Indexed OCR Text
Pages 401-420
2 ج - ١١ من نذر نذرا فى معصية أو فيما لا يطيقه فكفارتهما كفارة يمين ٤٠١ وكفارتها كفارة اليمين)). رواه النسائي (١٤٨:٢). وسكت عنه، فهو صحيح عنده على قاعدته. وفى "التلخيص الحبير" (٣٩٩:٢): "وقال النووى فى الروضة: حديث: ((لا نذر فى معصية وكفارته كفارة اليمين))، ضعيف باتفاق المحدثين. قلت: قد صححه الطحاوى وأبو على بن السكن، فأين الاتفاق" اهـ. قلت: وقد صححه أيضا عبد الحق فى الأحكام، وابن القطان، كما فى "الجوهر النقى" (٢٣٨:٢). قال: "لا يصح". قال الحافظ فى الفتح: "ولكن له شاهد من حديث عمران بن حصين، أخرجه النسائى وضعفه، وشواهد أخرى ذكرتها آنفا. وأخرج الدار قطنى من حديث عدى بن حاتم نحوه، وفى الباب أيضا عموم حديث عقبة بن عامر: ((كفارة النذر كفارة اليمين)). أخرجه مسلم. وفى الباب حديث ابن عباس أخرجه أبو داود (وقد ذكرناه فى المتن) ورواته ثقات، لكن أخرجه ابن أبى شيبة موقوفا، وهو أشبه (قلت: قد تقرر فى الأصول أن الحكم للرافع إذا كان ثقة). وأخرجه الدار قطنى من حديث عائشة" اهـ (٥٠٩:١١). قلت: وهل كلامهم فى حديث عائشة إلا تحكم بالباطل، ومناقضة للأصول، فقد صرحوا بأن المدلس مثل الوليد وبقية وابن إسحاق وغيرهم إذا صرح بالتحديث وهو ثقة زالت علة التدليس، وصح الحديث بلا شبهة. فما لهم لا يصححون حديث عائشة هذا؟ وقد صرح الزهرى فيه بالتحديث عند النسائى، وقال: حدثنا أبو سلمة كما ذكرناه فى المتن، والزهرى مشهور بالإمامة والجلالة من التابعين. وقال الذهبى فى الميزان: " كان يدلس فى النادر" (١٢٦:٢). قال السندى فى حاشية النسائى: قوله: لا نذر فى معصية. ليس معناه لا ينعقد أصلا، إذ لا يناسب ذلك قوله: وكفارته إلخ، بل معناه ليس فيه وفاء، وهذا هو صريح بعض الروايات الصحيحة، فإن فيها: ((لا وفاء لنذر فى معصية)). وقوله: وكفارته كفارة اليمين. معناه أنه ينعقد يمينا يجب فيه الحنث، وهذا هو مذهب أبى حنيفة. ولا يخفى أن حديث: "ومن نذر أن يعصى الله (فلا يعصه) وأمثاله لا ينفى ذلك، فلا حجة للمخالف فيه. نعم! هم يضعفون حديث وكفارته كفارة اليمين، ويقولون: إن فى سنده سليمان بن أرقم وهو ضعيف، وأنت خبير بأن الحديث قد سبق عن عقبة بن عامر وسيجئ عن عمران ابن حصين وحديث عائشة فى بعض إسناده عن الزهرى عن أبى سلمة. وفى بعضها حدثنا أبو سلمة. وهذا يثبت سماع الزهرى من أبى سلمة، وفى بعضها عن سليمان بن أرقم أن يحيى بن أبي كثير حدثه أنه سمع أبا سلمة. وهذا الاختلاف يمكن دفعه بإثبات سماع الزهرى مرة عن سليمان عن يحيى عن أبى سلمة، ومرة ٤٠٢ من نذر نذرا فى معصية أو فيما لا يطيقه فكفارتهما كفارة يمين إعلاء السنن ٣٥٣٣- عن عقبة بن عامر قال: "نذرت أختى أن تحج ماشية غير مختمرة، فذكرت ذلك لرسول الله عَّ له، فقال: مر أختك فلتخمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام". أخرجه الترمذى وقال: حديث حسن. وأخرجه أبو داود، ورجال إسناده ثقات خلا عبيد الله بن زحر فإنه متكلم فيه، وقد أخرج له الحاكم فى "المستدرك" ولم يضعفه البيهقى فى سننه فى موضع من المواضع، بل قد حكى عن البخارى أنه وثقه، وذکر الترمذى أيضا فى العلل توثيقه عن البخارى. كذا فى "الجوهر النقى" ٢٣٩:٢). عن أبى سلمة نفسه وعند ذلك لا قطع بضعفه سيما وحديث عقبة وعمران يؤيد الثبوت، والله تعالى أعلم (١٤٨:٢). وقد عرفت أن الطحاوى وابن السكن وعبد الحق وابن القطان صححوه فهذا هو المعول. قال القارى فى المرقاة: "ورحم الله من أنصف فى طريق الهدى، ولم يتعسف إلى طريق الهوى" اهـ. وقال الحافظ فى الفتح: "واختلف فيمن وقع منه النذر فى ذلك أى فى المعصية، هل يجب فيه كفارة؟ فقال الجمهور: لا! وعن أحمد (وهو الصحيح من مذهبه كما صرح به الموفق فى "المغنى" ٣٣٥:١١) والثورى وإسحاق وبعض الشافعية والحنفية (كلهم): نعم! ونقل الترمذى اختلاف الصحابة كالقولين، واتفقوا على تحريم النذر فى المعصية (ولا يحل الوفاء به إجماعا. صرح به الموفق فى "المغنى")، واختلافهم إنما هو فى وجوب الكفارة" اهـ (٥٠٩:١١). وقال الموفق فى "المغنى": " نذر المعصية لا يحل الوفاء به إجماعا، ويجب على الناذر كفارة یمین. روی نحو هذا عن ابن مسعود وابن عباس وجابر وعمران بن حصين وسمرة بن جندب، وبه قال الثوری وأبو حنيفة وأصحابه. وروى عن أحمد ما يدل على أنه لا کفارة علیه. وروى هذا عن مسروق والشعبى وهو مذهب مالك والشافعى يقول رسول الله مَّ ل: ((لا نذر فى معصية الله)). رواه مسلم، ووجه الأول ما روث عائشة. فذكر ما ذكرناه. وعن أبى هريرة وعمران بن حصين مرفوعا مثله، وهذا نص. قال أحمد: إليه أذهب. فأما أحاديثهم فمعناه لا وفاء بالنذر فى معصية الله، وهذا لا خلاف فيه، وقد جاء مصرحا به فى رواية مسلم، ولو لم يبين الكفارة فى أحاديثهم فقد بينها فى أحاديثنا" اهـ. ملخصا (٣٣٥:١١-٣٣٦). قوله: "عن عقبة" وقوله: "ثنا يونس" إلخ. قلت: قد ورد فى هذا الحديث ذكر الكفارة، وفى بعض طرقه ذكر الهدى، فالكفارة راجعة إلى نذر المعصية أى كشف الوجه، والهدى راجع إلى نذر المشى وعجزها منه، فإن نذر المشى ليس من نذر المعصية فى شىء، بل هو نذر بطاعة كما ج - ١١ من نذر نذرا فى معصية أو فيما لا يطيقه فکفارتهما كفارة يمين ٤٠٣ ٣٥٣٤- ثنا يونس أنا ابن وهب أنا يحيى بن عبد الله المعافرى عن أبى عبد الرحمن الجيلى عن عقبة بن عامر: "أن أخته نذرت أن تمشى إلى الكعبة حافية غير مختمرة، فذكر ذلك عقبة لرسول الله معّ له، فقال: مر أختك فلتركب ولتخمر ولتصم ثلاثة أيام". رواه الطحاوى فى "مشكله"، ويحيى قال فيه ابن معين: ليس به بأس، وأخرج له الحاكم فى "المستدرك"، وابن حبان فى صحيحه، وذكره فى الثقات، ثم ذكره الطحاوى من وجه آخر وفيه: "نذرت أن تحج ماشية ناشرة شعرها، فقال: لتر كب ولتصم ثلاثة أيام". قال الطحاوى: "وكشف وجهها حرام، فأمره رسول الله عَ ليه بالكفارة لمنع الشريعة إياها منه". كذا فى "الجوهر النقى" أيضا (السابق). ٣٥٣٥- أخبرنا أبو حنيفة حدثنا محمد بن الزبير عن الحسن عن عمران بن حصين عن النبى ◌ّ أنه قال: ((لا نذر فى معصية وكفارته كفارة يمين)). أخرجه محمد فى "الآثار" (١٠٥). وهذا سند حسن، ومحمد بن الزبير وإن ضعفه أئمة الجرح والتعديل ولكن أبا حنيفة روی عنه، وشیوخه ثقات عندنا وكذا روى عنه غير واحد من الأجلة، كالثورى وجرير بن حازم ويحيى بن أبى كثير وحماد بن زيد وإبراهيم بن طهمان وأبو بكر النهشلى وإسماعيل بن علية وغيرهم. كما فى التهذيب، واحتج أبو حنيفة بروايته فهو توثيق له منه، وسماع الحسن عن عمران ثابت كما حققه صاحب "الجوهر النقى" (٢: ٢٣٨). مر فى كتاب الحج، وسيأتى بعض ما يتعلق بهذا الحديث فى باب النذر بالمشى إلى بيت الله فانتظر. قوله: "أخبرنا أبو حنيفة" الحديث أخرجه النسائى فى المجتبى، وضعفه لأجل محمد الزبير + هذا (١٤٩:٢) وللحديث طرق وشواهد، فلا يضرنا ضعف محمد بن الزبير هذا. وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختياني قال: "سأل رجل سعيد بن المسيب عن رجل نذر نذرا لا ينبغى له ذكر لأنه معصية، فأمره أن يوفيه، ثم سأل عكرمة فنهاه عن الوفاء، وأمره بكفارة يمين. فرجع إلى سعيد بن المسيب فأخبره، فقال سعيد: لينتهين عكرمة أو ليوجعن الأمراء ظهره، فرجع إلى عكرمة فأخبره، فقال عكرمة: سله عن نذرك إطاعة لله هو أم معصية؟ فإن قال: معصية الله فقد أمرك بالمعصية، وإن قال: هو طاعة لله فقد كذب على الله، إذ زعم أن معصية الله طاعة له". أخرجه ابن حزم فى " المحلى" (١٧:٨). وسنده صحيح. ٤٠٤ من نذر نذرا فى معصية أو فيما لا يطيقه فكفارتهما كفارة يمين إعلاء السنن ٣٥٣٦ - أبو حنيفة عن الشعبى قال: "سمعته يقول: لا نذر فى معصية الله ولا كفارة. قال أبو حنيفة: فقلت له: قد ذكر فى الظهار: وإنهم ليقولون منكراً من القول وزورا، وجعل فيه الكفارة، فقال: أقياس أنت"؟ أخرجه الحافظ ابن خسرو فى مسنده هكذا، وأخرجه محمد فى "الآثار" مختصرًا، كذا فى "جامع المسانيد" (٢٥٥:٢). وفيه تصريح بسماع أبى حنيفة من الشعبى، وقد ورد عن ابن عباس عند الدار قطنى(١) وعند مالك فى "الموطأ" مثل ما قاله أبو حنيفة. قوله: "أبو حنيفة عن الشعبى" إلخ. قلت: وهذا مما قد وافق قياس أبى حنيفة قياس ابن عباس. قال محمد فى الموطأ: "أخبرنا مالك أخبرنى يحيى بن سعيد قال: سمعت القاسم ابن محمد يقول: أتت امرأة إلى ابن عباس، فقالت: إنى نذرت أن أنحر ابنى، فقال: لا تنحرى ابنك، وكفرى عن يمينك، فقال شيخ عند ابن عباس جالس: كيف يكون فى هذا كفارة؟ (أى وأنه نذر معصية)، قال ابن عباس: أرأيت إن الله تعالى قال: ﴿الذين يظاهرون من نسائهم﴾ (وفيه إنهم ليقولون منكرا من القول وزورا) ثم جعل فيه من الكفارة ما ترى" اهـ (٣٢٥). ومراده إثبات عدم المنافاة بين المعصية ووجوب الكفارة فيها، ولا شك أن استدلاله على ذلك بما ذكره تام لا غائلة فيه. الرد علی ابن حزم فی اجترائه علی ابن عباس بادحاض حجته: فاندحض ما أورده ابن حزم عليه بسخافة رأيه ونصه: "لا حجة لابن عباس فى هذه الآية أول ذلك أنه لم يجعل هو فى طاعة الشيطان التى شبهها بطاعته فى الظهار الكفارة التى فى الظهار ويكفى هذا" اهـ (١٥:٨). قلت: لا يتكلم بمثل هذا الكلام إلا من لا دراية له ولا فقه، فلا يخفى على من له مسكة أنه لا يجب(٢) فى قياس أحد الشيئين على الآخر مساواتهما فى جميع الأحوال ولا اتحادهما من كل وجه، وإلا لبطل قياس قضاء الحج عن الميت على قضاء دين العباد عنه، وهو وارد فى النص مرفوعا، وهل لابن حزم أن يقول بطلان هذا القياس، لكونه لم يجعل فى قضاء الحج (١) ولفظه: قال رجل من القوم: سبحان الله! كفارة فى معصية الله، فقال ابن عباس: نعم، قد ذكر الله الظهار وأمر بالكفارة اهـ (٤٩٤:٢). (٢): وظهر به الجواب عن قول ابن عبد البر حيث قال: لا معنى للاعتبار فى ذلك بكفارة الظهار، لأن الظهار ليس بنذر كذا فى "التعليق الممجد" (٣١٥). وهل هذا إلا كقول من يرد على أبى بكر قوله: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. بأن لا معنى للاعتبار فى ذلك بالصلاة، لأن الزكاة ليس بصلاة، فالجواب الجواب. والله الموفق للحق والصواب. ج - ١١ ٤٠٥ باب وحوب الإيفاء بنذره الطاعة معلقا كان أو منجزا لجاجا كان أو غيره إذا أطاقه وإلا فبقدر الطاقة ٣٥٣٧- عن سعيد بن الحارث، أنه سمع عبد الله بن عمر - وسأله رجل- يا أبا عبد الرحمن! إن ابنى كان بأرض فارس فيمن كان عند عمر بن عبيد الله، وأنه وقع بالبصرة طاعون شديد، فلما بلغ ذلك نذرت إن الله جاء بابنى أن أمشى إلى الكعبة، فجاء مريضًا فمات، فما ترى؟ فقال ابن عمر: أو لم تنهوا عن النذر؟ إن رسول الله عَّ له ما جعله فى قضاء الدين من أداء الدراهم والدنانير ونحوها إلى الدائن، فكما صح هذا القياس لاشتراکهما فی معنی الدین مع اختلافهما فی طریق الأداء فکذلك قیاس ابن عباس هذا. قال: "ثم لو طرد هذا القول لوجبت فى كل معصية كفارة يمين وهذا لا يقوله هو ولا غیرہ " اهـ قلت: إنما ورد قول ابن عباس هذا فی النذر بالمعصیة، فلا یطرد إلا باب النذر وما أشبهه، ومن لم يفرق بين نذر المعصية وبين كل معصية لا يجوز له أن ينطق فى الشرائع بحرف. قال: "وقد صح عنه فيمن قال لامرأته: أنت على حرام، أنها لا تحرم بذلك، ولم يجعل فيه كفارة، وهذا أصح أقواله" اهـ. قلت: قد روى عنه البخارى فى الصحيح قولين: أحدهما أنه قال فى الحرام: يكفر كما مر ذكره فى باب تحريم الحلال يمين. والثانى أنه قال: إذا حرم امرأته ليس بشىء. وكلا القولين صحيح لا منافاة بينهما، فمعنى قوله: ليس بشىء أى ليست امرأته حراما عليه، وليس معناه أنه ليس عليه يمين ولا كفارة. فقد ورد عنه التصريح بما قلنا عند النسائى وابن مردويه مع إيجاب الكفارة. وقد اخطأ ابن حزم حيث حمل قوله: "ليس بشىء"، على معنى نفى الكفارة، كما قدمناه فى باب تحريم الحلال يمين بما لا مزيد عليه فليراجع. ولا يرى أحد القولين .. منافيا للأخر إلا من ليس له مسكة فى فقه الأحكام. قال: "وقد رويناه عنه غير هذا من أمره بكبش، وفى رواية بدية النفس، وفى رواية بمائة . بدنة". وسیأتی الجواب عن کل ذلك فی باب النذر بذبح الولد إن شاء الله تعالی، ولا عجب ممن لا يراعى حرمة الصحابة، وينسبهم إلى الغلط فى القياس والأخذ بالرأى الباطل أن لا يراعى حرمة الأئمة، ويتكلم فيهم بما لا يليق بشأنهم، فإلى الله المشتكى. باب وجوب الإيفاء بنذر الطاعة معلقا كان أو منجزا لجاجا كان أو غيره إذا أطاقه وإلا فبقدر الطاقة قوله: "عن سعيد بن الحارث" إلخ، دلالته على معنى الباب ظاهرة، فإن نذر الرجل كان ٤٠٦ وجوب الإيفاء بنذر الطاعة إعلاء السنن قال: إن النذر لا يقدم شيئا ولا يؤخره، وإنما يستخرج به من البخيل، أوف بنذرك. أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٣٠٤:٤)، وصححه على شرط الشيخين، وأقره علیه الذهبى. مطلقا بشرط، ومع ذلك أفتاه ابن عمر بوجوب الإيفاء. قال المحقق فى الفتح: "وإن علق النذر بشرط فعليه الوفاء بنفس النذر، لإطلاق الحديث الذى رويناه من البخارى، (وهو