Indexed OCR Text

Pages 521-540

ج - ١١
اشتراط الإسلام للإحصان
٥٢١
فرقوا بين كل ذى محرم من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد
ابن حزم لا يعرف من الحديث إلا الظاهر، وأبو حنيفة ينال الإيمان من الثريا، فافهم. والله يتولى
هداك وسيأتى الكلام فى المسألة مبسوطا فانتظر.
الرد علی ابن حزم فی قوله: قال محمد بن الحسن: لا أمنع الذمی من الزنا
وأغرب ابن حزم حيث قال: "وقال محمد بن الحسن صاحب أبى حنيفة: لا أمنع الذمى من
الزنا وشرب الخمر، وأمنعه من الغناء" اهـ (١٥٨:١١). وهذه فرية بلا مرية، لم يقل هذا محمد
قط، ولا يكاد يخرج من قلمه مثل ذلك أبدا، بل قد نص محمد على خلاف ذلك فى السير الكبير
له، فقال: " كل قرية من قرى أهل الذمة أظهروا فيها شيئا من الفسق مما لم يصالحوا عليه مثل الزنا
والفواحش، فإنهم يمنعون من ذلك كله، لأن هذا ليس بديانة منهم، ولكنه فسق فى الديانة، فإنهم
يعتقدون الحرمة فى ذلك، كما يعتقده فيه المسلمون، ثم المسلموم يمنعون من كله فى القرى
والأمصار، فكذلك أهل الذمة. والأصل فيه عقد الربا، فقد صح أن رسول الله عَ ليه كتب إلى أهل
نجران بأن تدعوا الربا أو تأذنوا بحرب من الله ورسوله، وكان ذلك لهذا المعنى أنه فسق منهم فى
الديانة، فقد ثبت بالنص حرمة ذلك فى دينهم، قال الله تعالى: ﴿وأخذهم الربا وقد نهوا عنه﴾.
وعلى هذا إظهار بيع المزامير والطبول للهو وإظهار الغناء، فإنهم يمنعون من ذلك، كما يمنع منه
المسلم، ومن كسر شيئا من ذلك عليهم لم يضمنه إذا كسره للمسلم" اهـ (٢٦١:٣).
قلت: وإذا منعوا من ذلك كله فى قرى أهل الذمة، فلأن يمنعوا منه فى قرى أهل الإسلام
وأمصارهم أولى، وهل يظن بفقيه أن يقول: أمنعهم من الغناء، ولا أمتعهم من الزنا؟ كلا! لن يتكلم
بمثله من له أدنى إلمام بالفقه وفهم الكتاب والسنة، ولا يمكن القول به إلا من مثل ظاهرى يقول:
"لا يجوز البول فى الماء الراكد، ويجوز التغوط فيه، لأن النبى عَّةٍ إنما نهى عن البول فيه، ولم ينه
عن التغوط". فأحسن الله عزاءنا فيك يا ابن حزم !.
الحنفية قائلون بإقامة الحدود على أهل الذمة ما عدا الرجم
وقال الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له: "الذمى إذا استكره المرأة المسلمة على نفسها فعليه
من الحد ما على المسلم فى قول فقهاءنا، وقد رويت فيه أحاديث منها: ما قد حدثنا داود بن أبى
هند عن زياد بن عثمان: أن رجلا من النصارى استكره امرأة مسلمة على نفسها، فرفع ذلك إلى
أبى عبيدة، فقال: ما على هذا صالحناكم فضرب عنقه. وحدثنا مجالد عن الشعبى عن سويد بن
غفلة: ((أن رجلا من أهل الذمة من نبط الشام نخس بامرأة على دابة، فلم تقع، فدفعها فصرعها،

٥٢٢
اشتراط الإسلام للإحصان
إعلاء السنن
عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله عَ ظُلم أخدها من مجوس هجر". رواه البخارى
(فتح البارى).
فانكشفت عنها ثيابها، فجلس فجامعها، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فأمر به
فصلب، وقال: ليس على هذا عاهدنا كم" اهـ (٢١٢): وقد مر الكلام فى ذلك مستوفى فى كتاب
الجهاد، فتذكر. ولعلك قد عرفت بذلك معنى فيه قول الحنفية باشتراط الإسلام للإحصان، وأن
مرادهم بذلك أن أهل الذمة لا رجم عليهم، وليس معناه إسقاط الحد عنهم جملة، فیتر کون سدی
يفعلون ما شاؤوا، ويزنون بمن أرادوا، كلا! بل يمنعون من الزنا والفواحش بالجلد والتعزير والقتل
والصلب، حسب ما يراه الإمام كما فعله أبو عبيدة، وعمر بن الخطاب رضى الله عنهما، نعم،
لا يمنعون من شرب الخمور سرا فى بيوتهم من غير إظهارها فى بلاد الإسلام، ولا من اقتناء
الخنازير، وأكل لحومها كذلك، ولا من نكاح المحارم، وعبادة غير الله تعالى، فلا يتعرض لهم فى
ذلك. لأنا صالحناهم على تركهم وما يدينون. وذلك من الديانة عندهم. فأما فيما سوى ذلك
فحالهم كحال المسلمين فى المنع من ارتكاب الفواحش. صرح به السرخسى فى "شرح السير
الكبير " (٢٦١:٣).
تحقيق مذهب الحنفية فى إقامة الحد على أهل الذمة:
وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: "ظاهر قوله تعالى: ﴿الزانية والزانى فاجلدوا كل
واحد منهما مائة جلدة﴾ يوجب الحد على الذميين، واختلف الفقهاء فى الذميين هل يحدان إذا
زنيا؟ فقال أصحابنا والشافعى: يحدان، إلا أنهما لا يرجمان عندنا، وعند الشافعى يرجمان إذا
كانا محصنين، وقال مالك: لا يحد الذميان إذا زنيا. ولنا حديث زيد بن خالد، وأبى هريرة عن
النبى معَّه: ((إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها)). وقوله عّ لّه: ((أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم)).
ولم يفرق بين الذمى والمسلم، وأيضا: فإن النبى مێ رجم اليهوديين.
فإن قيل: وأنت لا ترجمهما، فقد خالفت الخبر الذى احتججت به فى أثبات حد الزنا على
الذميين. قيل له: استدلالنا به على ما ذكرنا صحيح، وذلك لأنه لما ثبت أنه رجمهما صح أنهما فى
حكم المسلمين فى إيجاب الحدود عليهما، وإنما رجمهما النبى مرّ لأنه لم يكن من شرط
الإحصان الإسلام (إذ ذاك) فلما شرط الإحصان فيه وقال النبى عرّ ض له: ((من أشرك بالله فليس
بمحصن)). صار حدهما الجلد.
فإن قيل: إنما رجم النبى عَّه اليهوديين من قبل أنه لم تكن لليهوديين ذمة، وتحاكموا إليه.

