Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ الأقراء هى الحيض إعلاء السنن ٣٣٥٨- عن عائشة رضى الله عنها قالت: "أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض". رواه ابن ماجه بسند جيد (الجوهر النقي ٢: ١٣٢). وقال الحافظ فى "بلوغ المرام": رواته ثقات لكنه معلول. كذا فى "النيل" (٢٢٣:٦). قلت: فاختلف الاحتجاج. والاختلاف غير مضر ولا أقل من أن يستشهد به. لم يثبت إرادة الآخر فى شىء من كلامه البتة، ويصير هو لغة القرآن التى خوطبنا بها، وإن كان له معنى آخر فى كلام غيره إلخ. ثم نقل صاحب النيل اختلاف الصحابة فى معنى القرء. لكن أنت تعلم أن قول النبى معَّ مقدم على قول كل أحد، وأيضا فإن الأجلة من الصحابة قالوا بمثل قولنا إن الأقراء هى الحيض دون الأطهار. قال محمد فى الموطأ. أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم، أن رجلا طلق امرأته تطليقة يملك الرجعة، ثم تركها حتى انقطع دمها من الحيضة الثالثة، ودخلت مغتسلها وأدنت ماءها. فأتاها، فقال لها: قد راجعتك. فسألت عمر بن الخطاب عن ذلك وعنده عبد الله بن مسعود. فقال عمر: قل فيها برأيك. فقال: أراه يا أمير المؤمنين أحق برجعتها ما لم تغتسل من حيضتها الثالثة. فقال عمر رضى الله عنه: وأنا أرى ذلك. ثم قال عمر لعبد الله بن مسعود: كنيف ملئ علما (هذا سند صحيح مرسل، وإرسال النخعى مقبول عندهم جميعا). قال محمد: أخبرنا سفيان بن عيينة عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: قال على رضى الله عنه: هو أحق بها حتى تغتسل من حيضتها الثالثة. (وهذا سند صحيح متصل). أخبرنا عيسى بن أبى عيسى الخياط المدينى عن الشعبى، عن ثلاثة عشر من أصحاب رسول الله عَّ ◌ُعليه، كلهم قالوا: الرجل أحق بامرأته حتى تغتسل من حيضتها الثالثة. قال عيسى: وسمعت سعيد بن المسيب يقول مثل ذلك. قال محمد: وبهذا نأخذ وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهاءنا" اهـ (٢٦٨). وهذا السند فيه عيسى متكلم فيه. ضعفه الجمهور لسوء حفظه. ولکن محمدا احتج به، وهو إمام مجتهد، فکان ذلك توثيقا له منه، أو نقول: ذ کره اعتضادا فيعتبر به ويستشهد. ويؤيد ما قلنا أن الله تعالى بعد ما عمم المطلقات فى سورة البقرة بقوله: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء". قال فى سورة الطلاق: ﴿واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر﴾. فذكر مقدار عدة الآيسة وأشار بذكر المحيض إلى أن المراد بالقرء فى الآية السابقة هو الحيض، وأن الثلاثة الأشهر قائمة مقام الحيض الثلاث فافهم. وفيه إشارة أيضا إلى أن الشهر الواحد لا يحتمل أكثر من حيضة واحدة، كما لا يخفى. ٢٤٢ ج - ١١ باب عدة الحامل وضع الحمل ٣٣٥٩- عن أم سلمة: "أن امرأة من أسلم يقال لها سبيعة كانت تحت زوجها. فتوفى عنها وهى حبلى، فخطبها أبو السنابل بن بعكك، فأبت أن تنكحه فقال: والله ما يصلح أن تنكحى حتى تعتدى آخر الأجلين فمكث قريبا من عشر ليال ثم نفست ثم جاءت النبى عّ لّه، فقال: انكحى". رواه الجماعة إلا أبا داود وابن ماجه (نيل الأوطار ٢١٩:٦). ٣٣٦٠- عن ابن مسعود فى المتوفى عنها زوجها وهى حامل، قال: "أتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون عليها الرخصة؟ أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى. ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾. رواه البخارى والنسائى (نيل الأوطار، السابق). باب عدة الحامل وضع الحمل قال المؤلف: دلالة أحاديث الباب عليه ظاهرة. وفى "نيل الأوطار" (٢٢١:٦): "وقد ذهب جمهور أهل العلم من السلف وأئمة الفتوى فى الأمصار إلى أن الحامل إذا مات عنها زوجها تنقضى عدتها بوضع الحمل. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن على رضى الله عنه بسند صحيح أنها تعتد بآخر الأجلين". وقال الموفق فى "المغنى": "أجمع أهل العلم فى جميع الأعصار أن المطلقة الحامل تنقضى عدتها بوضع حملها، وكذلك كل مفارقة فى الحياة. وأجمعوا أيضا على أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا أجلها وضع حملها إلا ابن عباس، وروى عن على من وجه منقطع أنها تعتد بأقصى الأجلين. وقاله أبو السنابل بن بعكك فى حياة النبى عّلّه، فرد عليه السلام قوله. وقد روى عن ابن عباس أنه رجع إلى قول الجماعة لما بلغه حديث سبيعة. ذكره الحسن والشعبى أن تنكح فى دمها. ويحكى عن حماد وإسحاق أن عدتها لا تنقضى حتى تطهر. وأبى سائر أهل العلم هذا القول وقالوا: لو وضعت بعد ساعة من وفاة زوجها حل لها أن تتزوج، ولكن لا يطأها زوجها حتى تطهر من نفاسها وتغتسل. (كمن نكحها وهى حائض). وذلك لقول الله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾. وروى عن أبى بن كعب، فذكر ما ذكرناه فى المتن. وقال ابن مسعود: من شاء بأهلته أو لاعنته أن الآية التى فى سورة النساء القصرى: ﴿وأولات الأحمال ٢٤٣ إعلاء السنن عدة الحامل وضع الحمل ٣٣٦١- عن أبي بن كعب قال: قلت: يا رسول الله! ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾. للمطلقة ثلاثا وللمتوفى عنها؟ فقال: هى للمطلقة ثلاثا وللمتوفى عنها. رواه أحمد والدارقطنى، وأخرجه أيضا أبو يعلى والضياء فى المختارة وابن مردويه. قال فى مجمع الزوائد: فى إسناده المثنى بن الصباح، وثقه ابن معين، وضعفه الجمهور. انتهى (نيل الأوطار، السابق). قلت: كفى بابن معين موثقا، وهو إمام الجرح والتعديل. وفى خطبة "كنز العمال" (٣:١) ما محصله: أن كل ما فى المختارة صحيح. أجلهن أن يضعن حملهن﴾. نزلت بعد التى فى سورة البقرة: ﴿والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجا﴾. يعنى إن هذه الآية هى الأخيرة، فتقدم على ما خالفها من عموم الآيات المتقدمة، ويخص بها عمومها. (وحديث ابن مسعود هذا أخرجه أبو داود والنسائى وابن ماجة بلفظ: لاعنته، والبزار بلفظ: خالفته كما فى "نصب الراية" (٤٧:٢). ثم ذكر حديث سبيعة المذكور فى المتن، وقال: قال ابن عبد البر: هذا حديث صحيح قد جاء من وجوه شتى كلها ثابتة، إلا ما روى عن ابن عباس. وروى عن على من وجه منقطع. ولأنها معتدة حامل فتقضى عدتها بوضعه كالمطلقة، يحققه أن العدة إنما شرعت لمعرفة براءتها من الحمل، ووضعه أول الأشياء على البراءة منه. فوجب أن تنقضى العدة، ولأنه لا خلاف فى بقاء الحمل، فوجب أن تنقضى به كما فى حق المطلقة. قال: وإذا كان الحمل واحدا انقضت العدة بوضعه وانفصال جميعه، وإن ظهر بعضه فهى فى عدتها حتى ينفصل باقيه، لأنها لا تكون واضعة لحملها ما لم يخرج كله، وإن كان الحمل اثنين أو أكثر لم تنقض عدتها إلا بوضع الآخر، لأن الحمل هو الجميع. هذا قول جماعة أهل العلم إلا أبا قلابة وعكرمة، فإنهما قالا: تنقضى عدتها بوضع الأول، ولا تتزوج حتى تضع الآخر وذكر ابن أبى شيبة عن قتادة عن عكرمة أنه قال: إذا وضعت أحدهما فقد انقضت عدتها. قيل له: فتزوج؟ قال: لا! قال قتادة: خصم العبد. وهذا قول شاذ يخالف ظاهر الكتاب، وقول أهل العلم، والمعنى. فإن العدة شرعت لمعرفة البراءة من الحمل. فإذا علم وجود الحمل فقد تيقن وجود الموجب للعدة وانتفت البراءة والموجبة لانقضاءها" إلخ (١١٢:٩). قلت: وروى مالك فى الموطأ عن نافع عن ابن عمر: أنه سئل عن المرأة التى تتوفى عنها زوجها وهى حامل. فقال: إذا وضعت حملها فقد خلت. فأخبره رجل من الأنصار أن عمر قال: لو وضعت وزوجها على سريرة لم يدفن بعد لحلت. وعن مالك رواه الشافعى فى "مسنده"، ٢٤٤ ج - ١١ باب المعتدة الرجعية التى ارتفعت حيضتها بعد الحيضة أو الحيضتين ثم ماتت يرثها زوجها ٣٣٦٢- حديث ((أن علقمة طلق امرأته طلقة أو طلقتين، فحاضت حيضة، ثم ارتفع حيضها سبعة عشر شهرا. ثم ماتت، فأتى ابن مسعود، فقال: حبس الله عليك ميراثها، وورثه منها. البيهقى من طريقه بسند صحيح، لكن قال: "سبعة عشر شهرا أو ثمانية عشر" (التلخيص الحبير ٣٢٨:٢). وكذلك رواه عبد الرزاق فى مصنفه، عن معمر عن أيوب عن نافع به سواء. اهـ (زيلعى ٤٧:٢). باب المعتدة الرجعية التى ارتفعت حيضتها بعد الحيضة أو الحيضتين ثم ماتت يرثها زوجها قال المؤلف: دلالة الأثر على الباب ظاهرة. وأما ما فى "الموطأ" (٢١٣): "مالك عن يحيى ابن سعيد وعن يزيد بن عبد الله بن قسيط الليثى عن سعيد بن المسيب، أنه قال: قال عمر بن الخطاب: أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم رفعتها حيضتها، فإنها تنتظر تسعة أشهر، فإن بان بها حمل فذلك، وإلا اعتدت بعد التسعة الأشهر ثلاثة أشهر ثم حلت" اهـ. وهذا سند رجاله رجال الجماعة. فالجواب عنه: أن قول ابن مسعود رضى الله عنه يرجع بأنه يوافق ما أمر الله تعالى به من تربص ثلاثة قروء للحائض. والأثر محمول على من بلغت سن