ما روته عائشة مرفوعا: "من نذر أن يطيع الله فليطعه)". فإنه أمر بذلك من غير تقييد بمنجز ولا معلق، ولأن المعلق بالشرط كالمنجز عنده، فكأنه قال عند الشرط: لله على كذا. وعن أبى حنيفة أنه رجع عن ذلك أى عن لزوم عين المنذور إذا كان معلقا بالشرط، أى أنه مخير بين فعله بعينه، و كفارة يمين، وهو قول محمد. فإذا قال: إن فعلت كذا فعلى حجة أو صوم سنة. إن شاء حج أو صام سنة، وإن شاء كفر، فإن كان فقيرا صار مخيرا بين صوم سنة وصوم ثلاثة أيام. والأول وهو لزوم الوفاء به عينا هو المذكور فى ظاهر الرواية والتخيير عن أبى حنيفة فى رواية النوادر، وبهذا كان يفتى إسماعيل الزاهد. وقال الولوالجى: مشايخ بخارا وبلخ يفتون بهذا، وهو اختيار شمس الأئمة، قال: لكثرة البلوى فى هذا الزمان. وجه الظاهر النصوص من الآية الكريمة والأحاديث. ووجه رواية النوادر ما فى صحيح مسلم من حديث عقبة بن عامر عنه مرّه، قال: ((كفارة النذر كفارة اليمين)). فهذا يقتضى أن يسقط بالكفارة مطلقا، فيتعارض فيحمل مطلق الإيفاء بعينه على المنجز، ومقتضى سقوطه بالكفارة على المعلق. ولا يشكل لأن المعلق منتف فى الحال، فالنذر فيه معدوم، فيصير كاليمين فى أن سبب الإيجاب وهو الحنث منتف حال التكلم فيلحق به، بخلاف النذر المنجز لأنه نذر ثابت فى وقته، فيعمل فيه حديث الإيفاء. (قلت: وفى الاستدلال بحديث عقبة نظر، لما قدمنا من كونه واردا فى النذر المبهم، لوقوع التصريح به فى رواية الترمذى وغيره، والأولى الاستدلال بما سنذكره من الآثار). واختار المصنف والمحققون أن المراد بالشرط الذى تجزى فيه الكفارة الشرط الذى لا يريد کونه مثل دخول الدار و کلام فلان، فإنه إذا لم يرد كونه يعلم أنه لم يرد كون المنذور، حيث جعله مانعا من فعل ذلك الشرط، لأن تعلیق النذر على ما لا یرید کونه بالضرورة یکون لمنع نفسه عنه، فإن الإنسان لا يريد إيجاب العبادات دائما، وإن كانت مجلبة للثواب مخالفة أن يثقل فيتعرض للعقاب، ولهذا صح عنه مرّ له أنه نهى عن النذر، وقال: "إنه لا يأتى بخير" الحديث. وأما الشرط الذى يريد كونه مثل قوله: إن شفى الله مريضى فللّه على صوم شهر. فوجد الشرط لا يجزئه إلا فعل عين المنذور، لأنه إذا أراد كونه كان مريدا كون النذر، فكان النذر فى معنى المنجز، فيندرج ج - ١١ النذر بصدقة المال كله يقع على ما تجب فيه الزكاة من الأموال ٤٠٧ ٣٥٣٨- عن إسماعيل بن أمية عن عثمان بن أبى حاضر، قال: " حلفت امرأة مالى فى سبيل الله، وجاريتى حرة إن لم تفعل كذا، فقال ابن عباس وابن عمر: أما الجارية فتعتق، وأما قولها: مالى فى سبيل الله فيتصدق بزكاة مالها". أخرجه ابن حزم فى "المحلى" (٩:٨) وجزم به ولم يعله بشىء. فى حكمه وهو وجوب الإيفاء به، فصار محمل ما يقتضى الإيفاء المنجز والمعلق المراد كونه، ومحمل ما يقتضى إجزاء الكفارة المعلق الذى لا يراد كونه، وهو المسمى منه طائفة نذر اللجاج، وهو مذهب أحمد فيه كهذا التفصيل الذى اختاره المصنف" اهـ ملخصا (٣٧٦:٣). واحتج فى البدائع لظاهر الرواية بقوله جل شأنه: "ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله" الآية، وغيرها من نصوص الكتاب العزيز، والسنة المقتضية لوجوب الوفاء بالنذر عاما مطلقا من غير فصل بين المطلق والمعلق بالشرط. قال: واحتج أبو يوسف فى ذلك بأن وجوب الكفارة يؤدى إلى وجوب القليل بإيجاب الكثير، ووجوب الكثير بإيجاب القليل، لأنه لو قال: إن فعلت كذا فعلى صوم سنة، أو إطعام ألف مسكين، لزمه صوم ثلاثة أيام أو إطعام عشرة مساكين، ولو قال: إن فعلت كذا فعلى صوم أو إطعام مساكين أو صوم ثلاثة أيام. (أى ولا نظير له فى الشرح بل المعهود منه وجوب الشىء وفق الإيجاب). ولا حجة لهم (أى للقائلين بوجوب الكفارة فى نذر اللجاج) بالآية الكريمة أى قول عز وجل: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ لأن المراد بها اليمين بالله تعالى (ونذر اللجاج ليس منها). والحديث (أى قوله مظله: " كفارة النذر كفارة اليمين) محمول على النذر المبهم، وقولهم: إن هذا فى معنى اليمين بالله تعالى ممنوع، بأن النذر المعلق بالشرط صريح فى الإيجاب عند الشرط، واليمين بالله تعالى ليس بصريح فى الإيجاب، وكذا الكفارة فى اليمين بالله تجب جبرا لهتك حرمة اسم الله عز اسمه الحاصل بالحنث، وليس فى الحنث ههنا هتك حرمة اسم الله تعالى" اهـ (٩١:٥). قوله: "عن إسماعيل بن أمية" إلخ. دلالته علی معنی الباب ظاهرة، فإن ابن عمر وابن عباس أفتياها باعتاق الجارية وصدقة المال، ولم يفتياها بكفارة اليمين. النذر بصدقة المال كله يقع على ما تجب فيه الزكاة من الأموال: وفيه دلالة أيضا على أن النذر بصدقة المال كله يقع على الأموال التى فيها الزكاة من الذهب والفضة وعروض التجارة والسوائم ولا يدخل فيه مالا ز کاة فیه، فلا يلزم أن يتصدق بدور السكنی وثياب البدن والأثاث، والعروض التى لا يقعد بها التجار والعوامل، وأرض الخراج، وهذا ٤٠٨ النذر بصدقة المال كله يقع على ما تجب فيه الزكاة من الأموال إعلاء السنن استحسانا، والقياس أن يدخل فيه جميع الأموال، لأن المال اسم لما يتمول. وجه الاستحسان أن النذر يعتبر بالأمر، لأن الوجوب فى الكل بإيجاب الله تعالى (ولذا لا يصح النذر بما ليس من جنسه واجب) ثم الإيجاب المضاف إلى المال من الله تعالى فى الأمر وهو الزكاة فى قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾. وقوله عز شأنه: ﴿فى أموالهم حق معلوم﴾. ونحو ذلك تعلق بنوع دون نوع، فكذا فى النذر اهـ من البدائع (٨٦:٥). فإن قيل: إن أمر الله فى الزكاة كما تعلق بنوع دون نوع، كذلك تعلق بربع العشر من الذهب والفضة وعروض التجارة، وبالعشر ونصف العشر مما أخرجت الأرض العشرية، وبشاة من أربعين شاة ونحوها، فينبغى أن لا يجب تصدق جميع الأموال الزكوية، بل قدر ما يجب أداؤه فى الزكاة، وبذلك أفتى ابن عمر وابن عباس فى حديث المتن، فقالا: تتصدق بزكاة مالها. ومذهب الحنفية فيمن قال: جعلت مالى فى سبيل الله وجوب التصدق بجميع ما تجب فيه الزكاة من الأموال، صرح به فى البدائع. قلنا: مقتضى إطلاق المال وجوب التصدق بكل ما يسمى مالا سواء وجب فيه الزكاة أم لا كما مر، وإنما استحسانا تقييده بأموال الزكاة لما ذكرنا، ولم نقيده بقدرها لكونه خلافا لإطلاق المال من كل وجه، ولأنه لا فائدة فى إيجاب ما هو واجب عليه، فمن شرائط صحة النذر أن لا يكون المنذور واجبا عليه قبل النذر، فلو نذر الصلاة المكتوبة أو صوم رمضان فالنذر باطل كما فى الدر