ج - ١١
اشتراط الإسلام للإحصان
٥٢٣
قيل له: لو لم يكن الحد واجبا عليهم لما أقام النبى عَ ليه، ومع ذلك فدلالته قائمة على ما ذكرنا، لأنه
إذا كان من لا ذمة له قد حده النبى معَّ ◌ُلِّ فى الزنا، فمن له ذمة وتجرى عليه أحكام المسلمين أحرى
بذلك. ويدل عليه أنهم لا يختلفون أن الذمى يقطع فى السرقة، فكذلك فى الزنا، إذ كان فعلا
لا يقر عليه، فوجب أن يزجر عنه بالحد، كما وجب زجر المسلم به.
وليس هو كالمسلم فى شرب الخمر، لأنهم مقرون على التخلية بينهم وبين شربها، وليسوا
مقرين على السرقة ولا على الزنا" (ولا على القذف) اهـ (٢٥٨:٣). وبهذا كله اندحض قول ابن
حزم: "والعجب ممن يرى أنه لا حد على كافر إذا زنى بمسلمة، ولا على كافرة إذا زنى بها مسلم،
ولا يرى الحد على كافر فى شرب الخمر، ثم يرى الحد على الكافر إذا قذف مسلما أو مسلمة،
فليت شعرى ما الذى فرق بين أحكام هذه الحدود"؟ اهـ. فقد عرفت أنا لم نسقط الحد عن أهل
الذمة ما عدا الرجم، وإنما لم نحدهم فى شرب الخمر لكونها حلالا عندهم كالخل عندنا، وهم
مقرون على التخلية بينهم وبين ما يدينون. قال: "والعجب أيضا ممن قطع يد الكافر إذا سرق من
كافر، ثم لا يحده له إذا قذفه، وهذه عجائب لا نظير لها" اهـ (٢٧٥:١١).
قلنا: لا يتعجب من ذلك إلا قاصر من أهل الظاهر، والفرق أن الله تعالى لم يجعل الإحصان
شرطا فى حد السرقة، وجعله شرطا فى حد القذف، حيث قال: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم
يأتوا بأربعة شهداء﴾ الآية، وقد عرفت أن الإسلام شرط فى الإحصان عندنا، فلا يحد كافر يقذف
کافر، وإنما يعزر ويؤدب، فافهم.
فائدة: عن أبى الضحى: "أن امرأة أتت عمر، فقالت: إنی زنيت فارجمنى، فرددها حتى
شهدت أربع شهادات، فأمر برجمها، فقال على: يا أمير المؤمنين!, دها فاسئلها ما زناها؟ لعل لها
عذرا، فردها، فقال: ما زنا؟ قالت: كان لأهلى إبل فخرجت فى إبل أهلى وكان لنا خليط فخرج
فى إبله، فحملت معى ماء ولم يكن فى إبلى لبن، وحمل خليطنا ماء وكان فى إبله لبن، فنفذ مائى،
فاستسقيته، فأبى أن يسقينى حتى أمكنه من نفسى، فأبيت حتى كادت نفسى تخرج، أعطيته
(نفسى) فقال على: الله أكبر، فمن اضطر غير باغ ولا عاد، أرى لها عذرا" (أخرجه البغوى كما
فى "كنز العمال" ٩٦:٣). وأخرجه عبد الرزاق عن الثورى عن الأعمش عن ابن المسيب: أن عمر
ابن الخطاب أتى بامرأة لقيها راع بفلاة من الأرض وهى عطشى، فذكر الحديث مختصرا كما فى
"كنز العمال" أيضا (٨٦:٣). وهذا سند صحيح، وفيه إشعار بحكمة الاستفسار عن معنی الزنا
كيف هو قال فى "الهداية": " وإذا شهدوا سألهم الإمام عن الزنا، ما هو وكيف هو؟ وأين زنى

٥٢٤
إعلاء السنن
فصل فى كيفية الحد وإقامته
باب من يبتدئ بالرجم
٣٦١٤- عن يحيى بن سعيد عن مجالد عن الشعبى، قال: " كان لشراحة زوج
غائب بالشام، وهو أنها حملت، فجاء بها مولاها إلى على بن أبى طالب، فقال: إن هذه
زنت، فاعترفت، فجلدها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وحفر لها إلى السرة وأنا
شاهد، ثم قال: إن الرجم سنة سنها رسول الله عَ ليه، ولو كان شهد على هذه أحد لكان
أول من يرمى الشاهد، يشهد ثم يتبع شهادته حجره، ولكنها أقرت، فأنا أول من
يرميها، فرماها بحجر، ثم رمى الناس وأنا فيهم، قال: كنت والله فيمن قتلها". رواه
أحمد فى "مسنده" (زيلعى ٨٠:٢). قلت: رجاله رجال الجماعة إلا مجالدا، فإن
البخاری لم يرو عنه وقد روى عنه الباقون، وهو متكلم فيه، ولكن قال البخارى:
صدوق، فإسناده حسن.
٣٦١٥- حدثنا عبد الله بن إدريس عن يزيد عن عبد الرحمن بن أبى ليلى: "أن
عليا - رضى الله عنه- كان إذا شهد عنده الشهود على الزنا أمر الشهود أن يرجموا، ثم
رجم هو، ثم رجم الناس، وإذا كان بإقرار، بدأ هو فرجم، ثم رجم الناس". رواه ابن
أبى شيبة فى "مصنفه" (زيلعى ٨٠:٢). قلت: رجاله رجال الجماعة، ويزيد مختلف
فيه، والاختلاف لا يضر كما عرفت غير مرة.
٣٦١٦- عن أبى بكرة: أن النبى مَّ رجم امرأة، فحفر لها ثم رماها بحصاة
ومتى زنى وبمن زنى؟ لأن النبى معَ ◌ّ استفسر ماعزا عن الكيفية، وعن المزنية (كما تقدم)
ولأن الاحتياط فى ذلك واجب، لأنه عساه غير الفعل فى الفرج عنه، أو آزنى فى دار الحرب، أو
فى المتقادم من الزمان (والتقادم يسقط البينة دون الإقرار كما سيأتى) أو كانت له شبهة لا يعرفها
هو ولا الشهوى، كوطأ جارية الإبن (أو له عذر كذلك) فيستقصى فى ذلك احتيالا للدرا" اهـ
(٦:٥ و٧ مع فتح القدير).
بلب من يبتدئ بالرجم
قال المؤلف: دلالة الأثرين على الباب ظاهرة.
قوله: "عن أبى بكرة" إلخ. قلت: فيه رد لما قال النووى فى شرح مسلم: "أنه لا يلزم الإمام

٥٢٥
- ١١
مثل الحمصة، ثم قال: ارموا واتقوا الوجه، فلما طفئت أخرجها، فصلى عليها .. أخرجه
أبو داود (١٤٦:٥ مع بذل المجهود) وسكت عنه، وأخرجه فى "النيل" (٢٢:٧) بلفظ:
أن النبى عَّ له رجم امرأة، وكان هو أول من رماها بحصاة مثل الحمصة" إلخ. وعزاه
إلی ابی داود.
باب أن المرجوم يغسل ويكفن ويصلى عليه
٣٦١٧- حدثنا أبو معاوية عن أبى حنيفة عن علقمة بن مرتد عن ابن بريدة عن
حضور الرجم، وكذا لو ثبت بشهود لم يلزمهم الحضور، وحجة الشافعى أن النبى معَ له لم يحضر
أحدا ممن رجم" إلخ (٦٩:٢). فقد ثبت برواية أبى داود هذه أنه مَّ. حضر رجم امرأة ورماها
بحصاة، وكان هو أول من رمى. والآثار عن على صريحة فى لزوم حضور الإمام، وابتدائه بالرجم
إذا كان ثبوت الزنا بالاعتراف، وفى لزوم حضور الشهود وبدائتهم بالرجم إذا كان ثبوته بالبينة،
فيحمل ما لم يذكر فيه حضور النبى معَ ◌ّه من واقعات الرجم على اختصار الراوى، أو يقال كما
قال المحقق فى الفتح: "إن حقيقة ما دل عليه قول على أنه يحب على الإمام أن يأمر الشهود
بالابتداء، اختبارا لثبوت دلالة الرجوع وعدمه، وأن يبتدئ هو فى الإقرار، لينكشف للناس أنه لم
يقصر فى أمر القضاء، بأن لم يتساهل فى بعض شروط القضاء بالحد، فإذا امتنع ظهرت أمارة
الرجوع، فامتنع الحد (لوجوب درأه بالشبهات) ولظهور شبهة تقصيره فى القضله، وهى دارئة،
فكان البداء، فى معنى الشرط، إذ لزم عن عدمه العدم، لا أنه جعل شرطا بذاته، وهذا فى حقه عليه
الصلاة والسلام منتف، فلم يكن عدم رجمه دليلا على سقوط الحد إذا لم يبدأ" اهـ (١٦:٥).
فإن قيل: "إن اشتراط البداءة بهذا زيادة على النص بما هو دون خبر الواحد، فكان كتقييد
مطلق الكتاب به". قيل: إن الحكم القطعى هنا هو مجموع وجوب الرجم ودرئه بالشبهة، فإذا دل
دليل ظنى على أن البداءة شرط لزم أن عدمها شبهة، فيندرئ به الحد بحكم القطع بوجوب درأه
بالشبهة، قاله المحقق فى "الفتح" أيضا (١٥:٥). ويمكن أن يقال: إن حكم الرجم قد وقع فى النص
مجملا، ويصح بيان المجمل بالأحاد من الأخبار، فافهم.
باب أن المرجوم يغسل ويكفن ويصلى عليه
قال المؤلف: دلالة أحاديث الباب عليه ظاهرة. وأما تأخيره عَ ل فى الصلاة على ماعز
فيحتمل أن يكون لقياس منه مرّه، حيث بدأله أن لا يصلى عليه، ثم أوحى إليه أن يصلى عليه