الأياس. والله أعلم. قال محمد فى الموطأ: فهذا "(أى العدد المذكور فى قصة علقمة) أكثر من تسعة أشهر وثلاثة أشهر بعدها، فبهذا نأخذ، وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهائنا، لأن العدة (أى عدة المطلقة) فى كتاب الله عز وجل على أربعة أوجه لا خامس لها للحامل حتى تضع، والتى تبلغ الحيضة ثلاثة أشهر، والتى قد يئست من الحيض ثلاثة أشهر، والتى تحيض ثلاث حيض. (وهذه كلها للمطلقة ووجه خامس وهى عدة المتوفى عنها غير الحامل، فى قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾. فهذا الذى ذكرتم (من الاعتداد الثلاثة أشهر بعد انتظار تسعة أشهر) ليس بعدة الحائض ولا غيرها (أى فالقول ما قاله ابن مسعود) اهـ (٢٧٠). فلا بد من تأويل قول عمر بأنه فى التى ارتفعت حيضتها لدخولها فى سن الإياس من المحيض، ولا يحكم بكونها آئسة إلا بعد الانتظار مدة يغلب فيها على الظن كونها آئسة. فقدرها عمر برأيه بتسعة أشهر، وهى مفوضة عندنا إلى رأى الحاكم. وأما التى ارتفعت حيضتها لأجل ٢٤٥ إعلاء السنن باب عدة أم الولد إذا أعتقت ٣٣٦٣- حدثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعى عن يحيى بن أبي كثير: أن عمرو بن العاص أمر أم ولد أعتقت أن تعتد ثلاث حيض، وكتب إلى عمر فكتب بحسن رأيه. رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" (زيلعى ٢: ٤٨). قلت: رجاله رجال الجماعة لكنه منقطع، فإن يحيى لم يدرك عمرو بن العاص ولا عمر، والانقطاع لا يضرنا. الرضاع ونحوه فعدتها ثلاث حيض كوامل، لكونها ممن تحيض. والله تعالى أعلم. باب عدة أم الولد إذا أعتقت قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. قال بعض الناس: "وفى سنن الدار قطنى بسنده (٢: ٤٢٠): إن عمرو بن العاص قال: عدة أم الولد إذا توفى عنها سيدها أربعة أشهر وعشرا، وإذا أعتقت فعدتها ثلاث حيض. موقوف، وهو الصواب، وهو مرسل، لأن قبيصة لم يسمع من عمرو اهـ. وفى الزيلعى (٤٨:٢): روى ابن حبان فى صحيحه فى النوع السادس والثلاثين من القسم الخامس عن قبيصة بن ذؤيب عن عمرو بن العاص، قال: لا تلبسوا علينا سنة نبينا معدّ لّه، عدة أم الولد المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرا انتهى. ورواه الحاكم فى "المستدرك"، وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ورواه الدار قطنى ثم البيهقى فى سننهما. قال الدار قطنى: وقبيصة لم يسمع من عمرو اهـ. وفيه أيضا: وقال البيهقى: قال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر، وقبيصة لم يسمع من عمرو، والصواب: موقوف انتهى. ورواه أبو داود وابن ماجة اهـ. فاعلم أنه إنما تكلم فى المرفوع، وتدفع ذلك الكلام بأن كل ما فى صحيح ابن حبان صحيح، كما مر فى بعض مواضع هذا الكتاب عن خطبة كنز العمال (٣:١). فقد لزم منه أن الانقطاع لم يثبت عند ابن حبان، وقد سكت عنه أبو داود (٣٢٣:١) فهو صالح عنده. وفى "الجوهر النقى" (١٣٤:٢): ثم ذكر عن الدار قطنى، قال: لم يسمع قبيصة من عمرو. قلت: قد قدمنا مرارا أن هذا على مذهب من يشترط ثبوت السماع، وأن مسلما أنكر ذلك إنكارا شديدا، وزعم أن المتفق عليه أنه يكفى الاتصال إمكان اللقاء. وقبيصة ولد عام الفتح، وسمع عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وأبا الدرداء، فلا شك فى إمكان سماعه من عمرو. وقال صاحب التمهيد: أدرك أبا بكر الصديق، وله سن لا ينكر معها سماعه منه اهـ. وإن لم يسلم ثبوت المرفوع فالموقوف حجة عندنا، ولا وجه لاختيار شق وترك شق آخر كما فعله الحنفية، حيث قال فى "الهداية" (٤٠٤:٢): وإذا مات مولى أم الولد عنها أو عتقها ١ ج - ١١ عدة أم الولد إذا أعتقت ٢٤٦ فعدتها ثلاث حيض" اهـ. فالجواب عن هذا: أن قول عمرو بن العاص: "إن عدة أم الولد المتوفى عنها مولى: أربعة أشهر وعشرا" عارضه قول على وابن مسعود رضى الله عنهما. أخرجه ابن أبى شيبة عن الحارث عن على وابن مسعود، قالا: "ثلاث حيض إذا مات عنها يعنى أم الولد". وهذا سند حسن، والحارث احتج به أصحاب السنن والنسائى مع تعنته فى الرجال. وهذا أولى من قول عمرو، فإن الله تعالى يقول فى كتابه: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربّصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾. فيراهن من الأزواج؟ كلا! فالراجح فى ذلك قول على وابن مسعود. وأما قول بعض الناس: "لا وجه لاختيار شق وترك شق آخر". ففيه إنا لم نأخذ بما رواه الدار قطنى وابن حبان عن عمرو بن العاص بذكر الشقين كليهما مرفوعا. وإثما أخذنا بما رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه": "أن عمرو بن العاص أمر أم ولد اعتقت أن تعتد بثلاث حیض. و کتب إلى عمر فكتب بحسن رأيه" اهـ. ولا ذكر فيه لشق آخر أصلا، وفيه دلالة على أن عمرو بن العاص لم يكن عنده فى ذلك سنة عن رسول الله مێ، وإلا لم يحتج إلی أن یکتب به إلى عمر، ولم يكتب عمر بحسن رأيه لو كان عنده فيه سنة. وهذا يقدح فيما رواه الدار قطنى وابن حبان عنه بلفظ: "لا تلبسوا علينا سنة نبينا مَّه". فالقول ما قاله أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر، والصواب موقوف. وإذا كان كذلك أخذنا فى شق بقول عمرو بن العاص لموافقة عمر إياه فى ذلك، وأخذنا فى الشق الآخر بقول على وعبد الله فافهم. الفائدة: قال فى "التلخيص": "أما قول عمر رضى الله عنه، فرواه مالك والشافعى عنه عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، أن طليحة كانت تحت رشيد الثقفى، فطلقها البتة، فنكحت فى عدتها، فضربها عمر، وضرب زوجها بالدرة ضربات وفرق بينهما، ثم قال عمر: أيما امرأة نكحت فى عدتها فإن كان زوجها الذى تزوجها لم يدخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، وكان خاطبا من الخطاب، وإن كان دخل فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول ثم اعتدت من الآخر، ثم لم ينكحها أبدا. قال ابن المسيب: ولها مهرها بما استحل منها. قال البيهقى: وروى الثورى عن الشعبى عن مسروق عن عمر أنه رجع، فقال: لها مهرها. ويجتمعان إن شاءا. وأما قول على رضى الله عنه، فرواه الشافعى من طريق زاذان عنه، أنه قضى فى التى تزوج فى عدتها أنه يفرق بينهما، ولها الصداق بما استحل من فرجها، وتكمل ما أفسدت من عدة الأول، وتعتد من الآخر. ورواه الدار قطنى والبيهقى من ٢٤٧ عدة أم الولد إذا أعتقت إعلاء السنن حديث ابن جريج عن عطاء عن على نحوه"، كذا فى "التلخيص الحبير" (٣٢٨:٢). قال بعض الناس: ففيه عدم تداخل العدتين، ومذهبنا يخالفه، وقول الصحابة حجة عندنا، وهذا قول الصحابيين الجليلين. ولم أر من خالفها منهم. قلت: لا يخفى أن تداخل العدتين ليس بلازم عندنا فى كل حال، بل يمكن انقضاء العدتين معا، كمعتدة بالأشهر لوفاة وطئت فيها بشبهة وحاضت فيها ثلاثا. وانقضاء الثانية قبل الأولى، كما لو تمت الحيض قبل تمام أربعة أشهر وعشر. ويمكن تأخر الثانية بجملتها عن الأولى، كما لو حاضت بعد تمام الأشهر. كذا فى "الشامية" (١٠٠٣:٢). وإذا كان كذلك فلا يجوز للقاضى والحاكم إلا أمرها بإتمام العدتين كليهما، ثم إذا عرضت لها صورة يجوز فيها انقضاء العدتين بالتداخل، وسئلت المفتى عن حكم هذه الحالة، يجوز له الإفتاء بالتداخل بعد تبين الحال. فأثرا عمر وعلى كلاهما لا يخالفان ما ذهبنا إليه فى المسئلة، وإنما لم يفتيا بتداخل العدتين لعدم علمهما بحال المرأة، أو علما وكانت بحال قد تأخر فيها العدة الثانية بجملتها عن الأولى فافهم، فإن الاحتمال يهدم الاستدلال. ودليل المسئلة القاعدة الفقهية المؤيدة بالنصوص الشرعية إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما فى الآخر، كما إذا اجتمع حدث وجنابة أو جنابة وحيض كفى الغسل الواحد، ولو دخل المسجد وصلى الفرض أو الراتبة قبل الجلوس دخلت فيه التحية، ولو جامع امرأته فى نهار رمضان مرارا لم يلزم بالثانى وما بعده شىء، ولو زنى أُو شرب أو سرق مرارا كفى حد واحد. وهذا كله بالإجماع فكذا ما نحن فيه لاتحاد المقصود، وهو طلب براءة الرحم. وقال أبو بكر الجصاص الرازى فى أحكام القرآن له: "قد اختلفت الفقهاء فى العدة إذا وجبت من رجلين. فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك فى رواية ابن القاسم عنه، والثورى والأوزاعى: إذا وجبت عليها العدة من رجلين فإن عدة واحدة تكون لهما جميعا، سواء كانت العدة بالحمل أو بالحيض أو بالشهور. وهو قول إبراهيم النخعى. وقال الحسن بن صالح والليث والشافعى: تعتد لكل واحد عدة مستقلة. ويدل على صحة القول الأول إطلاق قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾. فإنه لم يفرق بين مطلقة وطئها رجل أجنبى بشبهة وبين غيرها. فهذا يقتضى