Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
ج - ١٢
باب أن مكة فتحت عنوة لا صلحًا
٣٨٧٢ - عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: أقبل النبى معَّ له حتى قدم مكة، فبعث
الزبير على إحدى المجنبتين وبعث خالدا على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على
الحسر، فأخذ بطن الوادى. والنبى معَّه فى كتيبة، فنظر فرآنى فقال: أبو هريرة! قلت:
لبيك يا رسول الله! فقال: اهتف! لا يأتينى الأنصارى، فأطافوا به ووبشت قريش من
أوباش لها وأتباع. فقالوا: نقدم هؤلاء فإن كان لهم شىء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا
ذلك لهم، لأن ذلك لو كان لهم لما عدل عنهم إلى غيرهم ولنا زعوه فى احتجاجه بالآية فى قوله:
﴿كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم) وقوله: ﴿والذين جاؤوا من بعدهم﴾ فلما سلم له الجميع
رأيه عند احتجاجه بالآية دل على أن الغانمين لا يستحقون ملك الأرضين إلا باختيار الإمام ذلك
لهم. وأيضا لا يختلفون أن للإمام أن يقتل الأسرى من المشركين ولا يستبقيهم، ولو كان ملك
الغانمین قد ثبت فیهم لما کان له إتلافه علیہم کما لا يتلف علیهم سائر أموالهم. فلما كان له أن
يقتل الأسرى وله أن يستبقيهم، ثبت أن الملك لا يحصل للغانمين بإحراز الغنيمة فى الرقاب
والأرضين، إلا أن يجعلها الإمام لهم. ويدل على ذلك ما روى الثورى عن يحيى بن سعيد عن
بشير بن يسار فذكر ما ذكرناه فى المتن، ويدل عليه أيضا حديث سهل بن أبى صالح عن أبيه عن
أبى هريرة: ((منعت العراق قفيزها ودرهمها)) الحديث وهو مذكور فى المتن أيضا قال: فأخبر عليه
السلام عن منع الناس لهذه الحقوق الواجبة لله تعالى فى الأرضين، وأنهم يعودون إلى حال الجاهلية
فى ذلك، وذلك يدل على صحة قول عمر رضى الله عنه فى السواد وأن ما وضعه هو عليها يجب
أداؤها. ويدل عليه أن النبى عّ لِّ فتح مكة عنوة ومن على أهلها فأقرهم على أملاكهم فقد حصل
بدلالة الآية وإجماع السلف والسنة تخبير الإمام فى قسمة الأرضين أو تركها ملكا لأهلها، ووضع
الخراج عليها اهـ (٣: ٤٣١).
باب إن مکة فتحت عنوة لا صلحا
قوله: "عن أبى هريرة إلخ". دلالته على معنى الباب ظاهرة. قال العلامة ابن القيم فى "زاد
المعاد": "والذى يدل على أن مكة فتحت عنوة وجوه: أحدها أنه لم ينقل أحد قط أن النبى معَ لّه
صالح أهلها زمن الفتح ولا جاءه أحد منهم صالحه على البلد، وإنما جاءه أبو سفيان فأعطاه الأمان
لمن دخل داره، أو أغلق بابه، أو دخل المسجد، أو ألقى السلاح، ولو كانت قد فتحت صلحا
لم يقل: من دخل داره أو أغلق بابه، أو دخل المسجد فهو آمن. فإن الصلح يقتضى الأمن العام.

١٠٢
باب إن مكة فتحت عنوة لا صلحا
إعلاء السنن
الذى سألنا فقال عَّه: ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم، ثم قال بيديه إحداهما على
الأخرى -زاد فى رواية- وقال: احصدوهم حصدا، ثم قال: حتى توافونی بالصفاء،
فانطلقنا فما شاء أحد من أن يقتل أحدا إلا قتله وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا فجاء أبو
سفيان فقال: يا رسول الله! أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم، قال: من دخل دار
أبى سفيان فهو آمن فأقبل الناس إلى دار أبى سفيان، وأغلق الناس أبوابهم الحديث رواه
الثانى أن النبى معَّ ◌ُّه قال: إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وأنه أذن لى
فيها ساعة من نهار. وفى لفظ ((أنها لم تحل لأحد قبلى ولا تحل لأحد بعدى، وإنما أحلت لى ساعة
من نهار)) وفى لفظ "فإن أحد ترخص لقتال رسول الله عَّ له فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن
لكم، وإنما لى ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم، كحرمتها بالأمس".
وهذا صريح فى أنها فتحت عنوة وأيضا فإنه قد ثبت فى الصحيح. أنه جعل يوم الفتح خالد
ابن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، فذكر حديث أبى هريرة المذكور
فى المتن. ثم قال: وأيضا فإن أم هانئ أجارت رجلا فأراد على بن أبى طالب قتله، فقال رسول
الله عَّه: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ! فإجارتها له وإرادة على قتله وتنفيذ النبى عدّ له: إجارتها
وذلك ضحى بجوف مكة بعد الفتح صريح فى أنها فتحت عنوة، وأيضا فإنه معدّ لّه أمر بقتل مقيس
بن صبابة وابن خطل وجاريتين، ولو كانت فتحت صلحا لم يأمر بقتل أحد من أهلها، أو لكان
ذكر هؤلاء مستثنى من عقد الصلح اهـ ملخصا (٣٢٦:١).
وفيه أيضا: وأما مكة ففتحها عنوة ولم يقسمها فأشكل على كل طائفة من العلماء الجمع بين
فتحها عنوة وترك قسمتها. فقالت طائفة: لأنها دار المناسك، وهى وقف على المسلمين كلهم، وهم
فيها سواء فلا يمكن قسمتها. ثم من هؤلاء من منع بيعها وإجارتها. ومنهم من جوز بيع رباعها
ومنع إجارتها والشافعى رحمه الله لما لم يجمع بين العنوة وبين عدم القسمة قال: إنها فتحت
صلحا، فلذلك لم تقسم.
قال: ولو فتحت عنوة لكانت غنيمة فيجب قسمتها كما تجب قسمة الحيوان، والمنقول.
ولم ير بأسا من بيع رباع مكة، وإجارتها واحتج بأنها ملك لأربابها تورث عنهم وتوهب وقد
أضافها الله سبحانه إليهم إضافة الملك إلى مالكه، واشترى عمر بن الخطاب دارا من صفوان بن أمية
وقيل للنبى معَّ ◌ُلّه أين تنزل غدا فى دارك بمكة؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من رباع، فكان عقيل
ورث أبا طالب. فلما كان أصله رضى الله عنه أن الأرض من الغنائم وأن الغنائم تجب قسمتها، وأن

ج - ١٢
باب إن مکة فتحت عنوة لا صلحا
١٠٣
مسلم، وفى رواية لأبى داود: من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو
آمن، فعمدت صناديد قريش فدخلوا الكعبة.
مكة تملك وتباع دورها ولم تقسم، لم يجد بدا من كونها فتحت صلحا. لكن من تأمل الأحاديث
الصحيحة وجدها كلها دالة على قول الجمهور أنها فتحت عنوة. ثم اختلفوا لأى شىء
لم يقسمها؟ فقالت طائفة: لأنها دار النسك ومحل العبادة فهى وقف من الله تعالى على عباده
المسلمين. وقالت طائفة: الإمام مخير فى الأرض بين قسمتها وبين وقفها، والنبى معَ ◌ّم قسم خيبر
ولم يقسم مكة فدل على جواز الأمرين قالوا: والأرض لا تدخل فى الغنائم المأمور بقسمتها، بل
الغنائم هى الحيوان والمنقول إلخ ملخصا (٣٢٤:١).
وفى "فتح القدير": ويدل على أن قسمة الأراضى ليس حتما، إن مكة فتحت عنوة
ولم يقسم النبى معَّ أرضها ولهذا قال مالك: إن بمجرد الفتح تصير الأرض وقفا للمسلمين، وهو
أدرى بالأخبار والآثار، ودعواهم أن مكة فتحت صلحا لا دليل عليها بل على نقيضها فذكر نحوا
مما ذكره ابن القيم (٢١٧:٥)، ومن أراد البسط فى المسألة، فليراجع "الجوهر النقى" (٢٠٦:٢)
ولنذكرههنا من كلامه جملة لم يذكرها ابن القيم وفاتت عليه، فقال بعد ما ذكر حديث أبى
هريرة المذكور فى المتن ما ملخصه: مذهب الشافعى أنها فتحت صلحا وهذا الحديث فى الحقيقة
حجة عليه، أخرجه ابن حبان فى "صحيحه وقال: فيه بيان واضح أن فتح مكة عنوة واحتجوا
بقوله: ((احصدوهم حصدا)) وبقوله: ((أبيحت خضراء قريش)) وقوله عليه السلام: ((ما ترون إنى
صانع بكم؟)) يدل على أنه مخير فيهم، وأنه لم يكن أمان سابق إذ لو كان أمان لقالوا: وما تقدر أن
تصنع وقد انعقد بيننا وبينك أمان مع علمهم أنه كان أو فى الخلق ذمة وأصدقهم عهدا.
وظهر بهذا أن قوله عليه السلام: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)) إنشاء للمن عليهم والإطلاق
وتسمية هذه الغزوة غزوة الفتح، يدل على ذلك أيضا. وكذا قوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحا
مبينا﴾، وقوله: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ المراد بهما عند الجمهور فتح مكة، وهذا اللفظ
لا يستعمل فى الصلح إنما يستعمل فى الغلبة والقهر. وأيضا فإن أهل السير عدوا الفتح من جملة
الغزوات التى قاتل فيها النبى معَّه وعدها ابن سعد تسعا، منها الفتح ثم قال: هذا الذى اجتمع لنا
عليه، وادعى المازرى: أن الشافعى انفرد بقوله: "فتحت صلحا" قال: وتأويلهم أنه عليه السلام إنما
أمر بقتل من لم يقبل أمانا، وإن المعاقدة على ذلك كانت دعوى وإضافة إلى الحديث ما ليس فيه.
وكيف يتفق المعاقدة على مثل هذا؟ وفى "التجريد" للقدورى: لم يكن أبو سفيان رسولا لأهل