٥٢٦
المرجوم يغسل ويكفن ويصلى عليه
إعلاء السنن
أبيه بريدة، قال: "لما رجم ماعز قالوا: يا رسول الله عّ لّه! ما نصنع به؟ قال: اصنعوا به ما
تصنعون بموتاكم من الغسل والكفن والحنوط والصلاة عليه". رواه ابن أبى شيبة فى
مصنفه فى كتاب الجنائز (زيلعى ٨١:٢) وفى إسناده أبو حنيفة، والباقون من رجال
الصحيح (دراية ٢٤٤). قلت: وهو الإمام المشهور، فالإسناد صحيح.
٣٦١٨- عن عمران بن حصين: "أن امرأة من جهينة أتت النبي عّلّه وهى حبلى
من الزنا، فقالت: يا نبى الله! أصبت حدا فأقمه على". الحديث بطوله إلى أن قال: "فأمر
بها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلى عليها يا نبى الله وقد زنت؟ فقال:
لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لو سعتهم، وهل وجدت توبة أفضل
من أنها جادت نفسها لله". رواه الجماعة إلا البخارى (زيلعى ٨١:٢).
٣٦١٩- حدثنا محمود حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهرى عن أبى سلمة
عن جابر: أن رجلا من أسلم جاء النبى معَّهِ فاعترف بالزنا فأعرض عنه النبى عَّه حتى
شهد على نفسه أربع مرات فقال له النبى عّ لّه: أ بك جنون؟ قال: لا! قال: أحصنت؟
قال: نعم، فأمر به، فرجم بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة فر، فأدرك فرجم حتى مات،
فقال له النبى عَّ خيرا وصلى عليه. ولم يقل يونس وابن جريج عن الزهرى: وصلى
عليه، سئل أبو عبد الله هل قوله: فصلى عليه يصح أم لا؟ قال: رواه معسر. قيل له: هل
رواه غير معمر؟ قال: لا! رواه البخارى. وفى "فتح البارى" (١١٦:١٢): وأبو عبد الله
هو البخارى، وقد اعترض عليه فى جزمه بأن معمرا روى هذه الزيادة، مع أن المنفرد بها
إنما هو محمود بن غيلان عن عبد الرزاق وقد خالفه العدد الكثير من الحفاظ فصرحوا
بأنه لم يصل عليه لكن ظهر لى أن البخارى قويت عنده رواية محمود بالشواهد، فقد
أخرج عبد الرزاق أيضا وهو فى السنن لأبى قرة من وجه آخر عن أبى أمامة بن سهل بن
حنيف فى قصة ماعز قال: فقيل: يا رسول الله أ تصلى عليه؟ قال: لا! قال: فلما كان
من الغد قال: صلوا على صاحبكم، فصلى عليه رسول الله على له والناس اهـ.
فصلى، أو أخر زجرا له، ولم يؤخر الصلاة على المرأة لعدم الأمرين المذكورين، ولكن لما لم يتعين
وجه التأخير ليس لنا أن نؤخر، وفى فتح البارى بعد نقل آخر أحاديث الباب متصلا بالعبارة
المذكورة فى المتن: "فهذا الخبر يجمع الاختلاف، فتحمل رواية النفى على أنه لم يصل عليه حين

33
ج - ١١
٥٢٧
باب صفة السوط فى الجلد
٣٦٢٠- عن زيد بن أسلم: أن رجلا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول
الله عَّهِ، فدعا له رسول الله عَ ليه بسوط، فأتى جديد لم تقطع ثمرته (أى عقدته فقال:
دون هذا فأتى بسوط مكسور، فقال فوق هذا، فأتى بسوط قد ركب به ولان، فأمر به
رسول الله عَّيه، فجلد. الحديث. رواه الإمام مالك فى موطأه (٣٥٠). ومراسيله حجة.
رجم، ورواية الإثبات على أنه عّ لّه صلى عليه فى اليوم الثانى وكذا طريق الجمع لما أخرجه أبو
داود عن بريدة: أن النبى معَّ لم يأمر بالصلاة على ماعز ولم ينه عن الصلاة" اهـ.
وقال ابن حزم فى الصلاة على ماعز: "إن هذا مما اختلف فيه محمود بن غيلان وإسحاق
ابن إبراهيم الدبرى على عبد الرزاق، فرواية الدبرى عنه فى هذا الخبر: "ولم يصل عليه"، ورواية
محمود عنه فى هذا الخبر " وصلى عليه" فالله أعلم أيهما وهم.
قلت: قد رجح البخارى رواية محمود فارتفع الاضطراب. ثم ذكره أثر الجهينية وقال: ففى
هذه الآثار صلاة رسول الله عَّ ي على الجهينية بنفسه: وأمره بالصلاة على الغامدية بلا خلاف،
وصلاته على ماعز رضى الله عنه باختلاف، وهذه الآثار فى غاية الصحة، وبهذا يقول على بن أبى
طالب رضى الله عنه حين رجم شراحة، فقالوا: كيف تصنع بها؟ قال: اصنعوا بها كما تصنعون
بنساء كم إذا متن فى بيوتكم. قال ابن حزم: والذى نصنع بنسائنا إذا متن فى بيوتنا هو أن يغسلن ويكفن
ويصلى عليهن الإمام وغيره، هذا ما لا خلاف فيه من أحد من الأئمة وبالله التوفيق" اهـ (٢٤٦:١١).
وقال الزيلعى فى حديث أبى أمامة عند أبى قرة: "وهذا اللفظ أى قوله: وصلى عليه
النبى معَّ والناس، يبعد تأويل الصلاة بالدعاء، لأن الناس صلوا عليه بلا خلاف، وعطف الناس
على النبى معَِّ مشعر بأن صلاة النبى مرّ كصلاتهم. والله أعلم" (٨٢:٢).
باب صفة السوط فى الجلد
قال المؤلف: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة. وظاهر الأحاديث المرسلة أن السوط
لم يكن مقطوع الثمرة، وأثر أنس على خلافه، فالمعنى المتطابق عندى أن ما فى حديث أنس
محمول على أنه يلين حتى كأنه قطع، فلم يبق التعارض.
فائدة: فى الهداية (٤٩٠:٢): وينزع عنه ثيابه معناه دون الإزار لأن عليا رضى الله عنه
كان يأمر بالتجريد فى الحدود، ولأن التجريد أبلغ فى إيصال الألم إليه، وهذا الحد مبناه على الشدة

