Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٦١ لا قطع على النباش إعلاء السنن متوافرون". رواه ابن أبى شيبة فى مصنفه، وهذا سند صحيح (الجوهر النقى ٤٠٢:٢). قلت: رجاله رجال الجماعة، وأخرجه عبد الرزاق فى مصنفه: أخبرنا معمر به، وزاد: وطوف بهم كما فى الزيلعى (١٠٧:٢) قلت: رجاله رجال الجماعة قال محمد: "وبلغنا عن ابن عباس أنه أفتى مروان بن الحكم أن لا يقطعه، وهو قولنا: (كتاب الآثار ٩٤). ٣٧٤٧- حدثنا حفص عن أشعث عن الزهرى، قال: "أخذ نباش فى زمن معاوية، وكان مروان على المدينة، فسأل من يحضر به من الصحابة والفقهاء، فأجمع رأيهم على أن يضرب ويطاف به". رواه ابن أبى شيبة (زيلعى ١٠٧:٢). قلت: رجاله رجال الجماعة. معاوية على نفى القطع عن النباش، والإجماع اللاحق يرفع الخلاف السابق، وأما ما استدل به أبو داود فى سننه من أن النبى معَِّ سمى القبر بيتا، والبيت حرز، والسارق من الحرز يقطع، ففيه أن الله تعالى سمى المساجد بيوتا، بقوله: ﴿فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه﴾. والمسجد ليس بحرز بالإجماع إذا لم يكن ثم حافظ، والله تعالى أعلم. ويعارضه ما رواه البيهقى فى المعرفة مرفوعا: "من نبش قطعناه". وعن عائشة موقوفا: "سارق أمواتنا كسارق أحياءنا". وما قال البخارى فى تاريخه: قال هشيم: ثنا سهيل قال: "شهدت ابن الزبير قطع نباشا". قال البخارى: "وسهيل هذا هو سهيل بن ذكوان أبو السندى المكى، قال عباد بن العوام: كنا نتهمه بالكذب". وما رواه عبد الرزاق فى مصنفه عن عبد الله بن ربيعة: "أنه وجد قوما يختفون القبور باليمن على عهد عمر بن الخطاب، فكتب فيهم إلى عمر، فكتب عمر أن اقطع أيديهم" اهـ. وهذه الروايات كلها فى الزيلعى (١٠٧:٢). فالجواب عن الأول بأن سنده مجهول، كما يتحصل من قول العلامة ابن عبد الهادى الحنبلى، ونقله الزيلعي (١٠٦:٢). فلا يحتج به، فلا يعارض إجماع الصحابة الذى قد صح وثبت، وعن الثانى بأنه إن ثبت فليس بنص فى القطع، فإنه يحتمل أنها أرادت به التسوية فى المعصية، وعن الثالث بأن سنده ضعيف كما ترى، وعن الرابع بأن فى سنده إبراهيم وهو مختلف فيه، كما مر فى بعض مواضع الكتاب، والاختلاف وإن كان غير مضر لكن إذا لم يعارض أقوى منه، وههنا يعارضه سند أثر الباب، وهو أقوى منه بلا ريب، فإنه صحيح، وإن ثبت فهو رأى لعمر رآه، وأثر الباب رأى كثيرين من الصحابة، والضرب والنفى للتباش تعزير، فهو موكول إلى رأى ٦٦٢ ج - ١١ باب أن لا قطع علی من سرق من بيت المال ٣٧٤٨ - عن وكيع المسعودى عن القاسم: "أن رجلا سرق من بيت المال، فكتب فيهِ سعد(١) إلى عمر أن رجلا سرق من بيت المال، فقال: لا قطع عليه، ما من أحد إلا وله فیه حق". رواه ابن أبى شيبة. ٣٧٤٩ - وروى البيهقى من طريق الشعبى عن على أنه كان يقول: "ليس على من سرق من بيت المال قطع". (التلخيص الحبير ٣٥٧:٢). قلت: رجال السند الأول رجال الصحيح، ولكن القاسم لم يلق أحدا من الصحابة غير جابر وابن عمر، والانقطاع لا يضر عندنا. ٣٧٥٠- حدثنا جبارة بن المغلس ثنا حجاج بن تميم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس: " وهذا من رقيق الخمس سرق من الخمس، فرفع ذلك إلى النبى عّ لّهِ، فلم یقطعه، وقال: مال الله عز وجل سرق بعضه بعضا". رواه ابن ماجه (١٨٩) ورواه عبد الرزاق فى "مصنفه": أخبرنا عبد الله بن محيريز أخبرنى ميمون بن مهران: أن النبى عَّ أتى بعبد. الحديث، كذا فى الزيلعى ١٠٧:٢). قلت: مرسل، ورجاله رجال الجماعة إلا ميمونا، فإن البخارى أخرج له فى الأدب دون الصحيح. الإمام، فإن رآه خيرا فعل وإلا لا. باب أن لا قطع على من سرق من بيت المال قوله: "عن وكيع" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. قوله: "حدثنا جبارة" إلخ. قال المؤلف: وأما رجاله فجبارة هذا مختلف فيه، وفى "تهذيب التهذيب" (٥٨:٢): "قال أبو حاتم: هو على يدى عدل، هو مثل القاسم بن أبى شبيةٍ" اهـ. وفيه أيضا: "قال مسلمة بن القاسم: روى عنه من أهل بلدنا بقى بن مخلد، وجبارة ثقة إن شاء الله" اهـ، وفيه (٥٩:٢): "عن عثمان بن أبى شيبة يقول: جبارة أطلبنا للحديث وأحفظنا" اهـ. وحجاج هذا أيضا مختلف فيه، وقد ذكره ابن حبان فى "الثقات" (١٩٩:٢). وقد مر غير مرة أن الاختلاف غير مضر، وميمون بن مهران قال فى "التقريب" (٢١٩) "ثقة فقيه ولى الجزيرة لعمر بن عبد (١) الظاهر أنه سيدنا سعد بن أبى وقاص والله أعلم وعلمه أتم. ٦٦٣ إعلاء السنن فصل فى الحرز والأخذ منه باب لا يقطع العبد إذا سرق مال سيده أو زوجته وأهل بيته ويقطع إذا سرق من غيرهم ٣٧٥١- عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد: "أن عبد الله بن عمرو بن العزيز، وكان يرسل" اهـ. فالسند محتج به، ودلالته على الباب ظاهرة، والظاهر أن الحكم غير مخصوص برقيق الخمس، بل كل من سرق من بيت المال فحكمه كذلك، سواء كان من رقيق الخمس أو غيره. تذييل: فى "الهداية" (٥٢٢:٣): "ومن سرق عينا فقطع فيها فردها، ثم عاد فسرقها، وهى بحالها لم يقطع، والقياس أن يقطع، وهو رواية عن أبى يوسف، وهو قول الشافعى، لقوله عليه السلام: فإن عاد فاقطعوه من غير فصل، ولأن الثانية متكاملة كالأولى، بل أقبح لتقدم الزاجر، وصار كما إذا باعه المالك من السارق، ثم اشتراه، ثم كانت السرقة. ولنا أن القطع أوجب سقوط عصمة المحل على ما يعرف من بعد إن شاء الله تعالى، وبالرد إلى المالك وإن عادت حقيقة العصمة بقيت شبهة السقوط نظرا إلى اتحاد الملك والمحل، وقيام الموجب وهو القطع فيه، بخلاف ما ذكر لأن الملك قد اختلف باختلاف سببه، ولأن تكرار الجناية منه نادر لتحمله مشقة الزاجر، فيعرى الإقامة عن المقصود، وهو تقليل الجناية، وصار كما إذا قذف المحدود