١٠٤
إعلاء السنن
باب الإِمام فى الأسارى بالخيار إن شاء قتلهم وإن شاء استرقهم
أو تركهم أحرارًا ذمة للمسلمين
٣٨٧٣- عن الزهرى عن أنس بن مالك: أن النبى معَّه دخل مكة عام الفتح،
وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: يا رسول الله! ابن خطل متعلق بأستار
الكعبة فقال: ((اقتلوه). أخرجه البخارى ومسلم (زيلعى ١٣٦:٢).
مكة. حتى يعقد لهم الصلح وإنما خرج متحبسا ولم يعلم أنه عليه السلام قصدهم. ولو كان ثم
أمان سابق لم يلتجؤوا إلى دخول الكعبة. ولم يقاتلوا فدل ذلك أنه عليه السلام دخلها بلا أمان،
وأنشأ الأمان بمكة ولهذا قال عبد الله بن رواحة: اليوم نضربكم على تأويله وذكر شارح العمدة .
حديث أبى شريح الخزاعى ((فإن أحد ترخص بقتال رسول الله عَّ فقولوا: إن الله أذن لرسوله
ولم يأذن لكم. وإنما أُذن لرسوله ساعة من نهار)) الحديث قال: فيه دليل على أن مكة فتحت عنوة،
وهو مذهب الأكثرين. وقال الشافعى وغيره: فتحت صلحا، وقيل فى تأويل الحديث: إن القتال
كان جائزا لرسول الله عّ لّه فى مكة، وإن احتاج إليه فعله، ولكن ما احتاج إليه. وهذا التأويل يضعفه
قوله عليه السلام: ((فإن أحد ترخص بقتال رسول الله عَّه))، فإنه يقتضى وجود قتال منه عد اله
ظاهرا، وأيضا السير التى دلت على وقوع القتال وقوله عليه السلام: ((من دخل دار أبى سفيان فهو
آمن)) إلى غيره من الأمان المعلق على أشياء بخصوصها يبعد هذا التأويل اهـ ملخصا (٢٠٧:٢).
باب الإمام بالخيار فى الأسارى إن شاء قتلهم وإن شاء استرقهم
أو تركهم أحرارا ذمة للمسلمين
قوله: "عن الزهرى إلخ" قال فى "الهداية وفتح القدير": وهو أى الإمام فى الأسارى بالخيار
إن شاء قتلهم؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قد قتل من الأسارى إذ لا شك أنه قتل "عقبة بن أبى
. معيط" من أسارى بدر و"النضر بن الحارث" الذى قالت فيه أخته قتيلة الأبيات التى فيها:
ياراكبا إن الأثيل مظنة من صبح خامسة وأنت موفق الأبيات
و"طعيمة بن عدى" وهو أخو "المطعم بن عدى" (ولم يقتل صبرا وإنما قتل فى المعركة كما
فى "الزيلعى" عن أبى عبيد القاسم بن سلام فى "كتاب الأموال" له (١٢٧:٢). وأما ما قال
هشيم: إنه قتل المطعم بن عدى، رواه أبو داود فى "مراسيله"، كما فى "الزيلعى" أيضا (١٢٧:٢)
فغلط بلا شك وكيف وهو عليه السلام ((يقول: لو كان المطعم بن عدى حيا لشفعته فى هؤلاء
النتنى) وإن شاء استرقهم وإن شاء تركهم أحرار ذمة للمسلمين لما بيناه من أن عمر فعل ذلك فى

ج - ١٢
١٠٥
٣٨٧٤- عن عطية القرظى قال: "كنت فيمن أخذ من بنى قريظة، فكانوا يقتلون
من أنبت ويتركون من لم ينبت فكنت فيمن ترك"، أخرجه أصحاب السنن الأربعة
(زيلعی ١٢:٢)، وقال الترمذى: حسن صحيح (١٩٢:١).
٣٨٧٥- عن أبى مجلز والشعبى والحكم ومحمد بن المسير "أن عمر بن الخطاب
وجه عثمان بن حنيف على خراج السواد" فذكروا الحديث بطوله وفيه («ورفع عنهم
الرق بالخراج الذى وضعه فى رقابهم وجعلهم أكرة فى الأرض فحمل من خراج سواد
الكوفة إلى مر فى أول سنة ثمانون ألف ألف درهم، ثم حمل من قابل مائة وعشرون
ألف ألف درهم. ولم يزل كذلك اهـ)) أخرجه ابن سعد فى الطبقات وابن زنجويه فى
"كتاب الأموال" بأسانيد صحاح وحسان (زيلعى ١٢٦:٢).
باب المن على الأسير ومفاداته بالمال أو بالأسير المسلم
٣٨٧٦- عن ابن عباس قوله: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب﴾ إلى آخر
أهل السواد إلا مشركى العرب والمرتدين فلا تقبل منهم جزية، ولا يجوز استرقاقهم بل إما الإسلام
وإما السيف اهـ (٢١٩:٥) قلت: ودلالة الحديث على جواز قتل الأسير ظاهرة.
قوله: "عن عطية إلخ"، دلالته على جواز قتل الأسير واسترقاقه ظاهرة فإنه مرّ قتل من بنى
قريظة من جرت عليه المواسى واسترق من لم تجر عليه والنسوة، وهو معروف عند أصحاب السير،
وذكره البيهقى فى "دلائل النبوة" مفصلا (يلعى ١٢٦:٢).
قوله "عن أبنى مجلز إلخ". دلالته على جواز ترك الأسارى أحرارا ذمة للمسلمين ظاهرة.
وقال القاضى الإمام أبو يوسف فى "كتاب الخراج" له: "قال محمد بن إسحاق عن الزهرى،
((قال: افتتح عمر بن الخطاب رضى الله عنه العراق كلها إلا خراسان والسند، وافتتح الشام كلها،
ومصر إلا أفريقية، وأما خراسان وإفريقية فافتتحا فى زمن عثمان بن عفان رضى الله عنه، وافتتح
عمر السواد والأهواز. فأشار عليه المسلمون أن يقسم السواد وأهل الأهواز وما افتتح من المدن،
فقال لهم: فما يكون لمن جاء من المسلمين؟ فترك الأرض وأهلها وضرب عليهم الجزية وأخذ
الخراج من الأرض)) اهـ (ص ٣٣)". قلت: ولا تضرب الجزية إلا على الأحرار، دون العبيد. فدل
على أنه تركهم أحرارا ذمة للمسلمين. وفى أثر المتن من التصريح ما فيه كفاية، والله أعلم.
باب المن على الأسير ومفاداته بالمال أو بالأسير المسلم
قوله: "عن ابن عباس إلخ. قلت: هذا الأثر وإن کان ضعيف الإسناد کما تراه، ولکنه قد

