Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ ج - ١٢ بيان تقسيم الغنائم وسهامها ٣٩٦١- حدثنا ابن بشار ثنا عبد الأعلى ثنا سعيد عن قتادة أنه سئل عن سهم ذى القربى، فقال: " كان طعمة لرسول الله عَّ، فلما توفى حمل عليه أبو بكر وعمر فى سبيل الله صدقة عن رسول الله عَ ليه، وفى لفظ: كان طعمة لرسول الله ما كان حيا فلما توفى جعل لولى الأمر من بعده " أخرجه الطبرى (٦:١٠). أيضًا وسنده صحيح. قوله: "حدثنا ابن بشار إلخ. قال الحافظ فى "الفتح": قال إسماعيل القاضى: هذا الحديث يدل على أن للإمام أن يقسم الخمس حيث يرى، لأن الأربعة الأخماس استحقاق للغانمين والذى يختص بالإمام هو الخمس. وقد منع النبی مګ ابنته وأغر الناس عليه من أقربیه وصرفه إلى غيرهم. وقال نحوه الطبرى لو كان سهم ذوى القربى حقا مفروضا لأخدم ابنته ولم يكن ليدع شيئا اختاره الله لها، وامتن به على ذوى القربى وكذا قال الطحاوى، وزاد: وإن أبا بكر وعمر أخذا بذلك وقسما جميع الخمس، ولم يجعلا لذوى القربى منه حقا مخصوصا به بل بحسب ما يراه الإمام وكذلك فعل على اهـ. قال الحافظ: وفى الاستدلال بحديث على هذا نظر، لأنه يحتمل أن يكون ذلك من الفىء اهـ (١٥١:٦). قلت: احتمال غير ناشئ عن دليل. فإن الفىء الذى أفاء الله على رسوله عدّ له إنما كانت تخل بنى النضير، فأعطى أكثرها للمهاجرين، وبقى منها صدقة رسول الله عّ لّل التى فى أيدى بنى فاطمة. رواه أبو داود كما فى "فتح البارى" (١٤٠:٦) وفدك رواه أبو داود أيضا من طريق ابن إسحاق عن الزهرى وغيره قالوا: بقيت بقية من خيبر تحصنوا، فسألوا النبى عّ لّ أن يحقن دماءهم ويسيرهم، ففعل. فسمع بذلك أهل فدك فنزلوا على مثل ذلك وكانت لرسول الله معرّ ي- خاصة (فتح البارى ٦: ١٤٠). وروى أبو داود عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: فيما احتج به عمر "إنه قال: كانت لرسول الله عَّ ◌ُله ثلاث صفايا. بنو النضير وخيبر وفدك" الحديث، سكت عنه هو والمنذرى (عون المعبود ١٠٣:٣). ولم يكن فى بنى النضير وفدك سبى، فإنه معرّ ◌ُّه حقن دماءهم وسيرهم، ولم يسب منهم أحدا. وأما خيبر فقد فتحت عنوة وغنمها المسلمون، وسبوا منها سبايا. وأعطى رسول الله مرّ على بن أبى طالب رضى الله عنه غلاما من سبيها كما رواه أحمد ثنا حسن ابن موسى وعفانٍ. قالا: ثنا حماد بن سلمة، قال عفان: أنا أبو طالب عن أبى أمامة فذكره (٢٥٠.٥). فإن كان عند الحافظ فىء سوى بنى النضير وفدك فلا بد من بيانه، وإلا فاظاهر أن هذا السبى كان من الغنيمة، وهو المتبادر من سياق حديث الفضل بن الحسن الضمرى الذى يأتى بعد هذا، وأيضا فإن الفىء مخموس أيضا عند الشافعية مثل الغنيمة ولذوى القربى سهم معلوم فيه، ٢٦٢ بیان تقسیم الغنائم وسهامها إعلاء السنن ٣٩٦٢- عن على رضى الله عنه "أن فاطمة عليها السلام اشكتت ما تلقى من الرحى مما تطحن فبلغها أن رسول الله عّ لّ أتى بسبى فأتته تسأله خادما" الحديث -وفيه- "ألا أدلكما على خير مما سألتمانى؟ إذا أخذتما مضاجعكما فكبر الله أربعا وثلاثين" الحديث رواه البخارى (فتح البارى ١٥١:٢). قال الحافظ: وأخرجه أحمد من وجه آخر عن على وفيه، "والله لا أعطيكم وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم" اهـ. وهو الخمس، كما تقدم. فلعل الحافظ نسى مذهبه ههنا حيث تخلص بإبداء احتمال الفىء، ولم يدر أنه لم يتخلص. قال الموفق فى "المغنى": خمس الفىء والغنيمة مقسوم على خمسة أسهم، وهو مذهب الشافعى (٢٩٩:٧). قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: وقد سألته فاطمة رضى الله عنهما خادما من الخمس فو كلها إلى التكبير والتحميد، ولم يعطها فإن قيل: إنما لم يعطها لأنها ليست من ذوى قرباه لأنها أقرب إليه من ذوى قرباه، (ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين﴾ فجعل الوالدين غير الأقربين فكذلك الولد يخرج من قرابة والده. وقال محمد بن الحسن فى رجل: قال: قد أوصیت بثلث مالی لقرابة فلان أن والديه وولده لا +خلون فى ذلك لأنهم أقرب من القرابة وليسوا بقرابة. واحتج فى ذلك بهذه الآية، كذا فى "شرح معانى الآثار" للطحاوى (٣٧:٢) قيل له: فقد خاطب عليا بمثل ذلك وهو من ذوى القربى، وقال لبعض بنات عمه حين ذهبت مع فاطمة إليه تستخدمه: سبقكن يتامى بدر، أما خطابه لعلى فظاهر من قوله فى حديث البخارى: ألا أدلكما على خبر مما سألتمانى إلخ وأصرح منه لفظ أحمد فأتياه جميعا فقال على: يا رسول الله! والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدرى، وقالت فاطمة: قد طحنت حتى مجلت يداى، وقد جاءك الله بسببى وسعة فأخدمنا الحديث. قال المنذري: إسناده جيد، ورواته ثقات. وعطاء بن السائب ثقة سمع منه حماد بن سلمة قبل الاختلاط (٢٨٦:٢). وأما خطابه لبنات عمه فظاهر من حديث الفضل بن الحسن الآتى، فإن أم الحكم وضباعة ابنتى الزبير بن المطلب هما ابنتا عم النبى معَّه، قاله عياش بن عقبة عند أبى داود (٣: ١١٠ مع "العون")، فإن الجصاص: "وفى يتامى بدر من لم يكن من بنى هاشم، لأن أكثرهم من الأنصار، ولو استحقنا بالقرابة شيئا، لا يجوز منعهما إياه لما منعهما حقهما ولا عدل بهما إلى غيرهما، وفى هذا دليل على معنيين: أحدهما: أن سهمهم من الخمس أمره كان موكولا إلى رأى النبى معَّ فى أن يعطيه من شاء منهم، ج - ١٢ بیان تقسیم الغنائم وسهامها ٢٦٣ ٣٩٦٣- حدثنا ابن أبى داود ثنا محمد بن عبد الله بن نمير ثنا زيد بن الحباب ثنی عياش بن عقبة ثنى الفضل بن حسن بن عمرو بن الحكم: "أن أمه حدثته أنها ذهبت هى وأمها حتى دخلن على فاطمة، فخرجن جميعا فأتين رسول الله عّ لّه قد أقبل من بعض مغازيه ومعه رقيق، فسألنه أن يخدمهن، فقال رسول الله عَّ له: سبقكن يتامى بدر" أخرجه الطحاوى (١٣٥:٢) وسنده حسن وذكره الحافظ فى الفتح (١٥١:٦) مختصرا وسكت عنه، وأخرجه أيضا أبو داود (٣: ١١٠ مع العون)، وسكت عنه هو والمنذرى. والثانى أن إعطاءهم من الخمس أو منعه لا تعلق له بتحريم الصدقة اهـ (٦٥:٣)؛ لأنهم لو كانوا يعطون من الخمس لحرمة الصدقة عليهم لم يؤثر النبى معَ ◌ّم يتامى بدر عليهم، لإمكان إعطاءهم من الصدقة دون ذوى القربى، فافهم. قوله: "حدثنا ابن أبى داود إلخ". دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة. قال الحافظ فى "الفتح": "فيحتمل أن تكون قصة فاطمة وقعت قبل فرض الخمس، وهو بعيد لأن قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه﴾ الآية نزلت فى غزوة بدر، وقد مضى قريبا أن الصحابة أخرجوا الخمس من أول غنيمة غنموها من المشركين، فيحتمل أن حصة خمس الخمس