Indexed OCR Text

Pages 201-220

ج - ١٢
من دخل دار الحرب فارسا فهو فارس
٢٠١
الموفق إلى من خرجه مؤلف) قال: وقال أبو حنيفة: الاعتبار بدخول دار الحرب (ومجاوزة الدرب
وهو قول عمر، كما جزم به محمد فى "المبسوط" (٤٢:١٠).
وفى "السير الكبير" له كما فى المتن وجزمه بشىء حجة لا سيما وقد احتج به ولا يعارض
هذا بما روى عنه أن الغنيمة لمن شهد الوقعة لأن عندنا من نفق فرسه بعد مجاوزة الدرب. فإنما يأخذ
الغنيمة إذا شهد الوقعة صرح به فى "شرح السير" (٢: ١٨٠). ولو جاوز الدرب فارسا ثم قعد فى
خيمته بلا عذر ولم يشهد الوقعة فلا سهم له لقول عمر رضى الله عنه هذا قال: "وعنه رواية أخرى
كقولنا" (أى فيما إذا دخل راجلا ثم استفاد فرسا فقاتل عليه قال: "ولنا أن الفرس حيوان يسهم له
فاعتبر وجوده حال القتال فيسهم له مع الوجود فيه، ولا يسهم له مع العدم كالآدمى" (قلنا: هذا
هو عين النزاع، فالسهم عندنا فى الحقيقة للفارس دون الفرس، والفرس إنما هو آلة لإرهاب العدو
فيعد الرجل فارسا من حين حصل له وصف الإرهاب، وهو مجاوزة الدرب كما مر وإذا ثبت له
وصف الإرهاب فلا عبرة لوجود الفرس وعدمه بعده ما دام فارسه حيا إلى قسمة الغنائم أو
إحرازها بدار الإسلام فافهم.
قال: ((والأصل فى هذا أن حالة استحقاق السهم حالة تقضى الحرب بدليل قول عمر:
"الغنيمة لمن شهد الوقعة" (قلنا: نعم بل نترقى ونقول: حالة استحقاق السهم حالة تمام الاستيلاء
وهى حالة قسمة الغنائم أو إحرازها بدار الإسلام، كما مر، ولكن ثبوت وصف الفروسية،
وهو السبب لاستحقاق سهم الفارس لا يتوقف على تقضى الحرب، ولا على تمام الاستيلاء،
كما لا يخفى، وإن كان الاستحقاق متوقفا عليه، فإذا ثبت الوصف بمجاوزة الدرب فارسا وتحقق
السبب استجق سهم الفارس فى وقت الاستحقاق، فافهم. مؤلف
قال: ولأنه لو مات بعض المسلمين قبل الاستيلاء (والإحراز) لم يستحق شيئا (قلنا: نعم،
ولا يستحق سهم الفارس أيضا لزوال الوصف بزوال الموصوف)، ولو وجد مدد فى تلك الحال،
أو انفلت أسير فلحق بالمسلمين أو أسلم كافر فقاتلوا استحقوا السهم، فدل على أن الاعتبار بحالة
الإحراز فوجب اعتباره دون غيره اهـ (٤٤٢:١٠). قلنا: إن أراد أنه يجب اعتباره فى استحقاق
السهم فمسلم، فإن الفارس والراجل كلاهما لا يستحق السهم إلا بعد الإحراز عندنا. وأما إنه
يجب اعتباره فى إثبات وصف الفروسية والرجلة فلا فإن الوصف سبب الاستحقاق والسبب لا بد
أن يتقدم المسبب فلا يجب إتحاد وقت السبب والمسبب كليهما ومن ادعى فعليه البيان، وقد بينا أن

٢٠٢
إعلاء السنن
٣٩٣٤- قال أحمد كان سليمان بن موسى يعرضهم إذا أدربوا: "الفارس فارس،
والراجل راجل، فلا يتغير سهمه بذهاب دابته أو حصول دابة له" اهـ. ذكره الموفق فى
"المغنى" (٤٤٢:١). وأحمد حجة فى النقل وسليمان بن موسى أعلم أهل الشام بعد
مکحول، وقال عطاء بن أبى رباح: سيد شباب أهل الشام سلیمان بن موسی روی
عن واثلة بن الأسقع وأبى أمامة وأرسل عن جابر ومالك بن يخام وغيرهم (تهذيب
التهذيب ٢٢٦:٤).
باب لا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبی ولا ذمی ولکن یرضخ لهم
٣٩٣٥ - عن ابن عباس ((أن النبى عَّ كان يغزو بالنساء فيداوين الجرحى
الفارس إنما يفضل الراجل لإرهابه العدو بفرسه قال تعالى: ﴿ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله
وعدو کم﴾، ومعنى إرهاب العدو يحصل بمجاوزة الدرب فارسا فلا بد من اعتباره فارسا من هذا
الوقت. ومن تدبر فى كلامنا هذا وأمعن النظر فيه، عرف أن ما أورده الإمام الشافعى فى الأم" على
خصومه فى هذا الباب لا يرد على الحنفية أصلا، فإنه جعل مدارسهم الفارس على المؤنة وأورد على
ذلك إيرادات شتى وقد عرفت أنه ليس عندنا كذلك بل منشأ فضيلة الفارس على الراجل؛ إنما هو
إرهاب العدو فحسب والله تعالى أعلم.
قوله: "قال أحمد إلخ". دلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة وقول سليمان وإن لم يكن
حجة لكونه من صغار التابعين فى طبقة أبى حنيفة رضى الله عنه ولكن ذكرته ليظهر عدم تفرد
الإمام بما قاله فى الباب وإن له متابعا فيه من أجلة الفقهاء المحدثين الذين قد عاصروه وانتهى إليهم
علم علماء الشام، فافهم.
باب لا یسھم مملوك ولا امرأة ولا صبی ولا دمی ولکن یرضخ لھم
قوله: "عن ابن عباس إلخ". قال الموفق فى "المغنى": ويرضخ للعبد والمرأة معناه أنهم يعطون
شيئا من الغنيمة دون السهم ولا يسهم لهم سهم كامل ولا تقدير لما يعطونه بل ذلك إلى الإمام فإن
رأى التسوية بينهم سوى بينهم وإن رأى التفضيل فضل. وهذا قول أكثر أهل العلم: منهم سعيد
ابن المسيب ومالك والثورى والليث والشافعى وإسحاق وروى ذلك عن ابن عباس وقال أبو ثور
ويسهم للعبد، وروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن والنخعى لما روى عن الأسود بن يزيد
"أنه شهد فتح القادسية عبيد فضرب لهم سهامهم" ولأن حرمة العبد فى الدين كحرمة الحر، وفيه
من الغناء مثل ما فيه فوجب أن يسهم له كالحر، وحكى عن الأوزاعى ليس للعبد سهم ولا رضخ

ج - ١٢
لا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبى ولا ذمى ولكن يرضخ لهم
٢٠٣
ويحذين من الغنيمة وأما بسهم فلم يضرب لهن)) رواه أحمد وأبو داود والترمذى
وصححه، (نیل ١٧٨:٧).
إلا أن يجيئوا بغنيمة أو يكون لهم غناء فيرضخ لهم قال: ويسهم للمرأة لما روى جرير(١) بن زياد
عن جدته" أنها حضرت فتح خيبر، قالت: فأسهم لها رسول الله كما أسهم للرجال وأسهم أبو
موسى فى غزوة تستر لنسوة معه " وقال أبو بكر بن أبى مريم: "أسهمن النساء يوم اليرموك" وروى
سعيد بإسناده عن ابن شبل "أن النبى عّ لّه ضرب لسهلة بنت عاصم يوم خنين بسهم فقال رجل
من القوم: أعطيت سهلة مثل سهمى". ولنا ما روى عن ابن عباس فذكر ما ذكرنا فى المتن أولا.
وعزاه إلى مسلم ثم ذكر ما أجاب به ابن عباس الحرورى وعزاه إلى سعيد بلفظ "أن نجدة كتب إلى
ابن عباس يسأله عن المرأة والمملوك يحضران الفتح، ألهما من المغنم شیء؟ قال: یحدیان وليس لهما
شىء". وفى رواية "قال: ليس لهما سهم وقد يرضخ لهما" ثم ذكر حديث عمير مولى أبى اللحم
وعزاه إلى أبى داود وقال: احتج به أحمد ثم قال: ولأنهما ليسا من أهل القتال فلم يسهم لهما
كالصبى. قالت عائشة: يا رسول الله! هل على النساء جهاد؟ قال: نعم! جهاد لا قتال فيه، الحج
والعمرة. وقال عمر بن أبى ربيعة:
كتب القتل والقتال علينا وعلى المحصنات جر الذيول
ولأن المرأة ضعيفة يستولى عليها الخور، فلا تصلح للقتال. ولهذا لم تقتل إذا كانت حربية،
فأما ما روى فى إسهام النساء، فيحتمل أن الراوى سمى الرضخ سهما، بدليل أن فى حديث
حشرج أنه جعل لهن نصيبا تمرا ولو كان سهما ما اختص التمر، ويحتمل أنه أسهم لهن مثل سهام
الرجال من التمر خاصة، أو من المتاع دون الأرض، فإن خيبر قسمت على أهل الحديبية نفر
معدودين فى غير حديثها ولم يذكرن منهم. وأما حديث سهلة فإن فى الحديث أنها ولدت فأعطاها
النبى معَّ لها ولولدها فبلغ رضخهما سهم رجل ولذلك عجب الرجل الذى قال: أعطيت سهلة
مثل سهمى، ولو كان هذا مشهورا من فعل النبى عّ لّ ما عجب منه اه" (٤٥٢:١٠ و ٤٥٣).
قلت: وحديث حشرج بن زياد أخرجه أبو داود والنسائى عنه عن جدته أم أبيه "أنها
خرجت مع رسول الله عَّ ◌ُّه فى غزوة خيبر سادس ست نسوة، فبلغ رسول الله عَ له فبعث إلينا
فجئنا، فرأينا فى وجهه الغضب، فقال: مع من خرجتن، وبإذن من خرجتن؟ فقلنا: يا رسول الله!
(١) هكذا فى الأصل: وهو من سهو الكاتب، والصحیح حشرج بن زیاد، کما ستعرفه.