فى القذف المقذوف الأول" اهـ. قلت: والحديث أخرجه أبو داود وسكت عنه (٢٥٧:٢): عن جابر بن عبد الله، قال: "جئ بسارق إلى النبى معَّ له، فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله! إنما سرق، فقال: اقطعوه، قال: فقطع ثم. جئ به الثانية، فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله إنما سرق، فقال: اقطعوه. قال: فقطع". الحديث، وفى هذا الحدیث کلام کثیر استوفاه الزیلعی (١٠٩:٢). وجاصله عدم ثبوته بسند محتج به، فقد وقع الاختلاف فى ثبوت الحدیث حیث سكت عنه أبو داود تكلم فيه غيره. وقد علمت أن الاختلاف غير مضر، وسيأتى مزيد تحقيق لهذا الحديث، وهو محمول عندنا على العود إلى سرقة غير ما سرقه أولا. باب لا يقطع العبد إذا سرق مال سيده أو زوجته وأهل بيته ويقطع إذا سرق من غيرهم قال المؤلف: دلالة أثر عمر على الجزء الأول من الباب ظاهرة، والعبد إن سرق من مال سيد، ٦٦٤ لا يقطع العبد إذا سرق مال سيده أو زوجته وأهل بيته ١١ - i الحضرمى جاء بغلام له إلى عمر بن الخطاب، فقال له: اقطع يد غلامى هذا، فإنه سرق، فقال له عمر: ماذا سرق؟ فقال: سرق مرآة لا مرآتى ثمنه ستون درهما فقال عمر: أرسله، فليس عليه قطع، خادمكم سرق متاعكم". رواه الإمام العلام مالك فى "الموطأ" (٣٥٦). قلت: رجاله رجال الصحيح. ٣٧٥٢- عن عبد الله بن عامر بن ربيعة: "أن أبا بكر قطع يد عبد سرق". رواه عبد الرزاق وابن أبى شيبة (كنز العمال ١١١:٣). قلت: هو محمول على العبد الذى لا يقطع بالطريق الأولى، قال بعض الناس: "وأما ما روى الإمام الشافعى كما (فى التلخيص الحبير ٣٥٤:٢) عن مالك عن نافع أن عبدا لابن عمر سرق وهو أبق، فأرسل به عبد الله إلى سعيد بن العاص، وهو أمير المدينة، ليقطع يده، فأبى سعيد أن يقطع يده، وقال: لا تقطع يد العبد (١) إذا سرق، فقال له ابن عمر: فى أى كتاب وجدت هذا؟ فأمر به ابن عمر، فقطعت يده اهـ. فالجواب عنه أن عمر أفقه من ابنه، فقوله أحق بالقبول". قلت: يا سبحان الله! وأنى بينهما التعارض حتى يقال بالترجيح؟ فإن أثر عمر فيما إذا سرق من بيت سيده، وأثر ابن عمر فيما إذا سرق العبد وهو أبق أى كانت منه السرقة فى حال إباقه، ولا تكون مثلها من بیت سيده، بل من غيره، ولا بد فيها من القطع وقول سعيد: "لا تقطع يد العبد إذا سرق". يفيد نفى القطع عن العبد الآبق مطلقا، ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة، فرده ابن عمر وقطع يد عبده، نعم احتج بعض الأئمة بهذا الأثر على أن للسيد قطع يد عبده إذا سرق من غير مرافعة إلى الوالى، وهذا خلاف ما عليه الحنفية والجواب أن هذا لو كان كذلك لم يرسل ابن عمر هذا العبد إلى سعيد أصلا، فدل على أن إقامة الحد ليس إلا إلى الأمراء، ولكن لما عطل سعيد الحدود عن العبيد مطلقا وكان ذلك خلاف الشرع قطعه ابن عمر إحياء للسنة، لا لبيان أن السادة يجوز لهم إقامة الحدود على عبيدهم مطلقا فافهم. وقد ذكر صاحب "الهداية" (٥٢٤:٢): "وإذا سرق أحد الزوجين من الآخر أو العبد من سيده، أو من امرأة سيده، أو من زوج سيدته لم يقطع، لوجود الإذن بالدخول عادة" اهـ. قلت: واختيار عدم الحد أحسن أيضا احتيالا لدرأ الحد. قوله: "عن عبد الله" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة. فإن قلت: قد روى الحاكم فى "المستدرك" مرفوعا، كما فى "كنز العمال" (٨٠:٣): "ليس على العبد الآبق (١) ولفظ محمد فى الموطأ: يد الآبق إذا سرق. ٦٦٥ لا يقطع العبد إذا سرق مال سيده أو زوجته وأهل بيته إعلاء السنن سرق من غير مالكه. و أهل مالكه ممن ليس بينهم وبينه انبساط .. إذا سرق قطع، ولا على الذمى" اهـ. وهذا الحديث يدل على أن العبد الآبق لا يقطع، والتخصيص بكونه آبقا، لأنه محتاج فى سفره إلى نفقته غالبا، فهو معذور فى الجملة وهذا لا يقطع فى زمن المجاعة، وفى "كنز العمال" (١١٦:٣): عن الزهرى قال: "دخلت على عمر بن عبد العزيز فسألنى أيقطع العبد الآبق إذا سرق؟ قلت: لم أسمع فيه شيئا، فقال عمر: كان عثمان ومروان لا يقطعانه". رواه عبد الرزاق اهـ. وعمر وإن كان عن عثمان منقطعا لكن الانقطاع غير مضر عندكم، وأما الذمى فلأنه لم يلتزم ما هو من حقوقه تعالى، بل التزم ما هو من حقوق العباد، ولذلك لا يؤمر بالصلاة والصيام فى دار الإسلام، فهذا محصل الحديث، ومذهبكم يخالفه، ففى "الهداية" (٥١٨:٢): "والعبد والحر فى القطع سواء لأن النص لم يفصل" اهـ. وفى "رد المحتار" (٢٩٧:٣): "قوله: أو كافرا، الأولى أو ذميا، لما فى كافى الحاكم أن الحربى المستأمن إذا سرق فى دار الإسلام لم يقطع فى قول أبى حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: أقطعه" اهـ. قال بعض الناس: لم أجد جوابا عن مسألة العبد. قلت: قد ثبت برواية مالك عن نافع عن ابن عمر وهو من أصح الأسانيد، إنكاره على من قال: لا تقطع يد العبد الآبق إذا سرق، ويبعد أن يخفى على ابن عمر حكم رسول الله عَّ وعثمان فيه، ويعلمه سعيد، فلا بد من التطبيق بين قوله وبين ما رواه الحاكم فى المستدرك مرفوعا، وعبد الرزاق عن عثمان موقوفا، بأن قوله ابن عمر محمول على ما إذا لم يكن الغالب على الآبق الجوع والهلاك، والمرفوع وقول عثمان محمول على ما إذا كان الغالب عليه ذلك، وكان قد سرق طعاما ونحوه مما يسد به الجوع، وأجيب عن مسألة الذمى بأنه لا يخصص من النص، فإنه مخاطب بالحرمات أيضا وإن لم يكن مخاطبا بإتيان المامورات، كما يتحصل من "الهداية" (٤٩٤:٢). والقطع من المحرمات، والمستامن كذلك، لكن لا يقام عليه الحد لوجوب تبليغه مأمنه، بقوله تعالى: ﴿ثم أبلغه مأمنه﴾. فافترقا، وتأويل الحديث أن المراد بالذمى هو المستامن، فلم يبق التعارض بين الكلية العامة والحديث المذكور، والله