وهو حق ذى القربى من الفىء المذكور، لم يبلغ قدر الرأس الذى طلبته فاطمة، فكان حقها من ذلك يسيرا جدا يلزم منه أن لو أعطاها الرأس أثر فى حق بقية المستحقين ممن ذكر اهـ (١٥١:٦). قلت: هذا كله تمشية للمذهب وإلا فألفاظ الحديث تأبى عن هذه الاحتمالات التى أبداها الحافظ بلا دليل. فإن سوال على وفاطمة يدل بظاهره على أن الخمس كان يسع لما سألاه، ولو لم يكن يسعه لأخبرهما النبى معَِّ واعتذر إليهما بذلك، وأعطاهما قدر ما كان يسعه، ولم يقل: لا أعطيكم وأدع أهل الصفة، أو سبقكن به يتامى بدر، ولم يكلهما إلى التسبيح والتحميد. فإن الظاهر المتبادر منه أنه لم يعطهم شيئا ولستم قائلين بجواز ذلك فى الخمس، بل يجب عندكم على الإمام أن يقسم على جميع الأصناف، وخمس الخمس على ذوى القربى صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم بالاستيعاب، فلو كان الأمر على هذا لقسم النبى عرّ خمس الخمس منه على ذوى قرباه، ولأعطى عليا وفاطمة رضى الله عنهما بقدر حقهما منه قليلا كان أو كثيرا ولم يكلهما إلى التسبيح والتحميد والتكبير، ولم يقسم الخمس كله على أهل الصفة أو يتامى بدر، فثبت ما قاله الطبرى والطحاوى: أنه لو كان سهم ذوى القربى قسما مفروضا لأخدم ابنته، ولم يكن ليدع شیئا اختار الله لها، وامتن به علی ذوى القربى، فتذكر. ٢٦٤ بیان تقسیم الغنائم و سهامها إعلاء السنن ٣٩٦٤- عن جبير بن مطعم أن رسول الله عَ لّه لم يقسم لبنى عبد شمس، ولا لبنى نوفل من الخمس شيئا كما قسم لبنى هاشم وبنى المطلب، قال: وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله عَ ليه، غير أنه لم يكن يعطى قربى رسول الله عَ ليه كما كان يعطيهم رسول الله عَّه، وكان عمر بن الخطاب يعطيهم منه وعثمان بعده، أخرجه أبو داود، وقال ابن حزم فى "المحلى" (٣٢٨:١١): هذا إستالافى غاية الصحة، وقال المنذرى: أخرجه البخارى والنسائى وابن ماجه مختصرا (عون المعبود ١٠٦:٣). وهذا الحديث من إحدى الدلائل على أن أمر الخمس موكول إلى رأى الإمام يجوز له صرفه إلى واحد من الأصناف، ولا يجب عليه استيعابها، وسيأتيك ما يدل على ذلك من بقية الدلائل. قوله: "عن جبير بن مطعم إلخ: قلت: احتج به الخصم على أن سهم ذوى القربى مقسوم على بنى هاشم وبنى المطلب ولا بد منه، قال ابن حزم: وهذا بيان جلى وإسناد فى غاية الصحة (المحلى ٣٢٧:١١). ولم يدر أنه حجة عليه وعلى من وافقه لا له. أما أولا: فلأن لفظة ذى القربى عامة لقرابته عّ لّ كلها، والحديث يخصصها ببنى هاشم وبنى المطلب بعلة أنهم لم يفارقوة معرّ له فى الجاهلية والإسلام، ومقتضاها أن يكون لكافريهم سهم فى الخمس أيضا لوجود العلة، وهى عدم مفارقتهم النبى عَّم فى الجاهلية والإسلام، وأن ينقطع سهم ذوى القربى بموته عّلّه، لأنه لا بقاء لهذه النصرة التى هى نصرة العصبية والحمية إلا ببقاءه معرّ له. وأما ثانيا: فلأنه كما يجوز أن يكون بيانا للمراد بذى القربى فى الآية يجوز أن يكون بيانا لكون القسمة موكولة إلى رأى النبى معَّهِ، فإنه لما أعطى ذلك السهم بعض القرابة، وحرم من قرابته منه كقرابتهم ثبت بذلك أن الله لم يرد بما جعل لذوى القربى كل قرابته مَّه. وإنما أراد به خاصا منهم، وجعل الرأى فى ذلك إلى رسول الله عّ لّه يضعه فيمن شاء منهم، وإذا مات فانقطع رأيه انقطع ما جعل لهم من ذلك. ولا يرد على هذا استحقاق الكافر بهذا السهم قوله ◌َّهِ: إنهم لم يفارقونی فی جاهلية، ولا إسلام، علة للترجيح لا للتخصيص، لأن الترجيح موكول إلى رأى النبى معَّ له غير واجب عليه استيعاب الجميع منهم بالقسمة، بخلاف الأول حيث لم يكن للنبى معَّظّ حق الترجيح بل يجب عليه إعطاء كل ذى حق حقه، وأن يقسم على كل من وجدت فيه علة الاستحقاق ويؤيد ما أبدينا من الاحتمال قول جبير: وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله عّ لّه غير أنه لم يكن يعطى قربى رسول الله مرّ له ما كان يعطيهم رسول الله عَّ ◌ُله، ولا يظن بأبى بكر مخالفة كتاب الله تعالى ومخالفة رسوله عّ لّ فى فعله، ومنع الحق عن المستحق، وكذا لا يظن بمن حضره من ج - ١٢ بيان تقسيم الغنائم وسهامها ٢٦٥ ٣٩٦٥- عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: سمعت عليا يقول: "ولانى رسول الله عَّ خمس الخمس، فوضعته مواضعه حياة رسول الله عَ ليه، وحياة أبى بكر وحياة عمر، فأتى بمال فدعانى فقال: خذه! فقلت: لا أريده. فقال: خذه! فأنتم أحق به. قلت: الصحابة رضى الله عنهم السكوت عما لا يحل له مع ما وصفهم الله تعالى بأنهم: "خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" ، ولا يخافون فى الله لومة لائم. وأما ما قاله ابن حزم: وإنما كان الذى لم يعطهم أبو بكر كما كان النبى معَّ له يعطيهم فهو ما كان عليه السلام يعود به عليهم من سهمه، وكانت حاجة المسلمين أيام أبى بكر أشد. وأما أن يمنعهم الحق المفروض الذى سماه الله ورسولهم، فيعيد الله أبا بكر رضى الله عنه من ذلك اهـ من "المحلى" (٣٢٨:١١). فتأويل الفعل بما لا يرضى به فاعله، فقد ثبت عن الحسن بن محمد بن الحنفية وعن ابن عباس وقتادة وإبراهيم النخعى: أن أبا بكر وعمر رضى الله عنهما كانا قد جعلا سهم الرسول، وسهم ذى القربى فى السلاح والكراع، يحملون عليهما فى سبيل الله، وثبت عن ابن عباس أن عمر رضى الله عنه لم يقسم خمس الخمس كله فى ذوى القربى بل عرض عليهم ما رأوه دون حقهم أن يزوج أيمهم ويقضى عن غارمهم وهذا مما قد تواترت به الروايات ولا ينكره إلا جاحد مكابر، فليس معنى قول جبير إلا ما هو الظاهر المتبادر منه أن أبا بكر رضى الله عنه لم يعطهم ما كان رسول الله عَ ليه يعطيهم، وهو خمس الخمس، وذلك لانقطاع سهمهم هذا بانقطاع رأى النبى عدّ ◌ُلّه بموته وهو موكول إلى رأيه، فافهم. وقوله: "وأما أن يمنعهم الحق المفروض الذى سماه الله ورسوله إلخ" فبناء الفاسد على الفاسد، فإن الله لم يسم لبنى هاشم وبنى المطلب شيئا، وإنما سمى لذى القربى ورسول الله عَّ لم يقل إن المراد بذى القربى هؤلاء دون غيرهم، وغاية ماروى عنه أنه أعطى بعض القرابة وحرم بعضها، وهذا محتمل للأمرين الذين مر ذكرهما، فلا يصح الاستدلال به ما بقى الاحتمال. قوله: "عن عبد الرحمن بن أبى ليلى إلخ" هذا أكبر شىء احتج به الخصم على أن خمس الغنيمة يقسم على خمسة أسهم بعد النبى معَّ ◌ُّه، كما كان يقسم كذلك فى حياته، لقول على: ولانى رسول الله عَُّلّ خمس الخمس، فوضعته مواضعه فى حياته، وحياة أبى بكر وعمر إلخ. ولم يدر أن آخر الحديث يخالف مذهبه: وهو قوله: فأتى بمال فدعانى فقال: خذه فقلت: لا أريده فقال: خذه فأنتم أحق به قلت: قد استغنينا عنه. فجعله فى بيت المال. فلو كان سهم ذوى القربى قسما مفروضا لا حق لأحد فيه سواهم لم يجز لعلى رضى الله عنه أن يرده عنهم إلى غيرهم، ولا لعمر أن يدخله فى بيت المال، فثبت بذلك أن ذوى القربى إنما يستحقونه بعلة الفقر ٢٦٦ بيان تقسيم الغنائم وسهامها إعلاء السنن قد استغنینا عنه، فجعله فى بيت المال". أخرجه أبو داود وسكت عنه. قال المنذرى: فى إسناده أبو جعفر الرازى وثقه ابن المدينى وابن معين ونقل عنهما خلاف ذلك، وتكلم فيه غير واحد (عون المعبود ١٠٧:٣). واحتج به ابن حزم فى "المحلى" (٣٢٩:١١) وقال: أبو جعفر الرازى ثقة، وقال المنذرى: حديث على لا يصح (فتح القدير ٢٤٥:٥). وإذا استغنوا عنه لم يستحقوه، ولذا جاز لعلى أن يصرفه عنهم إلى غيرهم حين رآهم قد استغنوا، ولعمران يجعله فى بيت المال. قال فى فتح الودود: هذا دليل على موافقة على لعمر بن الخطاب على أن ذوى القربى مصارف للخمس لا مستحقوه كما لا يخفى اهـ من "عون المعبود" (١٠٧:٣). وأما أنه يدل على قسمة الخمس على خمسة أسهم بعد النبى معَّ فكلا! لأنه قد يذكر الشىء باسم كان له من قبل، وإن كان قد تغير عن حاله، فلا يلزم من عطف حياة أبى بكر وعمر على حياة رسول الله مَّه بقاء خمس الخمس على حاله فى حياتهم جميعا، بل يحتمل أن يكون على رضى الله عنه قد سمى ما كانا أعطياه لفقراء ذى القربى خمس الخمس تسمية للشىء بما كان له، لكونه مثله ونحوه وقائما مقامه، يدل على ذلك آخر الحديث، حيث رد على رضى الله عنه سهم ذوى القربى إلى بيت المال حين رآهم قد استغنوا، ولو كان خمس الخمس قسما مفروضا لم يكن ليفعل ذلك، ولا يجوز له أن يفعله فافهم. قال العلامة ابن القيم فى زاد المعاد: وقد يستدل به أى بحديث على هذا على أنه كان يصرف فى مصارفه الخمسة، ولا يقوى هذا الاستدلال إذ غاية ما فيه أنه صرفه فى مصارفه التى كان رسول الله عَ ل يصرفه فيها ولم يعده إلى سواها، فأين تعميم الأصناف الخمسة به؟ والذى يدل عليه هدى رسول الله عَّه وأحكامه، أنه كان يجعل مصارف الخمس كمصارف لركات ولا يخرج بها عن الأصناف المذكورة، لا أنه يقسمه بينهم كقسمة الميراث، ومن تأمل سيرته وهديه حق التأمل لم يشك فى ذلك، وفى الصحيحين عن عمر رضى الله عنه: كانت أموال بنى النضير مما أفاء الله على رسوله، وكانت لرسول الله مُّ ينفق منه على أهله نفقة سنة، وفى لفظ: يحبس لأهله قوت سنة ويجعل ما بقى فى الكراع والسلاح عدة فى سبيل الله اهـ (٢٠٤:٢). أى ولم يكن يقسمه على الأصناف المذكورة كقسمة الميراث هذا، وقد سبق منافى الحاشية مفصلا وفى المتن مجملا أن حديث على هذا لا يقاوم حديث جبير صحة واستقامة فى الإسناد. وقال المنذرى: "وفى حديث جبير بن مطعم أن أبا بكر لم يقسم لذوى القربى، وفى حديث على أنه قسم لهم وحديث جبير صحيح وحديث على لا يصح " انتهى، ذكره المحقق فى"الفتح" (٣٤٥:٥). قلت: وأضعف منه ما رواه الإمام الشافعى فى الأم أخبرنا إبراهيم بن محمد عن مطر الوراق ج - ١٢ بیان تقسیم الغنائم وسهامها ٢٦٧ ٣٩٦٦ - حدثنا عفان عن عبد الواحد بن زياد عن حجاج عن أبى الزبير عن جابر أنه سئل ما كان رسول الله عَ ◌ّه يفعل بالخمس؟ فقال: كان يحمل منه الرجل ثم الرجل ورجل لم يسمه، كلاهما عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى، قال: لقيت عليا عند أحجار الزيت، فقلت له: بأبى وأمى ما فعل أبو بكر وعمر فى حقكم أهل البيت من الخمس؟ فقال على: أما أبو بكر فلم يكن فى زمانه أخماس. وما كان فقد أوفانا، وأما عمر فلم يزل يعطيناه حتى جاءه مال السوس، والأهواز أو قال فارس. قال الربيع: أنا أشك فقال فى حديث مطر. أو حديث الآخر: فقال: فى المسلمين خلة فإن أجبتم تركتم حقكم، فجعلناه فى خلة المسلمين، حتى يأتينا مال فأوفيكم حقكم منه. فقال العباس لعلى: لا تطمعه فى حقنا، فقلت له: يا أبا الفضل! ألسنا أحق من أجاب أمير المؤمنين. ورفع خلة المسلمين فتوفى عمر قبل أن يأتيه مال فيقضيناه. وقال الحكم فى حدیث مطر أو الآخر: إن عمر قال لكم حق ولا يبلغ علمی و کثر أن یکون لکم کله فإن شئتم أعطيتكم منه بقدر ما أرى لكم، فأبيناه عليه إلا كله فأبى أن يعطينا كله اهـ (٤: ٧٢). فإنه من رواية إبراهيم بن محمد، وهو مكشوف الحال وأضعف من أبى جعفر الرازى بالمرة. وأيضا فقد اختلف فيه على الحكم فروى مرة أن عمر أعطاهم حتى جاءهم مال السوس، ثم استسلفه منهم للمسلمين، وفيه دلالة على إعطائهم القليل والكثير منه، ويقول مرة أعطاهم بعضه دون بعض وعرض عليهم حين كثر أن يعطيهم ما رأوا دون حقهم. وكل ذلك دائر بين مطر وبين آخر مجهول لا يدرى أيهم يروى الكلام الأول وأيهم الثانى، ومثل ذلك لا يصح به الاحتجاج عند المحدثين، ولا معارضة الآثار الصحيحة بمثله، فبطل استدلال من استدل به على مخالفة رأى على لرأى عمر رضى الله عنهما فى سهم ذوى القربى فافهم. وفى قول عمر رضى الله عنه لعلى خذه فأنتم أحق به، دليل على ما قلنا: إن فقراء ذوى القربى وأيتامهم يقدمون على غيرهم من فقراء المسلمين. قوله: "حدثنا عفان إلخ" قلت: ولفظه عند أبى يوسف فى كتاب الخراج له حدثنى أشعت ابن سوار عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله أنه كان يحمل من الخمس فى سبيل الله، ويعطى منه نائبة القوم فلما كثر المال جعل فى اليتامى والمساكين وابن السبيل اهـ (ص٢٣). وقوله: يحمل فى سبيل الله نص فى أنه كان يحمل منقطع الغزاة وذوى الحاجات منهم، لأن الإنفاق فى سبيل الله متعارف فى هذا المعنى شرعا كما فى آية الصدقات والمؤلفة قلوبهم وفى سبيل الله وابن السبيل فافهم. قال فى "رد المحتار" عن "شرح الملتقى": "والخمس الباقى (بعد الأربعة الأخماس) من المغنم كالمعدان والركاز يكون مصرفها لليتامى المحتاجين والمساكين وابن السبيل، فتقسم عندنا أثلاثا هذه ٢٦٨ بیان تقسیم الغنائم وسهامها إعلاء السنن ثم الرجل، رواه أبو عبيد فى الأموال (ص٣٢١) وسنده حسن. قال الجصاص فى "أحكام القرآن" (٦١:٣) له: روى أبو يوسف (القاضى الإمام) عن أشعث بن سوار عن أبى الزبير عن جابر قال: كان يحمل الخمس فى سبيل الله تعالى ويعطى منه نائبة القوم، فلما كثر المال جعله فى غير ذلك"، وهذا سند حسن أيضا. وأشعث والحجاج فيهما مقال، ولكن متابعة أحدهما للآخر رفعت الحديث من درجة الحسن إلى الصحيح. الأموال الثلاثة لهؤلاء الأصناف الثلاثة خاصة غير متجاوز عنهم إلى غيرهم، فتصرف لكلهم، أو لبعضهم، فسبب استحقاقهم احتياجهم يتم أو مسكنة أو كونه ابن السبيل، فلا يجوز لغيرهم، ولا لغنيهم كما فى الشرنبلالية والقهستانى. قلت: ونقلت فيما علقته على التنوير عن المنية أنه لو صرف للغانمين لحاجتهم جاز اهـ ولعله باعتبار الحاجة فلا تنافى حينئذ فتنبه هـ. أقول: لا معنى للترجى (والتردد) بعد تصريح المنية بقوله لحاجتهم اهـ ح (٣٦٤:٣). قلت: والحديث صريح فى أنه ليس فى الخمس لذوى القربى سهم مفروض. وقسم معلوم وإلا لم يخص به النبى عَّه الغزاة والمجاهدين فقط بل قسمه على بنى هاشم وبنى المطلب جميعا، غنيهم وفقيرهم وذكرهم وأنثاهم وشاهدهم وغائبهم، ومعلوم أن الخمس لم يكن قبل نزول قوله: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه﴾ الآية وجابر يقول: كان النبى معَّ ◌ُّ يحمل الخمس فى سبيل الله ويعطى منه نائبة القوم (أى بعد نزول اية الخمس) فلما كثر المال جعله فى اليتامى والمساكين وابن السبيل، فثبت ما قلنا إن ذكر هؤلاء الأصناف لبيان المصارف لا الإيجاب الصرف إلى كل صنف منهم، كما زعمه الإمام الشافعى رحمه الله وغيره، بل لتعيين المصرف، حتى لا يجوز الصرف إلى غير هؤلاء (رد المحتار عن "البدائع" ٣٦٤:٣). وثبت أن ما فعله أبو بكر رضى الله عنهما فى الخمس موافق لما عمل به رسول الله عَ ليه، فكان مرة يقسم الخمس على خمسة أسهم، ويعطى ذوى القربى خمس الخمس، ومرة كان يقسمه كله على صنف واحد أى المنقطعين من الغزاة، ومرة على صنف آخر وهم اليتامى، فليس القسم على خمسة أو ثلاثة أسهم واجبا على الإمام إلا إذا كانت الأصناف الثلاثة فى الاحتياج سواء، وإذا كان صنف أحوج من غيره فله صرفه إلی هذا الصنف وحده، فافهم. تحقیق قوله لبنی هاشم إن لکم فی خمس الخمس ما یغنیکم ومما يدل على تقديم فقراء ذوى القربى على غيرهم من مساكين المسلمين: ما رواه الطبرانى وابن أبى حاتم عن ابن عباس: "قال: بعث نوفل بن الحرث ابنيه إلى رسول الله عَّ له فقال لهما: ج - ١٢ ٢٦٩ باب يجوز للإمام أن يصرف الخمس إلى صنف من الأصناف إذا كان أحوج من غيره ولا يجب عليه الاستيعاب ٣٩٦٧- عن ابن عمر رضى الله عنهما ((أن رسول الله عّ لّه بعث سرية فيها انطلقا إلى عمكما (رسول الله عَّة) لعله يستعين بكما على الصدقات، فأتيا النبى معَّه فأخبراه لحاجتهما. فقال لهما: لا تحل لكم أهل البيت من الصدقات بشىء ولا غسالة الایدی، إن لكم فى خمس الخمس لما یغنیکم أو یکفیکم، ولفظ ابن أبى حاتم (رغبت لكم عن غسالة أیدی الناس، إن لکم من خمس الخمس لما یغنیکم)، ذكره الزیلعی. وقال: هذا إِسناد حسن، وروى الطبرى فى "تفسيره" حدثنا ابن وكيع ثنا أبى شريك عن خصيف عن مجاهد "قال: كان آل محمد عليه الصلاة والسلام لا يحل لهم الصدقة، فجعل لهم خمس الخمس، وفى لفظ: قال: ((كان النبى معَّ له وأهل بيته لا يأكلون الصدقة فجعل لهم خمس الخمس)) (٢: ١٤٠). وفيه جواب عما يقال: إذا كانت قرابة رسول الله عَ ليه يستحقون من الخمس بالفقر والحاجة، فما وجه تخصيصه تعالى إياهم بالذكر، وقد دخلوا فى جملة المساكين؟ وحاصل الجواب أنه تعالى لما سمى الخمس لليتامى والمساكين وابن السبيل كما قال: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ الآية وقد قال النبى مرّ له: ((إن الصدقة لا تحل لآل محمد)) فلو لم يسمهم فى الخمس جاز أن يظن ظان أنه لا يجوز إعطاءهم منه كما لا يجوز أن يعطوا من الصدقات فسماهم إعلاما منه لنا أن سبيلهم فيه بخلاف سبيلهم فى الصدقات. فلا حجة فيه لمن يقول بكون خمس الخمس قسما مفروضا لذوى القربى غنيهم وفقيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم. هذا ملخص ما قاله الجصاص فى أحكام القرآن له (٦٤:٣). · ولا حجة له فى قول مجاهد أيضا لما فى الرواية عنه من الاختلاف فى كون خمس الخمس لذوى القربى أو لهم وللنبى معَّ جميعا، وأيضا فلو كان خمس الخمس عوضا عن الصدقة لوجب أن لا يستحقه منهم إلا فقير، كما أن أصل الذى أقيم هذا مقامه لا يستحقه إلا فقير والخصم لا يقول به، كما مر غير مرة، هذا، وقد أشبعنا الكلام فى هذا المقام، لكونه معترك الأفهام ومزلة الأقدام، والحمد لله الذي هدانا سبل السلام، وأخرجنا إلى النور من الظلام بنبينا سيدنا محمد سيد الخلائق وأفضل الأنام، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، وسلم تسليما كثيرا كثيرا، لا انقضاء لها ولا انصرام. باب يجوز للإمام أن يصرف الخمس إلى صنف من الأصناف إذا كان أحوج من غيره ولا يجب عليه الاستيعاب قوله: "عن ابن عمر إلخ". قلت: ولا يخفى على الفطن أن دلائل هذا الباب حجج للباب ٢٧٠ هل يجوز الاكتفاء على صنف واحد من المصارف إعلاء السنن عبد الله بن عمر قبل نجد، فغنموا إبلا كثيرة فكانت سهمانهم اثنى عشر بعيرا أو أحد عشر بعيرًا ونفلوا بعيرا بعيرا)) رواه البخارى (فتح البارى ١٦٩:٦). السابق أيضا، وأنه ليس سهم ذوى القربى قسما مفروضا وإلا لم يجز أن يعدوهم إلى غيرهم، ومما يدل على ذلك حديث ابن عمر الذى فتحنا به الباب، وقد رواه مالك هكذا بالشك والاختصار وإبهام الذى نفلهم، ورواية ابن إسحاق عن نافع صريحة أن التنفيل كان من الأمير والقسم من النبى معَّه وظاهر رواية الليث عن نافع عند مسلم أن ذلك صدر من أمير الجيش وأن النبى معَّ له كان مقررا لذلك ومجيزا له، لأنه قال فيه: ولم يغيره النبى مِّ، وفى رواية عبد الله بن عمر عنده أيضا: ونفلنا رسول الله عَّه بعيرًا بعيرًا، وهذا يمكن أن يحمل على التقرير فتجتمع الروايتان، وقال ابن عبد البر: وقال سائر أصحاب نافع: اثنى عشر بعيرا بغير شك، لم يقع الشك فيه إلا من مالك. والنفل زيادة يزادها الغازى على نصيبه من الغنيمة. وقد اختلف العلماء هل هو من أصل الغنيمة أو من الخمس أو حمس الخمس أو مما عدا الخمس على أقوال. والثلاثة الأول مذهب الشافعى والأصح عندهم أنها من خمس الخمس، قال ابن بطال: وحديث الباب يرد علي هذا لأنهم نقلوا نصف السدس، وهو أكثر من خمس الخمس، وهذا واضح. وقد زاده ابن المنير إيضاحا فقال: لو فرضنا أنهم كانوا مائة لكان قد حصل هم ألف ومائتا بعير. ويكون الخمس من الأصل ثلاثمائة بعير، وخمسها ستون. وقد نطق الحديث بأنهم نفلوا بعيرا بعيرا فتكون جملة ما نفلوا مائة بعير، وإذا كان خمس الخمس ستين لم يف كله ببعير بعير لكل من المائة وهكذا كيفما فرضت العدد، قال: وقد ألجأ هذا الإلزام بعضهم فادعى أن جميع ما حصل للغانمين كان أثنى عشر بعيرا فقبل له: فيكون خمسها ثلاثة أبعرة، فيلزم أن تكون السرية كلها ثلاثة رجل بناء على أن النفل من خمس الخمس. وقال ابن التين: قد انفضل من قال من الشافعية بأن النفل من خمس الخمس. بأوجه فذكرها ثم قال: وظاهر السياق يرد هذه الاحتمالات، قال: وقد جاء أنهم كانوا عشرة وأنهم غنموا مائة وخمسین