٢٠٤
لا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبی ولا ذمی ولکن یرضخ لھم
إعلاء السنن
٣٩٣٦- وعنه: أيضا أنه كتب إلى نجدة الحرورى "سألت عن المرأة والعبد هل
كان لهما سهم معلوم إذا حضروا البأس؟ وأنه لم يكن لهم سهم معلوم إلا أن يحذيا من
غنائم القوم"، رواه مسلم (١١٧:٢).
خرجنا نغزل الشعر ونعين فى سبيل الله، ومعنا دواء للجرحى، ونناول السهام ونسقى السويق.
فقال: فقمن حتى إذا فتح الله عليه خيبر أسهم لنا كما أسهم للرجال. (يحمل التشبيه فى مطلق
الإسهام دون قدره. مؤلف) قال: فقلت لها يا جدة! وما كان ذلك؟ قالت: تمرااهـ.
وجدة حشرج هى أم زياد الأشجعية وذكر الخطابى: أن الأوزاعى قال: يسهم لهن قال:
وأحسبه ذهب إلى هذا الحديث وإسناده ضعيف لا تقوم به الحجة. وقال ابن القطان: وحال رافع
ابن سلمة لا يعرف. قال: وذكر ابن حزم هذا الحديث ثم قال: ورافع وحشرج مجهولان، وأصاب
فى ذلك، كذا فى "نصب الراية" (١٣٨:٢). قلت: وفى "التقريب" (ص٥٧): رافع بن سلمة بن
زياد بن أبى الجعد الغطفانى مولاهم البصرى ثقة من السابعة اهـ. وفى "التهذيب": ذكره ابن
حبان فى "الثقات" (٢٣٠:٣) وقال فى حشرج: مقبول من الثالثة ثق (ص٤٢). وفى "التهذيب":
ذكره ابن حبان فى "الثقات" (٣٧٧:٢). فالحديث مقارب الإسناد ولا حجة فيه للأوزاعى
للاحتمال الذى ذكره الموفق وهو الظاهر من لفظ الحديث ولا حجة له أيضا فيما رواه أبو داود فى
"المراسيل" عن محمد بن عبد الله بن مهاجر عن خالد بن معدان "أن رسول الله عَّ له أسهم للنساء
والصبيان والخيل" فإنه مع إرساله فيه محمد بن عبد الله بن مهاجر مختلف فيه قال دحيم: كان
ثقة، وضعفه أبو حاتم، وقال: لا يحتج به (زیلعی ١٣٨:٢).
قلت: ووثقه ابن حبان وقال النسائى: لا بأس به، فهذا مرسل حسن ولكنه لا يصلح معارضا
للأحاديث المسندة الصحيحة التى أودعناها فى المتن، فلا بد من تأويل الإسهام فيه بالرضخ كيف
وابن عباس رضى الله عنهما يقول: إن النبى م ◌ّ لم يضرب لهن بسهم، و کن یحذين وهذا مفسر
من القول لا يحتمل التأويل، فهو المعول عليه. والعجب من ابن حزم أنه جعل ذلك من قول ابن
عباس، ولم يجعله مسندا مرفوعا. ومن مارس الحديث لا يشك أبدا أن ابن عباس إنما يحكى عمل
رسول الله عَّ، أنه كان يغزو بالنساء والعبيد فلا يضرب لهم بسهم، وإنما كانوا يحذون من غنائم
القوم ومثل ذلك مرفوع حتما.
قوله: "وعنه أيضا إلخ" قلت: أخرجه مسلم وأبو داود والترمذى بطرق عديدة وأسانيد
مختلفة متصلة، فلا يصلح مرسل خالد بن معدان ولا حدیث جدة حشرج بن زیاد معارضا له،

ج - ١٢
لا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبى ولا ذمى ولكن يرضخ لهم
٢٠٥
٣٩٣٧- وعن ابن عباس قال: ((كان النبى معَّ ◌ُّ يعطى المرأة والمملوك من الغنائم
دون ما يصيب الجيش))، رواه أحمد (نيل الأوطار ١٧٨:٧).
٣٩٣٨ - عن: عمير مولى آبى اللحم قال: ((شهدت خيبر مع سادتى فكلموا فىّ
رسول الله مَّه فأمر بى فقلدت سيفا فإذا أنا أجره فأخبر أنى مملوك فأمر لى بشىء من
خرثى المتاع)). رواه أبو داود والترمذى وصححه (نيل الأوطار ١٧٩:٧).
فلا بد من التعويل عليه والتأويل فيهما بمثل ما ذكره الموفق رحمه الله تعالى.
قوله: "وعن ابن عباس ثانيا إلخ" قلت: فيه تصريح بأن النبى معرّ له كان يعطى المرأة والمملوك
دون ما يصيب الجيش فقد نفى أن يكون للنساء والعبيد سهم كسهم الجيش وأثبت الحذية فما ورد
مما فيه إشعار بأن النبى معَّ أسهم لأحد من هؤلاء ينبغى حمله على الرضخ؛ وهو العطية القليلة
جمعا بین الأحاديث، فافهم، وفی حدیث ابن عباس هذا رد على ابن حزم حيث جعله من قوله،
ولم يجعله حكاية عن فعل رسول الله عَ ليه. وأى رفع أصرح من قوله: "كان النبى معَّ له يعطى
المرأة والمملوك من الغنائم دون ما يصيب الجيش" وفيه دليل لمن يقول: لا يبلغ بالرضخ السهم، قال
فى "الهداية والكفاية": ولا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبى ولا ذمى، ولكن يرضخ لهم أى
يعطون قليلا من كثير فإن الرضخة هى الإعطاء كذلك، فالرضخ لا يبلغ السهم، ولكن دونه علي
حسب ماسراة الإمام. وفى "فتح القدير": وإنما لم يبلغ بهؤلاء الرجالة، ولا بالفارس سهم الفرسان
لأنهم أتباع أصول فى التبعية حيث لم يفرض على أحد منهم فى غير النفير العام فى غير الصبى،
ويزيد الذمى (مع ذلك) بأنه ليس أهلا له لكون الجهاد عبادة وليس هو من أهلها ومن الأمور
الاستحسانية إظهار التفاوت بين المفروض عليهم وغيرهم، والأصل والتبع بخلاف السوقى
والأجير، لأنهما من أهل فرضه فلم يكونا تبعا فى حق الحكم بل فى السفر ونحوه قال: ثم الرضخ
عندنا من الغنيمة قبل إخراج الخمس وهو قول للشافعى رحمه الله واحد، وفى قول له وهو رواية
عن أحمد من أربعة الأخماس. وفى قول للشافعى رحمه الله من خمس اهـ (٣٢٧:٤) قلت ويؤيدنا
ما فى أحاديث ابن عباس رضى الله عنهما من قوله: "ويحذين من الغنيمة" ومن قوله: "إلا أن
يحذيا من غنائم القوم" ومن قوله: "كان النبى معَّ يعطى المرأة والمملوك من الغنائم إلخ"، والغنيمة
أسم لجميع ما غنمه المسلمون. فالظاهر أنه يرضخ لهم منها قبل إخراج الخمس والله تعالى أعلم.
قوله: "عن عمير مولى آبى اللحم إلخ" فيه دلالة على أن العبد لا يسهم له من الغنيمة. وإنما
يرضخ له ظاهرة. وأخرجه أبو عبيد فى "كتاب الأموال" حدثنا أبو الأسود عن ابن لهيعة عن