كون عدتها ثلاثة قروء مطلقا، لأنها مطلقة قد وجبت عليها عدة، ولو أوجبنا عليها أكثر من ثلاثة قروء كنا زائدين فى الآية ما ليس فيها. ويدل عليه أيضا (إطلاق) قوله تعالى: ﴿واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائى لم يحضن﴾. ج - ١١ ٢٤٨ باب العدة من بعد الطلاق والوفاة دون خبر هما ٣٣٦٤ - حدثنا أبو معاوية عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، قال: "عدتها من يوم طلقها ومن يوم يموت عنها". رواه ابن أبى شيبة، وهذا سند صحيح. وأخرج نحوه عن عطاء ومجاهد وابن المسيب وسعيد بن جبير وابن سيرين وعكرمة ونافع وأبى قلابة وأبى العالية والشعبى والنخعى والزهرى وعبد الرحمن بن يزيد ومكحول بأسانيد جيدة (الزيلعى ٤٨:٢). ولم يفرق بين مطلقة قد وطئها أجنبى بشبهة، وبين من لم توطأ. فاقتضى ذلك أن تكون عدتها ثلاثة أشهر فى الوجهين جميعا. ويدل عليه أيضا (إطلاق) قوله: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾. ولم يفرق بين من عليها عدة من رجل أو من رجلين. ويدل عليه اتفاق الجميع على أن الأول لا يجوز له عقد النكاح عليها قبل انقضاء عدتها منه. فعلمنا أنها فى عدة من الثانى أيضا، لأن العدة منه لا تمنع من تزويجها. فإن قيل: منع من ذلك، لأن العدة منه تتلوها عدة من غيره. قيل له: فقد يجوز أن يتزوجها ثم يموت هو قبل بلوغها موضع الاعتداد من الثانى (أو يطلقها قبله) فلو لم تكن فى هذه الحال معتدة من الثانى لما منع الأول من العقد عليها، لأن عدة تجب فى المستقبل لا ترفع عقدا ماضيا. ويدل عليه أن الحيض إنما هو استبراء الرحم من الحبل، فإذا طلقها الأول ووطئها الثانى بشبهة قبل أن تحيض ثم حاضت ثلاث حيض فقد حصل الاستبراء، ويستحيل أن يكون استبراء من حمل الأول غير استبراء من حمل الثانى. فوجب أن تنقضى به · العدة منهما جميعا" اهـ (٤٢٧:١). والله تعالى أعلم. قلت: وذهب إلى مثل قولنا الزهرى، كما روى ابن أبى شيبة عن عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان وهو الثورى عن مغيرة عن إبراهيم: فى رجل طلق فحاضت فتزوجها رجل فحاضت، قال: بانت من الأول، ولا تحتسب للذى بعده. وعن سفيان عن معمر عن الزهرى: تحتسب. وعلقه البخارى بلفظ: قال إبراهيم فيمن تزوج فى العدة فحاضت عنده ثلاث حيض: بانت من الأول ولا تحتسب به لمن بعده. وقال الزهرى: تحتسب، وهذا أحب إلى سفيان. يعنى قول الزهرى اهـ. كذا فى "فتح البارى" (٤٣٠:٩). باب العدة من بعد الطلاق والوفاة دون خبرهما قال المؤلف: دلالة الآثار على الباب ظاهرة. قال الموفق فى المغنى: "وتجب العدة من الساعة ٢٤٩ العدة من بعد الطلاق والوفاة دون خبرهما إعلاء السنن ٣٣٦٥ - حدثنا وكيع ويحيى بن آدم عن شريك عن أبى إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود، قال: "العدة من يوم يموت أو يطلق". رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" (الزیلعی، السابق)، وسنده حسن. ٣٣٦٦- حدثنا ابن علية عن أيوب عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد يحسنه عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: "العدة من يوم يموت". رواه ابن أبى شيبة (الزيلعي، السابق) وسنده صحيح. التى فارقها زوجها (بطلاق أو موت)، فلو فارقها نصف الليل أو نصف النهار اعتدت من ذلك الوقت إلى مثله فى قول أكثر أهل العلم. (إذا كانت العدة بالأشهر وإذا كانت بالحیض یجری عليها أحكام المعتدة من ذلك الوقت إلى انقضاء الحيضة الثالثة كما هو معلوم). وقال أبو عبد الله بن حامد: لا تحتسب بالساعات وإنما تحتسب بأول الليل والنهار، فإذا طلقها نهارا احتسب من أول الليل الذى يليه، وإن طلقها ليلا احتسبت بأول النهار الذى يليه. وهذا قول مالك. لأن حساب الساعات يشق فسقط اعتباره. ولنا قول الله تعالى: ﴿فعدتهن ثلاثة أشهر﴾ ولا تجوز الزيادة عليها بغير دليل، وحساب الساعات ممكن إما يقينا وإما استظهارا، فلا وجه للزيادة على ما أوجبه الله تعالى". (٩١:٩). الفائدة: فى عدة الأمة إذا كانت من الأيسات أو ممن لم يحضن قال الموفق: "اختلفت الروايات عن أبى عبد الله فى عدة الأمة، فأكثر الروايات عنه شهران. رواه عنه جماعة من أصحابه. واحتج فيه بقول عمر رضى الله عنه: عدة أم الولد حيضتان. ولو لم تحض كان عدتها شهرين. رواه الأثرم بإسناده. وهذا قول عطاء