بعیرا، فخرج منها الخمس وهو ثلاثون وقسم علیهم البقية فحصل لكل واحد اثنا عشر بعيرا ثم نقلوا بعيرا بعيرا فعلى هذا قد نفلوا ثلث الخمس اهـ من "فتح البارى" (١٦٩:٦ و ١٧٠) ملخصا. قال الحافظ: إن ثبت هذا لم يكن فيه رد للاحتمال الأخير، وهو أن يكون نفل بعض الجيش دون بعض. فيحتمل أن يكون الذين نفلوا ستة من عشرة، والله تعالى أعلم. قلت: يرده ما أخرجه أبو داود من طريق شعيب بن أبى حمزة عن نافع بلفظ ((بعثنا رسول الله عَ لّه فى جيش قبل نجد واتبعت سرية من الجيش، وكان سهمان الجيش اثنى عشر بعيرا اثنى ٢٧١ ج - ١٢ هل يجوز الاكتفاء على صنف واحد من المصارف ٣٩٦٨- عن جابر بن سمرة رضى الله عنه ((قال: قال رسول الله عَ له: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذى نفسى بيده لتنفقن كنوزهما فى سبيل الله)) رواه البخارى (فتح البارى ١٥٤:٦). ٣٩٦٩- عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال ناس من الأنصار حين أفاء الله عشر بعيرا. ونفل أهل السرية بعيرا بعيرا فكانت سهمانهم ثلاثة عشر بعيرا ثلاثة عشر بعيرا. ذكره الحافظ فى"الفتح" (١٦٩:٦). فإن سياقه صريح فى تنفيل السرية كلها لم يشذ منها أحدا وهو ظاهر، وفيه رد أيضا لما رواه ابن عبد البر أن ذلك الجيش كان أربعة آلاف اهـ. ذكره الحافظ أيضا فإنه يستلزم أن يكون عدد ما غنموه من الإبل سبعة وخمسين ألفا وستمائة بعير، ولم يسمع بأن يكونوا غنموا هذا القدر من الإبل فى حياة النبى معَّ ◌ُّه فى غزوة ما، وأكبر غزوة غنموا فيها كثيرا من النعم والسبى إذ ذاك غزوة حنين، ولم تبلغ غنيمة الإبل فيها نصف هذا العدد فقد كانت الإبل أربعة وعشرين ألفا والغنم أربعين ألف شاة، والسبى ستة آلاف نفس من النساء والأطفال، ذكره الحافظ فى "الفتح" (٣٨:٨). وبالجملة فلا بد من الاعتراف بأن هذه الغنيمة لم تقسم على خمسة أسهم بل على ثلاثة أو أقل من ذلك، فثبت معنى الباب، فإنه إذا جاز للإمام إسقاط صنف منها جاز إسقاط صنفين فصاعدا أيضا، وهذا ظاهر بأدنى تأمل فى معنى الحديث، والله تعالى أعلم. قوله: "عن جابر بن سمرة إلخ". قال الجصاص: ويدل على أن الخمس غير مستحق قسمته على السهمان، وأنه موكول إلى رأى الإمام قوله مَّه ((ما لى من هذا المال إلا الخمس والخمس مردود فيكم)) (تقدم أنه حديث صحيح أخرجه أبو داود وغيره) ولم يخصص القرابة بشىء منه دون غيرهم، دل ذلك على أنهم فيه كسائر الفقراء يستحقون منه مقدار الكفاية وسد الخلة، ويدل عليه قولهـ مَّ: ((يذهب كسرى فلا كسرى بعده)) الحديث، فأخبر أنه ينفق فى سبيل الله، ولم يخصص به قوما من قوم اهـ (٣: ٦٤). قوله: "عن أنس بن مالك إلخ". قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: "ويدل على أنه أى الخمس كان موكولا إلى رأى النبى ◌ّ له أنه أعطى المؤلفة قلوبهم، وليس لهم ذكر فى آية الخمس، فدل على ما ذكرنا اهـ" (٦٤:٣). وقال الحافظ فى "الفتح": قوله: "قسم فى الناس فى المؤلفة قلوبهم إلخ" المراد بالمؤلفة ناس من قريش أسلموا يوم الفتح إسلاما ضعيفا، وقيل: كان فيهم من لم يسلم بعد كصفوان بن أمية، وقد اختلف فى المراد بالمؤلفة قلوبهم الذين هم أحد المستحقين ٢٧٢ هل يجوز الاكتفاء على صنف واحد من المصارف إعلاء السنن على رسوله عَّه ما أفاء من أموال هوازن، فطفق النبى عرّ ◌ُّل يعطى رجالا المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله عّ لله يعطى قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فحدث رسول الله عَّ ◌ُله بمقالتهم، الحديث -وفيه- فقال النبى عّ لّه: فإنى أعطى رجالا حديثى عهد بكفر أتألفهم. أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون بالنبى عدّ له إلى رحالكم؟ رواه البخارى وغيره (فتح البارى ٤٢:٨). للزكاة، فقيل: كفار يعطون ترغيبا فى الإسلام، وقيل: مسلمون لهم أتباع كفار ليتألفوهم، وقيل: مسلمون أول ما دخلوا فى الإسلام ليتمكن الإسلام من قلوبهم، وأما المراد بالمؤلفة هنا فهذا الأخير لقوله: فإنى أعطى رجالا حديثى عهد بكفر أتألفهم، وفى رواية الأنس: فأعطى الطلقاء والمهاجرين اهـ (٣٨:٨) وفيه أيضا قوله: ولم يعط الأنصار شيئا ظاهر فى أن العطية المذكورة كانت من جميع الغنيمة. وقال القرطبى فى "المفهم": الإجراء على أصول الشريعة أن العطاء المذكور كان من الخمس، ومنه كان أكثر عطاياه، وقد قال فى هذه الغزوة للأعراب: "ما لى مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم" أخرجه أبو داود والنسائى من حديث عبد الله بن عمرو، وعلى الأول، فيكون ذلك مخصوصا بهذه الواقعة (قلت: لا يجوز القول بالتخصيص بمجرد الاحتمال). وقد ذكر السبب فى ذلك فى رواية قتادة عن أنس فى الباب حيث قال: إن قريشا حديث عهد بجاهلية ومصيبة، وإنى أردت أن أجيرهم وأتألفهم (قلت: هذا كما يصلح سببا لإعطائهم من جميع الغنيمة كذلك يصلح سببا لإعطائهم من الخمس والإجراء على أصول الشريعة يرجح الثانى دون الأول مؤلف) قال الحافظ "والأول هو المعتمد وسيأتى ما يؤكده (إشارة إلى رواية هشام بن زيد عن أنس آخر الباب، بلفظ: إذا كانت شديدة فنحن ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا، قال: وهذا ظاهر فى أن العطاء كان من صلب الغنيمة بخلاف ما رجحه القرطبى اهـ ولا يخفى جواز إطلاق الغنيمة على الخمس فلا ينافى ما رجحه القرطبى مؤلف) قال: والذى رجحه القرطبى جزم به الواقدى، ولكنه ليس بحجة إذا نفرد فكيف إذا خالف (قلت: لم ينفرد بل وافقه على ذلك مكحول أيضا كما ذكرناه فى المتن، ولم يخالف لعدم ورود ما يدل على كون العطاء المذكور من صلب الغنيمة صراحة) قال: وقيل: إنما كان تصرف فى الغنيمة لأن الأنصار كانوا انهزموا فلم يرجعوا، حتى وقعت الهزيمة على الكفار فرد الله أمر الغنيمة لنبيه، وهذا معنى القول السابق بأنه خاص بهذه الواقعة اهـ (٣٩:٨). 18 ج - ١٢ هل يجوز الاكتفاء على صنف واحد من المصارف ٢٧٣ ٣٩٧٠- وفى لفظ له عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: ((لما أفاء على رسوله عدّةٍ يوم حنين قسم فى الناس فى المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا)) الحديث. قلت: وقد كان المهاجرون انهزموا أيضا إلا قليل، والطلقاء أول من قد انهزم سوى نفر معدودين من أهل بيت النبى معَّ ◌ُلِّ، وقد ثبت بعض من الأنصار كما ثبت نفر من المهاجرين، و کانت الأنصار أول راجع إلیه مٹّ حین هتف بهم العباس بأمر النبی مێ، فلا يصلح ذلك سببا لإعطاء الطلقاء والمهاجرين وترك الأنصار وحرمانهم، فافهم. وقال إسماعيل القاضى: فى إعطاء النبى معَّ للمؤلفة من الخمس دلالة على أن الخمس إلى الإمام يفعل فيه ما يرى من المصلحة. وقال الطبرى: استدل بهذه الأحاديث من زعم أن النبى معَ ◌ّه كان يعطى من أصل الغنيمة لغير المقاتلين قال: وهو قول مردود بدليل القرآن والآثار الثابتة. واختلف بعد ذلك من أين كان يعطى المؤلفة؟ فقال مالك، وجماعة: من الخمس، وقال الشافعى وجماعة: من خمس الخمس. قيل: ليس فى الأحاديث شىء صريح بالإعطاء من نفس الخمس اهـ من "فتح البارى" (١٧٨:٦). قلت: وليس فيها شىء صريح بالإعطاء من صلب الغنيمة أيضا، فيرد المجمل المجهول إلى المعلوم المعروف من أمر الشريعة، لا سيما وقد جزم الواقدى ووافقه مكحولٍ بأنه عّ لّه نفل يوم حنين من الخمس، وهذا يرد على صاحب القيل قوله بتصريح نير قد أضاء ما حوله. وقال أبو عبيد فى الأموال: "وقد تأول بعض الناس (أراد به الشافعى ومن وافقه أن رسول الله عَ ليه إنما أعطى هؤلاء (المؤلفة) من سهمه الذى كان له خاصا من الغنيمة، وهو خمس الخمس، ولو كان من ذلك لما تكلمت فيه الأنصار ولا جهلته لأنه ملك يمينه يصنع به ما يشاء، ولا كان يسمى حينئذ نفلا إنما هو هبة أو عطية أو تحل أو حباء وما أشبه ذلك من الكلام اهـ (ص٣٢٤). فإن قيل: لا يجوز التنفيل من الخمس لغير المقاتلة إلا بشرط الفقر عند الحنفية كما تقدم، والمؤلفة لم يكونوا فقراء قلنا: كانوا بحكم الفقراء فى زمن النبى ◌ّه، ولذا ذكرهم الله تعالى فى مصارف الصدقات. وبالجملة ففى الحديث دلالة على جواز صرف الخمس إلى صنف واحد من الأصناف إذا كانوا أحوج من غيرهم، وعلى أن سهم ذوى القربى ليس قسما مفروضا كما زعمه الشافعى وجمهور أهل الحديث. فأين من قال: إن ما قاله أبو حنيفة لم يقل به أحد من أهل الإسلام قبله؟ وإن جماع كل ذلك أنهم إنما احتجوا بأحاديث موضوعة، من رواية الزبيرى ونظراءه، أو مراسلة، أو صحاح ليس فيها دليل على ما ادعوه أصلا، أو قول عن صاحب قد خالفه غيره، ٢٧٤ هل يجوز الاكتفاء على صنف واحد من المصارف إعلاء السنن ٣٩٧١ - عن مروان والمسور بن مخرمة ((أن رسول الله عَّ له قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله عَ ليه: معى من ترون وأحب الحديث إلى أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين، إما السبى وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم وكان أنظرهم رسول الله مرّ له بضع عشرة ليلة، قالوا: فإنا نختار السبى، فقام رسول الله عَّ فى المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد! فإن إخوانكم قد جاؤونا تائبين وإنى قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن یطیب ذلك فليفعل! ومن أحب من أن یکون علی حظه حتى نعطيه من أول ما يفىء الله علينا فليفعل)) الحديث رواه البخارى وغيره (فتح البارى ٢٤:٨). ٣٩٧٢- حدثنا عبد الرحمن بن مهدی عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحی عن ولا مزيد اهـ (المحلى ٣٣٠:٧). فهل حديث أنس وعبد الله بن زيد فى قصة حنين موضوع غير صحيح؟ وهل هو بإنضمام مرسل مكحول ورواية الواقدى إليه ليس بصريح فى أنه مَّ يّ أعطى المؤلفة من الخمس، ولا ذكر لهم فى آية الخمس؟ ولعل الحاذق الفطن قد تحقق بهذا كله أن ابن حزم وأمثاله من أهل الحديث يردون ولا يدرون، يحفظون ولا يعرفون، يدرسون ولا يفقهون، وأبو حنيفة رضى الله عنه ينال الإيمان من الثريا. قوله: "عن مروان والمسور بن مخرمة إلخ". فيه دليل على أنه مرّ ◌ُلّه كان قد قسم غنائم حنين على الأنصار والمهاجرين وغيرهم من المقاتلين جميعا، لما فى رواية عمرو بن شعيب فى هذه القصة: فقال المهاجرون: ما كان لنا فهو لرسول الله، وقالت الأنصار كذلك، وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا. وقال عيينة: أما أنا وبنو فزارة فلا. وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله. قال: فقال رسول الله عَّ ◌ُله من تمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ست فرائض (أى أبعرة) من أول فىء نصيبه، فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم اهـ من "فتح البارى" (٣٧:٨)، فالذى ورد فى رواية عبد الله بن زيد: ولم يعط الأنصار شيئا معناه لم ينفلهم من الخمس كما نفل المؤلفة والطلقاء، فافهم، قلت: ولو كانت قسمة الخمس على خمسة أسهم قسما مفروضا كما زعمه ابن حزم وغيره لم يقسمه مرّ على المؤلفة إلا بعد استطابة أنفس الغانمين كفعله فى السبى الذى كان قد قسمه عليهم، ولكنه لم يستأذنهم ولم يستطب أنفسهم عن الخمس فدل على ما قلنا. قوله: "حدثنا عبد الرحمن إلخ". فيه دلالة صريحة على أن النبى معَّ. كان قد أعطى المؤلفة ج - ١٢ هل يجوز الاكتفاء على صنف واحد من المصارف ٢٧٥ صالح بن محمد عن زائدة عن مكحول ((أن رسول الله عّ لّ نفل يوم حنين من الخمس)) أخرجه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٣١٨)، وهذا مرسل لا بأس به، وصالح بن محمد فيه مقال أثنى عليه أهل المدينة وضعفه آخرون (تهذيب ٤٠١١٤). ٣٩٧٣- عن يونس بن أبى إسحاق عن أبيه عن المهلب بن أبى صفرة قال: "كنت على سرية فى زمن عمر فنفلت الخمس"، علقه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٣٢١)، والمذكور من السند صحيح. ٣٩٧٤- حدثنا هشيم أخبرنا مجالد عن الشعبى أن رجلا وجد ألف دينار مدفونة خارجاً من المدينة، فأتى بها عمر بن الخطاب فأخذ منها الخمس مائتى دينار ودفع إلى الرجل بقيتها، وجعل عمر يقسم المائتين بين من حضره من المسلمين إلى أن فضل منها فضلة، فقال: أين صاحب الدنانير؟ فقام إليه. فقال عمر: "خذ هذه الدنانير فهى لك"، أخرجه أبو عبيد أيضا (ص ٣٤٢)، وهذا مرسل حسن، ومرسل الشعبى كالمسند، كما ذكرناه فى "المقدمة". من الخمس، وهو وإن كان مرسلا فقد جزم به الواقدى من أهل السير، وهو مقبول فى المغازى، كما مر غير مرة. فدل على جواز صرف الخمس فى صنف واحد من الأصناف، كما قلنا. قوله: "عن يونس بن أبى إسحاق إلخ" فيه أن عمر رضى الله عنه نفل الخمس كله للمهلب، فدل على ما قلنا من جواز صرف الخمس إلى صنف واحد من الأصناف. والظاهر أن عمر رضى الله عنه إنما نفله الخمس لحاجته والله تعالى أعلم. قال فى "شرح السير": لا بأس بأن يعطى الإمام الرجل المحتاج إذا أبلى من الخمس ما يعينه ويجعله نفلا له بعد الغنيمة، لأنه مأمور بصرف الخمس إلى المحتاجين، وهذا محتاج وإذا جاز صرفه إلى محتاج لم يقاتل فلأن يجوز صرفه إلى محتاج قاتل وأبلى بلاء حسنا كان أولى اهـ (٢: ١١ و ١٢). وفيه دلالة على أن سهم ذوى القربى ليس قسما مفروضا على الإمام، فافهم. قوله: "حدثنا هشيم إلى قوله حدثنا سفيان بن عيينة