٢٠٦
لا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبى ولا ذمى ولكن يرضخ لهم
إعلاء السنن
٣٩٣٩- عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن عمر: "ليس للعبد من
الغنيمة شىء"، أخرجه ابن حزم فى المحلى (٣٣٢:١١) جازما به فهو صحيح أو حسن.
٣٩٤٠- حدثنا حفص بن غياث عن حجاج عن عطاء عن ابن عباس رضى الله
عنه قال: ليس للعبد فى المغنم نصيب. أخرجه أبو عبيد فى "الأموال" (٢: ٣٤٥)،
و سنده حسن.
محمد بن زيد بن مهاجر عن عمير مولى آبى اللحم، قال: كنت مع رسول الله عَّ ◌ُله يوم خيير وأنا
عبد فسألته أن يقسم لى فأبى وأعطانى من خرثى المتاع (ص٣٤٥). قلت: أبو الأسود هذا هو
النضر بن عبد الجبار المرادى أبو الأسود المصرى، قال ابن معين: كان رواية عن ابن لهيعة، وكان
شيخ صدوق. وقال أبو حاتم: صدوق عابد شبيه بالقعنبى. وقال النسائى: ليس به بأس "تهذيب"
(٤٤١:١٠). وابن لهيعة حسن الحديث كما مر غير مرة، ومحمد بن زيد بن المهاجر من رجال
مسلم ثقة (تهذيب ١٧٣:٩ و١٧٤)، وفيه تصريح بأنه مَّ ◌ُلّ أبى عن القسم له لكونه عبدا، وفيه
رد على ابن حزم حيث قال: إنه ذكر أنه كان يجر السيف وهذا صفة من لم يبلغ، وهكذا نقول:
إن من لم يبلغ لا يسهم له (٣٣٢:١١ المحلى)، فقد رأيت أنه لم يذكر جره السيف كل مرة، بل
اقتصر مرة على ذكر كونه عبدا فدل أنه إنما لم يسهم له لكونه عبدا، ودليل ذلك أنه عّ لّه كان يرد
الصبيان ولا يجيزهم فى القتال كما سيأتى. ويحتمل أن يكون عمير قصيرا والسيف الذى تقلده
طويلا فلذا كان يجره لا لكونه صبيا. قال ابن حزم: فهذا لا حجة فيه لأن محمد بن زيد غير
مشهور اهـ، وهذا من إطلاقاته المردودة، فإنه لم يزل يجهل المعروفين، ومحمد بن زيد هذا مشهور
ثقة من رجال مسلم، وترجمته مستوفاة فى "التهذيب"، فليراجع. وأما احتجاجه بقوله تعالى:
﴿فكلوا مما غنمتم﴾ وبأنه عليه السلام قسم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما، فلا يتم لأن قوله
تعالى يعم الذكر والأنثى وهو لا يقول بإسهام المرأة من الغنيمة والأثر من جنس الأفعال ولا عموم
للفعل، فثبت أنا لم نخصص قوله تعالى "فكلوا مما غنمتم" إلا بمثل ما خصصه هو بالذكور دون
الإناثِ. وأثر تميم بن قرع الذى ذكرناه فى المتن دليل على إجماع الصحابة أن لا يسهم
للصبى، فافهم.
قال أبو عبيد: وإنما هو رضخ يرضخ من الغنيمة والفىء للمملوك إذا أغنى، فأما العطاء
الجارى فلاحظ للماليك فيه، على هذا أمر المسملين وجماعتهم أنه لا حق للمماليك فى بيت المال،
وذلك أن سيده يأخذ فريضته، فإن جعل للمملوك نصيب آخر صار ذلك لمولاه أيضا فيصير له

ج - ١٢
لا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبى ولا ذمی ولكن يرضخ لهم
٢٠٧
٣٩٤١- عن: ابن وهب عن حرملة بن عمران التجيبى أن تميم بن قرع المهرى
حدثه "أنه كان فى الجيش الذى افتتحوا الإسكندرية فى المرة الآخرة قال: فلم يقسم لى
عمرو بن العاص من الفىء شيئا. قال: وكنت غلاما لم أحتلم حتى كاد أن يكون بين
قومى وبين ناس من قريش فى ذلك ثائرة. فقال بعض القوم: فيكم ناس من أصحاب
فريضتان، إلا الطعام، فإنه يروى عن عمر أنه قد كان أجراه عليهم اهـ (ص٢٤٤).
قوله: "عن ابن وهب إلخ" قلت: دلالته على أنه لا يسهم للصبى من الغنيمة ظاهرة. فإن
عمرو بن العاص رضى الله عنه لم يقسم لتميم ابن قرع لكونه غلاما لم يحتلم، وأقره على ذلك أبو
بصرة الغفارى وعقبة بن عامر الجهنى، وأما قولهما: فإن كان أنبت الشعر فاقسموا له فمعناه
-وارضخوا له- لكون الإنبات علامة كون الصبى مراهقا مطيقا للقتال، لا لكونه علامة البلوغ.
وقد تقدم منا أن البلوغ ليس بشرط لدخول الصبى فى المقاتلة، بل شرطه كون الصبى مطيقا
للقتال. فمن أنبت الشعر خرج من الذرية ودخل فى المقاتلة وإن لم يبلغ فإذا قتل وأغنى رضخ له من
الغنيمة كما يرضخ للعبد، قال فى "المبسوط": ولكن يرضخ للصبى إذا قاتل فقد كان فى الصبيان
من يقاتل على عهد رسول الله مَّد، كما روى "أنه عرض عليه صبى فرده فقيل: إنه رام فأجازه،
وعرض عليه صبيان فرد أحدهما وأجاز الآخر، فقال المردود: أجزته ورددتنى ولو صارعته
لصرعته. فقال: صارعه فصارعه فصرعه فأجازهما". والمراد الإجازة فى المقاتلين ليرضخ لهما
لا ليسهم. فقد ثبت أنه لا يستحق السهم إلا بعد البلوغ اهـ (١٧:١٠).
قلت: وقصة الصبيين قد مر ذكرها فى "باب من لا يجوز قتله فى الجهاد"، وإن أحدهما
الذى كان عَّه رده أولا سمرة بن جندب. وقال الموفق فى "المغنى" (٤٥٤:١٠): والصبى يرضخ
ولا يسهم له، وبه قال الثورى والليث وأبو حنيفة والشافعي، وأبو ثور وعن القاسم وسالم فى
الصبى يغزو به ليس له شىء، وقال مالك: يسهم له إذا قاتل وأطاق ذلك مثله، قد بلغ القتال لأنه
حر ذكر مقاتل فيسهم له كالرجل. وقال الأوزاعى: يسهم له وقال: أسهم رسول الله عّ لّه للصبيان
بخيير، وأسهم أئمة المسلمين لكل مولود ولد فى أرض الحرب.
ولنا ما روى عن سعيد بن المسيب قال: " كان الصبيان والعبيد يحذون من الغنيمة إذا
حضروا الغزو فى صدر هذه الأمة" وروى الجوزجاني بإسناده أن تميم بن قرع المهرى فذكر
حديث المتن بنحوه ثم قال: ولأنه ليس من أهل القتال (المفروض عليهم) فلم يسهم له، كالعبد. ولم
يثبت أن النبى عّ لّه قسم الصبى، بل كان لا يجيزهم فى القتال، وما ذكروه يحتمل أن الراوى

٨
لا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبى ولا ذمى ولكن يرضخ لهم
إعلاء السنن
رسول الله عّ لّ فسلوهم فسألوا أبا بصرة الغفارى وعقبة بن عامر الجهنی صاحبى
رسول الله عَّ ◌ُله. فقالا: انظروا فإن كان أنبت الشعر فاقسموا له قال: فنظر إلى بعض
القوم فإذا أنا قد أنبت فقسم لى". رواه سحنون فى "المدونة" (٣٩٣:١)، وسنده
صحيح وأخرجه الجوزجاني بإسناده وقال: هذا من مشاهير حديث مصر وجيده، كذا
فى "المغنى" (٤٥٤:١٠) لابن قدامة، ولفظ الجوزجاني "قال: فلم يقسم لى عمرو من
الفىء شيئا، وقال: غلام لم يحتلم -وفيه أيضا- فقالا: انظروا فإن كان قد أشعر
فاقسموا له" والباقى نحوه.
سمی الرضخ سهما بدليل ما ذكرناه اهـ ملخصا.
كون الأشعار علما للبلوغ فى بعض الأقوام:
قلت: والظاهر من أثر تميم بن قرع المهرى كون الإنبات علما للبلوغ فى حق المسلم كما هو
علم عليه فى حق الكافر بدليل ما جاء عن عطية القرظى قال: كنت من سبى قريظة فكانوا ينظرون
فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل فكنت فيمن لم ينبت. أخرجه الأثرم والترمذى، وقال:
حديث حسن صحيح، وقد تقدم فى باب "من لا يجوز قتله فى الجهاد"، ولم يقل به علماءنا
لاختلاف أحوال الناس فيه، فنبات الشعر فى الهنود يسرع، وفى الأتراك يبطئ. وتأولوا الحديث
بأن النبى عرِّ عرف من طريق الوحى أن إنبات الشعر فى أولئك القوم يكون عند البلوغ أو أراد
تنفيذ حكم سعد بن معاذ رضى الله عنه، فإنه كان من حكمه أن يقتل منهم من جرت عليه الموسى،
لعلمه أنه كان من المقاتلة فيهم، كذا فى "المبسوط" (٢٧:١٠). وقد تقدم ذلك كله فى الباب
الذى أشرنا إليه آنفا ولكن هذا التأويل لا يتمشى فى أثر تميم هذا، فإن أبا نضرة وعقبة بن عامر قالا:
حين اختلف القوم فى بلوغه: انظروا! فإن كان قد أشعر فاقسموا له! فنظر إليه بعض القوم فإذا هو
قد أنبت فقسموا له (وتأويل القسم بالرضخ بعيد جدا)، ولم يظهر خلاف هذا فكان إجماعا.
فالحق أن البلوغ وإن كان إنما يحصل بالحلم وهو الأصل فيه كما قاله علماءنا بدليل قوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات﴾ ثم
قال: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم). وقال النبى معَ ل
((لا يتم بعد احتلام)) وقال لمعاذ: ((خذ من كل حالم دينارا)) رواهما أبو داود وحسن العزيزى إسناد
الأول منهما (٤٤٣:٣). وسيجىء تصحيح الثانى فى باب الجزية، إن شاء الله تعالى. ولكن
الإنبات علم على البلوغ فى بعض الأقوام ومقتضى الآثار الواردة فى بنى قريظة وفى تميم بن قرع