تعالى أعلم. وأما ما نقله صاحب رحمة الأمة (١٤٠): "والمستامن والمعاهد إذا سرقا وجب القطع عليهما عند مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا قطع عليهما"، إلخ. والمراد من المعاهد هو الذمى، فأجيب عنه أن صاحب رحمة الأمة شافعى المذهب، فنقله لا يعارض ما نقل صاحب "رد المحتار". والله تعالى أعلم، أو يقال: إن المعاهد بمعنى المصالح الذى يكون من القوم الذين وادعهم الإمام ولم یجعلهم ذمة، فحكمه حكم المستأمن. ج - ١١ ٦٦٦ باب لا یقطع من سرق من المغنم و له فیہ نصیب ٣٧٥٣- أخبرنا الثورى عن سماك بن حرب عن أبى عبيد بن الأبرص -وهو يزيد بن دثار- قال: "أتى على برجل سرق من المغنم، فقال: له فيه نصيب وهو خائن، فلم يقطع، وكان قد سرق مغفرا". رواه عبد الرزاق فى "مصنفه" (زيلعى ١٠٧:٢). قلت: رجاله رجال الجماعة إلا يزيد هذا لم أجده، لكنه ثقة على قاعدة أن من روى عنه ثقة زالت عنه الجهالة، وقد مرت فى مواضع. باب أن من سرق من المسجد متاعا وصاحبه عنده نائم قطع ٣٧٥٤ - عن صفوان بن أمية، قال: "كنت نائما فى المسجد على خميصة لى ثمنها ثلاثون درهما، فجاء رجل، فاختلسها منى، فأخذ الرجل. فأتى به النبي صَ لّه، فأمر به ليقطع، فأتيته فقلت: أ تقطعه من أجل ثلاثين درهما؟ أنا أبيعه والنسيئة ثمنها، قال: فهلا كان هذا قبل أن تأتينى به؟" رواه النسائى (٢٥٤:٢ و ٢٥٥)، وسكت عنه. وفى رواية له وقد سكت عنها أيضا: "قطع رسول الله عَّه" وفى "نيل الأوطار" (٤١:٧): "ورواه مالك عن الزهرى عن عبيد الله بن صفوان عن أبيه، وقد صححه ابن الجارود والحاكم" اهـ. وفى الزيلعى (١٨٨:٢): "وقال فى "التنقيح": حديث صفوان حديث صحيح، رواه أبو داود والنسائى وابن ماجه وأحمد فى مسنده من غير وجه عنه" أهـ. باب لا يقطع من سرق من المغنم وله فيه نصيب قوله: "أخبرنا الثورى" إلخ. قال المؤلف: إن سماك بن حرب الراوى ما فى الباب مختلف فيه، لكن حديث سفيان عنه صحيح، ففى "تهذيب التهذيب" (٢٣٤:٦): "ومن سمع منه قديما مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحيح مستقيم" اهـ، ودلالته على الباب ظاهرة. باب أن من سرق من المسجد متاعا وصاحبه عنده نائم قطع قال المؤلف: دلالة الحديث على الباب ظاهرة، ولا يختلجنك أن فيه قطع المختلس، وليس عليه قطع عندكم، فإن المختلس والمنتهب إنما هو من أخذ من المستيقظ خفية، وأما من أخذ من النائم فهو سارق لا مختلس فافهم. ٦٦٧ إعلاء السنن باب أن لا قطع على من سرق مالا من الحمام ٣٧٥٥- ثنا زيد بن حباب حدثنى معاوية بن صالح حدثنى أبو الزاهرية عن جبير ابن نفير عن أبى الدرداء: "سئل عن سارق الحمام. فقال: لا قطع عليه". أخرجه ابن أبى شيبة، وقال الطحاوى: "السارق من الحمام المأذون فى دخوله لا قطع عليه إذا كان غير حرز": ثنا الربيع الجيزى ثنا عبد الله بن يوسف ثنا سعيد بن عبد العزيز التنوخى عن بلال بن سعد: "أن أبا الدرداء أتى بسارق سرق من الحمام فلم يقطعه". وأخرجه ابن حزم فى السرقة من الحمام من حديث وكيع عن سعيد التنوخى، ثم قال: "لا يعرف لأبى لادرداء مخالف من الصحابة" (الجوهر النقي ١٩٣:٢). وفيه أيضا ما حاصله أن هذه الأسانید جیاد. باب لا قطع فى عام مجاعة ٣٧٥٦- عن أبى أمامة مرفوعا: ((لا قطع فى زمن المجاعة)). رواه الخطيب فى "تاريخه" بسند ضعيف. (الجامع الصغير ١٧٦:٢). ٣٧٥٧- عن أحمد بن حنبل عن هارون بن إسماعيل عن على بن المبارك عن يحيى بن أبى كثير عن حسان بن أزهر أن ابن حدير حدثه عن عمر، قال: "لا تقطع اليد فى عذق، ولا عام سنة". رواه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني فى جامعه، وقال: "فسألت أحمد عنه، فقال: العذق النخلة، وعام سنة عام المجاعة، فقلت لأحمد: تقول به؟ قال: إى لعمرى". (التلخيص الحبير ٣٥٨:٤). قلت: احتجاج الإمام أحمد به يدل على أن الأثر ثابت، وله أجد جسان هذا، وابن حدير لا يعرف. ٣٧٥٨- عن عمر قال: "لا تقطع فى عذق ولا فى عام السنة". رواه عبد الرزاق وابن أبى شيبة (كنز العمال ١١٥:٣). باب أن لا قطع على من سرق مالا من الحمام قال المؤلف: دلالة الأثر على الباب ظاهرة. باب لا قطع فی عام مجاعة قال المؤلف: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة، وفى "الدر المختار": "وفى أيام قحط ٨ - ١١ ٦٦٨ فصل فى كيفية القطع باب قطع اليمين من المفصل ٣٧٥٩- عن نافع عن ابن عمر: "أن النبى معَّ ◌ُّه وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يقطعون السارق من المفصل". رواه أبو الشيخ فى كتاب الحدود له (التلخيص الحبير ٣٥٨:٢). ٣٧٦٠ - وفى البيهقى عن عمر: "أنه كان يقطع السارق من المفصل". سكت عنه الحافظ فى "التلخيص"، فهو حسن أو صحيح عنده. ٣٧٦١- حدثنا أحمد بن عيسى الوشابينس ثنا عبد الرحمن بن سلمة عن خالد ابن عبد الرحمن الخراسانى عن مالك بن مغول عن ليث بن أبى سليم عن مجاهد عن عبد الله بن عمر، قال: "قطع النبى ◌ّ له من المفصل"، رواه ابن عدى فى الكامل، قال ابن القطان فى كتابه: وخالد ثقة، وعبد الرحمن بن سلمة لا أعرف له حالا (زيلعى ١٠٨:٢). قلت: لم يضعفه الذهبى فى "الميزان"، فإما ثقة أو مستور، وهو صالح فى المتابعات. ٣٧٦٢- حدثنا و کیع عن سبرة بن معبد اللیثی قال: سمعت عدی بن عدى يحدث عن رجاء بن حيوة: "أن النبى معَّ ◌ُّه قطع رجلا من المفصل" رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" مرسلا (زيلعى ١٠٩:٢). قلت: رجاله رجال مسلم إلا سبرة هذا فلم أجده، ولكن زالت جهالته بقاعدة أن من روى عنه واحد يخرج من حد الجهالة، وقد مر غير مرة. ٣٧٦٣- عن مجاهد قال فى قراءة ابن مسعود: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما)) رواه البيهقى، وفيه