Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
من أتى البهيمة فلا حد عليه
إعلاء السنن
٣٦٨١- قال محمد فى الأصل: "بلغنا عن على بن أبى طالب رضى الله عنه، أنه
أتى برجل أتى بهيمة، فلم يحده، وأمر بالبهيمة وأحرقت بالنار". كذا فى "المبسوط"
أو الجلد، وليسا على من أتى البهيمة، وهذا ظاهر جدا، والقتل ليس بحد بل هو تعزير شديد، وقد
روى ابن ماجة (١٨٧): حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقى ثنا ابن أبى فديك عن إبراهيم بن
إسماعيل عن داود (هو ابن أبى حبيبة كما فى الزيلعى ٩٣:٢) عن داود ابن الحصين عن عكرمة
عن ابن عباس، قال: قال رسول الله عَ ظُله: ((من وقع على ذات محرم فاقتلوه، ومن وقع على بهيمة
فاقتلوه، واقتلوا البهيمة" اهـ.
قال بعض الناس: أما رجاله فالأول ثقة حافظ متقن من رجال الجماعة غير الترمذى ومسلم،
والثانى من رجال الجماعة ثقة كما فى "تهذيب التهذيب" (٦١:٩). الثالث قال فيه أحمد
والعجلی: ثقة وضعفه آخرون، كما فى "تهذيب التهذيب" (١٠٤:١) فهو مختلف فيه محتج به،
وبقية سنده سند الجماعة، رجاله(١) رجال الصحيح إلا إبراهيم، وإن كان بعضهم مختلفا فيه، فإن
الاختلاف غير مضر، فالذى يظهر من الأحاديث أن من وقع على بهيمة أو ذات محرم يقتل تعزيرا
ولا حد علیہ" اهـ.
· قلت: عجبا لفهم هذا الرجل وسوء فطنته، فإن القتل إذا كان تعزيرا لم يكن واجبا، بل
مفوضا إلى رأى الإمام، فغاية ما يدل عليه الحديث أن قتل واطئ البهيمة جائز إذا رأى الإمام ذلك،
والجمهور على أنه محمول على التغليظ. والله تعالى أعلم. ودليل الحمل ما فى المتن من قول ابن
عباس وعمر؛ وفى "الدر المختار" (٢٣:٣): "ولا يحد بوطئ بهيمة، بل يعزر وتذبح، ثم لم تحرق،
ويكره الانتفاع بها حية وميتة مجتبى " اهـ.
قال بعض الناس: "الظاهر أنه لا حاجة إلى إحراقها، كما يحصل من الحديث" اهـ. قلت:
بل الظاهر من قول ابن عباس: "ولكن أرى رسول الله عَّ ◌ُّه كره أن يؤكل من لحمها، أو ينتفع بها،
وقد عمل بها ذاك العمل أنها تحرق بعد الذبح، لكيلا ينتفع الناس بلحمها، ولئلا يقال: هذه التى
فعل بها كذا وكذا" وهذا الأخير قد ورد فى رواية عند البيهقى كما فى "التلخيص" (٣٥:٢).
نعم! ليس ذبحها ولا إحراقها بواجب، لانتفاء ما يدل على الوجوب، وقد صرح فى "المبسوط"
بعدم الوجوب (١٠٢:٩). وفى "الهداية" (٢: ٤٩٦): ومن تزوج امرأة لا يحل له نكاحها فوطئها
(١) قلت: ولكن داود بن الحصين ليس بثقة فى عكرمة خاصة، بل روايته عنه منكرة عند المحدثين.

ج - ١١
من أتى البهيمة فلا حد عليه
٦٠٢
للسرخسى (١٠٢:٩). وبلاغات محمد حجة عندنا، كما ذكرناه فى المقدمة.
لا يجب عليه الحد عند أبى حنيفة، لكنه يوجع عقوبة إذا كان علم بذلك" اهـ قلت: ومن أنواع
التعزير القتل، فهو موكول إلى رأى الإمام، فافهم.
قال ابن حزم فى "المحلى": "اختلف الناس فيمن أتى بهيمة. فقالت طائفة: حده حد الزانى،
يرجم إن أحسن، ويجلد إن لم يحصن، وقالت طائفة: يقتل ولا بد، وقالت طائفة: عليه الحد إلا أن
تكون البهيمة له. وقالت طائفة: يعزر إن كانت البهيمة له، وذبحت ولم توكل، وإن كانت لغيره
لم تذبح. وقالت طائفة: ليس فيه إلا التعزير دون الحد. واحتج الأولون بما رواه من طريق عبد بن
حميد: أنا يزيد بن هارون أنا سفيان بن حسين عن أبى على الرحبى (ضعيف مختلف فيه) عن
عكرمة، قال: سئل الحسن بن على مقدمة من الشام عن رجل أتى بهيمة، فقال: إن كان محصنا
رجم. وعن عامر الشعبى أنه قال فى الذى يأتى البهيمة أو يعمل عمل قوم لوط، قال: عليه الحد.
وعن الحسن البصرى: إن كان ثيبا رجم، وإن كان بكرا جلد، وهو قول قتادة والأوزاعى، وأحد
قولى الشافعى، والقول الثانى عن ابن الهاد، قال: قال ابن عمر فى الذى يأتى البهيمة: لو وجدته
لقتله وهو قول أبى سلمة بن عبد الرحمن، قال: تقتل البهيمة أيضا، واحتجوا بحديث ابن
عباس مرفوعا فى الذى يعمل عمل قوم لوط: اقتلوا الفاعل والمفعول به. ومن أتى بهيمة فاقتلوه
واقتلوها معه.
قال: وقد ذكرنا فى الباب قبل هذا الباب ضعف هؤلاء الآثار، لأن عباد بن منصور وعمرو
ابن عمرو وإسماعيل بن إبراهيم ضعفاء كلهم، قال: إلا أنه قد كان لازما للحنفيين والمالكيين القول
بها على أصولهم، فإنهم احتجوا بأسقط منها (قلت: وكذا أنت تحتج بما هو ساقط عندنا لمخالفته
السنة المشهورة، أو للشذوذ فيما تعم به البلوى، ونحوه من الأمور القادحة فى صحة الحديث
عندنا، وليس مدار الصحة والضعف عندك إلا على الإسناد والرجال، وقد عملنا بالآثار كلها،
وقلنا بجواز جلد من أتى البهيمة وإيجاعه عقوبة، وجواز قتله ورجمه إن اعتاد ذلك، ولم ينزجر
بالزجر، تعزيرا وسياسة لا حدا) قال: والقول الثالث عن معمر عن الزهرى فى الذى يأتى البهيمة،
قال: عليه أدنى الحدين، أحصن أو لم يحصن، والقول الرابع عن ربيعة أنه قال فى الذى يأتى
البهيمة: هو المبتغى ما لم يحل الله له، فرأى الإمام فيه العقوبة بالغة ما بلغت (ما لم تكن مثلة
ولا عذابا بالنار، ولا فوق ما يستحقه عند أهل الرأى، فبطل قول ابن حزم: "ولعل رأى الإمام يبلغ
إلى إحصانه، أو إلى أخذ ماله، أو إلى قتله، أو إلى بيعه، فإن منعوا من هذا سألوا الفرق بين ما منعوا
:

