Indexed OCR Text
Pages 461-480
ج - ١١ فائدة فى بعض ما أجمع عليه من مسائل اليمين والنذر ٤٦١ ١٧- "وإن حلف لا يدخل دار زيد. فدخل دار عبده حنث. وبه قال أبو حنيفة والشافعى ولا نعلم فيه خلافا، لأن دار العبد ملك لسیدہ وإن حلف لا يلبس ثوب زید، ولا یر کب دابته، فلبس ثوب عبده، وركب دابته حنث. وبهذا قال الشافعى، لأنهما مملو كان للسيد، وقال أبو حنيفة: لا يحنث، لأن العبد بهما أخطٌ " (٢٩٢:١١). أى ولا يقال لمن لبس ثوب العبد أنه لبس ثوب سيده عرفا، بخلاف الدار، ومبنى الأيمان على العرف. ١٨- "لو حلف ليدخلن (الدار) لم يبر حتى يدخل بجميعه، أو شيئا لم يبر إلا بفعل جميعه، لا نعلم بين أهل العلم فيه اختلافا. فأما إن حلف لا يدخل فأدخل بعضه (يده أو رجله أو رأسه أو شيئا منه) ففيه روايتان. إحداهما يحنث، وحكى عن مالك. والثانية لا يحنث إلا بأن يدخل كله. ألا ترى أن عوف بن مالك قال: (يدخل) كلى أو بعضى، لأن الكل لا يكون بعضا، والبعض لا يكون كلا، وهذا اختيار أبى الخطاب، ومذهب أبى حنيفة والشافعي، لأن النبى معَّ له كان يخرج رأسه إلى عائشة وهو معتكف فترجله (وتأخذ الحصير من المسجد بيدها) وهى حائض والمعتكف ممنوع من الخروج من المسجد، والحائض ممنوعة من اللبث فيه. وروى عن النبى معَّ أنه قال لأبى بن كعب: "إنى لا أخرج من المسجد حتى أعلمك سورة، فلما أخرج رجله من المسجد علمه إياها"، ولأن يمينه تعلقت بالجميع فلم تنحل بالبعض، وهكذا كل شىء حلف أن لا يفعله ففعل بعضه لا يحنث حتى يفعله كله. وهذا الخلاف فى اليمين المطلقة، فأما إن نوى الجميع أو البعض فعلى ما نوى. وكذلك إن اقترنت به قرينة تقتضى أحد الأمرين تعلقت يمينه به، كما لو قال: والله لا شربت (ماء) هذا النهر أو هذه البركة، تعلقت يمينه ببعضه وجها واحدا، لأن فعل الجميع ممتنع" اهـ ملخصا (٢٩٣:١١). فائدة فى أدنى ما يجزئ من الكسوة فى الكفارة: قال فى "الهداية": " وإن شاء كسا عشرة مساكين كل واحد ثوبا فما زاد. وأدناه ما يجوز فيه الصلاة. وهذا مروى عن محمد، وعن أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله أن أدناه ما يستر عامة بدنه، حتى لا يجوز السراويل وهو الصحيح، لأن لابسه يسمى عريانا فى العرف" اهـ. وذلك لأن الله تعالى أطلق الكسوة، فصح يقينا أن الكسوة لا يكون معها عرى. قال الجصاص فى أحكام القرآن له: "ظاهره يقتضى ما يسمى به الإنسان مكتسيا إذا لبسه، ولا بس السراويل ليس عليه غيره أو العمامة ليس عليه غيرها لا يسمى مكتسيا، كلابس القلنسوة. فالواجب أن لا يجزى السراويل ٤٦٢ فائدة فى بعض ما أجمع عليه من مسائل الیمین والنذر إعلاء السنن والعمامة ولا الخمار. وأما الإزار والقميص (السابغان) فإن كل واحد من ذلك يعم بدنه، حتى يطلق عليه اسم المكتسى فلذلك أجزأه" اهـ (٢: ٤٦٠). وقال ابن حزم فى "المحلى": "روينا عن عمران بن الحصين أن رجلا سأله عن الكسوة فى الكفارة، فقال له: أرأيت لو أن وفدا دخلوا على أميرهم، فكسا كل رجل منهم قلنسوة، قال الناس: أنه قد كساهم"؟ قال ابن حزم: " وأما الكسوة فما وقع عليه اسم كسوة قميص أو سراويل أو مقنع أو قلنسوة أو عمامة" إلخ. ثم تدبر وتأمل، فقال: "لا بد أن تكون الكسوة تعم الجسم كله تستره عن العيون وتمنعه من البرد" اهـ. ففرط مرة وأفرط أخرى. وهكذا قياس من لم يحكم القياس، مع قوله: "إن القياس باطل كله"، ثم قال: "والعجب من أبى حنيفة إذ يمنع من أن تجزى العمامة وهى کسوة، ثم يقول: لو كساهم ثوبا واحدا يساوى عشرة أثواب، أو أعطاهم بغلة، أو حمارة تساوى عشرة أثواب أجزأه" اهـ (٧٥:٨). الرد على ابن حزم ودليل جواز دفع القيمة فى الكفارة: قلت: لا يتعجب من ذلك إلا من قصر نظره وضعف بصره، فقد تقدم أنه يجوز عندنا إعطاء قيمة الطعام والكسوة فى الكفارة، لما ثبت أن المقصد فيه حصول النفع للمساكين بهذا القدر من المال، ويحصل لهم من النفع بالقيمة مثل حصوله بالطعام والكسوة. ولما صح ذلك فى الزكاة من جهة الآثار والنظر وجب مثله فى الكفارة، لأن أحدا لم يفرق بينهما. ومع ذلك فليس يمتنع إطلاق الاسم على من أعطى غيره دراهم يشترى بها ما يأكله ويليه بأن يقال: قد أطعمه وكساه. وإذا كان إطلاق ذلك سائغا انتظمه لفظ الآية. ألا ترى حقيقة الإطعام أن يطعمه إياه بأن يبيحه له فيأكله؟ ومع ذلك فلو ملكه إياه ولم يأكله المسكين وباعه أجزأه، وإن لم يتناول حقيقة اللفظ بحصول المقصد فى وصول هذا القدر من المال إليه، وإن لم يطعمه ولم ينتفع به من جهة الأكل. وكذلك لو أعطاه كسوة فلم يكتس بها وباعها، فثبت بذلك أنه ليس المقصد حصول المطعم والملبس، وأن المقصد وصوله إلى هذا القدر من المال، فلا يختلف حينئذ حكم الدراهم والثياب والطعام، ألا ترى أن النبى معَّ قدر فى صدقة الفطر نصف صاع من بر، أو صاعاً من تمر أو شعير، ثم قال: "اغنوهم عن المسألة فى هذا اليوم" (رواه ابن عدى والدار قطنى بلفظ: "اغنوهم عن الطواف فى هذا اليوم". وضعف الحافظ فى "بلوغ المرام" (١٢١:١). إسناده، لكونه من طريق الواقدى، وقد مر غير مرة أنه قد وثقه بعضهم، وضعفه بعضهم، فهو حسن الحديث). ج - ١١ فائدة فى بعض ما أجمع عليه من مسائل اليمين والنذر ٤٦٣ فأخبر أن المقصود حصول الغنى لهم عن المسألة لا مقدار الطعام بعينه. وإذا كان الغنى عن المسألة يحصل بالقيمة كحصوله بالطعام استويا. قاله الجصاص فى "الأحكام" له (٤٥٩:٢). إذا تقرر ذلك فاعلم أن قول أبى حنيفة: "لو كساهم ثوبا واحدا يساوى عشرة أثواب أجزأه". معناه أجزأه من الطعام باعتبار القيمة وليس معناه أنه يجزئ عن الكسوة، ففى الكفاية شرح الهداية: "لو أعطى عشرة مساكين ثوبا بينهم، وهو ثوب كثير القيمة يصيب كل مسكين منهم أكثر من قيمة ثوب لم یجزه من الكسوة، لأنه لا یکتسی به كل واحد منهم، ولكن يجزئه من الطعام باعتبار القيمة (إذا كان يساوى خمسة أصوع من بر، أو عشره أصوع من تمر) نوى أو لم ينو. وروى عن أبى يوسف رحمه الله إذا لم ينو لا يجزئه عن الطعام" اهـ (٤: ٣٦٥). وكذا قوله: "إذا أعطاهم بغلة أو حمارة تساوى عشرة أثواب أجزأه". أى باعتبار القيمة، وهو ظاهر. والله تعالى أعلم. فائدة فى أدنى ما يجزئ من الرقبة فى الكفارة: قال الجصاص: "قوله تعالى: ﴿أو تحرير رقبة﴾، يعنى عتق رقبة، واقتضى اللفظ رقبة سليمة من العاهات، لأنه اسم للشخص بكماله، إلا أن الفقهاء اتفقوا على أن النقص اليسير لا يمنع جوازها. فاعتبر أصحابنا بقاء منفعة