انقطاع. (التلخيص الحبير ٣٥٨:٢) لا قطع بطعام مطلقا شمنى". وفى "رد المحتار": "قوله: مطلقا، ولو غير مهيأ، لأنه عن ضرورة ظاهر أو هى تبيح التناول (فتح ٣٠٦:٣) والمراد من النخلة ثمرها، وقد مر حكمه فى باب مستقل. باب قطع اليمين من المفصل قال المؤلف: دلالة مجموع الأحاديث على الباب ظاهرة ٦٦٩ إعلاء السنن ٣٧٦٤ - عن إبراهيم النخعى قال: فى قراءتنا: ((والسارق والسارقة تقطع أيمانهم)) رواه البيهقى. (التلخيص الحبير ٣٥٨:٢) ٣٧٦٥- أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ من طرق عن ابن مسعود: أنه قرأ: ((فاقطعوا أيمانهما)) (الدر المنثور ٢٨٠:٢). ٣٧٦٦ - حدثنا ابن وكيع قال: ثنا يزيد بن هارون عن عون عن إبراهيم، قال: فی قراءتنا، قال: وربما قال: فى قراءة عبد الله: ((والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما)) رواه الإمام العلام الزاهد ابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٣٢:٦). وذكر عونا. فى الأصل، والظاهر أنه ابن عون، فإنه روى عن إبراهيم روى عنه يزيد، والأثر الآتى أيضا يؤيده، وعلى هذا فالسند رجاله رجال الجماعة إلا ابن وكيع، أى سفيان بن وكيع، فإنه متكلم فيه، لكن صحح له الترمذى (١٧٥:٢) فى أبواب الدعوات أحاديث، وحسن له غير ما حديث واحد (١٩٧:٢). ٣٧٦٧ - حدثنا ابن وكيع قال: ثنا ابن علية عن ابن عون عن إبراهيم: فى قراءتنا: ((والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما)) رواه الطبرى فى تفسيره (١٣٣:٦). وابن علية هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، ثقة حافظ من رجال الجماعة، كما فى "التقريب" (١٥٥)، وبقية السند قد مر بيانه فى الذى قبله. باب حسم يد السارق إذا قطعت ٣٧٦٨- عن أبى هريرة: "أن رسول الله عَّ أتى بسارق سرق شملة، فقالوا: يا رسول الله! إن هذا قد سرق، فقال رسول الله ◌َّ ◌ُله: ما أخاله سرق، فقال السارق: بلی یا رسول الله! فقال: اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتونی به، فقال: تب إلی الله، قال: قد تبت إلى الله، فقال: تاب الله عليك". رواه الدار قطنى، وأخرجه موصولا باب حسم يد السارق إذا قطعت قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. تذييل: قال الترمذى فى "سننه": حدثنا قتيبة ثنا عمر بن على المقدمى ثنا الحجاج عن (١) بالفتح وسكون الثانى وفتح الثالث كما فى التقريب. ٦٧٠ ١ - ١١ أيضا الحاكم والبيهقى، وصححه ابن القطان (نيل ٤٦:٧). وأخرجه الحاكم فى "المستدرك"، وقال: "صحيح على شرط مسلم" (زيلعى ١٠٩:٢). باب إذا سرق ثانیا قطعت رجله الیسری فإِن سرق ثالثا لم يقطع وخلد فى السجن حتی یتوب ٣٧٦٩- حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن عبد الرحمن بن عائذ: "أتى عمر بأقطع اليد والرجل قد سرق، فأمر أن تقطع رجله، فقال على: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) الآية، فقد قطعته، فلا ينبغى أن تقطع رجله فتدعه ليس له قائمة يمشى عليها، إما أن تعزره، وإما أن تودعه السجن، ففعل". رواه سعيد بن منصور، وأخرجه البيهقى، وإسناده جيد (دراية ٢٥٤). مكحول عن عبد الرحمن بن محيريز، قال: "سألت فضالة بن عبيد عن تعليق اليد فى عنق السارق أمن السنة هو؟ قال: أتى رسول الله عَّ ◌ُلّه بسارق، فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت فى عنقه". هذا حديث حسن غريب (١٧٤:١ و١٧٥): قلت: إن ذلك على سبيل التعزير، فهو موكول إلى رأى الإمام حيث رأى المصلحة فعل، وحيث لم ير لم يفعل، ثم رأيت فى "فتح القدير" (١٥٤:٥): "وعندنا ذلك مطلق للإِمام إن رآه، ولم يثبت عنه عليه الصلاة والسلام فى كل من قطعه ليكون سنة" اهـ. باب إذا سرق ثانیا قطعت رجله اليسرى فإن سرق ثالثا لم یقطع وخلد فى السجن حتی یتوب قال المؤلف: دلالة الآثار على الباب ظاهرة. وتعارضه أحاديث: أولها: ما فى "كنز العمال" (١١٨:٣) عن الحارث بن حاطب قال: "سرق رجل على عهد رسول الله عَّ له فأتى به النبى معَّ له، فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله! إنما سرق، فقال: اقطعوه، ثم سرق على عهد أبى بكر فقطعه، ثم سرق أيضا، فقطع أربع مرات، حتى قطع قوائمه كلها، ثم سرق الخامسة، فقال أبو بكر: كان رسول الله عّ لّه أعلم بهذا حين أمر بقتله، اذهبوا به فاقتلوه، فقتلناه". رواه الحسن بن سفيان وأبو يعلى والشأشى والطبرانى والحاكم فى "المستدرك" وأبو نعيم وسعيد بن منصور اهـ. وسند المستدرك صحيح على قاعدة الحافظ السيوطى المذكورة مرارا. وثانيها: ما فى الزيلعى (١١٠:٢): روى عبد الرزاق فى "مصنفه": أخبرنا معمر عن ٦٧١ بیان الحد إذا سرق ثانیا أو ثالثا إعلاء السنن ٣٧٧٠- حدثنا أبو خالد عن حجاج (ابن أرطاة) عن عمرو بن دينار: "أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن السارق، فكتب إليه بمثل قول على". رواه ابن أبى شيبة (زيلعى ١١١:٢). قلت: رجاله رجال الجماعة إلا أن الحجاج مدلس، وقد حسن له الترمذی غیر ما حدیث. ٣٧٧١٠ - حدثنا أبو خالد عن حجاج عن سماك عن بعض أصحابه: "أن عمر استشارهم فى سارق، فأجمعوا على مثل قول على". رواه ابن أبى شيبة (زيلعى ١١١:٢). وهو منقطع كما ترى، وذكرناه اعتضادا. الزهرى عن عروة عن عائشة، قالت: "قدم على أبى بكر رجل أقطع، فشكى إليه أن يعلى بن أمية قطع يده ورجله فى سرقة، وقال: والله ما زدت على أنه كان يولينى شيئا من عمله فخنته فريضة واحدة، فقطع یدی ورجلى فقال له أبو بكر: إن كنت صادقا فلأقيدنك منه، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى فقد آل أبى بكر حليا لهم، فاستقبل القبلة ورفع يده، وقال: اللهم أظهر من سرق أهل هذا البيت الصالح، قال: فما انتصف النهار حتى