٥٢٨
صفة السوط فى الجلد
إعلاء السنن
٣٦٢١- أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير: "أن رجلا أتى النبي عّ لّه، فقال:
يا رسول الله! إنى أصبت حدا، فأقمه على، فدعا رسول الله عَّم بسوط، فأتى بسوط
شديد له ثمرة، فقال: سوط دون هذا، فأتى بسوط مكسور لين، فقال: سوط فوق هذا،
فأتى بسوط بين سوطين، فقال: هذا، فأمر به فجلد". رواه عبد الرزاق فى "مصنفه"
(زيلعى ٨٢:٢). وفى "نيل الأوطار" (٢٧:٧): "حديث زيد بن أسلم هو مرسل، وله
شاهد عند عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبى كثير نحوه، وآخر عند ابن وهب من
طريق كريب مولى ابن عباس، فهذه المراسيل الثلاثة يشد بعضها بعضً اهـ".
٣٦٢٢- حدثنا عيسى بن يونس عن حنظلة السدوسى، قال: سمعت أنس بن
مالك يقول: " کان یؤمر بالسوط فیقطع ثمرته، ثم يدق بین حجرین حتی یلین ثم
يضرب به. قلنا لأنس: فى زمان من كان هذا؟ قال: فى زمان عمر بن الخطاب". رواه
ابن أبى شيبة فى "مصنفه" (زيلعى ٨٢:٢). قلت: رجاله رجال الجماعة إلا حنظلة، وهو
مختلف فيه، ومثله حسن الحديث كما علمت غير مرة.
فى الضرب، وفى نزع الإزار كشف العورة فليتوقاه".
قال بعض الناس: "هذا النقل عن على رضى الله عنه غير صحيح، ففى الزيلعي (٨٢:٢):
قلت: غريب وروى عنه خلافه، كما رواه عبد الرزاق فى "مصنفه": أخبرنا الثورى عن جابر عن
القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن على رضى الله عنه أنه أتى برجل فى حد، فضربه وعليه کساء
قسطلانى قاعدا. أخبرنا ابن عيينة عن مطرف عن الشعبى قال: سألت المغيرة بن شعبة عن المحدود
أتنزع عنه ثيابه؟ قال: لا إلا أن يكون فروا أو محشوا اهـ.
قلت: السند الأول رجاله رجال البخارى إلا جابر الجعفى، وهو مختلف فيه، كما عرفته
غير مرة، والسند الثانى رجاله رجال الجماعة" اهـ.
قلت: قال أبو بكر الجصاص فى "أحكام القرآن" له (٢٥٩:٣) ما نصه": واختلف الفقهاء
فى شدة الضرب فى الحدود، فقال أصحابنا أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: التعزير أشد
الضرب، وضرب الزنا أشد من ضرب الشارب وضرب الشارب أشد من ضرب القاذف " اهـ. ثم
قال فى (٣: ٢٦٠): "إن مرادهم بقولهم: التعزير أشد الضرب، إنما هو إذا رأى الإمام ذلك للزجر
والردع فعل، وقد روى شريك عن جامع بن أبى راشد عن أبى وائل، فإن لرجل على ابن أخ لأم

حج - ١١
39
صفة السوط فى الجلد
٥٢٩
٣٦٢٣٢- عن يحيى بن عبد الله التيمى عن أبى ماجد الحنفى عن ابن مسعود
رضى الله عنه: أن رجلا جاء بابن أخ له إليه، فقال: إنه سكران فقال: ترتروه ومزمزوه (١)
واستنكهوه، ففعلوه، فرفعه إلى السجن ثم عاد به من الغد، ودعا بسوط، ثم أمر بثمرته
فدقت بين حجرين، حتى صارت درة، ثم قال للجلاد: اجلد وارجع وأعط كل عضو
حقه. أخرجه ابن أبى شيبة وعبد الرزاق فى "مصنفيهما" (زيلعى ٨٢:٢). قلت: أبو
ماجد ضعيف كما فى تهذيب التهذيب (٢١٦:٢) ولكن يعتضد بالحديث الضعيف.
سلمة رضى الله عنه دين، فمات، فقضت عنه، فكتب إليها يخرج عليها فيه، فرفعت ذلك إلى
عمر، فکتب عمر إلى عامله، اضربه ثلاثين ضربة كلها تبضع اللحم تحدر الدم (وهذا سند حسن)
فهذا من ضرب التعزير، وروى شعبة عن واصل عن المعرور بن سويد، قال: أتى عمر بن الخطاب
بأمرأة زنت، فقال: أفسدت حسبها اضربوها، ولا تحرقوا عليها جلدها (وهذا سند صحيح). فهذا
يدل على أنه كان يرى ضرب الزانى أخف من التعزير.
فإن قيل: روى سفيان بن عيينة، قال: سمعت سعد بن إبراهيم يقول للزهرى: إن أهل
العراق يقولون: إن القاذف لا يضرب ضربا شديدا، ولقد حدثنى أبى أن أمه كلثوم أمرت بشاة،
فتسلخت حين جلد أبو بكرة، فألبسته مسكها، فهل كان ذلك إلا من ضرب شديد قيل له: هذا
لا يدل على شدة الضرب، لأن جائز أن يؤثر فى البدن الضرب الخفيف على حسب ما يصادف من
رقة البشرة، ففعلت ذلك إشفاقا عليه. قال أبو بكر: قد دل قوله تعالى: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة
فى دين الله﴾ على شدة الضرب فيه، ولأن ضرب الشارب كان من النبى عّ لّه بالجريد والنعال،
وضرب الزانى إنما يكون بالسوط، وهذا يوجب أن يكون ضرب الزانى أشد من ضرب الشارب،
وإنما جعلوا ضرب القاذف أخف الضرب، لأن القاذف جائز أن يكون صادقا فى قذفه، وأن له
شهودا على ذلك والشهود مندوبون إلى الستر فى الزنا، فإنما وجب عليه الحد لقعود الشهود عن
الشهادة، وذلك يوجب تخفيف الضرب" اهـ.
ثم قال: وقال أبو حنيفة وأصحابه والليث والشافعى: لضرب فى الحدود كلها وفى التعزير
مجردا قائما غير ممدود إلا حد القذف فإنه يضرب وعليه ثيابه، وينزع عنه الحشو والفرو، وإنما
قالوا: إنه یضرب مجردا ليصل الألم إلیه، ويضرب القاذف وعليه ثيابه، لأن ضربه أخف وروی
(١) فى القاموس: الترترة التحريك، ومزمزه حر كه.

٥٣٠
إعلاء السنن
باب ما یتقی منه فی الضرب من الأعضاء
٣٦٢٤- حدثنا هشيم ثنا ابن أبى ليلى عن عدى بن ثابت، قال: أخبرنى هنيدة بن
خالد الكندى(١) أنه أتى برجل سكران أو فى حد، فقال: اضرب وأعط كل عضو حقه،
واتق الوجه والمذاكير. رواه سعيد بن منصور قاله فى "التنقيح" (زيلعى ٨٢:٢).
ليث عن مجاهد ومغيرة عن إبراهيم، قالا: يجلد القاذف وعليه ثيابه، وعن الحسن قال: إذا قذف
الرجل فى الشتاء لم يلبس ثياب الصيف، ولكن يضرب فى ثيابه التى قذف فيها، إلا أن يكون عليه
فرو أو حشو يمنعه من أن يجد وجع الضرب، فينزع ذلك عنه، وقال مطرف عن الشعبى مثل
ذلك، وروى شعبة عن عدى بن ثابت عمن شهد عليا رضى الله عنه، أنه أقام على رجل الحد،
فضربه على قباً أو قرطق، ومذهب أصحابنا موافق لما روى عن السلف فى هذه الأخبار" اهـ
ملخصا (٢٦٢:٣).
وفيه دلالة على أن ما روى عن على والمغيرة بن شعبة من ترك نزع الثياب عن المحدود كل
ذلك فى حد القذف لا غير، فلا يكون ما رواه عبد الرزاق فى "مصنفه" عن على خلاف ما ذكره
صاحب "الهداية" عنه، ما لم يتبين أن ذلك كان فى حد الزنا أو الشرب، ودونه خرط القتاد، ولو
لم يثبت عن على رضى الله عنه أنه كان يأمر بالتجريد فى حد الزنا فما ذكره من دلالة الآية على
شدة الضرب فيه كاف لإثبات المقصود، والحمد لله خالق كل موجود.
باب ما يتقى منه فى الضرب من الأعضاء
قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. والأثر رواه الإمام أبو يوسف فى الخراج له (١٩٣):
عن ابن أبى ليلى عن عدى عن المهاجر بن عميرة عن على نحوه، واستثنى فى الهداية الرأس، فقال:
"ولأن الفرج مقتل، والرأس مجمع الحواس، وكذا الوجه، وهو مجمع المحاسن أيضا، فلا يؤمن
فوات شىء منها بالضرب، وذلك إهلاك معنى، فلا يشرع حدا، وقال أبو يوسف: يضرب الرأس
أيضا، رجع إليه، وإنما يضرب سوطا، لقول أبى بكر: "اضربوا الرأس فإن فيه شيطانا". قلنا: تأويله
أنه قال ذلك فيمن أبيح قتله، أو يقال: إنه ورد فى حربى كان من دعاة الكفرة، والإهلاك فيه
مستحق (٤٩٠:٢).
قال بعض الناس: وفى الزيلعى (٨٣:٢): رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه": حدثنا وكيع عن
المسعودى عن القاسم، أن أبا بكر رضى الله عنه أتى برجل انتفى من أبيه، فقال أبو بكر: اضرب
(١) هكذا فى الأصل، وفى التقريب الخزاعى ويقال النخعى.