الجنس فى جوازها، وجعلوا فوات منفعة الجنس من تلك الأعضاء مانعا لجوازها" اهـ (٢: ٤٦١). وفى "البدائع": " ويشترط أن تكون الرقبة كاملة الرق لأن المأمور به تحرير رقبة مطلقا، فيقتضى كون الرقبة مرقوقة مطلقة، ونقصان الرق (يستلزم) فوات جزء منه، فلا تكون مرقوقة مطلقة، فلا يكون تحريرها مطلقا، فلا يكون آتيا بالواجب، وعلى هذا يخرج تحرير المدبر وأم الولد عن الكفارة أنه لا يجوز لنقصان رقهما، لثبوت الحرية أو حق الحرية بالتدبير والاستيلاد، حتى امتنع تمليكها بالبيع والهبة وغيرهما. أما تحرير المكاتب عن الكفارة فجائز استحسانا إذا كان لم يؤد شيئا من بدل الكتابة والقياس أن لا يجوز، وهو قول زفر والشافعى، ولو كان أدى شيئا من بدل الكتابة لا يجوز تحريره عن الكفارة فى ظاهر الرواية، ولو عجز عن أداء بدل الكتابة ثم أعتقه جاز بلا خلاف" اهـ (١٠٧:٥). وقال ابن حزم: "يجزئ فى العتق المعيب والسالم، وأم الولد والمدبر والمدبرة، والمنذور عتقه، والمعتق إلى أجل. قال: وعمدة البرهان فى ذلك قول الله تعالى: ﴿أو تحرير رقبة﴾. فلم يخص رقبة من رقبة وما كان ربك نسيا" اهـ (٧١:٨). قلنا: ولكنك تنسى كما نسيت ههنا إطلاق الرقبة، ٤٦٤ فائدة فى أدنى ما يجزئ من الإطعام فى الكفارة إعلاء السنن وهو يقتضى كونها مرقوقة مطلقة، والرقبة اسم للشخص بكماله إذا أطلقت فافهم. ويشترط عند الشافعى وأحمد كون الرقبة مؤمنة قياسا على رقبة القتل، حملا للمطلق على المقيد، وهى خلافية الأصول. واحتجوا بالخبر الذى فيه أن قائلا قال: "يا رسول الله! إنه لطم وجه جارية له وعلى رقبة، أ فأعتقها؟ فقال لها رسول الله عَّه: أين الله؟ قالت: فى السماء! قال: من أنا؟ قالت: رسول الله! فقال عليه السلام: اعتقها فإنها مؤمنة". ولا حجة لهم فيه، لأنها بنص الخبر لم تكن رقبة الكفارة لا عن يمين ولا عن ظهار، بل كانت رقبة النذر، وهم يجيزون الكافرة فى الرقبة المنذورة، فقد خالفوا ما فى هذا الخبر، وأيضا: فإنا لا ننكر عتق المؤمنة، وليس فى الحديث لا تجزئ إلا مؤمنة، وإنما فيه: "اعتقها فإنها مؤمنة". فنحن لا نمنع من عتقها. قال ابن حزم فى المحلى: "روينا من طريق ابن أبى شيبة عن وكيع عن سفيان الثورى عن ابن أبى نجيح عن عطاء، قال: يجزى اليهودى والنصرانى فى كفارة اليمين" (٧٢:٨). والله تعالى أعلم. فائدة فى أدنى ما يجزى من الإطعام فى الكفارة: قال محمد فى "الموطأ": أخبرنا مالك حدثنا يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال: أدركت الناس وهم إذا أعطوا المساكين فى كفارة اليمين أعطوا مدا من حنطة بالمد الأصغر، ورأوا أن ذلك يجزى عنهم. أخبرنا مالك أنا نافع: أن ابن عمر كان يكفر عن يمينه بإطعام عشرة مساكين، كل إنسان مد من حنطة. وكان يعتق الجوارى إذا وكد فى اليمين. أخبرنا مالك أخبرنا نافع: أن عبد الله بن عمر قال: من حلف بيمين فوكدها ثم حنث فعليه عتق رقبة، أو كسوة عشرة مساکین. ومن حلف بیمین ولم يؤ كدها فحنث فعلیه إطعام عشرة مسا کین، لكل مسکین مد من حنطة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. قال محمد: إطعام عشرة مساكين غداء أو عشاء، أو نصف صاع من حنطة، أو صاع من تمر أو شعير. أخبرنا سلام بن سليم الحنفى (ثقة صاحب سنة) عن أبى إسحاق السبيعى (ثقة إمام) عن يرفأ مولى عمر بن الخطاب (ثقة) قال: قال عمر بن الخطاب: يا يرفأ! إنى أنزلت مال الله منى بمنزلة مال اليتيم، إن احتجت أخذت منه، فإذا أیسرت رددته، وإن استغنيت استعففت، وإنى قد وليت من أمر المسلمين أمرا عظيما، فإذا أنت سمعتنى أحلف على يمين فلم أمضها فأطعم عنى عشرة مساكين خمسة أصوع بر، بين كل مسكينين صاع. ثم أخرجه بطريق يونس بن أبى إسحاق عن أبى إسحاق عن يسار بن نمير عن يرفأ نحوه. ثم أخرج من طريق سفيان بن عيينة عن منصور بن المعتمر عن شقيق بن سلمة عن يسار بن نمير: أن عمر بن الخطاب ج - ١١ فائدة فى من حلف ناسيا ليمينه أو مكرها عليه فهو حالف ٤٦٥ أمر أن يكفر عن يمينه بنصف صاع لكل مسكين، ثم أخرج عن سفيان بن عيينة عن عبد الكريم (هو الجزرى، تع) عن مجاهد قال: فى كل شىء من الكفارات فيه إطعام المساكين نصف صاع لكل مسكين اهـ (٣٢٢). وهذه أسانيد صحاح. وفى "التعليق الممجد": "قال جماعة من الصحابة فى كفارة اليمين بنصف صاع من حنطة، أو صباع من تمر أو شعير، كصدقة الفطر، منهم عمر. أخرجه عنه عبد الرزاق وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ. وكذلك أخرجوه عن على، وكذلك أخرجه عبد بن حميد عن ابن عباس، وإليه ذهب أصحابنا. والآثار مبسوطة فى الدر المنثور" اهـ. قلت: وقد أخرج الطحاوى الآثار عن عمر وعلى وابن عباس بأسرها (٧٠,٦٩:٢) وأسانيدها ما بين صحاح وحسان، ثم قال: "فهذا عمر وعلى، قد جعلا الإطعام فى كفارات الأيمان من الحنطة مدين مدين لكل مسكين، ومن الشعير والتمر صاعا صاعا. فكذلك نقول، وكذلك كل إطعام فى كفارة أو غيرها هذا مقداره على ما أجمع من كفارة الأدنى. وقد شد ذلك أيضا ما قد بيناه فى كتاب صدقة الفطر من مقدارها، وما ذكرنا فى ذلك عن رسول الله مرّ له وأصحابه من بعده. وهذا قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمهم الله" اهـ. فائدة فى من حلف ناسیا ليمينه أو مكرها عليه فهو حالف: أخرج مسلم عن حذيفة بن اليمان، قال: " ما منعنى أن أشهد بدرا إلا أنى خرجت أنا وأبى فأخذنا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدا! قلنا: ما نريده ولا نريد إلا المدينة، فأخذوا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة، ولا نقاتل معه. فأتينا رسول الله عّ لّه، فأخبرناه الخبر، فقال: انصرفا، نفى بعهدهم، ونستعين الله عليهم". وفيه دليل على أن اليمين على الإكراه تلزم، كما تلزم على الطواعية. ذكره الطحاوى، كذا فى "الجوهر النقى" (٢٣٧:٢). وفيه أيضا: "إن قوله تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) وارد فى الإكراه على الكفر. وقد قدمنا فى باب طلاق المكره الفرق بين الكفر وغيره. (وحاصله: أن الكفر يعتمد الاعتقاد، بدليل أنه لو نوى الكفر بقلبه. يكفر، والإكراه يمنع الحكم بالاعتقاد فى الظاهر، والطلاق يعتمد إرسال اللفظ مع التكليف. وهذا موجود فى طلاق المكره). وتكلمنا هناك على الحديثين (حديثى ابن عباس وعائشة بلفظ: تجاوز الله عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. وبلفظ: "لا طلاق ولا إعتاق في