٦٠٣
إعلاء السنن
باب أن لا يقام الحد فى دار الحرب ولا بعد ما خرج منه
٣٦٨٢- حدثنا ابن المبارك عن أبى بكر ابن أبى مريم عن حكيم بن عمير، أن عمر
ابن الخطاب كتب إلى عمير بن سعد الأنصارى وإلى عماله: "أن لا يقيموا حدا على
أحد من المسلمين فى أرض الحرب حتى يخرجوا إلى أرض المصالحة. لئلا تحمله حمية
الشيطان أن يلحق بالكفار". رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" (زيلعى ٩٣:٢). قلت:
رجاله كلهم ثقات إلا أبا بكر بن أبى مريم، ضعفه بعضهم لاختلاط حدث له حين سرق
بيته، كما فى "التهذيب" (٢٩:١٢). ولكن ابن المبارك من قدماء أصحابه فيعتبر
بروايته عنه، وقال ابن عدى: "هو ممن لا يحتج بأحاديثه، ويكتب أحاديثه، فإنها
صالحة". كذا فى "التعليق المغنى" (٣٥٠:٢) اهـ. فالحديث حسن صالح، وقد تابعه
أحوص بن حكيم عن أبيه عند سعيد بن منصور كما فى "المغنى" (٥٣٧:١٠).
وأحوص مثل ابن أبى مريم أو أمثل منه، وثقه ابن المدينى، وفضله ابن عتيبة على ثور،
وقال العجلى: "لا بأس به". وقال الدار قطنى: "يعتبر به" اهـ من "التهذيب" (١٩٢:١)
لا سيما وقد احتج بحديثه هذا محمد فى "السير الكبير" (١٠٨:٤) وهو إمام مجتهد،
فلیکن احتجاجه بحديثه تصحیحا له، وحکیم عن عمر مرسل، والمرسل حجة عندنا.
من هذا وبين ما أباحوا من غير ذلك، ولا سبيل لهم إليه" اهـ (٣٨٨:١١) قلنا: الفرق بينهما
واضح بين، فإن النبى معَّ ◌ُّه نهى عن الإخصاء، والغرامة بالمال منسوخة عندنا، وبيع الحر حرام، وإنما
يجب على الإمام أن يتبع ما روى عن النبى مَّ فى ذلك، وما رآه السلف الصالحون، لا يجاوزه
إلى غيره فافهم) وهو قول مالك، والقول الخامس عن ابن عباس فى الذى يأتى البهيمة: لا حد
عليه، وعن الشعبى مثله، وعن عطاء فى الذى يأتى البهيمة، فقال: ما كان الله نسيا أن ينزل فيه،
ولكنه قبيح فقبحوا ما قبح الله. قال: وهو قول أصحابنا وأحد قولى الشافعى" اهـ (٣٨٦:١١).
قلت: وهو قول علمائنا الحنفية، شكر الله سعيهم، ونضر وجوههم، وأنزل عليهم شآبيب الرحمة
والرضوان، وحملوا الأمر بالقتل على المستحل أو على التعزير فى من اعتاد هذا القبيح.
باب أن لا یقام احد فی دار الحرب ولا بعد ما خرج منه
قوله: " حدثنا ابن المبارك إلى آخر الآثار" قال المؤلف: دلالة مجموع آثار الباب عليه ظاهرة.
والحدیث الثانی وإن لم یعرف سنده، لکن المجتهد إذا احتج بحدیث کان محتجا به کما عرفت غیر

ج - ١١
لا يقام الحد فى دار الحرب ولا بعد ما خرج منه
٦٠٤
٣٦٨٣- عن عطية بن قيس الكلابى أن رسول الله عَّ له قال: ((إذا هرب الرجل
وقد قتل أو زنى أو سرق إلى العدو ثم أخذ أمانا على نفسه فإنه يقام عليه ما فر منه، وإذا
قتل فى أرض العدو، أو زنى، أو سرق، ثم أخذ أمانا لم يقم عليه شىء مما أحدث فى
أرض العدو". أخرجه محمد فى "السير الكبير" (١٠٨:٤). ولم يذكر سنده، ولكن
احتجاج المجتهد بحديث تصحیح له.
٣٦٨٤- عن أبى الدرداء رضى الله عنه: "أنه كان ينهى أن يقام الحدود على
المسلمین فى أرض العدو، مخالفة أن تلحقهم الحمیة فیلحقوا بالكفار، فإن تابوا تاب الله
عليهم، وإلا كان الله تعالى من ورائهم". ذكره محمد أيضا فى "السير الكبير"، واحتج
به، فهو حسن أو صحيح، ورواه ابن أبى شيبة أيضا كما فى "الدراية" و"نصب الراية"
(٩٤:٢). وفيه أبو بكر ابن أبى مريم المذكور أيضا.
٣٦٨٥- الشافعى قال: قال أبو يوسف: حدثنا بعض أشياخنا عن مكحول عن
زيد بن ثابت، قال: "لا تقام الحدود فى دار الحرب مخافة أن يلحق أهلها بالعدو"،
أخرجه البيهقى عنه (نصب الراية ٩٣:٢). وفى "الدراية" (٢٤٨:٢): رواه الشافعى فى
اختلاف العراقیین " اهـ. قلت: وهذا فیه مجهول وانقطاع، فإن مکحولا لم یر زيد بن
ثابت، ولكن أبا يوسف قد عرف شيخه بالثقة، والإرسال لا يضرنا، فالأثر محتج به
لا سيما وقد احتج به أبو يوسف الإمام، وقال فى "كتاب الخراج" (٢١٢).
٣٦٨٦- حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة، قال: "غزونا أرض الروم ومعنا
حذيفة، وعلينا رجل من قريش، فشرب الخمر، فأردنا أن نحده، فقال حذيفة: تحدون
أمیر کم وقد دنوتم من عدو کم فیطمعون فیکم". قلت: وهذا سند صحيح موصول.
مرة، والمراد من السفر فى الحديث الخامس هو دار الحرب، لأن الولاية منقطعة هناك، والحديث
الذى نقله فى "النيل" (٤٨:٧ و٤٩): "عن عبادة بن الصامت أن رسول الله عَ لّه قال: جاهدوا
الناس فى الله القريب والبعيد، ولا تبالوا فى الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله فى الحضر والسفر.
رواه عبد الله بن أحمد فى مسند أبيه، وأخرج أوله الطبرانى فى "الأوسط" و"الكبير"، قال فى
"مجمع الزوائد": وأسانيد أحمد وغيره ثقات" اهـ. محمول على السفر فى غير دار الحرب، فإن
إقامة الحد تستدعى ولايتها، ولا ولاية فى أرض العدو وفى "الهداية" (٤٩٧:٢): "ولأن المقصود

٦٠٥
لا یقام الحد فى دار الحرب ولا بعد ما خرج منه
إعلاء السنن
٣٦٨٧- قال: "وبلغنا أيضا أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أمر أمراء الجيوش
والسرايا: أن لا يجلدوا أحدا حتى يطلعوا من الدرب قافلين. وكره أن تحمل المحدود
حمية الشيطان على اللحوق بالكفار". وفيه تقوية لما رواه أبو بكر ابن أبى مريم عن
حکیم بن عمیر، فإن احتجاج المجتهد به تصحیح له.
٣٦٨٨- عن جنادة بن أبى أمية، قال: كنا مع بسر بن أرطاة فى البحر، فأتى
بسارق يقال له: مصدر. قد سرق بختية، فقال: سمعت رسول الله عَّه يقول: لا تقطع
الأيدى فى السفر، ولولا ذلك لقطعته". رواه أبو داود (٢: ٢٥٧)، وسكت عنه، ولفظ
للترمذى: فى الغزو (فتح القدير ٤٦:٥). وفى "نيل الأوطار" (٧: ٤٨): "ورجال
إسناده ثقات إلى بسر". قلت: وبسر بن أرطاة صحابى، كما يشعر به قوله: "سمعت
رسول الله عَ لٍ" وهذا إسناده مصرى قوى كما قاله الحافظ فى "الإصابة" (١٥٢:١).
فلا معنى لجرح من جرح فيه، فإن الصحابة كلهم عدول فى الرواية.
هو الانزجار، وولاية الإمام منقطعة فيهما (أى فى دار الحرب ودار البغى)، فيعرى الوجوب عن
الفائدة، ولا يقام بعد ما خرج لأنها لم تنعقد موجبة" فلا تنقلب موجبة اهـ.
ترجمة بسر بن أرطاة والجواب عن بحث ابن الهمام.
قلت: واندفع بما ذكرنا فى المتن فى بسر بن أرطاة قول المحقق فى "الفتح": "فلو أنه أى بسر
ابن أرطاة سمعه من النبى ◌ّ لا تقبل رواية من رضى ما وقع عام الحرة، وكان من أعوانها".
(٤٧:٥). أما أولا فلما ثبت من الإجماع على عدالة الصحابة كلهم، لا سيما فى باب الرواية،
وكيف يرد رواية بسر بن أرطاة من يحتج بأحاديث البخارى ومسلم وبعض رواتهما من الخوارج،
وهم أسوأ حالا من بسر حتما؟ وأما ثانيا فلأن بسرا لم يكن عونا ليزيد فى وقعة الحرة، ولم يذكره
أحد من المؤرخين فى أعوانها ولا شركائها، والذى تولى كبرها هو مسلم بن عقبة والحصين بن نمير.
السكونى، والذى نقموا على بسر إنما هو ما فعله حين وجهه معاوية إلى اليمن والحجاز فى أول
سنة أربعين، وأمره أن ينظر من كان فى طاعة على، فيوقع بهم، ففعل ذلك، كما فى "الإصابة"
(١٥٣:١). ولا يجرح أحد من أصحاب معاوية وعلى رضى الله عنهم بما فعل بعضهم ببعض،
فكانوا كلهم على هدى، وإن كان على أولى بالحق، ومعاوية بالباطل، ولكن المجتهد إذا أصاب
أوتى أجره مرتين، وإن أخطأ فله الأجر مرة.

