Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
التصرف فى أموال الغنيمة قبل القسمة
إعلاء السنن
وفى "شرح السير الكبير": وإذا أصاب المسلمون غنائم فى دار الحرب فليس ينبغى
لواحد منهم أن ينتفع من ذلك بشىء إلا المأكول والمشروب لهم ولدوابهم ولا بأس بأن يذبحوا
البقر والغنم ليأكلوا بغير خمس. فلأجل الحاجة يصير ذلك مستثنى من شركة الغنيمة فيبقى على
أصل الإباحة كما كان قبل الإصابة. والأصل فيه حديث عمر (وقد ذكرناه فى المتن) ثم ذكر عن
ابن عباس أنه رخص فى الأكل وقال: فين خرجوا بشىء منه تصدقوا به (أى إذا قسمت الغنائم،
فأما قبل القسمة يرده فى المغنم،) إلا أن يكون محتاجا فيأكله وإن أكله وهو غنى تصدق
بقيمته، وقد روى ذلك عن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى عّ لّه قال يوم خيبر: كلوا واعلفوا
ولا تحملوا اهـ (٢٥٨:٢).
قلت: أخرجه البيهقى بطريق الواقدى عن عبد الرحمن بن الفضل عن العباس بن عبد
الرحمن الأشجعى عن عبد الله بن عمر، وأخرجه الواقدى فى مغازيه بغير هذا السند كذا فى "فتح
القدير" (٢٣٠:٥) وسند البيهقى أحسن من سند الواقدى فى مغازيه، ففيه ثلاثة من الواهبين فى
نسق واحد، الواقدى وشيخه (ابن أبى سبرة) وإسحاق (ابن أبى فروة)، كذا فى "الدراية"
(ص٢٦٠) والواقدى مختلف فيه والعمل عندنا على توثيقه كما ذكرناه فى المقدمة، وفى غير
موضع من الكتاب. وقال الموفق فى "المغنى" (٤٨٧:١٠): أجمع أهل العلم إلا من شذ منهم على
أن للغزاة إذا دخلوا أرض الحرب أن يأكلوا مما وجدوا من الطعام ويعلفوا دوابهم. منهم سعيد بن
المسيب، وعطاء، والحسن، والشعبى، والقاسم، وسالم، والثورى والأوزاعى، ومالك، والشافعى،
وأصحاب الرأى وقال الزهرى: لا يؤخذ إلا بإذن الإمام. وقال سليمان بن موسى: لا يترك إلا أن
ينهى عنه الإمام فيتقى نهيه. ولنا: ما روى عبد الله ابن أبى أوفى إلخ. (وروى أن صاحب جيش
الشام كتب إلخ). ((وروى عبد الله بن مغفل إلخ)) فذكر ما ذكرناه فى المتن ثم قال: فمن أخذ من
الطعام شيئا مما يقتات أو يصلح به القوت من الأدم وغيره أو العلف لدابته فهو أحق به، سواء كان
له ما يستغنى به عنه أو لم يكن له ويكون أحق بما يأخذه من غيره. فإن فضل منه ما لا حاجة به إليه
رده على المسلمين، وإن باع شيئا من الطعام أو العلف رد ثمنه فى الغنيمة لما ذكرنا من حديث
عمر. وروى مثله عن فضالة بن عبيد وبه قال سليمان بن موسى والثورى والشافعى، وكره القاسم
وسالم ومالك بيعه. وإن وجد هنا فهو كسائر الطعام لما ذكرنا من حديث ابن مغفل، ولأنه طعام
فأشبه البر والشعير وإن كان غير مأكول فاحتاج أن يدهن به أو يدهن دابته، فظاهر كلام أحمد
ے

ج - ١٢
التصرف فى أموال الغنيمة قبل القسمة
١٤٢
جوازه إذا كان من حاجة (وهو قولنا معشر الحنفية) "فتح القدير" (٢٢٩:٥). قال أحمد فى زيت
الروم: إذا كان من ضرورة أو صداع فلا بأس، فأما التزين فلا يعجبنى. وللغازى أن يعلف دوابه
ويطعم رقيقه مما يجوز له الأكل منه سواء كانوا للقنية أو للتجارة. قال أبو داود: قلت لأبى عبد
الله: "يشترى الرجل سبى الروم فى بلاد الروم ويطعمهم من طعام الروم؟ قال: نعم! يطعمهم".
وروى عنه ابنه عبد الله قال: "سألت أبى عن الرجل يدخل بلاد الروم ومعه الجارية والدابة للتجارة
إن أطعمها وعلف الدابة قال: لا يعجبنى دلك فإن لم تكن للتجارة فلم يربه بأسا. فظاهر هذا أنه
لا يجوز إطعام ما كان للتجارة، لأنه ليس مما يستعين به على الغزو وقال الخلال: رجع أحمد عن
هذه الرواية، وروى عنه جماعة بعد هذا "أنه لا بأس به" لأن الحاجة داعية إليه ومن فضل معه من
الطعام فأدخله البلد (أى دار الإسلام) طرحه فى مقسم تلك الغزاة فى إحدى الروايتين والأخرى
یباح له أكله إذا کان یسیرا، أما الكثير فيجب رده بغیر خلاف نعلمه لأن ما کان مباحا له فى دار
الحرب فإذا أخذه على وجه يفضل منه كثير إلى دار الإسلام، فقد أخذ ما لا يحتاج إليه فيلزمه رده.
لأن الأصل تحريمه لكونه مشتركا بين الغانمين ولهذا لم يبح بيعه. وأما اليسير ففيه روايتان. أحدهما
يجب رده أيضا وهو اختيار أبى بكر، وقول أبى حنيفة وابن المنذر وأحد قولى الشافعى وأبى ثور
لما ذكرنا فى الكثير، ولأن النبى معَّه قال: ((أدوا الخيط والمخيط)) ولأنه من الغنيمة ولم يقسم، فلم
يبح فى دار الإسلام. والثانية يباح، وهو قول مكحول وخالد بن معدان وعطاء الخراسانى ومالك
والأوزاعى. قال أحمد: أهل الشام يتساهلون فى هذا واحتجوا بما روى القاسم بن عبد الرحمن عن
بعض أصحاب النبي ◌َِّ قال: ((كنا نأكل الجزور (لفظ أبى داود الجزور - وهى الشاة التى تجزر-
أى تذبح، والحزور الإبل،) فى الغزو ولا نقسمه حتى أن كنا لنرجع إلى رحالنا وأخرجتنا مملأة)).
رواه سعید وأبو داود.
قلت: قاسم تكلم فيه غير واحد وابن حرشف مجهول جدا "زيلعى" (١٣١:٢). ويعارضه
ما رواه البيهقى من طريق الواقدى عن ابن عمر مرفوعا أنه عّ لّه قال يوم خيبر: ((كلوا واعلفوا
ولا تحملوا))، وهو وإن كان ضعيفا أيضًا، ولكنه صالح لمعارضة الضعيف لا سيما، وهو مرفوع
ومعارضه موقوف فلم يبق فيما رواه أبو داود من طريق القاسم حجة فافهم).
وقال الأوزاعى: أدركت الناس يقدمون بالقديد فيهديه بعضهم إلى بعض، لا ينكره إمام
ولا عامل ولا جماعة، وهذا نقل للإجماع اهـ (٤٩٥:١٠). قلت: نعم، ولكن لإجماع أهل الشام