والشامية (١٠٤:٣). وهذا يفضى إلى إلغاء الكلام، ولا يجوز إلغاء كلام المكلف ما أمكن تصحيحه، فيجب عليه التصدق بجميع ما يملكه من أموال الزكاة، ولا يفرق بين مقدار النصاب وما دونه، لأنه مال الزكاة ويعتبر فيه الجنس لا القدر عملا بإطلاق لفظ المال، لأن اعتبار النصاب هناك لإثبات صفة الغنى للمالك، لا لأن ما دون النصاب ليس بمال، فإن اسم المال يتناول القليل والكثير، ومعنى قول ابن عمر وابن عباس: تتصدق بزكاة مالها، أى بمال زكاتها، بدليل ما صح من طريق عبد الرزاق عن معمر عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: أن رجلا سأله، فقال: جعلت مالى فى سبيل الله، فقال ابن عمر: فهو فى سبيل الله. كما فى "المحلى" (١٠:٨). فتراه قد أفتى الرجل بأن يتصدق بماله كله، فجمعنا بينهما يحمل الثانى على التصدق بجميع ما يجب فيه الزكاة، والأول على مال زكاتها، كيلا تتضاد الأقوال عن قائل واحد. الرد على ابن حزم فى إنكاره على أبى حنيفة تخصيص المال بمال الزكاة: قال ابن حزم فى "المحلى": " وقالت طائفة: يتصدق بربع العشر كما روينا ذلك آنفا عن ابن ج - ١١ النذر بصدقة المال كله يقع على ما تجب فيه الزكاة من الأموال ٤٠٩ عباس وابن عمر وهو قول ربيعة" اهـ. قلت: وربع العشر لا يجب إلا فى النقود، وعروض التجارة، فقد ثبت عن الصحابة تقييد إطلاق المال بما يجب فيه الزكاة منه، فكيف ساغ له أن يرد على أبى حنيفة قوله بأنه لا متعلق له بقرآن ولا بسنة ولا برواية سقيمة ولا قول سلف، ولا قياس (١١:٨). وأيضا: فله متمسك بالقرآن وهو قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكّيهم بها﴾ أمر بأخذ الصدقة من الأموال وقيدتهما السنة بنوع دون نوع وأما قوله فى الرد على من احتج بهذه الآية: "أن الصدقة المأخوذة إنما هى من جملة ما يملك المرء" إلخ. فلا أدرى ماذا أراد به؟ فلا نزاع فى أن الزكاة إنما تجب فى ما يملك المرء دون ما لا يملكه، وإنما النزاع فى أن المال إذا أطلق هل يراد به كل ما يملكه من الأموال وما يجب فيه الزكاة منها؟ ولا شك أن المال فى الآية مطلق، والسنة قيدته بنوع دون نوع، فتم الاحتجاج بها. وأما قوله: "وما اختلف قط عربى ولا لغوى ولا فقيه فى أن الحوائط والدور تسمى مالا وأموالا وإن من حلف أنه لا مال له وله حمير ودور وضياع فإنه حانث عندهم وعند غيرهم". فنقول: نعم! لا نزاع فى تسمية كل ذلك مالا، وإنما النزاع فى كونه متبادرا من إطلاق المال عرفا، وقد اعترفت نفسك بأن المنظور إليه فى باب الأيمان ما يتعارفه أهل اللسان، وباليقين نعلم أن المرء لا يعد متمولا ولا ذا مال بتملك دار أو حمار، بل بالنقود أو عروض التجارة أو المواشى التى تجب فيها الزكاة. وهذا ابن عمر وابن عباس وهما من فصحاء العرب قد قيدا إطلاق المال بمال الزكاة، فمن الفقيه أو اللغوى بعدهما؟ ولكن ابن حزم لا يعرف ما يخرج من رأسه، ويرد قول أبى حنيفة مع ذكره دلائله فى غضون الكلام. وأما قوله: "إن من حلف لا مال له" إلخ. ممنوع، فإنه لا يحنث عند أبى حنيفة ما لم تكن الحمير أو الدور للتجارة كما فى البدائع (٨٦:٥). وفى العرف إذا صودر رجل يقال له قد افتقر ولم يبق له مال وإن كان له دار أو حمار. قال فى المبسوط: " وإن كان له عروض أو حيوان غير السائمة لم يحنث، وفى القياس يحنث، لأن ذلك مال، ولكنه استحسن فقال: ليس ذلك بمال شرعا وعرفا حتى لا تجب الزكاة فيها (شرعا)، ولا يعد صاحبها متمولا بنها (عرفا) والأيمان (والنذور) مبنية على العرف والعادة" اهـ (١٥:٩). وأما حمل ربيعة قولهما على ربع العشر مع أنه ليس فى لفظ الحديث إلا زكاة مالها، واحتجاجه بأن المطلق محمول على معهود الشرع، ولا يجب فى الشرع إلا قدر الزكاة، فلا يصح لأن الزكاة وجبت لإغناء الفقراء ومواساتهم، وهذه صدقة تبرع بها صاحبها تقربا إلى الله تعالى، ٤١٠ النذر بصدقة المال كله يقع على ما تجب فيه الزكاة من الأموال إعلاء السنن ولأنه يبطل بما لو نذر صياما فإنه لا يحمل على صوم رّمضان وكذلك الصلاة، وأيضا: فإن المعهود فى الشرع وجوب ربع العشر فى نصاب كامل، فإن كان الناذر يملك النصاب فالزكاة واجبة عليه قبل النذر، ونذر الواجب لا يصح ولا ينعقد، كما قدمنا وصرح به الموفق فى "المغنى" (٣٣٨:١١). وإن لم يمكن يملك نصابا فاعتبار ربع العشر هناك خلاف المعهود فى الشرع. فالأولى ما قلنا من حمل قولهما على مال الزكاة دون ربع العشر. تائيد قول أبى حنيفة بقول أصحاب اللغة: وحکی الحافظ فى الفتح عن ثعلب أنه قال: المال کل ما تجب فيه الزكاة قلّ أو کثر، فما نقص عن ذلك فليس بمال، وبه جزم ابن الأنبارى (٥١٤:١١). فهذا بحمد الله لغوى إمام فى اللغة مسلم قد وافق أبا حنيفة وأصحابه فى أن ما لا يجب فيه الزكاة ليس بمال أى عرفا وعادة وإن كان قد یسمی ما لا فى الأصل. تفصيل الأقوال فى النذر بصدقة المال كله: قال الحافظ: "وقد اختلف السلف فيمن نذر أن يتصدق بجميع ماله على عشرة مذاهب: فقال مالك: يلزمه الثلث لهذا الحديث، أى حديث كعب بن مالك. وفيه أنه قال: وإنى انخلع من مالى كله صدقة. قال: يجزئ عنك الثلث. ونوزع فى أن كعب بن مالك لم يصرح بلفظ النذر ولا بمعناه، بل يحتمل(١) أنه نجز النذر، ويحتمل أن يكون أراده فاستأذن، والانخلاع الذى ذكره ليس بظاهر فى صدور النذر منه. وإنما الظاهر أنه أراد أن يؤكد أمر توبته بالتصدق بجميع ماله شكرا الله تعالى على ما أنعم به عليه، ومن ثم كان الراجح عند الكثير من العلماء وجوب الوفاء لمن التزم أن يتصدق بجميع ماله، إلا إذا كان على سبيل القربة (٢) وقيل: إن كان مليا لزمه، وإن كان فقيرا فعليه كفارة يمين. وهذا قول اللیث، ووافقه ابن وهب وزادوا إن كان متوسطا يخرج قدر زكاة ماله، والأخير عن أبى حنيفة بغير تفصيل (بين الملى والفقير، قلت: إن صح ذلك عن أبى حنينفة فأثر المتن يؤيده من غير تأويل) وهو قول ربيعة، وعن الشعبى وقتادة وابن أبى لبابة لا يلزمه شىء أصلا، وعن قتادة يلزم الغنى العشر، والمتوسط السبع، والمملق الخمس (وهذا كله تحكم من غیر دلیل). وقيل: یلزم الكل إلا فى نذر اللجاج، فكفارته کفارة یمین. وعن سحنون يلزمه أن (١) قلت: وهذا هو الجواب عن قصة أبي لبابة، وقوله مرّ لهله: "يجزى عنك الثلث". (٢) أى من غير إيجاب، فلا يجب التصدق بالكل، بل: يمسك عليه بعض ماله. ج - ١١ النذر بصدقة المال كله يقع على ما تجب فيه الزكاة من الأموال ٤١١ يخرج ما لا يضر به، وعن الثورى والأوزاعى وجماعة يلزمه كفارة يمين بغير تفصيل، وعن النخعى يلزمه الكل بغير تفصيل