٨ - ١١
ما يتقى منه فى الضرب من الأعضاء
٥٣١
قلت. رجاله ثقات، وبعضهم قد اختلف فيه، وهو غير مضر كما عرفت غير
مرة، وابن أبى ليلى هذا هو محمد، وفى "التقريب" (٢٢٧): هنيدة مذكور فى
الصحابة، وقيل: من الثانية، ذكره ابن حبان فى الموضعين، وهو ثقة لا محالة.
الرأس فإن الشيطان فى الرأس انتهى. والمسعودى(١) ضعيف اهـ.
قلت: رواية المتقدمين عنه صحيحة، كما نقل فى "تهذيب التهذيب" (٢١١:٦): عن ابن
سعد اهـ. وفيه أيضا (٢١٠:٦): قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: سماع وكيع من المسعودى قديم
اهـ. وفيه أيضا (٢١١:٦): عن ابن معين: إنما أحاديثه الصحاح عن القاسم وعن عون إلخ والقاسم
هذا هو ابن عبد الرحمن بن مسعود كما يظهر من "تهذيب التهذيب" (٩:٢). وهو تابعى قد
وثقوه، ولكنه لم يلق أبا بكر رضى الله عنه كما هو محصل "تهذيب التهذيب" (٣٢١:٨). فالأثر
مرسل صحيح، ورجاله رجال الصحيح.
وفى الزيلعى أيضا (٨٣:٢): روى الدارمى فى أوائل مسنده فى باب الفتيا فقال: أخبرنا أبو
النعمان (محمد بن الفضل كما فى "التقريب") ثنا حماد بن زيد ثنا يزيد بن حازم عن سليمان بن
يسار: أن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر، وقد
أعدله عراجين النخل، فقال له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ فأخذ عمر رضى الله عنه عرجونا
من تلك العراجين، فضربه على رأسه، وقال: أنا عبد الله عمر، وجعل عمر يضربه حتى دمى رأسه،
فقال: يا أمير المؤمنين! حسبك قد ذهب الذى كنت أجد فى رأسى اهـ. قلت: رجاله رجال
الجماعة إلا يزيد، وقد وثقوه لكن سليمان لم يدرك عمر، فإن عمر استشهد فى ذى الحجة سنة
ثلث وعشرين، كما فى "التقريب" (١٥٤). وسليمان كان مولده سنة (٢٤) أو (٢٧) أو بعدها
على اختلاف القولين، كما فى "تهذيب التهذيب" (٢٢٩:٤ و٢٣٠). فالأثران حجتان عندنا.
وما ذكره صاحب "الهداية" من محمل أثر الصديق لم يثبت، وإن ثبت فأثر عمر يكفى فى الباب
فتأمل" اهـ.
قلت: تأملنا فبان لنا أن الأثرین كلاهما واردان فى التعزير، ليس شىء منهما فى الحدود،
ومراد الحنفية أن لا يضرب الرأس فى الحدود، والفرق أن أحكام الحدود مضبوطة، والتعزير مفوض
إلى رأى الإمام، ولنا ما رواه سفيان بن عيينة عن أبى عامر عن عدى بن ثابت عن المهاجر بن عميرة
عن على رضى الله عنه (فى حديث الت) أنه قال: "اجتنب رأسه ومذاكيره، وأعط كل عضو
(١) هو عبد الرحمن بن عبد الله كما فى التقریب (٢٨٠).

٥٣٢٠
إعلاء السنن
باب أن يضرب الرجل قائما والمرأة قاعدة فى الحدود
٣٦٢٥- أخبرنا الحسن بن عمارة عن الحكم عن يحيى بن الجزار عن على رضى
٠٠
الله عنه، قال: "يضرب الرجل قائما، والمرأة قاعدة". رواه عبد الرزاق فى "مصنفه"،
وأخرجه البيهقى (زيلعى ٨٣:٢). قال بعض الناس: "إسناده ضعيف، كما فى "الدراية"
(٢٤٥). لكن كفى به اعتضادا للقياس، وهو أن مبنى إقامة الحد على التشهير، والقيام
أبلغ فيه، ولكن لما عارض ذلك أمر الستر فى المرأة خولف الحكم، وأمر القعود، ويؤيد
المسألة الحديث الآتى اهـ". قلت: ليس إسناده بضعيف، بل هو حسن فى الدرجة الثانية،
فإن الحسن بن عمارة مختلف فيه وقد وثق.
٣٦٢٦- عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، قال: "إن اليهود جاءوا إلى
رسول الله مَ له، فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله عَّ له:
ما تجدون فى التوراة فى شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن
حقه". ذكره الجصاص فى أحكام القرآن له، ثم قال: "فذكر فى هذا الحديث الرأس، وفى الحديث
( الأول الوجه، وجائز أن يكون قد استثناهما جميعا". وقال قبل ذلك: "وروى ابن أبى مليكة عن
عبيد الله بن عبد الله بن عمر أن جارية لابن عمر زنت، فضرب رجليها، وأحسيه قال: وظهرها،
قال: فقلت: ﴿لا تأخذكم بهما وأفة فى دين الله﴾. قال: يا بنى! ورأيتنى أخذتنى بها رأفة، إن الله
تعالى لم يأمرنى أن أقتلها، ولا أن أجعل جلدها فى رأسها، قد أوجعت حيث ضربت" اهـ.
وهذا يدل على استثناء الرأس أيضا، قال الجصاص: "اتفق الجميع على ترك ضرب الوجه
والفرج، وروى عن على استثناء الرأس أيضا، وقد روى عن النبى معَ له أنه قال: إذا ضرب أحدكم
فليتق الوجه. وإذا لم يضرب الوجه فالرأس مثله، لأن الشين الذى يلحق الرأس بتأثير الضرب
كالذى يلحق الوجه، ووجه أخر وهو أنه ممنوع من ضرب الوجه، لما يخاف فيه من الجناية على
البصر، وذلك موجود فى الرأس، لأن ضرب الرأس يظلم منه البصر، وربما حدث منه الماء فى
العين، وربما حدث منه أيضا اختلاط فى العقل، فهذه الوجوه كلها تمنع ضرب الرأس" اهـ ملخصا
(٢٥٩:٣ و٢٦١)، فافهم.
باب أن يضرب الرجل قائما والمرأة قاعدة فى الحدود
قلت: قد مر تقرير الأحاديث فى المتن.

