Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ ما جاء فى الاستعانة بالمشركين فى الجهاد ج - ١٢ لم أجده إلا من طريق الحسن بن عمارة وهو ضعيف (التلخيص ٣٦٩:٢). قلت: الحسن فنزل به عدوه فأبلى يومئذ مع النجاشى بلاء حسنا، فكان للزبير عند النجاشى بها منزلة حسنة. فبظاهر هذا الحديث يستدل من يجوز قتال المسلمين مع المشركين تحت رأيتهم. قال: ولكن تأويل هذا من وجهين عندنا: أحدهما أن النجاشى كان مسلما يومئذ كما روى، فلهذا استحل الزبير القتال معه، والثانى أنه لم يكن للمسلمين يومئذ ملجأ غيره اهـ (١٨٧:٣). قلت: وإنما يحتاج إلى التأويل إن ثبت قتال الزبير رضى الله عنه تحت رأية الحبشة؛ وإن ذلك بلغ النبى من آ فأقره، وليس شىء من الأمرين بثابت وقد أخرج ابن إسحاق فى "مغازيه" حدثنى الزهرى عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام عن أم سلمة زوج النبى معَ ◌ّه («قالت: أقمنا عند النجاشى بخير دار مع خير جار. فو الله إنا لعلى ذلك إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه فى ملكه، قالت: فوالله! ما علمنا حزنا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك، تخوفا أن يظهر ذاك الرجل على النجاشى، فيأتى رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشى يعرف منه. قالت: فقال أصحاب رسول الله عَ ليه: من رجل يخرج حتى يحضر وقيعة القوم فيأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير بن العوام: أنا! فقالوا: فأنت. ثم انطلق حتى حضرهم. قالت: فدعونا الله تعالى للنجاشى بالظهور على عدوه والتمكين له فى بلاده. قالت: فوالله إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن، إذ طلع الزبير وهو يسعى فلمع بثوبه وهو يقوله: ألا أبشروا فقد ظفر النجاشى، وأهلك الله عدوه، ومكن له فى بلاده، الحديث كذا فى "السيرة" لابن هشام (١٨٣:١). وهذا سند صحيح وليس فيه إلا حضور الزبير الوقعة لتعرف الخبر ليأتى به أصحاب رسول الله مرّه. ولم يثبت لنا ما يدل على قتاله مع الحبشة عدوهم، ولو ثبت فلم ينبت أن ذلك بلغ النبى معرّ فأقره عليه. والله تعالى أعلم! قال الشيخ: والأولى فى الجواب هو ما قاله السرخسى أو لا إن النجاشى كان مسلما يومئذ، فلذا حضر الزبير معه القتال اهـ. وفى "شرح السير" أيضا "لا ينبغى للمسلمين أن يقاتلوا أهل(١) الشرك مع أهل الشرك، لأن الفئتين حزب الشيطان، وحزب الشيطان هم الخاسرون، فلا ينبغى للمسلم أن ينضم إلى إحدى الطائفتين، فيكثر سوادهم ويقاتل دفعا عنهم، وهذا لأن حكم الشرك هو الظاهر. والمسلم إنما يقاتل لنصرة أهل الحق لا لإظهار أهل الشرك، ولا ينبغى أن يقاتل أحد من أهل (١) قلت: وينبغى أن يكون هذا هو حكم المناظرة، لكونها من الجهاد باللسان فلا يجوز أن نناظر طائفة من الكفار مع فرقة أخرى من الكافرين، إذا كان حكم الكفر هو الظاهر، ولا أن نناظر طائفة من أهل الأهواء مع طائفة أخرى منهم، ويجوز أن نناظر طائفة من الكفار مع جماعة من أهل الأهواء، فافهم. ٦٢ ما جاء فى الاستعانة بالمشركين فى الجهاد إعلاء السنن ابن عمارة مختلف فيه والمرسل إذا تأيد بموصول ولو ضعيفا، فهو حجة عند الكل. العدل أحدا من الخوارج مع قوم آخرين من الخوارج إذا كان حكم الخوارج هو الظاهر، لأن إباحة القتال مع الفئة الباغية من المسلمين إن رجعوا إلى أمر الله، ولا يحصل هذا المقصود بهذا القتال إذا كان حكم الخوارج هو الظاهر. ولا بأس بأن يقاتل المسلمون من أهل العدل مع الخوارج المشركين من أهل الحرب، لأنهم يقاتلون الآن لدفع فتنة الكفر وإظهار الإسلام فهذا قتال على الوجه المأمور به وهو إعلاء(١) كلمة الله تعالى بخلاف ما سبق اهـ - وفيه أيضا- ولو قال أهل الحرب لأسراء فيهم: قاتلوا معنا عدونا من المشركين، وهم لا يخافون على أنفسهم إن لم يفعلوا ، فليس ينبغى أن يقاتلوهم معهم؛ لأن فى هذا القتال إظهار الشرك، والمقاتل يخاطر بنفسه، فلا رخصة فى ذلك إلا علی قصد إعزاز الدين، أو الدفع عن نفسه. فإذا كانوا يخافون أولئك المشركين الآخرين على أنفسهم فلا بأس بأن يقاتلوهم؛ لأنهم يدفعون الآن شر القتل عن أنفسهم، وإن قالوا لهم: قاتلوا معنا عدونا من المشركين، وإلا قتلناكم فلا بأس بأن يقاتلوا دفعا لهم، لأنهم يدفعون الآن شر القتل عن أنفسهم. وإن قالوا لهم: قاتلوا معنا المسلمين وإلا قتلناكم لم يسعهم القتال مع المسلمين، لأن ذلك حرام على المسلمين بعينه فلا يجوز الإقدام عليه بسبب التهديد بالقتل. فإن هددوهم ليقفوا معهم فى الصف ولا يقاتلوا المسلمين رجوت أن يكونوا فى سعة، لأنهم الآن لا يصنعون بالمسلمين شيئا. فهذا ليس من جملة المظالم فإن كانوا لا يخافون المشركين على أنفسهم فليس لهم أن يقفوا معهم فى صف، وإن أمروهم بذلك لأن فيه إرهاب المسلمين وإلقاء الرعب والفشل فيبهم. وبدون تحقق الضرورة لا يسع المسلم الإقدام على شىء منه، ولو قالوا للأسراء: قاتلوا معنا عدونا من أهل حرب آخرين على أن نخلى سبيلكم إذا انقضت حربنا، لو وقع فى قلوبهم أنهم صادقون فلا بأس بأن يقاتلوا معهم. لأنهم يدفعون بهذا . الأمر عن أنفسهم، فإن قيل: كيف يسعهم هذا وفيه قوة لهم على المسلمين لأنهم إذا ظفروا بعدوهم فأمنوا جانبهم أقبلوا على قتال المسلمين؟ قلنا: ذلك موهوم وما يحصل لهم الآن من النجاة عن الأسر معلوم فيترجح هذا الجانب اهـ (٢٤١:٣ و ٢٤٢ و ٢٤٣). قلت: وهذه النصوص تعرب لنا عن حكم محاربة المسلمين حكومة الهند مع الهنود (١) قلت: وهذه حادثة الفتوى كان المشركون قد قاتلوا مرة أهل الرفض على إخراج العلم فى المحرم فاستفتى أهل السنة شيخ مشايخنا مولانا محمد يعقوب -قدس سره- هل يجوز لنا أن نقاتل المشركين مع الروافض؟ فأجاب أن نعم! فإن المشركين لا يقاتلونهم إلا لإبطال شعار الإسلام فى ظنهم لا لإبطال البدعة فى الإسلام. ٦٣ ج - ١٢ باب الجاسوس وحكم الحربى إذا دخل دار الإسلام بغير أمان ٣٨٥١- عن سلمة بن الأكوع قال: أتى النبى معَّ لّله عين من المشركين وهو فى سفر فجلس عند أصحابه يتحدث ثم انقتل فقال النبى معَّ ليه (اطلبوه واقتلوه))، فقتلته فنفله سلبه. رواه البخارى (فتح البارى ١١٧:٦). وفيه أيضا: زاد أبو نعيم فى "المستخرج": أدركوه فإنه عين اهـ. المشركين لإعتاق الوطن واستخلاصها عن سلطنة الأجانب فليتنبه له! فإن الحكم الظاهر فى هذه المحاربة للمشركين كما هو ظاهر، فالكثرة بهم عددا وعدة، ولهم الرياسة فى تدبير الحرب وتعيين طرقها، والمسلمون لا يخافونهم على أنفسهم، فلا يجوز لهم محاربتها مع المشركين لما فى هذا الحرب من إظهار الشرك. والمقاتل يخاطر بنفسه فلا رخصة فى ذلك إلا لقصد إعزاز الدين أو الدفع عن نفسه، وأما المدافعة عن الوطن فليس من الجهاد فى شىء إلا إذا كان الغلبة للإسلام وأهله بعد المدافعة، وإلا فلا، كما لا يخفى، والله تعالى أعلم. باب الجاسوس وحكم الحربى إذا دخل دار الإسلام بغير أمان قوله: "عن سلمة إلخ" قال الحافظ فى "الفتح" عن النووى: فيه قتل الجاسوس الحربى الكافر، وهو باتفاق، وأما المعاهد والذمى فقال مالك والأوزاعى: ينتقض عهده بذلك، وعند الشافعية خلاف. أما لو شرط عليه ذلك فى عهده فينتقض اتفاقا اهـ (١١٧:٦) وفى "شرح السير" قال: إذا وجد المسلمون رجلا ممن يدعى الإسلام عينا للمشركين على المسلمين يكتب إليهم بعوراتهم فأقر بذلك طوعا فإنه لا يقتل، ولكن الإمام يوجعه عقوبة، قد أشار فى موضعين فى كلامه إلى أن مثله لا يكون مسلما حقيقة، فإنه قال ممن يدعى الإسلام وقال: يوجع عقوبة، ولم يقل: يعزر. وقد بينا أن فى حق المسلمين يستعمل لفظ التعزير، إلا أنه قال: لا يقتل، لأنه لم يترك ما به حكمنا بإسلامه فلا نخرجه من الإسلام فى الظاهر ما لم يترك ما به دخل فى الإسلام، ولأنه إنما حمله على ما صنع الطمع لا خبث الاعتقاد وهذا أحسن الوجهين، وبه أمرنا. قال: وكذلك لو فعل هذا ذمى فإنه يوجع عقوبة، ويستودع السجن. ولا يكون هذا نقضا منه للعهد. لأنه لو فعل ذلك مسلم لم يكن به ناقضا إيمانه. فإذا فعله ذمى لا يكون ناقضا أمانه أيضا، إلا أنه يوجع عقوبة فى جميع ذلك. وكذلك لو فعله مستأمن فينا، فإن كان حين طلب الأمان قال له المسلمون: قد آمناك إن لم تكن عينا للمشركين، لو آمناك على أنك إن أخبرت أهل الحرب بعورة المسلمين فالأمان لك والمسألة بحالها فلا بأس بقتله. لأن المعلق بالشرط يكون معدوما قبل وجود ٦٤ إعلاء السنن باب الحربى إذا ادعى أنه جاء يريد الإسلام أو طالبا للأمان ٣٨٥٢- عن جندب بن مكيث قال: بعث رسول الله عَّه عبد الله بن غالب الليثى فى سرية وكنت فيهم، وأمرهم أن يشنوا الغارة على بنى الملوح بالكديد، فخرجنا حتى إذا كنا بالكديد، لقينا الحارث بن البرصاء الليثى، فأخذناه فقال: إنما جئت أريد الإسلام، وإنما خرجت إلى رسول الله عّ لّ، فقلنا: إن تك مسلما لم يضرك رباطنا يوما وليلةً، وإن تكن غير ذلك نستوثق منك فشددناه وثاقا. رواه أبو داود (١٤:٤ مع "البذل")، وسكت عنه. الشرط، فإذا ظهر أنه عين كان حربيا لا أمان له فلا بأس بقتله، إن رأى أن يجعل فيئا فلا بأس به أيضا كغيره من الأسراء إلا أن الأولى أن يقتله ههنا ليعتبر به غيره اهـ (٢٢٦:٤-٢٢٧). قلت: ويرد على قولهم فى الذمى: إنه لا يقتل ما أخرجه فى "المنتقى"، وعزاه إلى أحمد وأبى داود عن فرات بن حيان ((أن النبى معَّ أمر بقتله، وكان ذميا وكان عينا لأبى سفيان وحليفا لرجل من الأنصار. الحديث (٧: ٢١٠). مع "النيل" ولكن لفظة " وكان ذميا" لم نجده فى "سنن أبى داود"، وقال سيدى الخيل -قدس سره- فى "البذل": وراجعت مسند أحمد فلم أجد فيه "وكان ذميا" فلا أدرى من أين هذا اللفظ لصاحب "المنتقى" اهـ (٤: ٤) وفرات بن حيان لم يكن ذميا حين أسر بل كان حربيا، فقد قال ابن الأثير فى "أسد الغابة": ((بعث رسول الله عَ ليه سرية مع زيد بن حارثة ليتعرضوا عير القريش، وكان دليل قريش فرات بن حيان، فأصابوا العير وأسروا فرات بن حيان، فأتوا به رسول الله مَّ فلم يقتله))، كذا فى "البذل" (٤:٤). وفى "الإصابة" قال أبو العباس بن عقدة الحافظ: حدثنا محمد بن عبد الله ابن عتبة ثنا موسى بن زياد ثنا عبد الرحمن ابن سليمان الأشهل عن زكريا بن أبى زائدة عن أبى إسحاق عن جارية بن مضرب عن على رضى الله عنه ((أتى النبى معَّ بفرات بن حيان يوم الخندق وكان عينا للمشركين، فأمر بقتله فقال: إنى مسلم) الحديث (٢٠٥:٥). وأياما كان فقد أسر وهو محارب غير ذمى، فلا حجة فيما نقله صاحب "المنتقى" ما لم يقم عليه دليل، والعلم عند الله الملك الجليل. باب الحربى إذا ادعى أنه جاء يربد الإسلام أو طالبا للأمان قوله: "عن جندب بن مکیث إلخ" قلت: فيه دلالة على جواز أسر الحربی وإن كان يدعى أنه جاء يربد الإسلام أو طالبا للأمان. وفى "شرح السير" (٣١٩:٣): "ولو أن المسلمين أخذوا 5 ج - ١٢ الحربى إذا ادعى أنه جاء يربد الإسلام أو طالبا للأمان ٦٥ ٣٨٥٣- قال ابن إسحاق: وخرج فى تلك الليلة -التى نزلت فيها بنو قريظة- عمرو بن سعدى القرظى فمر بحرس رسول الله عَّ له، وعليه محمد بن مسلمة. فلما رآه قال: من هذا؟ قال: أنا عمرو بن سعدى، كان عمرو قد أبى أن يدخل مع بنى قريظة فى غدرهم برسول الله عَّه. فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمنى إقالة عثرات الکرام، ثم خلی سبیله فخرج على وجهه، ثم ذهب فلم يدر أين توجه من الأرض إلى يومه هذا؟ فذكر لرسول الله عَّ له شأنه فقال: ذاك رجل نجاه الله بوفائه. كذا فى "السيرة" لابن هشام (١٠٩:٢)، واحتج به فى "شرح السير" (١٩٧:١). أسراء من أهل الحرب، فأرادوا قتلهم فقال رجل منهم: إنى مسلم فليس ينبغى لهم أن يقتلوه حتى يسئلوه عن الإسلام، لا لأنه يصير مسلما بهذا اللفظ ولكن لظاهر قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا، تبتغون عرض الحيوة الدنیا﴾ فإن وصف الإسلام حين سألوه عنه فهو مسلم لا يحل قتله وهو فىء، إلا أن يعلم أنه كان مسلما قبل ذلك، لأن هذا منه ابتداء الإسلام لم يعرف إسلامه قبل هذا، وذلك يؤمنه من القتل دون الأسترقاق ولو قال: أدعونى إلى الإسلام حتى أسلم لم يحل قتله أيضا - إلى أن- قال: وكان فيئا اهـ (٣٢٩:١ و٣٣٠) . -وفيه أيضا- ولو أن عسكر المسلمين فى دار الحرب وجدوا رجلا أو امرأة فقال حين وجدوه: جئت أطلب الأمان، فإن لم يكن لهم به علم حتى هجموا عليه فهو فىء ولا يصدق فى ذلك، لأن الظاهر يكذبه فيما يقول، فإنه كان مختفيا منهم إلى أن هجموا عليه، فإن كان ممتنعا فى موضع لا يقدر عليه المسلمون وهم يسمعون كلامه إن تكلم فأرادوه ليقتلوه، فلما رأی ذلك لم يتكلم، ولکنه أقبل فوضع يده فى أيديهم فهو فىء. وللإمام أن يقتله ولا يقبل قوله: "إنى جئت لطلب الأمان" وإن لم يتعرض له المسلمون بقتل ولا أسر فأقبل إليهم حتى أتاهم فهو آمن، لأن إقباله إليهم دليل المسالمة، فهو بمنزلة النداء بالأمان بخلاف الأول اهـ مختصرا (١٩٥:١). قوله: "قال ابن إسحاق إلخ". قلت: دلالته على أن الحربى إذا أقبل إلى المسلمين قبل أن يتعرضوا له بقتل أو أسر فهو آمن ظاهرة. لا يقال: إن عمرو بن سعدى إنما كان آمنا لعدم دخوله فى الغدر، لأنا نقول: إن ذلك لا يؤمنه حتى يخبر بذلك المسلمين، ويطلعهم على إنعزاله من الغادرين. ولم يثبت أن عمرو بن سعدى فعل ذلك وحينئذ فلم