إغلاق". فقال فى الأول: إن نفس الفعل ليس بموضوع، فالمراد وضع ٤٦٦ فائدة فى إعتاق ولد الزنا فى الكفارة: إعلاء السنن الإثم، وأعل الثانى بالاضطراب فى سنده. وإن سلم فالمراد بالإغلاق الغضب المدهش أو الجنون، واللفظ يحتملهما). وذكرنا أن الشافعى لم يعمل بحديث ابن عباس، حيث حنث فى الحكم من حلف بالطلاق على أمر لا يفعله ففعله ناسيا" اهـ (٢٣٧:٢). فائدة فى إعتاق ولد الزنا فى الكفارة: عن أبى هريرة رفعه: "ولد الزنا شر الثلاثة". وقال أبو هريرة: لأن أمتع بسوط فى سبيل الله أحب إلى من أن أعتق ولد زنية. أخرجه أبو داود كذا فى "جمع الفوائد" (٢٦٥:١). قلت: فذهب قوم إلى كراهة إعتاقه فى الكفارات لأجل هذا الحديث. منهم على وابن عباس وابن عمرو بن العاص. أخرج عنهم ابن أبى شيبة، كذا فى "تعليق الموطأ" (٢٢٧). ولكن روى عن أبى هريرة نفسه أنه أجاز ذلك. أخرج مالك فى الموطأ، "أنه بلغه عن المقبرى أنه قال: سئل أبو هريرة عن الرجل يكون عليه رقبة هل يعتق فيها ابن زنا؟ فقال أبو هريرة: نعم! ذلك يجزئه" اهـ. وروى مالك: عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه أعتق ولد زنا وأمه" اهـ (٢٢٨). والأول بلاغ، وبلاغ مالك حجة. والثانى سنده صحيح جليل. أخرج الحاكم فى "المستدرك" بطريق سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن الزهرى عن عروة، قال: "بلغ عائشة رضى الله عنها أن أبا هريرة يقول: إن رسول الله عَّه قال: لأن أمتع بسوط فى سبيل الله أحب إلى من أن أعتق ولد الزنا، وإن رسول الله عَّه قال: ولد الزنا شر الثلاثة. وإن الميت يعذب ببكاء الحى. فقالت عائشة: رحم الله أبا هريرة أساء سمعا فأساء إصابة". أما قوله: "لأن أمتع بسوط فى سبيل الله أحب إلى من أن أعتق ولد الزنا". أنها لما نزلت: ﴿فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة﴾. قيل: يا رسول الله! ما عندنا ما نعتق إلا أن أحدنا له جارية سوداء تخدمه وتسعى عليه، فلو أمرناهن فزنين فجئن بالأولاد فأعتقناهم، فقال رسول الله عَّهِ: ((لأن أمتع بسوط فى سبيل الله أحب إلى من أن آمر بالزنا). ثم أعتق الولد. وأما قوله: "ولد الزنا شرار الثلاثة". فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذى رسول الله عَظِلّه، فقال: من يعذرنى من فلان، قيل: يا رسول الله مع ما به ولد زنا، فقال رسول الله معد له: هو شر الثلاثة، والله عز وجل يقول: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. الحديث. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". وقال الذهبى: كذا قال، وسلمة لم يحتج به مسلم وقد وثق" اهـ (٢١٥:٢). قلت: فالحديث حسن، وهو نص فى موضع النزاع. وقد أخرج أحمد عن عائشة مرفوعا: ٤٦٧ ج - ١١ کتاب الحدود باب اشتراط أربعة شهداء فى إثبات الزنا ٣٥٧٥ - عن ابن عباس رضى الله عنهما، "أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبى معَ ◌ّ بشريك بن سحماء، فقال النبى معَّ ل: البينة أو حد فى ظهرك" الحديث. رواه البخارى (٢: ٦٩٥). (ولد الزنا شر الثلاثة إذا عمل بعمل أبويه)). كذا فى "تعجيل المنفعة" (١١). وعلى هذا فالمعنى أن ولد الزنا إذا عمل بعمل أبويه يسبقهما فى الشر، لخبث طينته. وهذا مشاهد، فإن ولد الزنا إن صلح فبها، وإلا بلغ فى الشر ما لم يبلغه أبواه فافهم. ولكن كونه شر الثلاثة لا يمنع إعتاقه ولا إجزاءه عن الكفارة. والله تعالى أعلم. فائدة: أخرج الدار قطنى بطريق ليث عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، قال: ((الأيمان أربعة، يمينان يكفران، ويمينان لا يكفران، فالرجل يحلف: والله لا نفعل كذا وكذا، فيفعل، والرجل يقول: والله لأفعل، فلا يفعل، (فتكفران). وأما اليمينان اللذان لا يكفران فالرجل يحلف: ما فعلت كذا وكذا وقد فعله. والرجل يحلف لقد فعلت كذا وكذا ولم يفعله " اهـ. قال صاحب التعليق المغنى: "فى إسناده ليث بن أبى سليم وهو متروك الحديث" اهـ (٤٩٣:٢). قلت: كلا! بل هو من رجال مسلم حسن الحديث، واستشهد به البخارى فى صحيحه أيضا، كما ذكرناه غير مرة. وفيه دلالة على أن اليمين على المستقبل تكفر مطلقا، وهى التى تسمى بالمنعقدة عندنا. وأن اليمين على الماضى لا تكفر مطلقا، لأنها إما غموس، وقد ذكرنا إجماع الصحابة على عدم الكفارة فيها، بل يؤمر بالتوبة والاستغفار، وإما لغو إن كان الحالف يظنه صادقا، ولا إثم فيه ولا كفارة. ففيه رد على من أدخل فى اللغو الحلف على المستقبل أيضا فافهم. وقد مر الحديث بتخريج البيهقى مختصرا فتذكر. ولكن هذا آخر ما أردنا إيراده فى كتاب الأيمان. ختم الله لنا ولمن انتفع بهذا الكتاب على الإيمان، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد ولد آدم المبعوث من بنى عدنان، وعلى آله وأصحابه ما ترنم طائر وتعاقب الملوان. والحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم الملك الديان. باب اشتراط أربعة شهداء فى إثبات الزنا قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. ٤٦٨ إعلاء السنجلب اشتراط أربعة شهداء فى إثبات الزنا ٨٠ ٣٥٧٦ -- ورواه أبو يعلى من حديث أنس رضى الله عنه، فقال فيه: "أربعة شهود وإلا فحد فى ظهرك " (دراية ٢٤٢). واعلم أن الزنا حرام، وهو من الكبائر العظام، بدليل قول الله الملك العلام: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ومقتا وساطٍ سبيلا). وقال تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التى حرّم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيمة ويخلد فيه مهانا﴾. وأخرج الشيخان عن ابن مسعود، قال: ((سألت النبى معَّ ل أى الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قلت: ثم أى؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قلت: ثم أى؟ أن تزنى بحليلة جارك)). وكان حد الزنا فى صدر الإسلام الحبس للثيب، والأذى بالكلام من التقريع والتوبيخ للبكر، لقوله سبحانه: ﴿واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم﴾ إلى قوله: ﴿أو يجعل الله لهن سبيلا﴾. وقوله: ﴿اللذان يأتيانها منكم فآذوهما، فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما﴾ الآية. قال بعض أهل العلم: المراد بقوله: "من نسائكم" الثيب لأن قوله: "من نسائكم". إضافة زوجية، كقوله: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾. ولا فائدة فى إضافته ههنا نعلمها إلا اعتبار الثيوبة، ولأنه قد ذكر عقوبتين، إحداهما أغلظ من الأخرى، فكانت الأغلظ للثيب، والأخرى للأبكار، كالرجم والجلد، ثم نسخ هذا بقوله: ﴿الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾، الآية. وقد نزلت فى الزانى والزانية البكرين إجماعا، ونزلت فى الثيبين آية نسخت تلاوتها وبقى حكمها، وفيها الرجم. وروى مسلم وأبو داود عن عبادة أن النبى عّ لّه قال: ((خذوا عنى خذوا عنى، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغریب عام، والثيب بالثیب جلد مائة والرجم". فلا يرد علينا ما ذكره الموفق فى المغنى: فإن قيل: كيف ينسخ القرآن بالسنة"؟ إلخ (١١٩:١٠). فقد عرفت أن ذلك ليس من نسخ القرآن بالسنة، بل من نسخ القرآن بالقرآن، ولو سلم فإن السنة المتواترة يجوز بها نسخ القرآن، كما تقرر فى الأصول. وكل ما ورد فى جلد البكر ورجم المحصن قد تلقته الأمة بالقبول، وأجمعت عليه كما سيأتى. شروط وجوب الحد: قال الموفق: ولا يجب الحد إلا على بالغ عاقل عالم بالتحريم. أما البلوغ والعقل فلا خلاف فى اعتبارهما فى وجوب الحد وصحة الإقرار، لأنهما قد رفع القلم عنهما، قال عليه الصلاة والسلام: ((رفع القلم عن الصبى حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ". رواه أبو داود والترمذى، وقال: حديث حسن. وفى حديث ابن عباس فى قصة ما عز: ج - ١١ باب اشتراط أربعة شهداء فى إثبات الزنا ٤٦٩ "أن النبى عّ لّه سأل قومه: أمجنون هو؟ قالوا: ليس به بأس". وروى أن النبى عرّ ◌ُلّه قال له حين أقر عنده: أ بك جنون؟ (سیأتی كل ذلك بسنده) وروى أبو داود بإسناده، قال: "أتى عمر بمجنونة قد زنت، فاستشار فيها أناسا، فأمر بها عمر أن ترجم، فمر بها على بن أبى طالب، فقال: ما شأن هذه؟ فقالوا: مجنونة بنى فلان، زنت. فأمر بها عمر أن ترجم، فقال: ارجعوا بها ثم أتاه، فقال: يا أمير المؤمنين! أما علمت أن القلم قد رفع عن ثلاثة، عن المجنون حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبى حتى يعقل"؟ قال: بلى! قال فما بال هذه؟ قال: لا شىء! قال: فأرسلها، فأرسلها، قال: فجعل عمر يكبر". ولأنه إذا سقط عنه التكليف فى العبادات والإثم فى المعاصى، فالحد المبنى على الدرأ بالشبهات أولى بالإسقاط، فلا يجب الحد على النائم، لما ذكرنا من الحديث. فلو زنى بنائمة أو استدخلت ذكر نائم إن وجد منه الزنا حال نومه فلا حد عليه، لأنه مرفوع عنه القلم. ولو أقر حال نومه لم يلتفت إلى إقراره، لأن كلامه ليس بمعتبر. فإن كان يجن مرة ويفيق أخرى فأقر فى إفاقته أنه زنى وهو مفيق، أو قامت عليه بينة أنه زنى فى أفاقته فعليه الحد، لا نعلم فيه خلافا. وبه قال الشافعى وأبو ثور، وأصحاب الرأى، لأن الزنا الموجب للحد وجد منه فى حال إفاقته وهو مکلف، والقلم غیر مرفوع عنه، و کذا إقراره وجد فى حال اعتبار کلامه، فإن أقر فى إفاقته ولم يضيفه إلى حال، أو شهدت عليه البينة بالزنا ولم تضفه إلى حال إفاقته، لم يجب الحد، لأنه يحتمل أنه وجد فى حال جنونه فلم يجب الحد مع الاحتمال. وقد روى أبو داود فى المجنونة التى أتى بها عمر أن عليا قال: " هذه معتوهة بنى فلان، لعل الذى أتاها أتاها فى بلائها، فقال عمر: لا أدرى، فقال على: وأنا لا أدرى". (قلت أخرجه: أبو داود، وسكت عنه. وقال المنذرى: وأخرجه النسائى، وفى إسناده عطاء بن السائب. قال أيوب: هو ثقة. وقال أحمد: "من سمع منه قديما فهو صحيح، ومن سمع منه حديثا لم يكن بشىء " اهـ من "عون المعبود" (٢٤٥:٤). قلت: قد أخرجه أبو داود بطريق أخرى عن جرير عن الأعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس، ليس فيه عطاء، فهو حديث حسن صالح للاحتجاج به حتما، ثم وجدت الحاكم قد صححه من طريق جعفر بن عون، وشعبة عن الأعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس على شرط الشيخين. وأقره عليه الذهبى (٣٨٩:٤). لا يجب الحد إلا على عالم بالتحريم: ولا يجب الحد إلا على عالم بالتحريم. قال عمر وعلى وعثمان: "لا حد إلا على من علمه". ٤٧٠ يشترط فى شهود الزنا سبعة شروط إعلاء السنن وبهذا قال عامة أهل العلم: وقد روى سعيد بن المسيب قال: "ذكرنا الزنا بالشام، فقال رجل: زنيت البارحة، قالوا: ما تقول؟ قال: ما علمت أن الله حرمه، فكتب بها إلى عمر. فكتب: إن كان يعلم أن الله حرمه فحدوه، وإن لم يكن يعلم فأعلموه! فإن عاد فارجموه". (قلت: رواه البيهقى من رواية بكر بن عبد الله عن عمر أنه كتب إليه فى رجل إلخ. وعبد الوهاب بن عبد الرحيم الجویری عن سفيان عن عمرو بن دينار عن سعيد بن المسيب يقول: "ذكرنا الزنا بالشام إلخ، وهكذا أخرجه عبد الرزاق عن ابن عيينة، وأخرجه أيضا عن معمر عن عمرو بن دينار، وزاد: أن الذى كتب إلى عمر بذلك هو أبو عبيدة بن الجراح. وفى رواية له أن عثمان هو الذى أشار بذلك على عمر رضى الله عنه. وروى البيهقى من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قصة لعمر وعثمان فى جارية زنت وهى أعجمية وادعت أنها لم تعلم تحريمه، كذا فى "التلخيص الحبير" (٣٥٤). وسكوت الحافظ عنه دليل على صحته أو حسنه) وسواء جهل تحريم الزنا أو تحريم عين المرأة، مثل أن يزف إليه غير امرأته فيظنها زوجته، أو يدفع إليه جارية فيظنها جاريته فيطؤها، فلا حد عليه" اهـ ملخصا (١٢٠:١٠). يشترط فى شهود الزنا سبعة شروط: قال الموفق: ويشترط فى شهود الزنا سبعة شروط: أحدها: أن يكونوا أربعة. وهذا إجماع لا خلاف فيه بين أهل العلم، لقول الله تعالى: ﴿فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾، وقوله: ﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾، وقال: ﴿لو لا جاؤوا عليه بأربعة شهداء﴾، وقال سعد بن عبادة لرسول الله مرّ له: "أرأيت لو وجدت مع امرأتى رجلا أمهله حتى أتى بأربعة شهداء؟ فقال النبى معَّ له: نعم"! رواه مالك فى الموطأ، وأبو داود فى سننه. والثانى: أن يكونوا رجالا كلهم، ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال. ولا نعلم فيه خلافا إلا شيئا يروى عن عطاء وحماد، أنه يقبل فيه ثلاثة رجال وامرأتان، وهو شذوذ لا يعول عليه، لأن لفظ الأربعة اسم لعدد المذكرين. ويقتضى أن يكتفى فيه بأربعة، ولا خلاف فى أن الأربعة إذا كان بعضهم نساء لا يكتفى بهم، وأن أقل ما يجزئ خمسة وهذا خلاف النص، ولأن فى شهادتهن. شبهة لتطرق الضلال إليهن. قال الله تعالى: ﴿أن تضلّ إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾، والحدود تدرأ بالشبهات. (ولأن المرأة تستحيى عن وصف الزنا بأنها رأته يهب فيها كالميل فى المكحلة أو الرشاء فى البشر، ولا بد منه، وقال الإمام أبو يوسف فى الخراج له: "حدثنا الحجاج عن ٤٧١ يشترط فى شهود الزنا سبعة شروط ج - ١١ الزهرى، قال: "مضت السنة من لدن رسول الله عَّ له والخليفتين من بعده أن لا تجوز شهادة النساء فى الحدود" (١٩٦)، وهذا مرسل حسن فى حكم المرفوع). والثالث: الحرية، فلا تقبل فيه شهادة العبيد، لا نعلم فى هذا خلافا إلا رواية حكيت عن أحمد، وهو قول أبى ثور لعموم النصوص، ولأنه عدل ذكر مسلم فتقبل شهادته، ولنا أنه مختلف فى شهادته فى سائر الحقوق فيكون ذلك شبهة تمنع فى قبول شهادته فى الحد، لأنه يندرا بالشبهات. الرابع: العدالة، ولا خلاف فى اشتراطها. الخامس: أن يكونوا مسلمين فلا تقبل شهادة أهل الذمة فيه سواء كانت مسلم أو ذمی. السادس: أن يصفوا الزنا فيقولوا: رأينا ذكره فى فرجها كالمرود فى المكحلة والرشاء فى البر، وهذا قول معاوية بن أبى سفيان، والزهرى، والشافعى، وابن المنذر، وأصحاب الرأى (وسيأتى دلیله فى المتن). السابع: مجىء الشهود كلهم فى مجلس واحد، وإن جاء أربعة متفرقين والحاكم جالس فى مجلس حكمه لم يقم قبل شهادتهم، وإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاکم کانوا قذفة وعلیهم الحد، وبهذا قال مالك وأبو حنينفة وقال الشافعى والبتى وابن المنذر: لا يشترط ذلك لقول الله تعالى: ﴿لو لا جاؤوا عليه بأربعة شهداء﴾ ولم يذكر المجلس، ولنا أن أبا بكرة ونافعا وشبل بن معبد، شهدوا عند عمر على المغيرة بن شعبة، ولم يشهد زياد، فحد الثلاثة، ولو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحدهم، لجواز أن يكملوا برابع فى مجلس آخر، ولأنه لو شهد ثلاثة فحدهم، ثم جاء أربع فشهد لم تقبل شهادته، ولو لا اشتراط المجلس لكملت شهادتهم، وبهذا فارق سائر الشهادات، وأما الآية فإنها لم تتعرض للشروط، ولهذا لم تذكر العدالة وصفة الزنا. ولأن قوله: ﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم﴾ لا يخلو من أن يكون مطلقا فى الزمان كله، أو مقيدا، لا يجوز أن يكون مطلقا، لأنه يمنع من جواز حدهم، لأنه ما من زمن إلا يجوز أن يأتى فيه بأربعة شهداء أو بكمالهم، فيمتنع جلدهم المأمور به، فيكون تناقضا. وإذا ثبت أنه مقيد فأولى ما قيد بالمجلس، لأن المجلس كله بمنزلة الحال الواحدة. وإذا ثبت هذا فإنه لا يشترط اجتماعهم حال مجيئهم، ولو جاؤوا متفرقين واحدا بعد واحد فى مجلس واحد، قبل شهادتهم. ٤٧٢ يشترط فى شهود الزنا سبعة شروط إعلاء السنن وقال مالك وأبو حنيفة: "إن جاؤوا متفرقين فهم قذفة، لأنهم لم يجتمعوا فى مجيئهم، فلم تقبل شهادتهم"، (وأيضا فلما شهد الأول وحده كان قاذفا بظاهر قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنت لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ فاقتضى أن يكون الأربعة غيره، إذ غير جائز أن يكون المعقول منه دخوله فى الأربعة، لأنه لا يقال: انت بنفسك بعد الشهادة أو القذف، ولأنهم لم يختلفوا أنه إذا قال لها: أنت زانية، أنه مكلف لأن يأتى بأربعة غيره يشهدون بالزنا وليس هو منهم. فكذلك قوله: أشهد أنك زانية، وإذا كان كذلك، فقد اقتضى ظاهر الآية إيجاب الحد على كل قاذف، سواء كان قذفه بلفظ الشهادة أو بغير لفظها، فلما كان ذلك حكم الأول كان كذلك حكم الثانى والثالث والرابع. فإن قيل: إنما أوجب الله عليه الحد إذا كان قاذفا ولم يجيئ مجيئ الشهادة، فأما إذا جاء شاهد، أو قال: أشهد أن فلانا زنا فليس هذا بقاذف، قلنا: قذفه إياها بلفظ الشهادة لا يخرجه من حكم القاذفين، ألا ترى أنه لو لم يشهد معه غيره لكان قاذفا، وكان الحد له لازما؟ وإنما ينفصل .. حكم الرامى من حكم الشاهد إذا جاء أربعة مجتمعين، وهم العدد المشروط فى قبول الشهادة، فلا يكونون مكلفين لأن يأتوا بغيرهم. فأما ما دون الأربعة إذا جاؤوا قاذفين بلفظ الشهادة أو بغير لفظها فإنهم قذفة، إذ هم مكلفون للإتيان بغيرهم فى صحة قذفهم، كذا فى "أحكام القرآن". للجصاص (٢٨٢:٣). قال الموفق: ولنا قصة المغيرة بن شعبة، أن الشهود جاؤوا واحدا بعد واحد، وسمعت شهادتهم، وإنما حدوا لعدم كما لها، (قلت: بل جاؤوا فى مجلس الحكم مجتمعين، وإنما تقدموا للشهادة واحدا بعد واحد، بدليل ما فى "المستدرك" للحاكم بلفظ: "مارتحل القوم أبو بكرة وشهوده، والمغيرة بن شعبة، حتى قدموا المدينة على أمير المؤمنين، فقال: هات ما عندك يا أبا بكرة! قال: أشهد أنى رأيت الزنا محصنا، ثم قدموا أبا عبد الله أخاه، فشهد بمثله، ثم قدموا شبل بن معبد البجلى، فسأله، فشهد كذلك، ثم قدموا زيادا فقال: ما رأيت؟ فقال: رأيتهما فى لحاف، وسمعت نفسا عاليا ولا أدرى ما وراء ذلك، فكبر عمر وفرح، إذ نجا المغيرة. وضرب القوم إلا زيادا اهـ (٤: ٤٤٩). وما فى "فتوح البلدان" للبلاذرى: "فلما صار إلى عمر جمع بينه وبين الشهود، فقال نافع بن الحارث: رأيته، ثم شهد شبل بن معبد على شهادته، ثم أبو بكرة، ثم أقبل زياد رابعا، فلما نظر إليه عمر قال: أما أنى أرى وجه رجل أرجوا أن لا يرجم رجل من أصحاب رسول الله عَ ليه ج - ١١ يشترط فى شهود الزنا سبعة شروط ٤٧٣ على يده، ولا يخزى بشهادته، فقال زياد: رأيت منظرا قبيحا، وسمعت نفسا عاليا، وما أدرى أخالطها أم لا. ويقال: لم يشهد بشىء، فأمر عمر بالثلاثة فجلدوا" اهـ (٣٥٣) فقوله: "جمع(١) بينه وبين الشهود" صريح فى ما قلنا. قال الموفق: وفى حديثه: أن أبا بكرة قال: إن جاء آخر يشهد، أ كنت ترجمه؟ قال عمر: إى والذى نفسى بيده" اهـ (١٧٩:١٠). قلت: لم يثبت ذلك عندنا، وإن صح فمعناه لو كان جاء معنا آخر غير زياد يشهد بما شهدنا، وهو ظاهر. قال الجصاص: "وقد جلد عمر أبا بكرة وأصحابه لما نكل زياد عن الشهادة، ولم يقل لهم: ائتوا بشاهد آخر، يشهد بمثل شهادتكم. وكان ذلك بحضرة الصحابة، فلم ينكره عليه أحد منهم، ولو كان قبول شهادة شاهد واحد لو شهد معهم جائزا لوقف الأمر واستثبتهم، وقال: هل يشهد بمثل شهادتكم شاهد آخر؟ وإذا لم يقل ذلك ولم يوقف أمرهم بما عزم عليه من حدهم، دل على أنهم صاروا قذفة قد لزمهم الحد، وأنه لم يكن يبرئهم من الحد إلا شهادة أربعة آخرين" اهـ (٢٨٢:٣). فإن قيل: "فما بال الزنا قد فاق القتل فاكتفى فى إثباته بشاهدين، والإقرار مرة، ولم يكتف فى الزنا بأقل من أربعة شهود، ولا بالإقرار مرة". ولم يكتف فى الزنا بأقل من أربعة، والله لا يحب أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا. ففى اشتراط الأربعة يتحقق معنى الستر وهو مندوب إليه، والإشاعة ضده. قال المحقق فى "الفتح": "وإذا كان الستر مندوبا إليه ينبغى أن تكون الشهادة به خلاف الأولى، وهذا يجب أن يكون بالنسبة إلى من لم يعتد الزنا، ولم يتهتك به. وأما إذا وصل الحال إلى إشاعته، والتهتك به، بل بعضهم ربما افتخر به، فيجب كون الشهادة به أولى من تركها، لأن مطلوب الشارع إخلاء الأرض من المعاصى، والفواحش بالخطابات المفيدة لذلك، وذلك يتحقق بالتوبة من الفاعلين، والزجر لهم، فإذا ظهر حال الشره فى الزنا مثلا، وعدم المبالاة به وإشاعته فإخلاء الأرض حينئذ بالتوبة احتمال، فيجب تحقيق السبب الآخر للإخلاء وهو الحدود" اهـ ملخصا (٥: ٥). (١) وهو كذلك فى تاريخ الطبرى بسنده بلفظ: "وارتحل المغيرة وأبو بكرة، ونافع بن كلدة، وزياد، وشبل بن معبد، حتى قدموا على عمر، فجمع بينهم وبين المغيرة فقال المغيرة: سل هؤلاء إلا عيد كيف رأونى مستقبلهم أو مستدبرهم؟ وكيف رأوا المرأة أو عرفوها؟ فإن كانوا مستقبلى فكيف لم أستتر؟ أو مستدبرى فبأى شىء استحلوا النظر إلى فى منزلى على امرأتى؟ والله ما أتيت إلا امرأتى، والله ما أتيت إلا امرأتى وكانت شبهها إلخ (٢٠٧:٤). ٤٧٤ إعلاء السنن باب ستر موجبات الحد مندوب إليه ٣٥٧٧- عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى عّ لّه قال: ((لا يستر عبد عبدا فى الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة)) رواه مسلم (٢: ٣٣٢). ٣٥٧٨- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله عَ ◌ّه قال: ((تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغنى من حد فقد وجب)). رواه أبو داود (٢٥٣:٣) وسكت عنه ورواه النسائي والحاكم وصححه (نيل الأوطار ٢٢:٧). باب کیف یسأل الإمام المقر بالزنا ٣٥٧٩- حدثنا محمد بن سليمان الأنبارى نا وكيع عن هشام بن سعد قال: حدثنى يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه قال: " كان ماعز بن مالك يتيما فى حجر أبى، فأصاب جارية من الحى، فقال له أبى: انت رسول الله عَّ له، فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك، وإنما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرجا. قال: فأتاه، قال: يا رسول الله! وروى عبد الرزاق والبيهقى عن عمر فى حديث له "إنما جعل الله أربعة شهداء سترا، ستركم الله به دون فواحشكم، فلا يطلعن ستر الله أحد، ألا وأن الله لو شاء لجعله واحدا، أو صادقا" كذا فى كنز العمال (٨٦:٣). وفيه تائيد لما قلنا إن فى اشتراط الأربعة معنى الستر. فللّه الحمد على الموافقة. باب ستر موجبات الحد مندوب إليه قال المؤلف: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة. وإنما قيل بالاستحباب لأن سياق الحديثين يعطى معناه، كما يظهر بالذوق السليم، على أن عليه دليلا صريحا، وهو آخر أول الحديث من الباب الآتى. باب كيف يسأل الإمام القر بالزنا قوله: "حدثنا محمد" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. وفى الزيلعي (٧٧:٢) بعد قول صاحب التنقيح "صالح": "وهشام بن سعد روى له مسلم، وقد تكلم فيه من قبل حفظه. ويزيد بن نعيم روى له مسلم أيضا. وذكره ابن حبان فى الثقات، وأبوه نعيم ذكره فى الثقات أيضا. وهو مختلف فى صحبته، فإن لم ينبت صحبته فآخر هذا الحديث مرسل انتهى. قلت: وفى "تهذيب التهذيب" (٤٦٧:١٠): "لم أره عند ابن حبان إلا فى الصحابة، ٤٧٥ ج - ١١ باب کیف یسأل الإمام المقر بالزنا إنى زنيت فأقم على كتاب الله. فأعرض عنه، فعاد، فقال: يا رسول الله! إنى زنيت فأقم على كتاب الله، حتى قالها أربع مرات، فقال النبى معَّ له: ((إنك قد قلتها أربع مرات، فبمن))؟ قال بفلانة، قال: ((هل ضاجعتها))؟ قال: "نعم". قال: ((هل باشرتها))؟ قال: وكذا ذكره فيهم ابن قانع والعسكرى وابن مندة" اهـ. قال بعض الناس: "لم أر مبنى الاختلاف فى الصحبة، فإن كان ذكر ابن حبان إياه فى الثقات، فهو وهم، كما يظهر من عبارة تهذيب التهذيب المذكورة". قلت: لم يراجع الرجل كتاب الإصابة، وإلا لظهر له مبنى الاختلاف، قال الحافظ فى الإصابة: وذكره ابن السكن فى الصحابة، ثم قال: يقال: ليست له صحبة، والصحبة لأبيه. وصوب ذلك ابن عبد البر وسيأتى بيان الاختلاف فى سند حديثه فى ترجمة هزال أهـ (٢٥٠:٦). ثم قال فى ترجمة هزال بن يزيد بن ذئاب الأسلمى: قال ابن حبان: له صحبة، وحديثه عند النسائى من رواية ابنه نعيم بن هزال، أن هزالا كانت له جارية، وأن ماعزا وقع عليها، فقال له هزال: انطلق فأخبر رسول الله عَ ليه، فأخبره فأمر به فرجم، فقال النبى معَّ لهزال: يا هزال! لو سترته بشوبك لكان خيرا لك". وأخرج الحاكم فى المستدرك من طريق شعبة عن ابن المنكدر عن ابن هزال عن أبيه نحوه (٢٨٤:٦). وعلى هذا فآخر الحديث عند أبى داود مرسل، كما قاله الزيلعى، إلا أن يقال: إن يزيد سمعه من أبيه نعيم، ونعيم سمعه من أبيه هزال. وذلك وإن لم يرد به التصريح فى رواية أبى داود، ولكن لما كان أول الحديث من مسموع نعيم عن أبيه هزال، فليكن آخره كذلك لا سيما وقد وقع التصريح بذلك فى رواية الحاكم. والله تعالى أعلم. قال الموفق فى المغنى: يعتبر فى صحة الإقرار أن يذكر حقيقة الفعل لتزول الشبهة، لأن الزنا يعبر عما ليس بموجب للحد. وقد روى عن ابن عباس أن النبى معَ ◌ّه قال لماعز: "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت". قال: "لا". قال: "أفنكتها"؟ لا يكنى. قال: "نعم"، فعند ذلك أمر برجمه. رواه البخارى، وفى رواية عن أبى هريرة: أفنكتها؟ قال: "نعم". قال: "حتى غاب ذلك منك فى ذاك منها"؟ قال: "نعم" قال: "كما يغيب المرود فى المكحلة، والرشاء فى البئر"؟ قال: "نعم". قال: "فهل تدرى ما الزنا"؟ قال: "نعم، أتيت منها حراما ما يأتى الرجل من امرأته حلالا". وذكر الحديث. رواه أبو داود (١٦٨:١٠). ٤٧٦ شروط صحة الإقرار بالزنا إعلاء السنن "نعم" قال ((هل جامعتها))؟ قال: "نعم". قال: فأمر به أن يرجم، فأخرج به إلى الحرة، فلما رجم فوجد مس الحجارة فجزع، فخرج يشتد، فلقيه عبد الله بن أنيس، وقد عجز أصحابه، فنزع له بوظيف بعير، فرماه به، فقتله، ثم أتى النبى معَّهِ، فذكر له ذلك، شروط صحة الإقرار بالزنا: قال الموفق: ويشترط لصحة الإقرار أن يكون المقر بالزنا بالغا صحيحا عاقلا. أما البلوغ، والعقل، فلا خلاف فى اعتبارهما فى وجوب الحد، وصحة الإقرار، لأن الصبى والمجنون قد رفع القلم عنهما، (بدليل ما ذكرناه قبل فى شروط وجوب الحد). وكذا النائم مرفوع عنه القلم، فأما السكران ونحوه فعليه حد الزنا، والسرقة، والشرب والقذف إن فعل ذلك فى سكره، لأن الصحابة رضى الله عنه أوجبوا عليه حد الفرية لكون السكر مظنة لها، ولأنه تسبب إلى هذه المحرمات بسبب لا يعذر فيه، فأشبه من لا عذر له، ولأن إسقاط الحد عنه يفضى إلى أن من أراد فعل هذه المحرمات شرب الخمر وفعل ما أحب، فلا يلزمه شىء، فأما إن أقر بالزنا وهو سكران لم يعتبر إقراره، لأنه لا يدرى ما يقول؟ ولا يدل قوله على صحة خبره، فأشبه قول النائم والمجنون، وقد روى بريدة: "أن النبى معَِّ استنكه ماعزا". رواه أبو داود. وإنما فعل ذلك ليعلم هل هو سكران أو لا؟ ولو كان السكران مقبول الإقرار لما احتج إلى تعرف براءته منه. وأما الصحيح فالمراد به الصحيح من المرض عند القاضى، يعنى أن الحد لا يجب عليه فى مرضه وإن وجب. فإنه إنما يقام عليه الحد بما يؤمن به تلفه، فإن خيف ضرر عليه ضرب ضربة واحدة بضغت فيه مائة شمراخ، أو عود صغير (قلت: وسيأتى دليله بالنص). ويحتمل أن يراد بالصحيح الذى يتصور منه الوطء، فلو أقر بالزنا من لا يتصور منه كالمجبوب، فلا حد علیه، لأنا نتيقن أنه لا يتصور منه الزنا الموجب للحد، ولو قامت به بينه فهى كاذبة، وعليها (أى على شهود البينة) الحد. نص عليه أحمد. (قلت: ويدل على انتفاء الحد عن المجبوب، ما رواه الحاكم عن أنس رضى الله عنه: "أن رجلًا (هو ابن عم مارية اسمه مايور الخصى عده الحافظ فى الإصابة من الصحابة) كان يتهم بأم إبراهيم ولد رسول الله عَّه، فقال رسول الله عَّ لعلى: أذهب فاضرب عنقه، فأتاه على رضى الله عنه فإذا هو فى ركى يتبرد فيها، فقال له على: أخرج! فناوله يده فإذا هو مجبوب لیس له ذ کر ". قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم وسكت عنه الذهبى (٤: ٤٠). والحديث أخرجه مسلم، وزاد: فكف عنه على، ثم أتى النبى معَِّ، فقال: "يا رسول الله! إنه لمجبوب ما له ج - ١١ شروط صحة الإقرار بالزنا ٤٧٧ فقال: هلا تركتموه؟ لعله أن يتوب، فيتوب الله علیه)) رواه أبو داود (٢: ٢٥٨) وسكت عنه. وفى "التلخيص الحبير" (٢: ٣٥٢): "إسناده حسن" وفى الزيلعى (٢: ٧٧): وزاد ذكر. كذا فى "الإصابة" (١٤:٦). وإن كان كذلك فقد وهم الحاكم فى استدراكه على الصحيحين). وإن أقر الخصى أو العنين فعليه الحد، وبهذا قال الشافعى، وأبو ثور، وأصحاب الرأى، لأنه يتصور منه ذلك فقبل إقراره، كالشيخ الكبير. حکم إقرار الأخرس بالزنا: وأما الأخرس، فإن لم تفهم إشارته فلا يتصور منه إقرار، وإن فهمت إشارته، فقال القاضى: عليه الحد. وهو قول الشافعى وابن القاسم صاحب مالك وأبى ثور وابن المنذر، لأن من صح إقراره بغير الزنا صح إقرار به كالناطق (وفيه ما فيه. فإن الحد يندرا بالشبهة). وقال أصحاب أبى حنيفة: لا يحد بإقرار ولا بينة، لأن الإشارة تحتمل ما فهم منها وغيره، فيكون ذلك شبهة فى درء الحد، لكونه مما يندرا بالشبهات، ولا يجب بالبيئة لاحتمال أن يكون له شبهة لا يمكنه التعبير عنها، ولا يعرف كونها شبهة اهـ (١٧١:١). قال: "ومن جملة شروط إقامة الحد بالإقرار البقاء عليه إلى تمام الحد. فإن رجع عن إقراره، أو هرب، كف عنه. وبهذا قال عطاء ويحيى بن يعمر والزهرى وحماد ومالك والثورى والشافعى وإسحاق وأبو حنيفة وأبو يوسف (فالمسألة مما أجمع عليه الأئمة الأربعة) وقال الحسن وسعيد بن جبير وابن أبى ليلى: يقام عليه الحد ولا يترك، لأن ماعزا هرب فقتلوه، ولم يتركوه. وروى أنه قال: "ردونى إلى رسول الله عرّ ◌ُّه، فإن قومى هم غرونى من نفسى، وأخبرونى أن رسول الله عَ لّه غير قاتلی. فلم ینزعوا عنه حتى قتلوه. أخرجه أبو داود. ولو قبل رجوعه للزمتهم ديته، ولأنه حق وجب بإقراره، فلم يقبل رجوعه كسائر الحقوق. ولنا أن ماعزا هرب فذكر للنبى مّ له، فقال: "هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه". قال ابن عبد البر: ثبت من حديث أبى هريرة وجابر ونعيم ابن هزال ونصر بن داهر، وغيرهم أن ماعزا لما هرب فقال لهم ردونی إلى رسول الله عَ ◌ّه (فذكر ذلك له). فقال: "هلا تركتموه، يتوب فيتوب الله عليه" ففى هذا أوضح الدلائل على أنه يقبل رجوعه ولأن رجوعه شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، وفارق سائر الحقوق، فإنها لا تدرأ بالشبهات. وإنما لم يجب ضمان ماعز على الذين قتلوه بعد هربه، لأنه ليس بصريح فى الرجوع. إذا ثبت هذا فإنه إذا هرب لم يتبع، لقول النبى معَّ له: ((هلا تركتموه)). وإن لم يترك، وقتل لم يضمن، لأن النبى عّ لّه لم يضمن ماعزا من قتله. ولأن هربه ليس بصريح فى الرجوع، وكذا إن ٤٧٨ شروط صحة الإقرار بالزنا إعلاء السنن فيه أحمد: "قال هشام: فحدثنى يزيد بن نعيم عن أبيه أن رسول الله عّ لّه قال له حين قال: "ردونى إلى الحاكم" وجب رده، ولم يجز إتمام الحد، فإن أتم فلا ضمان لما ذكرنا. وإن رجع عن إقراره بأن قال: كذبت فى إقرارى، أو رجعت عنه، أو لم أفعل ما أقررت به، وجب تركه فإن قتله قاتل بعد ذلك وجب ضمانه، لأنه قد زال إقراره بالرجوع عنه، فصار كمن لم يقر، ولا قصاص على قاتله، لأن أهل العلم اختلفوا فى صحة رجوعه. فكان اختلافهم شبهة دارئة للقصاص، ولأن صحة (الرجوع عن) الإقرار مما يخفى، فيكون ذلك عذرا مانعا من وجوب القصاص" اهـ (١٧٤:١٠). قلت: وقواعدنا تساعد ما ذكره الموفق فى سقوط القصاص عمن قتله بعد الرجوع عن الإقرار صريحاً، ووجوب الضمان عليه. والله تعالى أعلم. قال: "ولا يصح الإقرار من المكره، فلو ضرب الرجل ليقر بالزنا لم يجب عليه الحد، ولم يثبت عليه الزنا. ولا نعلم من أهل العلم خلافا فی أن إقرار المکره لا یجب به حد، وروی عن عمر رضى الله عنه أنه قال: ليس الرجل بأمين على نفسه إذا جوعته، أو ضربته، أو أوثقته، رواه سعيد" اهـ (١٧٢:١٠). وقال الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له: " ومن ظن به، أو توهم عليه سرقة، أو غير ذلك، فلا ينبغى أن يعزر بالضرب، والتوعد، والتخويف، فإن من أقر بسرقة، أو بحد، أو بقتل، وقد فعل ذلك به، فليس إقراره ذلك بشىء، ولا يحل قطعه، ولا أخذه بما أقر به. حدثنى الشيبانى عن على ابن حنظلة عن أبيه قال: قال عمر رضى الله عنه: "ليس الرجل بمأمون على نفسه، إن أجعته أو أخفته أو حبسته أن يقرر على نفسه". قال: وحدثنى محمد بن إسحاق عن الزهرى قال: "أتى طارق بالشام برجل قد أخذ فى تهمة سرقة، فضربه، فأقر به، فبعث به إلى عبد الله بن عمر رضى الله عنه يسأله عن ذلك، فقال ابن عمر: لا يقطع فإنه إنما أقر به بعد ضربه إياه" اهـ (٢٠٩). فائدة: عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: " توفى عبد الرحمن بن حاطب، وأعتق من صلى من رقيقه وصام، وكانت له نو بية قد صلت وصامت، وهى أعجمية لم تفقه، ولم يرعه إلا حبلها، وكانت ثييا، فذهب إلى عمر فزعاً فحدثه، فقال له عمر: "لأنت الرجل لا يأت بخير" (كره عدم ستره عليها) فأفزعه ذلك، فأرسل إليها عمر، فسألها فقال: حبلت؟ فقالت: نعم من مرعوش بدرهمين، وإذا هى تستهل بذلك، ولا تكتمه، تصادف عنده عليا، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، فقال: أشيروا على، فقال على وعبد الرحمن: قد وقع عليها الحد، فقال: أشر على يا عثمان، فقال: قد أشار عليك أخواك، فقال: أشر على أنت فقال: عثمان أراها تستهل به، كأنها لا تعلمه، ولا ترى به بأسا، وليس الحد إلا على من علمه، قال: صدقت، والذى نفسى بيده ٤٧٩ ج - ١١ شروط صحة الإقرار بالزنا رآه: ((والله يا هزال لو كنت سترته بشوبك، لكان خيرا لك مما صنعت به)). قال فى "التنقيح": "إسناده صالح". مالحد إلا على من علمه". رواه الشافعى وعبد الرزاق والبيهقى (كنز العمال ٨٧:٣). وقد تقدم أن الحافظ ذكره فى التلخيص مختصرا وسكت عنه، وأخرجه الشافعى فى مسنده: أخبرنا مسلم بن خالد الزنجى عن ابن جريج عن هشام بن عروة عن أبيه، أن يحمى ابن حاطب حدثه، فذكره وزاد: فجلدها عمر مائة، وغربها عاما (٩٨). وهذا سند حسن، ولعله جلدها وغربها تعزيرا لا حدا وقد جلدها بعد قوله: "والذى نفسى بيده ما الحد إلا على من علمه فهو دليل على أن الجلد والتغريب لم يكن حدا بل سياسة وتعزيرا. ويمكن أن يقال: إنها كانت ثيبا بمولاها، ولم تكن تزوجت بعده، فلم تك محصنة، وحد مثلها الجلد دون الرجم، فقد روی عبد الرزاق عن إبراهيم النخعى أن عليا قال: فى أم الولد إذا أعتقها سيدها أو مات عنها ثم زنت، فإنها تجلد ولا تنفی. وقال عبد الله: تجلد وتنفی ولا ترجم (کنز ٨٨:٣). عن: النزال بن سبرة قال: أنا بمكة إذا نحن بامرأة اجتمع عليها الناس، حتى كادوا أن يقتلوها، وهم يقولون: زنت زنت، فأتى بها عمر بن الخطاب وهى حبلى، وجاء معها قومها فأثنوا عليها خيرا، فقال عمر: أخبرينى عن أمرك، قالت: يا أمير المؤمنين! كنت امرأة أصيب من هذا اللیل، (أی أرزق فيه صلاة) فصليت ذات ليلة، ثم نمت، فقمت ورجل بين رجلى، فقذف فى مثل الشهاب، ثم ذهب، فقال عمر: لو قتل هذه من بين الجبلين أو الأخشبين لعذبهم الله، فخلى سبيلها، وكتب إلى الآفاق: أن لا تقتلوا أحدا إلا بإذنی رواه ابن أبى شيبة، وابن جرير، والبيهقى (كنز العمال، ٨٧:٣). وأخرجه الإمام أبو يوسف فى الخراج له (١٨٣). قال: "حدثنا الحسن بن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة نحوه" اهـ. وقد وقع فيه تصحيف، وإنما هو حدث! الحسن عن عبد الملك ابن ميسرة عن النزال بن سبرة، والله تعالى أعلم. وروى عبد الرزاق عن طارق بن شهاب، قال: بلغ عمر أن امرأة متعبدة حملت، قال عمر: أراها قامت من اللیل تصلی فخشعت، فسجدت فأتاها غاو من الغواة فتجشمها؛ فأتته، فحدثته بذلك سواء فخلى سبيلها (كنز ٨٦:٣). وعن كليب الجرمى أن أبا موسى كتب إلى عمر فى امرأة قالت: إن رجلا أتانى وأنا نائمة، فوالله ما علمت حتى قذف فى مثل شهاب النار، فكتب عمر: تهامية تنومت قد يكون مثل هذا، وأمر أن يدرأ عنها الحد. رواه عبد الرزاق أيضا، وتعدد الطرق يفيد قوة، وفى كل ذلك دليل على أن لا تحد المرأة بمجرد ظهور الحمل ما لم تقر بالزنا طائعة، وستأتى الكلام على المسألة مبسوطا فانتظر. ـد HI. رم 3 € ٤٨٠ إعلاء السنن ٣٥٨٠- عن أبى هريرة رضى الله عنه يقول: جاء الأسلمى إلى نبى الله عَ ليه، فشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حراما أربع مرات، كل ذلك يعرض عنه النبى عدد، فأقبل فى الخامسة فقال: "أنكتها"؟ قال: "نعم" قال: ((حتى غاب ذلك منك فى منها))؟ قال: "نعم". قال: ((كما يغيب المرود فى المكحلة والرشاء فى البئر؟)) قال: "نعم". قال: ((هل تدرى ما الزنا))؟ قال: "نعم. أتيت منها حراما ما يأتى الرجل من امرأته حلالا". قال: ((وما تريد بهذا القول))؟ قال: "أريد أن تطهرنى". فأمر به فرجم. فسمع نبی الله عێ ر جلین من أصحابه. الحديث. رواه أبو داود (٣: ٢٦٠) وسكت عنه. باب استحباب ستر ما يوجب الحد على نفسه ٣٥٨١- عن ابن عمر رضى الله عنهما مرفوعًا: ((اجتنبوا هذه القاذورات التى نهى الله تعالى عنها، فمن ألم بشىء منها فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله، فإنه من يبدلنا صفحته نقم عليه كتاب الله)) رواه الحاكم فى المستدرك، والبيهقى فى السنن (الجامع الصغير ١: ٨). قوله: "عن أبى هريرة" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. باب استحباب ستر ما یوجب الحد علی نفسه قال: المؤلف: دلالة حديثى الباب عليه من حيث أن فيه لفظ الأمر، وظاهره الوجوب، لكن هناك قرينة صارفة عنه، وهو ما ورد فى الحديث الذى مر فى الباب المار قبل هذا من إقرار ماعز، ولم ينكر ◌َّ على إقراره فقلنا باستحباب الستر على نفسه، وقال ابن حزم فى "المحلى": إن. اعتراف المرء بذنبه عند الإمام أفضل من الستر، وأن الستر مباح بالإجماع، واحتج بما رواه مسلم عن عبادة فى حديث البيعة: "فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئا فستره الله عليه فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه". قال ابن حزم: فارتفع الإشكال، وصح بنص كلام رسول الله عَ له، وإعلامه أمته، ونصيحته إياهم بأحسن ما علمه ربه تعالى، أن من أصاب حدا فستره الله عليه فإن أمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، وأن من أقيم عليه الحد فقد سقط عنه ذلك الذنب، وكفره الله تعالى عنه، وبالضرورة ندرى أن يقين المغفرة أفضل من التعزير فى إمكانها أو عذاب الآخرة" (١٥١:١١). قلت: لا دلالة فى قوله مّ له: ((من أصاب شيئا فعوقب به فهو كفارة له" على استحباب إعتراف المرء بذنبه، لكونه محتملا للعقوبة السماوية أو الحد الثابت بالبينة، والذى قال ذلك هو الذى قال: "فمن ألم جلد تغير فار غير 30 F