٦٠٦
لا يقام الحد فى دار الحرب ولا بعد ما خرج منه
ج - ١١
قال المحقق: "والحق أن هذه الآثار لو ثبت بطريق موجب للعمل معللة بمخافة لحاق من أقيم
عليه بأهل الحرب، وأنه يقام إذا خرج، وكونه يقيمه إذا خرج إلى دار الإسلام خلاف المذهب"
اهـ. قلت: ولكن أثر عطية بن قيس الكلابى صريح فى أنه لا يقام الحد على من زنا أو سرق أو قتل
فى أرض العدو بعد خروجه إلى دار الإسلام أيضا، واحتجاج المجتهد بحديث تصحيح له، فثبت أن
التعليل بمخافة اللحاق يختص بمن كان زنى أو شرب وسرق فى عسكر الإسلام قريباً من العدو،
فهذا يحد بعد رجوعه إلى دار الإسلام، کما هو مقتضی أثر عمر رضى الله عنه، لكونه أتی بموجب
الحد فى محل هو تحت ولاية الإمام، وهو المعسكر صرح به فى الهداية، حيث قال: "ولو غزا من
له ولاية الإقامة بنفسه، كالخليفة وأمير مصر، يقيم الحد على من زنى فى معسكره، لأنه تحت يده"
اهـ. وأما الذى زنى أو شرب أو سرق فى دار الحرب ثم رجع إلى دار الإسلام فليس علة درأ الحد
عنه مخافة اللحاق، بل ما ذكره صاحب الهداية بقوله: "لأنها لم تنعقد موجبة فلا تنقلب موجبة"
کمن زنی وهو مجنون ثم أفاق لا يحد اتفاقا، فكذا هذا.
قال المحقق: "ومع هذا فإنها معارضة بما أخرجه أبو داود فى المراسيل عن مكحول عن عبادة
مرفوعا: أقيموا حدود الله فى السفر والحضر الحديث" قلنا: لا معارضة لكونه محمولا على السفر
فى بلاد الإسلام، وحديث بسرة على السفر فى أرض العدو، بدليل ما فى رواية الترمذى من لفظ
الغزو. قال: "وأيضا معارض إطلاق: فاجلدوا، ونحوه، فيكون زيادة". قلنا: قد اتفق العلماء أن
المخاطب به الأئمة والأمراء، ولا يخاطبون إلا بجلد من هو فى ولايتهم، قال تعالى: ﴿والذين آمنوا
ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا﴾. فإن قيل: "لا نسلم أن حال الزنا يجب
على الإمام الإقامة، بل إنما يجب إذا ثبت عنده. فقبل الثبوت عنده لا يتعلق به وجوب أصلا،
وفرض المسألة أنه زنى فى دار الحرب ثم أقر عند القاضى بعد الخروج أو شهد به عليه فى غير .
تقادم، وعند ذلك هو قادر، ويتعلق به إيجاب الإقامة، والمذهب خلافه" (فتح القدير ٤٧:٥). قلنا:
لا يخفى أن سبب وجوب الحد هو سبب وجوب إقامته، وليس إلا فعل الزنا، والثبوت عند الحاكم
إنما هو شرط وجوب الإقامة، لا سببه، فإذا تحقق السبب غير موجب لا ينقلب موجبا، سواء كان
انتفاء الإيجاب لنقص فى الفاعل، كجنونه وقت الزنا، أو لقصور فى الحاكم، كصدور الزنا فى
محل ولايته منقطعة عنه، فافهم. فإنه من مزال الأقدام ومعترك الأفهام، والعلم عند الله الملك العلام.
قال الموفق فى "المغنى": "من أتى حدا من الغزاة أو ما يوجب قصاصا فى أرض الحرب

٦٠٧
لا يقام الحد فى دار الحرب ولا بعد ما خرج منه
إعلاء السنن
لم يقم عليه حتى يقفل، فيقام عليه، وبهذا قال الأوزاعى وإسحاق. وقال مالك والشافعى وأبو ثور
وابن المنذر: يقام الحد فى كل موضع، لأن أمر الله تعالى بإقامته مطلق فى كل مكان وزمان، إلا أن
الشافعى قال: إذا لم يكن أمير الجيش الإمام أو أمير إقليم فليس له إقامة الحد (لكونه غير مأذون
بإقامته غالبا)، ويؤخر حتى يأتى الإمام، لأن إقامة الحدود إلیه، و کذلك إن كان بالمسلمین حاجة إلى
الحدود، أو قوة به، أو شغل عنه آخر. وقال أبو حنيفة: لا حد ولا قصاص فى دار الحرب، ولا إذا
رجع. ولنا على وجوب الحد أمر الله تعالى ورسوله به، (قلنا: لكنه مقيدا بولاية الإمام بالنص
ولبداهة أنه لا يؤمر إلا بإقامة ما هو قادر على إقامته، وأرض الحرب منقطعة عن ولايته) وعلى
تأخيره ما روى بسر بن أرطاة، فذكر ما ذكرناه، ثم قال: ولأنه إجماع الصحابة رضى الله عنهم
وروى سعيد فى سننه بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه، أن عمر كتب إلى الناس، فذكر
ما ذكرناه، وقال: وعن أبى الدرداء مثل ذلك، وعن علقمة قال: وأتى سعد بأبى محجن يوم
القادسية وقد شرب الخمر، فذكر قصة وفيه: فقال سعد: والله لا أضرب اليوم رجلا أبلى الله
المسلمين به ما أبلاهم، فخلى سبيله. قال: وهذا اتفاق لم يظهر خلافه" اهـ (٥٣٨:١).
قلت: وفيه أنه درأ الحد عنه، فلم يحده بعد الرجوع إلى دار الإسلام، وهذا خلاف ما عليه
الجمهور، ومؤيد لأبى حنيفة فافهم. والقصة أخرجها الحاكم أبو أحمد وابن أبى شيبة من طريق أبى
معاوية: حدثنا عمرو بن المهاجر عن إبراهيم بن محمد بن سعد عن أبيه، كما فى الإصابة
(١٧:٧). وهذا سند صحيح، رجاله ثقات كلهم، ولعل أبا محجن كان قد شرب خارج المعسكر
بعيدا منه، ولذا جاز لسعد أن يدرأ الحد عنه، وإلا لأقامه عليه بعد الرجوع إلى أرض الإسلام،
والله تعالى أعلم.
قال الموفق: "وأما إذا رجع فإنه يقام الحد عليه لعموم الآيات والأخبار (قد مر ما فيه فتذكر)
قال: وإنما أخر لعارض، كما يؤخر لمرض أو شغل. فإذا زال العارض أقيم الحد، لوجود مقتضيه
وانتفاء معارضه. ولهذا قال عمر: حتى يقطع الدرب قافلا لها" اهـ قلنا: ذلك فيمن ارتكب موجب
الحد فى المعسكر وهو تحت يد الإمام، وقد قلنا بإقامة الحد عليه إذا قطع الدرب قافلا كما مر،
والنزاع إنما هو فيمن زنى فى دار الحرب خارجا عن المعسكر، فلا يكون الإمام مخاطبا بإقامة الحد
عليه حين ارتكبه، وهو متفق عليه لعجزه عن ذلك، فكان خارجا من عموم الآيات والأخبار،.
ولا بعد رجوعه إلى أرض الإسلام، لأن ما لم ينعقد موجبا لا ينقلب موجبا، ولما روينا فى المتن من