والزهرى وإسحاق وأحد قولى الشافعى، لأن الأشهر بدل من القروء، وعدة ذوات القروء قروءان، فبدلهما شهران. والرواية الثانية أن عدتها شهر ونصف. وهذا قول على رضى الله عنه. وروى ذلك عن ابن عمر وابن المسيب وسالم والشعبى والثورى وأصحاب الرأى، وهو قول ثانى للشافعى. لأن عدة الأمة نصف عدة الحرة، وعدة الحرة ثلاثة أشهر، فنصفها شهر ونصف. وإنما كملنا لذات الحيض حيضتين لتعذر تبعيض الحيضة، فإذا صرنا إلى الشهور أمكن التنصيف فوجب المصير إليه كما فى عدة الوفاة، ويصير هذا كالمحرم إذا وجب عليه فى جزاء الصيد نصف مد أجزأه إخراجه، فإن أراد الصيام مكانه صام يوما كاملا. (ويدل على ذلك قول عمر رضى الله عنه: "لو استطعت أن أجعل عدة الأمة حيضة ونصفا فعلت". رواه عبد الرزاق فى مصنفه: أخبرنا ابن جريح عن عمرو بن دينار أنه سمع عمرو بن أوس الثقفى يقول: ج - ١١ ٢٥٠ أبواب الإحداد باب ما يجتنب عنه الحادة و علی من تحد ٣٣٦٧ - عن أم سلمة زوج النبى عّ لّه عن النبى عدّ له، أنه قال: "المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشقة ولا الحلى ولا تختضب ولا تكتحل". رواه أبو داود، وسكت عنه (٣٢٢:١). ٣٣٦٨- عن أم سلمة رضى الله عنها، أن النبى عّ لّه قال: ((لا يحل لامرأة مسلمة أخبرنى رجل من ثقيف، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول فذكره، كذا فى "نصب الراية" (٤٦:٢). وسنده صحيح غير ما فيه من جهالة الرجل من ثقيف، والظاهر أنه صحابى وجهالة الصحابى لا تضر). ولأنها عدة أمكن تنصيفها فكانت على النصف من عدة الحرة كعدة الوفاة، والرواية الثالثة أن عدتها ثلاثة أشهر، ومن رد هذه الرواية قال: هى مخالفة لإجماع الصحابة، لأنهم اختلفوا على القولين الأولين. ومتى اختلف الصحابة على قولين لم يجز أحداث قول ثالث: لأنه يفضى إلى تخطئتهم، وخروج الحق عن قول جميعهم ولا يجوز ذلك اهـ. ملخصا (٩٢:٩). باب ما يجتنب عنه الحادة و علی من تحد قوله: عن أم سلمة قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. وفيه دليل على وجوب الإحداد. قوله: "عن أم سلمة" إلخ. الثانى من الباب. قال المؤلف: دلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة. وفى "فتح البارى" (٤٢٩:٩): "وقد ورد فى حديث قوى الإسناد أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان عن أسماء بنت عميس، قالت: "دخل على رسول الله مرّ ◌ُّ اليوم الثالث من قتل جعفر بن أبى طالب، فقال: لا تحدى بعد يومك هذا". لفظ أحمد وفى رواية له ولابن حبان والطحاوى: "لما أصيب جعفر أتانا النبى عّ لّه، فقال: تسلبی ثلاثا ثم اصنعى ما شئت". قال شيخنا فى شرح الترمذى: ظاهره أنه لا يجب الإحداد على المتوفى عنها بعد اليوم الثالث، لأن أسماء بنت عميس كانت زوج جعفر بن أبى طالب بالاتفاق، وهى والدة أولاده عبد الله ومحمد وعون وغيرهم، قال: بل ظاهر النهى أنها لا يجوز لها الإحداد بعد ذلك. وأجاب بأن هذا الحديث شاذ مخالف الأحاديث الصحيحة. وقد أجمعوا على خلافه وفى المنتقى لابن تيمية: "وهو متأول على المبالغة فى الإحداد والجلوس للتعزية" (نيل ٢٣٠:٩). ٢٥١ إعلاء السنن ما يجتنب عنه الحادة وعلى من تحد ٠ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا)). أخرجاه (نيل الأوطار، ٢: ٢٢٦). قلت: وفى علل الحديث لابن أبى حاتم بعد ذكر الحديث ما نصه: "قال أبى: فسروه على معنيين، أحدهما أن الحديث ليس هو عن أسماء، وغلط محمد بن طلحة، وإنما كانت امرأة سواها. وقال آخرون: هذا قبل أن ينزل العدد. قال أبى: أشبه عندى والله أعلم أن هذه كانت امرأة سوى أسماء، وكانت من جعفر بسبيل قرابة ولم تكن امرأته، لأن النبى معَّه قال: لا تحد امرأة على أحد فوق ثلاث إلا على زوج" اهـ. (٤٣٩:١). وفى "فتح البارى" (٤٢٨:٩) أيضا: وأما ما أخرجه. أبو داود فى المراسيل من رواية عمرو بن شعيب: "أن النبى معَّ له رخص للمرأة أن نحد على أبيها سبعة أيام، وعلى من سواه ثلاثة أيام" فلو صح لكان خصوص الأب يخرج من هذا العموم، لكنه مرسل أو معضل، لأن جل رواية عمرو بن شعيب عن التابعين، ولم يرو عن أحد من الصحابة إلا الشيء اليسير عن بعض صغار الصحابة (٤٢٨:٩). قال بعض الناس: "ظاهره الإرسال، ويدل عليه أيضا ظاهر إيراد أبى داود إياه فى مراسيله، والمرسل حجة عند جماعة، فلك أن تقول لهم أن يخصصوا العموم بهذا