١٤٣
التصرف فى أموال الغنيمة قبل القسمة
إعلاء السنن
٣٨٩٧- عن ابن عمر أن جيشا غنموا فى زمان النبى معَّ عليّ طعاما وعسلا فلم
يؤخذ منهم الخمس. رواه أبو داود وابن حبان وصححه البيهقى (نيل ١٩١:٧-١٩٢).
٣٨٩٨- عن عبد الله بن المغفل قال: "أصبت جرابا من شحم يوم خيبر فالتزمته
فقلت: لا أعطى اليوم أحدا من هذا شيئا فالتفت فإذا رسول الله عّ لّه متبسما". رواه
أحمد والشيخان وأبو داود والنسائى وزاد فيه الطيالسى بسند صحيح فقال: "هو لك"
(نيل ١٩١:٧-١٩٢)، وأخرجه سحنون فى "المدونة" (٣٩٧:١) عن ابن وهب
عن مسلمة عن سعيد بن عبد العزيز التنوخى عن رجل من قريش قال: "لما حاصر رسول
الله عَّه خيبر، جاع بعض الناس فسألوا رسول الله عّ لّه أن يعطيهم، فلم يجدوا عنده
شيئا فافتتحوا بعض حصونها فأخذ رجل من المسلمين جرابا مملوءا شحما فبصر به
صاحب المغانم، وهو كعب بن زيد الأنصارى فأخذه فقال الرجل - لا والله! لا أعطيكه
حتى أذهب به إلى أصحابى. فقال: أعطنيه أقسمه بين الناس فأتى وتنازعاه. فقال رسول
الله عَ لّهِ: خل بين الرجل وبين جرابه فذهب به إلى أصحابه اهـ" وهذا مؤيد للزيادة التى
زادها الطيالسى ولا بأس به فى المتابعات:
فقط، فإن الأوزاعى - رحمه الله - شامى مشأ وموطنا ومدفنا، فلم يدرك ذلك إلا فى أهل بلده،
وقد نص أحمد على أن أهل الشام يتساهلون فى هذا فلا حجة فيه. ويحتمل أن يكون أمراء الشام
كانوا قد أذنوا للغزاة فى قليل الطعام أن يحملوه إلى دارهم ولا يردوه فى المغانم. ولا بأس به بعد
الإذن عندنا أيضا. والله تعالى أعلم.
وقول ابن عمر فى الحديث الذى بدأنا به الباب فتأكله ولا نرفعه صريح فى أن الصحابة ما
كانوا يحملون شيئا من الطعام والفواكه معهم. واتباع الصحابة رضى الله عنهم أولى من اتباع من
بعدهم، نعم ذكر محمد فى "السير الكبير" عن أبى الدرداء رضى الله عنه قال: لا بأس بما أصاب
السرية من الطعام أن يرجعوا إلى أهلهم فيأكلون ويهدون ما لم يبيعوا قال: فكأنه جعل الإهداء من
جملة الحاجة، كالأكل ولسنا نأخذ بذلك، فإن الأكل من أصول الحوائج يتحقق فيه الضرورة
والإهداء ليس من أصول الحوائج فهو كسائر التصرفات اهـ (٢: ٣٦)، ويمكن حمله على أن أبالدرداء
كان قد علم من أمراء الشام إذنهم فى حمل الطعام القليل إلى دار الإسلام وأن لا يرد فى المغنم.
قوله: "عن ابن عمر ثانيا، وعن عبد الله بن المغفل إلخ". دلالتهما على أنه يجوز للعسكر

ج - ١٢
التصرف فى أموال الغنيمة قبل القسمة
١٤٤
٣٨٩٩- عن ابن أبى أوفى قال: "أصبنا طعامًا يوم خيبر وكان الرجل يجىء
فيأخذ منه مقدار ما يكفيه وينطلق" رواه أبو داود وصححه الحاكم وابن الجارود ورواه
الطبرانى بلفظ "لم يخمس الطعام يوم خيبر" اهـ (نيل الأوطار ١٩١:٧-١٩٢).
أخذ المأكول والمشروب من مال الغنيمة قبل القسمة ظاهرة. والزيت والسمن كالشحم لكونه مما
يؤكل وأما سائر الأدهان كالبنفسج ونحوه فلا يجوز الإدهان به لأن هذه الأدهان لا تستعمل
للحاجة الأصلية بل للزينة إلا أن يحتاج إليها للصداع ونحوه فيجوز.
قال فى "فتح القدير": ولا شك أنه لو تحقق بأحدهم مرض يحوجه إلى استعمالها كان له
ذلك كلبس الثوب فالمعتبر (إذا) حقيقة الحاجة، وأما ما يؤكل لا للتداوى سواء كان مهيأً للأكل
كاللحم المطبوخ والخبز والزبيب والعسل والسكر والفاكهة اليابسة والرطبة والبصل والشعير
والتبن، والإدهان المأكولة كالزيت والسمن فلهم الأكل والإدهان بتلك الأدهان لأن الإدهان انتفاع
البدن كالأكل ويوقحوا الدواب وكذا كل ما يكون غير مهيأ للأكل كالغنم والبقر فلهم ذبحها،
وأكلها ويردون الجلد إلى الغنيمة ثم شرط فى "السير الصغير" الحاجة إلى التناول من ذلك وهو
القياس، ولم يشترطها فى "السير الكبير" وهو الاستحسان. وبه قالت الأئمة الثلاثة فيجوز لكل
من الغنى والفقير تناوله إلا التاجر والداخل لخدمة الجندى بأجر لا يحل لهم ويأخذ ما يكفيه هو
ومن معه من عبيده ونساءه وصبيانه الذين دخلوا معهم. وينبغى أن يأخذ ما يكفى الداخل لخدمته
كعبده لأن نفقته عليه عادة فصار الحاصل منع الداخل للخدمة، دون الغازى أن يأخذ لأجله ولأن
دليل الحاجة قائم وهو كونه فى دار الحرب منقطعا عن الأسباب فيدار الحكم عليه اهـ (٣١٥:٤).
قلت: ومقتضاه أن يجوز للغازى أن يأخذ نفقة عبيده للتجارة من طعام الغنيمة إذا كان نوى
التجارة مع الغزو بخلاف ما إذا أراد الدخول للتجارة فحسب فلا يجوز. هذا ما ظهر لى والله
تعالى أعلم بالصواب ثم راجعت شرح "السير الكبير" و"المبسوط" فوجدت فيهما أن التاجر
والسوقى إن قاتلا أسهم لهما، لما قد تبين من فعلهما أنهما لهم يريدا التجارة فقط بل خرجا للجهاد
والتجارة تبع له إلخ وكذلك الغازى إذا كان معه عبيد التجارة لم يقصد التجارة إلا تبعا فيسهم
للجهاد له ويأخذ نفقة عبيده من طعام الغنيمة فافهم.
قوله: "عن ابن أبى أو فى إلخ" دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة. وقوله: " كان الرجل
يجىء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه وينطلق إلخ" يدل على أنه لا ينبغى أخذ ما يزيد على قدر
الكفاية، فهو مؤيد لما رواه البيهقى من طريق الواقدى عن ابن عمر مرفوعا ((أن النبى معَ ◌ّم قال يوم
خيبر كلوا واعلفوا ولا تحملوا)) وقد أيده أيضا ما فى حديث ابن عمر الأول ((فنأكله ولا نرفعه إلخ)).

١٤٥
التصرف فى أموال الغنيمة قبل القسمة
إعلاء السنن
٣٩٠٠- عن هانىء بن كلثوم: أن صاحب جيش الشام کتب إلى عمر إنا فتحنا
أرضا كثيرة الطعام والعلف فكرهت أن أتقدم فى شىء من ذلك إلا بأمرك فكتب إليه
دع الناس يأكلون ويعلفون. فمن باع شيئا بذهب أو فضة ففيه خمس الله، وسهام
المسلمين. أخرجه البيهقى (زيلعى ١٣:٢). وسكت عنه الحافظ فى "الدراية"
(ص٢٦٠)، واحتج به محمد فى "السير الكبير" (٢٥٨:٢) فقال: والأصل فيه حديث
عمر حيث كتب إلى عامله إلخ قال: وروى هذا المعنى أيضا عن فضالة بن عبيد وبه
نأخذ اهـ (٣٩٠١). وأخرجه سحنون (٣٩٥:١) فى "المدونة" عن ابن وهب عن
إسماعيل بن عياش عن أسيد ابن عبد الرحمن عن رجل حدثه عن هانىء بن كلثوم
نحوه مختصرا، ثم أخرج عن أنس بن عياض عن الأوزاعى عن أسيد بن عبد الرحمن
عن خالد بن الدريك عن ابن محيريز قال: سمعت فضالة بن عبيد يقول: "من باع
طعاما أو علفا بأرض الروم مما أصاب منها بذهب أو فضة فقد وجب فيه حق الله وهى
للمسلمين اه". والسند الأول فيه رجل لم يسم، والثانى سند صحيح رجاله كلهم
ثقات.
٣٩٠١- عن ابن عمر رضى الله عنه قال: "أصبنا طعاما وأغناما يوم اليرموك
فلم يقسم" رواه الإسماعيلى من طريق جرير بن حازم عن أيوب عن نافع عنه (فتح
البارى ١٨٢)، وهو حسن أو صحيح على أصله.
والضعيف إذا تأيد بالشواهد تقوى.
قوله: "عن ابن عمر ثالثا إلخ". فيه دلالة على جواز تصرف الغانمين فى الأغنام قبل القسمة
وفى "المحيط": وإن وجدوا غنما فلا بأس بأن يذبحوها ويأكلوها، ويردوا جلدها فى الغنيمة. وذكر
هذا الحكم فى "السير الكبير" فى الجزور، وفى "الإيضاح فى البقر فعلم بهذا أن المهيأ للأكل
وما هو غير مهيأ سواء فى إباحة التناول للغازى اهـ. من "الكفاية" شرح الهداية (٢٢٨:٥). وأما
ما رواه الحاكم عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن أبيه قال: ((شهدت فتح خيبر مع رسول الله عّ له
فلما انهزم القوم وقعنا فى رحالهم، فأخذ الناس ما وجدوا من جزر قال زيد - هو ابن أبى أنيسة
الراوى- وهى المواشى فلم يكن بأسرع من أن فارت القدور، فلما رأى ذلك رسول الله مرّ له أمر
بالقدور فاكفئت، ثم قسم بيننا فجعل لكل عشرة شاة اهـ)) (١٣٤:٢). فمحمول على أنها ذبحت