14
ج - ١٢
لا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبى ولا ذمی ولكن يرضخ لهم
٢٠٩
٣٩٤٢- عن البراء قال: (("استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر". الحديث أخرجه
البخارى (فتح البارى ٢٦٢:٧).
٣٩٤٣- عن نافع حدثني ابن عمر رضى الله عنهما ((أن رسول الله عَ ليه عرضه
المهرى أنه علم البلوغ فى أقوام العرب وإن لم يكن علما عليه فى جميع الأقوام من العجم. فما
روى عن أبى حنيفة وصاحبيه أنهم لم يجعلوه علما على البلوغ معناه - لم يجعلوه علما عاما لجميع
الأقوام- وليس معناه أنه ليس بعلم للبلوغ فى قوم أصلا. ولا يخفى أن حكمه مّه فى عطية
القرظى، وحكم أبى نضرة وعقبة فى تميم بن قرع، واقعتا عين لا عموم لهما، فالاستدلال بهما
على كون الإنبات علما على البلوغ فى الأقوام كلها عامة ليس بتام بل غاية ما فيهما أنه علم عليه
فى بعض الأقوام. وذلك مما لا ينكره أبو حنيفة وصاحباه كما فهمت من كلامهم والله تعالى أعلم.
قوله "عن البراء وعن نافع إلخ". قلت: دلالتهما على أن الصبى لا يستحق السهم من
الغنيمة ظاهرة. لكونه عّ لّه كان يرد الصبيان ولا يجيزهم ولو كانوا يستحقون السهم لم يردهم
لأنه لم يكن ليمنع أحدا حقه الذى يستحقه قال الموفق فى "المغنى" ولم يثبت أن النبى عدّ له قسم
لصبى بل كان لا يجيزهم فى القتال، فإن ابن عمر قال، فذكر ما ذكرناه فى المتن (٤٥٥:١٠). قال
الحافظ فى "الفتح": "وفى حديث أبي واقد الليثى: رأيت رسول الله عَّ له يعرض الغلمان وهو
يحفر الخندق فأجاز من أجاز ورد من رد إلى الذرارى" (٣٠٢:٧). وقال أيضا: واستدل بقصة ابن
عمر على أن من استكمل خمس عشر سنة أجريت عليه أحكام البالغين، وإن لم يحتلم فيكلف
بالعبادات وإقامة الحدود ويستحق سهم الغنيمة، ويقتل إن كان حربيا ويفك عنه الحجر إن أونس
رشده، وغير ذلك من الأحكام، وقد عمل بذلك عمر بن عبد العزيز، وأقره عليه راويه نافع
(فقد روى البخارى فى حديثه المذكور فى المتن قال نافع: "فقدمت على عمر بن عبد العزيز، وهو
خليفة فحدثته هذا الحديث فقال: إن هذا الحدبين الصغير والكبير وكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن
بلغ خمس عشرة زاد مسلم فى روايته ومن كان دون ذلك فاجعلوه فى العيال أى وكانوا يفرقون
بين المقاتلة وغيرهم فى العطاء قاله الحافظ (٢٠٥:٥) . -وفيه أنه ليس فيه أنه عرّ خيّم أجازه فى
الخندق، لأجل أن من استكمل خمس عشرة سنة أجريت عليه أحكام البالغين، ويحتمل أن يكون
أجازه لقوته لا لبلوغه. قال الحافظ فى "الفتح": ويرد على ذلك ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن
جريج ورواه أبو عوانة وابن حبان فى "صحيحهما" من وجه آخر عن ابن جريج أخبرنى نافع
فذكر هذا الحديث بلفظ "عرضت على النبى معَّ لي يوم الخندق فلم يجزنى ولم يرنى بلغت" وهى

٢١٠
لا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبى ولا ذمى ولكن يرضخ لهم
إعلاء السنن
يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزنى، ثم عرضنى يوم الخندق وأنا ابن خمس
زيادة صحيحة لا مطعن فيها لجلالة ابن جريج وتقدمه على غيره فى حديث نافع وقد صرح فيها
بالتحديث فانتفى ما يخشى من تدليسه، وقد نص فيها لفظ ابن عمر بقوله: "ولم يرنى بلغت"
وابن عمر أعلم بما روى من غيره اهـ (٢٠٥:٥) قلت: وفيه أنه واقعة عين لا عموم لهما، فلا يلزم
من كون ابن عمر قد بلغ الحلم فى خمس عشرة سنة أن يصير كل صبى بالغا فى تلك المدة ألا ترى
أنه عَِّ رد عمير بن أبى وقاص (أخا سعد) فى غزوة بدر واستصغره وهو ابن ست عشرة سنة
أخرج الحاكم من طريق إسماعيل بن محمد بن سعد عن عمه عامر بن سعد عن أبيه قال: "عرض
رسول الله عَّ جيش بدر فرد عمير ابن أبى وقاص فبكى عمير فأجازه فعقد عليه حمائل سيفه"
وهو عند البغوى كذلك وأخرجه ابن سعد عن الواقدى من رواية أبى بكر بن إسماعيل بن محمد
ابن سعد عن أبه "قال: رأيت أخى عمير بن أبى وقاص قبل أن يعرضنا رسول الله مُ له يوم بدر
يتوارى فقلت: مالك يا أخى؟ قال: إنى أخاف أن يرانى رسول الله عَّه فيستصغرنى فيردنى وأنا
أحب الخروج لعل الله أن يرزقنى الشهادة ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾:
اى طبيب جمله علتهاى ما
شاد باش اے عشق خوش سودائے ما
هرچه جز معشوق باقی جمله سوخت
عشق آل شعله است کوچون بر فروخت
مرحبا لى عشق شركت سوز رفت
ماند إلا الله وباقى جمله رفت
(مثنوی رومی)
قال: فعرض على رسول الله مګآم فاستصغره فرده فبکی فأجازه فکان سعد يقول: فكنت
أعقد حمائل سيفه من صغره فقتل وهو ابن ست عشرة سنة اهـ، كذا فى "الإصابة" قال الحافظ:
شهد بدرا واستشهد بها فى قول الجميع (٣٥:٥ و ٣٦). وهذا يؤيد ما قلنا: إن استكمال خمس
عشرة سنة لا يجعل كل صبى بالغا فهذا عمير لم يره رسول الله عّ لّه بالغا واستصغره وهو ابن
ست عشرة سنة فافهم! وهذا هو الذى أشار إليه أبو حنيفة رحمه الله فى قصة حكاها ابن خسر،
وفى "مسنده" الإمام بإسناده عن إسحاق بن خالد مولى جرير قال: سألت أبا حنيفة عن حد بلوغ
الغلام قال: ثمانى عشرة سنة، إلا أن يحتلم قبل ذلك. قلت: والجارية قال: سبع عشرة سنة إلا أن
تحيض قبل ذلك وتحتلم فسألت سفيان الثورى فقال: فى كليهما خمس عشرة سنة إلا أن يحتلم
قبل ذلك أو تحيض الجارية أو تحبل فذكرت له قول أبى حنيفة فقال: حدثنى عبيد الله بن عمر عن
نافع: عن ابن عمر "أنه عرض على رسول الله وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يقبله وعرض عليه يوم

