Indexed OCR Text

Pages 361-380

ج - ١١
٣٦١
باب اشتراط التتابع فى صوم كفارة اليمين
ما انضاف إلى ذلك من كونها أم المؤمنين، وخالته اخت أمه، ولم يكن أحد عندها فى منزلته،
فكأنها رأت أن فى ذلك الذى وقع منه نوع عقوق. والشخص يستعظم ممن يلوذ به ما لا يستعظمه
من الغريب، فرأت أن مجازاته على ذلك بترك مكالمته، كما نهى النبى معَّ ◌ُلّم عن كلام كعب بن
مالك وصاحبيه عقوبة لهم، لتخلفهم عن غزوة تبوك بغير عذر، ولم يمنع من كلام من تخلف عنها
من المنافقين، مؤاخذة للثلاثة لعظيم منزلتهم، وإزدراء بالمنافقين لحقارتهم. فعلى هذا يحمل ما
صدر من عائشة. وقد ذكر الخطابى أن هجر الوالد ولده، والزوج زوجته ونحو ذلك لا يتضيق
بالثلاث واستدل بأنه مَّه هجر نساءه شهرا وكذلك ما صدر من كثير من السلف فى استجازتهم
ترك مكالمة بعضهم بعضا مع علمهم بالنهى عن المهاجرة اهـ من فتح البارى ملخصا (٤١٤:١٠).
قلت: ولا يخفى أن عموم النهى مخصوص بمن لم يكن لهجره سبب مشروع. فالأولى
حمل ما صدر من السلف الصالح على أن مهاجرتهم كانت لسبب شرعى فى زعمهم، وإن
لم نطلع عليه فافهم.
قال الحافظ فى "الفتح": "قال أكثر العلماء: تزول الهجرة بمجرد السلام ورده. وقال
أحمد: لا يبرأ من الهجرة إلا بعوده إلى الحال التى كان عليها أولا. وقال أيضا: ترك الكلام إن كان
يؤذيه لم تنقطع الهجرة بالسلام. قال الحافظ: ولا يخفى أن ههنا مقامين، أعلى وأدنى، والوعيد
الشديد إنما هو لمن يترك المقام الأدنى، وأما الأعلى فمن تركه من الأجانب، فلا يلحقه اللوم بخلاف
الأقارب، فإنه يدخل فيه قطيعة الرحم" اهـ (السابق).
باب اشتراط التتابع فى صوم كفارة اليمين
قال المؤلف: دلالة آثار الباب على الباب ظاهرة. وفى "الهداية" (٤٦١:٢): "ولنا قراءة ابن
مسعود رضى الله عنه: فصيام ثلاثة أيام متتابعات. وهى كالخبر المشهور" اهـ. وفى الحسامى:
"والمشهور وهو ما كان من الآحاد فى الأصل، ثم انتشر فصار ينقله قوم لا يتوهم تواطؤهم على
الكذب، وهم القرن الثانى ومن بعدهم، وأولئك قوم تقاة أئمة لا يتهمون، فصار بشهادتهم
وتصديقهم بمنزلة المتواتر، حتى قال الجصاص: إنه أحد قسمى المتواتر" (٦٥).
قلت: هذه القراءة كذلك، وهى بمنزلة الحديث المشهور كما لا يخفى على من تتبع الآثار.
وقد ذكرنا فى المتن ما وقفنا عليه منها، وسنذكر بعضها ههنا فى الحاشية. وفى "نيل الأوطار" تحت
الحديث الثانى من هذا الكتاب: "قراءة الآحاد، منزلتها منزلة أخبار الآحاد صالحة لتقييد المطلق

٣٦٢
اشتراط التتابع فى صوم كفارة اليمين
" إعلاء السنن
وتخصيص العام، كما تقرر فى الأصول. وخالف فى وجوب التتابع عطاء ومالك والشافعى
والمحاملى" (٤٧٦:٨). قلت: وذكر عطاء فى المخالفين ليس بسديد، فقد ذكرنا فى المتن بسند
صحيح عنه أنه كان يقرأ قراءة ابن مسعود، وأما ما فى "الإتقان" (٨٤:١): "واحتج (أى الإمام
الأعظم) على وجوب التتابع فى صوم كفارة اليمين بقراءته (أى ابن مسعود) متتابعات، ولم يحتج
بها أصحابنا لثبوت نسخها كما سيأتى" اهـ. قلت: لم يذكر دليله ولم يف وعده فى سائر الإتقان،
ولا فى "الدر المنثور" مع أنه ذخير الروايات فافهم. وإن أراد نسخه لفظا فهذا مما لا ننكره، بل
نقول: نسخ لفظه وبقى حكمه، كما فى آية السرقة: "فاقطعوا أيمانهما".
وفى "الجوهر النقى" (٢٣٧:٢): "باب التتابع فى الصوم. قلت: مقتضى ما ذكره البيهقى
فى هذا الباب اشتراط التتابع، وأصح القولين فى مذهب الشافعى أنه يجزى الصوم متفرقا. وذكر
الطحاوى فى "أحكام القرآن" عن المزنى قال: قال الشافعى: كل صوم ليس بمشروط التتابع فى
كتاب الله تعالى أجزأ متفرقا قياسا على قوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾. وقال فى كتاب الصيام:
صيام كفارة اليمين متتابع. قال المزنى: هذا له ألزم، لأنه تعالى شرط التتابع فى صوم كفارة الظهار
وهذا كفارة مثله، كما شبه الشافعى رقبة الظهار فى اشتراط الأيمان برقبة القتل. لأنهما كفارتان.
فكذا قياس كفارة اليمين على كفارة الظهار أشبه من قياسها على قضاء رمضان، لأنها ليست
بكفارة" اهـ. قلت: لقد أجاد العلامة المزنى فيما أفاد، فلله دره وله أجره.
وقال الموفق فى "المغنى": "من لم يجد طعاما ولا كسوة ولا عنقا انتقل إلى صيام ثلاثة
أيام، لقول الله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾. وهذا لا خلاف فيه إلا فى اشتراط التتابع
فى الصوم، وظاهر المذهب اشتراطه. كذلك قال إبراهيم النخعى والثورى وإسحاق وأبو عبيد وأبو
ثور وأصحاب الرأى. وروى نحو ذلك عن على رضى الله عنه وبه قال عطاء ومجاهد وعكرمة.
وعن أحمد رواية أخرى: أنه يجوز تفريقها. وبه قال مالك والشافعى فى أحد قوليه، لأن الأمر
بالصوم مطلق، ولا يجوز تقييده إلا بدليل. ولنا أن فى قراءة أبى وعبد الله بن مسعود: فصيام ثلاثة
أيام متتابعات. كذلك ذكره الإمام أحمد فى التفسير عن جماعة، هذا إن كان قرآنا فهو حجة،
لأنه كلام الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإن لم يكن قرآنا فهو رواية عن
النبى معَّه، إذ يحتمل أن يكونا سمعاه من النبى عّلّ تفسيرا فظناه قرآنا. فثبتت له رتبة الخبر،
ولا ينقص عن درجة تفسير النبى عّ لّه وعلى كلا التقديرين فهو حجة يصار إليه، ولأنه صيام
فى كفارة، فوجب التتابع ككفارة القتل والظهار. والمطلق يحمل على المقيد على ما قررناه فيما