إلخ" دلالة الآثار على أن الخمس موكول إلى رأى الإمام غير مستحق قسمته على السهمان، ويجوز له صرفه إلى صنف واحد من الأصناف ظاهرة. وقد طیب علی کرم الله وجهه لواجد الکنز خمسه كله، ولم يقسمه على ذوى القربى وغيرهم من الأصناف. فدل على أن رأيه فى الخمس موافق لرأى أبى بكر وعمر رضى الله ٢٧٦ إعلاء السنن ٣٩٧٥- حدثنا عفان عن أبى عوانة عن سماك بن حرب عن جرير بن رباح عن أبيه "أنهم أصابوا قبرا بالمدائن، فيه رجل عليه ثياب منسوجة بالذهب ووجدوا فيه مالا، فأتوا به عمار بن ياسر، فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب، فكتب أن أعطهم إياه ولا تنزعه منهم". رواه أبو عبيد فى الأموال (ص ٣٤٢). ورجاله كلهم ثقات إلا جرير بن رباح، فلم أجد من ترجمه والأثر، ذكره ابن حزم فى "المحلى" (٣٢٦:١١)، ولم يعله بشىء. ٣٩٧٦ - حدثنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى أن عليا أتى برجل وجد فى خربة ألفا وخمسمائة درهم بالسواد، فذكر الحديث -وفيه- قال على: فلك أربعة أخماس ولنا خمس، وسأطيبه لك جميعا. أخرجه أبو عبيد أيضا (ص٣٢٦)، وهذا سند صحيح. باب سهم النبى معَّ الصفى سقط بوفاته عبد الّ. ٣٩٧٧- عن مطرف عن الشعبى قال: ((كان للنبى عَّ ◌ُّه سهم يدعى الصفى، إن شاء عبدا وإن شاء أمة وإن شاء فرسًا يختاره قبل الخمس)). رواه أبو داود فى "سننه"، وهذا مرسل، وفى "النيل": رجاله ثقات (عون المعبود ١١١:٣ و١١٢). عنهما، خلاف ما زعمه الشافعى ومن وافقه، وقد مرت الإشارة إلى ذلك فى الباب السابق فتذكر. باب سهم النبى ◌ّر الصفى سقط بوفاته قوله: "عن مطرف إلى آخر الباب": قال فى "الهداية": "وسهم النبى عّ لّه سقط بموته كما سقط الصفى، لأنه عليه السلام كان يستحقه برسالته ولا رسول بعده، والصفى شىء كان عليه السلام يصطفيه لنفسه من الغنيمة مثل درع أو سيف أو جارية اهـ. وفى "شرح السير": قد كان لرسول الله عَ ◌ّ ثلاث حظوظ فى الغنائم. الصفى وخمس الخمس وسهم كسهم أحد الغانمين، ومعنى الصفى أنه كان يصطفى لنفسه شيئا قبل القسمة من سيف أو درع أو جارية أو نحو ذلك، وقد كان هذا لوالى الجيش فى الجاهلية مع حظوظ آخر. وفيه يقول القائل: لك المرباع منها والصفايا وحملك والنشيطة والفضول فانتسخ ذلك کله سوی الصفی، فإنه کان لرسول الله مێ۔، ولم يبق بعد موته بالاتفاق حتى إنه ليس للإمام الصفى بعد وفاة رسول الله عَ ليه، وإنما الخلاف فى سهمه من الخمس أنه هل بقى للخلفاء بعده؟ وقد بينا ذلك فى "السير الصغير" اهـ (١٢:٢). وقال الموفق فى "المغنى": كان ج - ١٢ سهم النبى عَّ الصفى سقط بوفاته ٢٧٧ ٣٩٧٨- عن ابن عون قال: سألت محمدا يعنى ابن سيرين عن سهم النبى عربيه والصفى قال: كان يضرب بسهم مع المسلمين وإن لم يشهد، والصفى يؤخذ له رأس من الخمس قبل كل شىء. رواه أبو داود وهذا أيضا مرسل. وفى "النيل": رجاله ثقات، (عون " ١١١:٣ و١١٢). لرسول الله عَّ ◌ُّه من المغنم الصفى، وهذا قول محمد ابن سيرين والشعبى وقتادة وغيرهم من أهل العلم، وقال أكثرهم: إن ذلك انقطع بموت النبى عرّ له، قال أحمد: الصفى إنما كان للنبى عدّ خاصة لم يبق بعده، ولا نعلم مخالفا لهذا إلا أبا ثور، فإنه قال: إن كان الصفى ثابتا للنبى عّ لّه فللإمام أن يأخذه على نحو ما كان يأخذه النبى عُ له ويجعله مجعل سهم النبى معَ ◌ّه من خمس الخمس، فجمع بين الشك فيه فى حياة النبى عّ لّه، ومخالفة الإجماع فى إبقائه بعد موته. قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا سبق أبا ثور إلى هذا القول وقد أنكر قوم كون الصفى للنبى معد له. واحتجوا بما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ((أن رسول الله عَ لّه قال: ما يحل لى مما أفاء الله عليكم، ولا مثل هذه (لو برة أخذها من ظهر بعيره) إلا الخمس وهو مردود عليكم)). رواه سعيد وأبو داود بإسناده عن أبي أمامة عن النبى ◌ّه، ولأن الله تعالى قال: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه﴾ فمفهومه أن باقيها للغانمين. ولنا ما روى أبو داود بإسناده ((أن النبى معَّ كتب إلى بنى زهير بن أقيش أنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأديتم الخمس من المغنم وسهم الصفى، أنكم آمنون بأمان الله ورسوله)). وفى "النيل": رجاله رجال الصحيح كذا فى " عون المعبود" (١١٣:٣) وفى حديث وفد عبد القيس الذى رواه ابن عباس: "وأن يعطوا سهم النبى عّ لّه والصفى، وقالت عائشة: كانت صفية من الصفى رواه أبو داود" وأما انقطاعه بعد النبى معَّ فثابت بإجماع الأمة قبل أبى ثور وبعده عليه، وكون أبى بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم لم يأخذوه ولا ذكره أحد منهم، ولا يجمعون على ترك سنة النبى عّ لّ اهـ (٣٠٣:٧ و٣٠٤). وقال ابن عبد البر: سهم الصفى مشهور فى صحيح الآثار معروف عند أهل العلم. (قلت: فجاز به تخصيص قوله: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء﴾ الآية بما بقى من الغنيمة بعد اصطفاءه عَّه). ولا يختلف أهل السير أن صفية منه، وأجمعوا على أنه خاص به، انتهى كذا فى "التلخيص الحبير" (٢٨٦:٢). وفيه أيضا: وفى الصحيحين: "عن أنس أن النبى معَّ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها". وفى البخارى عن عمرو بن أبى عمرو عن أنس فى قصة "قال: فاصطفاها ٢٧٨ سهم النبى عَّ الصفى سقط بوفاته إعلاء السنن ٣٩٧٩- عن قتادة قال: ((كان رسول الله عَّ ◌ُّه إذا غزا كان له سهم صاف يأخذه من حيث شاء، فكانت صفية من ذلك السهم، و کان إذا لم يغز بنفسه ضرب له بسهمه ولم يخير))، رواه أبو داود، قال المنذرى: وهذا أيضا مرسل (عون ١١١:٣ و١١٢). قلت: وفيه سعيد بن بشير مختلف فيه، وثقه شعبة وابن عيينة، وقال ابن هدى: يوثقونه، وقال دحيم: ثقة وقال البزار: صالح ليس به بأس، وقال ابن عدى: لا أرى بما يرويه بأسا، والغالب على حديثه الاستقامة والصدق اهـ. وضعفه آخرون (تهذيب ١٠:٤). ٣٩٨٠- عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها قالت: "كانت صفية من الصفى"، رواه أبو داود، وسكت عنه المنذرى، وفى "النيل": رجاله رجال الصحيح (عون ١١٢:٣)، وفى "الدراية" (ص٢٦٤): أخرجه الحاكم أيضا، وإسناده قوی اهـ. لنفسه"، ومن طريق حماد بن زيد عن ثابت عن أنس " كانت صفية فى السبى، فصارت إلى دحية. ثم صارت إلى النبى معَّ ◌ُله". وفى رواية: قال لدحية: خذ جارية من السبى غيرها. وفى "مسلم" من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس، أنه اشتراها من دحية بسبعة أرؤس، قال النووى فى "شرحه": يحمل على أنه اصطفاها لنفسه بعد ما صارت