٢١١
لا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبى ولا ذمی ولكن يرضخ لهم
ج - ١٢
عشرة فأجازنى)). الحديث أخرجه البخارى ومسلم (زيلعى ١٣٧:٢)، واللفظ للبخارى.
الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فقبله" فأخبرت بذلك أبا حنيفة فقال: صدق" كذا روى عبيد
الله بن عمر وغيره عن نافع وأخبرنى الهيثم بن حبيب عن بعض آل سعد عن سعد بن أبى وقاص
رضى الله عنه "أن النبى معَّ عرض عليه عمير بن أبى وقاص وهو غلام لم يحتلم فأجازه" اهـ من
"جامع مسانيد الإمام" (٤١:٢ و٤٢) -يعنى- أن الإجازة فى القتال ليس بدليل للبلوغ لأنها
منوطة بشجاعة القلب وقوته والجلدة والإطاقة. وأيضا فقد روى ابن سعد فى الطبقات حديث نافع
هذا بطريق يزيد بن هارون عن أبى معشر عن نافع عن ابن عمر فزاد فيه ذكر بدر ولفظه "عرضت
على رسول الله مرّ له يوم بدر أنا ابن ثلاث عشرة فردنى، وعرضت عليه يوم أحد" الحديث قال ابن
سعد: قال يزيد بن هارون: ينبغى أن يكون فى الخندق ابن ست عشرة سنة اهـ.
قال الحافظ فى "الفتح": وهو أقدم من نعرفه استشكل قول ابن عمر هذا وإنما بناه على قول
ابن إسحاق وأكثر السير: إن خندق كانت فى سنة خمس من الهجرة واتفقوا على أن أحدا كانت
فى شوال سنة ثلاث، وإذا كان كذلك جاء ما قال يزيد: إنه يكون حينئذ ابن ست عشرة سنة لكن
البخارى جنح إلى قول موسى بن عقبة فى المغازى أن الخندق كانت فى شوال سنة أربع وقد روى
يعقوب بن سفيان فى "تاريخه"، ومن طريقه البيهقى عن عروة نحو قول موسى بن عقبة، وعن
مالك الجزم بذلك وعلى هذا لا إشكال. لكن اتفق أهل المغازى على أن المشركين لما توجهوا فى (١)
أحد نادوا المسلمين موعدكم العام المقبل بدر، وأنه عّ خرج إليها من السنة المقبلة فى شوال،
فلم يجد بها أحدا. وهذه هى التى تسمى بدر الموعد ولم يقع بها قتال فتعين ما قال ابن إسحاق: إن
الخندق كانت فى سنة خمس فيحتاج حينئذ إلى الجواب عن الإشكال، وقد أجاب عنه البيهقى
وغيره بأن قول ابن عمر: عرضت يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة، أى دخلت فيها، وإن قوله:
عرضت يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة، أى تجاوزتها فألغى الكسر فى الأولى وجبره فى الثانية
وهو شائع مسموع فى كلامهم، وبه يرتفع الإشكال، وهو أولى من الترجيح اهـ (٢٠٤:٥).
وأورد عليه ابن التركمانى فى "الجوهر النقى" بأنه إذا كان الحكم بخمس عشرة سنة تابعا لحديث
ابن عمر، وظهر أنه تجوز بالخمس عشرة عن الدخول فى السادس عشرة، وجب أن يكون حد
البلوغ أكثر من خمس عشرة. ولو سلم التحديد بخمس عشرة فالإجازة للقتال حكمها منوول
حد.

٢١٢
لا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبی ولا ذمی ولکن یرضخ لھم
إعلاء السنن
بإطاقته والقدرة عليه، وأن إجازته عليه السلام له فى الخمس عشرة لأنه رآه مطيقا للقتال، ولم يكن
مطيقا له قبلها، لا لأنه أدار الحكم على البلوغ وعدمه. ويدل عليه ما روى عن سمرة بن جندب
(فذكر ما ذكرناه قبل) وفى الاستيعاب لابن عبد البر عن الواقدى: "أنه عليه السلام استصغر عمير
ابن أبى وقاص، وأراد رده فبكى، ثم أجاز بعده فقتل يومئذ، وهو ابن ست عشرة سنة" اهـ
(٢٨:٣) -وأيضا- فقد روى الطحاوى فى "معانى الآثار" حدثنا محمد بن خزيمة ثنا يوسف بن
عدى ثنا عبد الله بن إدريس وعن مطرف عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب، قال: "عرضنى
رسول الله عّ لّ أنا وابن عمر يوم بدر فاستصغرنا ثم أجازنا يوم أحد" (١٢٦:٢). وهذا سند
صحيح رجاله كلهم ثقات -وفيه- أنه مَّ أجاز ابن عمر يوم أحد وهو يومئذ ابن أربع عشرة
سنة، خلاف ما رواه نافع، والبراء بن عازب أجل من نافع، وأعرف منه بالوقت الذى أجاز فيه
النبى معَِّ ابن عمر لكونها قد عرضا معا. فتبين أن مدار الإجازة فى القتال ليس على استكمال
خمس عشرة سنة ولا على البلوغ وعدمه، وإنما مداره على الإطاقة فافهم، وأما أن عمر بن عبد
العزيز رضى الله عنه أخذ به وأقره عليه نافع ففيه أنه إنما أخذ للفصل بين المقاتلة وغيرهم، لا للفصل
بين البالغ، والنزاع إنما هو فى هذا دون ذلك، والله تعالى أعلم.
ويدل لما قاله أبو حنيفة رحمه الله قول ابن عباس رضى الله عنهما فى جواب نجدة الحرورى:
"و كتبت تسألنى متى ينقضى يتم اليتيم؟ فلعمرى أن الراجل لتنبت لحيته وأنه لضعيف الأخذ لنفسه
ضعيف العطاء منها، فإذا أخذ لنفسه ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتيم" أخرجه مسلم فى
"صحيحه" (١١٧:٢) وفيه دلالة على أن البلوغ ليس بالإنبات، فإن إنبات اللحية كإشعار العانة
سواء وأصرح منه ما أخرجه الطحاوى:
حدثنا روح بن الفرج قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ثنا عبد الله بن لهيعة عن عطاء بن
دينار عن سعيد بن جبير قال: "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده" أى
ثمانى عشرة سنة، ومثلها فى سورة بنى إسرائيل (١٢٦:٢). وهذا سند حسن صريح فى أن الإمام
ليس بمتفرد بما ذهب إليه فى الباب، بل له سلف فى ذلك من أقوال أجلة الأصحاب والتابعين.
وقول التابعى فيما لا يدرك بالرأى مرفوع مرسل ومحمول على السماع كما ذكرناه فى "المقدمة"
لا سيما وقد عضده ما أخرجه ابن أبى الدنيا فى "كتاب المعمرين" من طريق الكلبى عن أبى صالح
عن ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله تعالى: (ولما بلغ أشده واستوى) قال: "الأشد" ما بين

ج - ١٢
لا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبى ولا ذمى ولكن يرضخ لهم
٢١٣
الثمانى عشرة إلى الثلاثين "والاستواء" ما بين الثلاثين إلى الأربعين، فإذا زاد على الأربعين أخذ فى
النقص، كذا فى "الدر المنثور" (٢٢:٥) والکلبی وإن كان ضعيفا، فقد قال ابن عدی: له غير ما
ذکرت أحاديث صالحة و خاصة عن أبى صالح وهو معروف بالتفسیر، وحدث عنه ثقات من الناس
ورضوه فى التفسير (تهذيب ١٨٠:٩). ولا يعارضه ما روى عن ابن عباس فى معنى "الأشد" من
عشرين سنة وثلاثين، وثلاثة وثلاثين ونحوها فإن ما رواه الكلبى عن أبى صالح عنه قول مفسر
يدل على أن مبدأ الأشد من ثمانى عشرة سنة فيصح أن يطلق ويراد به عشرون، وخمسة
وعشرون، وثلاثون، ونحوها فلا تعارض بين الروايات، وبلوغ الأشد مفسر بالحلم فسره به
الشعبى وغيره، كما فى "الدر المنثور" أيضا فى سورة يوسف، فثبت أن مبدأ الأشد هو مبدأ الحلم
وهو من ثمانى عشرة سنة. وهذا هو قول أبى حنيفة. وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: قوله
تعالى: ﴿والذين لم يبلغوا الحلم منكم﴾ يدل على بطلان قول من جعل حد البلوغ خمس عشرة
سنة، إذا لم يحتلم قبل ذلك، لأن الله تعالى لم يفرق بين من بلغها، وبين من قصر عنها، بعد أن
لا يكون قد بلغ الحلم وقد روى عن النبى معَ ◌ّه من جهات كثيرة: "رفع القلم عن ثلاثة عن النائم
حتى يستيقط، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبى حتى يحتلم" وهذا خبر منقول من طريق
الاستفاضة قد استعمله السلف والخلف فى رفع حكم القلم عن المجنون والنائم والصبى، ولم يفرق
بین من بلغ خمس عشرة وبین من لم يبلغها.
وأما حديث ابن عمر: "أنه عرض على النبى مرّ ◌ُّم يوم أحد وله أربع عشرة سنة فلم يجز،
وعرض عليه يوم الخندق وله خمس عشرة سنة فأجازه" فإنه مضطرب لأن الخندق كانت فى سنة
خمس، وأحد فى سنة ثلاث، فكيف يكون بينهما سنة؟ (واضطراب آخر أن البراء بن عازب روى
أنه مَِّ أجازه وابن عمر فى غزوة أحد مؤلف) ثم مع ذلك، فإن الإجازة فى القتال لا تعلق لها
بالبلوغ لأنه قد يرد بالبالغ لضعفه، ويجاز غير البالغ لقوته على القتال وإطاقته لحمل السلاح كما
أجاز رافع بن خديج، ورد سمرة بن جندب فلما قيل له: إنه يصرعه، أمرهما فتصارعا فصرعه
سمرة، فأجازه. ولم يسأله عن سنه، وأيضا فإن أس مر بي لم يسأل ابن عمر عن مبلغ سنه فى
الأول، ولا فى الثانى وإنما اعتبر حاله فى قوته وضعفه، فاعتبار السن لأن النبى معَ ◌ّ أجازه فى
وقت، ورده فى وقت ساقط.
واختلف فى "الإنبات هل يكون بلوغا فلم يجعله أصحابنا بلوغا والشافعى يجعله بلوغا

٢١٤
لا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبى ولا ذمى ولكن يرضخ لهم
إعلاء السنن
(وقال الموفق فى "المغنى": حكى عن الشافعى أن هذا بلوغ فى حق الكفار لأنه لا يمكن الرجوع
إلى قولهم: فى الاحتلام، وعدد السنين وليس بعلامة عليه فى حق المسلمين لإمكان ذلك فيهم.
مؤلف)، وظاهر قوله تعالى: ﴿والذین لم يبلغوا الحلم منكم﴾ ینفی أن یکون بلوغا إذا لم يحتلم،
كما نفى كون خمس عشرة سنة بلوغا وكذلك قوله مّ له: ((وعن الصبى حتى يحتلم)) واحتج من
جعله بلوغا بحديث عبد الملك بن عمير عن عطية القرظى، وهذا حديث لا يجوز إثبات الشرع
بمثله، إذا كان عطية هذا مجهولا لا يعرف إلا من هذا الخبر (ومثله مجهول عند الحنفية، وإن روی
عنه إثنان فصاعدا كما مر فى "المقدمة" ) لا سيما مع اعتراضه على الآية، والخبر فى نفى البلوغ،
إلا باحتلام (وفيه أنه ليس من الاعتراض فى شىء بل عن إقامة السبب مقام المسبب، إذا تعذر
الاطلاع عليه كالإيلاج للإنزال والنوم للحدث مؤلف). ومع ذلك فهو مختلف الألفاظ، ففى
بعضها أنه أمر بقتل من جرت عليه المواسى. وفى بعضها من أخضر إزاره ومعلوم أنه لا يبلغ هذه
الحال إلا وقد تقدم بلوغه ولا يكون قد جربت عليه المواسى، إلا وهو رجل كبير فجعل الإنبات
وجرى الموسى كناية عن بلوغ القدر الذى ذكرنا فى السن، وهى ثمان عشرة وأكثر وروى عن
عقبة بن عامر: "أنهما قسما الغنيمة لمن أنبت"، وهذا لا دلالة فيه على أنهما رأيا الإنبات بلوغا؛
لأن القسمة جائزة للصبيان على وجه الرضخ اهـ (٢٣٢:٣)، وفيه ما فيه فتذكر.
بقى أنه لما انتفى بقوله تعالى: ﴿والذين لم يبلغوا الحلم منكم﴾، وقوله عّ لّه: ((وعن الصبى
حتى يحتلم)) اعتبار السن والإنبات جميعا فى البلوغ فمن أين قدره أبو حنيفة بثمانى عشرة سنة؟
وهو من اعتبار السن أيضا؟
والجواب أنه قدره بذاك بالاجتهاد، قال الجصاص: ولما ثبت بما وصفنا أن الخمس عشرة
ليست ببلوغ وظاهر قوله تعالى: ﴿والذين لم يبلغوا الحلم منكم﴾ ينفى أيضا أن تكون الخمس
عشرة بلوغا صار طريق إثبات حد البلوغ بعد ذلك الاجتهاد؛ لأنه (أى البلوغ) حد بين الصغر
والكبر الذين قد عرفنا طريقهما وهو واسطة بينهما فكان طريقه الاجتهاد، وليس يتوجه على القاتل
بما وصفنا سوال كالمجتهد فى تقويم المستهلكات، وأروش الجنايات التى لا توقيف فى مقاديرها
ومهور الأمثال ونحوها. فإن قيل: فلا بد من أن يكون اعتباره لهذا المقدار دون غيره، بضرب من
الترجيح على غيره يوجب تغليب ذلك فى رأيه دون ما عداه من المقادير. قلنا: قد علمنا أن العادة
فى البلوغ خمس عشرة سنة، وكل ما كان طريقه العادات فقد تجوز الزيادة فيه والنقصان منه،

ج - ١٢
لا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبى ولا ذمی ولكن يرضخ لهم
٢١٥
٣٩٤٤- عن أبى يوسف قال: أخبرنا الحسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عن
وقد وجدنا من بلغ فى اثنتى عشرة سنة، فجعل أبو حنيفة الزيادة على المعتاد كالنقصان عنه. وهى
ثلاث سنين. وقد حكى عن أبى حنيفة تسع عشرة سنة للغلام وهو محمول على استكمال ثمانی
عشرة والدخول فى التاسع عشرة اهـ (٣٣٢:٣).
والحق عندى أن الإمام إنما قدره بثمانى عشرة سنة أخذا بالمتيقن، والبلوغ بالاحتلام
لا یتجاوز عن هذا القدر عادة وإن كان قد يتقدمه، وقد وافقه فى ذلك سعید بن جبیر، کما مر،
وعضده قول ابن عباس فى تفسير قوله: ﴿فلما بلغ أشده واستوى﴾، فتذكر هذا، ولكن المشايخ
أفتوا بقول محمد وأبى يوسف أن حكم ابن خمس عشرة سنة حكم البالغ فى أحكامه كلها، ومن
كان سنه دونها فحكمه حكم غير البالغ فى أحكامه كلها، إلا من ظهر بلوغه قبل ذلك. لأنا رأينا
الاحتلام يجب به للصبى حكم البالغين، فإذا عدم الاحتلام وأجمع على أن هناك خلفا منه، فقال".
قوم: هو بلوغ خمس عشرة سنة، وقال قوم: بل هو أكثر من ذلك من السنين جعل ذلك الخلف
على أغلب ما يكون فيه الاحتلام فهو خمس عشرة سنة، لأن أكثر احتلام الصبيان وحيض النساء
يكون فى هذا المقدار، ولا يجعل على أقل ذلك، ولا على أكثر، لأن ذلك إنما يكون فى الخاص،
ولا نعتبر حكم الخاص فى ذلك، ولكن نعتبر أمر العام كما لم نعتبر أمر الخاص فيما جعل خلفا فى
الحيض، واعتبرنا أمر العام فإن الله تعالى جعل عدة المرأة إذا كانت ممن تحيض ثلاثة قروء، وجعل
عدتها إذا كانت ممن لا تحيض ثلاثة أشهر، فجعل بدلا من كل حيضة شهرا وقد تحيض المرأة فى
أول الشهر وقد تحیض فی آخره، فیجتمع لها فی شهر واحد حیضتان، وقد تكون بین حیضتيها
شهران وأشهر وأكثر لكن أكثرهن تحيض فى كل شهر حيضة واحدة، فجعل الخلف فى الحيضة
على أغلب أمور النساء فكذلك ههنا. قاله الإمام الطحاوى فى "شرح معاني الآثار" (١٢٦:٢).
وأيده حديث ابن عمر رضى الله عنه، بطريق نافع عنه، وأما ما ذكر فيه من الاضطراب
ونحوه فقد ارتفع بأخذ عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه بالخمس عشرة سنة وجعله ذلك حدا بين
الصغير والكبير، وأمره عماله بالعمل به، ولم ينكر ذلك عليه أحد فكان إجماعا هذا! وقد أطلنا
الكلام فى الباب لكون المسألة من معترك الآراء بين أولى الألباب، ومع ذلك فلم يشبع حبيب
البحث فى تحقيق الحق والصواب فى باب حد البلوغ من تتمة هذا الكتاب فأردت بسط الكلام فيه
ههنا لمناسبته لهذا الباب .
قوله: "عن أبى يوسف إلخ" دلالته على أن لا يسهم للذمى ظاهرة. ويؤيده ما رواه الواقدى