٠٠٠
ج - ١١
اشتراط التتابع فى صوم كفارة اليمين
٣٦٣
مضى" اهـ (٢٧٣:١١).
قلت: وبهذا اندحض ما قاله الطبرى: "فأما ما روى عن أبى وابن مسعود من قراءتهما:
"فصيام ثلاثة أيام متتابعات ". فدلك خلاف ما فى مصاحفنا، وغير جائز لنا أن نشهد بشىء لیس
من مصاحفنا من الكلام أنه من كتاب الله، غير أنى اختار للصائم فى كفارة اليمين أن يتابع خروجا
من الخلاف، وإن كان الآخر جائزا" اهـ. ملخصا (٧: ٢١). فإنك إن لم تشهد بأنه من كتاب الله
فلا بد لك أن تشهد بأنه من تفسير النبى معَّ ◌ُلّه لكتاب الله، كما شهدت بذلك فى قوله تعالى:
﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، وفسرته بأيمانهما، لما فى قراءة عبد الله: " فاقطعوا
أيمانهما". (١٤٨:٦).
الرد على ابن حزم فى إيراده على الحنفية فى الباب:
وظهر بذلك سخافة رأى ابن حزم أيضا، حيث قال: "ومن العجائب أن يقيس الحنفيون
الصوم فى كفارة اليمين فى وجوب كونه متتابعا على صوم كفارة قتل الخطأ والظهار" إلخ. فإن
الحنفية لم يقولوا بذلك قياسا، بل اتبعوا ما فى قراءة عبد الله من زيادة "متتابعات"، وإنما ذكروا
القياس إلزاما للشافعية بأن المطلق يحمل على المقيد عندهم، فقالوا: الكفارة بالكفارة أشبه منها
بقضاء رمضان، كما قاله المزنى. قال ابن حزم: "وأما قراءة ابن مسعود فهى من شرق الأرض إلى
غربها أشهر من الشمس من طريق عاصم وحمزة والكسائى، ليس فيها ما ذكروا، ثم لا يستحيون
من أن يزيدوا فى القرآن الكذب المفترى نصرا لأقوالهم الفاسدة، وهم يأبون من قبول التغريب فى
الزنا، لأنه عندهم زيادة على ما فى القرآن، وقد صح عن النبى مێ، ثم لا يستحيون من الله تعالى
ولا من الناس فى أن يزيدوا فى القرآن ما يكون من زاده فيه كافرا" إلى آخر ما هذى وافترى
(٧٥:٨، ٧٦ من المحلى).
أو لا يستحبى هذا القائل من أن يجعل قراءة قرأ بها عبد الله وأبى بن كعب وعبد الله بن
عباس وصحت نسبتها إليهم وعمل بها الجمهور من الصحابة والتابعين وأتباعهم كذبا مفترى؟ فقد
اجترأ والله جرأة عظيمة وما درى، ولا يلزم من كون قراءته بطريق عاصم وحمزة والكسائى
متواترة وأشهر من الشمس بطلان غيرها من الطرق، والتمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم
ليس فيه أثر ولا سنة، وإنما هو من جمع بعض المتأخرين فانتشر وأوهم أنه لا تجوز الزيادة على ذلك،
وذلك لم يقل به أحد، ووقع فى اقتصاره على كل إمام على راويين أنه صار من سمع قراءة راو
ثالث غيرهما أبطلها. وقد تكون هى أشهر وأصح وأظهر، وربما بالغ من لا يفهم فخطأ أو كفر.

٣٦٤
اشتراط التتابع فى صوم كفارة اليمين
إعلاء السنن
قال أبو بكر بابن العربى: "ليست هذه السبعة متعينة للجواز حتى لا يجوز غيرها، كقراءة أبى
جعفر وشيبة والأعمش ونحوهم، فإن هؤلاء مثلهم أو فوقهم. وكذا قال غير واحد، منهم مكى
وأبو العلاء الهمدانى وآخرون من أئمة القراء". كذا فى "الإتقان" (٨٥:١).
وقد ذكرنا فى المتن ثبوت زيادة "متتابعات" فى قراءة الأعمش وهل العمل بقراءة والقول
بصحتها يستلزم جواز كتابتها فى المصحف أو القراءة بها فى المحراب؟ كلا! فإنه لا يكتب فى
المصحف، ولا يقرأ فى المحراب إلا ما تواتر دون ما اشتهر ولم يتواتر. ويجوز الزيادة على كتاب الله
بالقراءة المشهورة فى الحكم والعمل دون الشاذة من الآحاد. أو لا يستحيى ابن حزم من الإيراد
على الحنفية بدون معرفته بأصولهم؟ فإنهم إنما زادوا شرط التتابع فى صوم كفارة اليمين لكون
قراءة عبد الله مشهورة عندهم، ولم يزيدوا التغريب فى حد الزنا لكون الحديث من جنس الآحاد،
وحاشاهم أن يردوا شيئا مما قد صح عن النبى معَّ ◌ُلّه بل حملوا كل ما ورد عنه فى التغريب قولا
وفعلا على السياسة، بدليل ما قد صح عن عمر رضى الله عنه: "أنه غرب رجلا إلى خيبر فلحق
بهرقل فتنصر، فقال عمر: لا أغرب بعده مسلما". (زيلعى ٨٦:٢) ولم يكن ليعطل حدا من
حدود الله. فعلمنا بذلك أن التغريب سياسة، وليس من الحد فى شىء. وسيأتى بسط ذلك فى
الحدود إن شاء الله تعالى.
وقال أبو عبيد فى فضائل القرآن: "المقصد من القراءة الشاذة تفسير القراءة المشهورة(١)
وتبيين معانيها، كقراءة عائشة وحفصة: "والصلاة الوسطى صلاة العصر". وقراءة ابن مسعود:
"فاقطعوا أيمانهما". وقراءة جابر: "فإن الله من بعد إكرههن غفور رحيم". قال: فهذه الحروف وما
شاكلها قد صارت مفسرة للقرآن. وقد يروى مثل هذا عن التابعين فى التفسير فيستحسن فكيف
إذا روى عن كبار الصحابة ثم صار فى نفس القراءة؟ فهو أكثر من التفسير وأقوى. فأدنى ما
يستنبط من هذه الحروف معرفة صحة التاويل" انتهى. واختلف فى العمل بالقراءة الشاذة فنقل إمام
الحرمين فى البرهان عن ظاهر مذهب الشافعى أنه لا يجوز. وتبعه أبو نصر القشيرى، وجزم به ابن
الحاجب، لأنه نقله على أنه قرآن ولم يثبت. وذكر القاضيان أبو الطيب والحسين والرويانى والرافعى
العمل بها تنزيلا لها منزلة خبر الآحاد. وصححه ابن السبكى فى جمع الجوامع وشرح المختصر.
وقد احتج الأصحاب على قطع يمين السارق بقراءة ابن مسعود، وعليه أبو حنيفة أيضا كذا فى
الإتقان" للسوطي (٨٧:١).
(١) أراد بالمشهورة المتواترة، وبالشاذة ما لم يتواتر أعم من أن يكون مشهورا أو آحادا.

ج - ١١
اشتراط التتابع فى صوم كفارة اليمين
٣٦٥
٣٤٩٥- عن ابن جعفر الرازى عن الربيع بن أنس عن أبى العالية عن أبى بن
كعب أنه كان يقرأ: ((فصيام ثلاثة أيام متتابعات)). أخرجه الحاكم فى "المستدرك"،
وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" (زيلعى ٢: ٦٨). بإسناد جيد (دراية ٢٤٠).
٣٤٩٦- عن أبى بن كعب وابن مسعود رضى الله عنهما، أنهما قرءا: «فصيام
ثلاثة أيام متابعات)). حكاه أحمد، ورواه الأثرم بإسناده (نيل الأوطار ٤٧٣:٨ و٤٧٤).
وفيه أيضا: "وأثر أبى بن كعب أخرجه الدار قطنى وصححه". قلت: وأخرجه ابن أبى
شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبى داود وابن المنذر والبيهقى والحاكم وصححه
عن أبى بن كعب (الدر المنثور ٣٤:٢).
٣٤٩٧- أخبرنا ابن عيينة عن ابن أبى نجيح عن مجاهد، قال: فى قراءة ابن
مسعود ((فصيام ثلاثة أيام متتابعات)). رواه عبد الرزاق فى "مصنفه" (زيلعى ٦٨:٢).
قلت: كلهم رجال الجماعة.
٣٤٩٨- أخبرنا معمر عن أبى إسحاق والأعمش، قالا: فى حرف ابن مسعود
رضى الله عنه: ((فصيام ثلاثة أيام متابعات)). قال أبو إسحاق: "وكذلك نقرأها". رواه
عبد الرزاق فى "مصنفه" (زيلعى ٦٨:٢). قلت: رجاله رجال الجماعة.
وقال الطبرى فى تفسيره: " حدثنا أبو كريب ثنا وكيع قال: سمعت سفيان يقول: إذا فرق
صيام ثلاثة أيام لم يجزه. قال: وسمعته يقول فى رجل صام فى كفارة يمين ثم أفطر، قال: يستقبل
الصوم". (٢٠:٧). وهذا هو قول أبى حنيفة سواء. فهل يجترئ ابن حزم أن يقول فى سفيان أنه
زاد فى القرآن كذبا مفترى، نعوذ بالله منه. "وأخرج عبد الرزاق وابن أبى شيبة وعبد بن حميد
وابن جرير وابن المنذر وابن الأنبارى وأبو الشيخ والبيهقى من طرق عن ابن مسعود، أنه كان
يقرأها: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات". قال سفيان: ونظرت فى مصحف ربيع بن خيثم فرأيت فيه:
فمن لم يجد من ذلك شيئا فصيام ثلاثة أيام متتابعات". كذا فى "الدر المنثور" (٣١٤:٢). وربيع
ابن خيثم تابعى مخضرم ثقة عابد جليل. قاله ابن مسعود: "لو رآك رسول الله عَّ ◌ُلّه لأحبك". كذا
فى "التقريب" (٥٧). فهل يقول فيه ابن حزم ما قاله فى الحنفيين؟.
قوله: "عن أبى جعفر الرازى" إلى قوله: "حدثنا ابن وكيع" إلخ. دلالة الآثار على قراءة أبى
وابن مسعود ظاهرة، وفيه ما يدل على كون قراءة ابن مسعود بذلك مشهورة فى زمن التابعين
کما لا يخفى.

