Indexed OCR Text
Pages 321-340
ج - ١٢ هل يستحق القاتر سلب القتيل ٣٢١ عليه فضة" فدل بهذا على أنه يجوز التنفيل فى الذهب والفضة اهـ. وفى الاستدلال بقصة ابن مسعود نظر فإن الفضة فى قبيعة السيف تبع له، فلا يقال: إنه نفله فضة بل سيفا، ولا خلاف فى كون السيف والسلاح من السلب، والحق أن السلب اسم لما يسلب، فكل ما يكون مع الحربى إذا قتله فقد استلبه منه ويستحق كل ذلك بمطلق اسم السلب إذا قال الإمام: من قتل قتيلا فله سلبه، والله تعالى أعلم. فائدة: دل حديث أبى قتادة الذى ختمنا به الباب أنه لا يقبل قول من ادعى السلب إلا ببينة تشهد له بأنه قتله ونقل الحافظ فى "الفتح" الاتفاق عليه والحجة قوله فى هذا الحديث: "له عليه بينة" فمفهومه أنه إذا لم تكن له بينة لا يقبل، وسياق حديث أبى قتادة يشهد لذلك (فإنه قام مرة بعد مرة يقول: من يشهد لى) وعن الأوزاعى يقبل قوله بغير بينة لأن النبى معَ لّ أعطاه لأبى قتادة بغير بينة، وفيه نظر لأنه وقع فى مغازى الواقدى إن أوس بن خولى شهد لأبى قتادة (والشاهد الثانى رجل قال: صدق يا رسول الله! وسلبه عندى فارضه عنى، كما فى "البخارى" و"فتح البارى" (١٧٧:٦). قال فى "شرح السير": وإنما طريق معرفة ذلك أن يشهد به عدلان من المسلمين لأن السلب باعتبار الظاهر غنيمة للمسلمين وإنما الحاجة إلى الاستحقاق عليهم فلا يكون ذلك إلا ببينة تقوم من المسلمين على موته (بضرب هذا المسلم قبل القسمة (٥٨:٢). فائدة: أن السلب لكل قاتل يستحق السهم أو الرضخ كالعبد والمرأة والصبى والمشرك (الذمى). وروى عن ابن عمر رضى الله عنه أن العبد إذا بارز بإذن مولاه فقتل لم يستحق السلب ويرضخ له. وللشافعى فيمن لا سهم له قولان أحدهما لا يستحق السلب لأن السهم آكد منه للإجماع عليه فإذا لم يستحقه فالسلب أولى، كذا فى "المغنى" (٤٢٠:١٠). قال الحافظ فى "الفتح": وعورض بأن السهم علق بالمظنة والسلب يستحق بالفعل فهو أولى وهذا هو الأصح اهـ (١٧٨:٦). وفى "شرح السير الكبير": إذا قال الأمير: من قتل قتيلا فله سلبه، فقتل ذمى ممن كان يقاتل مع المسلمين قتيلا استحق سلبه لأن الإمام أوجب السلب للقاتل بلفظ عام يتناول المسلم والذمى، والعام كالنص فى إثبات الحكم فى كل ما يتناوله وكذلك لو قتل رجل من التجار قتيلا سواء كان يقاتل قبل هذا أو كان لا يقاتل لأنه قاتل الآن فيتناوله حكم التنفیل، . وكذلك لو قتلت امرأة مسلمة أو ذمية قتيلا، وكذلك لو قتل عبد يقاتل مع مولاه أو كان لا يقاتل حتى الآن لأنه شريك بما يستحق من الرضخ فيستحق السلب بالتنفيل اهـ ملخصا (٥٩:٢). ٣٢٢ إعلاء السنن باب استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله كاستيلائنا على أموالهم إذا أحرزوها بدارهم وإلا فلا وإذا غنمها المسلمون فإن عرفها صاحبها قبل القسمة أخذها بلا شىء وبعد القسمة هو أحق بها بالقيمة ٤٠٠٨- عن أسامة بن زيد "قال: قلت: يا رسول الله! أين تنزل غدا فى حجة؟ قال: وهل ترك لنا عقيل منزلا؟ ثم قال: نحن نازلون غدا بخيف بنى كنانة قلت: ومفاده أن من لا يستحق السهم ولا الرضخ لا يستحق السلب كالمرجف والمخذل والمعين على المسلمين والعبد المحجور عليه ومن دخل فى الجيش بغير إذن الأمير، وعن أحمد فيمن دخل بغير إذن أنه يؤخذ منه الخمس، وباقيه له جعله كالغنيمة ويخرج فى العبد المبارز بغير إذا مولاه مثله، صرح به فى "المغنى" (٤٢٠:١٠). باب استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله كاستيلائنا على أموالهم إذا أحرزوها بدارهم وإلا فلا وإذا غنمها المسلمون فإن عرفها صاحبها قبل القسمة أخذها بلا شىء وبعد القسمة هو أحق بها بالقيمة قوله: "عن أسامة بن زيد إلخ" قلت: ومذهب الحنفية فى الباب أن ما أبق إلى المشركين من عبدمسلم فإنه مردود إلى صاحبه قبل القسمة وبعدها بلا ثمن، وفيه خلاف أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى. وما غنموه من مدبر ومكاتب وأم ولد فكذلك، ووافقه فى هذا صاحباه وسفيان الثورى، وأما ما غنموه من الإماء والعبيد، والحيوان والمتاع، فإن أدرك قبل أن يدخلوا به دار الحرب، ثم غنمناه رد إلى صاحبه قبل القسمة وبعدها بلا ثمن، وإن دخلوا به دار الحرب، ثم غنمناه رد إلى صاحبه قبل القسمة، وأما بعد القسمة فصاحبه أحق به بالقيمة إن شاء وإلا فلا يرد إليه، وهذا هو قول أبى يوسف ومحمد وسفيان الثورى، وسيعرف الناظر فى دلائل الباب أن كل ما قاله أبو حنيفة مؤيد بأحاديث النبى معَّه، وبأقوال أصحابه التى هى كالتفسير لأقوال النبى معد له ومن حملها على غير ذلك فقد أساء الأدب بحضرتهم، وحرم معرفة درجتهم ،" الله المستعان. وقد ذكرنا غير مرة أن منشأ كثرة تقييد والتقسيم فى أقوال أبى حنيفة إنما هو إحاطته بأحاديث الباب وآثاره والجمع بين مختلفها ولا يعرف ذلك ولا يقدره حق قدره إلا من جبل على الأدب مع أصحاب النبى مع طلّه وأذعن لجلالة مقامهم فى الإسلام. الرد على ابن حزم: وأما من لم يعرف غير أن هذا مرسل لا حجة فيه، وهذا منقطع لا يعبأ به، وهذا قول ج - ١٢ حكم استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله ٣٢٣ المحصب حيث قاسمت قريش على الكفر" الحديث رواه البخارى ومسلم وغيرهما (فتح البارى ٢٢:٦). صاحب ولا نحتج إلا بالمرفوع، ولا حجة فى قول أحد دون رسول الله عَ ليه، ولم يشعر بأن الصحابة أعرف الناس به وبمعانى أقواله فلا يقول إلا كما قال ابن حزم فى "المحلى" بعد ما ذكر مذهب الإمام أبى حنيفة فى الباب: هذا قول فى غاية التخليط والفساد فى التقسيم، لا دليل على صحة تقسيمه، لا من قرآن ولا من سنة، ولا من رواية سقيمة، ولا من قول صاحب ولا تابع، ولا قياس ولا رأى سديد اهـ (٣٠٢:٧)، وكله فرية بلا مرية، ومجرد إطلاق اللسان بلا دراية ولا روایة، وسنبین لك إن شاء الله تعالی أن کل قید قید به أبو حنيفة جوابه مستند إلی دلیل وبه يتميز الصحيح عن العليل، ويجتمع من الآثار كل دقيق وجليل. قال الموفق فى "المغنى": وما أخذه أهل الحرب من أموال المسلمين وعبيدهم فأدركه صاحبه قبل قسمه فهو أحق به، فإن أدركه مقسوما فهو أحق به بالثمن الذى ابتاعه من المغنم فى إحدى الروایتین (عن أحمد). والرواية الأخرى إذا قسم فلا حق له فيه بحال يعنى إذا أخذ الكفار أموال المسلمين ثم قهرهم المسلمون فأخذوها منهم فإن علم صاحبها قبل قسمها ردت إليه بغير شىء فى قول عامة أهل العلم منهم عمر رضى الله عنه، والنخعى، وسلمان بن ربيعة والليث، ومالك، والشورى، والأوزاعى، والشافعى، وأصحاب