ج - ١١
٦٠٨
باب النهى عن إقامة الحد فى المساجد
٣٦٨٩- عن حكيم بن حزام أنه قال: "نهى رسول الله عَّ ◌ُّه أن يستقاد فى
المسجد وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود". رواه أبو داود (٢٦٥:٢)،
وسكت عنه. وفى "التلخيص الحبير" (٣٦١:٢): والحاكم وابن السكن وأحمد بن
حنبل، والدار قطنى والبيهقى، ولا بأس بإسناده".
٣٦٩٠- عن وكيع نا سفيان الثورى عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب،
قال: أتى عمر بن الخطاب رجل فى حد، فقال: أخرجاه من المسجد، ثم اضرباه". رواه
ابن حزم فى "المحلى" (١٢٣:١١)، وصححه.
أثر عطية بن قيس الكلابى رضى الله عنه، ولأن سعدا درأ الحد عن أبى محجن، وهذا اتفاق
لم يظهر خلافه، ولا يجوز للإمام والأمير إبطال حد من حدود الله اتفاقا، فثبت أن الزنا فى
دار الحرب لا يكون موجبا للحد فافهم. وعطية بن قيس الكلابى ويقال الكلاعى، روى عن أبى بن
كعب ومعاوية والنعمان ابن بشير وأبى الدرداء وغيرهم من الصحابة، وكان غزا مع أبى أيوب
الأنصارى، وكان قارئ الجند، قال: أبو مسهر: " كان مولده فى حياة رسول الله عَ لّه سنة سبع،
روى له مسلم والأربعة، وعلق له البخارى"اهـ من "التهذيب" ملخصا (٢٢٨:٧).
باب النهى عن إقامة الحد فى المساجد
قوله: "عن حكيم بن حزام" إلخ. دلالته على معنى الباب ظاهرة. وأخرجه ابن حزم فى
"المحلى" من طريق ابن وضاح: نا موسى بن معاوية نا محمد بن عبد الله عن العباس بن عبد
الرحمن عن حكيم بن حزام، قال: قال رسول الله معرّله: (لا تقام الحدود فى المساجد". وأعله
بمحمد بن عبد الله والعباس، وقال: "مجهولان" اهـ (١٢٣:١١). ولكن سند أبى داود سالم عن
العباس، فإنه رواه عن هشام بن عمار: نا صدقة يعنى ابن خالد نا الشعيثى عن زفر بن وثيمة عن
حكيم بن حزام بلفظ المتن (٤: ٢٨٥ مع العون). والشعيثى هو محمد بن عبد الله بن المهاجر،
قد وثقه أبو حاتم عن دحيم، قال: " کان ثقة و کان قدیما یروی عن مكحول"، وذكره ابن حبان فى
"الثقات"، وقال المفضل ابن غسان: "ثقة"، وقال النسائى: "لا بأس به". وقال أبو حاتم: "يكتب
حديثه ولا يحتج به". روى عنه الأوزاعى والوليد بن مسلم وصدقة وحجاج بن محمد وأبو قتيبة
ويزيد بن هارون وشبابة بن سوار وعبد الله بن يزيد المقرى وآخرون. كما فى "التهذيب"

٦٠٩
إعلاء السنن
باب لا تقبل شهادة بحد متقادم فى حقوق الله تعالی
٣٦٩١- أخرج ابن حزم فى "المحلى" (١٤٤:١١): من طريق موسى بن معاوية:
ثنا وكيع نا مسعر بن كدام عن أبى عون هو محمد بن عبد الله الثقفى قال: قال عمر بن
الخطاب رضى الله عنه: من شهد على رجل بحد لم يشهد به حين أصابه فإنما يشهد على
ضغن. قلت: وهذا مرسل صحيح لم يعله ابن حزم بشىء، وأخرجه محمد فى الأصل
(٥: ٢٨٠). وهو رجال من الأربعة، قال المنذرى: "وثقه غير واحد". كما فى "عون المعبود"،
فلا يصح تجهيل مثله، ولكن ابن حزم معروف فى تجهيل المشاهير، والحديث صريح فى النهى عن
إقامة الحدود فى المساجد جملة، فبطل قول ابن حزم: "إن ما كان من إقامة الحدود فيه تقذير
المسجد بالدم، كالقتل والقطع فحرام أن يقام شىء منه فى المسجد، وأما ما كان جلدا فقط فإقامته
فى المسجد جائز، إلا أن خارج المسجد أحب إلينا، وممن قال بذلك ابن أبى ليلى وغيره" اهـ
ملخصا (١٢٤:١١). قلت: فيه تخصيص النص بلا دليل، وقد صحح ابن حزم أثر عمر وفيه
الأمر بإخراج من حده الضرب، دون القطع والقتل والرجم، والحق أن إقامة الحد فى المسجد
خلاف الأدب، ولو أمن التلويث، قال أبو يوسف: "وأقام ابن أبى ليلى حدا فى المسجد، فخطأه أبو
حنيفة". كذا فى "أحكام القرآن" للجصاص (٢٦٢:٣).
باب لا تقبل شهادة بحد متقادم فى حقوق الله تعالى
قوله: "أخرج ابن حزم" إلخ. قلت: دلالته على عدم قبول الشهادة بحد متقادم ظاهرة.
واندفع بذلك ما قاله الموفق فى المغنى: "إن الحديث رواه الحسن مرسلا، ومراسيل الحسن ليست
بالقوية" (١٨٧:١٠). فقد رأيت أنه ليس من مراسيل الحسن فقط، بل رواه أبو عون عن
عمر رضى الله عنه أيضا، وكلام الموفق يشعر بأن مرسل الحسن لا علة له سوى الإرسال، والمرسل
إذا تعدد مخرجه حجة عند الكل، على أن مراسيل الحسن صحاح عند ابن المدینی ويحيى بن سعيد
القطان وأبى زرعة كما مر فى المقدمة. قال الموفق: "والتأخير يجوز أن يكون لعذر أو غيبة". قلنا:
الكلام فى تأخير بغير مانع، قال: "والحد لا يسقط بمطلق الاحتمال" قلنا: نعم! ولكن احتمال
الضغن فى تأخير الشهادة بلا وجه غالب، كما سنذكره. ومن هنا قال عمر: "فإنما يشهد على
ضغن" فافهم.
وإنما قيدناه بحد هو من حقوق الله تعالى، لأن التهمة بالضغن إنما تتحقق فيه، لأن الشاهد

٦١٠
لا تقبل شهادة بحد متقادم فی حقوق الله تعالى
ج - ١١
بلفظ: أيما شهود شهدوا على حد لم يشهدوا عند حضرته، فإنما شهدوا على ضغن
فلا شهادة لهم (فتح القدير ٥٧:٥). واحتجاج المجتهد بحديث تصحيح له كما مر.
بسبب الحد مأمور بأحد أمرين، الستر احتسابا، لقوله مرّ له: ((من ستر على مسلم ستره الله فى الدنيا
والآخرة). مع ما قدمنا من الحديث فى ذلك. أو الشهادة به احتسابا لمقصد إخلاء العالم عن
الفساد، فأحد الأمرين واجب مخير على الفور. لأن كلا من الستر وإخلاء العالم من الفساد
لا يتصور فيه طلبه على الترخى، فإذا شهد بعد التقادم لزم الحكم عليه بأحد أمرين، إما الفسق، وإما
تهمة العداوة، لأنه إن كان اختار الأداء وعدم الستر ثم أخره لزمه الأول، أو كان اختار الستر ثم
شهد لزم الثانى، بخلاف الإقرار بالزنا والسرقة، فلا يبطل بالتقادم، لأنه لا يتحقق فيه أحد الأمرين
من الفسق، وهو ظاهر، ولا التهمة إذ الإنسان لا يعادى نفسه، وبخلاف حقوق العباد، لأن
الدعوى شرط فيها، فتأخبر الشاهد لتأخير الدعوى لا يلزم منه فسق ولا تهمة (وهو محمل قول
النبی میلێ: «ثم یأتی قوم یشهدون ولا يستشهدون)). متفق عليه من حديث عمران، قاله فى معرض
الذم، والجمع بينه وبين قوله: "ألا أخبركم بخير الشهداء الذى يأتى بالشهادة قبل أن يستشهد".
رواه مسلم من حديث زيد بن خالد الجهنى، بحمل الأول على حقوق العباد، والثانى على حقوق
الله تعالى، كما فى "التلخيص الحبير" (٤: ٤١٠).
وفى القذف حق العبد، فتوقف على الدعوى كغيره، فلم يبطل بالتقادم، والسرقة فيها
أمران، الحد والمال، فما يرجع إلى الحد لا تشترط فيه الدعوى، لأنه خالص حق الله تعالى، وباعتبار
المال تشترط، والشهادة بالسرقة لا تخلص لأحدهما، بل لا تنفك عن الأمرين، فاشترطت الدعوى
للزوم المال لا للزوم الحد، ولذا يثبت بها المال بعد التقادم، ولا نقطعه، لأن الحد يبطل به، والبسط
فى "فتح القدير" (٥٧:٥)، فليراجع.
ولم يتنبه ابن حزم لهذا المعنى، فألزم الحنفية التناقض بين القولين، حيث أسقطوا حد الزنا،
وشرب الخمر، وقطع السارق بالتقادم، ولم يسقطوا حد القذف، ولا ضمان السرقة به، ولم يدر أن
علة سقوط الحد بالتقادم كون الشاهد متهما بالضغن، ولا يتحقق ذلك إلا فيما هو خالص حق الله
تعالى فافهم، واختلفوا فى حد التقادم، ولم يقدره أبو حنيفة، وفوضه إلى رأى القاضى فى كل
عصر، وعن محمد أنه قدره بشهر، وهو رواية عن الشيخين، وهو الأصح إذا لم يكن بينهم وبين
القاضى مسيرة شهر، أما إذا كان تقبل شهادتهم، لأن المانع البعد فلا تهمة كذا فى "الهداية".