عثروا على المتاع عنده، فقال له أبو بكر: ويلك! إنك لقليل العلم بالله، فقطع أبو بكر يده الثانية. قال ابن جريج وكان اسمه جبرا أو جبيرا، وكان أبو بكر يقول: لجرأته على الله أغيظ عندى من سرقته" اهـ وفى "الدراية": وهذا على شرط الصحيح (٢٥٤). وثالثها: ما رواه عبد الرزاق فى مصنفه كما فى (الزيلعى ١١٠:٢): "أخبرنا ابن جريج أخبرنى عبد ربه بن أبى أمية أن الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة وعبد الرحمن بن سابط قالا: "أتى النبى معَِّ بعبد، فقيل: يا رسول الله! هذا عبد قد سرق، ووجدت سرقته معه، وقامت البينة عليه، فقال رجل: يا نبى الله! هذا عبد بنى فلان أيتام ليس لهم مال غيره، فتركه، ثم أتى به الثانية فتر كه، ثم أتى به الثالثة فتركه، ثم أتى به الرابعة فتركه، ثم أتى به الخامسة فقطع يده، ثم السادسة فقطع رجله، ثم السابعة فقطع يده، ثم الثامنة فقطع رجله، ثم قال: أربع بأربع" اهـ. ورجاله رجال مسلم إلا شیخ ابن جريج فمجهول، ولكنه ثقة، فإنه روى عنه واحد كما ترى وقد مرت هذه القاعدة غير مرة، والحديث مرسل. ورابعها: ما رواه أبو داود وسكت عنه (٢٥٧:٢): حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل الهلالى نا جدى عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير عن محمد بن المتكدر عن جابر ابن عبد الله، قال: "جىء بسارق إلى النبى معَّ ◌ُله، فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله! إنما سرق، ٦٧٢ ج - ١١ بیان الحد إذا سرق ثانيا أو ثالثا ٣٧٧٢- ثنا جرير عن منصور عن أبى الضحى وعن مغيرة عن الشعبى، قال: " كان على يقول إذا سرق السارق مرارا قطعت يده ورجله، ثم إن عاد استودعته السجن". رواه ابن أبى شيبة، ورجاله ثقات. ٣٧٧٣- حدثنا حاتم بن إسماعيل عن جعفر عن أبيه، قال: " كان على لا يزيد على أن يقطع السارق يدا ورجلا، فإذا أتى به بعد ذلك قال: إنى لأستحيى أن لا يتطهر لصلاته، ولكن امسكوا كله عن المسلمين". رواه ابن أبى شيبة (وسنده صحيح)، كذا فقال: اقطعوه، قال: فقطع، ثم جىء به الثانية، فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله! إنما سرق، فقال: اقطعوه، قال: فقطع، ثم جئ به الثالثة، فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله! إنما سرق، فقال: اقطعوه، ثم أتى به الرابعة، فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله! إنما سرق، قال: اقطعوه، فأتى به الخامسة، فقال: اقتلوه، قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه فى بير، ورمينا عليه الحجارة" اهـ. وبهذا السند رواه النسائی بنحو ذلك اللفظ، ثم قال: حدیث منکر، ومصعب بن ثابت لیس . بالقوى فى الحديث (٢٦١:٢). فالجواب عن الأول بأنه يحتمل أن يكون قطع يد ورجل فى الثالثة والرابعة، وكذلك القتل. فى الخامسة على طريق التعزير دون الحد، ولذلك ساغ لسیدنا على رضى الله عنه خلافه، وفى "فتح القدير" (١٥٥:٣). " وإما لعلمه (أى على رضى الله عنه) أن ذلك ليس حدا مستمرا، بل من رأى الإمام قتله لما شاهد فيه من السعى بالفساد فى الأرض، وبعد الطباع عن الرجوع فله قتله سياسة، فيفعل ذلك القتل المعنوى" اهـ. وفى حاشية أبى داود عن مرقاة الصعود (٢٥٧:٢): "قال الخطابى: لا أعلم أحدا من الفقهاء يبيح دم السارق وإن تكررت منه السرقة، وقد يخرج على مذهب مالك، وهو أن يكون هذا من المفسدين فى الأرض، فإن للإمام أن يجتهد فى عقوبته وإن زاد على مقدار الحد، وإن رأى أن يقتل قتل" اهـ. وعن الثانى بأن الأثر قد اضطرب، ففى هذه الرواية قطع اليدين والرجلين، وفى الأخرى بهذا السند وبسند آخر خلافه، وهى ما نقله فى "الجوهر النقى" (١٨٥:٢): "وذكر عبد الرزاق: ثنا معمر عن الزهرى عن عروة عن عائشة، قالت: كان رجل أسود يأتى أبا بكر فيدينه، ويقرأه القرآن، حتى بعث ساعيا، فقال: أرسلنى معه فأرسله معه واستوصى به خيرا، فلم يعبر منه إلا قليلا. حتى جاء قد قطعت يده، فلما رآه أبو بكر فاضت عيناه قال: ما شأنك؟ قال: ما زدت على أنه كان ٦٧٣ بيان الحد إذا سرق ثانيا أوثالثا إعلاء السنن فى "الجوهر النقى" (١٨٦:٢). وفيه أيضاً: "ذكر البيهقى عن على عدم القطع فى الثالثة والرابعة من وجهين، قلت: وقد جاء من ذلك عنه من وجهين آخرين، فذكرهما" اهـ. قال: "وبه قال الثورى وأبو حنيفة وصاحباه أنه لا قطع بعد الثانية. وإنما فيه الغرم، وهو قول الزهرى والنخعى والشعبى والأوزاعى وحماد وأحمد، وروى عن جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم" اهـ قلت: وفيه دليل على أن حديث قتل العائد منسوخ والبسط فى الحاشية. يولينى شيئا من عمله فخنته فريضة واحدة فقطع يدى، فقال أبو بكر: يجدون الذى قطع هذا يخون عشرين فريضة، إن كنت صادقا لأفتدينك منه، ثم أدناه، فكان الرجل يقوم الليل فيقرأ، فإذا سمع أبو بكر صوته قال: تالله لرجل قطع هذا لقد اجترأ على الله، فلم يعبر إلا قليلا حتى فقد آل أبى بكر حليا لهم ومتاعا، فقام الأقطع فاستقبل القبلة، ورفع يده الصحيحة والأخرى التى قطعت، فقال: اللهم أظهر على من سرقهم، وكان معمر ربما قال: اللهم أظهر على من سرق أهل هذا البيت: الصالحين، فما انتصف النهار حتى عثروا على المتاع عنده، فقال أبو بكر: ويلك! إنك لقليل العلم بالله، فأمر به فقطعت رجله" اهــ وفيه أيضا: "قال عبد الرزاق: أنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، قال: إنما قطع أبو بكر رجل الذى قطعه يعلى بن أمية كان مقطوع اليد قبل ذلك" اهـ. قلت: هذا إسناد صحيح جليل. وعن الثالث والربع ما مر عن الأول تأمل حق التأمل. قال محمد فى "الموطأ": "قال ابن شهاب الزهرى: يروى ذلك عن عائشة أنها قالت: إنما كان الذى سرق حلى