يكن آمنا إلا لإقباله إلى المسلمين بإلقاء السلاح على هيئة رجل لا يريد القتال. قال فى "شرح السير": وإن كان أقبل سالا سيفه ماذا رمحه إلى المسلمين، فلما كان فى موضع لا يكون ممتنعا منهم، نادى بالأمان فهو فىء، لأن الظاهر من حاله ٦٦ إعلاء السنن باب الحرب خدعة وجواز الكذب فى الحرب ما لم يكن غدر ولا نقض أمان ٣٨٥٤- عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: قال النبى عَ له: ((الحرب خدعة)). رواه الإمام البخارى فى "صحيحه" (١١٠:٦ مع "الفتح"). أنه أقبل مقاتلا اهـ (١٩٦:١). باب الحرب خدعة وجواز الكذب فى الحرب ما لم يكن غدر ولا نقض أمان قوله: "عن جابر بن عبد الله إلخ". قال الحافظ فى "الفتح": قوله: "خدعة" بفتح المعجمة وبضمها مع سكون المهملة فيهما. وبضم أو له وفتح ثانية. قال النووى: اتفقوا على أن الأولى. الأفصح، حتى قال ثعلب: بلغنا أنها لغة النبى معَّه وفيه التحريض على أخذ الحذر فى الحرب، والندب إلى خداع الكفار، وأن من لم يتقيظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه، قال النووى: واتفقوا على جواز خداع الكفار فى الحرب كيفما أمكن إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان، فلا يجوز قال ابن المنير: معنى ((الحرب خدعة)) أى الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة فى مقصودها إنما هى المخادعة لا المواجهة، وذلك لخطر الموجهة وحصول الظفر مع المخادعة بلا خطر اهـ ملخصا (٦: ١١٠ و١١١). وفى "شرح السير الكبير" للسرخسى (٨٣:١) بعد ذکر الحدیث ما نصه: وفيه دليل على أنه لا بأس للمجاهد أن يخادع قرنه فى حالة القتال، وإن ذلك لا يكون غدرا منه، وأخذ بعض العلماء بالظاهر فقالوا: يرخص فى الكذب فى هذه الحالة، واستدلوا بحديث أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى معَّه قال: ((لا يصلح الكذب إلا فى ثلث)) الحديث. والمذهب عندنا أنه ليس المراد به الكذب المحض، فإن ذلك لا رخصة فيه، وإنما المراد استعمال المعاريض، وهو نظير ما روى ((أن إبراهيم عليه السلام كذب ثلاث كذبات)). والمراد أنه تكلم بالمعاريض، إذا الأنبياء معصومون عن الكذب المحض، وقال عمر رضى الله عنه: إن فى معاريض الكلام لمندوحة عن الكذب اهـ. وأورد عليه أن محمد بن مسلمة قال للنبى معَّه: ائذن لى أن أقول، قال: قل! فإنه داخل فيه الإذن فى الكذب تصريحا وتلويحا قاله الحافظ فى "الفتح" (١١١:٦). قلت: الظاهر من السياق أنه طلب الإذن فى المعاريض، ولذا قال: ائذن لى أن أقول ولم يقل: ائذن لى أن أكذب، فمن لم يرض بطلبٍ الإضن فى الكذب تصريحا فمثله لا يرضى بالكذب الصريح أبدا. والذى وقع منهم فى قتل كعب بن الأشرف كان كله تعريضا لا كذبا صريحا لأن قولهم: عنانا أى كلفنا بالأوامر ٦٧ الحرب خدعة وجواز الكذب فى الحرب ما لم يكن غدر ولا نقض أمان ج - ١٢ ٣٨٥٥- عن جابر: عن النبى معَّ لّه قال: من لكعب بن الأشرف؟ فقال محمد بن مسلمة: أ تحب أن أقتله؟ قال: نعم! قال: فأذن لى فأقول، قال: قد فعلت رواه البخارى (١١٢:٦ مع "الفتح" أيضًا. والنواهى وقولهم: "سألنا الصدقة" أى طلبها منا ليضعها مواضعها، وقولهم: فنكره أن ندعه إلى آخره معناه نكره فراقه. ولا شك أنهم كانوا يحبون الكون معه أبدا. فالظاهر أنه لم يقع منهم فيما قالوا بشىء من الكذب أصلا وجميع ما صدر منهم تلويح كما اعترف به الحافظ فى "الفتح" (١١١:٦) أيضًا. ولكن يرد عليه قصة "الحجاج بن علاط" الذى أخرجه النسائي وصححه الحاكم فى استئذانه النبى عّ لّ أن يقول عنه ما شاء لمصلحة فى استخلاص ما له من أهل مكة، وأذن له الْ عَّةٍ، وإخباره لأهل مكة أن أهل خيبر هزموا المسلمين وغير ذلك مما هو مشهور فيه ذكره الحافظ فى "الفتح" (١١١:٦) وبسطه ابن هشام فى السيرة نقلا عن ابن إسحاق (٢: ١٩٠). ولفظه: "قال قلت: هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط، وقتل أصحابه قتلا لم تسمعوا بمثله قط، وأسر محمد أسرا وقالوا: لا نقتله حتى نبعث به إلى أهل مكة فيقتلوه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم" اهـ. قلت: ولم أقدر على الجواب الشافى عنه، فإنه مشتمل على الكذب الصريح، وظنى أن بعض الرواة قد تصرف فى معناه بزيادة بعض الألفاظ. والقصة أخرجها الطحاوى فى "مشكله" (٢٤٢:٤) بسند صحيح، وفيه ((فلما قدم (أى الحجاج) مكة قال لامرأته: إن أصحاب محمد قد استبيحوا، وإنما جئت لآخذ أهلى ومالى فأشترى من غنائمهم)) اهـ. وهو محتمل أن يكون أراد به أن الصحابة قد استوصلوا من لذائذ الدنيا لرغبتهم فى الآخرة وجئت لآخذ أهلى ومالى لكى أعمل بمثل أعمالهم وأفوز بمثل ما فازوا به من غنائم الآخرة والله أعلم. قال الشيخ: "والحق جواز الكذب الصريح إذا لم يقدر على التعريض فى المواضع الثلاثة المذكورة فى حديث أسماء فى المتن، وعدم جوازه إذا قدر عليه وأما ذكره فى شرح السير أن الكذب المحض لا رخصة فيه فمبنى على الاحتياط اهـ. قلت: وإليه ذهب النووى فقال: الظاهر إباحة حقيقة الكذب فى الأمور الثلاثة لكن التعريض أولى وقال ابن العربى: الكذب فى الحرب من المستثنى الجائز بالنص، رفقا بالمسلمين لحاجتهم إليه، وليس للعقل فيه مجال، ولو كان تحريم الكذب بالعقل ما انقلب حلالا اهـ (فتح البارى ١١١:٦). وقواه بقصة "الحجاج بن علاط" ثم قال: ولا يعارض ذلك ما أخرجه النسائى من طريق مصعب ٦٨ إعلاء السنن الحرب خدعة وجواز الكذب فى الحرب ما لم يكن غدر ولا نقض أمان ٣٨٥٦- عن أسماء بنت يزيد مرفوعًا ((لا يحل الكذب إلا فى ثلاث تحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب فى الحرب، وفى الإصلاح بين الناس)). أخرجه الترمذى وحسنه (١٦:٢). ابن سعد عن أبيه فى قصة عبد الله بن أبى سرح وقول الأنصار للنبى معَّ له لما كف عن بيعته: هلا أومأت إلينا بعينك! قال: ما ينبغى للنبى أن تكون له خائنة الأعين، لأن طريق الجمع بينهما أن المأذون فيه بالخداع والكذب فى الحرب حالة الحرب خاصة، وأما حال المبايعة فليست بحال حرب، وفيه نظر لأن قصة الحجاج بن علاط أيضا لم يكن(١) فى حال حرب، والجواب المستقيم أن تقول: المنع مطلقا من خصائص النبى مِّ ◌ُلّه، فلا يتعاطى شيئا من ذلك وإن كان مباحا لغيره. ولا يعارض ذلك ما تقدم من أنه كان إذا أراد غزوة وروى بغيرها، فإن المراد أنه كان يريد أمرا فلا يظهره، كان يريد أن يغزو جهة الشرق فيسأل عن أمر فى جهة الغرب، ويتجهز للسفر، فيظن من يراه ويسمعه أنه يريد جهة الغرب. وأما أن يصرح بإرادته الغرب، وإنما مراده الشرق فلا! والله أعلم (١١٢:٦). قلت: ولكن يعكر عليه ما رواه ابن إسحاق، حدثنا يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة: ((أن نعيما كان رجلا نموما، وأن النبى عّ لّه قال له: إن اليهود بعثت إلى إن كان يرضيك أن تأخذ من قريش وغطفان رهنا ندفعهم إليك فتقتلهم فعلنا، فرجع نعيم مسرعا إلى قومه فأخبرهم. فقالوا: والله! ما كذب محمد عليهم، وإنهم لأهل غدر، وكذلك قال لقريش، فكان ذلك سبب خذلانهم ورحيلهم)). كذا فى "فتح البارى" (٣٠٩:٧) وهذا سند صحيح وفيه ما يرد على الحافظ قوله: إن المنع مطلقا من خصائص النبى عّ لّه فلا يتعاطى شيئا من ذلك، وإن كان مباحا لغيره. والجواب أن الروايات فى قصة نعيم مختلفة، منها ما ذكره الحافظ قبل ذلك عن ابن إسحاق أيضا. وسكت عنه: أن نعيم بن مسعود الأشجعى أتى النبى مِّ مسلما ولم يعلم به قومه، فقال له: خذل عنا! فمضى إلى بنى قريظة، وقال لهم: لا تقاتلوا مع قريش حتى تأخذوا رهنا منهم، فقبلوا رأيه فتوجه إلى قريش، فقال لهم: إن اليهود قد ندموا على الغدر بمحمد وسيطلبون منكم رهنا ليدفعوهم إليه فيقتلهم إلى آخر القصة، وذكرها محمد فى "السير الكبير" بما لفظه: بلغنا أن رجلا جاء إلى النبى معَّه يوم الخندق (واسمه: نعيم بن مسعود كما فى "شرح السير" مؤلف) جاء إلى النبى معَّه يوم الخندق فقال: يا رسول الله! إن بنى قريظة قد غدرت وبايعت أبا سفيان وأصحابه، (١) قلت: كلا! بل كان أهل مكة حربا للمسلمين إذ ذاك، ولو أظهر الحجاج إسلامه لآذوه وسلبوه ماله، ولذا احتاج إلى إخفاء حاله، وقصة ابن أبى سرح كانت بعد فتح مكة، ووضع الحرب أوزارها. ٦٩ ج - ١٢ باب الفرار من الزحف ٣٨٥٧- عن أبى هريرة عن النبى عّ لّه قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: وما هن؟ يا رسول الله! قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)) متفق عليه (نيل الأوطار ١٥٢:٧). فقال رسول الله عَّه: ((فلعلنا نحن أمرناهم بهذا)) فرجع إلى أبى سفيان، فقال: زعم محمد أنه أمر بنى قريظة بهذا، فقال: أنت سمعته يقول: هذا؟ قال: نعم! قال: فوالله ما كذب اهـ) (٨٤:١) ففى الرواية الأولى "أن نعيما قال لليهود: لا تقاتلوا قريشا حتى تأخذوا رهنا منهم، ثم توجه إلى قريش وكان هو المخذل" وفى الثانية أن النبى عرّه قال له: ((لعلنا نحن أمرناهم بهذا)). والكلام إذا قيد "بلعل" "عسى" فإن ذلك بمنزلة الاستثناء، يخرج الكلام به من أن يكون عزيمة ومعناه يمكن أن قد کان کذا ولا ریب فی الإمکان. فلم یکن من الكذب فی شیء وإذا تعارضت الروایات یرجح منها ما كان أقرب إلى الأصول وأولى بشأن الرسول عليه صلاة الله وسلامه، ما هبت الدبور والقبول. باب الفرار من الزحف قوله: "عن أبى هريرة إلخ. دلالته على أن الفرار من الزحف من الكبائر ظاهرة والأصل فيه قوله تعالى: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾، وقوله: ﴿أو متحيزا إلى فئة﴾ أى إلى سرية للقتال، بالكرة على العدو من جانب آخر، قاله محمد فى "السير الكبير" له (٨٦:١). وأما مارواه ابن عمر قال: ((كنت فى سرية من سرايا رسول الله عّ لّه، فحاص الناس حيصة، وكنت فيمن خاص، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب؟ فجلسنا لرسول الله عّ لّه قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه فقلنا: نحن الفرارون، فقال النبى عدّ له: ((لا! بل أنتم العكارون؛ أنا فئتكم وفئة المسلمين)) كما فى "النيل" (١٥٢:٧) فظاهره جواز الفرار إلى الإمام ولو لم يكن فى العسكر، أو قريبا منه بل مقيما فى قائمة عرشه، لأنه من التحيز إلى فئة أيضا. وكذلك يجوز الفرار إلى معسكر المسلمين فيه نصرة، ولا يجوز الفرار إلى قوم من المسلمين لا نصرة معهم كما سيأتى. وهذا وإنما فر من فر من أهل السرية، لكونهم أقل عددا وعدة، والعدد أكثر منهم أضعافا مضاعفة، كان المسلمون ثلاثة آلاف والروم والعرب المتنصرة أكثر من مائتى الف وذلك فى غزوة موتة، فلا لوم على من فر، والحال هذه متحيزا إلى فئة. ٧٠ الفرار من الزحف إعلاء السنن ٣٨٥٨- عن ابن عباس لما نزلت ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ فكتب عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين، ثم نزلت ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ الآية، فكتب أن لا تفر مائة من مائتين)). رواه البخارى وأبو داود (نيل الأوطار ١٥٢:٧). ٣٨٥٩- وعنه أنه قال: ((من فر من ثلاثة لم يفر، ومن فر من اثنين فقد فر)) رواه الحاكم والشافعى عن سفيان عن ابن أبى نجيح عن عطاء عن ابن عباس رواه الطبرانى من رواية الحسن بن صالح عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا (التلخيص الحبير ٣٥٧:٢). ٣٨٦٠- وعنه مرفوعًا ((خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولا تهزم اثنا عشر ألفا من قلة)). رواه أبو داود والترمذى والحاكم وأما من ثبت وصبر واصطدم العدو، كخالد بن الوليد رضى الله عنه وأصحابه، فإنهم لم يفروا وما ضعفوا وما استكانوا، بل قاتلوا قتالا شديدا، حتى فتح الله عليهم وهزم العدو، فمرحبا بهم وعجبا لشجاعتهم، وحمدا لبسالتهم فللّه درهم وفى سبيل الله برهم. وقد ذكرت هذه الواقعة فى "الولادة المحمدية" بالهندية مبسوطة، من أراد البسط فليراجعها. وهذا هو محمل قول عمر رضى الله عنه "أنا فئة لكل مسلم" رواه الشافعى عن ابن عيينة عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عنه كما فى "التلخيص الحبير" (٣٧٤:٢). وكان بالمدينة وجنوده بالشام والعراق، أو أنه قال ذلك تسلية وتطييبا لقلوب المسلمين، لأنهم ما كانوا ليفروا إلا إذا أتاهم من العدو ما لا طاقة لهم به من كثرة العدد أو العدة والسلاح، والله تعالى أعلم. قوله: "عن ابن عباس وعنه إلخ" قال فى "شرح السير": ثم إن كان عدد المسلمين مثل نصف عدد المشركين لا يحل لهم الفرار منهم وكان الحكم فى الابتداء أنهم إذا كانوا مثل عشر المشركين، لا يحل لهم أن يفروا. ثم خفف الأمر فقال (الآن خفف الله عنكم - إلى قوله- ﴿وإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مأتين﴾ ومن أخبر الله أنه غالب فليس له أن يفر، وهذا إذا كان بهم قوة القتال، بأن كانت معهم الأسلحة. فأما من لا سلاح له فلا بأس بأن يفر ممن معه السلاح، وكذلك لا بأس بأن يفر ممن يرمى، إذا لم يكن معه آلة الرمى، ألا ترى أن له أن يفر من باب الحصن، ومن الموضع الذى فيه يرمى بالمنجنيق للعجز عن المقام فى ذلك الموضع اهـ (٨٧:١). قوله: "وعنه مرفوعا إلخ". قال العزيزى: واستدل بهذا الحديث على أن عدد المسلمين إذا بلغ اثنى عشر ألفا أنه يحرم الانصراف وإن زاد الكفار على مثليهم. قال القرطبى: وهو مذهب ٧١ ج - ١٢ الفرار من الزحف بإسناد صحيح، (العزيزى ٢٤١:٢). ولفظ الحاكم فى "مستدركه" (١٠١:٢): ((ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة اهـ)). وفى "أحكام القرآن" للجصاص (٤٨:٣): وفى بعض الروايات ((ما غلب قوم يبلغون اثنى عشر ألفا إذا اجتمعت كلمتهم اهـ)). جمهور العلماء لأنهم جعلوا هذا مخصصا للآية الكريمة اهـ" (٢٤١:٢) قلت: وممن ذهب إلى ذلك الحنفية أيضا، فقد قال فى "شرح السير" " لا بأس بأن يفر الواحد من الثلاثة. إلا أن يكون المسلمون إثنى عشر ألفا كلمتهم واحدة فحينئذ لا يجوز لهم أن يفروا من العدو، وإن كثروا، لأن النبى عَّه قال: "لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة" ومن كان غالبا فليس له أن يفر اه (٨٧:١). فإن قيل: كيف خصصتم الآية الكريمة بخبر الواحد ولا يجوز ذلك عندكم؟ قلنا: إن الحديث قد تلقته الأمة بالقبول فصار كالمتواتر كما قاله الجصاص فى "أحكام القرآن" له: إن ما تلقاه الناس بالقبول من أخبار الآحاد فهو عندنا فى معنى المتواتر لما بيناه فى مواضع اهـ (٣٨٦:١). وفيه أيضا: فإن زاد عدد الكفار على اثنين (والمسلم واحد) فجائز حييئذ الواحد التحيز إلى فئة من المسلمين فيها نصرة، فأما إن أراد الفرار ليلحق بقوم لا نصرة معهم فهو من أهل الوعيد المذكور اهـ (٤٨:٣). وفيه أيضا: وذكر الطحاوى أن مالكا سئل أ يسعنا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام الله وحكم بغيرها؟ فقال له مالك: إن كان معك إثنا عشر ألفا، مثلك لم يسعك التخلف. وإلا فأنت فى سعة من التخلف وهذا المذهب موافق لما ذكر محمد بن الحسن اهـ (٤٨:٣ و ٤٩). قال الطحاوى فى "مشكله": "سمعت محمد بن عيسى بن فليح بن سليمان الخزاعى. أبناء عبد الله يذكر أن العمرى العابد - وهو عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب- جاء إلى مالك، فقال له: يا أبا عبد الله! قد ترى هذه الأحكام التى قد بدلت، أ فيسعنا مع ذلك التخلف عن مجاهدة من بدلها؟ فقال له مالك: فذكره. قال الطحاوى: فكان هذا الجواب من مالك أحسن جواب، وإنما أخذه عندنا - والله أعلم - من قول النبى معَّ فى حديث ابن عباس الذى رويناه ((ولن يؤتى إثنا عشر ألفا من قلة))، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق اهـ (٢٤١:١). قلت: وهذا أيضا من أحد الأدلة للمتخلفين عن الحرب الدستورى فى الهند، فإنهم لا يجدون ألفا من المسلمين، فضلا عن أثنى عشر ألفا كلمتهم مجتمعة متحدة، بل یجدون شحا مطاعا، وهوى متبعا. وإعجاب كل ذى رأى برأيه، فأخذوا بخاصة أنفسهم، وتركوا عنهم أمر العامة كما ورد به الحديث. وإلى الله المشتكى ممن أغمض عينيه عن كل ذلك، وأخذ فى الطعن علیهم وجعل یرمیهم بكل سوء، فالله يهديه ويصلح باله. ٧٢ إعلاء السنن باب حمل الرؤوس إلى الولاة ٣٨٦١- نا محمد بن هارون نا محمد بن يحيى القطعى حدثنى عبد الله بن إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن - هو الهاشمى- حدثنى أبى عن صالح بن خوات عن عبد الله (١) بن عبد الرحمن عن أبى سعيد الخدرى ((أن أول رأس علق فى الإسلام رأس أبى عزة الجمحى، ضرب رسول الله عَ ليه عنقه، ثم حمل رأسه على رمح، ثم أرسل به إلى المدينة)). رواه ابن شاهين فى الأفراد، ومن طريقه السلفى فى "الطيوريات"، قاله الحافظ فى "التلخيص الحبير" (٣٧٢:٢). وسكت عنه وسنتكلم فى سنده فى الحاشية. باب حمل الرؤوس إلى الولاة قوله: "نا محمد بن هارون إلخ". قلت: أما محمد بن هارون، فقد ذكره الحافظ فى "التهذيب" فى الرواة عن محمد بن يحيى القطعى لم أقف على ترجمته والظاهر أنه ثقة، وأما القطعى فثقة حتما روى عنه مسلم، وأبو داود والترمذى ووثقه ابن حبان ومسلمة. وقال أبو حاتم: "صالح الحديث صدوق". كذا فى "التهذيب" (٥٠٨:٩). وأما عبد الله بن إسحاق فقال العقيلى: (له أحاديث لا يتابع منها على شىء) كذا فى "اللسان" وأخرج الحافظ المقدسى فى "المختارة" حديث "ما أسكر قليله فكثيره حرام" من طريقه وقال: لا أعرف هذا الحديث إلا بهذا الإسناد، كذا فى "اللسان" (٢٥٨:٣) فالرجل ممن يروى الغرائب لا يتابع عليها. وأبوه إسحاق بن الفضل لم أقف على من ترجمه، وصالح بن خوات ثقة، وكذا عبد الله بن عبد الرحمن إن كان ابن أبى صعصعة وإلا فلا أدرى من هو؟ وبالجملة فالحديث غريب الإسناد والمتن، ولكن له شاهد رواه أبو نعيم فى "المعرفة" من طريق الطبرانى فى ترجمة معاذ بن عمرو بن الجموح: وإن ابن مسعود حزها، وجاء بها إلى النبى معَّ ◌ُلّه أى برأس أبى جهل. ورواه ابن ماجة من حديث ابن أبى أو فى ((أن النبى مَّ ◌ُّه صلى يوم بشر برأس أبى جهل ركعتين)) إسناده حسن واستغربه العقلى، وروى البيهقى عن على قال ((جئت إلى النبى معَّ ◌ُّه برأس مرحب))، وفى "مراسيل أبى داود" عن أبى نضرة العبدى قال: ((لقى رسول الله عَِّ العدو، فقال: من جاء برأس فله على الله ما تمنى، فجاءه رجلان برأس)). قال أبو داود: فى (١) ظنى أنه ابن أبى صعصعة المازنى الأنصارى، وثقه النأى وابن حبان. ج - ١٢ حمل الرؤوس إلى الولاة ٧٣ ٣٨٦٢- عن عقبة بن عامر أن عمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة "بعثا عقبة بريدا إلى أبى بكر، برأس نياق بطريق الشام، فلما قدم على أبى بكر أنكر ذلك فقال له عقبة: يا خليفة رسول الله! فإنهم يصنعون ذلك بنا قال: ((أتأسيا بفارس والروم؟ لا يحمل إلى برأس، وإنما يكفى الكتاب والخبر)) رواه البيهقى وإسناده صحيح. وروى أيضا من طريق معاوية بن خديج قال: هاجرنا على عهد أبى بكر فبينما نحن عنده إذ طلع المنبر، فحمد الله وأثنى عليه قال: إنه قدم علينا برأس نياق البطريق، ولم يكن لنا به حاجة إنما هذه سنة العجم"، كذا فى "التلخيص الحبير" (٣٧٢:٢). هذا أحاديث، ولا يصح منها شىء. قال البيهقى: وهذا إن ثبت، فإن فيه تحريضا على قتل العدو وليس فيه حمل الرأس من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، ثم روى عن الزهرى قال: لم يكن يحمل إلى النبى معَّ إلى المدينة رأس قط ولا يوم بدر. وحمل إلى أبى بكر رأس فأنكر ذلك. قال: وأول من حمل إليه الرؤوس عبد الله بن الزبير. قال الحافظ ابن حجر: قد روى النسائى وغيره من حديث عبد الله بن فيروز الديلمى عن أبيه قال: ((أتيت النبى معَّه برأس الأسود العنسى)) وقال أبو أحمد الحاكم: وهذا وهم، لأن الأسود قتل سنة إحدى عشرة على عهد أبى بكر، وتعقبه ابن القطان بأن رجاله ثقات، وتفرد ضمرة لا يضره ويحتمل أن يكون معناه: أنه أتى به رسول الله عَ لآه قاصدا إليه واقدا عليه مبادرا بالتبشير بالفتح فصادقه(١) قدمات مرّ له. قال الحافظ: ومع ذلك فلا حجة فيه إذ ليس فيه إطلاع النبى معَّه على ذلك وتقريره، وقد ثبت عن أبى بكر إنكار ذلك كذا فى "التلخيص" (٣٧٢:٢). قلت: لم يثبت من أبى بكر الإنكار إلا فى رأس بطريق الشام وعلله بقوله: ولم يكن بنا حاجة، ولم يثبت فى رأس الأسود العنسى حين جىء به إلى المدينة بعد وفاة النبى معَّ فالأولى القول بجواز الحمل عند الحاجة وكراهته عند عدمها والله تعالى أعلم. وفى "شرح السير" بعد ذكر الأثر عن عقبة بن عامر ما نصه: فبظاهر الحديث أخذ بعض العلماء، وقال: لا يحل حمل الرؤوس إلى الولاة. لأنها جيفة فالسبيل دفنها لإماطة الأذى، ولأن إبانة الرأس مثلة، ونهى رسول الله عَّه عن المثلة ولو بالكلب العقور. وقد بين أبو بكر رضى الله عنه أن هذا من فعل أهل الجاهلية (١) قلت: ويعكر عليه لفظ الطحاوى فى "مشكله" عن عبد الله الديلمى عن أبيه قال أتينا رسول الله عَ ليه برأس الأسود العنسى الكذاب، فقلنا: يا رسول الله! قد عرفت من نحن فإلى من نحن؟ قال: إلى الله ورسوله اهـ (١٠٧:٤) فإنه يدل على مجيئه برأس الأسود ورسول الله عّ لّ حى يتكلم ويجيب والله تعالى أعلم. ٧٤ حمل الرؤوس إلى الولاة إعلاء السنن ٣٨٦٣- حدثنا فهد بن سليمان ومحمد بن سليمان الباغندى قال: ثنا يوسف بن منازل(١) الكوفى ثنا حفص بن غياث عن أشعث عن عدى بن ثابت عن البراء قال: لقيت خالى معه الراية فقلت: إلى أين تذهب؟ فقال: "أرسلنى رسول الله مَ ◌ّه إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن آتيه برأسه. أخرجه الطحاوى فى مشكله(٤: ١٠٦) وسنده صحيح وتابعه أبو سعيد الأشج عن حفص بن غياث فذكره بإسناده مثله عند الطحاوى أيضًا. وقد نهينا عن التشبه بهم، وأكثر مشايخنا على أنه إذا كان فى ذلك كبت وغيظ للمشركين أو فراغ قلب المسلمين، بأن كان المقتول من قواد المشركين، أو عظماء المبارزين فلا بأس بذلك، ألا ترى عبد الله بن مسعود رضى الله عنه حمل رأس أبى جهل إلى رسول الله عَ لّه يوم بدر حتى ألقاه بين يديه فقال: هذا رأس عدوك أبى جهل. ثم ذكر آثارا أخر وقال: فتبين بهذه الآثار أنه لا بأس بذلك، والله الموفق اهـ (٧٨:١ و ٧٩). قلت: والمذهب كراهة حمل الرؤوس. وأنما جوزه بعض المتأخرين من أصحابنا كما فى "المبسوط" (١٣١:١٠). قوله: "حدثنا: فهد بن سليمان إلخ. "قلت: أما فهد فقد مر توثيقه فى الكتاب غير مرة، ومحمد بن سليمان الباغندى ذكره السمعانى فى "الأنساب" (ص ٦١)" وقال: قال أبو جعفر الأردمانى: رأيت أبا داود السجستانى جالسا بين يدى محمد بن سليمان الباغندى يسأله عن الحديث، وقال أبو عبد الرحمن السلمى: لا بأس به ضعفه ابن أبى الفوارس وقال أبو بكر الخطيب الحافظ: والباغندى مذكور بالضعف، ولا أعلم به علة ضعف فإن رواياته كلها مستقيمة ولا أعلم فى حديثه منكرا اهـ". وأما يوسف بن المنازل فهو أبو يعقوب الكوفى التيمى روى عن عبد الله بن إدريس وحفص بن غياث وعبدة وطبقتهم وعنه أبو سعيد لأشج وأبو حاتم وعباس الدورى وآخرون. وثقه ابن معين وأبو حاتم وابن حبان كذا فى "التهذيب" (٤٢٤:١١) وبقية رجاله ثقات معروفون. قال الطحاوى: فتأملنا هذه الآثار فوجدنا فيها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر خال البراء أن يأتيه برأس الرجل الذى تزوج امرأة أبيه بعده وكان كتاب الله عز وجل قد دل على شىء من هذا بقوله ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ وبقوله فى المحاربين ﴿أن يقتلوا أو يصلبوا﴾ وكان ذلك عندنا والله أعلم ليشتهر فى الناس إقامة إنكار الله عليهم فكان مثل إظهار رؤوس من قتل على ما فعل ليقف الناس على النكال الذى نزل بهم اهـ (مشكل الآثار ١٠٧:٤). (١) وفى الأصل: يوسف بن مبارك، وهو تصحيف عن منازل فليتنبه له. ٧٥ ج - ١٢ حمل الرؤوس إلى الولاة ٣٨٦٤- حدثنا يونس وبحر جميعًا قالا: ثنا حسان قال: أنا أبو أسامة عن الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف، قال حدثنى البريد الذى قدم برأس المختار على عبد الله بن الزبير قال: فلما وضعته بين يديه قال: ما حدثنى كعب بحديث إلا وجدته كما حدثنى إلا هذا فإنه حدثنى يقتلنى رجل من ثقيف وها هو ذا قد قتلته. قال الأعمش: ولا يعلم أن أبا محمد يعنى الحجاج مرصد له بالطريق. أخرجه الطحاوى فى "مشكله"، واحتج به ورجاله ثقات إلا أننى لم أقدر على تعيين حسان هذا وظنى أنه حسان بن عبد الله بن سهل الكندى الواسطى سكن مصر وثقه أبو حاتم وابن حبان وابن يونس، كذا فى "التهذيب" (٢٥٠:٢). قوله "حدثنا يونس وبحر إلخ". قلت: وشمر بن عطية هو الأسدى الكاهلى الكوفى وثقه النسأى وابن حبان وابن سعد ونقل ابن خلقون توثيقه عن ابن نمير وابن معين والعجلى والبريد الذى حدث هلال بن يساف لم يسم، ولكن المجهول فى القرون الثلاثة لا يضرنا كالإرسال، ومع ذلك فقصة حمل الرؤوس إلى ابن الزبير قدروها البيهقى عن الزهرى أيضا كما مر عن الحافظ فى "التلخيص" وسكت عنه، وتعدد الطرق يفيد قوة وحسنا قال الطحاوى: وقد كان من عبد الله بن زبير فى رأس المختار لما حمل إليه ترك النكير فى ذلك ومعه بقايا من أصحاب رسول الله عَ ليه- كانوا فى ذلك على مثل ما كان عليه اهـ. وقال قبل ذلك: فإن قيل: هذا أبو بكر قد أنكر حمل الرؤوس إليه، فكان جوابنا له فى ذلك أن أبا بكر وإن كان أنكر ذلك فقد خاطبه إليه شرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص وعقبة بن عامر بحضرة من كان معهم من أمراء على الأجناد منهم يزيد بن أبى سفيان ومن سواه ممن كان خرج لغزو الشام من أصحاب رسول الله عّ لّ. فلم ينكروا ذلك عليهم ولم يخالفوهم فيه. فدل ذلك على متابعتهم إياهم عليه، ولما كان ذلك كذلك وكانوا مأمونين على ما فعلوا فقهاء فى دين الله تعالى كان ما فعلوا عند الله تعالى من ذلك مباحا لما رأوا فيه من إعزاز دين الله، وكان ما كان من أبى بكر فى ذلك من كراهيته إياه قد يحتمل أن يكون لمعنى قد وقف عليه فى ذلك اهـ (١٠٨:٤). والحاصل: أن فعل أمراء الأجناد من الصحابة يدل على إباحة ذلك عند الحاجة وإنكار أبى بكر على الكراهة بدونها، فإنه قال: لا حاجة لنا إلى ذلك يكفينا الكتاب والخبر ومقتضاه جواز ذلك عند الحاجة إذا كان فيه فراغ قلوب المسلمين ونحوه. ٧٦ إعلاء السنن أبواب الغنائم وقسمتها باب إذا فتح الإمام بلدة عنوة فهو بالخيار إن شاء قسمها سهمانًا وإ شاء أقر أهلها ووضع عليهم الجزية وعلى أرضهم الخراج ٣٨٦٥- عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال عمر: "لولا آخر المسلمين ما فتحت بلدة أو قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم رسول الله عّ لّه