٣٦٦
اشتراط التتابع فى صوم كفارة اليمين
إعلاء السنن
٣٤٩٩- أخبرنا ابن جريج، سمعت عطاء يقول: بلغنا فى قراءة ابن مسعود:
((فصيام ثلاثة أيام متتابعات))، وكذلك نقرأها. رواه عبد الرزاق فى "مصنفه" (زيلعى"
٦٨:٢). قلت: رجاله رجال الجماعة.
٣٥٠٠- حدثنا وكيع عن سفيان عن جابر عن الشعبى، قال: قرأ عبد الله: («فصيام
ثلاثة أيام متتابعات)). رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه". (الزيلعى: السابق) وفى "الدراية"
(٢٤٠): "والشعبى عن عبد الله منقطع اهـ. قلت: مراسيله صحاح، ورجاله رجال
الجماعة إلا جابرا، وهو الجعفى وهو مختلف فيه، وقد مر ذكره غير مرة.
٣٥٠١- حدثنا هناد ثنا ابن المبارك عن ابن عون عن إبراهيم، قال: فى قراءتنا
(وفى رواية: فى قراءة أصحاب عبد الله): ((فصيام ثلاثة أيام متتابعات)). رواه الطبرى
فى تفسيره (٢٠:٧). وسنده صحيح على شرط مسلم.
٣٥٠٢- حدثنا ابن وكيع ثنا محمد بن حميد عن معمر عن ابن إسحاق فى قراءة
عبد الله: ((فصيام ثلاثة أيام متتابعات)). رواه الطبرى أيضا (٧: ٢٠). وسفيان بن وكيع
ضعيف، وإنما ذ کرناه اعتضادًا.
٣٥٠٣- حدثنا بشر بن معاذ ثنا جامع بن حماد ثنا يزيد بن زريع ثنا سعيد عن
قتادة قوله: فصيام ثلاثة أيام، قال: "إذا لم يجد طعاما، وكان فى بعض القراءة: فصيام
ثلاثة أيام متتابعات)). وبه كان يأخذ قتادة. رواه الطبرى أيضا (٧: ٢٠). ورجاله ثقات،
وجامع بن حماد إن لم يكن عبد الأعلى بن حماد فلست أعرفه.
٣٥٠٤- حدثنى المثنى ثنا عبد الله بن صالح ثنى معاوية بن صالح عن على بن أبى
طلحة عن ابن عباس، قال: "هو بالخيار فى هؤلاء الثلاثة، الأول، فالأول، فإن لم يجد
من ذلك شيئا فصيام ثلاثة أيام متتابعات". رواه الطبرى أيضا (٢٠:٧). وسنده جيد،
وأخرج أبوعبيد وابن المنذر عنه أنه كان يقرأها: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" (الدر
المنثور ٣١٤:٢).
قوله: "حدثنا بشر بن معاذ" إلخ. فيه أخذ قتادة بقراءة أبى وابن مسعود. فهل يقول فيه ابن
حزم ما قاله فى الحنفیین؟
قوله: "حدثنى المثنى" إلخ. دلالة قول ابن عباس على اشتراط التتابع فى صيام كفارة اليمين

ج - ١١
٣٦٧
٣٥٠٥- حدثنا محمد بن العلاء ثنا وكيع عن سفيان عن ليث عن مجاهد، قال:
"كل صوم فى القرآن فهو متتابع إلا قضاء رمضان، فإنه عدة من أيام أخر ". رواه
الطبرى أيضا (٧: ٢٠). وسنده على شرط مسلم. وأخرج مالك والبيهقى عن حميد
ابن قيس المكى قال: كنت أطوف مع مجاهد فجاءه إنسان يسأله عن صيام الكفارة
أيتابع؟ قال حميد: فقلت: لا، فضرب مجاهد فى صدرى، ثم قال: إنها فى قراءة أبى
ابن كعب متتابعات". (الدر المنثور ٣١٤:٢).
٣٥٠٦- عن على، "أنه كان لا يفرق فى صيام اليمين ثلاثة أيام". رواه ابن أبى
شيبة (الدر المنثور، السابق).
باب أن كفارة اليمين إنما هى بعد الحنث
٣٥٠٧- عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله عَ لّه: ((إذا حلفت على
يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذى هو خير وكفر عن يمينك)). وفى لفظ: ((فكفر
ظاهرة. ولو اطلع عليه ابن حزم لاستحبى مما قاله فى الحنفية. وأخرجه ابن مردويه عن ابن عباس
مرفوعا: قال: "لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة: يا رسول الله عّ لّه! نحن بالخيار؟ قال: أنت
بالخيار إن شئت أعتقت، وإن شئت كسوت، وإن شئت أطعمت، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام
متتابعات". کذا فى "الدر المنثور" (٣١٤:٢). ولیت السیوطی لم يحذف سنده، فإن صح فهو
حجة قوية لأبى حنيفة ومن وافقه من الجمهور على ابن حزم، ومن حذى حذوه، وإن ضعف فقد
تأيد بطريق أخرجها الطبرى، والضعيف إذا تأيد بشاهد تقوى.
قوله: "حدثنا محمد بن العلاء" إلخ. فيه أخذ مجاهد بقراءة أبى: "متتابعات" فهل يقول
فيه ابن حزم كما قاله فى الحنفية أنه زاد فى القرآن ما ليس منه؟ وبالجملة فمذهب الحنفية فى الباب
أقوی ما یکون. ولله الحمد.
باب أن كفارة اليمين إنما هى بعد الحنث
قوله: عن عبد الرحمن بن سمرة إلخ قال فى الهداية: وإنْ قدم الكفارة قبل الحنث لم يجزه.
وقال الشافعى: يجزيه بالمال، (دون الصوم) لأنه أداها بعد السبب وهو اليمين، فأشبه التكفير بعد
الجرح. ولنا أن الكفارة لستر الجناية (من الكفر وهو الستر قال القائل ع: فى ليلة كفر النجوم
غمامها) ولا جناية ههنا، واليمين ليست بسبب لأنه مانع غير مفض بخلاف الجرح لأنه مفض اهـ.
وقال المحقق فى "الفتح" فى توضيح دليل الشافعى ما نصه: "وإنما كان سبب الكفارة هو

٣٦٨
كفارة اليمين إنما هى بعد الحنث
إعلاء السنن
عن يمينك وأت الذى هو خير)). متفق عليهما (نيل الأوطار ٤٧٣:٨).
اليمين لأنه أضيف إليه الكفارة فى النص، بقوله تعالى: ﴿ذلك كفارة أيمانكم﴾ وأهل اللغة والعرف
يقولون: كفارة اليمين، ولا يقولون: كفارة الحنث، والإضافة دليل لسببية المضاف إليه للمضاف
الواقع حكما شرعيا أو متعلقه، كما فيما نحن فيه، فإن الكفارة متعلق الحكم الذى هو الوجوب.
وإذا ثبت سببية جاز تقديم الكفارة على الحنث، لأنه حينئذ شرط والتقديم على الشرط بعد وجوب
السبب ثابت شرعا، كما جاز فى الزكاة تقديمها على الحول بعد السبب الذى هو ملك النصاب،
ومقتضى هذا أن لا يفترق المال والصوم، وهو قوله القديم، وفى الجديد لا يقدم الصوم، لأن تقدم
الواجب بعد السبب قبل الوجوب لم يعرف شرعا إلا فى المالية كالزكاة، فيقتصر عليه. وذهب
جماعة من السلف إلى التكفير قبل الكنت مطلقا، صوما كان أو مالا، وهو ظاهر الأحاديث التى
يستدل بها على التقديم كما سيذكر. وس ما فى الصحيحين عن عبد الرحمن بن سمرة مرفوعا:
إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكانمر عن يمينك وأت الذى هو خير. وفى مسلم من
حديث أبى هريرة رفعه: "من حلف على عر فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذى
هو خير". وفى المستدرك عن عائشة مرفوعا: لا أحلف على يمين إلا كفرت عن يمينى ثم أتيت
الذى هو خير. وفى سنن أبى داود من حديث عبد الرحمن بن سمرة بلفظ: "فکفر عن يمينك ثم
ائت الذى هو خير" اهـ ملخصا (٣٦٨:٣). واحتجوا أيضا بما روى أن رسول الله عدّ له كفر قبل
الحنث. وذلك أنه لما نظر إلى حمزة سيد الشهداء مرّ ◌ُلّ قد مثل به وجرح جراحات عظيمة، فرأى
منظرا لم ير منظرا قط أوجع لقلبه منه ولا أوجل، فحلف وهو واقف مكانه: "والله لأمثلن بسبعين
منهم مكانك. فنزل القرآن وهو واقف فی مکانه: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾. حتى
ختم السورة، وكفر رسول الله عّ لّه عن يمينه، وأمسك عما أراد". رواه الحاكم فى "المستدرك"
وسكت عنه. وفيه صالح المرى قال الذهبى: واه اهـ (١٩٧:٣). ورواه الطبرانى بوجه آخر، وفيه
أحمد بن أيوب بن راشد وهو ضعيف، (مجمع الزوائد).
ولنا أن الواجب كفارة، والكفارة تكون للسيئات إذ من البعيد تكفير الحسنات، وعقد
اليمين مشروع، قد أقسم رسول الله مَّ فى غير موضع، وكذا الرسل المتقدمة عليهم الصلاة
والسلام كما نطق به القرآن، والأنبياء معصومون عن الكبائر والمعاصى، فدل أن نفس اليمين ليست
بذنب. وقال النبى عّ لّهِ: إذا حلفتم فاحلفوا بالله). وقال: ((من كان حالفا فليحلف بالله أو ليذر))،
أمر ◌ّ باليمين بالله تعالى، فدل أن نفس اليمين ليس بذنب، فلا يجب التكفير لها، وإنما يجب
للحنث، لأنه هو المأثم فى الحقيقة. ومعنى الذنب فيه أنه كان عاهد الله تعالى أن يفعل كذا، فالحنث