أسماء أقطع اليد اليمنى، فقطع أبو بكر رجله اليسرى، وكانت تنكر أن يكون أقطع اليد والرجل، (قبل قطع أبى بكر) وكان ابن شهاب أعلم من غيره بهذا ونحوه من أهل بلاده، وقد بلغنا عن عمر بن الخطاب وعن على بن أبى طالب أنهما لم يزيدا فى القطع على قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، فإن أتى به بعد ذلك لم يقطعاه وضمناه، (السجن) وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهاءنا" اهـ (٣٠٣). وفى تعليقه: "قال محمد فى "كتاب الآثار": أخبرنا أبو حنيفة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن على، قال: إذا سرق السارق قطعت يده اليمنى، فإن عاد قطعت رجله اليسرى، فإن عاد ضمنته السجن حتى يحدث خيرا، إنى استحبى على الله أن أدعه ليس له ید یأکل او یستنجی بها، ورجل يمشى عليها، (وهذا سند صحيح) ورواه عبد الرزاق عن معمر عن جابر عن الشعبى عن على نحوه، وابن أبى شيبة عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن ٦٧٤ ج - ١١ باب إذا قطع السارق والمال قد هلك فلا ضمان عليه ٣٧٧٤- ثنا أحمد بن الحسن الترمذى ثنا سعيد بن كثير بن عفير ثنا المفضل بن فضالة عن يونس بن يزيد عن سعد بن إبراهيم حدثنى أخى المسور بن إبراهيم عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله عَ لَّه قال: ((إذا أقيم الحد على السارق فلا غرم عليه)). أخرجه (الإمام الثقة) ابن جرير الطبرى فى "تهذيب الآثار" (هكذا) موصولا (الجوهر النقى ١٨٦:٢). وفيه أيضا: " وأخرجه أبو عمر بن عبد البر من طريق ابن جرير، وهذا السند ما خلا المسور وأباه على شرط البخارى، وأبوه ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين" اهـ وفيه أيضا: فى كتاب ابن أبى حاتم: "مسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف أخو سعد وصالح ابنى إبراهيم، روى عن عبد الرحمن بن عوف مرسلا، روى عنه أخوه سعد بن إبراهيم" اهـ. قلت: إن مسور هذا قد جهلوه، كما فى الزيلعى والميزان لكنه ثقة على قاعدة أن من روى عنه واحد زالت عنه جهالته. محمد عن أبيه عن على نحوه، وأخرجه سعيد بن منصور عن أبى معشر عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن أبيه عن على نحوه، قال ابن الهمام فى فتح القدير: هذا كله ثبت ثبوتا لا مرد له، فبعيد أن يقع فى زمن رسول الله مرّ مثل هذه الحوادث التى غالبا تتوفر الدواعى إلى نقلها، ولا خبر بذلك عند على وابن عباس وعمر من الأصحاب الملازمين، بل لا بد من علمهم بذلك، وبذلك يقتضى العادة، فامتناع على رضى الله عنه بعد ذلك إما لضعف الروايات المذكورة فى الإتيان على أربعة (أى التى فيها قطع اليدين والرجلين) وإما لأنه ليس حدا مستمرا، هو على رأى الإمام" اهـ. باب إذا قطع السارق والمال قد هلك فلا ضمان عليه قوله: "ثنا أحمد" إلخ، قال المؤلف: دلالته على الباب من حيث أن الغرم قد نفى عن المحدود فى السرقة، والغرم لا يثبت إلا بعد هلاك ما أخذ، وفى "الجوهر النقى" (٨٦:٢): "ثم قال ابن جرير ما ملخصه: فيه تبيان عن صحة قول من لم يضمن السارق بعد الحد، وفساد قول من ضمنه، ثم حكى عدم التضمين عن ابن سيرين والشعبى والنخعى وعطاء والحسن وقتادة، قال: وعلتهم مع الأثر القياس على إجماعهم على أن أهل العدل إذا ظهروا على الخوارج لم يغرموا ما استهلكوه، وكذا قطاع الطريق، ولو كان السارق فى التضمين كالغاصب لتعديه لوجب الضمان على هؤلاء لتعديهم وظلمهم، وكذا لو استهلك حربى ما لا لمسلم غلب عليه ثم أسلم لم يتبع به إجماعا، قال: ٦٧٥ إذا قطع السارق والمال قد هلك فلا ضمان عليه إعلاء السنن ٣٧٧٥- أخبرنى عمرو بن منصور قال: ثنا حسان بن عبد الله قال: ثنا المفضل بن فضالة عن يونس بن يزيد، قال: سمعت سعد بن إبراهيم يحدث عن المسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله عَ لّه قال: ((لا يغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد)). رواه النسائى (٢٦٢:٢) وقال: "وهذا مرسل وليس بثابت" اهـ. قلت: معنى قوله: "ليس بثابت" عدم الثبوت لأجل الإرسال، وقد علمت أن الإرسال لا يضر عندنا، لا سيما وقد وصله الإمام ابن جرير الطبرى، وعمرو هذا ثقة، وحسان هذا مقبول كما فى "التقريب" (١٦١). وهذا هو الصواب لقوله تعالى: فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا. فلم يأمر بالتغريم، ولو كان لازما ما لعرفهم به، كما عرفهم بالقطع" اهـ. وفيه أيضا: "وقال ابن عبد البر: هو قول سائر الکوفیین، وروى ابن أبى شيبة بسنده عن الشعبی قال: إن وجدت السرقة بعينها عنده أخذت منه وقطعت یده، وإن كان قد استهلكها قطعت يده ولا ضمان عليه" اهـ (١٨٧:٢). قوله: "أخبرنى عمرو بن منصور" إلخ. قال المؤلف: فى سنده كلام من وجوه، ذكره الزيلعى (١١١:٢). والجواب عنه ظاهر لمن تأمل فى ما نقلت فى الباب. نعم! أذكر بعضه والجواب عنه فى هذا الكتاب، لاحتمال أن لا يهتدى أحد إلى الجواب عنه فيتحير فأقول: فى الزيلعى (٢: ١١١): قال ابن القطان فى كتابه: وفيه مع الانقطاع بين المسور وجده عبد الرحمن بن عوف انقطاع آخر بين المفضل ويونس، فقد رواه إسحاق بن الفرات عن المفضل بن فضالة، فجعل فيه الزهرى بين يونس بن يزيد وسعد بن إبراهيم، قال: وفيه مع ذلك الجهل بحال المسور، فإنه لا يعرفه له حال" انتهى كلامه. والجواب عنه أن الانقطاع الأول قد ارتفع بما وصله ابن جرير، والانقطاع الثانى غير مسلم، فإنه إن صح سند إسحاق فنقول: إن يونس قد حدث عن سعد تارة بواسطة، وتارة بغير واسطة، فارتفع الاضطراب، وقد صرح فى رواية النسائى بسماع يونس من سعد كما ترى، فلا ترد عنعنة يونس فى الحديث الأول من الباب، وأما الجهل بحال المسور فقد عرفت زواله فى المتن، وتقرير