١٠٦
المن على الأسير ومفاداته بالمال أو بالأسير المسلم
إعلاء السنن
الآية، قال: الفداء منسوخ نسختها ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ - إلى- ﴿كل مرصد﴾
قال: فلم يبق لأحد من المشركين عهد، ولا حرمة بعد براءة وانسلاخ الأشهر الحرام))
أخرجه ابن جرير فى "تفسيره" (٢٦:٦) بسند قد أكثر الاحتجاج به فى "تفسيره".
حدثنى محمد بن سعد ثنى أبى ثنى عمى ثنى أبى عن أبيه عن ابن عباس، ومحمد هذا
تأيد بأقوال كثير من أجلة المفسرين من التابعين وغيرهم، منهم قتادة والسدى وابن جريج
والأوزاعى. والضعيف إذا تأيد بالشواهد تقوى كما لا يخفى، لكن يعكر عليه ما أخرجه البيهقى
عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال فى قوله تعالى: ﴿ما كان لنبی أن یکون له أسرى حتى يثخن
فى الأرض) إن ذلك كان يوم بدر والمسلمون فى قلة فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله تعالى:
﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾، فجعل النبى عّ لّه المؤمنين بالخيار فيهم إن شاؤوا قتلوهم وإن شاءوا
استعبدوهم وإن شاؤوا أفادوهم.
علی بن أبی طلحة عن ابن عباس:
وفى إسناده على بن أبى طلحة عن ابن عباس وهو لم يسمع منه ولكنه إنما أخذ التفسير عن
ثقات أصحابه كمجاهد وغيره، وقد اعتمده البخارى وأبو حاتم فى التفسير، كذا فى "النيل"
(٢٠٣:٧). ويمكن الجمع بأن يقال: إن قوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ نسخ ما فى آية
الأنفال من وجوب الإثخان، ثم نسخ قوله فى البراءة ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين
حيث وجدتموهم﴾ ما فى آية القتال من الأمر بالمن والفداء والله تعالى أعلم. وقد قام الإجماع على
جواز قتل الأسير واسترقاقه فقوله تعالى. ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ قضية منفصلة مانعة الجمع،
وليست بمانعة الخلو اتفاقا. فلا حجة فيها لمن احتج بها على نفى الاسترقاق، وادعى عدم جوازه
شرعا، ولا يجترئ على مثل ذلك إلا من اجترأ على تفسير كتاب الله برأيه، وعمى عن ناسخه
ومنسوخه ونبذ أحاديث الرسول وقضاياه وراءه ظھریا.
قال الموفق فى "المغنى": وإذا سبى الإمام فهو مخير إن رأى قتلهم، وإن رأى من عليهم
وأطلقهم بلا عوض، وإن رأى أطلقهم على مال يأخذه منهم، وإن رأى فأدى بهم، وإن رأى
استرقهم، أى ذلك رأى فيه نكاية للعدو وحظا للمسلمين فعل. وجملته أن من أسر من أهل الحرب
على ثلاثة أضرب أحدها النساء والصبيان، فلا يجوز قتلهم ويصيرون رقيقا للمسلمين ينفس
السبى لأن النبى معَّه نهى عن قتل النساء والولدان، متفق عليه وكان عليه السلام يسترقهم إذا
سباهم. الثانى الرجال من أهل الكتاب والمجوس الذين يقرون بالجزية فيخير الإمام فيهم بين أربعة

ج - ١٢
المن على الأسير ومفاداته بالمال أو بالأسير المسلم
١٠٧
هو ابن سعد بن الحسن بن عطية العوفى، لينه الخطيب، وروى الحاكم عن الدارقطنى أنه
لا بأس به (لسان الميزان ١٧٤:٥). وعطية العوفى ضعيف ليس بواه، وربما حسن له
الترمذى (الإتقان ١٩٦:٢)، وقال ابن معين: "صالح" وقال أبو زرعة: "لين" وقال ابن
سعد: " كان ثقة إن شاء الله تعالى وله أحاديث صالحة، ومن الناس من لا يحتج به" اهـ.
أشياء: القتل، والمن بغير عوض، والمفاداة بهم، واسترقاقهم. الثالث الرجال من عبدة الأوثان
وغيرهم ممن لا يقر بالجزية فتخيير الإمام فيهم بين ثلاثة أشياء:، القتل أو المن أو المفاداة، ولا يجوز
استرقاقهم.
وعن أحمد جواز استرقاقهم وهو مذهب الشافعى وبما ذكرنا فى أهل الكتاب قال الأوزاعى
والشافعى وأبو ثور عن مالك كمذهبنا، وعنه لا يجوز المن بغير عوض، لأنه لا مصلحة فيه، وإنما
يجوز للإمام فعل ما فيه المصلحة، وحكى عن الحسن، وعطاء، وسعيد بن جبير كراهة قتل
الأسارى وقالوا: من عليه أو فاداه كما صنع بأسارى بدر. ولأن الله تعالى قال: ﴿فشدوا الوثاق فإما
منّا بعد وإما فداء﴾، فخير بين هذين بعد الأسر لا غير (قلت: ولم يذهب إلى هذا واحد من علماء
الأمصار وأهل الفتوى)، وقال أصحاب الرأى: إن شاء ضرب أعناقهم وإن شاء استرقهم لا غير،
ولا يجوز من ولا فداءٍ لأن الله تعالى قال: ﴿اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ بعد قوله:
﴿فإما مَنّاً بعد وإما فداء﴾، وكان عمر بن عبد العزيز وعياض بن عقبة يقتلان الأسرى ولنا على
جواز المن والفداء قول الله تعالى ﴿فإما منّاً بعد وإما فداء﴾ وأن النبى_مَ له من على ثمامة بن أثال
وأبى عزة الشاعر (الجمحى) وأبى العاص بن الربيع وقال فى أسارى بدر: لو كان مطعم بن عدى
حياثم سألنى -وفى رواية كلمنى- فى هؤلاء النتنى لأطلقتهم له، وفادى أسارى بدر، وكانوا
ثلاثة وسبعين رجلا کل رجل منهم بأربع مائة (دینار) وفادی یوم بدر رجلا برجلین وصاحب
العضباء برجلين. وأما القتل فلأن النبى معَّ له قتل رجال بنى قريظة وهم بين الستمائة والسبعمائة.
وقتل يوم بدر النضر بن حارث، وعقبة بن أبي معيط صبرا. وقتل أبا عزة يوم أحد، وهذه قصص
عمت واشتهرت، وفعلها النبى عّ لّه مرات وهو دليل على جوازها اهـ (٤٠٠:١٠ و٤٠١). قلنا:
لا يتم الاحتجاج بأحاديث المن والمفاداة ما لم يثبت أنه مَّ من أو فادى بالأسارى بعد نزول براءة
ودون إثباته خرط القتاد.
قال العينى فى "العمدة" (٥٧:٧): ورأى أبو حنيفة أن المن منسوخ. وقيل: كان خاصا
بسيدنا رسول الله عَّ له. وقال أبو عبيد: والقول فى ذلك عندنا أن الآيات جميعًا محكمات

١٠٨
المن على الأسير ومفاداته بالمال أو بالأسير المسلم
إعلاء السنن
(التهذيب ٢٢٦:٧) وسعد بن محمد بن الحسن وعمه الحسين بن الحسن، وأبوه
الحسن بن عطية كلهم ضعفاء كما يظهر ذلك من "اللسان" (٣: ٨١، ٢٧٨:٢)
و"التهذيب" (٢٩٤:٢).
لا منسوخ فيهن، وذلك أنه مَّ عمل بالآيات كلها من القتل والأسر والفداء، والأمر فيهم إلى
الأمام، وهو مخير بين القتل والمن والفداء يفعل الأفضل فى ذلك للإسلام وأهله، وهو قول مالك
والشافعى وأحمد وأبى ثور اهـ. وقال أصحابنا: لا يجوز مفاداة أسارى المشركين قال الله تعالى:
﴿اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ وقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر،
ولا يحرمون ما حرّم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية
عن يد وهم صاغرون﴾ وما ورد فى أسارى بدر كله منسوخ. ولم يختلف أهل التفسير ونقلة
الآثار أن سورة براءة بعد سورة محمد (عَّه). فوجب أن يكون المذكور فيها ناسخا للفداء
المذ کور فی غیرها اهـ.
وأورد عليه الموفق فى "المغنى" أن قوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين) عام لا ينسخ به الخاص
بل ينزل على ما عدا المخصوص، ولهذا لم يحرموا استرقاقه اهـ (٤٠٢:١٠).
قلنا: هذا عين النزاع فى الأصول، فإن العام عندنا قطعى الدلالة على عمومه، وإنه يوجب
الحكم فيما يتناوله قطعا فيكون مساويا للخاص حتى يجوز نسخ للخاص به، كحديث العرنين
نسخ بقوله عّ لّه: ((استنزهوا من البول))، كذا فى "نور الأنوار" (ص ٦٨). ومثله فى عامة كتب
الأصول للأئمة الحنفية، وأما قوله: "ولهذا لم يحرموا استرقاقه" فغير مسلم، فإنا لا نجيز استرقاق
مشركى العرب، وهم المرادون بقوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث
وجدتموهم، وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد﴾ فهم الذين ضرب الله لهم الأجل
وأجلهم أربعة أشهر بقوله: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا فى
الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزى الله، وأن الله مخزى الكافرين) ثم أمر بقتلهم بعد
انسلاخ أربعة أشهر، ولم يرخص فى المن عليهم ولا المفاداة بهم، ولا فى استرقاقهم. ومن هنا قلنا:
بأن عبدة الأوثان من العرب لا يسترقون. بل الحكم فيهم إما الإسلام أو السيف كما سيأتى فى
باب الجزية إن شاء الله تعالى والعجب من المحقق ابن الهمام حيث لم يتنبه لهذه الدقيقة، فقال فى
"فتح القدير": وأجاب المصنف - أى صاحب الهداية- بأنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿اقتلوا
المشركين) من سورة براءة فإنها تقتضى عدم جواز المن، وهى آخر سورة نزلت فى هذا الشأن