ج -: ١١
كفارة اليمين إنما هى بعد الحنث
٣٦٩
٣٥٠٨- عن أبى موسى فى حديث طويل مرفوعًا: ((إنى والله لا أحلف على يمين
يخرج مخرج نقض العهد منه، فيأثم بالنقض لا بالعهد، ولذلك قال الله تعالى: ((وأوفوا بعهد الله إذا
عاهدتم، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها، وقد جعلتم الله عليكم كفيلا﴾. ولأن عقد اليمين يخرج
مخرج التعظيم والتبجيل لله تعالى، فيمتنع أن تجب الكفارة محوا له وسترا. وتبين بطلان قولهم: إن
الحالف يصير عاصيا بترك الاستثناء فى اليمين، لأن الأنبياء صلوات الله عليهم تركوا الاستثناء فى
الیمین، ولم یجز وصفهم بالمعصية. فدل أن ترك الاستثناء فی الیمین لیس بحرام وإن کان تر که فى
مطلق الوعد منها عنه كراهة تنزيه.
وأما إضافة الكفارة إلى اليمين فليست للوجوب بها، بل على إرادة الحنث كإضافة كفارة
الفطر إلى الصيام، وإضافة الدم إلى الحج، وإن لم يكن ما أضيف إليه سببا كذا هذا. وأما الحديث
فقد روی بروايات، روی: "فلیأت الذی هو خیر ولیكفر يمينه". وروى: "فليأت الذى هو خير ثم
ليكفر يمينه". وعلى الروايات كلها هو حجة عليهم لا لهم، لأن الكفارة لو كانت واجبة بنفس
اليمين لقال عليه الصلاة والسلام: "من حلف على يمين فليكفر"، من غير التعرض لما وقع عليه
اليمين(١) أنه ماذا، فلما خص اليمين على ما كان الحنث خيرا من البر بالنقض والكفارة علم أنها
تختص بالحنث دون اليمين نفسها، وأنها لا تجب بعقد اليمين دون الحنث، وأيضا: فإن السبب ما
يكون مفضيا إلى المسبب لغة وعرفا. واليمين مانعة من الحنث، فكانت مانعة من وجوب الكفارة،
إذ الوجوب شرط الحنث بلا خلاف بيننا، فكيف يكون سببا للوجوب؟ بخلاف التكفير بعد
الجرح قبل الموت، لأن الجرح سبب للموت لكونه مفضيا إليه.
فإن قيل: الكفارة تجب بنفس اليمين أصل الوجوب لكن يجب أداؤها عند الحنث، كالزكاة
تجب عند وجود النصاب لكن يجب الأداء عند الحول. فالجواب أنه لا وجوب إلا وجوب الفعل،
فأما وجوب غير الفعل فأمر لا يعقل على ما عرف فى موضعه. وأما تكفير النبى معَ له فنقول: ذلك
فى المعنى كان تكفيرا بعد الحنث لأنه تكفير بعد العجز عن تحصيل البر، لأن النبى معَ له معصوم عن
المعصية. وكان الوفاء بتلك اليمين معصية، إذ هو قد نهى عن ذلك فصار عاجزا عن البر، فصار
حانثا. وإن كان ذلك الفعل ممكن الوجود فى نفسه، فكان وقت يأسه وقت النهى لا وقت الموت.
(١) بل قد ثبت عكسه وهو التعرض لإتيان ما هو خير وحذف الكفارة، كما روى مسلم عن عدى بن حاتم بلفظ: "من حلف على
يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذى هو خير، وليترك يمينه". هكذا أخرجه من وجهين ولم يذكر الكفارة. كذا فى فتح
البارى (٥٣٥:١١).

٣٧٠
كفارة اليمين إنما هى بعد الحنث
إعلاء السنن
فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذى هو خير وتحللتها)). وفى رواية غيلان عن أبى
وأما فى حق غير النبى معَّه وقت اليأس والعجز هو وقت الموت فى مثل هذه اليمين، إذ غير
النبى معَّ غير معصوم عن المعاصى، فلا يتحقق العجز قبل الموت، لتصور وجود البر مع وصف
العصيان فهو الفرق. كذا فى "البدائع" ملخصا (٢٠:٣).
وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: "قد بينا أن الكفارة الواجبة بعد الحنث مرادة بالآية
(اتفاقا وهى قوله: "ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم". الآية). وإذا أريد بها الكفارة الواجبة امتنع أن
ينتظم ما ليس منها لاستحالة كون لفظ واحد مقتضيا للإيجاب ولما ليس بواجب، فمن حيث أريد
بها الواجب انتفى ما ليس منها بواجب، وأيضا: فقد ثبت أن المتبرع بالطعام ونحوه لا يكون
مكفرا به إذا لم يحلف فلما كان المكفر قبل الحنث متبرعا بما أعطى ثبت أن ما أخرج ليس بكفارة،
ومتى فعلّه لم يكن فاعلا للمأمور به. وأما إعطاء كفارة القتل قبل الموت وتعجيل الزكاة قبل الحول
فإن جميع ما أخرج هؤلاء تطوع وليس بكفارة ولا زكاة. وإنما أجزناه لما قامت الدلالة أن إخراج
هذا التطوع يمنع لزوم الفرض بوجود الموت وحؤول الحول" اهـ (٢٥٦:٢).
وحاصله: أن تعجيل الزكاة قبل الحول بعد وجوب النصاب عرفناه بالنص فيقتصر على
مورده، ولا يصح قياس كفارة اليمين عليه لانتفاء النص ههنا. وما ذكروه من الروايات معارضة
بروايات عديدة، كحديث عبد الرحمن هذا فى البخارى وغيره بالواو، فينزل رواية ثم منزلة
الشاذ منها. فيجب حملها على معنى الواو حملا للقليل الأقرب إلى الغلط على الكثير. ومن ذلك
حديث عائشة فى المستدرك رواه البخارى عنها بلفظ إن أبا بكر كان إلى آخر ما فى المستدرك.
وفيه العطف بالواو وهو أولى بالاعتبار وقد شذت رواية "ثم" لمخالفتها روايات الصحيحين والسنن
والمسانيد، فصدق عليها تعريف المنكر فى علم الحديث، وهو ما خالف فيها الحافظ الأكثر، يعنى
من سواه ممن هو أولى منه بالحفظ والإتقان. فلا يعمل بهذه الرواية ويكون التعقيب المفاد بالفاء
للجملة المذكورة كما فى "ادخل السوق فاشتر لحما وفاكهة". وهذا لأن الواو لما لم تقتض
التعقيب كان قوله: "فليكفر" لا يلزم تقديمه على الحنث، بل جاز كونه قبله وبعده، وكان الحاصل
فليفعل الأمرين، وهكذا قلنا فى قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم﴾. الآية. ثم قد وردت
روايات بعكسه، منها ما فى صحيح مسلم من حديث عدى بن حاتم عنه عَّ له: ((من حلف على
يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت بما هو خير، وليكفر عن يمينه". ومنها ما رواه الإمام أحمد عن
عبد الله بن عمر وذكرناه فى المتن. ومنها حديث أبى موسى وهو مذكور فى المتن أيضا، ومنها ما
أخرجه النسائي عن أبى الأحوص عن أبيه مرفوعا فى حديث طويل: "فأمرنى أن آتى الذى هو خير