الدلالة على الباب قد مر عن قريب، ولله الحمد على ما أنعم وأجزل. ٦٧٦ ج - ١١ باب قطع الطريق باب عقوبة قطاع الطريق ٣٧٧٦ - أخبرنا إبراهيم عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس فى قطاع الطريق: "إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا خافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض". رواه الإمام الشافعى فى "مسنده" (١٩٢). وفيه إبراهيم شيخ الإمام الشافعى جرحه غير واحد، ولكن الإمام حسن الظن فيه، وله شاهد حسن الإسناد، وأخرجه الطبرى فى تفسيره. باب عقوبة قطاع الطريق قوله: "أخبرنا إبراهيم" إلخ. قلت: دلالة الأثر بعده على الباب ظاهرة. وهذا ما ذهب إليه علماءنا الحنفية رفع الله درجاتهم العلية، ورجحه أيضا ابن جرير الطبرى فى تفسيره، وقال: "وأولى التأويلين بالصواب عندنا تأويل من أوجب على المحارب من العقوبة على قدر استحقاقه، وجعل الحكم على المحاربين مختلفا باختلاف أفعالهم، لما صحت به الآثار عن رسول الله مَ له من قوله: لا يحل دم امرئ مسلم إلا پاحدی ثلاث رجل قتل رجلا فقتل به أو زنی بعد إحصان فرجم، أو ارتد عن دينه. ومن قوله: القطع فى ربع دينار فصاعدا، فأما ما اعتل به القائلون أن الإمام فيه بالخيار من أن "أو" فى العطف تأتى بمعنى التخيير فى الفرض، فنقول: لا معنى له لأن أو فى كلام العرب قد تأتى بضروب من المعانى، لو لا كراهة إطالة الكتاب بذكرها لذكرتها" اهـ (١٣٨:٦). فإن قيل: "ما استدللتم به من قول ابن عباس لا يصلح للاحتجاج به، لما قد ثبت عن ابن عباس القول بالتخيير أيضا، أخرجه ابن جرير، فقال: حدثنى المثنى ثنا عبد الله ثنى معاوية عن على عن ابن عباس، قوله: ﴿إنما جراء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ الآية، قال: من شهر السلاح فى فئة الإسلام وأخاف السبيل ثم ظفر به وقدر عليه فإمام المسلمين فيه بالخيار، إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله" (١٣٨:٦). قلنا: يمكن إرجاعه إلى القول الأول بحمل قوله: "من شهر السلاح فى فئة الإسلام" على من قتل المارة، وقوله: "أخاف السبيل". على من أخذ المال، بدليل أنه لم يذكر الخيار فى النفى، مع ن القائلين بالخيار يقولون بالتسوية بين القتل والصلب، والقطع والنفى جميعا، أو نقول: كان ابن ٦٧٧ عقوبة قطاع الطريق إعلاء السنن ٣٧٧٧- حدثنا هناد ثنا أبو معاوية عن حجاج عن عطية العوفى عن ابن عباس، قال: "إذا خرج المحارب وأخاف الطريق وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف، فإن هو خرج فقتل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف، ثم صلب، وإن خرج فقتل ولم يأخذ المال قتل، وإن أخاف السبيل ولم يقتل ولم يأخذ المال نفى". وهذا سند حسن، فإن عطية العوفى وثقه ابن سعد، ولينه أبو زرعة، روى عنه جلة الناس، كذا فى تهذيب التهذيب، وضعفه آخرون، وحجاج بن أرطاة حسن الحديث كما مر غير مرة. عباس رأى ذلك أو لا نظرا إلى ظاهر القرآن، ثم رجع إلى القول بالتفصيل، وجعل الحكم مختلفا باختلاف الأفعال، لما بلغه الخبر عن النبى معَّه فى ذلك، وهو ما أخرجه الطبرى فى تفسيره (١٤٠:٦): حدثنا على بن سهل (هو أبو الحسن الرملى نسائى الأصل، وثقه أبو حاتم والنسائى وابن حبان، كما فى "التهذيب" ٣٢٩:٧) ثنا الوليد بن مسلم عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب: "أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت فى أولئك النفر العرنيين، وهم من بجيلة، قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعى، وساقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام. قال أنس: فسأل رسول الله عَّه جبريل عليه السلام عن القضاء فيمن حارب فقال: من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته، ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه" اهـ. قال الطبرى: "وفى إسناده نظر" اهـ. قلت: وجه النظر عنعنة الوليد بن مسلم، وهو مدلس، وعدم تصريح يزيد بن أبى حبيب بسماع القصة من عبد الملك بن مروان، أو أنس بن مالك، ولكن التدليس والإرسال لا يضرنا إذا كان المدلس والمرسل ثقة من أهل القرون الثلاثة، وبالجملة فالحديث صالح للاستشهاد به حتما لا سيما وقد وافقه قوله ابن عباس وجماعة من التابعين العظام، كما حكاه عنهم الطبرى وغيره، فما روى عن ابن عباس من القول بالتخيير مع ما فيه من الاحتمال الذى أبديناه محمول على قوله أولا، ثم رجع إلى التفصيل، وقال باختلاف العقوبة باختلاف الأفعال، والدليل على كون الثانى متأخرا عن الأول كون الأول مبيحا، والثانى حاظرا، ويجعل الحاظر متأخرا كيلا يلزم النسخ مرتين، كما عرف فى الأصول. تذييل: قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: " واختلف فى الموضع الذى يكون به محارباً، ج - ١١ عقوبة قطاع الطريق ٦٧٨ فقال أبو حنيفة: من قطع الطريق فى المصر ليلا أو نهارا، أو بين الحيرة والكوفة (بينهما قدر ميل) ليلا أو نهارا فلا يكون قاطعا للطريق، ولا يكون قاطعا للطريق إلا فى الصحارى، وحكى أصحاب الإملاء عن أبى يوسف أن الأمصار وغيرها سواء، وروى عن أبى يوسف فى اللصوص الذين يكسبون الناس ليلا فى دورهم فى المصر أنهم بمنزلة قطاع الطريق، يجرى عليهم أحكامهم، وحكى عن مالك أنه لا يكون محاربا حتى يقطع على ثلاثة أميال من القرية، وقال الشافعى: قطاع الطريق الذين يعرضون بالسلاح للقوم حتى يغصبوهم المال، والصحارى والمصر واحد، وقال الثوری: لا یکون محاربا بالكوفة حتى يكون خارجا منها. قال أبو بكر (الجصاص): روى عن النبى معَّه أنه قال: لا قطع على خائن ولا مختلس (قد مر تخريجه فى المتن) والمختلس هو الذى يختلس الشىء وهو غير