لدحية جمعا بين الأحاديث، والله أعلم اهـ (٢: ٢٨٦). وفى "النيل": وأما ما وقع من أنه مرّ ◌ُلّ اشتراها بسبعة رؤس، فلعل المراد أنه عوضه عنها بذلك المقدار. وإطلاق الشراء على العوض على سبيل المجاز، قال السهيلى: لا معارضة بين هذه الأخبار فإنه أخذها من دحية قبل القسمة، والذى عوضه عنها ليس على سبيل البيع اهـ (١٧٨:٧). وقال الإمام أبو يوسف فى "كتاب الخراج" له: "وقد كان للنبى معَّه صفى من كل غنيمة يصطفيه فكان الصفى يوم خيبر صفية، وكان الصفى يوم بدر سيفا" اهـ (ص٢٧). قلت: رواه أحمد والترمذى وابن ماجة والحاكم من حديث ابن عباس "أنه مرّ لّ تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذى رأى فيه الرؤيا يوم أحد" صححه الحاكم وحسنه الترمذى وفى "القاموس": "ذو الفقار بالفتح سيف العاص بن منبه قتل يوم بدر كافرا، فصار إلى النبى معَّه ثم إلى على"، انتهى من " نيل الأوطار" (١٧٨:٧). وفى "شرح السير الكبير": أنه اصطفى يوم بدر "ذالفقار" ثم أعطاه عليا وكان يقاتل به، بخلاف ما يزعم الروافض أن ذا الفقار كان نزل من السمآء لعلى رضى الله عنه، فذلك كذب وزور ومبنى مذهب الروافض على الكذب اهـ (١٥:٣). قال الطحاوى: "فرأينا رسول الله عَّه قد كان فضل بسهم الصفى وبخمس الخمس، وجعل له مع ذلك فى الغنيمة سهم ٢٧٩ ج - ١٢ باب التنفيل وقوله تعالى: ﴿يا أيها النبى حرض المؤمنين على القتال﴾ فإن كان قبل الإحراز فمن جميع الغنيمة وإ کان بعده فمن الخمس ٣٩٨١- عن عبادة بن الصامت ((أن رسول الله عَّ ◌ُله حين التقى الناس ببدر نفل كل امرأ ما أصاب)). رواه الحاكم، وهو من رواية مكحول عن أبى أمامة عنه، وقيل: لم يسمع منه. كسهم رجل من المسلمين، ثم رأيناهم قد أجمعوا أن سهم الصفى ليس لأحد بعد رسول الله معد له وأن حکم رسول الله فى ذلك خلاف حكم الإمام من بعده، فثبت بذلك أيضاأن حکمه فی خمس الخمس خلاف حكم الإمام من بعده، وثبت أن حكمه فيما وصفنا خلاف حكم الإمام من بعده. ثبت أن حكم قرابته فى ذلك خلاف حكم قرابة الإمام من بعده، فثبت أحد القولين، فنظرنا فى ذلك فإذا الله عز وجل قال: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ فكان سهم رسول الله عَّ جاريا له ما كان حيا إلى أن مات وانقطع بموته وكان سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل بعد وفاة رسول الله عَّ ته. كما كان قبل ذلك، ثم اختلفوا فى سهم ذوى القربى، فقال قوم: هو لهم بعد وفاة رسول الله عَّ كما كان لهم فى حياته. وقال قوم: قد انقطع بموته، وكان الله عز وجل قد جمع كل قرابته مُ ◌ّه فى قوله ولذى القربى فلم يخص أحدا منهم دون أحد. ثم قسم ذلك النبى معَّ ةٍ فأعطى منهم بنى هاشم وبنى المطلب خاصة، وحرم بنى أمية وبنى نوفل وقد كانوا محصورين معدودين، وفيمن أعطى الغنى والفقير، وفيمن حرم كذلك، فثبت أن ذلك السهم كان للنبى معَِّ فجعله فى أى قرابته شاء، فصار بذلك حكمه حكم سهمه الذى كان يصطفى لنفسه، فكما كان ذلك مرتفعا بوفاته غير واجب لأحد من بعده كان هذا أيضا كذلك مرتفعا بوفاته غير واجب لأحد من بعده، وهو قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمة الله عليهم أجمعين. باب التنفيل وقوله تعالى: ﴿يا أيها النبى حرّض المؤمنين على القتال﴾ فإن كان قبل الإحراز فمن جمیع الغنيمة وإن كان بعده فمن الخمس قوله: "عن عبادة بن الصامت إلخ" قال فى "شرح السير الكبير": الأنفال الغنائم فى أصل الوضع، وأحدها نفل ومنه قول القائل: إن تقوى ربنا خير النفل وبإذن الله ریثی وعجل وقال تعالى: ﴿يسألوك عن الأنفال﴾ أى الغنائم، والمراد من لفظ الأنفال فى عبارة الفقهاء ٢٨٠ التنفيل للجهاد والتحريض إليه إعلاء السنن ٣٩٨٢- وروى أبو داود والحاكم من حديث عكرمة عن ابن عباس: أن النبى عَّةٍ قال يوم بدر: ((من قتل قتيلا فله كذا، ومن أسر أسيرا فله كذا)) فذكر الحديث ما يخص الإمام به بعض الغانمين فذلك الفعل يسمى منه تنفيلا، وذلك المال يسمى نفلا. ولا خلاف أن التنفيل جائز قبل الإصابة (أى قبل إحراز الغنائم) للتحريض على القتال فإن الإمام مأمور بالتحريض. قال الله تعالى: ﴿يا أيها النبى حرّض المؤمنين على القتال﴾، فهذا الخطاب لرسول الله عَّ ولكل من قام مقامه (وقد أجاب المحقق فى "فتح القدير" عما عسى أن يتوهم منه إيجاب التنفيل بصيغة الأمر، فليراجع (٣٤٩:٥). والتحريض بالتنفيل، فإن الشجعان قل ما يتخاطرون بأنفسهم إذا لم يخصوا بشىء من المصاب(١) فإذا خصهم الإمام بذلك فذلك يغريهم على المخاطرة بأرواحهم وإيقاع أنفسهم فى جلبة العدو، وصورة هذا التنفيل أن يقول: من قتل قتيلا فله سلبه ومن أخذ أسيرا فهو له. كما أمر به رسول الله عَّم المنادى حين نادى يوم بدر ويوم حنين أو يبعث سرية فيقول: لكم الثلث مما تصيبون بعد الخمس، أو يطلق بهذه الكلمة، فعند الإطلاق لهم ثلث المصاب قبل أن يخمس يختصون به وهم شركاءَ الجيش فيما بقى بعد ما يرفع منه الخمس، وعند التنفيل بهذه الزيادة يخمس ما أصابوا ثم يكون لهم الثلث مما بقى يختصون به، وهم شركاء الجيش فيما بقی اهـ (٣:٢). قلت: وحديث عبادة الذى فتحنا به الباب دليل صريح لجواز التنفيل قبل الإصابة. وفيه خلاف مالك. قال الموفق فى "المغنى". والنفل فى الغزو على ثلاثة أقسام، أحدها: أن الإمام أو نائبه إذا دخل دار الحرب غازيا بعث بين يديه سرية تغير على العدو، ويجعل لهم الربع بعد الخمس. والقسم الثانى: أن ينفل الإمام بعض الجيش لعنائه وبأسه وبلائه أو لمكروه تحمله دون سائر الجيش. القسم الثالث: أن يقول الأمير: من طلع هذا الحصن أو هدم هذا السور أو نقب هذا النقب أو فعل كذا، فله كذا أو من جاء بأسير فله كذا، فهذا جائز فى قول أكثر أهل العلم، منهم الثورى (وأبو حنيفة) قال أحمد: إذا قال من جاء بعشر دواب أو بقر أو غنم فله واحد، فمن جاء بخمسة أعطاه نصف ما قال لهم، ومن جاء بشىء أعطاه بقدره (وعندنا لا يستحق شيئا فيما إذا جاء بأقل من (١) قال حكيم الأمة مجدد الملة محدث الهند الشاه ولى الله -قدس سره - فى "حجة الله البالغة" فى سبب تقديم الأقرأ على الجماعة فى الصلاة: "إنه مَّ حد للعلم حدا معلوما، وكان أول ما هنالك كتاب الله، لأنه أصل العلم، وأيضا فإنه من شعائر الله، فوجب أن يقدم صاحبه ونبوه بشانه ليكون ذلك داعيا إلى التنافس فيه، وليس كما يظن أن السبب احتياج المصلى إلى القراءة، ولكن الأصل حملهم على المنافسة فيها، وإنما تدرك الفضائل بالمنافسة اهـ (٢٠:٢). قلت: وبه ظهر الجواب عن قول مالك: إن التنفيل قبل الإصابة تحريض على الدنيا، كلا! بل هو تحريض على الجهاد بالمنافسة.