ج - ١١
كفارة اليمين إنما هى بعد الحنث
٣٧١
بردة: (إلا كفرت عن يمينى)): متفق عليه (فتح البارى، ١١: ٥٣١).
وأكثر عن يمينى". ثم لو فرض صحة رواية "ثم"، كان من تغيير الرواية وتصرف الرواة، إذ قد
ثبتت الروايات فى الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث بالواو. ولم سلم فالواجب كما قدمنا
حمل القليل على الكثير الشهير لا عكسه. فتحمل "ثم" على الواو التى امتلأت كتب الحديث
منها دون ثم، كذا فى "فتح القدير" ملخصا (٣٦٩:٣). وقال الحافظ فى "الفتح" فى حديث عبد
الرحمن بن سمرة: "قوله: فأت الذى هو خير وكفر عن يمينك". هكذا وقع للأكثر، وللكثير منهم
فکفر عنيمينك وأت الذى هو خير" اهـ (٥٣٥:١١).
قلت: وكذا وقع للأكثر تقديم الحنث على التكفير فى حديث أبى موسى. رواه بعضهم على
العكس كما لا يخفى على من جمع طرقه من عند مسلم والنسائى وغيرهما. وبالجملة فتقديم
الحنث على الكفارة قوى رواية ودراية. أما الرواية فلكثرة من ذكر الحنث مقدما كما عرفت. وأما
الدراية فلقيام الجماع على عدم وجوب التكفير قبل الحنث وتقديم التكفير على الحنث فيما احتج به
الخصم يفيد وجوب هذا التقديم، لأن مقتضى الأمر الوجوب. ولم يقل به أحد، بخلاف ما إذا قدم
الحنث فلا خلاف فى وجوب الحنث فی مین یری غيرها خيرا منها، ولا فى وجوب كفارتها،
فيبقى الأمر على أصله فى إفادة الوجوب فافهم.
والعجب من البخارى كيف ترجم فى كتابه "باب الكفارة قبل الحنث". فذكر فيها حديث
أبى موسى بلفظ: "إنى لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذى هو خير
وتحللتها". وحديث عبد الرحمن بن سمرة بلفظ: "فائت الذى هو خير وكفر عن يمينك"؟
وكلاهما غير مطابق، والرواية الأخرى عنده فى الحديثين، فلا يحتاج أن يشير إليهما فى الترجمة.
قاله الزيلعى (٦٩:٢). واحتج من أجاز التكفير قبل الحنث بأن ظاهر الآية أن الكفارة وجبت
بنفس اليمين. ورد بأنها لو كانت بنفس اليمين لم تسقط عمن لم يحنث اتفاقا. وقال العياض:
اتفقوا على أن الكفارة لا تجب إلا بالحنث، وأنه يجوز تأخيرها بعد الحنث، واستحب مالك
والشافعى والأوزاعى والثورى تأخيرها بعد الحنث. قال ابن المنذر: واحتج للجمهور بأن اختلاف
ألفاظ حديثى أبى موسى وعبد الرحمن لا يدل على تعيين أحد الأمرين. وإنما أمر الحالف بأمرين
فإذا أتى بهما جميعا فقد فعل ما أمر به، وإذا لم يدل الخبر على المنع فلم يبق إلا طريق النظر. فاحتج
الجمهور بأن عقد اليمين لما كان يحله الاستثناء وهو كلام فلأن تحله الكفارة وهو فعل مالى أو
بدنى أولى. ويرجح قولهم أيضا بالكثرة. وذكر أبو الحسن بن القصار وتبعه عياض وجماعة أن
عدة من قال بجواز تقديم الكفارة أربعة عشر صحابيا وتبعهم فقهاء الأمصار إلا أبا حنيفة ذكره

٣٧٢
كفارة اليمين إنما هى بعد الحنث
إعلاء السنن
الحافظ فى "الفتح" (٥٢٧:١١).
قلت: أما قوله: "وإذا لم يدل الخبر على المنع فلم يبق إلا طريق النظر" بعيد من الإنصاف.
فقد عرفت ترجيح الخبر بتقديم الحنث على التكفير رواية ودراية، وأما النظر الذى ذكره ففيه قياس
المحلل على المبطل، فإن الاستثناء لا يحل اليمين بعد انعقادها، بل يمنع انعقادها يمينا ويبطلها، بخلاف
الكفارة، فإنها تستدعى يمينا منعقدة لم تبطل بعد، ولا تجب إلا عقوبة ساترة للذنب، فكيف يجوز
تقديمها على الحنث ولم يوجد سببها؟ وأما ما ألزموا أبا حنيفة أنه قال فيمن أخرج ظبية من الحرم
إلى الحل فولدت أولادا ثم ماتت فى يده هى وأولادها: أن عليه جزاءها وجزاء أولادها لكن إن
كان حين إخراجها أدى جزاءها لم يكن عليه فى أولادها شىء مع أن الجزاء الذى أخرجه عنها
كان قبل أن تلد أولادها فيحتاج إلى الفرق بل الجواز فى كفارة اليمين أولی اهـ. من "فتح البارى"
أيضا. ففيه أن أبا حنيفة لم يقل بأن الجزاء الذى أداه بعد إخراجها من الحرم قبل أن تلد تجزى عنها
وعن أولادها، بل قال: إنه حين أدى جزاءها بعد إخراجها ملكها فلم تلد فى يده وهى من صيد
الحرم، بل ولدت وهى مملوكة له، ولا جزاء فى أولاد ظبية هى مالك لها، بخلاف ما إذا ولدت قبل
أداء الجزاء فقد ولدت وهى من ضيد الحرم، وأولاد صید الحرم فی حکمه، فإن ماتت هى وأولادها
فى يده لزمه جزاؤها وجزاء أولادها، ولا شك أن الإخراج من الحرم جناية توجب الجزاء، فلو أدى
جزاءها بعد ما أخرجها معا فقد أداه بعد تحقق سبب الوجوب، بخلاف التكفير قبل الحنث فإنه
يستلزم الأداء قبل السبب، وهو باطل، كمن أدى جزاء الصيد قبل إخراجه من الحرم ثم أخرجه
منه، فتبين الفرق وبطل ما ألزموه به. والله أعلم.
قال الحافظ فى "الفتح" أيضا: "قال القاضى عياض: الخلاف فى جواز تقديم الكفارة على
الحنث مبنى على أن الكفارة رخصة لحل اليمين أو لتكفير مأتمها بالحنث. فعند الجمهور أنها
رخصة شرعها الله لحل ما عقد من اليمين، فلذلك تجزى قبل وبعد اهـ. قلت: ما أبعد القول بكونها
رخصة وتسميتها كفارة تؤذن بكونها عقوبة وحدا، وقد قال رسول الله مَّ لله: "إذا استلج أحدكم
ياليمين فى أهله فإنه آثم عند الله من الكفارة التى أمر بها". رواه الحاكم وصححه على شرطهما،
وأقره عليه الذهبى" (٣٠٢:٤). فإنه مشعر بكون الكفارة إنما أمر بها لرفع الإثم.
قال الحافظ: " وقال الباجى وابن التين وجماعة: الروايتان دالتان على الجواز، لأن الواو
لا ترتب. قال ابن التين: فلو كان تقديم الكفارة لا يجزئ لأبانه، ولقال: فليأت ثم ليكفو، لأن تأخير
البيان عن الحاجة لا يجوز، فلما تركهم على مقتضى اللسان دل على الجواز" اهـ (٥٢٧:١١).

ج - ١١
كفارة اليمين إنما هى بعد الحنث
٣٧٣
ورد بأنه عّ لّه لم يتركهم على مقتضى اللسان من غير بيان، بل نص على تقديم الحنث على الكفارة
فى غير ما حديث، ولا يلزم من تصرف الرواة فى لفظ الحديث تأخير البيان عن الحاجة. فيجب
علينا التأمل وترجيح بعض الروايات على بعض كما تقدمت الإشارة إليه. وفى "الجوهر النقي":
(٢٣٦:٢): "لأن الكفارة للتغطية، ولم يوجد معنى يصح أن يكون الكفارة تغطية له. ولأن قوله:
"فليكفر " أمر وظاهره للوجوب والكفارة لا يجب إلا بعد الحنث". وفيه أيضا: ثم إن حولان
الحول شرط لوجوب الزكاة والسبب هو النصاب فلذلك جاز تقديم الزكاة على الحول لوجود.
السبب، بخلاف كفارة اليمين لأن سببها هو الحنث فلذلك لم يجز تقديمها على الحنث. وليست
اليمين سببا بدليل أنه لو بر فى يمينه لم يكن عليه كفارة مع وجود اليمين. وأيضا: فاليمين لا يبقي
على الحنث، ولا يجوز أن يكون سبب الشىء ما لا يبقى معه. وأيضا: فاليمين تضاد الحنث، لأن
الحنث يوجب حل اليمين وضد الشىء لا يكون سببا له اهـ. وفيه أيضا: حكى البيهقى عن الشافعى
قال: إن كفر قبل الحنث بالطعام رجوت أن يجزى عنه قياسا على تعجيل الزكاة وصدقة الفطر.
قلت: بحث معه الطحاوى بما ملخصه: إن لم يجز تعجيل الصيام فكذا بقية الكفارات، إذ
الكفارة بالكفارة أشبه منه بالزكاة، ولئن شبه الإطعام بالزكاة فمن أين جوز تقديم العتق؟ ولا أصل
له يرده إليه، ولو أعتق قبل أن يظاهر لم يجز عنده ولا عند غيره. فوجب أن يرد رقبة اليمين إلى
هذه الرقبة فإن قال: لم يظاهر بعد، قلت: لم يحنث بعد، والنكاح سبب للظهار كما أن اليمين
سبب للحنث ولا فرق بينهما. انتهى كلامه إلى أن قال: فبعد الحنث يمكن حمل اللفظ (أى ليكفر
عن يمينه) على جميع الكفارات، وقبل الحنث خصص الشافعى اللفظ ببعضها، فترك الظاهر من
ثلاثة أوجه: أحدها تسميتها كفارة وليس هناك ما يكفر، والثانى صرف الأمر عن الوجوب إلى
الجواز، والثالث تخصيص التكفير ببعض الأنواع. وإذا قدمنا الحنث سلمنا من ذلك كله" اهـ.
وفيه أيضا: "ويجعل " ثم" فى الرواية التى لفظها: فليكفر عن يمينه ثم ليأت الذى هو خير،
بمعنى الواو، كقوله تعالى: ﴿فك رقبة﴾ إلى أن قال تعالى: ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾". إذ الإيمان
يتقدم على هذه الأفعال". قلت: والرواية التى فيها لفظ: "ثم ليأت الذى هو خير" قد أخرجها أبو
داود ولفظه قال: "فكفر عن يمينك ثم ائت الذى هو خير" (١٠٩:٢). وقال الزيلعى (٦٩:٢):
"سند صحيح" اهـ.
الجواب عن إيراد ابن حزم على الجنفية:
قلت: ورده ابن حزم فى المحلى بما نصه: "واعترض بعضهم بأن قال: قول رسول الله عد له:
((فليكفر ثم ليأت الذى هو خير". هو مثل قول الله تعالى: ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾، وكقوله