٦١١
إعلاء السنن
باب إذا شهد أربعة علی امرأة بالزنا وشهد ثقات من النساء
أنها عذراء فلا حد عليهما ولا على الشهود
٣٦٩٢- روينا عن الشعبى أنه قال فى أربعة رجال عدول شهدوا على امرأة
بالزنا، وشهد أربع نسوة بأنها بكر، فقال: أقيم عليها الحد وعليها خاتم من ربها؟ أخرجه
ابن حزم فى "المحلى" (٣٦٣:١١). ولم يعله بشىء.
باب إذا شهد أربعة على امرأة بالزنا وشهد ثقات من النساء
أنها عذراء فلا حد عليهما ولا على الشهود
قوله: "روينا عن الشعبى" إلخ. دلالته على درأ الحد عن المرأة، وأنها لا تحد وعليها خاتم من
ربها ظاهرة، وهو يستلزم درأ الحد عن الرجل أيضا، لأن الخاتم يمنع الإيلاج فى الفرج. قال الموفق
فى المغنى (١٨٩:١٠): "وبهذا قال الشعبى والثورى والشافعى وأبو ثور وأصحاب الرأى. وقال
مالك: عليها الحد، لأن شهادة النساء لا مدخل لها فى الحدود، فلا تسقط بشهادتين، ولنا أن
البكارة تثبت بشهادة النساء (فلم تكن شهادتهن فى الحد، بل فيما لا يطلع عليه الرجال؛ وهى
مقبولة فيه اتفاقا) ووجودها يمنع من الزنا ظاهرا، لأن الزنا لا يحصل بدون الإيلاج فى الفرج،
ولا يتصور ذلك مع بقاء البكارة، لأن البكر هى التى لم توطأ فى قبلها، وإذا انتفى الزنا لم يجب
الحد، كما لو قامت البينة بأن المشهود عليه بالزنا مجبوب، وإنما لم يجب الحد على الشهود لكمال
عدتهم مع احتمال صدقهم، فإنه يحتمل أن يكون وطئها (يرفق) ثم عادت عذرتها (لعدم مبالغة
فى إزالتها) فيكون ذلك شبهة فى درأ الحد عنهم غير موجب له عليها، فإن الحد لا يجب
بالشبهات" اهـ. والحاصل أن شهادة النساء حجة فى إسقاط الحد، وليست بحجة فى إيجابه، فلهذا
سقط الحد عنهما، ولا يجب على الشهود، كذا فى الهداية مع فتح القدير (٦٥:٥).
قال الموفق: "فأما إن شهدت النساء بأنها رتقاء، أو ثبت أن الرجل المشهود عليه محبوب،
فينبغى أن يجب الحد على الشهود، لأنه يتيقن كذبهم فى شهادتهم بأمر لا يعلمه كثير من الناس،
فوجب عليهم الحدّ اهـ. قلت: وينبغى أن لا يجب الحد عليهم عندنا لاحتمال صدقهم بأن تكون
الرتقاء غليظة الفرج، تغيب الحشفة بين حرفيه لغلظهما، أو يكون المجبوب قد وطئ المرأة بالرفعة،
وهى آلة كالذكر تستعملها المساحقات من النساء والحدود تدرأ بالشبهات. والله تعالى أعلم.
ثم رأيت صاحب الدر ومحشيه قد صرحا بدرء الحد عن الشهود فى ظهور المرأة رتقاء

٦١٢
ج - ١١
باب شهدوا على رجل وامرأة بالزنا فقال: هى زوجتى لا حد عليهما
٣٦٩٣- أخرج ابن حزم من طریق موسی بن معاوية، نا و کیع نا داود بن يزيد
الزعاوى (الصحيح الزعافرى) عن أبيه: "أن رجلا وامرأة وجدا فى خربة مراد
(قد أدماها) فرفعا إلى على بن أبى طالب، فقال: ابنة عمى تزوجتها، فقال لها على: ما
تقولين؟ فقال لها الناس: قولى نعم! فقالت: نعم! فدرأ عنهما". (المحلى ٢٤٢:١١)،
ورواه أبو الحسن البكالى من طريق إدريس بن يزيد الأزدى (الصحيح الأودى، كما فى
كنز العمال ٩٧:٣) وإدريس بن يزيد أوثق من داود بن يزيد أخيه، وداود مختلف فيه،
والرجل محبوبا، وعلله بأن ثبوت البكارة ونحوها بقول امرأة حجة فى إسقاط الحد، لا فِى
إيجابه، وقد وجد لفظ الشهادة، وتكامل عددهم فلا يحدون وأيضا فالمجبوب لا يحد قاذفه
فافهم (٢٤٦:٣).
باب شهدوا على رجل وامرأة بالزنا فقال: هى زوجتى لا حد عليهما
قوله: "أخرج ابن حزم" إلخ. دلالته على الباب ظاهرة، فإن درأ الحد عنهما بمجرد قوله: هى
ابنة عمى تزوجتها. وأما قول على للمرأة: "ما تقولين"؟ فلم يكن لإیجاب الحد عليهما لو كذبته،
لأن الحد لا يحتال لإثباته، بل لإسقاطه، فلعله قال لها ذلك ليعزر الرجل، أو يغرمه عذرتها لو
كذبته وادعت الإكراه، ولأن الرجل إذا قال: تزوجتها، وقالت: كذب بل زنى بى فإن الرجل
يدعى عليها ملك المتعة ويقر لها بالصداق، ولو ساعدته لزمه الصداق، فإذا أنكرت كان له أن
يحلفها عند من يرى التحليف فى النكاح، فإن نكلت وأو جبنا الجد لزم إيجاب الحد بالنكول، وفى
عكسه يلزم إيجابه بالحلف، والحدود لا تقام بالأيمان ولا بالنكول. وأما الشهادة فقد بطلت بقوله:
هى امرأتى، أو بقولها: هو زوجى، كما لا يخفى، لأن دعوى أحدهما التزوج تقتضى الحلف، أو
النكول إذا لم تكن للمدعی بینة، فافهم.
فإن قيل: "هذا يفضى إلى سد باب إقامة الحد، لأن كل زان لا يعجز عن دعوى نكاح
صحيح أو فاسد، فلو درأنا الحد بمجرد الدعوى لانسد الباب". قلنا: كما أمرنا الشارع بإقامة
الحدود، فقد أمرنا بدرءها بالشبهة أيضا كما مر، وتتمكن الشبهة عند دعوى أحدهما النكاح،
لاحتمال أن یکون صادقا، ألا ترى أنه تسمع بينة على ذلك، ویستحلف خصمه علی قول من یری
الاستحلاف فيه؟ فإذا سقط الحد عنه يسقط عن الآخر أيضا للشركة، ولا يؤدى إلى سد باب الجد،