ج - ١٢
التصرف فى أموال الغنيمة قبل القسمة
١٤٦
٣٩٠٢ - وقال سحنون فى "المدونة" (٣٩٥:١) لمالك: عن ابن وهب عن عمرو
بن الحرث عن بكر بن سوادة الجذامى حدثه أن زياد بن نعيم حدثه أن رجلا من بنی
ليث حدثه أن مه حدثه" أنهم كانوا مع رسول الله صَ لّه فى غزوة، فكان النفر.
يصيبون الغنم العظيمة -أى الكثيرة- ولا يصيب الآخرون إلا شاة فقال رسول
الله عَّ ◌ُله: لو أنكم أطعمتم إخوانكم؟ قال: فرميناهم بشاة شاة حتى كان الذى معهم
أكثر من الذى معنا. قال بكر: فما رأيت أحدا قط يقسم الطعام كله ولا ينكر أخذه
ولكن يستمتع آخذه به ولا يباع، فأما غير الطعام من متاع العدو فإنه يقسم اهـّ، رجاله
کله ثقات وفيه رجل لم يسم وأما جهالة الصحابى فلا تضر.
٣٩٠٣- عن عبد الرحمن بن غنم قال: رابطنا مدينة "قنسرين" مع شرحبيل بن
السمط، فلما فتحها أصاب فيها غنما، وبقرا فقسم فينا طائفة منها وجعل بقيتها فى
المغنم، فلقيت معاذ بن جبل فحدثته، فقال معاذ: غزونا مع رسول الله عزّ لآه خییرَ، فأصبنا
قبل حيازة الغنائم فلم تكن غنيمة بل نهبة، يدل على ذلك حديث ابن عباس بعده قال: "انتهب
الناس غنما يوم خيبر، فذبحوها فجعلوا يطبخون منها، فجاء رسول الله عَّ له فأمر بالقدور
فاكفئت، وقال: إنها لا تصلح النهبة اهـ" ولا تكون نهبة إلا إذا أخذت قبل الحيازة، والدليل على
أنهم ذبحوها قبل الحيازة ما فى حديث ابن أبى ليلى من قوله: وقعنا فى رحالهم وقوله: فلم يكن
بأسرع من أن فارت القدور، قال ابن المنذر: وإنما كان ذلك لأجل ما وقع من النهبة، لأن أكل نعم
أهل الحرب غير جائز اهـ من "فتح البارى" (١٨٣:٦) أى لا يجوز أكل نعمهم على سبيل النهبة،
وأما على طريق الغنيمة فجائز والفارق بينهما الحيازة وعدمها أو يحمل على أنه لم يكن من
رأى النبى معَّ ◌ُلّه يوم خيبر، أن يأخذ الغانمون والمواشى قبل القسمة وسيأتى أن للإمام أن ينهاهم
عن أخذ الأنعام.
قوله: "عن عبد الرحمن بن غنم إلخ" قال الشوكانى: فى إسناده أبو عبد العزيز شيخ
من الأردن مجهول اهـ. قلت: كلا! فقد روى عنه عمر بن يونس اليمامى وقال: وكان خيرا
فاضلا والوليد بن مسلم ويحيى بن حمزة الحضرمى، وذكره والد تمام فى أمراء دمشق وقال
أبو حاتم: بحديثه بأس، وذكره أبو زرعة فى أهل الزهد والفضل، اهـ ملخصا من "تهذيب
التهذيب" (٢٥١:١). نعم، قال ابن معين: ما أعرفه، وهو أبو الشافعى الأعمى -أى هو والد عبد

١٤٧
التصرف فى أموال الغنيمة قبل القسمة
إعلاء السنن
فيها غنما، فقسم فينا رسول الله عَ ليه طائفة وجعل بقيتبها فى المغنم. رواه أبو داود
وسكت عنه هو والمنذرى (نيل ١٩٣:٧).
الرحمن الشافعى المتكلم - ولكن لا يكون من روى عنه ثلاثة من الثقات ووثقه غير واحد من أئمة
الجرح والتعديل مجهولا بمجرد قول ابن معين لا أعرفه.
وفى الحديث دلالة على أن للإمام أن يمنع الغانمين من التصرف فى شىء من الحيوان المأكول
اللحم، وهو المذهب وهو محمل ما رواه ابن أبى ليلى عن أبيه فى غنم انتهبها المسلمون من أهل
خيبر، ونصبت القدور فأمر النبى معَّ باكفاءها أى لإنه كان لا يرى أن يأخذوه قبل القسة لعدم
الحاجة إليها، لكثرة ما وجدوه من الطعام والثمار. وقد ورد عند الشيخين "أنهم وقعوا فى الحمر
الأهلية، فانتحروها ونصبوا القدور فأمر النبى معَّه بإ كفاءها" هذا هو المشهور فى قصة خيبر، وأما
حديث ثعلبة ابن الحكم وأبى ليلى "قالا: أصبنا يوم خيبر غنما" فذكر الآمر بإ كفائها فليس بمشهور
وإن صح فيحمل على ما قلنا والله تعالى أعلم.
وقال سحنون فى "المدونة": عن ابن وهب وقال يحيى بن سعيد عن مكحول أن شرحبيل
بن حسنة باع غنما وبقرا فقسمه بين الناس فقال معاذ بن جبل: لم يسئ شرحبيل إذ لم يكن
المسلمون محتاجين أن يذبحوها فترد على أصحابها يبيعونها فيكون ثمنها من الغنيمة فى الخمس،
إذا كان المسلمون لا يحتاجون إلى لحومها ليأكلوها اهـ (٣٩٥:١). وهذا مرسل فإن مكحولا
لم يسمع من شرحبيل، ولا من معاذ بن جبل، ولكنه صالح لتفسير المسند! وفيه تصريح بأن الغنم
والبقر إنما تقسم إذا لم يكن للغانمين حاجة إليها وإن كانوا محتاجين أن يذبحوها فلا تقسم، كما مر
فى أثر بكر بن سوادة الجذامى بسنده "أن الصحابة كانوا مع رسول الله عّ لّه فى غزوة فكان النفر
يصيبون غنما كثيرة، ولا يصيب الآخرون الإشاة" الحديث. وهل ذلك إلا لأنه مَّه لم يقسمها
فكان الناس يأخذون منها ما سبقت إليها أیدیہم فافهم، قال فى "شرح السیر الکبیر": "فإن نہی
الإمام الجيش أن يأكلوا شيئا من البقر والغنم أو غيرهما وأقسم عليهم أن لا يفعلوا ذلك حتى
يقسم، فعليهم طاعته ولا يحل لهم بعد ذلك أن يتعرضوا لشىء منه لأن الإمام مجتهد فيما يأخذ
عليهم من الميثاق به وبتنصيصه ينعدم معنى الاستثناء فى هذا المال من شركة الغنيمة فيكون حكمه
كحكم سائر الغنائم، إلا أنه ينبغى للإمام أن ينظر لهم فإذا عرف حاجتهم إلى ذلك أحد منه
الخمس، وقسم ما بقى بينهم ليتناول كل واحد منهم من نصيبه، فإن الحاجة إلى ذلك قد تحققت
وعند الضرورة يجوز القسمة فى دار الحرب والله الموفق اهـ (٢٦١:٢).
٠