٣٧٤
كفارة اليمين إنما هى بعد الحنث
إعلاء السنن
تعالى: ﴿ثم آتينا موسى الكتاب﴾. وليس كما ظنوا، أما قوله تعالى: ﴿ثم كان من الذين أمنوا﴾.
فقد ذكرنا قول رسول الله عرّ له لحكيم بن حزام: "أسلمت على ما أسلفت من الخير". فصح بهذه
الآية عظيم نعمة الله تعالى على عباده فى قوله كل عملُ بر عملوه فى كفرهم ثم أسلموا، فالآية
على ظاهرها" اهـ. قلت: ومن أنبأك أن الآية نزلت فى من عمل برا فى كفره ثم أسلم. وهل
تخصيص العام من غير دليل إلا تحكم وتمويه بالباطل. قال: وأما قوله تعالى: ﴿ثم آتينا موسى
الكتاب﴾، فليس كما ظنوا، لأن أول الآية قوله عز وجل: ﴿وأن هذا صراطى مستقيما﴾. وقال
تعالى: ﴿مّة أبيكم إبراهيم﴾. فصح أن الصراط الذى أمرنا الله تعالى باتباعه هو صراط إبراهيم .
عليه السلام. وقد كان قبل موسى بلا شك. ثم آتى الله موسى الكتاب، فهذا تعقيب بمهلة لا شك
فیه " اهـ (٦٧:٨ و ٦٨).
فيا له من تحريف فى القرآن قد ارتكبه، وتأويل بالباطل قد ابتدعه، فإن أول الآيات هناك قوله
تعالى: ﴿قل تعالوا أتل ما حرّم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا﴾. ثم عطف
عليه ﴿وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه﴾. وفيه خطاب لنبينا محمد عّ لّه حتما دون إبراهيم عليه
السلام، فليس معنى قوله: ﴿وأن هذا صراطى مستقيما﴾ إلا أنه صراط محمد أفضل الأنبياء
والرسل صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. وتأويله "بأن هذا صراط إبراهيم"، تحريف
محض، وصرف للكلام عن ظاهره. ولا يلزم من قوله: ﴿ملّة أبيكم إبراهيم﴾، أن لا يكون لسيدنا
محمد عَّ صراط قد امتاز به أصلا، وأن يكون خطاب الله له مستلزما لذكر إبراهيم دائما،
فعجبا ممن يذم القياس وأهله أن يقول فى كتاب الله برأيه، ويفسره بما لم يفسره به رسول الله مێے،
ولا أحد من أصحابه ولا أتباعهم، ويصرفه لنصرة ما ذهب إليه عن ظاهره، ويموه للناس هواه بتأويل
القرآن بالباطل. نعوذ بالله من العصبية التى تعمى وتصم. وماذا يقول هذا القائل فى قوله تعالى:
﴿ثم الله شهيد على ما يفعلون﴾؟ قال ابن حزم بعد ذكر الأحاديث الواردة فى تقديم الحنث على
الكفارة وعكسه، فهذه أحاديث جامعة لجميع أحكام ما اختلفوا فيه من جواز تقديم الكفارة قبل
الحنث، فوجب استعمال جميعها، ولم يكن بعضها أولى بالطاعة من بعض، ولا تحل مخالفة بعضها
لبعض، فكان ذلك جائزاً" اهـ (٦٧:٨).
قلت: إنما يجب استعمال الجميع إذا ثبت عن رسول الله عرّضله أنه قدم الحنث على الكفارة
رة، وقدم الكفارة على الحنث أخرى، ودون إثباته خرط القتاد، بل الظاهر أن رسول الله عَّ خيّه كان
!. قدم أحدهما على الآخر، وإنما نشأ الاختلاف من تصرف الرواة. فلا بد من ترجيح بعض

٣٧٥
كفارة اليمين إنما هى بعد الحنث
ج - ١١
الروايات على بعض، والراجح عندنا تقديم الحنث على الكفارة بدلائل قد ذكرناها فيما مضى
فتذ کر وسنذ کر بعضھا فیما سیأتی فانتظر.
قال الإمام السرخسى فى "المبسوط": وما رواه الشافعى محمول على التقديم والتأخير
بدليل ما روينا. وهذا لمعنيين: أحدهما أن الأمر يفيد الوجوب حقيقة ولا وجوب قبل الحنث
بالاتفاق. والثانى أن الكفارة إنما تجب خلفا عن البر الواجب ليصير عند أداءها كأنه تم على بره،
ولا معتبر بالخلف فى حال بقاء الواجب، وقبل الحنث ما هو الأصل باق وهو البر، فلا تكون
الكفارة خلفا كما لا يكون التيمم طهارة مع القدرة على الماء" اهـ (١٤٨:٨). وهذا هو الفقه والله
فلذلك فليعمل العاملون.
قال ابن حزم: "وقولنا هذا هو قول عائشة أم المؤمنين، ومن طريق ابن أبى شيبة نا المعتمر بن
سليمان التيمى عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين: أن مسلمة بن مخلد وسلمان الفارسى
كانا يكفران قبل الحنث. وبه إلى ابن أبى شيبة نا حفص بن غياث عن أشعث عن ابن سيرين: أن أبا
الدرداء دعا غلاما له فأعتقه، ثم حنث فصنع الذى حلف عليه. وبه إلى ابن أبى شيبة نا أزهر عن
ابن عون: أن محمد بن سيرين كان يكفر قبل الحنث. وهو قول ابن عباس أيضا. ولا يعلم لمن
ذكرنا مخالف من الصحابة رضى الله عنهم إلا أن يسموها موه برواية عبد الرزاق عن الأسلمى هو
إبراهيم بن أبى يحيى عن رجل سماه عن محمد بن زياد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس: أنه
کان لا یکفر حتی یحنث، وهذا باطل، لأن ابن یحیی مذ کور بالكذب، ثم عمن لم یسم، ثم لو
صح لما كان لهم فيه حجة، لأنه ليس فيه أن ابن عباس لم يجز الكفارة قبل الحنث: إنما فيه أنه كان
يؤخر الكفارة بعد الحنث فقط، ونحن لا ننكر هذا" اهـ (٦٨:٨).
قلت: ابن سيرين عن مسلمة بن مخلد وسلمان الفارسى وأبى الدرداء منقطع. قال عبد الله
بن أحمد عن أبيه: سمع من أنس وعمران وأبى هريرة وابن عمر، ولم يسمع من ابن عباس شيئا.
وقال ابن أبى حاتم: سئل أبى هل سمع من أبى الدرداء؟ قال: لا! قد أدركه ولا أظنه سمع منه، ذلك
بالشام وهذا بالبصرة. قال: وسمعت أبى يقول: لم يسمع عائشة، ولم يسمع من أبى برزة، ولم يلق
أبا ذر. كذا فى "التهذيب" (٢١٦:٩). فلا ندرى متى يكون المنقطع والمرسل باطلا عند ابن حزم،
ومتى هو حجة عنده؟ أو لا يستحيى ابن حزم من أن يحتج بما لا حجة له فيه؟.
وأما طعنه فى ما رواه الأسلمى بسنده عن ابن عباس، ففيه أن السند الضعيف أولى من
قولك. "وهو قول ابن عباس" بلا سند، وهذا بلفظ: "أنه کان لا یکفر حتی یحنث". يرد قول من