٦١٣
إعلاء السنن لو شهدوا على رجل وامرأة بالزنا فقال: هى زوجتى لا حد عليهما
وقد وثق، ويزيد بن عبد الرحمن الأودى ذكره ابن حبان فى الثقات، ووثقه العجلى،
أخرج محمد بن الحسن فى الآثار عن أبى حنيفة عن يزيد بن عبد الرحمن أحاديث وهو
هذا روی عن علی وأبى هريرة وعدى بن حاتم وجابر بن سمرة وعنه ابناه إدريس وداود
ويحيى بن أبى الهيثم العطار. كذا فى التهذيب (٣٤٥:١١). فالإسناد حسن صحيح.
٣٦٩٤ - ومن طريق محمد بن بشار، بندار، نا محمد بن جعفر غندر نا شعبة عن
الحكم بن عتيبة وحماد بن سليمان، أنهما قالا فى الرجل يوجد مع المرأة، فيقول: هى
ألا ترى أن هذا الحد یقام بالإقرار، ثم لو رجع المقر عن إقراره لا یقام علیه، ولا يؤدى ذلك إلى سد
باب الحد فى الإقرار، ثم لو رجع المقر عن إقراره لا يقام عليه، ولا يؤدى ذلك إلى سد باب الحد فى
الإقرار، ثم إذا سقط الحد عنه بدعواها النكاح وجب الصداق لها، لأن الوطأ فى غير الملك لا ينفك
عن عقوبة أو غرامة. كذا فى "المبسوط" (٥٢:٩ و ٥٣).
قوله: "ومن طريق محمد بن بشار" إلخ قلت: وخالفهم إبراهيم النخعى والزهرى، فقالا:
يسأل البينة، فإن جاء ببينة وإلا وقع عليه الحد، ذكره ابن حزم فى "المحلى". ولنا: أن على بن أبى
طالب رضى الله عنه لم يسأله البينة، بل درأ الحد عنهما بمجرد قول الرجل: هى بنت عمى
تزوجتها، وقولها: نعم، ولم يعرف له مخالف من الصحابة، فكان كالإجماع والله تعالى أعلم.
حكم من تزوج امرأة فزفت إليه أخرى فوطئها
فائدة: قال محمد فى "الأصل": "رجل تزوج امرأة، فزفت إليه أخرى، فوطئها لا حد
عليه، لأنه وطئ بشبهة، وفيه قضى على رضى الله عنه بسقوط الحد ووجوب المهر والعدة، ولا حد
على قاذفة أيضا، لأنه وطئ وطأ حراما غير مملوك له، وذلك مسقط إحصانه، ولو فجر بامرأة وقال:
حسبتها امرأتى فعليه الحد، لأن الحسبان والظن ليس بدليل شرعى له يعتمده فى الإقدام على
الوطئ، بخلاف الزفاف وخبر المخبر أنها امرأته، فإنه دليل يجوز اعتماده على الوطأ، فيكون مورثا
شبهة". كذا فى "المبسوط" (٨٧:٩). قلت: ومسألة الزفاف إجماعية.
قال الموفق فى "المغنى": "لا حد عليه، لا نعلم فيه خلافا، وإن لم يقل له: هذه زوجتك،
أو وجد على فراشه امرأة ظنها امرأته أو جاريته، أو دعا جاريته أو زوجته، فجاءته غيرها فظنها
المدعوة فوطئها، إذ اشتبه عليه ذلك لعماه فلا حد عليه، وبه قال الشافعى، وحكى عن أبى حنيفة أن
عليه الحد، لأنه وطئ فى محل لا ملك له فيه، ولنا أنه وطأ اعتقد إباحته بما يعذر مثله فيه، فأشبه ما

٦١٤
ج - ١١ لو شهدوا على رجل وامرأة بالزنا فقال: هى زوجتى لا حد عليهما
امرأتى: "أنه لا حد عليه" قال شعبة: "فذكرت ذلك لأيوب السختياني، فقال: ادرأوا
لو قيل له: هذه امرأتك، ولأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهذه من أعظمها" اهـ (١٥٦:١٠). ولأبى
حنيفة أن المسقط شبهة الحل، ولا شبهة ههنا سوى أن وجدها على فراشه، ومجرد وجود امرأة
على فراشه لا يكون دليل الحل، ليستند الظن إليه، لأنه قد ينام على الفراش غير الزوجة من حبائبها
الزائرات لها، وقراباتها فكان كما لو ظن المستأجرة للخدمة والمودعة حلالا فوطئها فإنه يحد، قاله
المحقق فى "الفتح" (٤٠:٥). وأما مسألة الزفاف فليس الإخبار بأنها زوجته شرطا لدرء الحد، بل
يسقط الحد بمجرد الزفاف، لأنها إذا أحضرها النساء من أهله وجيرانه إلى بيته، وجليت على
المنصة، ثم زفت إليه، فاحتمال غلط التساء فيها وأنها غيرها أبعد ما يكون، ولو فرض وقد وطئها
على ظن أنها زوجته، وأنها تحل له، فوجوب الحد عليه إذا لم يقل له أحد أنها زوجتك فى غاية
البعد أيضا، ولم يذكر الحاكم فى الكافى شرط الإخبار، بل اقتصر على قوله: لأن الزفاف شبهة،
وهو صريح فى أن نفس الزفاف شبهة مسقطة للحد بدون إخبار، فالظاهر أن ما فى المتون من
التقييد بالإخبار رواية أخرى، أو هو محمول على ما إذا لم تقم قرينة ظاهرة من عرس تجتمع فيه
النساء، أو نحو ذلك مما يزيد على الإخبار. والبسط فى "رد المحتار" (٢٣٩:٣).
وقال فى "الدر" (ومثله فى "الهداية"): "يحد بوطأ امرأة وجدت على فراشه فظنها
زوجته، ولو هو أعمى لتمييزه بالسوال، إلا إذا دعاها (الأعمى بخلاف البصير) فأجابته قائلة أنا
زوجتك، أو أنا فلانة باسم زوجته، فواقعها، لأن الإخبار دليل شرعى، حتى لو أجابته بالفعل أو
بنعم حدّ اهـ. هذا هو المذكور فى المتون والشروح، وعزوه إلى الأصل، وفى الظهيرية: رجل
وجد فى بيته امرأة فى ليلة ظلماء، وقال: ظننت أنها زوجتی لا حد علیه، ولو كان نهارا يحد.
وفى الحاوى: وعن زفر عن أبى حنيفة: فيمن وجد فى حجلته أو بيته امرأة، فقال: ظننت أنها
امرأتى: إن كان نهارا يحد، وإن كان ليلا لا يحد. وعن يعقوب عن أبى حنيفة: أن عليه الحد ليلا
كان أو نهارا. قال أبو الليث: وبرواية زفر يؤخذ" اهـ. قال الشامى: "ومقتضاه أن لا حد على
الأعمى ليلا كان أو نهارا، "كذا فى "رد المحتار" (٢٣٨:٣). قلت: ورواية زفر هى الراجحة
عندنا، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهذه شبهة يعذر مثله فيها.
حکم المرأة إذا دلست نفسها لأجنبی فوطئها يظنها زلا جته
فائدة: هذا هو حكم الرجل أنه لا يحد بوطأ من زفت إليه، ومن وجدها على فراشه، ومن
أجابته بعد ما دعا زوجته أو جاريته. وأما حكم المرأة فذكر ابن حزم فى "المحلى": "عن بكير بن

٦١٥
إعلاء السنن لو شهدوا على رجل وامرأة بالزنا فقال: هى زوجتى لا حد عليهما
الحدود ما استطعتم". أخرجه ابن حزم فى "المحلى" (٢٤٢:١١). ولم يعله بشىء.
الأشج، أنه قال فى امرأة انطلقت إلى جاريتها فهيأتها، وجعلتها فى حجلتها، وجاء زوجها
فوطئها، قال: تنكل المرأة، ولا جلد على الرجل، وعلى الجارية حد الزنا إن كانت تدرى أن ذلك
لا يحل، ولو أن امرأة دلست نفسها لأجنبى فوطئها يظن أنها امرأته، فهى زانية، ترجم وتجلد إن
کانت محصنة، وتجلد و تنفی إن كانت غير محصنة، وروى ابن حزم من طريق عبد الرزاق عن ابن
جريج، قال: أخبرنى بعض أهل الكوفة أن على بن أبى طالب رجم امرأة كانت ذات زوج،
فجاءت أرضا فتزوجت. ولم تشك أن ما جاءها موت زوجها ولا طلاقه" اهـ (٢٤٦:١١).
قلت: لا حجة فيما رواه ابن جريج عن بعض أهل الكوفة، وهو مجهول، وإن صح فهو حجة على
أبى حنيفة حيث أسقط الحد عمن تزوج ذات محرم أو متزوجة بغیره، وهذا علی قد حد من
تزوجت بآخر، وهى ذات زوج، وعدها زانية ورجمها لذلك، ولو لا ذلك لم يرجمها بل عزرها
أشد تعزیر.
جواز رجم المرتد:
وله أن ينفصل عنه بحمله على التعزير الشديد، فقد عرفت أنه حمل رجم اللوطى وقتله على
التعزير، ومن هنا ظهر أن للإمام الرجم فى التعزير، وإذا كان كذلك فيجوز رجم المرتد أيضا إذا
رأى الإمام ذلك، قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له (٢٦٣:٣): "فى الذى يعمل عمل قوم لوط
وفى الذى يأتى البهيمة قوله مّلآه: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، زنا بعد إحصان،
وكفر بعد إيمان، وقتل نفس بغير نفس ينفى قتل فاعل ذلك، إذ ليس ذلك بزنا فى اللغة، ولا يجوز
إثبات الحدود إلا من طريق التوقيف، أو الاتفاق، وذلك معدوم فى مسألتنا، ولا يجوز إثباته من
طريق المقاييس، والحديث الذى قد رواه عمرو بن أبى عمرو عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا،
فعمرو هذا ضعيف لا تثبت به حجة، وإن صح الخبر كان محمولا على من استحله" اهـ ملخصا.
ولا يخفى أن المستحل مرتد، فثبت جواز رجم المرتد. وأما ما رواه ابن أبى شيبة: حدثنا و کیع ثنا
محمد بن قيس عن أبى حصين: "أن عثمان أشرف على الناس يوم الدار، فقال: أما علمتم أنه
لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأربع. فذكرها، وذكر الرابع ورجل عمل عمل قوم لوط". انتهى من
الزيلعى (٩٢:٢). فهذه زيادة شاذة، فقد روى الحديث عن عثمان من غير وجه، كما فى الزيلعى
(٧٩:٣). ولم يقل أحد: إلا بأربع. بل اتفقت الروايات على قوله: إلا بإحدى ثلاث. وهكذا روى