ج - ١٢
المن على الأسير ومفاداته بالمال أو بالأسير المسلم
١٠٩
٣٨٧٧- حدثنا: ابن عبد الأعلى ثنا ابن ثور عن معمر عن عبد الكريم الجزرى
قال: كتب إلى أبى بكر رضى الله عنه فى أسير أسر فذكر أنهم التمسوه بفداء كذا
وكذا، فقال أبو بكر: اقتلوه، لقتل رجل من المشركين أحب إلى من كذا وكذا. أخرجه
الطبرى (٢٦:٦) أيضا وسنده صحيح مرسل، فابن ثور هو محمد بن ثور الصنعانى، ثقة
عابد، وابن عبد الأعلى هو محمد بن عبد الأعلى الصنعانى من رجال مسلم وغيره،
والباقون لا يسأل عنهم.
وقصة بدر كانت سابقة عليها، وقد يقال: إن ذلك فى حق غير الأسارى بدليل جواز الاسترقاق،
فيه يعلم أن القتل المأمور حتما فى حق غيرهم اهـ (د: ٢٢١) فاستدل بجواز استرقاق أسارى
المشركين على كون الآية مختصة بغير الأسارى، ولم يدر أن المشركين الذين قد أمر بقتلهم فى
الآية لا يجوز استرقاقهم عندنا، أسارى كانوا أو غير أسارى. فإن قيل: إذا كان قوله تعالى:
﴿فاقتلوا المشركين﴾ فى مشركى العرب خاصة ونسخ به المن والفداء والاسترقاق فى حقهم،
لم يدل ذلك على نسخ هذه الثلاثة فى حق مشركى العجم فيجوز المن عليهم والمفاداة بهم، كما
جاز استرقاقهم قلنا: إذا صار الحكم الخاص منسوخا فى حق بعض الأفراد لم يبق حجة فى ما عداه
كما ذكره الأصوليون منا وصرح به فى "نور الأنوار" (ص: ٧٢). وأيضا فقوله تعالى: ﴿قاتلوا
الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق﴾
الآية قد نسخ جواز المن والفداء فى حق الأسارى من أهل الكتاب أمر بقتالهم ﴿حتى يعطوا الجزية
عن يد وهم صاغرون﴾ وروى عبد الرحمن بن عوف فى حق المجوس مرفوعا: ((سنوا بهم سنة أهل
الكتاب)) والمجوس وعبدة الأوثان من العجم كلهم سواء فى كونهم مشر كين لا كتاب لهم فدل
على عدم جواز المن عليهم ولا المفاداة بهم أيضا. وأما جواز استرقاقهم بالأولى لما فيه من مزيد
الصغار فدل على جواز استرقاق من سن بهم سنة أهل الكتاب وعلى جواز أخذ الجزية عنهم سواء
وهم المجوس وعبدة الأوثان من العجم فافهم! والله تعالى أعلم.
قوله: حدثنا ابن عبد الأعلى إلخ. قلت: فى قول أبى بكر لقتل رجل من المشركين أحب إلى
من كذا وكذا دلالة ظاهرة على أنه كان يكره المن على الأسير والمفاداة به لا يقال: كأنه رأى قتل
هذا الأسير أحظ للإسلام وأهله لأن قوله: "لقتل رجل من المشركين إلخ" يعم كل أسير ومن ادعى
تخصيصه بهذا الرجل بعينه فليأت ببرهان. وفيه رد على من كره قتل الأسير، وأوجب المن، أو
الفداء، كما حكى عن الحسن وعطاء وسعيد بن جبير، وفيه دلالة على نسخ الأمر بالمن والفداء،

١١٠
المن على الأسير ومفاداته بالمال أو بالأسير المسلم
إعلاء السنن
٣٨٧٨- حدثنا: محمد بن عبد الأعلى ثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة ﴿فإما منا
بعد وإما فداءً﴾ نسخها ﴿فإما تثقفنهم فى الحرب فشرد بهم من خلفهم﴾، أخرجه
الطبرى فى التفسير، وهو سند صحيح (٢٦:٦).
٣٨٧٩- حدثنا: ابن حميد وابن عيسى الدامغانى قالا ثنا ابن المبارك عن جريج
أنه كان يقول فى قوله: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ نسخها قوله ﴿فاقتلوا المشركين حيث
وجدتموهم﴾، أخرجه الطبرى (٢٦:٦) أيضًا، وسنده صحيح.
٣٨٨٠- حدثنا: ابن بشار ثنا عبد الرحمن ثنا سفيان عن السدى ﴿فإما منا بعد
وإما فداء﴾ قال: نسخها ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، أخرجه الطبرى أيضاً،
وسنده صحيح (١٢٨:٢).
٣٨٨١- عن سلمة بن الأكوع قال: "خرجنا مع أبى بكر أمره علينا رسول
الله عَ لّ فغزونا فزارة" وذكر الحديث وفيه - فجئت بهم أسوقهم وفيهم امرأة من بنى
فزارة عليها قشع من أدم معها ابنة لها من أحسن الناس فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر،
فنفلنى ابنتها فقدمنا المدينة فلقينى رسول الله عّ له فى السوق فقال لى: يا سلمة! هب لى
المرأة، لله أبوك فقلت: هى لك يا رسول الله! فو الله ما كشفت لها ثوبا، فبعث بها
وإلا لم يكره أبو بكر رضى الله عنه الفداء، فافهم.
قوله: "حدثنا محمد بن عبد الأعلى إلى قوله حدثنا ابن بشار إلخ" قلت: هؤلاء قدماء
المفسرين من التابعين وأتباعهم وغالب أقوالهم تلقوها عن الصحابة وقد صرح عطية العوفى نسبة
القول بالنسخ إلى ابن عباس، فصار الغالب المظنون كالمتيقن به ففى الآثار دلالة ظاهرة على كون
قوله: ﴿فإما منّاً بعد وإما فداء﴾ فى سورة محمد عٍّ منسوخا بقوله فى البراءة ﴿فإذا انسلخ
الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين) وقد اتفق نقلة الأثر على كون البراءة بعد سورة محمد فى النزول
فالظاهر شاهد لما فى هذه الآثار من كون المتأخر ناسخا للمتقدم، ومن ادعى كون الآيات كلها
محكمة، لا منسوخ فيها بدليل ما ثبت عن النبى معَ ◌ّه من المن على الأسارى والمفاداة بهم، فليأت
: بدليل يدل على أنه معَِّ فعل ذلك بعد نزول البراءة، وأما ما فعله قبلها فلا حجة فيه لكونه
منسوخا، فافهم! فإن دليل الإمام أبى حنيفة فى هذا الباب قوى جدا.
قوله: "عن سلمة ابن الأكوع وقوله عن عمران بن حصين إلخ". قلت: فيهما دلالة على