٣٧٦
كفارة اليمين إنما هى بعد الحنث
إعلاء السنن
٣٥٠٩- عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله عَّ له: ((من حلف على يمين
فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذى هو خير ثم ليكفر عن يمينه)). رواه الإمام أحمد (فتح
القدير ٣٩٩:٤).
قال: "أنه كان يكفر قبل أن يحنث". واقتصار ابن حزم على ذكر خمسة من الصحابة يرد قول ابن
القصار: أن عدة من قال بجواز تقديم الكفارة أربعة عشر صحابيا، فإنه لو صح ذلك عنهم لصاح
به ابن حزم، ولم يقتصر على خمسة منهم مع سعة نظره وقوة حفظه وطول باعه فى الحديث. وقد
عرفت أنه لم يثبت عن الخمسة أيضا، لما فى أسانيدها من الانقطاع والإرسال، وهو قادح فى
الصحة عند المحدثين. وإنما يرجع إلى أقوال الصحابة وأفعالهم عندنا إذا لم يكن فى المسألة نص عن
الشارع صلاة الله وسلامه عليه، وليس ما نحن فيه كذلك، فإن الشارع قد نص عليه فى غير ما
حديث مرفوع صحيح، والاختلاف الذى وقع من الرواة فى لفظ ممكن الارتفاع بالترجيح كما
أشرنا إليه سابقا. وقد ورد عن أم سلمة ما يدل على تقديم الحنث على الكفارة كما سيأتى.
قوله: "عن عبد الله بن عمرو" إلخ. هذا هو الصواب باثبات الواو بعد عمر. وقد سقطت
من نسخة الفتح فاغتر بها بعض الناس. وتتبع الحديث فى مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثم
كتب فى الإحياء: "لم أجده فى مسند أحمد مع التتبع البليغ، فلعله فى كتاب آخر له" اهــ ولو
راجع المجتبى للنسائى (١٤٤:٢) والجامع الترمذى (١٨٤:١)، لعلم أن الحديث لعبد الله بن عمرو
ابن العاص الأموى دون عبد الله بن عمر العدوى. وقد وقع فى نسخة الفتح تصحيف(١) آخر من
الناسخين وهو إبدال الواو بثم فى قوله: "فليأت الذى هو خير ثم ليكفر عن يمينه". فإن الحديث فى
مسند أحمد إنما هو بالواو دون ثم. قال عبد الله: ثنى أبى ثنا الحكم بن موسى قال عبد الله: وسمعته
أنا من الحكم ابن موسى، ثنا مسلم بن خالد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو، قال:
قال رسول الله معرّ فليه: ((من حلف على يمين فرأى خيرا منها فليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه"
(٢٠٤:٢). وفيه مسلم بن خالد الزنجى وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه أحمد وغيره، وكان فقيه
أهل مكة، ومنه تعلم الشافعى الفقه قبل أن يلقى مالكا، ووثقه ابن معين وناهيك به موثقا، كما فى
"تهذيب التهذيب" (١٢٨:١٠).
(١) والدليل على أنه من تصرف الناسخين قول ابن الهمام بعد ذلك: "وأما لفظ الحديث على ما ذكره المصنف فلم يعرف أصلا
أعنى قوله: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذى هو خير ثم ليكفر عن يمينه" اهـ (٣٦٩:٣) فلو كان قد
وجد الحديث فى مسند أحمد بلفظ: "ثم ليكفر عن يمينه". لم يقل: "أن لفظ الحديث على ما ذكره المصنف لم يعرف أصلا"
فافهم. والعجب من بعض الناس أنه كيف لم يتنبه لهذا. والله يهدى من يشاء لما يشاء.

ج - ١١
كفارة اليمين إنما هى بعد الحنث
٣٧٧
فإن قيل: قد رواه الطبرانى فى الكبير بلفظ: "من حلف على يمين فرأى خيرا منها فليكفر
عن يمينه وليأت الذى هو خير" كما فى "مجمع الزوائد" (١٨٤:٤)، قلنا: أحمد وابنه أوثق من
الطيرانى وأجل، فالمحفوظ عن مسلم بن خالد لفظ أحمد وابنه. فإن قيل: رواه النسائى فى المجتبى:
أخبرنا عمرو بن على ثنا يحيى عن عبيد الله بن الأحمس ثنا عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:
"أن رسول الله عَّ ◌ُلّه قال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذى
هو خير" اهـ (١٤٤:٢).
قلنا: هذا مما انقلب على الراوى فأدخل فى إسناد متن إسناد آخر، فإن أحمد أخرج فى
مسنده بهذا الإسناد حديث: "لا نذر ولا يمين فى ما لا يملك ابن آدم، ولا فى معصية الله عز وجل،
ولا قطيعة رحم، فمن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليدعها وليأت الذى هو خير، فإن
تركها كفارتها" اهـ (٢١٢:٢)، وكذا هو عند أبى داود فى سننه (٢٤٣:٣)، وعند الحاكم فى
"مستدركه". والأمر بإتيان ما هو خير مع التكفير ليس من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده، وإنما هو من رواية هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو، والله تعالى أعلم.
ويؤيد أثر المتن فى تقديم الحنث على الكفارة ما رواه الطبرانى فى الكبير عن عبد الرحمن بن
أذينة عن أبيه قال: قال رسول الله عَّ له: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذى
هو خير وليكفر عن يمينه". ورجاله رجال الصحيح غير ابن أذينة، وهو ثقة. وعن معاوية بن الحكم
السلمى قال: قلت: يا رسول الله! إنى رجل أحلف على الشىء ثم أندم عليه، فقال رسول
الله ێّ: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذى هو خير ويكفر عن يمينه". رواه
الطبرانى أيضا، وفيه من لم أعرفه، كذا فى "مجمع الزوائد" (١٨٤:٤).
قلت: ذكرناه اعتضادا. وعن عمران بن حصين فى حديث مرفوعًا: "ولكن إذا حلفت على
يمين فرأيت غيرها خيرا منها فعلت الذى هو خير وكفرت عن يمينى". رواه الطبرانى فى "الكبير"
و "الأوسط". وفيه سعيد بن زربى ضعيف، كذا فى "المجمع" أيضا، وذكرناه اعتضادا. وأخرج
الحاكم فى "المستدرك" عن عدى بن حاتم فى حديث طويل: أما أنى سمعت رسول الله عَ ليه
يقول: "إذا حلف أخدكم على يمين فرأى خيرا منها فليأت الذى هو خير" (٣٠١:٤) وصححه،
وأقره عليه الذهبى، وقال ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن سنان بن سعد الكندى عن أنس بن
مالك عن رسول الله عَّ له، أنه قال: ((من حلف على يمين فرأى خيرا منها فليفعل الذى هو خير
وليكفر عن يمينه)). قال مالك: والكفارة بعد الحنث أحب إلى، كذا فى "المدونة الكبرى"

٣٧٨
كفارة اليمين إنما هى بعد الحنث
إعلاء السنن
٣٥١٠- أخبرنا أبو العلاء ثنا على بن معبد ثنا الوليد بن القاسم بن الوليد
الهمدانى أبو القاسم الكوفى ثنا يزيد بن كيسان أبو إسماعيل عن أبى حازم عن أبى
هريرة: "أن رجلا أعتم عنده فسأل صبيته أمهم الطعام، فقالت: حتى يجىء أبوكم، فنام
الصبية، فجاء أبو هم، فقال اشتهيت الصبية؟ فقالت: لا! كنت أنتظر مجيئك، فحلف
أن لا يطعم، ثم قال بعد ذلك: أ يقظيهم، وجيئ بالطعام فسمى الله وأكل ثم غدا على
رسول الله عَّ له، فأخبره بالذى صنع، فقال النبى معَّه: من حلف على يمين فرأى خيرا
منها فليأته ثم ليكفر عن يمينه". رواه الإمام أبو محمد قاسم بن ثابت بن حزم
السرقسطى(١) فى كتاب غريب الحديث (زيلعى ٢: ٦٨) قلت: رجاله كلهم محتج بهم
وإن كان فى بعضهم اختلاف لا يضر كما عرفت غير مرة. وأبو العلاء هو محمد بن
أحمد بن جعفر الذهلى، يعرف بالوكيعى ثقة ثبت من صغار الحادية عشر، كما
فى "التقريب" (١٧٧). والحديث أخرجه مسلم (٤٨:٢) من طريق يزيد بن كيسان
بهذا الإسناد نحوه.
لسحنون (٢٩:٢). وهذا سند حسن، وسنان بن سعد وثقه ابن معین وابن حبان، و کان أحمد بن
صالح يجله، كذا فى "تهذيب التهذيب" (٤٧٢:٣). فهذا أنس بن مالك وأذينة ومعاوية بن الحكم
السلمى كلهم رووا تقديم الحنث على الكفارة، لم يختلف عليهم فى ذلك فيما علمنا، وكل من
روى عنه تقديم التكفير على الحنث قد روى عنه عكسه أيضا، وأكثر الرواة عنهم على تقديم
الحنث، فليكن هو الراجح كما قاله ابن الهمام. والعلم لله الملك العلام.
قوله: "أخبرنا أبو العلاء" إلخ. قال بعض الناس المدعى سعة النظر فى الحديث ورجاله: "لم
أجد أبا العلاء هذا ولم أعرف من هو". قلت: لعلك تتبعته فى باب الكنى من التقريب والتهذيب
واللسان أو فى الرواة عن على بن معبد الكبير، ولو تتبعته فى ترجمة على بن معبد الصغير لوجدت
فى الرواة عنه أبا العلاء الوكيعى، كما فى "التهذيب" (٣٨٥:٧): اسمه محمد بن أحمد بن جعفر
بن مهران الذھلی نزيل مصر، يعرف بالوکیعی. روى عن أبيه وعلى بن الجعد وعاصم بن على
وأحمد بن حنبل وابنى أبى شيبة وعلى بن المدينى وأحمد بن صالح المصرى وغيرهم، وعنه النسائى
· الطحاوى وابن عدى وأبو سعيد بن يونس وابن الأعرابى وأبو القاسم الطبرانى وآخرون. قال ابن
تح سين وراء وبقاف وسين أخرى، نسبة إلى سرقسطة مدينة من الأندلس. كذا فى المغنى (٤٢).