٦١٦
ج - ١١
رجوع شهود الزنا أو بعضهم عن الشهادة
باب رجوع شهود الزنا أو بعضهم عن الشهادة
قال الله تعالى: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند
الله هم الكاذبون﴾.
عن عائشة وابن مسعود بلفظ: "إلا بإحدى ثلاث". وأخاف أن يكون محمد بن قيس هذا هو
محمد بن سعيد بن قيس المصلوب الوضاع. فإنه قد ينسب إلى جده كما فى "التهذيب"
(٤١٥:٩). وبالجملة فإذا دلست المرأة نفسها لرجل فوطئها يظن أنها امرأته لا يحد الرجل، لكون
التدليس عذرا فى حقه، لوقوع الاشتباه، وتحد المرأة حد الزنا، لانتفاء عذر الاشتباه فى حقها، هذا
هو الظاهر من القواعد، ولم أرمن صرح به من فقهاءنا. ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.
باب رجوع شهود الزنا أو بعضهم عن الشهادة
قوله: "قال الله تعالى": دلت الآية على أنه لا بد فى الشهادة على الزنا من أربعة، وهذا
إجماع لا خلاف فيه بين أهل العلم، وقد نقص العدد بالرجوع عن الشهادة، وهو ظاهر، فلزمهم
الحد، لكونهم كاذبين كلهم، لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنت ثم لم يأتوا بأربعة شهداء
فاجلدوهم ثمانين جلدة) الآية، وهؤلاء قد قذفوا المحصن أو المحصنة، أو كليهما، ولم يأتوا بأربعة
شهداء فعليهم الحد أجمعين. وقال الشافعى: "يحد الراجع دون الثلاثة (وهو قول زفر منا) لأنه
مقر على نفسه بالكذب فى قذفه، وأما الثلاثة فقد وجب الحد بشهادتهم، وإنما سقط بعد وجوبه
برجوع الراجع، ومن وجب الحد بشهادته لم يكن قاذفا فلم يحد". قلنا: ينتقض ذلك بما إذا رجعوا
کلهم، وبالراجع وحده، فإن الحد قد وجب بشهادته، ثم سقط، ووجب الحد علیهم بسقوطه،
ولأن الحد إذا وجب على الراجع مع المصلحة فى رجوعه بإحياءه المشهود عليه بعد إشرافه على
التلف فعلى غيره أولى، وقال بعض الحنابلة: يحد الثلاثة دون الراجع، لأن إذا وقع قبل الحد فهو
كالتائب قبل تنفيذ الحكم بقوله، فيسقط عنه الحد. كذا فى "المغنى" (١٨٢:١٠).
قلنا إن الحد لا يسقط بالتوبة، حاشا حد الحرابة الذى ورد النص بسقوطها بالتوبة قبل القدرة
عليهم فقط، وأما بالتوبة الكائنة بعد القدرة عليهم أو مع القدرة عليهم فلا، وقد رجم رسول
الله عَّ ما عزا وقال: "لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لو سعتهم". رواه مسلم، ورجم الجهنية
وقال: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لو سعتهم. هل وجدت شيئا هو أفضل
من أن جادت بنفسها؟" قاله لعمر حين قال: "تصلى عليها وقد زنت؟" رواه ابن حزم من طريق
مسدد بسند صحيح (١٢٨:١١ من المحلى). ورجم الغامدية فسبها خالد، فسمع نبى الله عَ ◌ّه سبه

٦١٧
رجوع شهود الزنا أو بعضهم عن الشهادة
إعلاء السنن
٣٦٩٥- عن الثورى عن سليمان التيمي عن أبى عثمان الهندى، قال: " شهد أبو
بكرة وشبل بن معبد ونافع على المغيرة، أنهم نظروا إليه كما ينظرون إلى المرود فى
المكحلة، ونكل زياد، فقال عمر: هذا رجل لا يشهد إلا بحق، ثم جلدهم الحد". رواه
عبد الرزاق كما فى "التلخيص الحبير" (٢: ٣٥٥). وهذا سند صحيح.
إياها، فقال: مهلا يا خالد! فو الذى نفسى بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له رواه
مسلم. فثبت أن التوبة لا تسقط الحدود. وأما قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنت﴾ إلى قوله:
﴿غفور رحيم﴾ فليس فيه إلا بيان حكم التوبة بعد الجلد، بدليل قوله: "إلا الذين تابوا من بعد ذلك".
فبين لنا تعالى أن التوبة بعد الجلد تمحو اسم الفسوق، وأما أن التوبة قبل الجلد تسقط الحد فلا.
قوله: "عن الثورى" إلخ. فيه دلالة على أن الشهود إذا نقص عددهم عن الأربعة بامتناع
واحد من الشهادة لزمهم حد القذف، وهذا إجماع الصحابة فى قصة المغيرة وأبى بكرة، ولا
يخفى أن الرجوع عن الشهادة مستلزم لنقص العدد، كامتناع واحد من الأربعة سواء، وإنما لم يحد
الممتنع لعدم قذفه المشهود عليه بالزنا، ويحد من سواه، وأما الراجع فإنما رجع بعد القذف، ونقص
به نصاب الشهادة، فيحد مع الثلاثة. والله تعالى أعلم.
اختلاف الشهود فى شهادتهم
فائدة:
ومن فروع هذا الباب اختلاف الشهود فى شهادتهم اختلافا لا يقبل التوفيق عادة، كما إذا
شهد اثنان أنه زنی بها فى هذا البیت، واثنان أنه زنی بها فی بیت آخر، أو شهد کل اثنین علیه بالزنا
فى بلد غير البلد الذى شهد به صاحباهما، أو اختلفوا فى اليوم يدرأ الحد عن المشهود عليهما
اتفاقا، وعن الشهود أيضا عندنا، وبه قال النخعى وأبو ثور، واختاره أبو بكر من الحنابلة، وقال
مالك والشافعى: صارت الشهود قذفة، وعليهم الحد، واختار الموفق فى "المغنى" (١٨٣:١٠) لهم
أنه لم يكمل أربعة على زنا واحد، فوجب عليهم الحد، كما لو انفرد بالشهادة اثنان وحدهما، ولنا
أن الشبهة دارئة للحد، وقد وجدت، لأنهم شهدوا ولهم أهلية كاملة، وعدد کامل علی زنا واحد
صورة فى زعمهم، لنسبتهم الزنا إلى امرأة واحدة، وبذلك حصل شبهة اتحاد الزنا المشهود،
فيندرئ الحد عنهم، والحاصل أن فى الزنا شبهة أوجبت الدرء عن المشهود عليه، وفى القذف شبهة
أوجبت الدرء عن الشهود، كذا فى "فتح القدير" (٦١:٥ بمعناه).