١٤٨
ج - ١٢
التصرف فى أموال الغنيمة قبل القسمة
٣٩٠٤- عن ابن مسعود رضی الله عنه قال: انتہیت إلی ابی جھل یوم بدر، وهو
صریع، یذب الناس عنه بسیف له فجعلت أتناوله بسیف لی غير طائل فأصبت يده فندر
سيفه فأخذته فضربته حتى قتلته، ثم أتيت النبى عّ لّه، فأخبرته فنفلنى بسلبه. رواه أحمد
وفى "مجمع الزوائد": أن رجاله رجال الصحيح غير محمد بن وهب ابن أبى كريمة،
وهو ثقة اه (نيل ١٩٤:٧).
٣٩٠٥- عن رويفع بن ثابت أن رسول الله عَ ◌ّم قال يوم حنين: ((لا يحل لامرئ
يؤمن بالله واليوم الآخر ان یبتاع مغنمًا حتی یقسم)) الحديث، رواه أحمد وأبو داود ابن
قوله: "عن ابن مسعود إلخ". فيه دلالة على جواز استعمال أسلحة أهل الحرب قبل القسمة،
وفى حكمها دوابهم وثيابهم، وأما حديث رويفع بن ثابت ألا لا يحل لامرأ كان يؤمن بالله واليوم
الآخر أن يركب دابة من فىء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه وذكر مثله فى الثياب فقد مر
تأويله عن أبی یوسف أنه محمول علی من لا يحتاج إليه، ویبقی دابته و ثيابه وأيضا فليس فيه النهى
عن ركوب دابة الفىء مطلقا، بل عن الركوب بطريق الإضرار بها، دل عليه قوله مرّ له: ((حتى إذا
أعجفها)) و ((حتى إذا أخلقه)) الحديث. ونحن لا نجيز للغازى أن يركب دابة الفىء أو يلبس ثيابه
بحيث يضر بها بل عليه أن يحفظها كحفظ الوديعة فيخدم الدابة ويعلفها ويسؤسها، كما يفعل
بدابة نفسه. فافهم! قال فى "سبل السلام": يؤخذ منه جواز الركوب ولبس الثوب وإنما يتوجه
الشهی إلى الأعجاف وإخلاق الثوب فلو ركب من غير إعجاف ولبس من غیر إخلاق جاز انتهى
قال الحافظ فى "الفتح" وقد اتفقوا على جواز ركوب دوابهم يعنى أهل الحرب ولبس ثيابهم
واستعمال سلاحهم حال الحرب ورد ذلك بعد انقضاءها اهـ من "عون المعبود" (٢٠:٣). وقد
ذكرنا كلام الحافظ عن الفتح مفصلا فيما مضى وقد تقدم أنه لا يجوز أخذ شىء من الغنائم قبل
القسمة فى دار الإسلام لعدم الحاجة إلى ذلك وإنما يجوز فى دار الحرب لدليل الحاجة وعليه يحمل
ما أخرجه البخارى عن رافع ابن خديج ((قال: كنا مع النبى مُ ◌ّه بذى الحليفة، فأصبنا إيلا وغنما
فعجلوا ونصبوا القدور فأمر بالقدور فأكفئت)) قال المهلب: إنما أكفا القدور ليعلم أن الغنيمة إنما
يستحقونها بعد قسمته لها وذلك أن القصة وقعت فى دار الإسلام كذا فى فتح البارى (١٣١:٦).
قوله: "عن رويفع بن ثابت إلخ" دلالته على حرمة بيع الغنيمة قبل القسمة ظاهرة قال فى
"الهداية": "ولا يجوز بيع الغنائم قبل القسمة فى دار الحرب لأنه لا ملك قبلها، وفيه خلاف

١٤٩
إعلاء السنن
حبان وسكت عنه الحافظ فى "التلخيص" (٣٧٤:٢) وفى مجمع الزوائد: رجاله رجال
الصحيح غير محمد بن وهب وهو ثقة اهـ (نيل الأوطار ١٩٤:٧). وقد ذكرناه مفصلا
فى الحاشية سابقا.
٣٩٠٦- عن ابن عباس قال: ((نهى رسول الله عَ ليه يوم خيبر عن بيع المغانم حتى
تقسم)) الحديث رواه الحاكم وصححه على شرطهما وأقره عليه الذهبى فى "تلخيص
المستدرك" (١٣٧:٢).
باب من أسلم على مال فهو له ومن أسلم فى دار الحرب
أحرز به نفسه وماله وأولاده الصغار دون الكبار والعقار
قال الله تعالى: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة
مؤمنة﴾.
٣٩٠٧- حدثنا الثقة حدثنا ابن أبى لهيعة حدثنا أبو الأسود عن عروة بن الزبير
الشافعى". قال المحقق فى الفتح: " وهذا فى بيع الغزاة ظاهر وأما بيع الإمام لها فذكر الطحاوى أنه
يصح لأنه مجتهد فيه يعنى أنه لا بد أن يكون الإمام رأى المصلحة فى ذلك وأقله تخفيف إكراه
الحمل عن الناس أو عن البهائم ونحوه. وتخفيف مؤنته عنهم فيقع عن اجتهاد فى المصلحة فلا يقع
جزافا فينعقد بلا كراهة مطلقا" اهـ (٢٢٧:٥).
قلت: ودليل التقييد بدار الحرب أنه عَ ◌ّه قال ذلك فى حنين، ولم تكن دار الإسلام إذ ذاك
فلا دليل فيه على عدم جوازه فى حق الإمام فى دار الإسلام. وأما فى حق الغزاة، فالنبهى عام
لا يجوز لهم بيع سهامهم قبل القسمة. وقد بقى بعد خبايا فى الزوايا ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.
قوله: "عن ابن عباس إلخ" قلت: وهو محمول على أنه قال ذلك قبل أن تصير خيبر دار
الإسلام، فقد تقدم أن الصحابة كانوا قد وقعوا فى انتهاب الغنائم أى المواشى منها عند انهزام القوم
معا ولم تصر خيبر دار الإسلام إلا بعد تمام الاستيلاء عليها فأمر النبى مرّ له يا كفاء القدور ونهاهم
عن بيع المغانم قبل القسمة والله تعالى أعلم.
باب من أسلم علی مال فهو له ومن أسلم فی دار الحرب أحرز به نفسه
وماله وأولاده الصغار دون الكبار والعقار
قوله: "حدثنا الثقة وقوله: حدثنا ابن المبارك إلخ" قال الحافظ فى "الفتح" فى باب إذا أسلم

١٥٠
حكم من أسلم فى دار الحرب بعد غلبة المسلمين
ج - ١٢
أن رسول الله عّ لّه قال: ((من أسلم على شىء فهو له)) أخرجه محمد رحمه الله (فتح
القدير ٢٣١:٥).
٣٩٠٨- حدثنا ابن المبارك عن حيوة بن شريح عن محمد بن عبد الرحمن
قوم فى دار الحرب ولهم مال وأرضون فهى لهم: أشار (البخارى) بذلك إلى الرد على من قال من
الحنفية: أن الحربى إذا أسلم فى دار الحرب وأقام بها حتى غلب عليها المسلمون فهو أحق بجميع
ماله إلا أرضه وعقاره، فإنها تكون فيئا للمسلمين وقد خالفهم أبو يوسف فى ذلك فوافق الجمهور،
ويوافق الترجمة حديث أخرجه أحمد عن صخر بن العيلة البجلى قاله: فر قوم من بنى سليم عن
أرضهم فأخذتها فأسلموا وخاصمونى إلى النبى مَّ له فردها عليهم. وقال: إذا أسلم الرجل فهو
أحق بأرضه وماله اهـ (١٢٢:٦). وقال فى "المبسوط": إذا أسلم الحربى فى دار الحرب ثم ظهر
المسلمون على تلك الدار ترك له ما فى يده من ماله ورقيقه وولده الصغار لأن أولاده الصغار صاروا
مسلمين بإسلامه تبعا فلا يسترقون، والمنقولات فى يده حقيقة وهى يد محترمة لإسلام صاحبها فلا
يتملك ذلك عليه بالاستيلاء. ولأنه صار محرزا ما فى يده من المال بمنعة المسلمين وذلك سبب
لتقرير ملك المسلم لا إبطال ملكه، يوضحه أن يده إلى أمتعته أسبق من يد المسلمين فأما عقاره فإنها
تصير غنيمة للمسلمين فى قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى. وقال أبو يوسف:
أستحسن فأجعل عقاره له لأنه ملك محترم له كالمنقول واستدل بحديث الكلبى ومحمد بن
إسحاق رحمهما الله تعالى فى إسلام نفر من بنى قريظة حين كان رسول الله معرّ له محاصرا لهم
فأحرزوا بذلك أموالهم وأنفسهم. قال (أبو يوسف): وعامة أموالهم الدور والأراضى، لكنا نقول:
هذه بقعة من بقاع دار الحرب فتصير غنيمة للمسلمين كسائر البقاع، وهذا لأن اليد على العقار إنما
تثبت حكما ودار الحرب ليست بدار الأحكام فلا معتبر بيده فيها قبل ظهور المسلمين عليها وبعد
الظهور يد الغانمين فيها أقوى من يده فلهذا كانت غنيمة بخلاف المنقولات. وتأويل الحديث إن
صح فى المنقول دون العقار، وكذلك أولاده الكبار فىء؛ لأنهم ما صاروا مسلمين بإسلامه
وكذلك زوجته الحبلى (أى وغير الحبلى بالأولى) لأنها لا تصير مسلمة بإسلام زوجها فتكون فيئا
ويده عليها يد حكمته بسبب النكاح ومثله لا يمنع الاغتنام كاليد على العقار. ثم ذكر فى إسلامه
بعد الخروج إلى دار الإسلام وفى إسلامه فى دار الحرب، ثم خروجه إلى دار الإسلام مثل ما ذكره
فى "شرح السير" (٦٦:١٠ و٦٧).