٣٧٩
ج - ١١
كفارة اليمين إنما هى بعد الحنث
٣٥١١- عن أم سلمة: " أنها حلفت فى غلام لها استعتقها قالت: لا أعتقها الله
من النار إن أعتقه أبدا، ثم مكثت ما شاء الله، ثم قالت: سبحان الله! سمعت رسول
يونس: " كان ثقة ثبتا" اهـ (تهذيب التهذيب ٢١:٩). وذكره السيوطى فى رواة الحديث بمصر
(١١٨:١). ودلالته على تأخير الكفارة عن الحنث ظاهرة. والحديث أخرجه مسلم بهذه السياقة
ولفظه: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأتها وليكفر عن يمينه". ولكن الوليد بن
القاسم الهمدانی ثقة، وثقه أحمد ویعلی بن عبيد. وقال أحمد: "قد کتبنا عنه أحاديث حسنانا عن
يزيد بن كيسان فاكتبوا عنه". كما فى "التهذيب" (١٤٦:١١). وزاد لفظةٍ "ثم" وهى لا تنافى
أصل الحديث، فتقبل زيادته، وبهذه اندحض ما قاله ابن التين: لو كان تقديم الكفارة لا يجزى
لأبانه ولقال: "فليأت ثم ليكفر"، لأن تأخير البيان عن الحاجة لا يجوز اهـ. قلنا: فقد أبان عدّ له.
ما کان خفيا، وقال: "فلیاته ثم لیکفر عن يمينه".
ولا يتم للجمهور فرحة بما روى أبو داود من طريق عبد الأعلى: نا سعيد عن قتادة عن
الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة بلفظ: "فكفر عن يمينك ثم أت الذى هو خير". فإن المنذرى
لم يذكر هذا الحديث فى مختصره، والذى يظهر من كلام المزى أن أبا داود ما أخرج هذا الحديث
فى كتاب الأيمان، بل أخرج قصة اليمين مع قصة الإمارة فى الخراج، كما أخرجه البخارى مع
القصتين فى الأيمان والنذور، كذا فى "عون المعبود" (٢٢٣:٣). والبخارى لم يخرجه بلفظة "ثم"
كما هو معلوم. ورواه النسائى بهذا السند بعينه بلفظ: "فكفر عن يمينك وأت الذى هو خير".
بدون لفظة "ثم" (١٤٤:٢). ورواه من طريق جرير بن حازم عن الحسن عن عبد الرحمن بن
سمرة بلفظ: "فكفر عن يمينك ثم أت الذى هو خير". وجرير وإن كان من رجال الجماعة ثقة إلا
أنه اختلط فى آخر عمره، وحدث بمصر أحاديث مقلوبة، كما فى "التهذيب" (٧٢:٢). وليس فى
الحسن كقتادة. وقد تقدم عن الحافظ فى الفتح: أن أكثر الرواة قدموا ذكر الحنث على الكفارة فى
حديث عبد الرحمن بن سمرة فهو الراجح. وأخرجه البخارى ومسلم بمن رواية جرير بالواو، كما
فى "الفتح" أيضاً (٥٢٨:١١). ولو سلمنا فقد وردت لفظة " ثم" فى تقديم الحنث على الكفارة
أيضا فى حديث المتن هذا، فتلك بتلك. وما ذكرناه من وجوه الترجيح لتقديم الحنث حسنى
وزيادة، وترجمة الإمام قاسم بن ثابت قد ذكرناها فى الجزء الثانى من الكتاب، فليراجع.
قوله: "عن أم سلمة" إلخ. فيه دلالة ظاهرة على صحة ما قاله أصحابنا. ويجعل حرف "ثم"
فى الرواية التى لفظها: "فليكفر عن يمينه ثم ليأت الذى هو خير" بمعنى الواو كقوله تعالى: ﴿ثم
كان من الذين آمنوا﴾، وقوله: ﴿ثم الله شهيد على ما يفعلون﴾. ألا ترى أن أم سلمة روت الحديث
بلفظ: "فليكفر عن يمينه ثم يفعل الذى هو خير". ثم قدمت الاعتاق على التكفير، فأعتقت العبد

٣٨٠
کفارة الیمین إنما هى بعد الجنث
إعلاء السنن
الله عَ ◌ّ يقول: من حلف على يمين فرأى خيرا منها فليكفر عن يمينه ثم يفعل الذى هو
خير. فأعتقت العبد ثم كفرت عن يمينها". رواه الطبرانى فى "الكبير"، ورجاله ثقات.
إلا أن عبد الله بن حسن لم يسمع من أم سلمة (مجمع الزوائد ١٨٥:٤). قلت: هو ثقة
جليل القدر من أخيار أهل البيت، كما يظهر من ترجمته فى "التهذيب" (١٨٦:٥).
وصاحب البيت أدرى بما فيه، فمثل هذا الانقطاع لا يضر صحة الحديث. أشار إلى
ذلك الحافظ فى "التلخيص" (٢٥٩:٢).
٣٥١٢- حدثنا أبو الأحوص عن أبى إسحاق عن عبد الرحمن بن أذينة عن أبيه:
أن النبى عّ لّه قال: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذى هو خير
فليكفر عن يمينه)). رواه أبو داود الطيالسى فى مسنده (الإصابة، ٢٤). وهذا سند.
صحيح، رجاله رجال الصحيح خلا عبد الرحمن وهو ثقة، كما فى التقريب (١١٨).
أولا ثم كفرت عن يمينها. ولو لا أن تقديم الكفارة على الحنث لا يفيد ولا يجدى لم تترك أم سلمة
العمل بظاهر ما روته. فقد علم المحفوظون من أمة محمد عّ لّ أن أصحابه وأهل بيته من أتبع الناس
لنبيهم لا يؤخرون ما قدمه إلا لعلة، لا سيما وقد سمعوا قوله مَ ◌ّه ((ابدؤوا بما بدأ الله به))، فلا حجة
فيه للجمهور بل هو حجة عليهم، ومؤيد للحنفية الكرام. والعجب من الحافظ كيف احتج
للجمهور بأول هذا الحديث وترك آخره، فقال فى الفتح: "وهو فى حديث عائشة عند الحاكم أيضا
بلفظ "ثم" وفى حديث أم سلمة عند الطبرانى نحوه، ولفظه: "فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذى هو
خير" (٨٢٩:١١). وحذف قوله: "فأعتقت العبد ثم كفرت عن يمينها". وقد علم أن عمل
الراوى بخلاف ما رواه قدح فى الرواية عند خصمه. والله المستعان.
قوله: "حدثنا أبو الأحوص" إلخ. قلت: دلالته على معنى الباب ظاهرة. والحديث فى المسند
المطبوع الحاضر عندنا بالواو بلفظ ((وليكفر عن يمينه)) (١٩٥)، ولعله فى نسخة الحافظ بالفاء، وهى
حجة على الشافعية ومن وافقهم كما لا يخفى. وأذينة صحابى ليس له إلا هذا الحديث الواحد،
كما فى الإصابة، فبعيد من الصحابى أن يرتكب الخطاء فى حديث واحد سمعه من النبى معَّ ◌ُلّه ولم
يسمع غيره، ولم يختلف عليه الرواة فيما علمنا، وفيه تقديم الحنث على الكفارة، فليكن هو المعول
عليه دون غيره مما اختلف الرواة فى لفظه. فثبت أن مذهب أبى حنيفة فى الباب أقوى ما يكون،
ولله الحمد وهو أرجح المذاهب رواية ودراية، لا ينكره إلا مكابر ولا يجهله إلا معاند مجاهر.
والسلام.