اهـ ملخصا (٤٩٧:١١). قلت: وقول النخعى هو قول أبى حنيفة فيما رواه محمد عنه فى الآثار له. قال: "أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم، قال: إذ جعل الرجل ماله فى المساكين صدقة فلينظر ما يسعه ويسع عياله، فليمسكه ويتصدق بالفضل، فإذا أيسر تصدّق بمثل ما أمسك. قال محمد: وبهذا كله نأخذ وهو قول أبى حنيفة" اهـ (١٠٥). وقد عرفت فى قول الحافظ أنه قول الكثير من العلماء، ويؤيده ما مر عن ابن عمر فيمن جعل ماله فى سبيل الله فقال: فهو فى سبيل الله. الرد على ابن حزم فى قوله به بطلان النذر: وذهب ابن حزم إلى أن النذر بصدقة المال كله نذر معصية، لورود النهى عن التصدق بجميع المال، واحتج بقوله تعالى: ﴿ولا تبذر تبذيرا﴾. وبقوله: ﴿ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا﴾. وبقوله مَّ له: ((خير الصدقة ما ترك غنى، وابدأ بمن تعول)). قال: فصح بما ذكرنا أن من نذر أن يتصدق بجمیع ماله لا أجر له، فلا يحل إعطاؤه فیه، لأنه إفساد للمال وإضاعة له، وسرف حرام اهـ ملخصا من المحلى (١٤:٨). قال: فإن ذكروا صدقة أبى بكر بما يملكه. قلنا: هذا لا يصح، لأنه من طريق هشام بن سعد وهو ضعيف عن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: سمعت عمر يقول: "أمرنا رسول الله عَّ بالصدقة فوافق ذلك ما لا عندى، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، قال: فجئت بنصف مالى، فقال رسول الله عّ لّه: ما أبقيت لأهلك؟، قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال له رسول الله مَّ له: ما أبقيت لأهلك قال: أبقيت لهم الله ورسوله)). قال: ثم لو صح لم يكن فيه حجة لهم، لأنه بلا شك كانت له دار بالمدينة معروفة، ودار بمكة. وأيضا: فإن مثل أبى بكر لم يكن النبى معَّ ◌ُلّ ليضيعه اهـ (١٥:٨). قلت: لا حجة له فى الآيات، فإنه لا إسراف ولا تبذير فى الصدقة. فقد صح عن رسول الله عَّه أنه قال: "ما نقص مال من صدقة، أو ما نقصت صدقة من مال. وإنما التبذير أن تفرق مالك فى معصية الله". قال ابن عباس: "لا تنفق فى الباطل فإن المبذر هو المسرف فى غير حق". قال ابن جريج: وقال مجاهد: "لو أنفق إنسان ماله كله فى الحق ما كان تبذيرا، ولو أنفق مدا فى باطل كان تبذيرا". وقال قتادة: "التبذير النفقة فى معصية الله، وفى غير الحق وفى الفساد". أخرج الآثار كلها ابن جرير فى التفسير (٥٣:١٥، ٥٤). وفيه أيضا بسند صحيح عن ابن زيد فى قوله: "إن المبذرين". "إن المنفقين فى معاصى الله كانوا إخوان الشياطين. وقال: لا تبذر تبذيرا، لا تعط فى معاصى اللهّ اهـ. وأخرج نحوه عن ابن مسعود. وقوله تعالى: ﴿ولا تبسطها كل البسط﴾، ٤١٢ النذر بصدقة المال كله يقع على ما تجب فيه الزكاة من الأموال إعلاء السنن معناه لا تبسطها فى الحوائج الدنيوية، وليس معناه النهى عن التصدق بجميع المال. فقد صح أنه مګێے کان لا یدخر للغد شیئا، ولا یبیت وعنده دينار ولا درهم، فالمتصدق بماله کله فی سبیل الله ليس بمنذر ولا مسرف. قال الحافظ فى الفتح: "قال الطبرى وغيره: قال الجمهور: من تصدق بما له كله فى صحة بدنه وعقله حيث لا دين عليه وكان صبورا على الإضافة ولا عيال له أو له عيال يصبرون أيضا فهو جائز، فإن فقد شىء من هذه الشروط كره اهـ. وقال البخارى: من تصدق وهو محتاج، أو أهله محتاج، أو عليه دين، فالدين أحق أن يقضى من الصدقة والهبة والعتق، وهو رد علیه، لیس له أن يتلف أموال الناس، إلا أن يكون معروفا بالصبر فيؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، كفعل أبى بكر حين تصدق بماله، وكذلك أثر الأنصار المهاجرين اهـ. قال الحافظ فى الفتح: قوله: " كفعل أبى بكر" إلخ. هذا مشهور فى السير، وورد فى حديث مرفوع أخرجه أبو داود، وصححه الترمذى والحاكم من طريق زيد بن أسلم عن أبيه، سمعت عمر فذكر نحو ما ذكره ابن حزم، ثم قال: تفرد به هشام بن سعد عن زيد، وهشام صدوق فيه مقال من جهة حفظه" اهـ (٢٣٤:٣). قلت: أخرج له مسلم فى الشواهد، واحتج به أصحاب السنن. وقال ابن معين: "صالح ليس بمتروك الحديث". وقال العجلى: "جائز الحديث حسن الحديث". وقال أبو زرعة: "محله الصدق وهو أحب إلى من ابن إسحاق". وقال أبو داود: "هشام بن سعد أثبت الناس فى زيد بن أسلم". كذا فى "التهذيب" (٤٠:١١). والحديث من روايته عن زيد، فقول ابن حزم: "هو ضعيف" من إطلاقاته المردودة. وأما قوله: ثم لو صح لم يكن حجة لهم لأنه بلا شك كانت له دار بالمدينة معروفة ودار بمكة" إلخ. فهو حجة عليه، لكون أبى بكر لم يعد الدار من الأموال، ولما سأله رسول الله عَّ: ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، أى ولم يبق لهم شىء من المال، فلو كانت الدار من الأموال لم يصح قوله هذا، وكان خطأ منه، وكان عليه أن يقول: أبقيت لهم الدارين. فبطل بذلك قول ابن حزم: "إن الحوائط والدور تسمى مالا وأموالا". وبعد ذلك فليس مراد من أباح التصدق بجميع المال أن يتصدق الرجل بكل شىء، حتى بداره وثیاب بدنه، فیبقی عاريا لا يأوى إلى دار، ولا يجد شيئا يستر به عورته، بل المراد التصدق بجميع ما يسمى مالا شرعا وعرفا وعادة، كما تقدم. وأما قوله: "وأيضا فإن مثل أبى بكر لم يكن النبى مرّ ليضيعه" إلخ. فنقول: وكذلك التصدق بماله لم يكن الله ليضيعه، لما قد صح عن النبى ◌ّ له أنه قال: "ما نقصت صدقة من مال". ج - ١١ النذر بصدقة المال كله يقع على ما تجب فيه الزكاة من الأموال ٤١٣ ٣٥٣٩- عن ابن عباس رضى الله عنهما فى حديث: ((ومن نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا أطاقه فليف به)). رواه أبو داود. وقال الحافظ فى "التلخيص الحبير": "إسناده حسن، فيه طلحة بن يحيى وهو مختلف فيه" اهـ. وقد تقدم فى الباب الذى يلى هذا الباب، فقول ابن حزم فى "المحلى" (٨: ٦): "طلحة بن يحيى الأنصارى ضعيف جدا" اهـ. رد عليه كيف؟ وهو من رجال مسلم والأربعة، وثقه أحمد وابن معين ويعقوب بن شيبة والعجلى وأبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم، وقال: صحيح الحديث، وابن عدى وابن حبان وصالح بن أحمد عن أبيه، والحاكم عن الدارقطنى وابن سعد، كذا فى "التهذيب" (٥: ٢٨). وأيضا فيجب على ابن حزم أن يقيد الجواب بما إذا لم يكن للناذر صديق لا يضيعه، ويقول بأنه إذا كان له صديق كذلك صح نذره بصدقة ماله كله، وبهذا يظهر فساد إطلاقه القول بفساد مثل هذا النذر، وعده من المعاصى فافهم. والله تعالى أعلم. وذهب أحمد فى المسألة إلى قول مالك بوجوب التصدق بثلث المال، احتجاجا بحديث كعب بن مالك وأبى لبابة(* قال الموفق فى المغنى: "إن منعه معَّه من الصدقة بزيادة على الثلث دليل على أنه ليس بقربة، لأن النبى مرّ ◌ُلّه لا يمنع أصحابه من القرب، ونذر ما ليس بقربة لا يلزم الوفاء به" اهـ (٢٤٠:١١). وفيه أن حمله قوله معّ ◌ُله: "يجزئ عنك الثلث". على المنع من الصدقة بزيادة على الثلث ممنوع، بل كان ذلك بطريق المشورة للمستشير(١) والمستشار مؤتمن، والإشارة على شىء لا يستلزم حرمة ضده ولا كراهته، بل قد يترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر عنه همة الرجل فيقع فى أشد منه. وهذا مما لا يخفى على من مارس الحديث والفقه. قوله: "عن ابن عباس" إلخ. قلت: دلالة قوله عّم: ((ومن نذر نذرا أطاقه فليف به" على وجوب التصدق بجميع المال إذا نذره ظاهرة، لكونه مما يطيقه، نعم! لو نذر التصدق بألف ولا يملك إلا مائة لزمه التصدق بالمائة فقط، لكون الزائد مما لا يطيقه، صرح فى "الدر" عن الخلاصة (١٠٤:٣، مع الشامية). وإذا عجز عنه بالكلية فعليه كفارة يمين كما سيأتى. (١) دليل ذلك أما فى أثر أبى لبابة فلما ورد فى لفظ مالك فى موطأ، من حرف الاستفهام، قال: يا رسول الله مَّ أحجر دار قومى وأجاورك. وأنخلع من مالى صدقة إلى الله ورسوله مَّةٍ (١٨١) وأما فى أثر كعب فللاحتمال الذى ذكره الحافظ فى الفتح وقد مر ذکره. ٤١٤ إعلاء السنن باب إذا أخرج النذر مخرج اليمين وفى بنذره أو كفر ليمينه إلا فى العتاق والطلاق فيقعان بوجود الشرط ٣٥٤٠- أخبرنا مالك أخبرنى أيوب بن موسى من ولد سعيد بن العاص عن منصور بن عبد الرحمن الحجبى عن أبيه عن عائشة زوج النبى معَّه، أنها قالت فيمن قال: مالى فى رتاج الكعبة: "يكفر ذلك بما يكفر اليمين". رواه محمد فى "الموطأ" (٣٢٦) ومنصور بن عبد الرحمن ثقة، أخطأ ابن حزم فى تضعيفه، وقوله: "عن أبيه"، تصحيف. والصحيح عن "أمه". كما فى موطأ يحيى، وهى صفية بنت شيبة، لها رؤية، وحدثت عن عائشة وغيرها من الصحابة. قال الحافظ فى "التلخيص": "هذا الحديث أخرجه مالك والبيهقى بسند صحيح". كذا فى التعليق الممجد عن الزرقانى وغيره. ولفظ مالك والبيهقى: "أنها سئلت عن رجل جعل ماله فى رتاج الكعبة إن كلم ذا قربة له، فقالت: يكفر اليمين". (التلخيص ٣٩٧:٢). باب إذا أخرج النذر مخرج اليمين وفى بنذره أو كفر ليمينه إلا فى العتاق والطلاق فيقعان بوجود الشرط قوله: "أخبرنا مالك" إلخ. قال محمد بعد ذكر الحديث: "قد بلغنا هذا عن عائشة، وأحب إلينا أن يفى بما جعل على نفسه فيتصدق بذلك ويمسك ما يقوته، فإذا أفاد مالا تصدق بمثل ما كان أمسك، وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهائنا" آهـ. قلت: وإنما قال محمد ذلك لأن لفظ النذر عنده لم يكن معلقا بشرط لا يريد الناذر كونه، فلم يكن مخرجا مخرج اليمين، وقد عرفت أنه معلق عند البيهقى وأبى داود، وعند مالك فى موطأه بكلام ذى قرابة، والناذر بمثل ذلك مخير عند محمد بين الوفاء بما نذره وبين أن يكفر اليمين. قال فى "الدر": "ثم إن علقه بشرط يريد كونه كإن قدم غائبى أو شفى مريضى يوفى وجوبا إن وجد الشرط، وإن علقه بما لا يريدہ کإن كلمت فلانا مثلا فحنث وفى بنذره أو كفر ليمينه على المذهب، لأنه نذر بظاهره يمين بمعناه، فيخير ضرورة" اهـ (٣: ١٠٥) مع الشامية وهذا هو المسمى عند الشافعية نذر اللجاج ونذر الغضب، فقول بعض الناس: "إن أثرى عمر وعائشة يخالفان ما ذهب إليه علماءنا" اهـ. رد عليه، وهو مشعر بعدم معرفته بالمذهب، وبأن فى أثر عائشة عند محمد فى موطأه اختصارا، ولفظه عند غيره أتم، وفيه تصریح بکونه واردا فى المعلق بما لا يريده الناذر فافهم. قال الموفق فى المغنى: "إذا أخرج النذر مخرج اليمين بأن يمنع نفسه أو غيره به شيئا، أو : ح - ١١ إذا أخرج النذر مخرج اليمين وفى بنذره أو كفر ليمينه ٤١٥ ٣٥٤١- عن سعيد بن المسيب: "أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة. فقال: لئن عدت سألتنى القسمة لا أكلمك أبدا، وكل مالى فى رتاج الكعبة (١)" . فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: إن الكعبة لغنية عن مالك، كفر عن يمينك وكلم أخاك، فإنى سمعت رسول الله عَّ له يقول: لا يمين عليك. ولا نذر فى معصية الرب، ولا فى قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك". رواه الحاكم فى "المستدرك" (٣٠٠:٤): وقال حديث صحيح الإسناد وأقره عليه الذهبى. ٣٥٤٢- وصح عن عائشة وأم سلمة أمى المؤمنين، وعن ابن عمر، أنه جعل فى قول ليلى بنت العجماء: "كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدى، وهى يهودية أو نصرانية إن لم تطلق امرأتك". كفارة يمين واحدة. قاله ابن حزم فى المحلى (٨: ٨). وزاد أحمد فيه أنه قال: "كفرى يمينك. وأعتقى جاريتك". قال الموفق فى "المغنى" (٢٢٠،٢١٩:١١): وهذه زيادة يجب قبولها ويحتمل أنها لم يكن مملوك سواها اهـ. وقد تقدم الحدیث مفصلا فی باب اليمين. يحث به على شىء، مثل أن يقول: إن كلمت زيدا فللّه على الحج، أو صدقة مالى، أو صوم سنة، فهذا يمين، حكمه أنه مخير بين الوفاء بما حلف عليه (إن لم يكن معصية وإلا فالحنث واجب عليه) فلا يلزمه شىء، وبين أن يحنث فيتخير بين فعل المنذور وبين كفارة يمين، ويسمى نذر اللجاج والغضب، ولا يتعين عليه الوفاء به، وإنما يلزم فى نذر التبرر، وهذا قول عمر وابن عباس وابن عمر وعائشة وحفصة وزينب بنت أبى سلمة، وبه قال عطاء وطاوس وعكرمة والقاسم والحسن وجابر بن زيد وقتادة وعبد الله بن شريك والشافعى والعنبرى وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر. وقال أبو حنيفة ومالك: يلزمه الوفاء بنذره، لأنه نذر فيلزمه الوفاء به كنذر التبرر، وروى نحو ذلك عن الشعبى. (قلت: هذا ظاهر الرواية عن أبى حنيفة، وقد صح أنه رجع عنه إلى التخيير بين الوفاء والتكفير، وهو المذهب كما مر). ولنا ما روى عن عمران بن حصين مرفوعا: لا نذر فى غضب، وكفارته كفارة اليمين. رواه سعيد والجوزجانى فى المترجم. وعن عائشة مرفوعا: "من حلف بالمشى، أو الهدى، أو جعل ماله فى سبيل الله، أو فى المساكين، أو فى رتاج (١) الرتاج ككتاب الباب العظيم، وهو الباب المغلق، ورتج الباب غلقه، كذا فى القاموس. والمراد به نفس الكعبة، لأن المقصود إهداء المال إليها لا إلى بابها، وإنما ذكر الباب تعظيما. ٤١٦ إعلاء السنن باب من نذر المشى إلى بيت الله لزمه المشى فى أحد النسكين فإن ركب أهدى ٣٥٤٣- عن شريك عن أبى إسحاق، قال فى الرجل يحلف بالمشى فيعجز فير كب، قال: قال ابن عباس: "يحج من قابل فيركب ما مشى ويمشى ما ركب". قال شریك: وحدثنا محمد بن عبد الرحمن مولی آل طلحة عن کریب عن ابن عباس رضى الكعبة، فكفارته كفارة اليمين". (قلت: قد صح ذلك عنها موقوفا عليها، وهو مقيد بما إذا علقه بشرط لا يريده كما ذكرناه آنفا) ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولا مخالف لهم فى عصرهم " اهـ. ملخصا (١٩٥:١١). قلت: وأخرج الدار قطنى من طريق غالب بن عبيد الله العقيلى عن عطاء عن عائشة، فى حديث: "ومن جعل ماله هديا إلى الكعبة فى أمر لا يريد فيه وجه الله فكفارة يمين، ومن جعل ماله صدقة فى أمر لا يريد به وجه الله فكفارة يمين". الحديث. (٤٩٢:٢) قال الدار قطنى: "غالب ضعيف الحديث" اهـ. قلت: نعم! بل هو متروك الحديث لم يوثقه أحد من الأئمة، ولكن الأثر مؤيد بالقياس الصحيح الذى ذكره ابن الهمام فى "الفتح"، وقد مر ذكره، ففيه دليل لتقسيم أصحابنا المعلق إلى المعلق بما يريده، وبما لا يريده. والله تعالى أعلم. باب من نذر المشى إلى بيت الله لزمه المشى فى أحد النسكين فإن ركب أهدى قوله: "عن شريك" إلخ. فيه أن ابن عباس سئل عن المشى، فأجاب بلزوم الحج وكذلك سئل النبى معَّ ◌ُلِّ عمن جعلت عليها المشى إلى بيت الله، فقال: ((قل لها فلتحج راكبة ولتكفر يمينها))، وهكذا فى معظم الروايات فى حديث عقبة. وقد ورد فى رواية عند البيهقى: "أن أخت عقبة نذرت أن تحج ماشية"، کما فى "فتح البارى" (٥١٠:١١). فهو من تصرف الراوى رواية بالمعنى، فإن الحديث رواه البخارى ومسلم وأصحاب السنن بلفظ: "نذرت أن تمشى إلى بيت الله". كما فى "جمع الفوائد" (٢١٣:١). ورواه أحمد بسند رجاله رجال الصحيح عن ابن عباس، والطبرانى بسند حسن عن عائشة بهذا اللفظ، كما فى "مجمع الزوائد" (١٨٩:٤). لم يقل أحد: "نذرت أن تحج ماشية". ففيه دلالة على الجزء الأول من الباب أن نذر المشى إلى بيت الله يوجبه فى أحد النسكين. ولعل النبى عَ لّه إنما اقتصر على ذكر الحج لكون السؤال وقع فى أشهر الحج، فأجاب بأفضل النسكين. قال الموفق فى "المغنى": "من نذر المشى إلى بيت الله الحرام لزمه الوفاء بنذره، وبهذا قال مالك والأوزاعى والشافعى وأبو عبيد وابن المنذر، ولا نعلم فيه خلافا، ولا يجزئه المشى إلا فى حج 2 ج - ١١ من نذر المشى إلى بيت الله لزمه المشى فى أحد النسكين ٤١٧ الله عنهما. "أن رجلا جاء إلى النبى عَّ له، فقال: إن أختى جعلت عليها المشى إلى بيت الله. قال: إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا، قل لها فلتحج راكبة ولتكفر يمينهما". أو عمرة، وبه يقول الشافعى ولا أعلم فيه خلافا، لأن المشى المعهود فى الشرع هو المشى فى حج أو عمرة، فإذا أطلق الناذر حمل على المعهود الشرعى، ويلزمه المشى فيه لنذره، فإن عجز عن المشى ركب وعليه كفارة يمين. وعن أحمد رواية أخرى أنه يلزمه دم، وهو قول للشافعي، وأفتى به عطاء، لما روى ابن عباس: أن أخت عقبة بن عامر نذرت المشى إلى بيت الله الحرام، فأمرها النبى عّ لّ أن تركب وتهدى هديا، رواه أبو داود وفيه ضعف. (قلت: رجاله رجال الصحيح، وصححه الحافظ فى التلخيص كما ذكرناه فى المتن. وقال القرطبى: زيادة الأمر بالهدى رواتها ثقات ولا ترد، وليس سكوت من سكت عنها بحجة على من حفظها وذكرها، قاله الحافظ فى "الفتح" (٥١١:١١)، فلا يقبل دعوى الضعف إلا ببرهان). وقال أبو حنيفة: عليه هدى سواء عجز عن المشى أو قدر عليه، وأقل الهدى شاة. وقال الشافعى: لا يلزمه مع العجز كفارة بحال، إلا أن يكون النذر مشيا إلى بيت الله، فهل يلزمه هدى؟ فيه قولان. وأما غيره فلا يلزمه مع العجز شىء. ولنا قول النبى عّ لّه حين قال لأخت عقبة بن عامر لما نذرت المشى إلى بيت الله: لتمش ولتركب، ولتكفر عن يمينها. وفى رواية: فلتصم ثلاثة أيام. (قلنا: لا حجة فيه، لأنها كانت نذرت المشى إلى بيت الله حافية غير مختمرة. أخرجه أصحاب السنن كما فى "فتح البارى" (٥١١:١١). فأمرها معَّ بأن تختمر وتركب وتصوم ثلاثة أيام، وتهدى هديا، فالصوم راجع إلى الاختمار، لكون النذر بكشف الوجه معصية وكفارة نذر المعصية كفارة يمين والهدى راجع إلى الركوب، لكون النذر بالمشى إطاعة. كما ذكرناه فى كتاب الحج. فاقتصر بعض الرواة على ذكر التكفير، وبعضهم على ذكر الهدى، وإعمال الحديثين أولى من إعمال أحدهما وإهمال الآخر. وقد عرفت أن زيادة الأمر بالهدى رواتها ثقات فلا ترد، ولا يكون سكوت من سكت عنها حجة على من ذكرها، فلا يتم به الاحتجاج على وجوب كفارة اليمين فى نذر المشى إلى بيت الله فافهم) وقول النبى عّ لّه: كفارة النذر كفارة اليمين. (قلت: لا حجة فيه، لكون الراوى قد اختصر لفظه، وتمامه عند الترمذى وغيره عن عقبة: كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين كما تقدم). قال: وحديث الهدى ضعيف (قلت: ممنوع). وهذا حجة على الشافعى، حيث أوجب عليها الكفارة من غير ذكر العجز" اهـ ملخصا (٣٤٦:١). قلت: ولا يرد ذلك علينا، فإن الكفارة عندنا راجعة إلى نذرها كشف الوجه، والهدى راجع إلى نذر المشى، وإطلاق الركوب فى الروايات محمول على عجزها عن المشى، بدليل ما فى رواية ٤١٨ من نذر المشى إلى بيت الله لزمه المشى فى أحد النسكين إعلاء السنن رواه الحاكم فى "المستدرك" (٣٠٢:٤): وقال: صحيح على شرط مسلم. وسكت عنه الذهبی ولم يعقبه بشىء. لأبى داود: "إنها لا تطيق المشى فقال النبى معَّ له: فلتر كب ولتهد بدنة". (فلا يجوز الركوب ما لم يعجز عن المشى، ولو ركب فعليه الهدى عاجزا كان أو قادرا) إلا أنه عمل بإطلاق الهدى من غير تعيين بدنة لقوة روايتها، (وبهذا ظهر الجواب عما قاله ابن الهمام فى باب النذر ونصه: "لكن حمل المطلق على مقيد واجب إذا كانا فى حادثة واحدة فتجب البدنة" (٤٥٢:٤). فإن هذا إذا لم يترجح أحدهما على الآخر قوة، وإلا فيحمل المطلق على الأدنى المتيقن. ولا يجب الزيادة عليه بالشك ولقائل أن يقول: ليس الهدى والبدنة من باب المطلق والمقيد، بل الهدى عام الإبل والبقر والغنم، والبدنة من أفراده، ولا يجب حمل العام على الخاص، بل يعمل بالعموم، ويحمل الخاص على الاختيار والفضيلة، فافهم). "واختلف المشايخ فى محل وجوب المشى، لأن محمدا لم يذكره (وإنما قال: لا يركب حتى يطوف طواف الزيارة، فذكر الغاية ولم يذكر المبتدأ). فقيل: من الميقات، والأصح أنه من بيته، لأنه المراد به عرفا ولو أحرم من بيته فالاتفاق أنه يمشى من بيته ومقتضى الأصل أن لا يخرج عن عهدة النذر إذا ركب، كما لو نذر الصيام متابعا فقطع