خيبر". رواه البخارى باب إذا فتح الإمام بلدة عنوة فهو بالخيار إن شاء قسمها سهمانا وإن شاء أقر أهلها عليها ووضع عليهم الجزية وعلى أرضهم الخراج قوله: "عن زيد بن أسلم إلخ". قال فى "العناية" عن أبى عبيدة: الغنيمة ما نيل من أهل الشرك عنوة والحرب قائمة، وحكمها أن تخمس وسائرها بعد الخمس للغانمين خاصة. والفىء: ما نيل منهم بعد ما تضع الحرب أوزارها وتصير الدار دار الإسلام. وحكمه أن يكون لكافة المسلمين ولا يخمس. والنفل: ما ينفله الغازى أى يعطاه زائدا على سهمه، وهو أن يقول الإمام أو الأمير: من قتل قتيلا فله سلبه، أو قال للسرية: ما أصبتم فهو لكم أو ربعه أو نصفه ولا يخمس، وعلى الإمام الوفاء به وعن على بن عيسى الغنيمة أعم من النفل والفىء أعم من الغنيمة، لأنه اسم لكل ما صار للمسلمين من أموال أهل الشرك. قال أبو بكر الرازى: فالغنيمة فىء والجزية فىء ومال أهل الصلح فى، والخراج فىء، لأن كل ذلك مما أفاء الله على المسلمين من المشركين، وعند الفقهاء كل ما يحل أخذه من أموالهم فهو فىء اهـ (٢١٥:٥ مع "الفتح"). وقال الإمام أبو يوسف فى "كتاب الخراج" له: فأما الفىء يا أمير المؤمنين! فهو الخراج عندنا خراج الأرض والله أعلم. لأن الله تبارك وتعالى يقول فى كتابه ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللّه وللرسول ولذى القربى) الآية (ص ٢٨). قال فى "الهداية": إذا فتح الإمام بلدة عنوة أى قهرا فهو بالخيار، إن شاء قسمه بين المسلمين كما فعل رسول الله عَ ليه بخيير، وإن شاء أقر أهله عليها ووضع عليهم الجزية وعلى أراضيهم الخراج كذلك فعل عمر رضى الله عنه بسواد العراق بموافقة الصحابة، ولم يحمد من خالفه وفى كل من ذلك قدوة فيتخير اهـ مع "فتح القدير" (٢١٦:٥). وفى العقار خلاف الشافعى فيجب عنده على الإمام قسم الأرض المفتتحة عنوة كما تقسم سائر الغنائم كما سيأتى، ونحن نقول: الإمام مخير فى الأرض بين قسمتهما وبين وقفها والنبى عَّه قسم بعض خيبر ووقف بعضها ولم يقسم مكة أصلا فدل على جواز الأمرين. قلنا: والأرض لا تدخل فى الغنائم المأمور بقسمتها بل الغنائم هى الحيوان والمنقول لأن الله تعالى لم يحل ٧٧ ج - ١٢ ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة ومالك فى موطأه بلفظ لولا أن يترك آخر الناس لا شىء لهم ما فتح المسلمون قرية إلا قسمتها سهمانا كما قسم رسول الله عَّ له خيبر سهمانًا كذا فى فتح القدير (٢١٦:٥). الغنائم لأمة غير هذه الأمة كما دل عليه حديث جابر المتفق عليه ((أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلى)) -وفيه- وأحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى)) الحديث عزيزى (٢٣١:١) وأحل لهم ديار أهل الكفر وأرضهم كما قال تعالى: ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم) - إلى قوله- ﴿يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم﴾ وقال فى ديار فرعون وقومه وأرضهم: ((كذلك وأورثناها بنى إسرائيل)) فعلم أن الأرض لا تدخل فى الغنائم والإمام مخير فيها بحسب المصلحة، وقد قسم رسول الله عّ لّه وترك، وعمر لم يقسم بل أقرها على حالها وضرب عليها خراجا مستمرا فى رقبتها يكون للمقاتلة، فهذا معنى وقفها ليس معناه الوقف الذى يمنع من نقل الملك فى الرقبة، بل يجوز بيع هذه الأرض كما هو عمل الأمة، وقد أجمعوا على أنها تورث والوقف لا يورث، وقد نص الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - على أنها يجوز أن تجعل صداقا، والوقف لا يجوز أن يكون مهرا فى النكاح فمن اشتراها صارت عنده خراجية كما كانت عند البائع سواء. فلا يبطل حق أحد من المسلمين بهذا البيع كما لم يبطل بالميراث والهبة والصداق، ونظير هذا بيع رقبة المكاتب وقد انعقد فيه سبب الحرية بالكتابة، فإنه ينتقل إلى المشترى مكاتبا كما كان عند البائع والله أعلم اهـ مختصرا من "زاد المعاد" (٣٢٥:١). وقال الحافظ فى "الفتح": واختلف فى الأرض التى أبقاها عمر بغير قسمة، فذهب الجمهور إلى أنه وقفها لنوائب المسلمين وأجرى فيها الخراج، ومنع بيعها. وقال بعض الكوفيين: أبقاها ملكا لمن كان بها من الكفرة، وضرب عليهم الخراج وقد اشتد نكير كثير من فقهاء أهل الحديث هذه المقالة والله أعلم (١٥٩:٦). قلت: لما أجمعوا على أنها تورث كما ذكره ابن القيم تبين أن معنى وقفها ليس الوقف الذى يمنع من نقل الملك فى الرقبة فإن الوقف لا يورث فافهم! واستدل الجمهور على كون السواد ملكا للمسلمين وأهلها عاملين لهم كالإجراء بما رواه البيهقى من طريقين فى "السنن"، والخطيب من طريق يحيى بن آدم فى "الخراج" عن عتبة بن فرقد ((أنه اشترى أرضا بالسواد، فأتى عمر فأخبره فقال: ممن اشتريتها؟ فقال من أهلها فقال: فهؤلاء المسلمون أبعتموه شيئا؟ قالوا: لا! قال: فاذهب واطلب مالك، وقال يحيى بن آدم: حدثنا حسن بن صالح عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: ((أسلمت امرأة من أهل نهر الملك، فكتب عمر بن الخطاب إن اختارت أرضها وأدت ما على أرضها فخلوا بينها وبين أرضها، وإلا فخلوا بين المسلمين وبين أرضهم. وروى الشافعى عن الثقة ٧٨ ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة إعلاء السنن عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: ((كانت "بجيلة" ربع الناس يوم القادسية فقسم لهم عمر ربع السواد، فاستغلوا ثلاث سنين أو أربعا ثم قدمت على عمر فقال: لو لا أنى قاسم مسؤول لتركتكم على ما قسم)»، فذكر الحديث (التلخيص الحبير ٣٧٥:٢). وتتمته ما فى "الخراج" ليحيى بن آدم: ولكنى أرى أن ترده على المسلمین فرده عليهم، وأعطاهم عمر ثمانين دينارا اهـ (ص٤٥). قالوا: فهذا دليل صريح على أن عمر فتح السواد عنوة وفسمه بين الغانمين ثم استطاب قلوبهم واسترده. قلت(١): أخرج يحيى بن آدم عن قيس بن الربيع عن رجل من بنى أسد عن أبيه قال: أصفى حذيفة أرض كسرى وأرض آل كسرى ومن كان كسرى أصفى أرضه، وأرض من قتل (من المشركين)، ومن هرب منهم إلى أرض الحرب والآجام ومغيض الماء، ومن طريق عبد السلام بن حرب عن عبد الله بن الوليد المزنى عن رجل من بنى أسد ((قال: لم أدرك بالكوفة أحدا كان أعلم بالسواد منه)) قال: بلغت غلة الصوافی على عهد عمر رضى الله عنه أربعة آلاف ألف، وهى التى يقال لها: "صوافى الإستان" اليوم فقلت: وما الصوافى؟ قال: إن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أصفى كل أرض كانت لكسرى أو لآل كسرى أو رجل قتل فى الحرب أو رجل لحق بأهل الحرب أو مغيض ماء أو دير بريد، قال: وخصلتين لم أحفظهما، وفى حديث قيس والآجام ومن كان كسرى أصفى أرضه. وأخرج عن عبد الله بن المبارك عن عبد الله ابن الوليد بن عبد الله بن معقل عن عبد الملك بن أبى حرة نحوه (ص ٦٣ و ٦٤). وزاد: فلما كانت الجماجم أحرق الناس الديوان(٢) فأخذ كل قوم ما يليهم اهـ. وفيه تصريح بأن عمر رضى الله عنه لم يترك أرض السواد كلها بأيدى أهلها المشركين، بل أصفى منها أرض كسرى وآله وأراضى المقتولين من غيرهم، وأرض البريد والآجام ومغيض الماء (١) ومن أراد البسط فى أرض الصوافى، فليراجع تاريخ ابن جرير (١٤٦:٤ و١٤٧ و١٦٨ و١٨٣ و٢١٠)، وفيه عن سيف عن عمرو بن محمد عن الشعبى قال: قلت له: إن أناسا يزعمون أن أهل السواد عبيد. فقال: فعلى هذا لم يوخذ الجزاء (الجزية) من العبيد أخذ السواد عنوة وكل أرض علمتها إلا حصنا فى جبل أو نحوه، فدعوا إلى الرجوع فرجعوا وقبل منهم الجزاء، وصاروا ذمة. وإنما يقسم من الغنائم ما تغنم. فأما ما لم يغنم وأجاب أهله إلى الجزاء قبل أن يتغنم فلهم أى فهو لهم، جرت السنة بذلك (١٤٧:٤). (٢) قلت: ولعل هذا هو السبب فى كراهة من كره شراء أرض السواد، لاختلاط ما هى مملوكة لأهلها بما ليس بمملوك لهم من الصوافى فافهم. ج - ١٢ ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة ٧٩ وصوافى آل كسرى للمسلمين ولبيت المال، وأقر أهل السواد على ما سواها من الأراضى، وإذا كان ذلك كذلك فلا حجة للشافعية ومن وأفقهم فيما رواه عتبة بن فرقد. ولا فيما رواه طارق بن شهاب فى امرأة من أهل نهر الملك قد أسلمت، لاحتمال أن تكون هذه الأرض من الصوافى التى أصفاها عمر للغانمين ولبيت المال كما أخرج ابن جرير الطبرى فى "تاريخه" كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف عن محمد بن قيس عن المغيرة بن شبل قال: اشترى جرير من أرض السواد صافية على شاطئ الفرات، فأتى عمر فأخبره فرد ذلك الشراء وكرهه اهـ (١٨٥:٤). وأما حديث جرير بن عبد الله البجلى وكذا حديث امرأة من بجيلة يقال لها: أم كرز "قالت لعمر: يا أمير المؤمنين! إن أبى هلك وسهمه ثابت فى السواد وإنى لم أسلم فقال: يا أم کرز! إن قومك قد صنعوا ما قد علمت. قالت: إن كانوا قد صنعوا ما صنعوا، فإنى لست أسلم حتى تحملنی على ناقة ذلول عليها قطيفة حمراء، وتملأ كفى ذهبا. قال: ففعل عمر ذلك، فكانت الدنانير نحوا من ثمانين دينارا اهـ". فوجه ذلك عندنا أن عمر رضى الله عنه كان قد نفل جريرا وقومه ذلك أى ربع السواد نفلا قبل القتال وقبل خروجه إلى العراق، وكذلك يحدثه عنه الشعبى، كما "فى الأموال " لأبی عبید: حدثنی عفان حدثنی مسلمة بن علقمة حدثنا داود بن أبی هند عن عامر الشعبى أن عمر كان أول من وجه جرير بن عبد الله إلى الكوفة بعد قتل أبى عبيد (هو الثقفى أمير العساكر الإسلامية بالعراق، وهو والد المختار بن أبى عبيد) فقال: هل لك فى الكوفة وانفلك الثلث بعد الخمس؟ قال: نعم! فبعثه اهـ (ص ٦٢). وفى "الخراج" ليحيى بن آدم: حدثنا ابن المبارك عن حماد بن سلمة عن داود ابن أبى هند عن الشعبى قال: قال عمر رضى الله عنه لجرير: هل لك أن تأتى العراق (أى مع قومك)، ولك الربع أو الثلث بعد الخمس من كل أرض وشىء؟ اهـ (ص ٤٥). قال أبو عبيد: فنرى أن عمر رضى الله عنه إنما خص جريرا وقومه بما أعطاهم للنفل المتقدم الذى كان جعله(١) لهم، ولو لم يكن نفلا ما خصه وقومه بالقسمة خاصة دون الناس. ألا تراه لم يقسم (١) فإن قيل: فلم استردهم بعد ما نفلهم إياها؟ قلنا: لأن حقهم فى النفل كحق الغانمين فى الغنائم المحرزة، وللإمام ولاية المن هناك فكذلك ههنا، وليس لأصحاب النفل أن يأبوا ذلك عليه إلا أنه ينبغى له أن يسترضيهم بأن يعطيهم عوضا من محل آخر. ذكره محمد فى "السير الكبير" واستدل عليه بفعل عمر رضى الله عنه فهذا وقال: هذا دليل أن من مات بعد الإحراز يورث نصيبه. (لقول أم كرز: يا أمير المؤمنين! إن أبى هلك وسهمه ثابت فى السواد إلخ) وإنه ينبغى للإمام أن يسترضى أصحاب النفل إذا أراد المن على أهل الأرض بها (٣٨:٢). ٨٠ ما يفعل الإمام إذا فتح بلدة عنوة إعلاء السنن لأحد سواهم وإنما استطاب أنفسهم خاصة لأنهم قد كانوا أحرزوا ذلك وملكوه بالنفل فلا حجة فى هذا لمن زعم أنه لا بد للإمام من استرضائهم، فكيف يسترضيهم؟ وهو يدعو على بلال وأصحابه ويقول: اللهم اكفينهم فأى طيب(١) نفس هذا، وليس الأمر عندى إلا على ما قال سفيان: إن الإمام يتخير فى العنوة بالنظر للمسلمين، والحيطة عليهم بين أن يجعلها غنيمة أو فيها، ومما يبين ذلك أن عمر نفسه يحدث عن النبى معَّ أنه قسم خيبر، ثم يقول مع هذا: لو لا آخر الناس لفعلت ذلك فقد بين لك هذا أن هذين الحكمين جميعا إليه لو لا ذلك ما تعدى سنة رسول الله عّ لّه إلى غيرها ، وهو يعرفها اهـ (ص ٦٣). قلت: ولم يجعل عمر رضى الله عنه كل أرض السواد فيئا كما زعمه أبو عبيد بل الصوافى منها فقط. وأما ما عداها من الأراضی فتر کها بأیدی أهلها ملكا لهم یٹوارثونها ويتبايعونها، بدلیل ما أخرجه ابن سعد فى "الطبقات" أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أبى مجلزح وأخبرنا مخبر عن ابن أبى ليلى عن الحكم ومحمد بن المنتشر)) أن عمر بن الخطاب وجه عثمان بن حنيف على خراج السواد، ورزقه كل يوم ربع شاة وخمسة دراهم، وأمره أن يمسح السواد عامره وغامره ولا يمسح سبحة ولا تلا ولا أجمة، ولا مستنقع ماء ولا ما لا يبلغه الماء، فمسح عثمان كل شىء دون الجبل يعنى حلوان إلى أرض العرب -وهو أسفل الفرات- وكتب إلى عمر: إنى وجدت كل شىء بلغه الماء من عامر وغامر ستة وثلاثين ألف ألف جريب، وكان ذراع عمر الذى مسح به السواد ذراع وقبضة فكتب إليه عمر أن أفرض الخراج على كل جريب عامر أو غامر عمله صاحبه أو لم يعمله درهما وقفيزا وافرض على الكروم على كل جريب عشرة دراهم وعلى الرطاب خمسة دراهم وأطعمهم النخل والشجر. وقال: هذا قوت لهم على عمارة بلادهم وفرض على رقابهم على الموسر ثمانية وأربعين درهما)) الحديث (زيلعى ١٢٦:٢). وأخرجه أبو عبيد فى "الأموال" حدثنا الأنصارى محمد بن عبد الله قال أبو عبيد: ولا أعلم إسماعيل بن إبراهيم إلا قد حدثناه أيضا عن سعد بن أبى عروبة عن قتادة عن أبى مجلز لاحق بن (١) وكيف يكون ذلك باستطابة منه لنفوسهم، وقد أخبر عمر فى قوله: "لو لا أنى قاسم مسؤول إلخ" أنه رأى رده على المسلمين، وأظهر أنه لا يسعه غيره لما كان عنده أنه الأصلح للمسلمين، وأيضا فلا دليل فيه على أنه كان ملكهم رقاب الأرضين، وجائز أن يكون أعطاهم ربع الخراج ثم رأى بعد ذلك أن يقتصر بهم على أعطياتهم، دون الخراج ليكونوا أسوة لسائر المسلمين، قاله الجصاص فى "أحكام القرآن" له (٥٣٣:٣).