الرأى. وقال الزهرى: لا يرد إليه وهو للجيش، ونحوه عن عمرو. ابن دينار لأن الكفار ملكوه باستيلائهم فصار غنيمة كسائر أموالهم. ولنا ما روى عن ابن عمر (ذكرناه فى المتن) "وعن رجاء بن حيوة أن أبا عبيدة كتب إلى عمر بن الخطاب" (ذكرنا فى المتن أيضا) رواه سعيد والأثرم. فأما ما أدركه بعد أن قسم ففيه روايتان إحداهما أن صاحبه أحق به بالثمن الذى حسب به على من أخذه، وكذلك إن بيع ثم قسم ثمنه، فهو أحق به بالثمن. وهذا قول أبى حنيفة، والثورى، والأوزاعى ومالك، لما روى ابن عباس رضى الله عنهما أن رجلا وجد بعيرا له كان المشركون أصابوه "فقال النبى مّله: إن أصبته قبل أن نقسمه فهو لك، وإن أصبته بعد ما قسم أخذته بالقيمة" والمحكى عن أبى حنيفة ومالك أنه يأخذه بالقيمة ويروى عن مجاهد مثله، والرواية الثانية عن أحمد أنه إذا قسم فلا حق له فيه بحال نص عليه فى رواية أبى داود وغيره. وهو قول عمر (قلت: كلا بل قوله موافق لما قاله أبو حنيفة، كما سيأتى)، وعلى وسلمان بن ربيعة وعطاء والنخعى والليث قال أحمد: أما قول من قال: هو ٣٢٤ حكم استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله إعلاء السنن ٤٠٠٩٠- وصح عنه عَّيّة ((إن المهاجرين طلبوا منه دورهم يوم الفتح بمكة، فلم يرد أحق بالقيمة فهو قول ضعيف عن مجاهد وقال الشافعى: يأخذه صاحبه قبل القسمة وبعدها ويعطى مشتريه ثمنه من خمس المصالح لأنه لم يزل عن ملك صاحبه فوجب أن يستحق أخذه بغير شىء وهذا قول ابن المنذر ولنا ما روى أن عمر كتب إلى السائب ذكرناه فى المتن). إذا انقسم أهل العصر علی قولین فی حکم لم یجز إحداث قول ثالث لأنه يخالف الإجماع ولأنه إجماع قال أحمد: إنما قال الناس فيها قولين: إذا قسم فلا شىء له وقال قوم: إذا قسم فهو له بالثمن، فأما أن يكون له بعد القسمة بغير ذلك فلم يقله أحد ومتى ما انقسم أهل العصر على قولين فى حكم لم يجز إحداث قول ثالث؛ لأنه يخالف الإجماع فلم يجز المصير إليه وقولهم: لم يزل ملك صاحبه عنه غير مسلم اهـ ملخصا (٤٧٨:١٠- ٤٨٠). الرد على ابن حزم: قلت: وأحمد أعرف بالآثار وأقوال الصحابة والتابعين من ابن حزم وألوف من أمثاله فثبت بذلك أن قوله فى "المحلى": فكل ما غنموه (-أى- أهل الكفر الحربيون) من مال مسلم أو ذمى، أو آبق إليهم فهو باق على ملك صاحبه، فمتى قدر عليه رد على صاحبه قبل القسمة وبعدها، ولا يكلف مالكه عوضًا ولا ثمنا إلخ (٧: ٣٠٠) خلاف الإجماع نص عليه أحمد رحمه الله. وأما القرآن فحجتنا فى ذلك قوله تعالى ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم﴾ الآية، فإن الله تعالى سمى المهاجرين فقراء والفقير حقيقة من لا ملك له ولو لم يملك الكفار أموالهم بالاستيلاء لما سماهم فقراء كذا فى "المبسوط" (٥٢:١٠). قال ابن حزم بعد ما أقذع فى الكلام كما هو عادته فى البحث: وأى إشارة فى هذه الآية إلى ما قال؟ بل هى دالة على كذبه فى قوله: لأنه تعالى أبقى أموالهم وديارهم فى ملكهم بأن نسبها إليهم . جعلها لهم، وعظم بالإنكار إخراجهم ظلما منها اهـ (٧: ٣١١). قلت: يا للعجب ولضيعة الأدب! فإن الله تعالى إنما نسب أموالهم إليهم حين ما أخرجوا منها ولا نزاع فى أنها كانت مملوكة لهم قبل الإخراج وعنده، وإنما النزاع فى بقاء ملكهم فيها بعد الإخراج ولا دلالة فى قوله: من ديارهم وأموالهم على ذلك أصلا لكونه متعلقا بقوله: أخرجوا. ولما سماهم الله تعالى فقراء بعد ما أخرجوا من ديارهم، وأموالهم دل على عدم بقاء ملكهم فيها، وأن الكفار ملكوها بالاستيلاء، وإلا لما سماهم فقراء. قال ابن حزم: ونعم هم فقراء بلا شك إذ لا يجدون غنى وهم مجمعون معنا على أن رجلا ج - ١٢ حكم استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله ٣٢٥ على أحد داره)) قاله ابن القيم فى "زاد المعاد" (٢٠٢:٢). من أهل المغرب أو المشرق لو حج ففرغ ما فى يده بمكة أو بالمدينة وله فى بلاده ضياع بألف ألف . دينار، وأثاث بمثل ذلك، وهو حيث لا يقدر على فرض، ولا على ابتياع، ولا على بيع، فإنه فقير تحل له الزكاة المفروضة، وماله فى بلاده منطلقة عليه يده إلخ. الرد على على ابن حزم: قلت: فهل تجعل المهاجرين الذين اتخذوا المدينة دارا وحرم عليهم الإقامة بمكة فوق ثلاث، من أنباء السبيل؟ فإن قلت: نعم، فقد قلت ما لا يشك أحد من أهل اللسان فى خطأه وغلطه، فإن ابن السبل من كان منقطعا فى الطريق عازما للعود إلى وطنه لا من ترك وطنه، وتوطن فى بلدة أخرى - وأيضا- فسباق الآية يأبى منا تدعيه فقد قال الله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ (إلى أن قال) ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأمواله﴾، فإن كان علة فقرهم كونهم من أبناء السبيل لم يكن لعطفهم على ابن السبيل وجه لكن الله جعلهم صنفا آخر سوى الأصناف المذكورة قبلها فالظاهر ما قلنا: إنه إنما سماهم فقراء لاستيلاء الكفار على ديارهم وأموالهم، وخروجها عن أملاكهم، فافهم. وأما السنة فقد ذكرناها فى المتن ونبين لك موضع الاستدلال منها مفصلا، إن شاء الله تعالى وبه يظهر موافقة قول أبى حنيفة لأقوال الصحابة وأجلة التابعين، وشذوذ ابن حزم عنهم، وكونه مخالفا؛ لما ذهب إليه الأمة فى تفسير معانى حديث النبى معَّه منها حديث أسامة بن زيد الذى فتحنا به الباب. قال الحافظ فى "الفتح": وأخرج هذا الحديث الفاكهى من طريق محمد بن أبى حفصة، وقال فى آخره: ويقال: إن الدار التى أشار إليها كانت دار هاشم بن عبد مناف ثم صارت بعبد المطلب ابنه فقسمها بين ولده حين عمر، فمن ثم صار للنبى ◌ّ ◌ُّ حق أبيه عبد الله، وفيها ولد النبى معَّ ◌ُّه، ومحصل هذا أن النبى عّ لما هاجر استولى عقيل وطالب على الدار كلها باعتبار ما ورثاه من أبيهما لكونهما كانا لم يسلما وباعتبار ترك النبى معَّ له لحقه منها بالهجرة(١) وفقد طالب ببدر فباع عقيل الدار كلها، وحكى الفاكهى أن الدار لم تزل بأولاد عقيل إلى أن باعوها لمحمد بن يوسف أخى الحجاج بمائة ألف دينار وعلى هذا فمعنى قوله مرّ له: هل ترك لنا عقيل منزلا؟ أى أنه استولی علی منزله وأُدخله فی حصته من الدار (١) فيه نظر فإن الهجرة لا تستلزم الترك بمعنى الإباحة لمن أخذ. ٣٢٦ حكم استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله لو وقال الداودى وغيره: كان من هاجر من المؤمنين باع قريبه الكافر داره وأمضى النبى عّ لّه تصرفات الجاهلية تأليفا لقلوب من أسلم منهم اهـ (٦: ٣٦١). قلت: وإمضاءه عَّه تصرفات الجاهلية فيها يستلزم خروجها عن ملك المهاجرين، وأما إنه أمضاها بعد استطابة قلوبهم، فدون إثباته خرط القتاد كيف وقد صحح ابن القيم: "إن المهاجرين طلبوا منه دورهم يوم الفتح بمكة فلم يرد على أحد داره"، كما ذكرناه فى المتن. فبطل ما قاله ابن حزم رأسا وأساسا، وثبت ما قلنا: إن استيلاء الكافر على مال المسلم يوجب ملكه، وخروجه عن ملك المسلم إذا أحرزه بدار الحرب، وأما إنه عَّ إنما فعل ذلك بدور المهاجرين تأليفا لقلوب مسلمة الفتح ففيه: أنه دعوى مجردة عن دليل وإن سلمنا فإنما يجوز تأليف قلوب المسلمة حديثى الإسلام من الفئ الذى أفاء الله على الإمام لا من أملاك المسلمين، فلا بد من الاعتراف بأن دور المهاجرين كانت قد خرجت من ملكهم، وصارت فيئا للمسلمين، وهذا عين ما قلنا، فإنها لا تصير فيئا إلا بعد ما دخلت فى أملاك المشركين، فإن مال المسلم لا یکون فیئا أبدا ما دام فى ملكه. وادعى ابن حزم: أن أصحاب رسول الله مرّ ◌ُّه كانوا أطوارا، فطائفة أسلموا بمكة ثم فروا عنها بأديانهم كأبى بكر وعمر وعثمان وغيرهم رضى الله عنهم، وطائفة خرجوا كفارا ثم أسلموا كعمرو بن العاص أسلم عند النجاشى وأبى سفيان أسلم فى عسكر النبى معَّه وطائفة أسلموا وبقوا بمكة كجميع المستضعفين من النساء وغيرهم، وكل هؤلاء إذا فتح رسول الله عَ لّم مكة رجع الخارج إلى داره وعقاره وضياعهم بالطائف وغيرها، وبقى المستضعف فى داره وعقاره وأثاثه كذلك اهـ (٧: ٣١٠). قلت: وهذه دعوى مجرد لا دليل عليها فإن المستضعفين كانوا قد هاجروا إلى النبى عدّ له. فى زمن الهدنة بين النبى معَّ ◌ُلّه وبين قريش وكان آخرهم هجرة عباس بن عبد المطلب وأهل بيته، ولم يأذن الله تعالى لرسوله فى القتال بمكة إلا بعد ما تزيل المسلمون منها، وقوله: وكل هؤلاء إذ فتح رسول الله عَّم مكة رجع الخارج إلى داره وعقاره إلخ دون إثباته خرط الفتاد. فإن ابن القيم قد صحح خلافه أن المهاجرين طلبوا منه مُ ◌ّ دورهم يوم الفتح بمكة فلم يرد على أحد داره. وأما أرض الطائف فإن النبى عّ لّه كان جعلها لثقيف فى كتاب كتبه لهم كما تقدم. قال فى المبسوط: "ولما قال على لرسول الله عَ ليه يوم فتح مكة: ألا تنزل دارك؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من ربع؟ وقد كان له دار بمكة ورثها من خديجة رضى الله عنها (سوى ما ورثه من أبيه) فاستولى عليها ج - ١٢ حكم استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله ٣٢٧ عقيل بعد هجرته. والمعنى فيه أن الاستيلاء سبب يملك به المسلم مال الكافر فيملك به الكافر مال المسلم كالبيع والهبة وتأثيره أن نفس الأخذ سبب لملك المال إذا تم بالإحراز، وبيننا وبينهم مساواة فى أسباب إصابة الدنيا بل حظهم أو فر من حظنا لأن الدنيا لهم ولأنه لا مقصود لهم فى هذا الأخذ سوی اکتساب المال، ونحن لا نقصد بالأخذ ا کتساب المال (بل إعلاء كلمة الله وثواب الآخرة)، ثم جعل هذا الأخذ سببا للملك فى حق المسلم بدون القصد فلأن يكون سببا للملك فى حقهم مع وجود القصد أولى. وإنما يفارقوننا فيما يكون طريقه طريق الجزاء لأن الجزاء. فاق العمل، وذلك فى تملك رقاب الأحرار، فإنهم لما أنكروا وحدانية الله تعالى جازاهم الله تعلى على ذلك، بأن جعلهم عبيد عبيده ولا يوجد ذلك فی حق المسلمین، أو من ثبت له حق العتق منهم، والمفارقة بيننا وبينهم فى الحل والحرمة لا يمنع المساواة فى حكم الملك عند تقرر سببه؟ ألا ترى أن استكساب المسلم عبده الكافر سبب مباح للملك، واستكساب الكافر عبده المسلم حرام. ومع ذلك كان موجبا للملك لتقرر السبب، والفعل إنما يكون عدوانا فى مال معصوم، والعصمة بالإحراز والإحراز بالدار لا بالدين لأن الإحراز بالدين من حيث مراعاة حق الشرع والإثم فى مجاوزة ذلك، ولا يتحقق ذلك فى حق المنكرين فإنما يكون الإحراز فى حقهم بالدار التى هى دافعة لشرهم حسا. وما بقى المال معصوما بالإحراز بدار الإسلام لا يملك بعد انعدام هذه العصمة بالإحراز بدار الحرب. والدليل على أن الإحراز بالدين لا يظهر فى حقهم فصل الضمان، فإنهم لا يضمنون ما أتلفوا من نفوس المسلمين وأموالهم وتأثير العصمة فى إيجاب الضمان أظهر منه فى دفع الملك. فلما لم يبق للعصمة بالدين اعتبار فى حقهم فى إيجاب الضمان فكذلك فى دفع الملك. والمراد بالآية (أى قوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ حكم الأخذ بدلیل قوله: ﴿فالله يحكم بينهم يوم القيامة﴾، وبه نقول: إنهم يفارقوننا فى دار الآخرة، فإنها دار الجزاء ولا سبيل لهم علينا فى دار الجزاء اهـ ملخصا (٥٣:١٠ ٥٤). قلت: وهذا هو القياس الذى لا يصل إليه أفهام أمثال ابن حزم، فصاروا أعداء لأبى حنيفة، والله متم نوره، ولو كره الكارهون. فالناس أعداء له و خصوم حسدوا الفتی إذ لم ينالوا شاءوه كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسدا وبغضا أنه لذميم والبيتان لابن المبارك رحمه الله أنشدهما حين سمع طعنا فى أبى حنيفة من بعض القاصرين (مسند الإمام -١-٦). وهكذا كل من آتاه الله الحكمة والفقه فى الدين أذعن لجلالة هذا الإمام ٣٢٨ حكم استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله إعلاء السنن وعلو كعبه فى علوم الشريعة، وقد صح عن الشافعى رحمه الله أنه قال: الناس كلهم عيال أبى حنيفة فى الفقه. الرد على ابن حزم: قال ابن حزم: فأخبرونا عما أخذه منا أهل الحرب أ بحق أخ ، أم بباطل؟ وهل أموالنا مما أحله الله تعالى لهم أو مما حرمه عليهم؟ وهل هم ظالمون فى ذلك أو غير ظالمين؟ وهل عملوا فى ذلك عملا موافقا لأمر الله تعالى وأمر نبيه عليه السّلام، أو عملا مخالفا لأمره تعالى، وأمر رسوله عَّ؟ وهل يلزمهم دين الإسلام ويخلدون فى النار لخلافهم أم لا؟ ولا بد من أحدها، وإذ قد سقط الأول فلم يبق إلا الآخر من أنهم أخذوه بالباطل وأخذوا حراما عليهم، وأنهم عملوا بذلك عملا ليس عليه أمر الله وأمر رسوله، وإن التزام دين الإسلام فرض عليهم فإذ لا شك فى هذا، فأخذهم باطل مردود، فهو على ملك مالكه أبدا، وهذا أمر ما ندرى كيف يخفى على أحد إلخ (٣٠٤:٧) قلت: تأن ولا تعجل فإنك راجع إلى الأمر أمر القوم بعد التبصر فإنا نسألك كما سألتنا أن ما أتلفه أهل الكفر الحربيون من نفوس المسلمين وأموالهم أ بحق أتلفوه أم بباطل، وهل نفوسنا وأموالنا مما أحله الله تعالى لهم أو مما حرمه عليهم وهل هم ظالمون فى ذلك أو غير ظالمين وهل عملوا فى ذلك عملا موافقا لأمر الله تعالى وأمر نبيه عليه السلام أو عملا مخالفا لأمره تعالى وأمر رسوله، وهل يلزمهم دين الإسلام أم لا؟ ولا بد من أحدها فالقول بأنهم أتلفوها بحق وأنه مما أحله الله تعالى لهم وأنهم غير ظالمين فى ذلك، وأنهم لم يعلموا بذلك عملا مخالفا لأمر الله تعالى وأمر رسوله وأنهم لا يلزمهم دين الإسلام كفر صراح وكذب براح لا مرية فيه، فسقط هذا القول فلم يبق إلا الآخر وهو الحق اليقين من أنهم إنما أتلفوها بالباطل، وكان إتلافها حراما عليهم، وهم فى ذلك أظلم الظالمين، وأنهم عملوا عملا ليس عليه أمر الله تعالى، وأمر رسوله عّ لّه، وأن التزام دين الإسلام فرض عليهم، فإذ لا شك فى ذلك فما بالك لا توجب عليهم ضمان ما أتلفوا من نفوس المسلمين وأموالهم فى الكفر بعد ما أسلموا أو صاروا ذمة لنا؟ مع أنك توجب * على المسلمين ضمان ما أتلفوا من نفوس إخوانهم وأموالهم فالجواب الجواب والدليل الدليل. وبهذه المعارضة تظهر حقيقة استدلالك على مسألة الباب بقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾، وبقوله عليه السلام: ((إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام))، وقوله عليه ج - ١٢ حكم استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله ٣٢٩ ٤٠١٠- عن عمران بن حصين رضى الله عنه قال: كانت العضباء من سوابق الحاج فأغار المشركون على سرح المدينة فذهبوا به، وفيه العضباء وأسروا امرأة من المسلمين، وكانوا إذا نزلوا يرسلون إبلهم فى أفنيتهم فلما كانت ذات ليلة قامت المرأة وقد نوموا فذكر الحديث - وفيه- فلما قدمت عرفت الناقة فأتوا بها النبى عّ لّه فأخبرته المرأة بنذرها، فقال: بئس ما جزيتها لو وفيتها لا وفاء لنذر فى معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم، رواه الطحاوى (١٥٣:٢)، وسنده صحيح وأخرجه أحمد ومسلم (نيل الأوطار ١٩١:٧). السلام: ((ليس لعرق ظالم حق)) فإن كل ذلك وارد عليك فى باب الضمان بالإتلاف فمالك تجعله حجة لعدم ملك الكفار أموال المسلمين بالاستيلاء ولا تجعله حجة لإيجاب ضمان ما أتلفوه من نفوس المسلمين، وأموالهم بعد ما أسلموا أو صاروا ذمة لنا؟ قال ابن حزم: ولأنه لا يخلوا لحربيون من أن يكونوا ملكوا ما أخذوا منا أو لم يملكوه؟ فإن لم يملكوه، فهذا قولنا وإن كانوا قد ملكوه، فلا سبيل للذى أخذ منه عليه، لا بثمن ولا بغير ثمن لا قبل القسمة ولا بعد القسمة، لأنه كسائر الغنیمة، ولا فرق وأیضا فإنه لا یخلوا الذى وقع فی سهمه من أن یکون ملکه أو لم يملكه فإن كان لم يملكه، فهو قولنا، وإن قالوا: بل ملکه قلنا: فما یحل إخراج ملکه عن يده بغير طيب نفس منه، لا بثمن، ولا بغير ثمن فهل سمع بأبين فساد من هذه الأقوال إلخ (٣٠٤:٧). قلت: إنما يتفوه بمثل هذا الكلام من لا دراية له ولا فهم، ولا فقه فإن الشفيع يقدم على المالك المشترى فى الأخذ، ولا ملك له. وبالجملة فإن فى الشرع صورا يقدم فيها غير المالك على المالك كما أريناك فلأن يقدم غير المالك على غير المالك أولى فإنه لا ملك لأحد فى المغنوم قبل القسمة، وإنما يملكه من وقع فى سهمه بعد القسمة، فيأخذه الذى أخذ منه بالثمن لكونه كالشفيع، فافهم. قوله: "عن عمران بن حصين إلخ" فيه دليل على أن الكفار لا يملكون ما استولوا عليه من أموال المسلمين قبل أن يحرزوه بدارهم. فإن المرأة الأنصارية أخذت الناقة وهم فى الطريق فلم يملكوها ولا ملكت هى ولذا كان نذرها فيما لا تملكه ولو لم يكن الإحراز بدار الحرب شرطا فى تمام الاستيلاء لملكوها وملكتها المرأة وصح نذرها. وقد أغربت الحنابلة حيث جعلوا الاستيلاء سبب الملك، وقالوا: إن للأسير أن يأخذ من أهل الحرب ما قدر عليه ويسرق ويهرب، كما فى "المغنى" (٥٤٩:١). ثم ناقضوا وقالوا: إن أخذ أحد ما استولى عليه الحربيون بهبة أو سرقة، فصاحبه أحق به بغير شىء واستدلوا على ذلك بهذا الحديث، كما فى "المغنى" (٤٨٠:١٠). ٣٣٠ حكم استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله إعلاء السنن ٤٠١١- حدثنا أحمد بن داود ثنا عبيد الله بن محمد التيمى، أنا حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن تميم بن طرفة الطائى "أن رجلا أصاب له العدو بعيرا فاشتراه رجل منهم فجاء به فعرفه صاحبه فخاصمه إلى رسول الله عَّ له فقال: إن شئت أعطيته ثمنه الذى اشتراه به وهو لك وإلا فهو له"، أخرجه الطحاوى (٢: ١٥٤)، ورجاله ثقات. قال: وحدثنا أبو بكرة نا حسين بن حفص الأصبهانى ثنا سفيان الثورى عن سماك عن تميم بن طرفة عن النبى مګ نحوه، وهو مرسل. وقالوا: إن المرأة الأنصارية لم تملك الناقة لكونها أخذتها سرقة لا غنيمة . .!. بتنبهوا لما نبهناك عليه أنها أخذتها وهم فى الطريق لم يحرزوها بدارهم. يدل على ذلك ما فى لفظ الطحاوى من قوله: وكانوا إذا نزلوا يرسلون إبلهم فى أفنيتهم فلما كانت ذات ليلة إلى آخره وفيه دلالة كون حكم الاستيلاء مقيدا مشروطا بالإحراز بدار الحرب كما قيده به الإمام أبو حنيفة، وسيأتى ما يدل على ذلك بأصرح منه فى، فانتظر. قوله: "حدثنا أحمد بن داود إلخ" قلت: ذكره ابن حزم فى "المحلى" من طريق حماد بن سلمة وغيره عن سماك بن حرب عن تميم بن طرفة أن عثمان اشترى بعيرا من العدو، فعرفه صاحبه فخاصمه إلى رسول الله عَّه فقال له النبى معَّهِ: ((إن شئت أعطيته الثمن الذى اشتراه به وهو لك، وإلا فهو له اهـّ وقال: هذا منقطع لا حجة فيه وسماك ضعيف يقبل التلقين شهد عليه شعبة وغيره به وأسنده يس الزيات عن سماك عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة ويس لا تحل الرواية عنه إلخ (٧: ٣٠٣). قلت: قد قدمنا أن المرسل يصلح مفسرا للحديث الموصول وإنكار ذلك مكابرة وإلا لم يجز تفسير القرآن بأخبار الآحاد، وههنا كذلك فإن الأصل فى الاحتجاج إنما هو قول النبى مّ له: وهل ترك لنا عقيل منزلا؟ وما صح عنه أن المهاجرين طلبوا منه دورهم يوم الفتح بمكة فلم يرد على أحد داره، وكل ما سوى ذلك من المراسيل وأقوال الصحابة فإنما هى مفسرة لمعنى قوله مبلِّ هذا. الرد على ابن حزم فی تضعيفه سماکا: وأما قوله: "سماك" ضعيف فمن إطلاقاته المردودة بل الرجل مختلف فيه، والذين وثقوه أكثر ممن ضعفه، فإنما ضعفه فى حديث عكرمة خاصة، وهذا ليس من حديثه عن عكرمة، وقد وثقه ابن معين مع علمه بكلام شعبة فيه قال ابن أبى خيثمة: سمعت ابن معين سئل عنه ما الذى عابه (شعبة)؟ قال: أسند أحاديث لم يسندها غيره، وهو ثقة، وقال العجلى: لم يرغب عنه أحد، ج - ١٢ حكم استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله ٣٣١ ٤٠١٢- عن الحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس عن النبى معَِّ قال فيما أحرزه العدو فاستنقذه المسلمون: "إن وجده صاحبه قبل أن يقسم فهو أحق به وإن وجده قد قسم فإن شاء أخذه بالثمن" أخرجه الدارقطنى والبيهقى، وقال: ابن عمارة متروك (زيلعى ١٤٥:٢)، قلت: قد مر غير مرة أنه حسن الحديث كابن إسحاق، وقال ابن عدى: وقد روى هذا الحديث عن مسعر عن عبد الملك وأسنده الطحاوى عن على بن المدينى عن يحيى بن سعيد أنه سأل مسعرا عن هذا الحديث، فقال: هو من حديث عبد الملك بن ميسرة (الجوهر النقى ١٠٥:٢)، وهذه. وقال صالح بن أحمد: سماك أصح حديثا من عبد الملك بن عمير (وهو من رجال الجماعة احتج به الشيخان وغيرهما) وقال أبو حاتم: صدوق ثقة وقال: من سمع منه قديما مثل شعبة والثورى فحديثهم عنه صحيح مستقيم. (قلت: وحماد من أصحابه القدماء فإن الحافظ ذكره فى الرواة عنه قبل شعبة والثورى، ولم ينفرد به، بل تابعه سفيان، فرواه عن سماك أيضا أخرجه الطحاوى، وقال البزار: كان رجلا مشهورا لا أعلم أحدا تركه، وقال ابن عدى: لسماك حديث كثير مستقيم إن شاء الله، وهو من كبار تابعی أهل الكوفة، وأحاديثه حسان، وهو صدوق لا بأس به اهـ ملخصا (تهذيب التهذيب ٢٣٤:٦). قلت: وهو من رجال مسلم، والأربعة علق له البخارى، فإن كان مثله ضعيفا غير محتج به لم يسلم لنا أحد من الرواة فما من رجل إلا وتكلم فيه واحد أو اثنان. والعجب ممن يحتج بأبى جعفر الرازى الذى لم يحتج به أحد من الشيخين فى الصحيح أن يتنكب عن مثل سماك، ويطلق فيه التضعيف وهل هذا إلا تحكم وتمشية للمذهب نعوذ بالله من ذلك. وبالجملة فهذا مرسل صحيح قد اعتضد بموصول كما سيأتى وبكثير من أقوال الصحابة، والمرسل إذا اعتضد بشىء من ذلك، فهو حجة عند الكل، كما مر فى "المقدمة"، وفى غير موضع من هذا الكتاب فقول ابن حزم: هذا منقطع أى مرسل لا حجة فيه، رد عليه وفيه دلالة صريحة على أن الكافر الحربى يملك مال المسلم بالاستيلاء علیه، وإلا لم يصح اشتراء عثمان عنه وضياع ثمنه ورد البعير على صاحبه بلا شیء، كما هو قول ابن حزم ومن وافقه. قوله: "عن الحسن بن عمارة إلخ". قلت: والحديث ذكره الشافعى رحمه الله من طريق أبى يوسف القاضى الإمام حدثنا الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم "عن ابن عباس عن رسول الله عَّ فى عبد وبعير أحرزهما العدو ثم ظفر بهما فقال رسول الله عّ لّه لصاحبهما: إن ٣٣٢ حكم استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله إعلاء السنن متابعة جيدة قوية وتابعه إسماعيل بن عياش، فرواه عن عبد الملك بن ميسرة كما فى "المحلى" (٣٠٣:٧) وهو حسن الحديث فى غير أهل الشام كما ذكرنا فى الاستدراك. أصبتها قبل القسمة فهى مالك بغير شىء وإن أصبتها بعد القسمة فهى مالك بالقيمة" قال البيهقى: هكذا وجدته عن أبى يوسف عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة ورواه غيره عن الحسن بن عمارة عن عبد الملك إلخ، كذا فى "نصب الراية" (١٤٦:٢). قلت: وأبو يوسف إمام مجتهد وقد روى هذا الحديث واحتج به واحتجاج مثله بحديث تصحيح له، فبطل كل ما موه به ابن حزم فى هذا المقام، وأتى به فى تضعيف ابن عمارة من الكلام لا سيما وقد تابعه مسعر وإسماعيل بن عياش عن عبد الملك، وقد اتفق. المحدثون على أن الضعيف إذا توبع بمثله أو بأقوى منه تقوى، وصلح للاحتجاج بحديثه، كما ذكرناه فى "المقدمة" ، فلا ريب فى صلاحية الحديث للاحتجاج به وهو مرفوع متصل قد تأيد به مرسل تميم بن طرفة المذكور قبله ولا يتردد فى الاحتجاج به بعد ذلك إلا من لم يعرف الأصول واعتاد إطلاق اللسان بالفضول من الكلام وإساءة الأدب فى حق العلماء الفحول. والعجب ممن يحتج بمحمد بن سهل المجهول، أو الوضاع أن لا يحتج بالحسن بن عمارة، وقد قال جرير بن عبد الحميد: "ما ظننت أنی أُعیش إلی دهر یحدث فيه عن محمد بن إسحاق، ويسكت فيه عن الحسن بن عمارة" (تهذيب التهذيب ٣٠٦:٢). وقال فيه محمد بن إسحاق: حدثنی من لا اتهم (زيلعی ٣٦٨:١)، وهو من رجال الترمذى وابن ماجة علق له البخارى، وفى الحدیث تصریح بقید الإحراز الذی قید به أبو حنيفة الجواب فى هذا الباب، کما مر فبطل قول ابن حزم: لا دليل على صحة تقسيمه لا من قرآن ولا من سنة إلخ فهذه سنة النبى عّ لّه مصرحة بقيد الإحراز بدار الحرب وبأن صاحبه إن وجده قبل القسمة فهو أحق به، وإن وجده قد قسم أخذه بالثمن إن شاء. وقيد الإحراز يدل على أنهم إن كانوا لم يحرزوه بدارهم فصاحبه أحق به مطلقا. وهذا هو قول أبى حنيفة بعينه وليس كل حديث يرده ابن حزم يكون مردودا فقد اطلعناك على أنه مسرف فى هذا الباب ربما يحتج بما لا يصح الاحتجاج به ويرد ما لم يرده أحد غيره، وللحنفية أصول فى باب تصحيح الأحاديث وتضعيفها ذكرناها فى المقدمة، فلا عليهم إن خالفوا أصول بعض المحدثين أو خالفهم ابن حزم وأمثاله من أهل الظاهر الذين لا دراية لهم، ولا فقه ولا يرجعون إلى أصل، وإنما يتبعون آراءهم يفسرون بها الأحاديث، ويتركون المراسيل وأقوال الصحابة، ولا يعولون عليها فى تفسير أقوال النبى ◌ّ ◌ُّه مع كونهم أقرب الناس إليه وأعرفهم بكلامه. ج - ١٢ حكم استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله ٣٣٣ ٤٠١٣- عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: "ذهب فرس له فأخذه العدو فظهر عليهم المسلمون فرده عليه فى زمن رسول الله عَّ له، وأبق عبد له فلحق بالروم فظهر عليهم المسملون فرده عليه خالد بن الوليد بعد النبى معَّ له"، رواه البخارى ومالك فى "الموطأ" عن نافع به، وزاد: ذلك قبل أن يصيبهما المقاسم اهـ. ٤٠١٤- وروى الدارقطنى من طریق رشدین عن يونس عن الزهرى عن سالم عن أبيه مرفوعًا: من وجد ماله الفىء قبل أن يقسم فهو له، ومن وجده بعد ما قسم فليس له شیء وقال: رشدین ضعيف اهـ (زیلعی ١٤٥:٢). قلت: قد مر توثيقه فی الکتاب، وهو مختلف فيه حسن الحديث. ٤٠١٥- عن الشعبى عن زغبة السحيمى قال: ((كتب إليه النبى معَّ فى أديم أحمر، فأخذ كتابه فرقع به دلوه فبعث مّ ◌ُلِّ سرية فلم يدعوا له رائحةً ولا سارحةً، ولا أهلا ولا مالا إلا أخذوه، فذكر الحديث -وفيه- أنه خرج إلى النبى عّ لّه مبادرا فأسلم وقال له عَّ أماما أدركت من مالك بعينه قبل أن يقسم فأنت أحق له))، أخرجه الطبرانى فى "الكبير" (جمع الفوائد ٢: ٧٠). وسكت عنه فهو صحيح، أو حسن على أصله، وفى "مجمع الزوائد" (٢٠٦:٦). فيه الحجاج بن أرطاة وهو