١١١
المن على الأسير ومفاداته بالمال أو بالأسير المسلم
ج - ١٢
رسول الله عَ ◌ّ إلى مكة فقدى بها ناسا من المسلمين كانوا أسروا بمكة" أخرجه مسلم
(زيلعى ٢٢٨:٢).
٣٨٨٢- عن: عمران بن الحصين رضى الله عنه ((أن رسول الله عَ لآه فدى رجلين
جواز مفاداة الأسير المسلم بأسير من المشركين، وهو قول الجمهور وقال به أبو يوسف ومحمد
رحمهما الله تعالى كما فى "شرح السير الكبير" (٢٨٤:٣). وهو أظهر الروايتين عن أبى حنيفة
رضى الله عنه، وعنه فى رواية أخرى أنه قال: لا يجوز مفاداة الأسير بالأسير كما فيه أيضا، والحق
أنه لا دلالة فى الأثرين على ما ذهب إليه الجمهور فإن أثر سلمة بن الأكوع مشعر بشاهره بكون
الجارية قد أسلمت لقوله: "فوالله ما كشفت لها ثوبا" ولا يجوز للمسلم كشف ثوب المشرك حتى
تسلم وإذا أسلمت فلا يجوز للإمام أن يفادى بها الأسير لقوله تعالى: ﴿فلا ترجعوهن إلى.
الكفار﴾، فالظاهر (١) أن ذلك كان قبل نزول هذه الآية من الممتحنة وأيضا فإن هذا يخالف رأيهم،
فإنهم لا يفادون بالنساء ذكره المحقق فى "الفتح" (٢٢٠:٥). وأما حديث عمران بن الحصين فرواه
(١) وقد أغرب الحافظ ابن القيم وأتى من ظاهريته بما يتعجب منه حيث قال فى باب هديه مرّ يه فى الأسارى. ولم يكونوا يتوقفون
فى وطأ سبايا العرب على الإسلام أى على إسلامهن، بل كانوا يطؤنهن بعد الاستبراء. وأباح الله لهم ذلك ولم يشترط
الإسلام بل قال: ﴿والمحصنت من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ فأباح وطأ ملك اليمين وإن كانت محصنة إذا انقضت عدتها
بالاستبراء. وقال له سلمة بن الأكوع لما استوهبه الجارية من السبى والله لقد اعجبتنى وما كشفت لها ثوبا ولو كان وطأها
حراما قبل الإسلام عندهم لم يكن لهذا القول معنى ولم تكن قد أسلمت لأنها قد فدى بها ناسا من المسلمين بمكة والمسلم لا
يفادى به. فالصواب الذى كان عليه هديه وسدى أصحابه استرقاق العرب ووطأ إمائهن المسبيات بملك اليمين من غير اشتراط
الإسلام اهـ (٢٢٤:١). قلت: كبرت كلمة تخرج من أفوافههم إن يقولون إلا كذبا. فإن كان سكوت النص عن اشتراط
الإسلام دليل على جواز وطئ المشركة فليكن سكوته عن اشتراط الاستبراء دليلا على جواز وطى المسبية قبل الاستبراءولا
قائل به، وأيضا فقد قال تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فما ملكت أيمانكم من فتياتكم
المؤمنات والله أعلم بإيمانكم﴾ وأى شرط أبلغ من هذا وقد ثبت أنه مطّ عرض الإسلام على مارية، وكانت كتابية فهل تراه لم
يكن يعرض الإسلام على المشركة العابدة للأوثان.
وأما أثر سلمة بن الأكوع ففيه أن مفاداة المسلمين بالجارية لا تدل على كونها مشركة لاحتمال كون القصة قبل نزول قوله
تعالى: ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ فالقول بمفاداة المسلمين بالمرأة المسلمة وكونها منسوخة أهون من القول بإباحة وطأ
المسبيات قبل إسلامهن، وأيضا فقد اعترفت باشتراط الاستبراء ولا دلالة فى الأثر على أن سلمة كان استبرأها فإذا لم يكن
سكوت الراوى عن ذكر الاستبراء دليلا على نفيه فكيف يكون سكوته عن ذكر الإسلام دليل على عدم اشتراطه؟ وإن سلمنا
أنها لم تكن قد أسلمت فلا نسلم دلالة الأثر على إباحة وطأ المسبية المشركة مطلقا، لاحتمال كون القصة فى وقت إباحة
نكاح المسلم بالمشركة. وذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ وقوله: ﴿ولا تمسكوا بعصم

١١٢
المن على الأسير ومفاداته بالمال أو بالأسير المسلم
إعلاء السنن
من المسلمين برجل من المشركين)) انتهى بلفظ الترمذى، وقال: حديث حسن صحيح
أحمد ومسلم مطولا بلفظ: (( كانت ثقيف حلفاء لبنى عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب
النبى معٍَّ وأسر أصحاب رسول الله عَّه رجلا من بنى عقيل وأصابوا معه العضباء، فأتى عليه
رسول الله عَّ وهو فى الوثاق، فقال: يا محمد! فأتاه فقال: ما شأنك؟ فقال: بما أخذتنى وأخذت
سابقة الحاج؟ فقال: أخذتك بجريرة حلفائك سقیف، ثم انصرف عنه، فناداه فقال: يا محمد!
يا محمد! فقال: ما شأنك؟ قال: "إنى مسلم" قال: لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح.
ثم انصرف عنه فناداه يا محمد! يا محمد! فأتاه فقال: ما شأنك؟ فقال: إنى جائع فأطعمنى،
وظمآن فاسقنى! قال: هذه حاجتك، فقدى بعد بالرجلين)). كذا فى "نيل الأوطار" (ص ٢٠٤).
وفيه أنه مَّ فداه بالرجلين بعد ما قال إنى مسلم وهذا لا يجوز لأحد أن يفعله اليوم أن يفادى
الأسير المسلم بأسير قد أسلم فى أسرنا. قال فى "الهداية": ولو كان أسلم الأسير فى أيدينا
لا يفادى بمسلم أسير فى أيديهم لأنه لا يفيد إلا إذا طابت نفسه به، وهو مأمون على إسلامه اهـ.
الكوافر﴾ فافهم! ولا تحدث فى هذا الشرع ما ليس منه فإن كل بدعة ضلالة والله أعلم.
ثم اطلعت ولله الحمد على نص صريح فى موضع النزاع أخرج عبد الرزاق وابن ماجة عن الحسن قال: كانوا يغزون مع رسول الله
حَّه فإذا أصاب أحدهم الجارية من الفىء فأراد أن يصيبها أمرها فغسلت ثيابها، واغتسلت ثم علمها الإسلام وأمرها بالصلاة
واستبرأها بحيضة ثم أصابها كذا فى "كنز العمال" (١٦٩:٥) وذكره ابن حزم فى "المحلى" (٤٤٧:٨) من طريق عبد
الرزاق عن جعفر بن سليمان الضبعى، أخبرنى يونس بن عبيد أنه سمع الحسن فذكره وهذا سند صحيح، وأخرج من طريق
بندارنا غندر عن شعبة عن موسى ابن أبى عائشة قال: سألت سعيد بن جبير ومرة الهمدانى صاحب ابن مسعود فقلت: أصبت
الأمة من السبى فقالا جميعا: لا تغشها حتى تغتسل وتصلى، ومن طريق سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن معاوية بن قرة عن
ابن مسعود قال: إثنتا عشرة مملوكة أكره غشيانهن وذكر منهن الأمة وهى مشركة، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن
الزهرى قال: ((لا يحل لرجل اشترى جارية مشركة أن يطأها حتى تغتسل وتصلى وتحيض عنده حيضة) اهـ. ثم ذكر ابن
حزم: أنهم لا يخالفون فى أن وطأ الوثنية بملك اليمين لا يحل حتى تسلم (٤٤٧:٨) والحسن قد أدرك جمعا من الصحابة
رضى الله عنهم فلم يقل كانوا يفعلون كذا إلا وقد سمع منهم، وقد مر غير مرة أن مراسيله صحاح عند القوم لا سيما وقد
تأيد بعموم النصوص القطعية الناهية عن وطأ المشركات حتى يسلمن والمرسل إذا تأيد بعموم النص أو بقياس صحيح فهو
حجة عند الكل كما مر ذكره فى المقدمة. فعجبا لجرأة ابن القيم وميوله: "فلم يكونوا يتوقفون فى وطئ سبايا العرب على
إسلامهن وأباح الله لهم ذلك ولم يشترط الإسلام اهـ". فهل رأيت أو سمعت بمثل هذه الجرأة على الله وعلى الرسول
والإسلام اغترارا بمجرد ما فى بعض الروايات من الإجمال وغفلة عما فى غيره من التفصيل ولم يزل من عادة الرواة إجمال
شىء مرة وتفصيله أخرى. فمن اعتمد الإجمال وأغمض عن التفصيل يبتلى بمثل ما ابتلى به ابن القيم ههنا ويشرع فى الدين ما
لم يأذن به الله فافهم! والله يتولى هداك.