١- ١١
٥٣٣
سلام: كذبتم، إن فيها الرجم. فأتوا بالتوراة، فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية
الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده فإذا فيها
آية الرجم، قالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله عَ له فرجما،
فرأيت الرجل يحنى على المرأة يقيها الحجارة" أخرجه البخارى واستدل له بعض المالكية
على أن المجلود يجلد قائما إن كان رجلا، والمرأة قاعدة، لقول ابن عمر: "رأيت الرجل
يقيها الحجارة". فدل على أنه كان قائما وهى قاعدة. وتعقب بأنه واقعة عين، فلا دلالة
فيه على أن قيام الرجل كان بطريق الحكم عليه بذلك، كذا فى "فتح البارى"
(١٤٨:١٢ إلى ١٥٣). قلت: إن لم يثبت الوجوب به فالطريق قد علمت.
باب جلد العبد وأنه لا يجلد فوق خمسین فی الزنا
ولا فوق أربعين فى القذف والشرب.
٣٦٢٧ - عن أمير المؤمنين على رضى الله عنه قال: "أرسلنى رسول الله عَ ل
أمة سوداء زنت لأجلدها الحد، قال: فوجدتها فى دمها، فأتيت النبي عَّهِ، فأخبرته
بذلك، فقال: لى إذا تعالت من نفاسها فاجلدها خمسين". رواه عبد الله بن أحمد فى
المسند (نيل ٢٣:٧).
باب جلد العبد وأنه لا یجلد فوق خمسین فی الزنا
ولا فوق أربعين فى القذف والشرب.
قال المؤلف: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة ...
والمسألة ثابتة بقوله تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾. قال الجصاص.
فى "الأحكام" له (١٦٨:٢): قرئ فإذا أحسن بفتح الألف. وقرئ بضم الألف. فروى عن ابن
عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة أن أحصن بالضم، معناه تزوجن، وعن عمرو ابن مسعود.
والشعبى وإبراهيم أحصن بالفتح، قالوا: معناه أسلمن، وقال الحسن: يحصنها الزوج ويحصنها.
الإسلام. واختلف السلف فى حد الأمة متى يجب؟
فقال من تأول قوله: فإذا أحصن بالضم على التزويج: أن الأمة لا يجب عليها الحد وإن
أسلمت ما لم تتزوج، وهو مذهب ابن عباس والقائلين بقوله، ومن تأول قوله: فإذا أحسن بالفتح
على الإسلام، جعل عليها الحد إذا أسلمت وزنت وإن لم تتزوج، وهو قول ابن مسعود، والقائلين

٥٣٤
إعلاء السنن
جلد العبد
٣٦٢٨- عن: على، قال: "يا أيها الناس! أقيموا الحد على أرفائكم، من أحصن
منهم ومن لم يحصن" الحديث رواه مسلم (مشكاة ٢٦٢).
٣٦٢٩- عن يحيى بن سعيد أن سليمان بن يسار أخبره أن عبد الله بن عياش بن
أبى ربيعة المخزومى قال: "أمرنى عمر بن الخطاب فى فتية من قريش، فجلدنا ولائد من
ولائد الإمارة خمسين خمسين فى الزنا" رواه الإمام مالك فى موطأه (٣٥٠). قلت:
رجاله رجال الجماعة إلا عبد الله وهو صحابى، كما فى "تعجيل المنفعة" (٢٣١).
٣٦٣٠ - عن صفية بنت عبيد: "أن عبدا من رقيق الإمارة وقع على وليدة من
الخمس، فاستكرهها، فجلده عمر، ولم يجلدها من أجل أنه استكرهها". رواه البخارى
(جمع الفوائد ٢٨٧:١).
٣٦٣١- عن أبى هريرة رضى الله عنه: "قضى رسول الله عَ ليه أن على العبد
نصف حد الحر فى الحد الذى يتبعض، كزنا البكر والقذف وشرب الخمر". رواه رزين
(جمع الفوائد ٢٨٧:١).
٣٦٣٢- عن ابن شهاب، سئل عن حد العبد فى الخمر، فقال: "بلغنى أن عليه
نصف حد الحر فى الخمر، وكان عمر وعثمان وابن عمر يجلدون عبيدهم فى الخمر
نصف حد الحر". رواه مالك (جمع الفوائد ٢٩١:١).
بقوله، وليس تقدم ذكر الإيمان فى قوله: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾. بمانع عن حمل الإحصان على
الإِسلام، لأن قوله: من فتياتكم المؤمنات. إنما هو فى شأن النكاح، وقد استأنف ذكر حكم آخر
غيره وهو الحد، فجاز استيناف ذكر الإسلام، فيكون تقديره فإذا كن مسلمات فأتين بفاحشة
فعليهن. هذا لا يدفعه أحد، ولو كان ذلك غير سائغ لما تأوله عمر وابن مسعود والجماعة الذين
ذكرنا قولهم عليه. وليس يمتنع أن يكون الأمران جميعا من الإسلام والنكاح مرادين باللفظ،
لاحتماله لهما، وتأويل السلف الآية عليهما، وليس الإسلام والتزويج شرطا فى إيجاب الحد
عليها، حتى إذا لم تحصن لم يجب (وإنما ذكره لبيان أن الإسلام والتزويج مانعان عن ارتكاب
الفاحشة، فمن ارتكبها وهو محصن كان أحق بالعذاب من غيره) لما حدثنا محمد بن بکر، فذکر
بسنده حديث أبى هريرة وزيد بن خالد الجهنى: ((أن رسول الله عَّ سئل عن الأمة إذا زنت ولم
تحصن، قال: إن زنت فاجلدوها)). الحديث، (أخرجه الجماعة).

٥٣٥
ج - ١١
جلد العبد
٣٦٣٣- عن أبي الزناد، قال: "جلد عمر بن عبد العزيز عبدا فى فرية ثمانين، قال
أبو الزناد: فسألت عبد الله بن عامر بن ربيعة عن ذلك، فقال: أدركت عمر بن الخطاب،
وعثمان بن عفان، والخلفاء رضى الله عنهم، هلم جرا، فما رأيت أحدا جلد عبدا فى
فرية أكثر من أربعين". رواه مالك (تيسير الوصول ١٣٨:١).
فإن قيل: فما فائدة شرط الإحصان وهى محدودة فى حال الإحصان وعدمه. قيل: لما
كانت الحرة لا يجب عليها الرجم إلا أن تكون مسلمة متزوجة، أخبر الله تعالى أن الإماء وإن
أحصن بالإسلام وبالتزويج فليس عليهن أكثر من نصف حد الحرة، ولما أوجب عليها نصف حد
الحرة مع الإحصان علمنا أنه أراد الجلد، إذ الرجم لا ينتصف، ولو لا ذلك لكان يجوز أن يتوهم
افتراق حالها فى حكم وجود الإحصان وعدمه، فإذا كانت محصنة يكون عليها الرجم: وإذا
كانت غير محصنة فنصف الحد، فأزال الله تعالى توهم من يظن ذلك، وأخبر أنه ليس عليها إلا
نصف الحد فى جميع الأحوال، وقوله تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾.
أراد به (الحرائر) الاحصان من جهة الحرية لا الإحصان الموجب للرجم، لأنه لو أراد ذلك لم يصح
أن يقال: عليها نصف الرجم، لأنه لا يتبعض (اتفاقا وقرينة ذلك مقابلة المحصنات بالإماء وهن
الحرائر لا غير) قال الجصاص: وخص الله الأمة بإيجاب نصف حد الحرة عليها إذا زنت، وعقلت
الأمة من ذلك أن العبد بمثابتها، إذ كان المعنى الموجب لنقصان الحد معقولا من الظاهر وهو الرق،
وهو موجود فى العبد، وكذلك قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾. خص المحصنات بالذكر،
وعقلت الأمة حكم المحصنين أيضا فى هذه الآية إذا قذفوا، إذ كان المعنى فى المحصنة العفة
والحرية والإسلام، فحكموا للرجل بحكم النساء بالمعنى. وهذا يدل على أن الأحكام إذا عقلت
بمعان فحيثما وجدت فالحكم ثابت، حتى تقوم الدلالة على الاقتصار على بعض المواضع دون
بعض" اهـ ملخصا (١٦٩:٢).
تحقيق عجيب ودليل قوى:
قلت: فمن خص حكم التنصيف بالإماء دون العبيد كابن حزم ومن وافقه من أهل الظاهر،
فعليه أن يخص حد القذف بمن قذف المحصنات دون من قذف المحصنين، وظنى أن انفصاله عن
ذلك عسير جدا، وروى سعيد بن منصور والبيهقى عن أبى حبيبة، قال: "أتيت عليا فقلت له: إنه
قد أصاب فاحشة، فأقم عليه الحد، قال: فردونى أربع مرات، ثم قال: يا قنبر قم إليه فاضربه مائة