١٥١
حكم من أسلم فى دار الحرب بعد غلبة المسلمين
إعلاء السنن
بن نوفل عن عروة بن الزبير قال: قال رسول الله عَ ليه: ((من أسلم على شىء فهو له))
قلت: ولقد تحيرت فى تحرير هذه المسألة والتنقير عن دلائل الإمام فى الباب يوما كاملا
وراجعت كتب الحنفية فلم أعثر فيها على دليل للإمام يشفى الغليل فالمصنفون أكثرهم قد أكتفوا
بذكر الجواب عن دلائل الجمهور ولم يذكروا فى دليل الإمام غير القياس الذى ذكره شارح
"السير والمبسوط". ورأيت ابن الهمام والعلامة العينى ساكتين عن تائيد الإمام فصرت أقدم رجلا
وأخر أخرى وإذا أنا بآية من كتاب الله قد ألقيت فى روعى وهى قوله تعالى. ((فإن كان من قوم
عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة)) أنها هى أساس قول أبى حنيفة فى الباب، ثم راجعت
"الهداية" و "أحكام القرآن" الرازى، فوجدتهما قد سبقانى إلى ذلك وجعلاها أصلا لقول
أبى حنيفة فى المسألة.
وقال الجصاص: " ولما ثبت بما قدمنا أنه لا قيمة لدم المقيم فى دار الحرب بعد إسلامه قبل
الهجرة إلينا، وكان مبقى على حكم الحرب وإن كان محظور الدم أجروه أصحابنا مجرى الحربى
فى إسقاط الضمان عن متلف ماله لأن دمه أعظم حرمة من ماله ولا ضمان على متلف نفسه (وإن
كان عليه إثم كبير لقتله مسلما)، فما له أحرى أن لا يجب فيه ضمان وأن يكون كمال الحربى
(فى الأحكام وإن كان كمال المسلم فى الآثام) اهـ (٢: ٢٤٤) ثم أطلعت والحمد لله الكبير المتعال
على أثر من مراسيل الزهرى صحيح صريح فيما قاله الإمام أبو حنيفة رضى الله عنه أخرجه يحيى
بن آدم فى "كتاب الخراج" له وسيأتى ومثله عن عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه من قوله والحمد
لله الذى بنعمته وجلاله وعزته تتم الصالحات.
وبعد ذلك فنقول: إن قوله تعالى: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة
مؤمنة﴾ يدل على أنه إذا أسلم الحربى فأقام ببلادهم وهو يقدر على الخروج فليس بمسلم قضاء فى
أحكام، بل يحكم عليه بما يحكم على أهل الحرب فى ماله ونفسه وإنما هو مسلم ديانة فيما بينه
وبين الله تعالى. ومن ادعى أن قوله تعالى: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم﴾ الآية إنما كان فى صلح
النبى معَِّ أهل بمكة لأن من لم يهاجر لم يورث لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة قال الله تعالى:
﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا﴾ ثم نسخ ذلك بقوله:
﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله﴾ فقد ادعى لنسخ حكم ثابت فى القرآن بلا
دليل، وليس فى نسخ التوارث بالهجرة وإثباته بالرحم ما يوجب نسخ هذا الحكم، بل هو حكم
ثابت بنفسه لا تعلق له بالميراث على أنه فى حال ما كان التوارث بالهجرة. قد كان من لم يهاجر

١٥٢
حكم من أسلم فى دار الحرب بعد غلبة المسلمين
ج - ١٢
أخرجه سعيد بن منصور قال صاحب التنقيح: "وهو مرسل صحيح (زيلعى ١٣٢:٢).
من القرابات يرث بعضهم بعضا، وإنما كانت الهجرة قاطعة للميراث بين المهاجر، وبين من
لم يهاجر، فأما من لم يهاجر فقد كانوا بتوارثون بأسباب آخر، (من الرحم والقرابة غير الهجرة)
فلو كان الأمر على ما قال مالك لوجب أن تكون ديته واجبة لمن لم يهاجر من أقربائه. لأنه معلوم
أنه لم يكن ميراث من لم يهاجر مهملا لا مستحق له. فلما لم يوجب الله تعالى له دية قبل الهجرة
لا للمهاجرين ولا بغيرهم. علمنا أنه (كان سقوط ديته لأجل أنه) كان مبنى على حكم الحرب
لا قيمة لدمه (وماله بالأحرى)، وقوله تعالى: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم﴾ يفيد أن من لم يهاجر
فهو من أهل دار الحرب باق على حكمه الأول فى أن لا قيمة لدمه، وإن كان مخطورا. فنسبة الله
تعالى إليهم بعد الإسلام إذا كان من أهل ديارهم. ودل بذلك على أن لا قيمة لدمه (وماله
بالأحرى)، كذا فى "أحكام القرآن" (٢٤٣:٢) للجصاص. ومقتضى ذلك أن يكون المسلم المقيم
فى دار الحرب وماله وأولاده الصغار والكبار جمیعا فيئا للمسلمین(١)، ولكنا تر کنا له نفسه وما
كان بيده حقيقة وجعلناه أولاده الصغار أحرارا بقوله مرّ ◌ُله: ((من أسلم على شىء فهو له)) وهو وإن
كان من أخبار الآحاد، ولكن الأمة قد تلقته بالقبول، وأجمعت على العمل به فصار كالمتواتر
والمشهور فى جواز تخصيص النص به ولا يخفى أن قوله مّ لّ هذا لا يفيد إلا إحرازه لما كان
مستوليا عليه بالاستيلاء التام وقت إسلامه بدلالة لفظة على فإنها تقتضى الاستعلاء ولا إستيلاء
للمرأ على نفسه وما بيده حقيقة إلا على عبيده وأولاده الصغار، وأما زوجته وأولاده الكبار وعقاره
فلا استيلاء له عليه حقيقة. أما الأولان فظاهر فقد أجمعوا على كون زوجته وأولاده الكبار فيئا
للمسلمين إذا ظهروا على الدار. وأما العقار فلا تثبت عليه يد المالك حقيقة لكونه فى يد أهل الدار
رسلطانها إذ هو من جملة دار الحرب فلم يكن فى يده إلا حكما، ودار الحرب ليست دار أحكام
وكانت يده عليه غير معتبرة قبل ظهور المسلمين على الدار وبعد ظهورهم يدهم أقوى من يد أهل
الدار وسلطانها لأنها جعلت شرعا سالبة لما فى أيديهم، فافهم.
قال الموفق فى "المغنى": "إذا أسلم الحربى فى دار الحرب حقن ماله، ودمه وأولاده الصغار
من السبى (لم يذكر فيه خلافا) وإن دخل دار الإسلام فأسلم وله أولاد صغار فى دار الحرب صاروا
(١) فإن سقوط دية نفسه يدل على عدم تقومها ومن لا قيمة لنفسه لا قيمة لماله بالأولى، ووجوب الكفارة فى قتله خطأ، إنما دل
على الخطر عن قتله دون استرقاقه كالأسير يسلم بعد الأسر، فالإسلام يحرز نفسه ولا يمنع استرقاقه، فافهم.

١٥٣
حكم من أسلم فى دار الحرب بعد غلبة المسلمين
إعلاء السنن
ورواه ابن عدى والبيهقى عن أبى هريرة مرفوعا بسند ضعيف العزيزى (٣٠٩:٣)
مسلمين ولم يجز سبيهم. وبه قال مالك والشافعى والأوزاعى. وقال أبو حنيفة: ما كان فی یدیه
من ماله ورقيقه ومتاعه وولده الصغار ترك له وما كان من أمواله (وأولاده الكبار) جاز سبيهم
قال: وإذا أسلم الحربى فى دار الحرب وله مال وعقار فظهر المسلمون على ماله وعقاره لم يملكوه
وكان له، وبه قال مالك والشافعى، وقال أبو حنيفة: يغنم العقار، وأما غيره فما كان فى يده أو
يد مسلم (أو معاهد) لم يغنم، واحتج بأنها بقعة من دار الحرب فجاز اغتنامها ولنا أنه مال
مسلم إلخ" (٤٨٦:١٠)
وبالجملة فقد احتج جمهور العلماء بقوله عّ لّه: ((من أسلم على شىء فهو له)) وإن اختلفوا
فى تأويله فثبت بذلك أنه مما تلقته الأمة بالقبول فافهم! وفى "نيل الأوطار": وقد ذهب الجمهور
إلى أن الحربى إذا أسلم طوعا كانت جميع أمواله فى ملكه، ولا فرق بين أن یکون إسلامه فى
دار الإسلام أو دار الكفر على ظاهر الدليل. (قلت: ممنوع بل الدليل فارق بينهما فإن من دخل
دار الإسلام مستأمنا ثم أسلم لم يكن إسلامه إلا على شىء هو عنده فى دار الإسلام لا على ما كان
له فى دار الحرب لانقطاع ولايته عنه بتباين الدارين وهذا مما لا شك فيه) وقال بعض الحنفية: إن
الحربى إذا أسلم فى دار الحرب وأقام بها حتى غلب المسلمون عليها فهو أحق بجميع ماله إلا أرضه
وعقاره، فإنها تكون فيئا للمسلمين وقد خالفهم أبو يوسف فى ذلك فوافق الجمهور. قالوا: وإن
كان إسلامه فى دار الإسلام كانت أمواله (التى بدار الحرب) جميعا فيئا من غير فرق بين المنقول
وغيره إلا أطفاله، فإنه لا يجوز سبيهم (قلت: قد تسامح رحمه الله فى نقل مذهبهم، فإن أطفاله
الذین بدار الحرب إنما لا يجوز سبیهم إذا کان قد أسلم فی دار الحرب ثم خرج بنفسه إلى دار
الإسلام. وأما إذا أسلم بعد دخوله دار الإسلام مستأمنا، فأولاده الصغار تكون فيئا للمسلمين إذا
ظهروا على الدار فتذكر)، قال: ويدل على ما ذهب إليه الجمهور أنه يعد له أقر عقيلا على تصرفه
فيما كان لأخويه على وجعفر، وللنبى معَّه من الدور والرباع بالبيع وغيره، ولم يغير ذلك،
ولا انتزاعها ممن هى فى يده لما ظفر فكان ذلك دليلا على تقرير من بيده دار أو أرض إذا أسلم
وهى فى يده بطريق الأولى اهـ (٢١٤:٧).
قلت: أما تقريره عقيلا على تصرفه بالبيع ونحوه فى أموال أخويه وأموال النبى عّ لّه، فلأن
ذلك كان منه بطريق الاستيلاء واستيلاء الكافر على مال المسلم بدار الحرب سبب لملكه لكون
الدار تنسب إليهم والسلطان سلطانهم وأما أنه عّ لّ أقر من أسلم من أهل مكة على ما بيده من دار