٦١٨
ج - ١١
باب تجوز الشهادة فی الحد من غیر مدع
احتج أحمد بقضية أبى بكرة حين شهد هو وأصحابه على المغيرة بن شعبة من غير
تقدم دعوى، وشهد الجارود وصاحبه على قدامة بن مظعون بشرب الخمر ولم يتقدمه
دعوى قاله الموفق فى المغنى (١٨٨:١٠) قلت: أما قضية أبى بكرة فقد تقدمت غير مرة.
٣٦٩٦- وأما شهادة الجارود وصاحبه على قدامة فقد رواها عبد الرزاق عن
معمر عن ابن شهاب، أخبرنى عبد الله بن عامر بن ربيعة "أن عمر استعمل قدامة بن
مظعون على البحرين، فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر من البحرين، فقال:
يا أمير المؤمنين! إن قدامة شرب فسكر، وأنى رأيت حدا من حدود الله حقا على أن
أرفعه إليك، قال: من يشهد معك؟ قال: أبو هريرة". الحديث، كذا فى "الإصابة"
(٢٣٣:٥)، وهذا سند صحيح رجاله رجال الصحيح.
باب تجوز الشهادة فی الحد من غیر مدع
قوله: "احتج أحمد" إلخ. قال الموفق فى "المغنى": " وتجوز الشهادة بالحد من غير مدع،
لا نعلم فيه خلافا ونص عليه أحمد، واحتج بقضية أبى بكرة وشهادة الجارود وصاحبه، ولأن الحد
حق الله تعالى، فلم تفتقر الشهادة به إلى تقدم دعوى كالعبادات، بيانه أن الدعوى فى سائر الحقوق
إنما تكون من المستحق، وهذا لا حق فيه لأحد من الآدميين فيدعيه، فلو وقفت الشهادة به على
الدعوى لامتنعت إقامتها، إذا ثبت هذا فإن من عنده شهادة على حد فالمستحب أن لا يقيمها
(إلا أن يكون المشهود عليه داعرا مفسدا خليع العذار) لأن النبى معَّ له قال: "من ستر عورة مسلم
فى الدنيا ستره الله فى الدنيا والآخرة" ويجوز إقامتها لقول الله تعالى: ﴿فاستشهدوا عليهن أربعة
منكم). ولأن الذين شهدوا بالحد فى عصر النبى عدّ له وأصحابه لم تنكر عليهم شهادتهم به،
ويستحب للإمام وغيره تعريضهم بالوقوف عن الشهادة، بدليل قول عمر لزياد: "إنى لأرى رجلا
أرجو أن لا يفضح الله على يديه رجلا من أصحاب رسول الله عَ ليه". ولأن تركها أفضل فلم يكن
بأس بدلالته على الفضل" اهـ (١٨٨:١٠). قلت: تعريض عمر لزياد بالتوقف عن الشهادة قد روى
فى هذه القصة من طرق: منها رواية البلاذری عن وهب بن بقیة عن يزيد بن هارون عن حماد بن
سلمة عن على بن زيد، ومنها رواية عبد الرزاق عن الثورى عن سليمان التيمى عن أبى عثمان
النهدى، ومنها رواية أبى أسامة عن عوف عن قسامة بن زهير بلفظ: "فقال عمر: إنى لأرى رجلا

٦١٩
إعلاء السنن
باب لا يقيم الإمام الحد بعلمه ما لم يكن معه غيره ويكمل نصاب البينة
٣٦٩٧ - عن ابن عباس أن النبى معَّ له قال فى قصة الملاعنة: "لو كنت راجما
أحدا من غير بينة رجمتها". رواه مسلم وفيه قصة (التلخيص الحبير ٢: ٤٠٥).
وفى رواية عروة عن ابن عباس بسند صحيح عند ابن ماجه: "لو كنت راجما أحدا
بغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر فيها الريبة فى منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها".
كذا فى "فتح البارى " ١٦٠:١٢)
لا يشهد إلا بالحق، فقال زياد: أما الزنا فلا". أخرجه البيهقى، كذا فى التلخيص الحبير (٣٥٥:٢).
باب لا یقیم الإمام الحد بعلمه ما لم يكن معه غيره ویکمل نصاب البينة
قوله: "عن ابن عباس" إلخ. قال المهلب: "فيه أن الحد لا يجب على أحد بغير بينة أو إقرار،
ولو كان متهما بالفاحشة". كذا فى "الفتح البارى" (١٦٠:١٢). وقال البخارى: "قال بعض أهل
العراق: ما سمع أو رآه فى مجلس القضاء قضى به، وما كان فى غيره لم يقض إلا بشاهدين
يحضرهما إقراره، وقال بعضهم: يقضى بعلمه فى الأموال ولا يقضى فى غيرها" اهـ. قال الحافظ
فى الفتح: "وهو قول أبى حنيفة ومن تبعه، ويوافقهم مطرف وابن الماجشون وأصبغ وسحنون من
المالكية، قال ابن التين: وجرى به العمل، ويوافقه ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن .
سيرين، قال: اعترف رجل عند شريح بأمر ثم أنكره، فقضى عليه باعترافه، فقال: أ تقضى على
بغير بينة؟ فقال: شهد عليك ابن أخت خالتك، يعنى نفسه، ونقل الكرابيسى عن أبى يوسف عن
أبى حنيفة: إذا رأی الحاکم رجلا یزنی مثلا لم یقض بعلمه، حتى تكون بينة تشهد بذلك عنده،
وهى رواية عن أحمد. قال أبو حنيفة: القياس أنه يحكم فى ذلك كله بعلمه، ولكن أدع القياس
واستحسن أن لا يقضى فى ذلك بعلمه" اهـ. قال الحافظ: "اتفقوا على أنه يقضى فى قبول الشاهد،
ورده بما يعلمه منه من تجريح أو تزكية، ومحصل الآراء فى المسألة سبعة سابعها (يقضى) فى كل
شىء إلا فى الحدود، وهذا هو الراجح عند الشافعية" اهـ ملخصا (١٤٢:١٣). قلت: وهذا هو
قول أبى حنيفة وأبى يوسف كما مر.
إغراب ابن حزم:
واغرب ابن حزم حيث قال: "فرض على الحاكم أن يحكم بعلمه فى الدماء والقصاص
والأموال والفروج والحدود، سواء علم ذلك قبل ولايته، أو بعد ولايته، قال: وإن ذكروا قول

٦٢٠
لا يقيم الإمام الحد بعلمه ما لم يكن معه غيره ويكمل نصاب البينة
ج - ١١
٣٦٩٨- وقال عكرمة: قال عمر لعبد الرحمن: "لو رأيت رجلا على حد زنا
أو سرقة وأنت أمير؟ فقال: شهادتك شهادة رجل من المسلمين". علقه البخارى ووصله
ابن أبى شيبة عن شريك عن عبد الكريم (الجزرى عن عكرمة) بلفظ: "أرأيت لو كنت
القاضى أو الوالى، وأبصرت إنسانا على حد أ كنت تقيمه عليه؟ قال: لا حتى يشهد
معى غيرى. قال: أصبت لو قلت غير ذلك لم تجد (١)". كذا فى "فتح البارى
(١٣٩:١٣) وهذا مرسل وهو حجة عندنا.
رسول الله ◌َّه: لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها. فلا حجة لهم فيه، لأن علم الحاكم أبين
بينة وأعدلها" اهـ (٤٢٨:٩). قلت: وهل هذا إلا تحريف للشريعة، ورد للأخبار الصحيحة بمجرد
الرأى تحكما بالباطل، فأى حاكم أولى من رسول الله عَ ليه، وأى علم الحاكم أبين من علمه وأعدل،
ولم يرض رسول الله عَّ له بالقضاء بعلمه، فمن هو الحاكم الذى علمه أبين بينة وأعدل منه، ويلزم
من أجاز للحاكم أن يقضى بعلمه مطلقا أنه لو عمد إلى رجل مستور لم يعهد منه فجور قط أن
یرجمه، ويدعى أنه رآه يزنى، أو يفرق بينه وبين زوجته، ويزعم أنه سمعه يطلقها، أو بینه وبین
أمته، ويزعم أنه سمعه يعتقها، فإن هذا الباب لو فتح لوجد كل قاض وحاكم السبيل إلى قتل عدوه
وتفسيقه، والتفريق بينه وبين من يحب، ومن ثم قال الشافعى: لو لا قضاة السوء لقلت: إن للحاكم
أن يحكم بعلمه، وإذا كان هذا فى الزمان الأول فما الظن بالمتأخر، فيتعين حسم مادة تجويز القضاء
فى هذه الأزمان المتأخرة، لكثرة من يتولى الحكم ممن لا يؤمن على ذلك.
وأما قولهم: أقر ماعز عند النبى معَّ له بالزنا أربعا، فأمر برجمه، ولم يذكر أن النبى عد اله
أشهد من حضره فلا حجة لهم فيه، لأن ماعزا إنما كان إقراره عند النبى معَّ ل بحضرة الصحابة، إذ
معلوم أنه عَّ ◌ّ كان لا يقعد وحده، فلم يحتج النبى معَّه أن يشهدهم على إقراره لسماعهم منه
ذلك، وكذلك قصة أبى قتادة فى سلب قتيله يوم حنين. كذا فى "فتح البارى" (١٤٠:١٣)،
وكذا قوله عّ لّه لهند بنت عتبة زوجة أبى سفيان: "خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف". لم يكن
من القضاء بعلمه، بل خرج مخرج الفتيا.
كلام المفتى يتنزل على تقدير صحة إنهاء المستفتى:
وكلام المفتى يتنزل على تقدير صحة إنهاء المستفتى، فكأنه قال: إن صح أنه يمنعك حقك
(١) من الإجادة.