٢١٦
لا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبى ولا ذمى ولكن يرضخ لهم
إعلاء السنن
ابن عباس قال: ((استعان رسول الله عَ ظله بيهود قينقاع، فرضخ لهم ولم يسهم))، أخرجه
البيهقى من رواية الشافعى عنه، وقال: تفرد به الحسن بن عمارة، وهو متروك (زيلعى
١٣٨:٢) قلت: يا للعجب! يحتج بابن إسحاق ويترك ابن عمارة؟ هذا لا يكون،
وقد مر غیر مرة أنه مختلف فیه، حسن الحديث.
فى المغازى فى غزوة خيبر، حدثنى ابن أبى سبرة عن فطر الحارثى عن حزام بن سعد بن محيصة
قال: "وخرج رسول الله مرّ له بعشرة من يهود المدينة غزابهم أهل خيبر فأسهم لهم كسهمان
المسلمين، ويقال: أحذاهم ولم يسهم لهم (زيلعى ١٣٨:٢). وأما ما رواه الترمذى وأبو داود فى
"المراسيل" وابن أبى شيبة كلهم عن الزهرى ((قال: أسهم النبى معَّه لقوم من اليهود قاتلوا معه".
لفظ الترمذى، وزاد أبو داود وابن أبى شيبة: مثل سهمان المسلمين (زيلعى أيضا). فإن كان هذا
فى غزوة خيبر فقد عرفت أن الواقدی روی فیه قولین مختلفین فلا حجة فيه، وقد صرح ابن عباس
بأنه معَِّ رضخ لهم ولم يسهم وهو أجل من الزهرى وأعرف بمغازى النبى معَّ له منه فيقدم قوله
على قوله، وإن كان فى غيرها فيحتمل أن يكون مَّ ◌ُلّ أسهم لهم حين كانت اليهود ينفقون مع
المؤمنين فى محاربة المشركين، فقد أخرج أبو عبيد فى "الأموال" كتاب رسول الله عَ لّه بين
المؤمنين وأهل يثرب وموادعته يهودها مقدمة المدينة -وفيه- "وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين
ما داموا محاربين" قال أبو عبيد: فهذه النفقة فى الحرب خاصة شرط عليهم المعاونة له على عدوه.
ونرى أنه إنما كان يسهم لليهود إذا غزوا مع المسلمين بهذا الشرط، ولو لم يكن هذا لم يكن لهم
فى غنائم المسلمين سهم اهـ (ص ٢٠٦).
وقد عرف كل من له ممارسة بالمغازى أن اليهود نقضوا شروط هذا الكتاب ويهود بنى
قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله عَ ليه، وحاربوا بين بدر وأحد، فحاصرهم
رسول الله عربية خمس عشرة ليلة، حتى نزلوا على حكمه، ثم وهبهم لعبد الله بن أبى ابن سلول
حين أمكنه الله منهم، فأطلقهم له وأجلاهم من المدينة إلى أذرعات من أرض الشام. فلم يلبثوا إلا
قليلا حتى هلكوا. كذا فى "سيرة ابن هشام" " والكامل" لابن الأثير وغيرهما.
: ولعل هؤلاء العشرة من اليهود الذين استعان بهم النبى عّ لّه فى غزوة خيبر كانوا من بقايا
بنى قينقاع من قوم عبد الله بن سلام وإخوانه الذين لم يغدروا ولن يفعلوا كما فعل سائر بنى
قينقاع، ودلوا النبى معَّه على عورات أهل خيبر، فرضخ لهم ولم يسهم، أو أسهم لهم كسهمان
المسلمين، لكونهم إجراء قد بلغت أجرة دلالتهم مبلغ سهام المسلمين، فافهم.

٢١٧
لا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبى ولا ذمى ولكن يرضخ لهم
ج - ١٢
٣٩٤٥- عن همام بن منبه حدثنا أبو هريرة عن رسول الله عّ لّه، فذكر أحاديث،
وقال ابن حزم: روينا من طريق وكيع نا سفيان الثورى عن ابن جريج عن الزهرى "أن
رسول الله عَّ ◌ُّ كان يغزو باليهود فيسهم لهم كسهام المسلمين" رويناه عن الزهر من طرق كلها
صحاح عنه وهو مرسل ولا حجة فى مرسل، ولقد كان يلزم الحنفيين والمالكيين القائلين بالمرسل أن
تقولوا بهذا، لأنه من أحسن المراسل لا سيما مع قول الشعبى أنه أدرك الناس على هذا، ولا نعلم
مخالفا فى ذلك من الصحابة (المحلى ٣٣٤:١١).
قلت: القائلون بالمرسل لم يقولوا: بترجيحه على المسند. وقد عرفت أن مرسل الزهرى قد
عارضه ما رواه ابن عباس رضى الله عنهما مرفوعا ((استعان رسول الله عّ لّ بيهود قينقاع فرضخ
لهم ولم يسهم لهم)) وأما قول الشعبى فليس هو فى معنى مرسل الزهرى، بل غاية ما فيه أن الأئمة
كانوا يغزون بأهل الذمة فيقسمون لهم (أى يرضخون) ويضعون عنهم من جزيتهم. فذلك لهم
نفل حسن اهـ. وليس هذا من الإسهام فى شىء وإنما هو أن أهل الذمة لا يستنفرون فإذا استنفروا
وضعت عنهم جزية تلك السنة. ألا ترى أن عتبة بن فرقد قد عامل عمر بن الخطاب كتب لأهل
آذربيجان فى كتاب صلحهم: ومن حشر منهم فى سنة وضع عنه جزاء تلك السنة إلخ. وكذلك
قبل سراقة بن عمرو عامل أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه قول شهر براز ملك الباب حيث قال: إن
جزيتنا إليكم النصر لكم والقيام بما تحبون فقال سراقة: ولا بد من الجزاء ممن يقيم ولا ينهض فقبل
ذلك. وصار سنة فيمن كان يحارب العدو من المشركين وفيمن لم يكن عنده الجزاء إلا أن
يستنفروا فتوضع عنهم جزاء تلك السنة ذكره الطبرى فى "تاريخه" بسنده (٢٥٦:٤) وفيه دلالة
صريحة على أن أهل الذمة إذا قاتلوا مع المسلمين ونصروهم على عدوهم، لم يكن بهم إلا وضع
جزية هذه السنة عنهم لا غير فإن قسم لهم بعض الأئمة فهو محمول على الرضخ دون الإسهام
لهم، كسهام المسلمين. وأما حديث سعد الذى رواه ابن حزم من طريق وكيع نا الحسن بن حى عن
الشيبانى هو أبو إسحاق "أن سعد بن مالك هو ابن أبى وقاص غز القوم من اليهود فرضخ لهم"،
فهو حجة صريحة لأبى حنيفة ومن وافقه أن الذمى لا يسهم له من الغنيمة ولکن یرضخ له، وهو
مؤيد لما رواه ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله عّ لّه رضخ ليهود بنى قينقاع حين استعان
ہہم، ولم يسهم لهم.
قوله: "عن همام بن منبه إلخ" قلت: دلالة قوله مّه: "فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا" على
أن هذه الأمة مختصة بإباحة الغنائم لها، زادها الله شرفا. وأنه لا حق فى الغنائم لغير المسلمين