ج - ١٢
حكم من أسلم فى دار الحرب بعد غلبة المسلمين
١٥٤
والضعيف إذا تأيد بمرسل صحيح تقوى كما مر فى المقدمة.
أو أرض فلأن النبى معَِّ من على أهل مكة بعد ما فتحها عنوة ولا نزاع فى ذلك، وإنما النزاع فيما
إذا لم يمن الإمام على أهل الدار وجعلها فيئا للمسلمين. وأيضا فإن من أسلم منهم إنما أسلم بعد ما
صارت مكة دار الإسلام، ولا خلاف فى أن الحربى إذا أسلم فى دار الإسلام ملك أمواله التى هى
فيها بأجمعها منقولا كان أو غيره. فلا دليل فيه للجمهور أحدا منهم كان قد أسلم قبل الفتح وأقام
بمكة ولم يجعل النبى عّ لّه ارضه وعقاره فيئا للمسلمين ما لم يثبت أن بعد ما افتتحها ودون إثباته
خرط القتاد، فإن كل من كان أسلم قبل الفتح كان قد هاجر إلى النبى معَّه، وما أذن الله لنبيه
فى قتال أهل مكة إلا بعد ما تزيل المسلمون. قال تعالى: ﴿ولو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم
عذابا أليما﴾.
قال الحافظ: ولكنه أى الاستدلال بقوله عّ لّه ((وهل ترك لنا عقيل منزلا)) إلخ. مبنى على أن
مكة فتحت عنوة والمشهور عند الشافعية أنها فتحت صلحا - إلى أن قال- وقال المهلب: وقد اتفق
الفقهاء على أن من أسلم من أهل الصلح، فهو أحق بأرضه، ومن أسلم من أهل العنوة فأرضه فىء
للمسلمين، لأن أهل العنوة قد غلبوا على بلادهم كما غلبوا على أموالهم بخلاف أهل الصلح فى
ذلك، كذا فى "فتح البارى" (١٢٣:٦). قال الحافظ: وفى نقل الاتفاق نظر لما بينا أول الباب اهـ.
أى من الاختلاف فى من أسلم من أهل الحرب ثم ظهر المسلمون على الدار عنوة.
قلت: وأما من أسلم من أهل الصلح فلا خلاف فى أنه أحق بأرضه وماله. ومكة قد فتحت
عند الشافعية صلحا، فليس لهم أن يلزمونا بتقريره مرّ أهلها على ديارهم وأراضيهم فافهم!
واحتج البخارى للجمهور بما رواه عن زيد بن أسلم عن أبيه ((أن عمر بن الخطاب استعمل
مولی له يدعى هنيا على الحمى (بين ابن سعد من طريق عمير بن هنى عن أبيه أنه كان علی حمی
الربذة(١) فتح)، فقال: يا هنى! أضمم جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المسلمين (وفى رواية غيره
دعوة المظلوم) - إلى أن قال- وأيم الله! إنهم ليرون أنى قد ظلمتهم أنها لبلادهم قاتلوا عليها فى
الجاهلية وأسلموا عليها فى الإسلام. ولو لا المال الذى أحمل عليه فى سبيل الله ما حميت عليهم
من بلادهم شبرا)) كذا فى "فتح البارى" (١٢٢:٧). ولا حجة فيه أصلا. فإن الربذة من عمل
المدينة كما قاله المجد وأهل المدينة قد أسلموا عفوا وطوعا وكانت أموالهم. وهذا معنى قول عمر:
(١) وهى من عمل المدينة على ثلاثة أيام منها، قاله المجد كذا فى "وفاء الوفاء" (٢٢٧:٢).

١٥٥
حكم من أسلم فى دار الحرب بعد غلبة المسلمين
إعلاء السنن
"وأسلموا عليها فى الإسلام" ولا نزاع فى أهل الصلح كما تقدم وإنما ساع لعمر رضى الله عنه أن
يجعل بعض الربذة حمى، لأنه كان مواتا فحماه لنعم الصدقة لمصلحة عموم المسلمين قاله الحافظ
فى "الفتح" (١٢٣:٧) ومن أحبى أرضا مواتا فهى له إذا أحياها بإذن الإمام وإلا فهى إلى الإمام
يتصرف فيها حسب ما يراه أنفع للمسلمين كما سيأتى فى باب إحياء الموات. وإن سلمنا أنها
فتحت عنوة فلا دليل أن بعض أهلها قد أسلموا قبل الفتح وأقروا على أرضهم وديارهم، ومن ادعى
فليأت على ذلك ببرهان! فإن الظاهر من صنيع عمر رضى الله عنه أنه جعل الأرض فيئا للمسلمين
حيث حماها لنعم الصدقة، والله تعالى أعلم.
واحتجوا أيضا بحديث صخر بن العيلة البجلى قال: ((فر قوم من بنى سليم عن أرضهم
فأخذتها فأسلموا وخاصمونى إلى النبى عّ لّ فردها. وقال: إذا أسلم الرجل فهو أحق بأرضه
وماله)). ذكره الحافظ فى "الفتح" (١٢٢:٧)، وسكت عنه ولا حجة فيه للجمهور، فإنه لا يوافق
مذهبهم كما لا يوافق مذهبنا أيضا لما فيه أن القوم أسلموا بعد ما هربوا وظهر المسلمون على
ديارهم وقد أجمعوا على كون الأرض فيئا للمسلمين والحال هذه ولم يقل أحد من فقهاء الأمصار
بأن المشركين لو هربوا من ديارهم فزعا من المسلمين وظهر على أرضهم ثم أسلموا من بعد أنهم
يحرزون أموالهم وأرضهم بإسلامهم المتأخر عن الفتح. والحديث أخرجه أبو داود فى "سننه"
مفصلا بلفظ: ((أن رسول الله عَّ غزا ثقيفا، فلما أن سمع ذلك صخر ركب فى خيل يمد
النبى معَّهِ، فوجد نبى الله عّ لّه قد انصرف ولم يفتح فجعل صخر حينئذ عهد الله وذمته أن
لا يفارق هذا القصر حتى ينزلوا على حكم رسول الله عّ لّ فلم يفارقهم حتى نزلوا على حكم
رسول الله عَّله. فكتب إليه صخر: أما بعد! فإن ثقيفا قد نزلت على حكمك يا رسول الله! وأنا
مقبل إليهم، وهم فى خيل. فأمر رسول الله عَ له بـ "الصلاة جامعة" فدعا لأحمس عشر دعوات.
اللهم بارك لأحمس فى خيلها ورجلها، وأتاه القوم فتكلم المغيرة بن شعبة. فقال: يا نبى الله! إن
صخرا أخذ عمتى ودخلت فيما دخل فيه المسلمون، فدعاه فقال: يا صخر! إن القوم إذا أسلموا
أحرزوا دماءهم وأموالهم، فادفع إلى المغيرة عمته فدفعها إليه. وسأل نبى الله عَ ليه ماء لبنى سليم
قد هربوا عن الإسلام وتركوا ذلك الماء. فقال: يا نبى الله! أنزلنيه أنا وقومى. قال: نعم! فأنزله
وأسلم يعنى المسلمين. فأتوا صخرا فسألوه أن يدفع إليهم الماء، فأبى. فأتوا النبى معَ له فقالوا: يا نبى
الله! أسلمنا وأتينا صخرا ليدفع إلينا ماءنا فأبى علينا. فدعاه فقال: يا صخر! أن القوم أحرزوا

