والعشر إذا اتجروا فيها. قلنا: لم يأت تخصيص الحجاز بالعشر فى شىء من الأحاديث فيما علمناه لا عن عمر ولا عن غيره من أصحاب النبى عّ لّه، بل ظاهر أحاديثهم أن الحجاز وغير الحجاز فى ذلك سواء، والذى دل على ذلك إنما هو فى النبط، وكونهم من أهل الحرب إذا ذاك محتمل فلا يصح القول بالتخصيص بدليل محتمل على أنا وجدنا عن عمر ما يدل على أنه كان فرض على أهل الذمة الذين يختلفون بأموالهم إلى المدينة نصف العشر. فقد روى ابن وهب عن ابن لهيعة، ويحيى بن أيوب (المصرى من رجال الجماعة صدوق) عن عمارة بن غزية (من رجال مسلم صدوق لا بأس به) عن ربيعة (هو ابن أبى عبد الرحمن شيخ مالك ثقة، ثبت من رجال الجماعة) ((أن عمر بن الخطاب قال لأهل الذمة الذين كانوا يتجرون إلى المدينة: إن اتجرتم فى بلاد كم (أى ولم تمروا على العاشر. مؤلف)، فليس عليكم فى أموالكم زكاة، وليس عليكم ٣٩٧ ج - ١٢ أخذ العشر من أهل الحرب بمثل ما يأخذون منا و عدم الأخذ منهم عند عدمه منا له (ص١٦١)، وهو مرسل صحيح، ومراسيل الحسن لا يكاد يسقط منها شىء، وعاصم هذا هو الأحول من رجال الجماعة ثقة (تقريب ص ٩٣). إلا جزيتكم التى فرضنا عليكم وإن ضربتم وخرجتم فى البلاد وأدرتم أموالكم أخذنا منكم، وفرضنا عليكم كما فرضنا جزيتكم، فكان يأخذ منهم من كل ما جلبوا من الطعام نصف العشر)) الحديث أخرجه سحنون فى "المدونة" (٢٤١:١) وهذا وإن كان مرسلا فربيعة شيخ مالك أجل من أن يحدث بما لا أصل له، لا سيما وهو معتضد بما تواتر عن عمر رضى الله عنه أنه كان يأخذ من أهل الذمة نصف العشر، وبذلك أمر عشاره أن يأخذوه منهم، وأخرج يحيى بن آدم فى "الخراج". له، حدثنا عبد الله بن المبارك عن معمر عن الزهرى عن السائب بن يزيد ((قال: كنت أعشر مع عبد الله بن عتبة زمان عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وكان يأخذ من أهل الذمة أنصاف عشور أموالهم فیما اتجر)) اهـ ( ص٦٨). ولا يخفى أن السائب بن يزيد كان مع عبد الله بن عتبة على سوق المدينة كما صرح به مالك فى روايته، وقد صرح ابن المبارك فى هذه الرواية أنه كان يأخذ من أهل الذمة نصف العشر، وهذا سند صحيح، وابن المبارك من أثبت الناس، فلا بد من الجمع بينه وبين ما رواه مالك أنه كان يأخذ من النبط العشر، وطريق الجمع هو ما ذكرناه قبل من أن هؤلاء النبط كانوا من أهل الحرب وإلا فقد اضطربت رواية معمر هذه، حيث قال مرة: كان يأخذ من أهل الذمة العشر، وقال أخرى: كان يأخذ نصف العشر فسقطت، ولزم المصير إلى ما اشتهر عن عمر. وأما رواية مالك، فلا اضطراب فيها، لأنه لم يقل: من أهل الذمة وإنما قال: النبط ويمكن حمله على أهل الحرب، كما تقدم. قال الشيخ: وإن سلمنا أن هؤلاء النبط كانوا من أهل الذمة كما يشعر به لفظ معمر عن الزهرى عند ابن أبى شيبة فيمكن أن عمر رضى الله عنه كان شرط عليهم حين عقد الصلح معهم أن يؤخذ منهم العشر مما يديرونه من الأموال للتجارة وللإمام أن يشرط على أهل الصلح ما شاء من الشروط عند عقد المهادنة، ولا نزاع فى ذلك وإنما النزاع فيما إذا لم يشترط عليهم فى العقد شىء فلا يجوز الزيادة على نصف العشر فى أموال أهل الذمة التى يختلفون بها. قلت: ويؤيد ما قاله الشيخ قول مالك فى "الموطأ" إنه سأل ابن شهاب على أى وجه كان يأخذ عمر بن الخطاب من النبط العشر؟ فقال ابن شهاب: كان ذلك يؤخذ منهم فى الجاهلية فألزمهم ذلك عمر اهـ (ص٢٣) أى ألزمهم بذلك عند عقد الهادنة معهم فرضوا بذلك. وحاشاه أن يلزمهم شيئًا كان فى الجاهلية من غير وجه، فافهم. ٣٩٨ إعلاء السنن ٤٠٧٠- حدثنا عبد الملك بن جريج، عن عمرو بن شعيب "أن أهل مبنج قوم من أهل الحرب وراء البحر كتبوا إلى عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه دعنا ندخل أرضك تجارا وتعشرنا قال: فشاور عمر أصحاب رسول الله عَ لآه فى ذلك، فأشاروا عليه به فكانوا أول من عشر من أهل الحرب"، رواه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له (ص١٦١)، وهو مرسل صحيح فابن جريج لا يسأل عنه، وعمرو بن شعيب ثقة. باب يؤخذ العشر من المرأة إذا مرت على العاشر بتجارة لا من العبد ولو مكاتبا وكذلك الأمة ٤٠٧١- حدثنا عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه عن جدته قالت: "مررت على مسروق بالسلسلة (موضع على أشط)، وهى مكاتبة بتجارة عظيمة، فقال لها: قوله: "حدثنا عبد الملك بن جريج إلخ". فيه ما يدل على أن عمر رضى الله عنه أذن لأهل الحرب فى دخولهم بلاد الإسلام بعد أن شرط عليهم عشر ما يتجرون به من أموالهم، وعلى أن أخذ العشر منهم لم يكن تعبدا، بل هو مما عرضه عليه أهل الحرب أنفسهم فشاور عمر أصحاب رسول الله عيشيُ فى ذلك فأشاروا عليه به ولا يبعد أن يكون النبط الذين كان يؤخذ منهم عشر القطنية من أهل منبج هذه، لما فى مجمع البحار النبط بفتحتين والنبط بفتح فكسر والتحية قوم من العرب دخلوا فى العجم والروم واختلطت أنسابهم وفسدت ألسنتهم، وذلك لمعرفتهم بإنباط الماء -أى- استخراجه لكثرة فلاحتهم. ومنه حديث " كنا نستلف نبيط الشام" وروى أنباطًا من أنباط الشام اهـ (٣٣١:٢). وبالجملة فكان النبط ينزلون بالبطائح بين العراقين -أيضا- وفى العجم والروم -أيضا- ولم يدل دليل على أن النبط الذين كانوا يجلبون الطعام إلى المدينة ويؤخذ منهم العشر مما عدا القمح والزبيب من أى هؤلاء كانوا؟ فيمكن أن يكونوا من أهل الحرب دون أهل الذمة وهو الظاهر، كما قدمنا فينبغى حمل الأثر عليه، والله تعالى أعلم. باب يؤخذ العشر من المرأة إذا مرت على العاشر بتجارة. لا من العبد ولو مكاتبًا وكذلك الأمة قوله: "حدثنا عمرو بن ميمون إلخ". قلت: وفى قول مسروق: ما أنت؟ وقوله: ليس على مال مملوك ذكاة، دليل على أن المرأة تعشر إذا لم تكن مملوكة أو مكاتبة وإلا لم يكن لقول مسروق: ج - ١٢ يؤخذ العشر من المرأة إذا مرت على العاشر بتجارة لا من العبد والأمة ٣٩٩ ما أنت؟ فقالت: مكاتبة، وكانت أعجمية. وكلمها الترجمان فقالت له بالفارسية: مكاتبة فأخبره فقال: ليس على مال مملوك زكاة، فخلى سبيلها" أخرجه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له (ص١٦٣) وعمرو بن ميمون من رجال الجماعة ثقة، وأبوه من رجال مسلم والأربعة ثقة، وجده مهران صحابى، كما فى "الإصابة" (١٤٧:٦) ذكره البخارى فى الصحابة اهـ. فالظاهر أن جدته صحابية -أيضا- ولا أقل من أن يكون تابعية ثقة فالأثر حسن الإسناد. وأخرجه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٤٦٢)، حدثنا ابن أبى زائدة ويزيد بن هارون عن عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه قال: مرت امرأة على مسروق بالسلسلة فذ کره، وهذا إسناد صحيح. ما أنت؟ معنى، وخلى سبيلها من غير استفساء عن حالها كما هو ظاهر، ومسروق من كبار التابعين وفقهاءهم وقول مثله حجة عندنا إذا لم یعارض قول من فوقه. وقال الموفق فى "المغنى": ويؤخذ العشر من كل حربى تاجر نصف العشر ومن كل ذمى تاجر، سواء كان ذكرا أو أنثى أو صغيرا أو كبيراً. وقال القاضى: ليس على المرأة عشر ولا نصف عشر سواء كانت حربية أو ذمية، لكن إن دخلت أرض الحجاز عشرت لأنها ممنوعة من الإقامة به، ولا يعرف هذا التفصيل عن أحمد ولا يقتضيه مذهبه لأنه يوجب الصدقة فى أموال نساء بنى تغلب وصبيانهم وكذلك يوجب العشر أو نصفه فى مال