مدلس، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ. قوله: عن عبيد الله بن عمر إلخ. قلت: لفظ البخارى مطلق، ولكن قيده مالك فى "الموطأ" بقوله: وذلك قبل أن يصيبهما المقاسم ومفهومه: أنهما لو كانا قد قسما لم يردا عليه بلا شىء، وقد صرح بهذا المفهوم رشدين فى روايته، وهو مختلف فيه حسن الحديث عندنا صالح للاحتجاج به. وإن سلمنا ضعفه، كما قال الدارقطنى، فالحديث الضعيف يصلح مفسرا للحديث الصحيح، كما قدمنا، وإنكار ذلك مكابرة، لا يلتفت إليها. والحديث حجة لأبى يوسف ومحمد فى العبد الآبق، فإن ظاهر الحديث أن حكمه وحكم الفرس العائر إلى العدو سواء. وسنذكر حجة أبى حنيفة رحمه الله، فانتظر. وقوله: "ومن وجده بعد ما قسم فليس له شىء" معناه: لا يستحقه بلا عوض بدليل ما مر فى حديث ابن عباس وإن وجده قد قسم فإن شاء أخذه بالثمن فإن الأحاديث يفسر بعضها بعضا وهذه سنة أخری تؤيد ما قاله أبو حنيفة رحمه الله قد تر کها ابن حزم ومن وافقه بلا حجة وبما ذكرنا من التقرير بطل ما قاله ابن حزم: إن خالد بن الوليد وابن عمر لم يفرقوا بين حال القسمة ٣٣٤ حكم استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله إعلاء السنن ٤٠١٦- حدثنا محمد بن خزيمة ثنا يوسف بن عدى ثنا ابن المبارك عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن رجاء بن حيوة عن قبيصة بن ذؤيب "أن عمر بن الخطاب قال فيما أحرزه المشركون فأصابه المسلمون فعرفه صاحبه قال: إن أدركه قبل أن يقسم، فهو له وإن جرت فيه السهام فلا شىء له"، أخرجه الطحاوى (٢: ١٥٥). ورجاله ثقات وما قبل القسمة اهـ (٣٠٦:٧). فإنه قد اغتر بما فى رواية "البخارى" فى الإجمال ولم يراجع ما فى "الموطأ" و"الدار قطنى" من التفصيل، فافهم. قوله: "حدثنا محمد بن خزيمة إلخ". قلت: قد تبين بما ذكرنا فى المتن كون الحديث متصلا عن عمر رضى الله عنه، ورواه عبد الرزاق عن محمد بن راشد عن مكحول عن عمر إن أدرك قبل القسمة رد على صاحبه، وإن لم يدرك إلا بعد القسمة فصاحبه أحق به بقيمته ومن طريق سفيان عن المغيرة عن إبراهيم النخعى نحوه، ومن طريق ابن سيرين عن شريح كذلك، ومن طريق عبد الله ابن إدريس عن أبيه عن مجاهد مثله كما فى "المحلى" (٣٠١:٧). وأعل ابن حزم حديث قبيصة بن ذويب، بأنه لم يدرك عمر وقد أجبنا عنه فى المتن ومرسل مكحول بأنه لم يدرك عمر أيضا قلنا: نعم ولكن المرسل إذا صح مخرجه بمجيئه من وجه آخر مسندا، أو مرسلا أرسله من أخذ عن غير رجال الأول كان صحيحا، وتبين بذلك صحة المرسل وأنهما أى المرسل وما عضده صحيحان لو عارضهما صحيح من طريق واحد ترجحا عليه بتعدد الطرق إذا تعذر الجمع بينهما صرح به فى "تدريب الراوى" (ص٦٧)، ومذهب عمر رضى الله عنه فى التفريق بين الإصابة قبل القسم، وبعده رواه البيهقى عن عمر من ثلاثة أوجه أحدها من رواية قبيصة عنه وقد ذكرنا أن سماعه ممكن، ويكفى للاتصال إمكان اللقاء وذكره عبد الرزاق من طريق مكحول وابن أبى شيبة من طريق زهرة بن يزيد المرادى كلاهما عن عمر فهذه خمسة أوجه عن عمر يشد بعضها بعضا فهل لأحد لّه مسكة بالعلم أن يتفوه بمثل ما تفوه به ابن حزم أن ذلك لم يثبت عن عمر، فهل يكون مسند واحد متصل حجة، ولا تكون خمسة مراسيل حجة؟ هذا لا يقوله إلا من خلع ربقة العلم عن عنقه، وإذا فاتك الحياء فاصنع ما شئت. وأعجب من ذلك كله أن ابن حزم نسب إلى عمر قولين: الأول: أن ما أخذه المشركون من أموالنا يرد إلى أصحابه قبل القسمة، ولا يرد بعد القسمة أصلا، والثانى: إن أدرك قبل القسمة رد إلى صاحبه بغير ثمن، وإن لم يدرك إلا بعد القسمة فصاحبه أحق به بقيمة اهـ. وكل ذلك لكونه لم يرد ذكر الرد بالقيمة فى رواية قبيصة بن ذويب عند ابن أبى شيبة ولو راجع الدار قطنى لوقف على ذكره فى ج - ١٢ حكم استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله ٣٣٥ وسنده صحيح، ورواء الدار قطنى (٤٧٢:٢). وزاد: إنما هو رجل منهم، وقال أبو سهل: هو أحق به من غيره بالثمن، وقال: هذا مرسل اهـ. قلت: كلا، بل هو موصول؛ فإن قبيصة ولد يوم الفتح، وقيل: يوم حنين، وقيل: أول سنة من الهجرة وتعقب، أتى به النبى عَّ لما ولد فدعا له، وقال: هذا رجل نبيه، ذكره ابن شاهين فى الصحابة، وقال ابن قانه: له رؤية، كذا فى "الإصابة" (٢٧١:٥) وسماع مثله عن عمر ممكن، وادعى مسلم أن المتفق عليه أن يكفى للاتصال إمكان اللقاء روايته، كما فى المتن، وإن سلمنا أن قبيصة لم يذكره فكان يجب عليه أن يلخص قوله من مجموع ما روى عنه مسندا ومرسلا وهذا مكحول قد صرح فى روايته بأنه إن لم يدرك إلا بعد القسمة فصاحبه أحق به بقيمته والروايات يفسر بعضها بعضا فكان الواجب عليه إرجاع ما رواه قبيصة إلى ما رواه مكحول عنه لا أن يجعل هذا مذهبا وهذا مذهبا فإن الاختلاف والتضاد فى قول واحد من المسلمين مما ينكره العقل والشرع لا سيما فى قول واحد من المجتهدين الخلفاء الراشدين ولم يزل دأب العلماء جمعهم بين الروايات بالتأويل، فما بال ابن حزم لا يجمع بين ما روى عن عمر فى الباب بجمع الطرق بعضها إلى بعض، ولا بحملها على محمل واحد ولم لا يأخذ ههنا بالزيادة التى ذكرها بعض الرواة، وسكت عنها البعض مع أن مذهبه الأخذ بالزيادة. صرح به فى غير موضع من "المحلى"، ولكنه لا يزال ينسى أصوله وأصول المحدثين عند البحث مع الخصم. وأعجب من كل عجيب قوله: قال بعضهم معنى قول عمر فى الرواية الأخرى: فلا شىء له وأمضها لسبيلها أى إلا بالثمن. فقلنا ما يعجز من لا دين له عن الكذب ويقال لكم معنى قول عمر: إنه أحق بها بالقيمة، أى أن تراضيا جميعا على ذلك، وإلا فلا. فما الفرق بين كذب وكذب اهـ (٣٠٢:٧). قلنا: الفرق إنك تزید فی قول عمر من عند نفسك ما تحرف به كلامه عن موضعه، فلا يشك عالم وجاهل فى أن اشتراط تراضى الطرفين جميعا يستلزم بطلان كون صاحبه أحق به فكل أحد يجوز له أخذ ما عند الآخر بالتراضى وإذا كان كذلك لم يكن لقوله: صاحبه أحق به بالقيمة معنی أصلا وخصمك لم یزد فی قول عمر من عند نفسه شيئا بل إنما زاد ما قد زاده بعض الرواة عنه فى رواياتهم، وهذا ليس من الكذب فى شىء، بل هو من باب التوفيق والتطبيق بين الروايات بجمع طرقها بعضها إلى بعض، وإنما الكذب أن يزاد فى الكلام ما يبطل معند ويحرفه وشتان بين موفق ومحرف، وقد تبين بما قلنا أن ذكر بعض الرواة شيئا لم يذكره غيره ليس من ٣٣٦ حكم استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله إعلاء السنن وقبيصة سمع عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت وأبا الدرداء، وأدرك أبا بكر الصديق، وله سن لا ينكر معها سماعه من عمر (الجوهر النقي ١٣٤:٢-٢٠٥). التعارض والمعارضة فى شىء، ولكن ابن حزم لم يتنبه لذلك وأقام المعارضة بين أقوال عمر رضى الله عنه، وليس ذلك من دأب المحققين، وإنما هو من ديدن القاصرين. ثم عارضنا ابن حزم رحمه الله بما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء أخبرنى عكرمة بن خالد قال: أخبرنى أُسيد بن ظهير الأنصارى وكان وإلى اليمامة أيام معاوية أن النبى مرّ لّ قضى فى السرقة إن كان الذى ابتاعها من الذى شرقها غير متهم يخير سيدها، إن شاء أخذ الذى سرق منه بثمنه، وإن شاء اتبع سارقه ثم قضى بذلك بعده أبو بكر وعمر وعثمان، وقضى به أسيد بن ظهير قال ابن حزم: وقد قضى به أيضا عميرة بن يثرى -قاضى البصرة- وبه يقول إسحاق بن راهويه: فهذا خبر أحسن من خبر كم وأقوم وهو فى معناه فخذوا به، وإلا فأنتم متلاعبون، وأما نحن فتركناه لأن عكرمة بن خالد ليس بالقوى، وعلى كل حال فهو والله بلا خلاف من أحد أشبه من ياسين والحسن بن عمارة وإسماعيل ابن عياش، وما هو بدون سماك اصلا إلخ (٣٠٣:٧). الرد على ابن حزم فى تضعيف عكرمة بن خالد قلت: أحسن الله عزاءنا فيك يا ابن حزم: فما أجرأك على التوثيق والتضعيف من عير تثبت ولا تحقيق فإن عكرمة بن خالد بن سعيد الذى هو من مشيخة ابن جريج ثقة معروف قال الذهبى فى "الميزان": أخطأ ابن حزم فى تضعيفه وزلق فى هذا الرجل بالذى قبله (وهو عكرمة بن خالد بن سلمة)، ولم يتفطن لذلك وهذا الرجل وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائى اهـ (٢٠٧:٣). قلت: "وعكرمة بن خالد بن سلمة المخزومى" يروى عن أبيه وعنه مسلم بن إبراهيم لم يرو عنه أحد اسمه عطاء كما يظهر من "التهذيب" (٢٥٩:٧). قال الحافظ: " وغلط ابن حزم فرد حديثا من رواية عكرمة بن خالد الذى قبله ظانا أنه هذا الضعيف وقد بين ذلك ابن القطان اهـ". فكان على ابن حزم أن يأخذ بهذا الحديث، وإلا فهو المتلاعب لا غير. وأما نحن فلم نأخذ به لأن عطاء الذی یروی عن عكرمة بن خالد ليس هو ابن أبى رباح کما ظنه ابن حزم، فإن أبى رباح لم يذكره أحد فى الرواة عن عكرمة هذا وإنما هو ابن عجلان الذى ضعفه المحدثون بإسرهم واتهموه بالكذب والوضع وهو المذ کور فی الرواة عن عكرمة بن خالد. تدلیس ابن جریج: وقد دلس ابن جريج ھهنا، فأفحش، فإنه يروى عن عكرمة بن خالد بلا واسطة، فلما أدخل ج - ١٢ حكم استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله ٣٣٧ ٤٠١٧- حدثنا يزيد بن سنان ثنا محمد بن خزيمة ثنا أزهر بن سعد السمان عن ابن عون عن رجاء بن حيوة أن عمر بن الخطاب وأبا عبيدة قالا ذلك، أخرجه الطحاوى (١٥٤:٢)، وهذا مرسل صحيح والظاهر أن رجاءً أخذه من قبيصة فيكون موصولا. عطاء بينه وبين عكرمة ظن السامع أنه لم يدلس ولكنه أتى بأفحش التدليس فى قوله: "عن عطاء" فإن المتبادر منه هو عطاء بن أبى رباح لکون ابن جريج من ألزم الناس به، وليس كذلك بل هو ابن عجلان ولقد صدق الدار قطنى أن شر التدليس تدليس ابن جريج، فإنه قبيح التدليس لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح، كذا فى "طبقات المدلسين" (ص ١٤). ومما يدل على ما قلنا قول الترمذى فى جامعه: قال أبو عيسى: حديث أسيد (بن ظهير) حديث حسن غريب ولا نعرف لأُسيد بن ظهير شيئا يصح غير هذا الحديث، أى حديث الصلاة فى مسجد قباء كعمرة اهـ (٤٣:١ و٤٤) فإذا كان أسيد بن ظهير لا يعرف له غير حديث واحد فالذى رواه ابن جريج عن عطاء عن عكرمة ابن خالد عن أسيد لا يصح وإنما هو من بلايا ابن عجلان فافهم. ورحم الله ابن حزم حيث ذكر عكرمة ونسى عطاء وظنه ابن أبى رباح وليس هو إلا ابن عجلان وبمثل هذا يبتلى من يعترض الأئمة بسوء، نسأل الله العافية. قال ابن حزم: "والعجب أن أصحاب أبى حنيفة ردوا حديث "من وجد سلعة بعينها عند مفلس فهو أحق بهما من الغرماء" وهذا حديث ثابت صحيح اهـ" (٣٠٣:٧). قلت: لم يرد الحنفية وما هم برادين شيئا مما ثبت وصح عن النبى معٍَّ وإنما حملوه على الودائع والغصوب والعوارى والرهون، بدليل قوله مَّه: ((من وجد سلعة بعينها)) وإنما ماله بعينه يقع على المغصوب والعارية والوديعة وما أشبهها. وأما المبيع فلا يبقى بعينه بعد البيع فإن تبدل الملك يستلزم تبدل العين ألا ترى إلى قوله مَّ له فى حديث بريرة هو لها صدقه ولنا هدية)) ويؤيد ما قلنا مارواه الطحاوى بسنده عن سمرة بن جندب: ((أن رسول الله عَّه قال: من سرق له متاع أو ضاع له متاع وجده فى يدى رجل بعينه فهو أحق به ويرجع المشترى على البائع بالثمن)) اهـ (٢٩٤:٢). وهو قاض على ما رواه عطاء عن عكرمة بن خالد عن أسيد بن ظهير من: أن المشترى عن السارق إن كان غير متهم يخير المالك بين أن يأخذ ماله بالثمن أو يتبع السارق كما مر فإن حديث سمرة بن جندب صريح فى أن صاحبه أحق به مطلقا سواء كان المشترى متهما أو غير متهم ويرجع المشترى على السارق البائع وبه نأخذ، فافهم وتشکر. قوله: حدثنا يزيد بن سنان إلخ. فيه موافقة أبي عبيدة بن الجراح أمين الأمة لعمر رضى الله ج - ١٢ حكم استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله ٣٣٨ ٤٠١٨- حدثنا محمد بن خزيمة ثنا يوسف بن عدى ثنا ابن المبارك عن ابن لهيعة عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن سليمان بن يسار عن زيد بن ثابت مثله أخرجه الطحاوى (١٥٤:٢)، وسنده حسن وابن لهيعة ليس بدون من ابن إسحاق بل أجل منه. ٤٠١٩- حدثنا أحمد بن داود ثنا عبيد الله بن محمد أنا حماد عن أيوب وحبيب وهشام عن محمد (هو ابن سيرين. مؤلف) أن رجلا ابتاع جارية من العدو، فوطئها فولدت منه فجاء صاحبها فخاصمه إلى شريح فقال: المسلم أحق أن يرد على أخيه بالثمن، قال: فإنها قد ولدت منه فقال: أعتقها، قضاء الأمير عمر بن الخطاب، أخرجه الطحاوى (١٥٤:٢)، ورجاله كلهم ثقات. عنهما فى حكم استيلاء أهل الحرب على أموال المسلمين، وإنهم يملكونها إذا أحرزوها بدارهم، قال ابن حزم: "ولا يصح عن أبي عبيدة، لأنه من طريق أبى عون أو ابن عون ولم يدر كا أبا عبيدة اهـ (٧: ٣٠١)". قلت: بل هو من طريق ابن عون عن رجاء بن حيوة عن أبى عبيدة ورجاء، وإن لم يدركه، ولكنه من كبار التابعين، ثقة فقيه، وإرسال مثله أفضل من إسناد غيره، على أن الظاهر أخذه ذلك عن قبيصة بن ذؤيب يدل على ذلك طريق قتادة عن رجاء بن حيوة عن قبيصة عن عمر، وقد ذكرناه قبل، فهو