٥٣٦
جلد العبد
إعلاء السنن
٣٦٣٤ - عن إبراهيم: " أن معقل بن مقرن المزنى جاء إلى عبد الله (هو ابن
مسعود) فقال: إن جارية له زنت، فقال: اجلدها خمسين، قال: ليس لها زوج، قال:
إسلامها إحصانها". رواه الطبرانى، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن إبراهيم لم يلق ابن
مسعود (مجمع الزوائد ٢٧٠:٦). قلت: ومراسيله صحاح، لا سيما عن عبد الله كما
مر غير مرة، ورواه الطبرى فى التفسير (١٥:٥). موصولا عن إبراهيم عن همام بن
الحارث مرة، وعن علقمة أخرى.
سوط، فقلت: إنى مملوك، قال: اضربه حتى يقال لك أمسك. فضربه خمسين سوطا، كذا فى
"كنز العمال" (٨٨:٣). وقد تواترت الروايات عن رسول الله عّ لّه، وعن الخلفاء بعده، أنهم
كانوا يردون المقر بالزنا أربع مرات، وفيه دليل ظاهر للحنفية، ورد لتأويل من أوله على أنه رد ماعزا
لكونه اتهمه فى عقله: فهل كل من أتى عمر وعليا وغيرهما من الخلفاء كان متهما فى عقله؟ كلا!
بل إنما ردوه لكون الإقرار أربع مرات شرطا لثبوت الزنا، كما قدمناه بما لا مزيد عليه، وفى أثر على
هذا دلالة على أن حد العبد كحد الأمة نصف حد الحر. ودلالة آثار المتن على ذلك ظاهرة.
تفسير الإحصان بالإسلام بأقوال الصحابة:
قوله: "عن إبراهيم" إلخ. فيه دلالة على أن الإحصان قد يطلق على الإسلام، وإلا لم يصح
تأويل ابن مسعود وغيره من الصحابة قوله تعالى: ﴿فإذا أحسن﴾. يفتح الألف بالإسلام. قال
الموفق فى "المغنى" (١٤٤:١١). قد روى عن ابن مسعود أنه قال: "إحصانها إسلامها، وقرأها.
بفتح الألف" اهـ. وعزى الطبرى هذا القول إلى جماعة من التابعين، وسرد له أسانيد كثيرة، وقال:
"إن أحد معانى الإحصان الإسلام، وإن الآخر منه التزويج، وإن الإحصان كلمة تشتمل على معان
شتى، وقال أيضا: والصواب من القول فى ذلك عندى أنهما قرائتان معروفتان مستفيضتان فى
أمصار الإسلام، فبأيتهما قرأ القارى فمصيب فى قراءته الصواب" اهـ (١٥,١٤:٥). وفيه رد على
ابن حزم حيث قال: "وما نعلم الإحصان فى اللغة العربية والشريعة يقع إلا على معنيين، على
الزواج الذى يكون فيه الوطأ، فهذا إجماع لا خلاف فيه، وعلى العقد فقط" إلخ (٢٣٨:١١).
وإذا ثبت ذلك فلا لوم على الحنفية لو اشترطوا الإسلام فى إحصان الرجم، لأن قول عمر رضى الله
عنه: "فالرجم حق على من زنا وقد أحصن". مطلق فيحمل على الإحصان الكامل احتياطا.
واحتيالا لدر الحدود بالشبهات، كيف؟ ولهم فى ذلك دليل واضح قد ذكرناه فيما مضى.

ج - ١١
جلد العبد والأمة
٥٣٧
٣٦٣٥- عن أبى هريرة رفعه: ((إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ثلاثا بكتاب الله،
فإن عادت فليبعها ولو بحبل من شعر)). وفى رواية: ((إذا زنت أمة أحد كم فليجلدها،
ولا يعيرها ثلاث مرات، فإن عادت فى الرابعة فليجلدها، وليبعها بضفير أو بحبل من
شعر)). وفى أخرى: ((إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن
زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليبعها ولو بحبل من شعر)). للستة
كذا فى "جمع الفوائد (٢٧٨:١).
٣٦٣٦ - وفى رواية عن أبى هريرة وزيد بن خالد: ((أن رسول الله عَ لّه سئل عن
الأمة إذا زنت ولم تحصن، قال: إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها)). الحديث.
رواه البخارى (فتح البارى ١٤٤:١٢)، وفى "المغنى (١٤٤:١١) متفق عليه.
واعلم أن قول ابن مسعود: "إحصانها إسلامها". وقع ردا لقول من قال لأحد على الأمة إذا
لم تتزوج، فمعناه أن إحصان الأمة إسلامها، يعنى فتحد إذا زنت، تزوجت أو لم تتزوج. فلا يرد
عليه ما أورده ابن حزم حيث قال: "ومن الباطل المحال أن يكون إسلام الأمة إحصانا لها، ولا يكون
إسلام الحرة إحصانا لها" إلخ (٢٦١:١١).
قوله: "عن أبى هريرة" إلخ. قال الحافظ فى "الفتح": قال ابن بطال: زعم من قال لا جلد
عليها قبل التزويج بأنه لم يقل فى هذا الحديث: ولم تحصن، غير مالك، وليس كما زعموا،
فقد رواه يحيى بن سعيد الأنصارى عن ابن شهاب كما قال مالك، وكذا رواه طائفة عن ابن
عيينة عنه، ورواية يحيى بن سعيد أخرجها النسائى، وكذا رواية ابن عيينة أخرجها النسائى وابن
ماجه، وقد رواه عن ابن شهاب أيضا صالح بن کیسان، كما قال مالك، وتقدمت روايته فی کتاب
البيوع فى باب بيع المدبر، وكذا أخرجها مسلم والنسائى، وعلى تقدير أن مالكا تفرد بها فهو من
الحفاظ، وزيادته مقبولة" اهـ ملخصا (١٤٤:١١).
قلت: وفى قوله مَّ له: (ثم إن زنت فاجلدوها، ثم يبعوها ولو بضفير)). دلالة على عدم
وجوب النفى، لأن السكوت فى موضع البيان بيان، وعلى أن الجلد الذى يقيمه السيد على الأمة
ليس بحد، بل إنما هو تعزير وتأديب، وإلا لم يقل: "ولا يثرب عليها". يعنى لا يعيرها، ومن شأن
إقامة الحد أن يكون بحضرة للناس، ليكون أبلغ فى الزجر والتنكيل، فلما قال: "ولا يثرب عليها"
دل ذلك على أنه أراد التعزير لا الحد، قاله الجصاص فى "الأحكام" له (٢٨٤:٣).

٥٣٨
إعلاء السنن
باب الحفر للمرجوم
٣٦٣٧- عن اللجلاج: "أنه كان قاعدا يعتمل فى السوق، فمرت امرأة تحمل
صبيا، فثار الناس معها، وثرت فيمن ثار، وانتهيت إلى النبى عّ لّه وهو يقول: من أبو
هذا معك؟ فسكتت، فقال شاب حذوها: أنا أبوه يا رسول الله! فأقبل عليها، فقال: من
أبو هذا معك؟ فقال الفتى: أنا أبوه يا رسول الله! فنظر رسول الله عَّه إلى بعض من
حوله يسألهم عنه، فقال: ما علمنا إلا خيرًا، فقال له النبى عّ لّه: أحصنت؟ قال: نعم!
فأمر به، فرجم، قال: فخرجنا به، فحفرنا له حتى أمكنا، ثم رمينا بالحجارة حتى هدأ".
الحدیث. رواه أبو داود (٢: ٢٦١)، وسكت عنه.
٣٦٣٨- عن بريده: ((أن ماعز بن مالك الأسلمى أتى رسول الله عَ ليه، فقال:
يا رسول الله! إنى قد ظلمت نفسى وزنيت، وأنى أريد أن تطهرنى، فرده فلما كان من
قلت: فما ورد فى بعض الروايات "فليجلدها". الحد محمول على التعزير، والله تعالى أعلم
وسيأتى الكلام فى المسألة مبسوطا، فانتظر.
باب الحفر للمرجوم
قوله: "عن اللجلاج" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة.
قوله: "عن بريدة" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة.
وفيه الحفر إلى صدر المرأة. وقد مر فى قصة شراحة فى باب من يبتدئ بالرجم الحفر إلى
السرة. فالتطبيق بينهما أنهما متقاربان. وأحدهما محمول على الأولى، لأن فيه زيادة ستر.
وثانيهما على الجواز. على أن فعل رسول الله مَّ أرجح على فعل على رضى الله عنه وفى
أحاديث الباب الحفر للرجل والمرأة كليهما.
وفى قصة ماعز بن مالك فى صحيح مسلم من حديث أبى سعيد: " فما أو ثقناه ولا حفرنا
له" (٦٧:٢). فتعارضت الروايات فى قصة ماعز. ولا يجوز إسقاطهما فلا بد من التطبيق بينهما
لا سيما إذا كان حديث اللجلاج المثبت للحفر للرجل سالما من التعارض. فقال بعض الناس: "إنهم
لم يحفروا له برأيهم. وإنما حفروا فى آخر أمرهم لما أمرهم النبى معرّ .. أو أنهم لم يحفروا له أول
الأمر. ثم لما فر فأدركوه حفروا له حفيرة فانتصب لهم فيها حتى فرغوا منه، والوجه الثانى مذكور
فى "نيل الأوطار" (٢٤:٧) على أن المثبت مقدم على النافى، ولم يصرح النافى أن الحفرة لم تحفر