ج - ١٢
المن على الأسير ومفاداته بالمال أو بالأسير المسلم
١١٣
وطوله مسلم، وأبو داود أخرجاه فى كتاب النذر والأيمان (زيلعى ١٢٨:٢، ونيل
الأوطار ٢٠٤:٧).
وقال الموفق فى "المغنى": وإن أسلم الأسير صار رقيقا فى الحال إلى أن قال: ولا يجوز رده
إلى الكفار إلا أن يكون له ما يمنعه من المشركين من عشيرة أو نحوها إلخ (٤٠٣:١٠). ولا دليل
فى الحديث على أن نفس هذا الأسير كانت قد طابت بالمفاداة وكان مأمونا على إسلامه أللهم إلا
أن يقال: كانت له عشيرة تمنعه من المشركين أو أن النبى مآے لم يقبل إسلامه، و کان ذلك إليه
لقوله: تعالى: ﴿ولو أريناكهم لعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم فى لحن القول﴾ والله أعلم. قال المحقق
فى "الفتح" تحت قول "الهداية": (ولا يفادى بالأسارى عند أبى حنيفة، وقالا: يفادى بهم أسارى
المسلمين وهو قول الشافعى) ما نصه: هذه إحدى الروايتين عنه، وعليها مشى القدوری وصاحب
الهداية (فلعلها أظهر الروايتين عن الإمام وعندهما خلاف ما فى "شرح السير" حيث استظهر
رواية جواز مفادة الأسير بالأسير). وعن أبى حنيفة أنه يفادى بهم كقول أبى يوسف ومحمد
والشافعى ومالك وأحمد إلا بالنساء فإنه لا تجوز المفاداة بهن عندهم ومنع أحمد المفاداة بصبيانهم
وروى أنه عليه السلام فعل ذلك وهذه رواية السير الكبير وقيل هو أظهر الروايتين عن أبى حنيفة،
وقال أبو يوسف تجوز المفاداة بالأسارى قبل القسمة لا بعدها. وعند محمد تجوز بكل حال ثم ذكر
فى حجة الجمهور حديث عمران بن حصين وسلمة بن الأكوع المذكورين فى المتن وقال: إلا أن
هذا يخالف رأيهم فإنهم لا يفادون(١) بالنساء ويبقى الأول اهـ ملخصا (٢٢٠:٥). قلت: وقد
عرفت ما فى الأول أيضا فتذكر! قال الطحاوى: فهذا الحديث مفسر قد أخبر فيه عمران بن حصين
رضى الله عنه أن النبى معَّ فادى بذلك المأسور بعد أن أقر بالإسلام، وقد أجمعوا أن ذلك منسوخ
قال: وإنما كان الفداء المذكور فى هذه الآثار فى وقت ما لكان لا بأس أن يفادى فيه بمن أسلم من
أهل الحرب، فيردوا إلى المشركين على أن يردوا إلى المسلمين من أسروا منهم كما صالح رسول
الله ◌َّ أهل مكة على أن يرد إليهم من جاء إليه منهم وإن كان مسلما، وإن قول الله تعالى ﴿لا
ترجعوهن إلى الكفار﴾ قد نسخ أن يرد أحد من أهل الإسلام إلى الكفار وكما كان حراما علينا أن
نفادى بعبيدنا الكفار الذين قد ولدوا فى دار الإسلام لما قد صار لهم من الذمة كذلك هذا الحربى
إذا أسرناه فصار ذمة لنا ووقع ملكنا عليه يحرم علينا المفاداة به أهـ (١٥٢:٢).
(١) ويعكر عليه ما ذكره الحافظ فى "الفتح" ويجوز المفاداة بالأسيرة الكافرة بأسير مسلم أو مسلمة عند الكفار إلخ (٥: ١٧٠).
فليحقق مذهب الجمهور فى ذلك وبعد ذلك كله فلا حجة فيه للجمهور ما لم يثبت أنه كان بعد نزول براءة ودونه خرط
القتاد. فإن براءة من آخر ما نزلت كما سيأتى.

١١٤
المن على الأسير ومفاداته بالمال أو بالأسير المسلم
ج - ١٢
٣٨٨٣- قال الأوزاعى: بلغنى أن هذه الآية منسوخة قوله تعالى ﴿فإما منا بعد
وإما فداء﴾ نسختها ﴿فاقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ حدثنا بذلك هناد ثنا ابن المبارك عن
الأوزاعى رواه الترمذى، وسنده صحيح (١٩٠:١).
وفى "شرح السير": وجه ظاهر الرواية (أى جواز مفاداة الأسير بالأسير) أن تخليص أسراء
المسلمين من أيدى المشركين واجب، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بطريق المفاداة. وليس فى هذا أكبر
من ترك القتل لأسراء المشركين، وذلك جائز لمنفعة المسلمين. ألا ترى أن للإمام أن يسترقهم والمنفعة
فى تخليص أسارى المسلمين من أيديهم أظهر. أيد ما قلنا حديث عمران بن الحصين فذكره، وقال:
ووجه الرواية الأخرى عن أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث
وجدتموهم﴾، وفى المفاداة ترك القتل الذى هو فرض، ولا يجوز ترك الفرض مع التمكن من إقامته
بحال. توضيحه أن الأسراء صاروا مقهورين فى أيدينا، فكانوا من أهل دارنا فتكون المفاداة بهم
بمنزلة المفاداة بأهل الذمة وذلك لا يجوز إذا لم يرض به أهل الذمة. وليس فى الامتناع من هذه
المفاداة أكثر من الخوف على أسراء المسلمين، ولأجله لا يجوز ترك قتل المشركين ولا يجوز(١)
إعادتهم ليصيروا حربا لنا. ألا ترى أن الجهاد فرض على المسلمين ليتوصلوا به إلى قتل المشركين،
وإن كان فيه معنى الخوف على نفوس المسلمين وأموالهم. قال: فأما مفاداة الأسارى من المشركين
بالمال، فإنه لا يجوز فى قول علماءنا رحمهم الله تعالى لأن قتل المشركين إلى أن يسلموا بعد
التمكن منه فرض لقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾، وفى المفاداة بالمال ترك هذه الفريضة للطمع
فی عرض الدنیا، وذلك لا يحل قال الله تعالى: ﴿ما كان لنبی أن یکون له أسری حتی یثخن فى
الأرض﴾ نزلت الآية يوم بدر حين رغب رسول الله عَ ليه فى رأى أبى بكر حين أشار عليه بالمفادة
بالمال وقد كان أبو بكر رضى الله عنه يتأسف على ذلك على ما روى ((أنه أسر فى عهده أسير من
الروم، فطلبوا المفاداة به، فقال اقتلوه فلقتل رجل من المشركين أحب إلى من كذا وكذا))، وفى
رواية ((لا تفادوا به وإن اعطيتم به مدين من ذهب))، ولأنا أمرنا بالجهاد لإعزاز الدين، وفى مفاداة
الأسير بالمال إظهار منا للمشركين أنا نقاتلهم لتحصيل المال. فأما قوله تعالى: ﴿فإمّا منّاً بعد وإمّا
فداء﴾، فقد بينا أن ذلك قد انتسخ بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾، وقوله تعالى: ﴿لولا کتاب
(١) وبهذا ظهر الجواب عن قياس المفاداة بالاسترقاق، فإن الاسترقاق لا يفضى إلى إعادة الأسراء حربا علينا بل فيه دفع شرهم مع
وفور المنفعة لأهل الإسلام فكان فى معنى القتل (مؤلف)

١١٥
المن على الأسير ومفاداته بالمال أو بالأسير المسلم
إعلاء السنن
٣٨٨٤- عن: ابن مسعود قال: "لما کان یوم بدر وجیء بالأساری قال رسول
من الله سبق﴾ تفسيره(١) لو لا أنى كنت أحللت لكم الغنائم لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم،
بدليل قوله تعالى ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا﴾ (ففيه بيان حل ما أخذوا من المال بعد الأخذ لا
خل أخذه ابتداء) ولئن كان المراد به تجويز المفاداة (مطلقا) فقد انتسخ ذلك بنزول قوله تعالى
(فاقتلوا المشركين) لأن سورة براءة من آخر ما نزلت وهو تأويل ما فعله رسول الله عَّ له من المفاداة
يوم بدر فى النفوس بالنفوس عند أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه، وأشار محمد رحمه الله إلى تأويل
آخر فقال: قد كانوا يومئذ محتاجين إلى المال حاجة عظيمة لأجل الاستعداد للقتال وعند الضرورة
لا بأس بالمفاداة بالمال (فإن الضرورات تبيح المحظورات) فلا يصح الاستدلال بها على جواز المفاداة
المالية مطلقا)، وعليه يحمل أيضا ما يروى أن رسول الله عَّ له لما سبى الذرارى والنساء من بنى
قريظة بعث بنصف السبى مع سعد بن زيد إلى نجد فباعهم من المشركين بالسلاح والحيوان،
وبالنصف الباقى مع سعد ابن عبادة إلى الشام ليشترى بهم السلاح والكراع، وإنما فعل ذلك
لحاجتهم كانت إلى السلاح يومئذ، وظاهر المذهب عندنا أن المفاداة بالمال لا يجوز اليوم بحال،
وما يروى فى هذا الباب حكمه قد انتسخ وذكر تأويل المفاداة فى سبى بنى المصطلق فقال: إنما فعل
ذلك رسول الله عَّ لأنه ظهر على دارهم فافتدى بهم لئلا يجرى عليهم الرق قال: ألا ترى
أنه معَ ◌ّه تزوج جويرية بعد ما افتدت لأن القوم أسلموا ولو لا ذلك ما تزوجها رسول الله معدّ لّه
وإنما المكروه عندنا مفاداة المشركين بالمال ليردوا إلى دار الحرب فيكونون عونا على المسلمين اهـ
ملخصا (٢٨٤:٣ و٢٨٨). قلت: وكذلك من رسول الله مرّ على سبى هوازن لكون القوم
قد أسلموا فلا يصح الاستدلال به على جواز المن على الأسارى من المشركين والقصة أخرجها أبو
داود والبخارى وغيرهما، كما فى "بذل المجهود" (٢٣:٤).
قوله: "عن ابن مسعود إلخ" فيه متمسك لمن قال: لا يجوز المن بغير فداء وهو مالك وأبو
حنيفة، وفيه دليل على جواز قتل الأسير أيضا وقد اختلفت العلماء فى ذلك والجمهور على الجواز.
قال أبو بكر الرازى الجصاص فى "أحكام القرآن" له: وأما قوله: ﴿فإما منّاً بعد وإما فداء﴾ ظاهره
(١) وبهذا التفسير وتقريره اندحض ما أورده الحافظ فى "الفتح" (٤٠٦:٥) على أبى بكر الرازى الجصاص فى احتجاجه لكراهة
فداء المشركين بالمال بقوله تعالى: ﴿لو لا كتاب من الله سبق﴾ الآية بقوله: "ولا حجة لهم لأن ذلك كان قبل حل الغنيمة
إلخ" فقد عرفت أن غاية ما فى الآية حل ما أخذوا من الفداء بعد أخذه لا حل أخذه ابتداء. ومن ادعى ذلك فليأت ببرهان عليه
والله تعالى أعلم. (مؤلف).