مرسل صحیح فى حكم الموصول. قوله: "حدثنا محمد بن خزيمة ثانيا إلخ" فيه جواب عن قول ابن حزم فى "المحلى"، ولا ندرى من رواه عن زيد بن ثابت (٧: ٣٠١) فليعلم أنه رواه عنه سليمان بن يسار الهلالی مولی ميمونة أم المؤمنين روى عن ميمونة وأم سلمة وعائشة وفاطمة بنت قيس، وحمزة بن ثابت وابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله والمقداد بن الأسود وأبى رافع مولى النبى معَّ له، كذا فى "التهذيب" (٢٢٨:٤). قوله: "حدثنا أحمد بن داود إلخ" قلت: شريح من أجلة قضاة الإسلام ولى القضاء لعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم وأقام على قضاء الكوفة ستين سنة، وقال له على: اذهب فأنت أفضى العرب، كان فى زمن النبى مرُّّ ـرلم يسمع منه. وعده ابن السكن فى الصحابة حدیث دل على لقيه النبى معٍَّ، وهو أعلم الناس بقضايا عمر وعلى وقد قضى فى رجل ابتاع جارية من العدو، فوطيها فولدت منه بأنها صارت أم ولده واستحقت الإعتاق، ولم يردها على صاحبه وهذا هو قول أبى حنيفة وأصحابه وقد اعترف ابن حزم فى "المحلى" أن قبل القسمة لا بعدها صح عن عطاء وشريح والحسن وإبراهيم وهو قول الليث والأوزاعى ومالك وذكره ابن أبى الزناد عن أبيه ٣٣٩ حكم استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله إعلاء السنن ٤٠٢٠- عن قتادة عن خلاس أن على بن أبى طالب "قال: من اشترى ما أحرزه العدو فهو جائز"، أخرجه الطحاوى (١٥٥:٢)، وسنده صحيح، وقال ابن حزم فى "المحلى" (٣٠١:٧): رواية خلاس عن على صحيحة اهـ. وعن القاسم بن محمد وعروة وخارجة وعبيد الله بن عبد الله وأبى بكر بن عبد الرحمن وسليمان ابن يسار (وهم فقهاء المدينة السبعة) فى مشيخة عن نظراءهم اهـ من "الجوهر النقى" (٢٠٥:٢). "قال ابن حزم: "ولا يصح عنهم لأنه من طريق ابن أبى الزناد وهو ضعيف اهـ (٣٠٢:٧)". قلت: كلا بل هو فوق أبى جعفر الرازى الذى جعله ابن حزم حجة بدرجات. قال ابن معين فيما رواه أبو داود عنه: أثبت الناس فى هشام بن عروة عبد الرحمن بن أبى الزناد وقال أيضا فيما حكاه الساجى عنه عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبى هريرة حجة. وقال أحمد: أحاديثه صحاح، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق. وقال الترمذى والعجلى: ثقة وصحح الترمذى عدة من أحاديثه وقال فى اللباس: ثقة حافظ، ووثقه غير هؤلاء کثیرون وتكلم فيه آخرون، ولو كان كل من تكلم فيه بشىء ضعيفا لم يسلم لنا أحد ولم يقدر ابن حزم ولا غيره أن يصحح شيئا من الأحاديث وإنما تكلم من تكلم فيه لأجل ما حدث به ببغداد، فأفسده البغداديون ولا تزروا وازرة وزر أخرى، والبسط فى "التهذيب" (١٧٢:٦). فهل لأحد من أمثال ابن حزم أن يقول: إن ما قاله أبو حنيفة لا يعرف عن صاحب ولا تابع، ولا دليل له من سنة ولا من قرآن ولا قياس؟ فقد أقمنا الدليل على مسألة الباب من القرآن والسنة والقياس وأقوال الصحابة والتابعين رضى الله عنهم اجمعین ولکنہم لا يفقهون. قوله: "عن قتادة عن خلاس إلخ" قال ابن حزم فى "المحلى": " ورواية خلاس عن على صحة إلا أنه لا بيان فيها، إنما هى ما أحرزه العدو فهو جائز، ولا ندرى ما معنى "فهو جائز"؟ ولعله أراد أنه جائز لأصحابه إذا ظفر به اهـ (٧: ٣٠١) قلت: يا له من متطفل متجاهل أو متمحل متغافل؟ أو لم يكن تيسير له مراجعة طرق الحديث، والنظر فى سائر ألفاظها حتى يتضح له المراد؟ ولكنه إنما يفعل ذلك فيما يظنه مفيدا له ولمذهبه وإلا فأى حاجة له إلى التنقير والتحقيق، إذا كان مرجعه إلى تأييد الخصم. ولو راجع ابن حزم لفظ الطحاوى "من اشترى ما أحرز العدو فهو جائز" لاستحيا من قوله: "لا ندرى ما معنى فهو جائز"، ولندم على قوله: "ولعله أراد إلخ" وبمثل هذا يبتلى من يفسر الأحاديث بالرأى ولا يراجع طرقها، ولا يجعل بعضها مفسرا لبعض، ودلالة قول على رضى الله عنه أن أهل الحرب يملكونه ما يحرزونه من أموال المسلمين ظاهرة. وإلا لم يجز ج - ١٢ حکم استيلاء الكفار على أموال المسلمين والعياذ بالله. ٣٤٠ ٤٠٢١- عن عيسى بن يونس عن ثور عن أبى عون عن زهرة بن يزيد المرادى "أن أمة لرجل مسلم أبقت إلى العدو فغنمها المسلمون فعرفها أهلها فكتب فيها أبو عبيدة بن الجراح إلی عمر فکتب إلیه عمر إن کانت لم تخمس ولم تقسم، فهی رد على أهلها، وإن كانت قد خمست وقسمت فأمضها لسبيلها"، أخرجه ابن أبى شيبة، كما فى "المحلى" (٣٠١:٧). ٤٠٢٢- عن معتمر بن سليمان التيمى عن أبيه أن على بن أبى طالب رضى الله عنه "قال: ما أحرزه العدو من أموال المسلمين فهو بمنزلة أموالهم" أخرجه ابن أبى شيبة، کما فى "المحلى" (٧: ٣٠٠)، وهو مرسل صحيح. لم اشتراه منهم بل بطل البيع والشراء، ورد المشترى على مالكه بلا شىء كما يقوله من لا يقول بحكم الاستيلاء. وفيه دلالة على قيد الإحراز الذى قيد به أبو حنيفة حكم الاستيلاء فأين من یدعی أن ما قاله أبو حنيفة لا يعرف من قول صاحب، ولا تابع ولا سنة ولا قیاس؟ قوله: "عن عيسى بن يونس إلخ" أعله ابن حزم بأن أبا عون أو ابن عون لم يدرك عمر اهـ. ولم ينظر إلى أن أبا عون إنما يرويه بواسطة زهرة بن يزيد المرادى، عن عمر فكان عليه أن يثبت الانقطاع بينه ودون ذلك خرط القتاد. وفيه دلالة على أن العدو يملك رقيق المسلم بالاستيلاء عليه وإحرازه بدار الحرب وإلا ردت الأمة على أهلها قبل القسمة وبعدها سواء وقوله: "فأمضها لسبيلها" معناه: فلا حق لأهلها عليها إلا بالثمن إن شاؤوا بدليل ما رواه مكحول عنه كما تقدم. وفى الأثر حجة لأبى يوسف ومحمد فى كون الآبق وغير الآبق من العبيد سواء فى حكم الاستيلاء. وهو محمول عند أبى حنيفة على أن العدو كان أخذها من دار الإسلام بعد إباقها من دار مولاها، فأحرزها بدار الحرب، وسیأتی ما يدل له، فانتظر. قوله: "عن معتمر بن سليمان إلخ" قلت: ولا يخفى على الناظر فى هذا الباب أن حكم الاستيلاء روينا عن على رضى الله عنه بثلاثة طرق: إحداها: موصولة قطعا وهى طريق خلاس عنه، كما اعترف به ابن حزم وثانيتها: ظاهرة فى الوصل وهى طريق قتادة الآتية فإنه ذكر فيها قصة بكر بن قرواش وهو من مشاهير أصحاب على، وسماع قتادة منه ممكن فالظاهر أنه أخذ الرواية عنه. وثالثها: طريق سليمان التيمي، وهذه مرسلة بلا شك، وقد تقدم أن المراسيل إذا صح مجيئه من وجه آخر فهو حجة عند الكل، وهذا كذلك فلا سبيل لابن حزم وأمثاله إلى رده، ودلالته على أن الحرب يملكون ما يحرزونه من أموال المسلمين ظاهرة، بدليل قوله: فهو بمنزلة أموالهم.