ممتنع، فوجب بذلك اعتبارا لمنعة من المحاربين، وأنهم متى كانوا فى موضع لا يمكنهم أن يمتنعوا، وقد يلحق من قصده الغوث من قبل المسلمين أن لا يكونوا محاربين، وأن يكونوا بمنزلة المختلس والمنتهب كالرجل الواحد، إذا فعل ذلك فى المصر يكون مختلسا غاصبا، لا يجرى عليه أحكام قطاع الطريق، وإذا كانت جماعة ممتنعة فى الصحراء فهؤلاء يمكنهم أخذ أموال السابلة قبل أن يلحقهم الغوث، فباينوا بذلك المختلس، ولو وجب أن يستوى حكم المصر وغيره لوجب استواء حكم الرجل الواحد والجماعة، ومعلوم أن الرجل الواحد لا يكون محاربا فى المصر لعدم الامتناع منه (ويكون محاربا فى الصحراء) فكذلك ينبغى أن يكون حكم الجماعة فى المصر لفقد الامتناع منهم على أهل المصر، وأما إذا كانوا فى الصحراء فهم ممتنعون غير مقدور عليهم إلا بالطلب والقتال، فلذلك اختلف حكمهم وحكم من فى المصر" اهـ (٤١٣:١). قلت: وإليه ذهب داود بن أبى هند وعبد الله بن هبيرة من التابعين كما أخرجه الطبرى فى تفسيره، قال: حدثنا القاسم (هو ابن زكريا القرشى الكوفى من رجال مسلم ثقة من الحادية عشر تق) ثنا الحسين (هو ابن على الجعفى ثقة من رجال الجماعة تق) ثنا بشر بن المفضل (ثقة ثبت عابد من رجال الجماعة تق) عن داود بن أبى هند (ثقة من صغار التابعين تق) قال: "تذاكرنا المحارب ونحن عند ابن هبيرة (هو عبد الله بن هبيرة ثقة من الثالثة تق) فى ناس من أهل البصرة، فاجتمع رأيهم أن المحارب ما كان خارجا من المصر" اهـ. قلت: ولم أر من التابعين من قال بخلافه، وإنما خالفهم الأوزاعى ومالك والليث وابن سعد والشافعى وأبو يوسف. وأولئك من أتباع التابعين وأتباعهم، ولا ريب أن إجماع التابعين لا يرتفع بخلاف من بعدهم. ٦٧٩ إعلاء السنن فائدة: قال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق: النفى هو الحبس، لأن النفى عن جميع الأرض غير ممكن، وإلى بلدة أخرى استضرار بالغير، ومعلوم أن المراد بالنفى زجره عن إخافة السبيل، وكف أذاه عن المسلمين، وهو إذا صار إلى بلد آخر فكان هناك مخلى، كانت معرة قائمة على المسلمين إذا كان تصرفه هناك كتصرفه فى غيره، وإن كان هناك محبوسا كما قاله مالك والشافعى فى رواية، ففيه أن الحبس يستوى فى البلد الذى أصاب فيه وفى غيره، فلا معنى لحبسه فى بلد غير بلده، ويمتنع أن يكون المراد نفيه عن دار الإسلام إلى دار الحرب، لما فيه من تعريض المسلم للردة، ومصيره إلى أن يكون حربيا، فثبت أن المراد بالنفى نفيه عن سائر الأرض إلا موضع حبسه الذى لا يمكنه فيه العبث والفساد، لأن المحبوس لا ينتفع بشىء من طيبات الدنيا، فكأنه خارج منها، ولذا قال صالح ابن عبد القدوس حین حبسوه: فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا إذا جاءنا السجان يوما لحاجة اهـ. ملخصا من "أحكام القرآن" للرازى (٤١٢:٢). والشعر من تفسير النيسابورى على هامش الطبرى (٢٦:٦). تتمة الأبواب السابقة من غير ترتيب ألحقنا بالكتاب لمزيد الإفادة باب القذف بالنفی عن النسب عن ابن مسعود أنه قال: "لا حد إلا فى اثنين، أن يقذف محصنة، أو ينفى رجلا عن أبيه، وإن كانت أمه أمة" (المحلى (٣٦٦:١١). عن الشعبى فى الرجل من فخذه، قال: "ليس عليه حد إلا أن ينفيه من أبيه" (المحلى (٣٦٦:١١). قلت: وهو قولنا معشر الحنفية. باب لا حد علی قاذف العبيد والإماء عن ابن سيرين، قال: "أراد عبيد الله بن زياد أن يضرب قاذف أم ولد، فلم يتابعه على ذلك أحد". وقد روى عن عطاء والحسن والزهرى: "لا حد على قاذف أم ولد" (المحلى ١١: ١٧١). والأصل فيه قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنت ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ وقد تقدم أنه الحرية ج - ١١ ٦٨٠ والإسلام شرط فى الإحصان. عبد الرزاق: عن معمر عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر، قال: "إن أميرا من الأمراء سأل عن رجل قذف أم ولد لرجل، فقال ابن عمر: يضرب الحد صاغرا" (المحلى ٢٧١:١١). وسنده صحيح، وتأويله أنه قذفها بعد موت سيدها وقد عتقت. ابن وهب: "أخبرنى يونس أنه سأل ابن شهاب عن رجل قذف امرأته، فقال لها: زنيت وأنت أمة أو نصرانية، فقال ابن شهاب: إن لم يأت على ذلك بالبينة جلد الحد ثمانين"، وبه يقول أبو حنيفة وسفيان ومالك والأوزاعى وأصحابهم (المحلى ٢٧٣:١١) أى لأنه قذف مسلمة محصنة. باب إذا قذف كافر مسلما حُدّ ابن وهب: أخبرنى يزيد بن عياض الليثى عن ابن هشام أنه قال فى صبية افترى عليها أو افترت، قال: "إذا قاربت الحيض أو مسها الرجل جلد قاذفها الحد" (المحلى ٢٧٣:١١). باب إذا قذف كافرا حدا موسى بن معاوية: نا وكيع نا إسحاق بن خالد قال: "سألت الشعبى عن يهودية افترت على مسلم، قال: تضرب الحد". وبه إلى وكيع حدثنا سفيان الثورى عن طارق بن عبد الرحمن قال: " شهدت الشعبى ضرب نصرانيا قذف مسلما فجلده ثمانين" (المحلى ٢٧٣:١١). باب لا حد فى التعريض بالقذف عن: شعبة عن ابن أبى ميمونة نا سلمة بن المحبق، قال: "قدمت المدينة فعقلت راحلتي، فجاء إنسان فأطلقها، فلهزت فى صدره، وقلت: يا نائك أمه! فذهب بى إلى أبى هريرة وامرأته قاعدة، فقالت لى امرأته: لو كنت عرضت ولكنك أقحمت، قال: فجلدنى أبو هريرة الحد ثمانين، فقلت: لعمرك! إنى يوم أجلد قائما ثمانين سوطا إننى لصبور" (المحلى ٢٧٨:١١). وفيه عن أبى هريرة فى أعرابى قال: "يا رسول الله عَّه! إن امرأتى ولدت غلاما أسود، فقال: لعله نزعه عرق له " الحديث. رواه مسلم، وحديث ابن عباس: "أن رجلا قال: يا رسول الله! إن امرأتى جميلة لا ترد يد لامس، قال: طلقها، قال: إنى لا أصبر عنها، قال: فأمسكها". قال ابن حزم: "هو فى غاية الصحة، موجب أنه لا شىء فى التعريض أصلا" اهـ (المحلى ١١: ٢٨٠).