١٥٦
حكم من أسلم فى دار الحرب بعد غلبة المسلمين
ج - ١٢
أموالهم ودماءهم فادفع إلى القوم ماءهم قال: نعم يا نبى الله فرأيت وجه رسول الله عَ لّه يتغير عند
ذلك حمرة حياء من أخذه الجارية وأخذه الماء" اهـ.
قال الخطابي: يشبه أن يكون أمره برده الماء عليهم إنما هو على معنى استطابة النفس ولذلك
کان یظهر فى وجهه أثر الحیاء. والأصل أن الكافر إذا هرب عن ماله، فإنه یکون فیئا فإِذا صار فيئا
وقد ملكه رسول الله مرّ له، ثم جعله لصخر فإنه لا ينتقل ملكه عنه إليهم بإسلامهم فيما بعد، ولكنه
استطاب نفس صخر عنه. ثم رده عليهم تألفا على الإسلام وترغيبا لهم فى الدين، والله أعلم.
(قلت: ولكن احتجاجه مرّ بقوله: إن القوم إذا أسلموا أحرزوا أموالهم ودماءهم يأبى أن
يكون أمره بذلك على معنى استطابة النفس) قال: وأما رد المرأة فقد يحتمل أن يكون على هذا
المعنى أيضا كما فعل ذلك فى سبى هوازن، بعد أن استطاب أنفس الغانمين عنها، وقد يحتمل أن
يكون الأمر فيها بخلاف ذلك لأن القوم إنما نزلوا على حكم رسول الله مرّ. فكان الصبى والمال
والدماء موقوفة على ما يريه الله عز وجل فيهم، فرأى رسول الله عَّ ه أن يرد المرأة وأن لا تسبى اهـ
من "عون المعبود" (١٤١:٣). قلت: فهذا الحديث، كما ترى قد أشكل على الفقهاء كلهم،
ولم يتنبه الحافظ ولا الشو کانی، حین احتجابه للجمهور على ما فيه من الإشکال.
والذى ترجح عندى أن يقال: إن القوم حين نزلوا على حكم رسول الله عَ ليه وعدهم أن
من أسلم منهم أحرز نفسه، وماله، وأرضه، وأهله جميعا، كما فى "سيرة ابن هشام" ((أن رسول
الله ◌َِّ سأل وفد هوازن عن ملك بن عوف ما فعل؟ فقالوا: هو بالطائف مع ثقيف. فقال رسول
الله ◌َّ: أخبروا مالكا أنه إن أتانى مسلما رددت إليه أهله وماله وأعطيه مائة من الإبل فلحق
برسول الله عَّ فأدر كه بالجغرانة أو بمكة فرد عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل)) اهـ (٢٤٩:٢).
ولا يخفى أن مالك بن عوف لم يسب قط وإنما جاء مسلما بعد ما سبيت أهله واسترقت
قبل مجيئه بأيام وإسلام الرجل لا يحرز عليه امرأته ولا أولاده الكبار إجماعا لا سيما إذا كان
إسلامه متأخرا عن أسر زوجة واسترقاقها، وإنما رد رسول الله عَ لّه على مالك بن عوف أهله للوعد
الذى وعده على وجه المن عليه. فيحتمل أن يكون رسول الله عّ لّه وعد كذلك لثقيف كلها، إن
من أسلم منهم يحرز ماله وأرضه وأهله جميعا. فأسلموا عن آخرهم واستحقوا بذلك أرضهم(١)
(١) يدل على ذلك كتاب رسول الله عَ ظله لثقيف ذكره أبو عبيد فى "كتاب الأموال".

١٥٧
حكم من أسلم فى دار الحرب بعد غلبة المسلمين
إعلاء السنن
وديارهم وأموالهم بقوله عرّ للصخر: ((إن القوم إذا أسلموا أحرزوا أموالهم ودماءهم)) وفى رواية
((أن الرجل إذا أسلم فهو أحق بأرضه وماله)) ليس حكما عاما، بل المراد بالقوم هذا القوم بعينه
وبالرجل الرجل منهم لما ذكرنا والله تعالى أعلم. وهذا ليس من باب المن على الأسير بل من باب
المن على المحارب قبل الأسر إذا نزل على حكم الإمام، فافهم.
واحتجوا أيضا بما رواه مسلم وغيره مرفوعا ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا
الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)) الحديث (٣٧:١).
قلت: إن خليناه وظاهر إطلاقه لزم أن يحرز الأسير نفسه وأمواله إذا أسلم بعد أسره ولم يقل
به أحد من فقهاء الأمصار فهو مقيد بالإجماع بما إذا قالوها قبل الظهور عليهم، وقيدناه بالدلائل
التى مر ذكرها بما إذا أسلموا طوعا قبل ظهور المسلمين عليهم، فإنهم يعصمون دماءهم وأموالهم
بأجمعها وأما إذا أسلم بعضهم ولم تصر الدار دار الإسلام إلا بعد القتال، فلا يحرز المسلم
منهم إلا نفسه وأولاده الصغار وما بيده من المال حقيقة ولا يحرز عقاره كما لا يحرز زوجته
وأولاده الكبار، فافهم.
واحتجوا أيضا بما رواه ابن إسحاق فى إسلام نفر من بنى قريظة حين كان رسول الله عَ ليه
محاصرا لهم، فأحرزوا بذلك أموالهم وأنفسهم. قال أبو يوسف: وعامة أموالهم الدور.
والأراضى، وقد تقدم ذلك فى كلام "المبسوط".
قلت: لا حجة لهم فيه، فإن لفظ ابن إسحاق فى المغازى بعد ما ذكر الحديث مطولا ((فلما
كانت الليلة التى افتتحت فيها قريظة قال أولئك الفتية الثلاثة: يا معشر يهود! والله إنه الرجل الذى
كان ذكر لكم ابن الهيبان (رجل من علماء يهود كان يبشر قومه بخروج النبى معَ ◌ّة) قالوا: ما هو؟
قالوا: بلى والله إنه لهو. قال: فنزلوا وأسلموا وكانوا شبابا، فخلوا أموالهم وأولادهم وأهليهم
فى الحصن مع المشركين فلما فتح رد ذلك عليهم)) اهـ. ورواه البيهقى، كذا فى "التلخيص
الحبير" (٣٧٣:٢).
وقد أجمعوا على أن الحربى إذا أسلم فى دار الحرب لا يحرز بذلك أهله وزوجته. سواء أقام
بها أو خرج بنفسه إلى دار الإسلام. فإما أن يرد حديث ابن إسحاق هذا كله أو يقال إن رسول
الله عَّه من عليهم يتألفهم على الإسلام فرد عليهم أهليهم وعقارهم لذلك لا لأنهم أحرزوا ذلك
كله بإسلامهم وهذا مما لا نزاع فيه، كما تقدم.

ج - ١٢
حكم من أسلم فى دار الحرب بعد غلبة المسلمين
١٥٨
٣٩٠٩- عن عروة ((أن النبى عّ لّه حاصر بنى قريظة فأسلم ثعلبة وأسيد بن سعية،
فأحرز لهما إسلامهما أموالهما وأولادهما الصغار)). أخرجه سعيد بن منصور برجال
ثقات، (نيل الأوطار ٢١٤:٧).
٣٩١٠- حدثنا حفص بن غياث عن ابن أبى ذئب عن الزهرى قال: ((قضى
رسول الله عَّه فيمن أسلم من أهل البحرين أنه قد أحرز دمه وماله إلا أرضه فإنها فىء
قوله: "عن عروة إلخ". قلت: دلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهره والمراد بالأموال ما
كان منها بأيديهم منقولا أو ما أودعوه مسلما أو معاهدا. وأما العقار والأراضى فلا. وقوله:
"وأولادهما الصغار" دليل على أن إسلام الحربى لا يحرز عليه أولاده الكبار وهو إجماع الفقهاء.
قال الموفق فى "المغنى": فأما أولاده الكبار فلا يعصمهم، لأنهم لا يتبعونه ولا يعصم زوجته لذلك
فإن سبيت صارت رقيقا إلخ (٤٧٦:١٠). ولم يذكر فيه خلافا وعادته ذكر الاختلاف والمختلفين
فى موضع الخلاف.
قوله: "حدثنا حفص بن غياث إلخ". قلت: حجة صريحة لأبى حنيفة فى قوله: "إن الحربى
لا يحرز بإسلامه داره وعقاره" وقوله: "لأنهم لم يسلموا وهم ممتنعون" دليل لقول الإمام إن الید
لا تثبت على العقار إلا بمنعة الدار وقوة سلطانها، وما كان فى منعته فهو فىء للمسلمين اتفاقا. وفى
معنی مرسل الزهری هذا أثر عن عمر بن عبد العزیز رضی الله عنه من قوله أخرجه یحیی بن آدم فی
"كتاب الخراج" له (ص ٦٢) حدثنا إسماعيل بن عياش الشامى عن عبد الله البهرانى (الحمصى
ويقال: إنه دمشقى، تهذيب) عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب من أسلم من أهل الأرض فله ما
أسلم عليه من أهل ومال، وأما داره وأرضه فإنها كائنة فى فىء الله على المسلمين اهـ) قال المحشى:
فيه عبد الله بن دينار البهرانى، وهو ضعيف اهـ. قلت: ليس هو ممن أجمع على ضعفه، قال الحاكم:
أبو عبد الله عن أبى على الحافظ هو عندى ثقة. وذكره ابن حبان فى الثقات وقال أبو زرعة: شيخ
ربما أنكراهـ ملخصا من "التهذيب" (٢٠٣:٥). فالأثر حسن الإسناد، والرجل حسن الحديث
على الأصل الذى مر ذكره غير مرة، وقد ذكرناه فى "المقدمة": أن المرسل إذا تأيد بفتيا عالم من
الصحابة والتابعين صلح للاحتجاج به عند الكل. فمرسل الزهرى هذا حجة على الشافعية
وغيرهم، لكونه متأيدا بقول عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد المجمع على إمامته، وورعه و دينه
وعلمه بالشرائع. والمراد بالأهل فى قوله: "ولده" الصغار دون زوجته وأولاده الكبار إذا لم يسلموا
بدليل الإجماع الذى مر ذكره. ولقد أغلظ ابن حزم القول فى أبى حنيفة رحمه الله لأجل هذه