٢١٨
لا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبى ولا ذمی ولكن يرضخ لهم
إعلاء السنن
ومنها قال رسول الله عَّ له: ((غزا نبي من الأنبياء))، فذكر الحديث، وفيه
ظاهرة. قاله ابن حزم فى "المحلى" (٣٣٥:١١).
تتمة قد شذ ابن حزم بأن العبد يسهم له من الغنيمة كالحر سواء، وهذا مما لم يقل به أحد
من فقهاء الأمصار بعد عصر التابعين. قال الموفق فى "المغنى": "لا نعلم خلافا بين أهل العلم اليوم
أن العبيد لا حق لهم فى الفىء" اهـ (٣٠٧:٧).
الرد على ابن حزم فى قوله بإسهام العبد كالحر سواء:
احتج بعموم قوله تعالى: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا﴾ ولم يدر أنه خطاب للغانمين الذين
هم من أهل الجهاد، وليس العبد منهم وإلا لزم سهام المرأة والصبى إذا حضرا القتال وهو لا يقول به
فكلهم لم يشملهم عموم الخطاب بقوله: ﴿فكلوا مما غنمتم﴾ فإن قال: ثبت خروج النساء من هذا
العموم بما رواه ابن عباس عند مسلم ((أن رسول الله عَّه كان يغزو بالنساء فيداوين الجرحى
ويحذين من الغنيمة وأما بسهم فلم يضرب لهن))، قلنا: فكذلك ثبت خروج العبيد منه بدلیل
ما رواه ابن عباس: "لما سئل عن المرأة والعبد هل كان لهما سهم معلوم إذا حضروا البأس؟ أنه
لم يكن لهم سهم معلوم إلا أن يحذيا من غنائم القوم" كما ذكرناه فى المتن وليس هو من قول ابن
عباس بالرأى كما توهمه ابن حزم، بل هو من روايته لما كان العمل عليه فى زمان النبى معَّ له
وأصرح منه ما رواه عند أحمد " كان النبى عّ لّه يعطى المرأة والمملوك من الغنائم دون ما يصيب
الجيش"، ويشهد له حديث عمير مولى آبى اللحم. ثم احتج بأنه عَ ظّم قسم للفارس والراجل،
ولم يخص حرا من عبد فلا يجوز تخصيص شىء من ذلك بالظن الكاذب (المحلى ٣٣٢:١١).
قلت: وهل يجوز لك تعميم الفعل الذى لا عموم له عند أحد من أهل اللغة ولا أهل الأصول والفقه
والحديث بالذم الكاذب؟ فإن العموم والخصوص من صفات الأقوال دون الأفعال.
ثم احتج بما لا حجة له فيه فقال: روينا من طريق أبى داود بسنده عن عائشة أم المؤمنين
"قالت: كان أبى يقسم للحر والعبد اهـ" قلت: يا للعجب! أ تؤمن ببعض الحديث وتنكر بعضه؟
فقد صرحت عائشة رضى الله عنها فى هذا الحديث بعينه أن النبى معَّ أتى بظبية (أى خريطة أو
كيس) فيها خرز فقسمها للحرة والأمة (أبو داود مع "العون" ٩٧:٣). فتركت فعل النبى عّ لّ
وقلت: لا يسهم لامرأة وأخذت بفعل أبى بكر، وقلت: إن العبد يسهم له كالحر سواء وبمثل هذا
يبتلى من كذب ظنون الأجلة من الفقهاء والعلماء، ويصدق ظنه وحده. ثم بين لنا رحمك الله هل
فى حديث عائشة أن أبا بكر كان يسوى بين العبد والحر؟ فإن قلت: روى ابن أبى شيبة نا وكيع نا

ج - ١٢
لا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبى ولا ذمى ولكن يرضخ لهم
٢١٩
((فأقبلت النار فأكلته فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا. ذلك بأن الله رأى ضعفنا
ابن أبى ذئب عن خاله الحرث بن عبد الرحمن عن أبى قرة قال: "قسم لى أبو بكر الصديق كما
قسم لسيدى" قلنا: ليس فيه إلا التشبيه فى مطلق القسمة دون مقدارها، ومن ادعى غير ذلك فعليه
البيان. وأيضا فمن أين علمت أن أبا قرة كان عبدا رقيقا. ولم يكن محررا عتيقا؟ وإذا جاء
الاحتمال بطل الاستدلال. ونحن نقول: بالقسم للموالى من الغنيمة والفىء بدليل ما رويناه من
طريق أبى داود بسنده عن زيد بن أسلم "أن عبد الله بن عمر دخل على معاوية فقال: حاجتك يا أبا
عبد الرحمن؟ فقاله عطاء المحررين، فإنى رأيت رسول الله معد له أول ما جاءه شىء بدأ بالمحررين اهـ
(٩٧:٣ مع "العون"). سكت عنه أبو داود والمنذرى وما أخرجه أبو عبيد فى "الأموال" حدثنا
عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سعيد ابن المسيب "أن
عمر ابن الخطاب فرض لأهل بدر المهاجرين من العرب والموالى خمسة آلاف خمسة آلاف
وللأنصار ومواليهم أربعة آلاف أربعة آلاف اهـ" (ص٢٣٥). وأخرجه أبو يوسف الإمام فى
" كتاب الخراج" له بطرق عديدة أطول من هذا (ص ٤٩ و ٥٤).
احتجاج ابن حزم بأقوال التابعين وإعراضه عن أقوال الصحابة:
قال ابن حزم: روينا من طريق ابن أبى شيبة نا حفص بن غياث عن أشعث عن الحكم ابن
عتيبة والحسن البصرى ومحمد بن سيرين قالوا: " من شهد البأس من حر أو عبد أو أجير فله سهم"
ومن طريق ابن أبى شيبة نا جرير عن المغيرة عن حماد عن إبراهيم النخعى فى الغنائم يصيبها الجيش
قال: "إن أعانهم التاجر والعبد ضرب له بسهامهم من الجيش" وعنه "إذا شهد التاجر والعبد قسم
له وقسم للعبد "اهـ.
قلت: وأى حجة لك فى أقوالهم وأنت لا تحتج بقول ابن عباس ولا بقول عمر رضى الله
عنهم؟ وهاك ما أعرضه عليك روى سحنون فى المدونة عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن خالد بن
أبى عمران عن عمر بن عبد العزيز "أنه كتب أن يعزل العبيد من أن يقسم لهم شىء" قال ابن
وهب: وبلغنى عن يحي بن سعيد أنه قال: "ما نعلم للعبيد قسما فى المغانم وإن قاتلوا وأعانوا" اهـ
(٣٩٣:١). فهذا بذاك وقد ذكرنا فى المتن عن عمر قال: "ليس للعبد من الغنيمة شىء" أخرجه ابن
حزم ولم يعله بشىء وعن ابن عباس "ليس للعبد فى المغنم نصيب" أخرجه أبو عبيد بسند حسن
وأخرج یحیی بن آدم فى " کتاب اخراج" له (ص٤٣) حدثنی و کیع وحمید بن عبد الرحمن عن
هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر رضى الله عنه "أنه قال: اجتمعوا حتى ننظر لمن

٢٢٠
لا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبى ولا ذمى ولكن يرضخ لهم
إعلاء السنن
وعجزنا فطيبها لنا))، رواه مسلم (٨٥:٢).
هذا المال؟ حين أتى بالفىء، فلما اجتمعوا قال: إنى قرأت آيات من كتاب الله فاكتفيت بها ثم قرأ
﴿وما أفاء الله على رسوله﴾ الآيات ثم قال: ما أحد من المسلمين إلا له فى هذا الفىء(١) حق إلا عبدا
مملوكا" اهـ وهذا سند صحيح على شرط مسلم فإنه أخرج لهشام بن سعد فى الشواهد وأخرج
أحمد عن مالك بن أوس قال: "كان عمر يحلف على أيمان ثلاث والله ما أحد أحق بهذا المال من
أحد، وما أنا أحق به من أحد، ووالله ما من المسلمين أحد إلا وله فى هذا المال نصيب إلا عبدا
. مملوكا الحديث" (نيل الأوطار ٢٨٢:٧)، فهل كفاك أو أزيدك؟ وقد روى الثورى عن ابن أبى ليلى
عن فضالة بن عبيد "أنهم كانوا مع النبى معَّ ◌ُّ فى غزوة وفينا مملوكون فلم يقسم لهم" أخرجه ابن
حزم نفسه فى "المحلى" (٣٣٢:١١).
وأعله بالانقطاع، وليس هو بعلة عندنا وإذا تأيد المرسل بقول صحابى أو فتوى عالم من
التابعین فهو حجة عند الکل کما ذ کرناه فى "المقدمة" فکیف وهو متأید بمرفوع ابن عباس ومسند
عمير، وقول عمر وفتوى أجلة من فقهاء التابعين: منهم عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد خامس
الخلفاء فافهم! ولا تعجل فى الإنكار على الأئمة الفقهاء ولا تغتر بتمويهات ابن حزم ودعاويه
المتجاوزة عن الحد، وأقواله المسرفة فى شأن العلماء، نسأل الله الأدب معه ومع نبيه مُّلّه وأولياء
أمته، وعلماء شريعته، آمين.
قال أبو عبيد: فأما حديث النبى مَّ فى الخرز (الذى أعطاه الحرة والأمة) فإنما يوجه على
أنه كان له عّ لِّ خاصة ملك يمينه بهدية أهديت إليه أو كان فى غنيمة فصار فى سهمه من الخمس
فهو يصنع به ما يشاء وليس يشبه الخرز أموال الفىء والصدقة، ألا تراه قدمت إليه جزية هجر
والبحرين وعدة بلاد فما بلغنا عنه أنه أدخل المماليك فيما قسم من ذلك، وأما حديث أبى بكر فى
الرجل الذى قسم له من الفىء مثل ما قسم لسيده فإنما هو عندی علی أنه كان محررا قد أعتقه
السيد فهو بمنزلة غيره من الأحرار. وهذا مثل حديث عمر أنه فرض لمولى قريش والأنصار مثل
ما فرض للصلبية منهم سوى بينهم فى العطاء اهـ (ص ٢٤٤).
(١) لا يقال: هذا حكم الفىء دون الغنيمة، لأنا نقول: إن الفىء أعم من الغنيمة مصرفا، ألا ترى أن الذرية والنساء لا حق لهم فى
الغنيمة، ويرزقون من الفىء فلما لم يكن للعبد حق فى الفىء، فبالأولى أن لا يكون له حق فى الغنيمة اللهم إلا أن یرضخ له،
فافهم.