النساء. وعموم الأحاديث المروية ليس فيها تخصيص للرجال دون النساء وليس هذا بجزية، وإنما هو حق يختص بمال التجارة لتوسعه فى دار الإسلام وانتفاعه بالتجارة فيها فيستوى فيه الرجل والمرأة كالزكاة فى حق المسلمين اهـ (٦٠٤٠١٠). قلت: ونحن نخالفه فى الصبى، فلا يعشر إلا الصبى الحربى، فإنه يعشر إن كان أهل الحرب يعشرون صبياننا وإلا فلا. قال العينى فى "البناية" تحت قول الهداية: "ولو مر صبى أو امرأة من بنى تغلب بمال فليس على الصبى شىء، وعلى المرأة ما على الرجال" ما نصه: إنما قيده ببنى تغلب لأن الصبى من أهل الحرب المار على العاشر بمال يظن أنه مال التجارة يؤخذ منه العشر. لأن المأخوذ من بنى تغلب له حكم الزكاة، والمأخوذ من الحربى على وجه المجازاة لأنه عوض الحماية والظاهر أنهم يأخذون من صبياننا حتى لو علم أنهم لا يأخذون من صبياننا لا نأخذ من صبيانهم اهـ (١٢٢٢:١) قلت: وإذا لم يعلم هذا من ذاك أخذ منه العشر كما مر، والصبى من أهل الذمة المار على العاشر كصبى بنى تغلب؛ لما قد عرفته، فتذكر. وفى "الهداية": "وإن مر عبد مأذون له بمائتى ٤٠٠ إعلاء السنن باب أرض العرب كلها عشرية لا خراجية ٤٠٧٢- عن ابن عباس ((اشتد الوجع برسول الله عّ لّه وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب))، الحديث متفق عليه (التلخيص الحبير ٣٧٩:١). ٤٠٧٣- عن عائشة قالت: ((آخر ما عهد رسول الله عّ لِّ أن لا يترك بجزيرة العرب دينان)). أخرجه أحمد من طريق ابن إسحاق حدثنى صالح بن كيسان عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة ورواه مالك فى "الموطأ" عن ابن شهاب مرسلا، وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: "بلغنى أنه كان من آخر ما تكلم به رسول الله عَّم (٣٧٨:١)، ووصله صالح بن أبى الأخضر عن الزهرى عن سعيد عن أبى هريرة أخرجه إسحاق فى "مسنده" (التلخيص الحبير ٣٧٨:١٠). درهم، وليس عليه دين لم يعشر فى قياس قوله الثانى، وهو قولهما، وهو الصحيح كما صححه فى "الكافى" فتح القدير مؤلف). وإن كان معه مولاه يؤخذ منه أى من المولى لأن الملك له إلا إذا كان على العبد دين يحيط بماله (فلا يؤخذ من المولى أيضا بالاتفاق)، كذا فى "البناية" (١٢٢٣:١). باب أرض العرب كلها عشرية لا خراجية قوله: "عن ابن عباس إلخ". قلت: دلت الآثار على أن أرض العرب كلها أرض الإسلام لا يجتمع دينان وإذا كانت كذلك، فلا يجوز ضرب الخراج عليها قال فى "الهداية" لأن النبى عَّه والخلفاء الراشدين لم يأخذوا الخراج من أراضى العرب، ولأنه بمنزلة الفىء، فلا يثبت فى أراضيهم كما لا يثبت فى رقابهم، وهذا لأن وضع الخراج من شرطه أن يقر أهلها على الكفر، كما فى سواد العراق، ومشركوا العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف اهـ. قال المحقق فى "فتح القدير": ولو فعله عليه الصلاة والسلام لقضت العادة بنقله ولو بطريق ضعيف فلما لم ينقل دل قضاء العادة على أنه لم يقع اهـ (٢٧٨:٥)، وقال أبو عبيد فى "الأموال": كل مصر مصرته العرب يكون التمصير على وجوه: فمنها البلاد التى يسلم عليها أهلها مثل المدينة والطائف واليمن، ومنها كل أرض لم يكن لها أهل فاختطها المسلمون اختطاطا فنزلوها مثل الكوفة والبصرة (دون سوادهما)، وكذلك الثغور، ومنها كل قرية افتتحت عنوة فلم ير الإمام أن يردها إلى الذين أخذت منهم، ولكنه قسمها بين الذين افتتحوها كفعل رسول الله عَِّ بأهل خيبر،" فهذه أمصار المسلمى التى لا حظ فيها لأهل الذمة إلا أن رسول الله عَّ كان أعطى خيبر اليهود معاملة لحاجة المسلمين إليهم، فلما استغنى عنهم أجلاهم عمر، وعادت كسائر بلاد الإسلام،