١٥٩
حكم من أسلم فى دار الحرب بعد غلبة المسلمين
إعلاء السنن
للمسلمين لأنهم لم يسلموا وهم ممتنعون)). أخرجه يحيى بن آدم فى "كتاب الخراج" له
(٤٤٩- ٤٥٠) وفى الباب أثر عن عمر بن عبد العزيز ذكرناه فى "الحاشية"، وأثر
المسألة وأساء الأدب فى حقه، ولو اطلع على مرسل الزهرى وأثر عمر بن عبد العزيز فى هذا الباب،
لعلم أن فوق كل ذی علم عليم، وندم على ما تفوه به فی أبى حنيفة من کلم وخیم، وظن به خيرا
وقال: سبحانك هذا بهتان عظيم، والله الموفق والمعين.
فإن قيل: إن مرسل الزهرى وفتيا عمر بن عبد العزيز ليسا فى أهل الحرب، بل فى أهل
الذمة. فإن أهل البحرين صالحوا النبى معَّ له وأدوا الجزية، وكذا أهل السواد فتحت أرضهم عنوة،
ثم ردها عمر بن الخطاب إليهم وملكهم إياها وصالحهم على الجزية والخراج. قلنا: فازداد قول أبى
حنيفة قوة على قوة، لأن أهل الذمة لهم عهد وذمة، فلما لم يحرزوا بإسلامهم أرضهم وديارهم،
فأهل الحرب الذين لا عهد لهم ولا ذمة أولى بأن لا يحرزوا ياسلامهم أرضهم وديارهم ويكون
كل ذلك فى فىء الله على المسلمين. قال ابن حزم فى "المحلى": "وذكر بعضهم ما روينا من طريق
أبى عبيد عن أبى الأسود المصرى عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب أن عمر كتب إلى سعد بن
أبى وقاص: من أسلم قبل القتال فهو من المسلمين، له ما للمسلمين، وله سهم فى الإسلام، ومن
أسلم بعد القتال أو الهزيمة فماله فىء للمسلمين، لأنهم قد أحرزوه قبل إسلامه".
قال ابن حرم: وأما الرواية عن عمر رضى الله عنه فساقطة، لأنها منقطعة لم يولد يزيد بن
أبى حبيب إلا بعد موت عمر رضى الله عنه بدهر طويل. وفيها ابن لهيعة وهو لا شىء، ثم لو
صحت لما كان لهم فيها متعلق بل هى موافقة لنا وخلاف لقولهم لأن نصها من أسلم قبل القتال
فهو من المسلمين، له ما للمسلمين فصح بهذا أن ما له كله له حيث كان له، كما كان لكل مسلم
فأعجبوا لتمويههم وتدليسهم بما هو عليهم ليضلوا به من اغتر بهم اهـ (٧: ٣١١).
قلت: أما قوله: "إن الرواية عن عمر منقطعة" فنعم! وأما "أنها ساقطة" فلا. فإن لها
شواهد، والمرسل إذا تأید بمرسل آخر أو بموصول، ولو ضعيفا صلح للاحتجاج به عند الكل كما مر
غير مرة! وأما قوله: "إن ابن لهيعة لا شىء" فمن إطلاقاته المردودة، بل هو حسن الحديث وثقه غير
واحد، واحتج به أبو داود والترمذى، وصحح له أحاديث وله عند مسلم فى صحيحه بعض شىء
مقرون. وأما قوله: "ثم لو صحت لما كان لهم فيها متعلق" وقوله: "فصح بهذا أن ما له كله له
حیث کان له كما كان لكل مسلم إلخ". ففيه أنه يستلزم أن لا تكون امرأته وأولاده الكبار فيئا
للمسلمين إن سبوا فإن امرأة المسلم وأولاده لا يكونون فيئا أبدا، وقد نص عمر على "أن هذا المسلم

ج - ١٢
حكم من أسلم فى دار الحرب بعد غلبة المسلمين
١٦٠
الزهرى هذا مرسل صحيح، والمرسل حجة عندنا وإذا تأيد بفتيا عالم من الصحابة
والتابعين فهو حجة عند الكل، وهذا كذلك.
من المسلمين، وله ما لهم إلخ" وأنت تقول: إن امرأة مثل هذا المسلم، وأولاده الكبار فىء إن سبوا،
وهى رقيق لمن وقعت فى سهمه فقد جعلته مسلما فى بعض الأحكام، كافرا فى بعضها، وأبطلت
عموم قول رضى الله عنه: "هو من المسلمين له ما للمسلمين إلخ" فانظر من هو المدلس والمموه بما
هو عليه. هذا وقد اشتهر من مذهب عمر رضى الله عنه أنه لم يكن يرى قسمة الأراضى المفتتحة
عنوة، فكيف يملك من أسلم قبل القتال والفتح أرضا لا يملكها المسلمون بعد القتال والفتح عنده
وإن كان كذلك فقد استحق مثل هذا المسلم ما لم يستحقه المسلمون وزادهم فى الاستحقاق،
فلا يصلح قول عمر: هو من المسلمین له ما للمسلمین) للاحتجاج على ذلك، بل لا بد له من نص
آخر يدل على زيادة استحقاقه من غيره من المسلمين، فافهم.
ولو أقذعنا فى الكلام كما هو دأب ابن حزم، وديدنه لكان لنا وله شأن، ولكنا نسأل الله
الأدب ونعوذ به من الخذلان، ومع ذلك کله فالراجح الصحیح عندنا قول ابی یوسف رحمه الله،
وهو قول الجمهور من الأئمة إن من أسلم على شىء فهو له، سواء كان منقولا أو غير منقول دارا
كان أو عقارا، سوى زوجته وأولاده الكبار، فإنهم لا يتبعونه وذلك لقوة الحجة فإن حجة أبى
حنيفة دقيقة جدا. أما الاستدلال بالآية أى قوله تعالى: ﴿وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن
فتحرير رقبة مؤمنة﴾ فإنها وإن دلت على سقوط القصاص والدية عن قاتل المسلم الذى لم يهاجر
إلينا، ولكن لقائل أن يقول: إن سقوط الدية لا يدل على زوال صفة التقوم عن أمواله، فإن وجوب
الدية ليس لتقوم النفس، بل لإظهار شرفها وعزتها وتكرمها شرعا، وليس دار الحرب محل هذا
الإظهار، وإنما محله موضع ظهر فيه الإسلام وأحكامه. وأما مرسل الزهرى فقد اطلعنا له على علة
فإن أبا عبيد أخرجه فى "الأموال"، حدثنا يزيد بن هارون عن ابن أبى ذئب عن الزهرى قال: ((قبل
رسول الله عّ لّه الجزية من محبوس البحرين)). قال الزهرى: فمن أسلم منهم قبل إسلامه وأحرز
نفسه وماله إلا الأرض، فإنها فىء للمسلمين من أجل أنه لم يسلم أول مرة وهو فى منعة اهـ
(ص١٥٥) فتراه قد فصل قوله: فمن أسلم منهم إلخ عن قول رسول الله مرّ له، فدل ذلك على أنه
من قول الزهرى، لا من قول النبى عرّ ته. وأيضا فقد ذكرنا أن أثر الزهرى وعمر بن عبد العزيز إنما
وردا فى أهل الذمة، دون أهل الحرب، ويجوز أن يكون الذمى من أهل البحرين والسواد إذا أسلم
لم يترك له أرضه وعقاره ملكا له، لكون المسلمين قد ظهروا على الدار وفتحوها عنوة، ثم ردوها