١١٦
المن على الأسير ومفاداته بالمال أو بالأسير المسلم
ج - ١٢
الله عَّ ◌ُله: ((لا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق)) الحديث. رواه أحمد والترمذى،
يقتضى أحد شيئين من منّ أو فداء. وذلك ينفى جواز القتل وقد اختلف السلف فى ذلك فأسند عن
الحسن أنه كره قتل الأسير وقال: من عليه أو فاده ونحوه عن عطاء وابن عمر وغيرهم ثم قال: وقد
روينا عن السدى أن قوله: ﴿فإما منّاً بعد وإما فداء﴾ منسوخ بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث
وجدتموهم﴾ وروى مثله عن ابن جريج (قلت: وقد روينا مثله عن ابن عباس وقتادة والأوزاعى)
قال أبو بكر: اتفق فقهاء الأمصار على جواز قتل الأسير لا نعلم بينهم خلافا فيه، وقد تواترت
الأخبار عن النبى معَ لّه فى قتله الأسير، فقتل عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، بعد الأسر يوم
بدر، وقتل أبا عزة الشاعر يوم أحد بعد ما أسر، وقتل بنى قريظة بعد نزولهم على حكم سعد بن
معاذ ومن على الزبير بن باطا من بينهم، وفتح خيبر وشرط على ابن أبى الحقيق أن لا يكتم شيئا
فلما ظهر على خيانته وكتمانه قتله، وفتح مكة وأمر بقتل ابن خطل ومقيس بن ضبابة ابن أبى سرح
وآخرين وقال: ((اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة)) ومن على أهل مكة، ولم يغنم
أموالهم. وروى عن صالح بن کیسان عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن عوف
أنه سمع أبا بكر الصديق يقول: «وددت أنى يوم أتيت بالفجاءة لم أكن أحرقته و کنت قتلته سریحا
أو أطلقته نجيحا)) وعن أبى موسى: ((أنه قتل دهقان السوس بعد ما أعطاء الأمان على قوم سماهم،
ونسى نفسه فلم يدخلها فى الأمن، فقتله)) فهذه آثار متواترة عن النبى معَّ لّه وعن الصحابة فى جواز
قتل الأسير وفى استبقائه واتفق فقهاء الأمصار على ذلك.
وإنما اختلفوا فى الفداء فقال أصحابنا جميعا: لا يفادى الأسير بالمال ولا يباع السبى من أهل
الحرب فيردوا حربا وقال أبو حنيفة: لا يفادى بأسرى المسلمين أيضا، ولا يردون حربا أبدا وقال أبو
يوسف ومحمد: لا بأس أن يفادى أسرى المسلمين بأسرى المشركين، وهو قول الثورى
والأوزاعى، لا بأس ببيع السبى من أهل الحرب ولا يباع الرجال إلا أن يفادى بهم المسلمون. وقال
المزنى عن الشافعى للإمام أن يمن على الرجال الذين ظهر عليهم أو يفادى بهم. فأما المجيزون للفداء
• بأسرى المسلمين وبالمال فإنهم احتجوا بقوله: ﴿فإما منّاً بعد وإما فداء﴾ وظاهره يقتضى جوازه
بالمال وبالمسلمين وبأن النبى معَِّ فدى أسارى بدر بالمال وبما روى عن عمران بن حصين فذكر
الحديث وفيه فقال الأسير: إنى مسلم إلخ قال الجصاص: ولا خلاف أنه لا يفادى الآن على هذا
الوجه لأن المسلم لا يرد إلى أهل الحرب، وقد كان النبى معَّه شرط فى صلح الحديبية لقريش أن
من جاءه منهم مسلما رده عليهم، ثم نسخ ذلك، ونهى النبى عرّه عن الإقامة بين المشركين.

١١٧
المن على الأسير ومفاداته بالمال أو بالأسير المسلم.
إعلاء السنن
وقال: حديث حسن (نيل الأوطار ٢٠٥:٧).
وقال: ((أنا برىء من كل مسلم مع مشرك)) وأما ما فى الآيه من ذكر المن أو الفداء، وما روى فى
أسارى بدر فإن ذلك منسوخ بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم
واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة فخلوا سبيلهم﴾ وقد روينا ذلك عن
السدى وابن جريج (وغيرهما كما فى المتن) وبقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم
الآخر﴾ إلى قوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ فتضمنت وجوب القتال
للكفار حتى يسلموا (وهم مشركوا العرب) أو يودوا الجزية وهم مشركو العجم وأهل الكتاب
مطلقا. والفداء بالمال أو بغيره ينافى ذلك ولم يختلف أهل التفسير ونقلة الآثار أن سورة براءة بعد
سورة محمد عّ لّه، فوجب أن يكون الحكم المذكور فيها ناصخا للفداء المذكور فى غيرها اهـ
(٣٩٢:٣). قال فى "شرح السير": وذكر محمد رحمه الله للحديث (الوارد فى المن على الأسير)
تأويلا آخر، وهو أن النبى معَّ إنما كان يقاتل عبدة الأوثان من العرب. وأولئك ما كان يجرى
عليهم السبى (والاسترقاق) وإنما من على بعض الأسارى لأنه ليس فيه إبطال حق ثابت للمسلمين
فى رقابهم. ونحن نقول به فى مثلهم من المرتدين وعبدة الأوثان من العرب الذين لا يقبل منهم إلا
السيف، أو الإسلام. فإنهم إن أسلموا كانوا أحرارا وإن أبوا قتلوا، وإن رأى الإمام النظر للمسلمين
فى المن على بعض الأسارى فلا بأس بذلك أيضا لما روى أن النبى معَّه من على ثمامة بن أثال
الحنفى إلخ (٢: ٢٦٥)، وفيه أيضًا: ليس ينبغى للإمام أن يمن على الأسير، فيتركه، ولا يقتله،
ولا يقسمه، لأنه لو أراد إبطال حق بعض المسلمين عنه بأن يخص به أحدهم لم يكن له ذلك، فإذا
أراد إبطال حق جميع المسلمين عنه بالمن عليه أولى أن يكون ممنوعا عنه اهـ.
قلت: وليس فى المن على الأسير من عبدة الأوثان من العرب إبطال حق العباد أصلا، لعدم
تعلقه برقبته وإنما المت بها حق الله تعالى وهو إما الإسلام أو القتل جزاء على كفره فإن رأى فى
المن عليه نظرا للمسلمين أو رجاء إسلامه يجوز له المن عليه، كما ورد فى الآثار، والله أعلم.
فإن قيل: فما مجال أئمتنا الحنفية قد أجمعوا على انتساخ الفداء بالمال، ولم يجمعوا على
انتساخه بالنفوس؟ فأجاز أبو يوسف ومحمد مفاداة الأسير بالأسير، وأبو حنيفة أيضا فى رواية
عنه، وإذ قلنا بكون قوله تعالى: ﴿فإما منّاً بعد وإما فداء﴾ منسوخا بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾،
وقوله: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ الآية. لزم كون الفداء منسوخا بسائر الوجوه.
قلنا: أجازوا المفاداة بالأسارى قياسا على الاسترقاق. كما مر ذكره فى كلام شارح السير الكبير"،
فتذ کر، والله تعالى أعلم.