: - ١١
الحفر للمرجوم
٥٣٩
الغد أتاه، فقال: يا رسول الله! إنى قد زنيت، فرده الثانية، فأرسل رسول الله عَ ليه إلى
قومه، فقال: أ تعلمون بعقله بأسا تنكرون منه شيئا؟ فقالوا: ما نعلمه إلا فى العقل من
صالحينا فيما نرى، فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم أيضا، فسأل عنه: فأخبروه أنه لا بأس به،
إلى آخر الأمر، وقد حفر هو إلى آخره. نعم! لو صرح بهذا لكان النفى والإثبات فى درجة واحدة
فافهم، وأنصف. قال بعض الناس: ولقد اجترء الشيخ ابن الهمام جرأة عظيمة حيث رد حديث
الحفر لماعز وهو فى صحيح مسلم، وقال فى حاشيته على "الهداية" (٢١:٥): وهو منكر لمخالفته
الروايات الصحيحة المشهورة، والروايات الكثيرة المتظافرة اهـ. وهو ليس بمنكر وقد ورد بمثل
مضمونه ومعناه حدیث اللجلاج عند أبى داود، ولا إشكال حيث يمكن التطبيق فلا وجه لرد
حديث صحيح أخرجه مسلم، فالعجب كل العجب منه رحمه الله تعالى " اهـ.
قلت: كأن الرجل لم يذق علم الرواية أصلا، فإنه لا يخفى على من رزقه الله شيئا من الذوق
السليم فى هذا العلم صحة ما قاله ابن الهمام، فإن زيادة الحفر فى قصة ماعز لم يرد إلا فى هذه
الرواية وحدها. وأكثر الروايات على ترك الحفر. وحديث اللجلاج لم يرد فى قصة ماعز أصلا،
كما لا يخفى، فزيادة الحفر فى قصة ماعز منكرة حتما.
قال الموفق فى "المغنى" (١٢٢:١): "وإذا كان الزانى رجلا أقيم قائما ولم يوثق بشىء،
ولم يحفر له، سواء ثبت الزنا بينة أو إقرار، لا نعلم فيه خلافا (وهذا كحكاية الإجماع) لأن
النبى معَّ ◌ُّه لم يحفر لماعز. قال أبو سعيد: لما أمر رسول الله معرّ له برجم ماعز خرجنا به إلى البقيع،
فو الله ما حفرنا له ولا أو ثقناه، ولكنه قام لنا. رواه أبو داود (أى ومسلم أيضا) ولأن الحفر له ودفن
بعضه عقوبة لم يرد بها الشرع فى حقه، فوجب أن لا تثبت (قلت: هذا قول أحمد فى الحفر
للرجل: إنه لم يثبت ولم يرد به الشرع، وهو من أئمة الحديث، وقوله حجة وفيه تائید لما قاله ابن
الهمام، لا سيما والشذوذ فيما تعم به البلوى جرح فى الحديث عندنا معشر الحنفية، فافهم). قال:
وإن كان امرأة فظاهر كلام أحمد أنها لا يحفر لها أيضا. وهو الذى ذكره القاضى فى الخلاف.
وذكر فى المجرد أنه إن ثبت الحد بالإقرار لم يحفر لها. وإن ثبت بالبينة حفر لها إلى الصدر. قال أبو
الخطاب: وهذا أصح عندى، وهو قول أصحاب الشافعى، لما روى أبو بكر وبريدة، أن النبى معد له
رجم امرأة فحفر لها إلى الثندوة. رواه أبو داود.
ولأنه أستر لها، ولا حاجة إلى تمكينها من الهرب، لكون الحد ثبت بالبينة، فلا يسقط
بفعل من جهتها، بخلاف الثابت بالإقرار، فإنها تترك على حال لو أرادت الهرب تمكنت منه،

٥٤٠
الحفر للمرجوم
إعلاء السنن
ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفرله حفرة ثم أمر به فرجم. قال: فجاءت الغامدية،
فقالت: يا رسول الله! إنى قد زنيت فطهرنى، وأنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول.
الله لم تردنى، لعلك أن تردنى كما رددت ماعزا، فو الله إنى لحبلى، قال: أما لا فاذهبى
حتى تلدی، قال: فلما ولدت أتته بالصبى فى خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال اذهبی
فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبى فى يده كسرة خبز فقالت: هذا يا نبى
لأن رجوعها عن إقرارها مقبول. ولنا أن أكثر الأحاديث على ترك الحفر، فإن النبى معَ ◌ّه لم يحفر.
للجهينية ولا لماعز ولا لليهوديين، والحديث الذى احتجوا به غير معمول به، ولا يقولون به، فإن
التى نقل عنه الحفر لها ثبت حدها بإقرارها، ولا خلاف بيننا فيها. فلا يسوغ لهم الاحتجاج به مع
مخالفتهم له" اهـ (١٢٣:١١).
قلت: فهؤلاء أئمة الحديث ينكرون ثبوت الحفر للمرأة أيضا، وبعض الناس يريد إثباته
للرجل، وإجماع الفقهاء على عدم الحفر له.
وقال الحافظ فى "الفتح": "قال ابن شهاب: فأخبرنى من سمع جابر بن عبد الله صرح
يونس ومعمر فى روايتهما أنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: فكنت فيمن رجمه، فرجمناه
بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة هرب، فأدر كناه بالحرة فرجمناه، زاد معمر فى روايته: حتى مات.
وفى حديث أبى سعيد: حتى أتى عرض، بضم أوله أى جانب الحرة، فرميناه بجلاميد الحرة، حتى
سكت. وعند الترمذى من طريق محمد بن عمرو عن أبى هريرة فى قصة ماعز: (فلما وجد مس
الحجارة فر یشتد، حتى مر برجل معه لحی جمل فضربه، وضربه الناس حتی مات). وعند أبى داود
والنسائى من رواية يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه فى هذه القصة: ((فوجد مس الحجارة، فخرج
يشتد، فلقيه عبد الله بن أنيس وقد عجز أصحابه، فنزع له بوظيف بعير فرماه فقتله)). ووقع فى
رواية للطبرانى فى هذه القصة: فضرب ساقه، فصرعه ورجموه، حتى قتلوه. وفى حديث أبى
هريرة عند النسائى: فانتهى إلى أصل شجرة فتوسد يمينه حتى قتل. وللنسائى من طريق أبى مالك.
عن رجل من أصحاب رسول الله مپێ: فذهبوا به إلى حائط يبلغ صدره، فذهب يثب فرماه رجل،
فأصاب أذنه فصرع فقتله" اهـ (١١٠:١٢). قلت: فلعل من قال: "فحفروا له حفرة إلى صدره ثم.
رجموه". كما فى رواية عن بريدة عند الحاكم فى "المستدرك" (٣٦٢:٤). وقال: صحيح على
شرط مسلم. عبر عن ذهابهم به إلى حائط يبلغ صدره بالحفرة، وبرواية الحاكم هذه وهن ما قاله .
الحافظ فى "الفتح": ويمكن الجمع بأن المنفى حفيرة لا يمكنه الوثوب منها، والمثبت عكسه اه ..