التتابع، (لزمه الاستئناف) ولكن ثبت ذلك فى الحج نصا، فوجب العمل به". كذا فى فتح القدير ملخصا مع تقديم وتأخير (٨٨:٣). وقال فى البدائع: "إن وجوب أحد النسكين ماشيا بقوله: لله على المشى إلى بيت الله أو الكعبة أو مكة أو بكة، استحسان. والقياس أن لا يصح ولا يلزمه شىء، لأن من شرط صحة النذر أن يكون المنذور به قربة مقصودة، ولا قربة فى نفس المشى، وإنما القربة فى الإحرام، وهو ليس بمذكور. وجه الاستحسان أن هذا الكلام عندهم كناية(١) عن التزام الإحرام (ماشيًا) يستعملونه الالتزام الإحرام بطريق الكناية من غير أن يعقل فيه وجه الكناية، بمنزلة قوله: لله على أن أضرب بثوبى حطيم الكعبة. كناية عندهم عن التزام الصدقة، والإحرام يكون بالحجة أو بالعمرة، فيلزمه أحدهما، بخلاف سائر الألفاظ (من السفر والخروج والركوب والذهاب والإتيان، والوصول إلى بيت الله، أو المشى إلى الصفا والمروة ومسجد الخيف وعرفة والمزدلفة ومنى، وغيرها من الأماكن (١) قال المحقق فى الفتح: وأورد أنه أى نذر المشى إلى بيت الله إذا كان كقوله: على حجة أو عمرة، ينبغى أن لا يلزمه المشى، لأنه لو قال: على الحج لم يلزمه. والجواب أن التقدير على حجة أو عمرة ماشيا، لأن المشى لم يهدر اعتباره شرعا، لما فى صحيح مسلم أنه قال: لتمش ولتر كب اهـ، ملخصا (٤٥٢:٤). ج - ١١ من نذر المشى إلى بيت الله لزمه المشى فى أحد النسكين ٤١٩ التى فى الحرم) فإنها ما جرت عادتهم بالتزام الإحرام بها، والمعتبر فى الباب عرفهم وعادتهم، ولا عرف هناك، وكذلك لو ذكر المسجد الحرام أو الحرم، قال أبو حنيفة: لا يصح نذره ولا يلزمه شىء. وقال أبو يوسف ومحمد: يلزمه حجة أو عمرة، لاشتمال الحرم على البيت ومكة، فكأنه قال: على المشى إلى بيت الله ومكة. وجه قوله إنا أوجبنا عليه الإحرام فى لفظ المشى إلى بيت الله أو إلى الكعبة أو مكة أو بكة للعرف، حيث تعارفوا استعمال ذلك كناية عن التزام الإحرام، ولم يتعارفوا استعمال غيرها من الألفاظ" (أى ولا يجوز القياس فى اللغة والعرف، فلا يلحق بلفظ ما هو فى معناه ما لم يتحقق العرف فيه) (٨٤:٥). قال المحقق فى "الفتح": "والوجه فى ذلك أن يحمل على أنه تعورف بعد أبى حنيفة إيجاب النسك بهما أى بالمشى إلى المسجد الحرام أو الحرم، فقالا به، كما تعورف بالمشى إلى الكعبة، ويرتفع الاختلاف" اهـ (٤٥٣:٤). وبهذا اندحض قول ابن حزم فى المحلى: "هذا خطأ، لأنه أى إلزام المشى فى حج أو عمرة إلزام ما لم ينذره على نفسه بغير قرآن ولا سنة" اهـ (٢٦٤:٧). قلنا: كفى بالمرء علما إذا كان لا يدرى أن يقول: لا أدرى، فإن كان ابن حزم لا يعرف بعرف أهل الحرمين أو العراقيين فليسكت عن الرد على مالك وأبى حنيفة قولهما، فإنهما من أعرف الناس بعرف أهل الحرمين والعراقيين، وإذا ثبت أنهم تعارفوا التزام الإحرام بهذا اللفظ فكيف يكون إلزام المشى فى حج أو عمرة إلزام ما لم ينذره الناذر على نفسه؟ وكيف يكون إلزامه فى أحد النسكين إلزاما بغير قرآن ولا سنة؟ وقد اعترف ابن حزم بكون العرف منظورا إليه فى باب الأيمان والنذور، وبوجوب الوفاء بنذر الطاعة كما تقدم، فهل إذا نذر الإحرام إلى البيت لا يجب عليه الإحرام فى أحد النسكين؟ فكذا هذا. وقال ابن حزم: "وقال مالك: إن نذر المشى إلى المسجد، أو إلى الكعبة، أو إلى الحرم لزمه فإن نذر إلى عرفة أو إلى مزدلفة أو منى أو الصفا أو المروة، لم يلزمه، وهذا تقسيم بلا برهان" اهـ. قلنا: بل هو تقسيم بالبرهان، لأن مبنى الأيمان والنذور على العرف، ولم يتعارفوا إيجاب النسك بهذه الألفاظ، فلا يجب بها شىء، لأن نفس المشى ليس بقربة مقصودة ما لم يكن كناية عن الإحرام، وبهذا اندحض قول ابن حزم ومن وافقه: "إن من نذر المشى إلى مسجد المدينة، أو مسجد بيت المقدس، أو إلى مكان سماه من الحرم لزمه، لأنه نذر طاعة، والحرم كله مسجد، وكذلك إن نذر مشيا أو نهوضا أو ركوبا إلى المدينة لزمه ذلك، وكذلك إلى أثر من آثار الأنبياء عليهم السلام" اهـ (١٨:٨). فإن مجرد كون المنذور طاعة لا يكفى لصحة النذر ما لم تكن طاعة ٤٢٠ من نذر المشى إلى بيت الله لزمه المشى فى أحد النسكين إعلاء السنن ٣٥٤٤- عن عمران بن حصين رضى الله عنه، قال: "ما خطبنا رسول الله عَ ليه خطبة إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة قال: وقال: إن من المثلة أن ينذر أن يحج ماشيا، فمن نذر أن يحج ماشيا فليهد هديا وليركب". رواه الحاكم فى "المستدرك" (٣٠٥:٤) وقال: صحيح الإسناد، وأقره عليه الذهبى. ٣٥٤٥- أخبرنا شعبة بن الحجاج عن الحكم بن عتيبة عن إبراهيم النخعى، عن على بن أبى طالب كرم الله وجهه أنه قال: "من نذر أن يحج ماشيا ثم عجز فليركب ولينخر بدنة". وجاء عنه فى حديث آخر: ((ويهدى هديا)). أخرجه محمد فى "الموطأ" (٣٢٣)، وهذا سند صحيح إلا أن إبراهيم عن على منقطع، ولكن مراسيله صحاح كما مر غير مرة. وقال محمد فى الحجج له (١٧٨): قد روى أبو حنيفة عن على رضى الله عنه أنه قال: "ويركب ويهدى شاة". وبلاغات محمد وأبى حنيفة حجة عندنا. وأخرجه عبد الرزاق عن على بسند صحيح (فتح القدير ٤٥٢:٤). مقصودة، كما سيأتى فى باب اشتراط كون المنذور عبادة مقصودة فانتظر. قوله: "عن عمران بن حصين" إلخ. فيه حجة لقول أبى حنيفة بكراهة الحج ماشيا، لكونه عَّه قد عده من المثلة، وتأويله أنه إنما كرهه إذا كان مظنة سوء الخلق ومجادلة الرفيق، كأن يكون صائما مع المشى، أو ممن لا يطيق فيكون المشى سببا للمأثم، وإلا فلا شك أن المشى أفضل فى نفسه، لأنه أقرب إلى التواضع. وعن ابن عباس مَّا أنه قال لما كف بصره: "ما أسفت على شىء كأسفى على أن لم أحج ماشيا، فإن الله تعالى قدم المشاة، فقال: ﴿يأتوك رجالا وعلى كل ضامر﴾ كذا فى "فتح القدير" (٨٧:٣). قلت: فلما جعل النبى معَ ظّ نذر الحج ماشيا من المثلة مع أن له أصلا فى الكتاب والسنة كما مر ذكره فى كتاب الحج، فما ظنك بنذر المشى إلى المدينة أو إلى بيت المقدس ونحوهما ولا أصل له فى شىء من الشريعة. فمن أين يقول ابن حزم بصحة النذر به وبلزومه؟ وفى الحديث حجة لأبى حنيفة ومن وافقه فى قوله بلزوم الهدى إذا ركب سواء عجز عنه أو لم يعجز، لإطلاق قوله معّ له: ((فمن نذر أن يحج ماشيا فليهد هديا ولير كب)). فبطل قول ابن حزم بعدم وجوب الهدى على العاجز عن الركوب كما فى "المحلى" (٢٦٣:٧)، وسيأتى لذلك مزيد فانتظر. قوله: "أخبرنا شعبة" إلخ. فيه دلالة ظاهرة على وجوب الهدى على العاجز عن الركوب، وفيه رد على ابن حزم ومن وافقه وكذا فى أثر مجاهد بعده.