١١٨
ج - ١٢
باب لا یقسم الغنیمة فى دار الحرب
٣٨٨٥- أبو حنيفة: عن مقسم مولى بن عباس عن ابن عباس رضى الله عنهما
عن النبى ◌ّةِ ((أنه لم يقسم شيئا من غنائم بدر إلا من بعد مقدمه المدينة)). رواه أبو
حنيفة رحمه الله فى "مسنده" (جامع المسانيد ٢٨٢:٢). وسند الإمام صحيح. وفى
الصحيحين ما يشير إليه، وقد صرح به أرباب السير (عقود الجواهر ٢١٨:١).
باب لا یقسم الغنیمة فى دار الحرب
قال الحافظ فى "التلخيص": "حديث أنه مرّ قسم غنائم بدر بشعب من شعاب الصفراء
قریب من بدر، وقسم غنائم بنى المصطلق علی میاههم، وقسم غنائم حنین بأوطاس، وهو وادى
حنين" أما قسمة غنائم بدر فرواها البيهقى من طريق ابن إسحاق، وهو فى المغازى، وأما قسمة
غنائم بنى المصطلق فذكره الشافعى فى الأم هكذا واستنبطه البيهقى من حديث أبى سعيد قال:
((غزونا مع رسول الله عَ ل غزوة بني المصطلق فسبينا كرائم العرب، فطألت علينا العزبة ورغبنا فى
الفداء وأردنا أن نستمتع ونعزل)) الحديث. قال: ففيه دليل على أنه قسم غنائمهم قبل رجوعه
إلى المدينة (ولكن لا دليل فيه على أنه قسمه فى دار الحرب فإنه مرّ ◌ُّه كان قد ظهر على الدار،
فصارت دار الإسلام ولا خلاف فيه. وإنما الخلاف فيما إذا لم تصر دار الإسلام، كذا فى "عقود
الجواهر" (٢١٨:١).
وأما قسمة غنائم حنين (بأوطاس) فغير معروف. والمعروف ما فى صحيح البخارى وغيره
من حديث أنس "أنه قسمها بالجعرانة وفى الأوسط للطبراني من حديث قتادة عن أنس)) لما فرغ
رسول الله عَّ من غزوة حنين والطائف أتى بالجعرانة فقسم الغنائم بها واعتمر منها اهـ
(٢٧٤:١). وفى "سيرة ابن هشام" التى لخصها من مغازى ابن إسحاق ما نصه ((ثم اقبل رسول
الله عَ لّه حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية فقسم هنالك
النفل الذى أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء)) اهـ (٣٧١:١).
ويجمع بينه وبين ما رواه الإمام أبو حنيفة ((أنه مرّ ة قسم بعض الغنائم فى المدينة وبعضها
بعد خروجه من مضيق الصفراء، ويقال: معنى ما رواه أنه لم يقسم غنائم بدر إلا بعد ما أقبل راجعا
إلى المدينة كما فى "السيرة الحلبية" ولفظها: ثم أقبل رسول الله عّ لّه راجعا إلى المدينة، فلما خرج
من مضيق الصفراء قسم النقل -أى الغنيمة- وكانت مائة وخمسين من الإبل وعشرة أفراس ومتاعا
وسلاحا وأنطاعا وثيابا وادما كثيرا حمله المشركون للتجارة اهـ) (١٩٤:٢). وإلا فما رواه أبو

١١٩
لا يقسم الغنيمة فى دار الحرب
إعلاء السنن
حنيفة عن مقسم أولى مما رواه ابن إسحاق وغيره من أصحاب السير، لجلالة الإمام، وعلو كعبه فى
علوم الشريعة طبق علمه الشرق والغرب من ديار الإسلام، واعترف بفضله أجلة العلماء الأعلام،
أذعن الأئمة لجلالته، وخضعت رقاب الأمة لإمامته حتى اتبعه نصف أهل الإسلام فصاعدا.
وبالجملة ففيه دلالة على أن لا تقسم الغنائم فى دار الحرب لأنه معَ ◌ّ لم يقسمها بها وإنما
قسمها بالمدينة، كما رواه أبو حنيفة وهى قبة الإسلام أو قسمها بعد خروجه من مضيق الصفراء،
كما رواه أصحاب السير وهو أيضا من دار الإسلام لا من دار الحرب فإن سرايا رسول الله عَ ليه
وبعوثه كانت تجول قبل بدر الكبرى إلى رابغ، وإلى ينبع وجبال رضوى. فأول غزوة غزاها رسول
الله عَّ قبل بدر الكبرى الأبواء، ثم بواط ثم العشيرة، رواه البخارى.
والأبواء قرية من عمل الفرع بينها وبين الجحفة من جهة المدينة ثلاثة وعشرون ميلا
(والجحفة قريبة من رابغ محاذية لها كما مر ذكره فى كتاب الحج)، فوادع بنی ضمرة بن بكر بن
عبد مناة من كنانة، وادعه رئيسهم مجدى بن عمر والضمرى ورجع بغير قتال. "وبواط" جبل
من جبال جهينة بقرب ينبع.
قال ابن إسحاق: ثم غزا فى شهر ربيع الأول يريد قريشا، أيضا حتى بلغ "بواط" من ناحية
رضوى، ورجع ولم يلق أحدا و "رضوى" جبل مشهور عظيم بينبع. وأما العشيرة قال ابن إسحاق:
هى ببطن ينبع، وخرج إليها فى جمادى الأولى يريد قريشا أيضا فوادع فيها بنى مدلج من كنانة.
قال ابن إسحاق: ولما رجع إلى المدينة لم يقم إلا ليالى حتى أغار كرز بن جابر الفهرى على سرح
المدینة، فخرج النبی مێے فى طلبه حتى بلغ سفران من ناحية بدر ففاته کرز بن جابر وهذه هى بدر
الأولى، كذا فى "فتح البارى" (٢١٨:٧).
وكان بعد ذلك غزوة بدر الكبرى فى رمضان كما هو معروف فتبين بذلك أن ما بين المدينة
إلى رابغ وما بينها إلى ينبع، لم يكن حربا لرسول الله مرّ بل سلما له ولأوليائه فإما أن تكون دار
الإسلام أو بحكمها لأجل الموادعة، ولا يخفى أن الصفراء قرية بين المدينة وينبع، ومنها تتفرع
الطريق إلى بدر فلما لم يقسم النبى عّ لّه الغنائم فى موضع الحرب بل قسمها بالمدينة أو بالصفراء
أو بعد خروجه من مضيق الصفراء تبين أنه لم يقسمها إلا بدار الإسلام أو بما هو فى حكمها والله
تعالى أعلم، وقد ذكر ابن إسحاق وغيره أن عبيدة بن الحارث مات بالصفراء من جراحته التى
أصابت فى المبارزة ببدر، وقال المطرى: فدفنه رسول الله عّ لّه بها وأظن مستنده فى ذلك قول هند

ج - ١٢
لا يقسم الغنيمة فى دار الحرب
١٢٠
بنت أثاثة فى رثاءه على ما نقله ابن إسحاق(١):
وحلما أصيلا وافرا للب والعقل
لقد ضمن الصفراء مجدا وسوددا
وأرملة تهوی لأشعث كالجدل
عبيدة فابكيه لأضياف غربة
كذا فى "وفاء الوفاء" (١٨٧:٢). وفى "المبسوط" لشمس الأئمة السرخسى "والذى
يرويه الشافعى رحمه الله أنه معَّم- قسمها -أى غنائم بدر- بالسير شعب من شعاب الصفراء"
والصفراء من بدر لا يكاد يصح، بل المشهور أنه قسم بالمدينة حتى طلب منه عثمان أن يضرب له
فيها بسهم، ففعل قال: وأجرى يا رسول الله! قال: وأجرك وكان خلفه بالمدينة على ابنته رقية
وسأله طلحة بن عبيد الله أن يضرب له بسهم، وكان غائبا بالشام فوافق قدومه قسمة رسول
الله عَُّّه فضرب له بسهم قال: وأجرى يا رسول الله! قال: وأجرك اهـ (١٨:١٠).
قال فى "الهداية": "ولا يقسم غنيمة فى دار الحرب حتى يخرجها إلى دار الإسلام، وقال
الشافعى: لا بأس بذلك. وأصله أن الملك للغانمين لا يثبت قبل الإحراز بدار الإسلام عندنا وعنده
يثبت. له أن سبب الملك الاستيلاء، إذا ورد على مال مباح كما فى الصيود، ولا معنى للاستيلاء
سوى إثبات اليد، وقد تحقق. ولنا أنه علیه السلام نهى عن بيع الغنيمة فی دار الحرب (غريب جدا
لم أقف له على سند ولا على مخرج مع شدة التنقير ومراجعة الكتب) والخلاف ثابت فيه، والقسمة
بيع معنى فتدخل تحته، ولأن الاستيلاء إثبات اليد الحافظة والناقلة. والثانى معدوم لقدرتهم على
الاستنقاذ، ووجوده ظاهرا. ثم قيل: موضع الخلاف ترتب الأحكام على القسمة إذا قسم الإمام
لا عن اجتهاده، (فإنه إذا قسم مجتهدا جاز بالاتفاق) وقيل: الكراهة كراهة تنزيه عند محمد، فإنه
قال على قول أبى حنيفة وأبى يوسف: لا تجوز القسمة فى دار الحرب. وعند محمد الأفضل
أن يقسم فى دار الإسلام اهـ "وفى الكفاية": وفيه نظر لأن هذا يشير إلى أن قول محمد على
خلاف قول أبى حنيفة فى القسمة فى دار الحرب، وليس بمشهور. فإنه لا خلاف بينهم فى ظاهر
الرواية عن أصحابنا وفى غير ظاهر الرواية الأفضلية منقولة عن أبى يوسف كما ذكرناه اهـ
(٢٢٤:٥ و٢٢٥) مع "فتح القدير".
واحتج الجمهور بما رواه أبو إسحاق الفزارى، قال: قلت للأوزاعى: هل قسم رسول
(١) ففيه نظر فقد صرح ابن كثير فى الكامل بأن المسلمين غنموا ثلاثين أفراسا وسبعمائة بعير والله تعالى أعلم.