المرسل. وأما كون العموم قويا من حيث السند فلا يعتد به، كما فى الصحيح والحسن، نعم لو لا يمكن التطبيق لكان لقوة السند ترجيح كما يرجح الأقوى على القوى، ونظيره الصحيح والحسن تأمل. ولم يفعلوا ذلك" اهـ. فالجواب عنه: أن حديث النهى عن الإحداد على غير الزوج فوق ثلاث مشهور، تلقاه الأمة بالقبول فلا يعدل عنه بهذا الخبر الذى لم يروه إلا عمرو بن شعيب وحده مرسلا. وحديث النهى عن الإحداد فوق ثلاث روته أم عطيه وأم حبيبة وحفصة وزينب بنت جحش وعائشة. وأم حبيبة رضى الله عنها" روتها حين توفى أبوها سفيان، فدل على أن الأب حكمه كحكم غيره من الأقارب، فيقدم على ما رواه عمرو بن شعيب مرسلا أو معضلا. ولا يخفى أن النساء أعرف بأحكامهن من الرجال. فهذا وجه آخر للترجيح. وفى المنتقى (مع النيل ٢٢٦:٢): "واحتج به (أى بهذا الحديث) من لم ير الإحداد على المطلقة" اهـ. واحتج لوجوبه عليها صاحب الهداية بعموم حديث: "أن النبى معَّه نهى المعتدة أن تختضب بالحناء، وقال: الحناء طيب" (٤٠٧:٢). لكن قال العلامة جمال الدين رحمه الله الزيلعى فى تخريجه (٤٩:٢ و٥٠): "ذكره السروجى فى الغاية، وعزاه للنسائى، ولفظه: نهى المعتدة عن الكحل والدهن والخضاب بالحناء، وقال: الحناء طيب. وهو وهم منه"اهـ. ثم قال بعد أسطر: "إنى ما وجدته" اهـ. وقال ملخصه الحافظ ابن حجر ج - ١١ ما يجتنب عنه الحادة وعلى من تحد ٢٥٢ العسقلانى فى "الدراية" (٢٣٣): "ولم أجده فليتأمل" اهـ. قال بعض الناس: "فالحاصل أن الحديث لم يثبت فلم يبق إلا القياس على معتدة الوفاة، تأمل حق التأمل". قلت: تأملنا فوجدنا المطلقة البائن لا يجوز لها الخروج من بيت زوجها كالمتوفى عنها زوجها، وذلك من الإحداد أيضا. قاله الطحاوى وهو ممن بلغ رتبة الاجتهاد، فقوله فى مثل ذلك حجة أى فى بيان معانى اللغات. فلما ساوت المتوفى عنها زوجها فى وجوب بعض الإحداد عليها ساوتها فى وجوب كله عليها، وقد قال بذلك جماعة من المتقدمين. قال الطحاوى: "ثنا روح بن الفرج ثنا عبد الله بن محمد الفهمى أنا ابن لهيعة عن أبى الزبير عن جابر أنه قال فى المطلقة: أنها لا تعتكف، ولا المتوفى عنها زوجها، ولا تخرجان من بيوتهما حتی توفیا أجلهما. قال: وحدثنا ربیع المؤذن ثنا أسد ثنا ابن لهيعة فذ کر پإسناده مثله، وهذا سند صحيح غير ما فى ابن لهيعة من الكلام. وقد مر غير مرة أنه ثقة حسن الحديث. قال: حدثنا أبو بكرة ثنا حسين بن مهدى(١) أنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهرى عن سالم عن أبيه، قال: لا تنتقل المبتوتة من بيت زوجها فى عدتها. قلت: وهذا سند صحيح. قال: وحدثنا سليمان بن شعيب ثنا الخصيب(٢) ثنا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، فى المتوفى عنها زوجها والمطلقة ثلاثا: لا تنتقلان ولا تبيتان إلا فى بيوتهما". (٤٦:١ و ٤٧). وهذا سند حسن. وأخرجه الشافعى بسند صحيح عن عبد المجيد عن ابن جريج عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه بلفظ: "لا يصلح أن تبيت ليلة واحدة إذا كانت فى عدة طلاق أو وفاة إلا فى بيتها". كذا فى التلخيص الحبير (٣٣١:٢). قال الطحاوى: وحدثنا محمد بن خزيمة ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا هشام ثنا حماد عن إبراهيم قال: المطلقة ثلاثا، والمتوفى عنها زوجها، والملاعنة، لا يختضبن ولا يتطیبن ولا يلبسن ثوبا مصبوغا، ولا يخرجن من بيوتهن" (٤٧:٢). قلت: محمد بن خزيمة ثقة مشهور، ومسلم بن إبراهيم هو الأزدى الفراهيدى أبو عمرو الحافظ من رجال الجماعة، وهشام هو الأستوائى الحافظ الثقة، وحماد وإبراهيم لا يسأل عنهما. (١) هو الأيلى أبو سعيد البصرى من رجال الترمذى وابن ماجة وشيوخهما. قال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان فى الثقات. وروى عنه أيضا ابن خزيمة فى صحيحه، كذا فى "التهذيب" (٣٧٢:٢). المؤلف. (٢) هو الخصيب بن ناصح الحارثى البصرى نزيل مصر. قال أبو زرعة: ما به بأس إن شاء الله تعالى. وذكره ابن حبان فى "الثقات". وقال: ربما أخطأ كذا فى "التهذيب" (١٤٣:٣). المؤلف ٢٥٣ ما يجتنب عنه الحادة وعلى من تحد إعلاء السنن ٣٣٦٩- عن أم عطية رضى الله عنها، قالت: " كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها فى نبذة من كست أظفار". أخرجاه. وفى رواية: قالت: قال النبى عّ لّهِ: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد فوق ثلاث إلا على زوج، فإنها لا تكتحل ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تمس طيبا إذا طهرت نبدة من قسط أو أظفار)). متفق عليه (نيل الأوطار ٢: ٢٢٩ -٢٣٠). ٣٣٧٠- حدثنا أحمد بن صالح نا ابن وهب أخبرنى مخرمة عن أبيه، قال: سمعت المغيرة بن الضحاك يقول: أخبرتنى أم حكيم بنت أسيد عن أمها أن زوجها توفى، وكانت تشتكى عينيها فتكتحل بالجلاء. قال أحمد: الصواب بكحل الجلاء. قال أحمد: فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمة فسألتها عن كحل الجلاء. فقالت: لا تكتحلى به إلا من أمر لا بد منه يشتد عليك فتكتحلین بالليل، وتمسحينه بالنهار. ثم قالت عند ذلك أم سلمة: دخل على رسول الله عَّ له حين توفى أبو سلمة، وقد جعلت على عنيى صبرا. فقال: ما هذا يا أم سلمة؟ فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله! ليس فيه طيب، قال: إنه يشب الوجه، فلا تجعليه إلا بالليل، وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطى بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب. قالت: قلت: بأى شىء أمتشط يا رسول الله؟ قال: بالسدر تغلفين به رأسك". رواه أبو داود وسكت عنه (٣٢٢:١). فالسند صحيح. فثبت بما ذكرنا وجوب الإحداد على المطلقة البائن، وإليه ذهب جابر وابن عمر وإبراهيم النخعى، وكفى بهم قدوة فافهم. قوله: "عن أم عطية" إلخ، قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. قوله: "حدثنا أحمد" إلخ، قال المؤلف: فى "عون المعبود" حاشية سنن أبى داود (٢٦٢:٢، مطبوع دهلى): قال المنذرى: "وأخرجه النسائى وأمها مجهولة". اهـ قلت: لما سكت عليه أبو داود علمنا أنها ليست بمجهولة عنده، وكفى به قدوة، وغاية الأمر الاختلاف فى الاحتجاج، ولا يضر كما مر مرارا. وفى "عون المعبود" أيضا (نفس المرجع): قال ابن عبد البر: "وهذا عندى، وإن كان مخالفا لحديثها الآخر الناهى عن الكحل مع الخوف على العين إلا أنه يمكن الجمع ٢٥٤ ج - ١١ باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها ٣٣٧١ - عن الفريعة بنت مالك، "أنها جاءت رسول الله عَ لّه تسأله أن ترجع إلى أهلها فى بنى خدرة، وأن زوجها خرج فى طلب أعبد له أبقوا، حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه، قالت: فسألت رسول الله عَ لٍ أن أرجع إلى أهلى، فإن زوجى لم يترك لى مسكنا يملكه، ولا نفقة. قالت: فقال رسول الله عّ لّ: نعم! قالت: فانصرفت حتى إذا كنت فى الحجرة، أو فى المسجد، نادانى رسول الله عَ ليه، أو أمر بى فنوديت له، فقال: كيف قلت: قالت: فرددت عليه القصة التى ذكرت له من شأن زوجى. قال: امكثى فى بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله. قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا. قالت: فلما كان عثمان أرسل إلى فسألنى عن ذلك، فأخبرته، فاتبعه وقضی به". رواه الترمذى وقال: حسن صحيح (١٤٦:١-١٤٧). ٣٣٧٢- أخبرنا مالك حدثنا نافع، أن ابن عمر كان يقول: "لا تبيت المبتوتة ولا المتوفى عنها زوجها إلا فى بيتها". رواه الإمام محمد فى "الموطأ" (حاشية الترمذى ١٤٥:١). قلت: إسناده صحيح جليل. بأنه مَّه عرف من الحالة التى نهاها أن حاجتها إلى الكحل خفيفة غير ضرورية. والإباحة فى الليل لدفع الضرر بذلك أهـ. قلت: والحديث الناهى ما رواه البخارى، قالت زينب: وسمعت أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله عَ ◌ّه! إن ابنتى توفى عنها زوجها وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال رسول الله عرّ طله: لا! مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: لا ثم قال رسول الله عَّ ◌ُله: إنما هى أربعة أشهر وعشرا، الحديث. وفى فتح البارى: وفى رواية القاسم بن أصبغ أخرجها ابن حزم: إنى أخشى أن تنفقىء عينها. قال: لا! وإن انفقات. وسنده صحيح. (٤٣٠:٩). قلت: قوله عّ لّه: لا وإن انفقأت". محمول على المبالغة فى الزجر، لأن القابل لما بالغ فى الاستجازة وحصر التداوی فی الکحل و کان قوله ظاهر البطلان، بالغ مێ فى رده. ولیس المراد أن الكحل لا يجوز عند الحاجة الشديدة أيضا. فحصل التطابق بين الحديثين من غير تكلف، ولله تعالى الحمد. باب أین تعتد المتوفى عنها زوجها قال المؤلف: دلالة الحديثين على الباب ظاهرة. وفى إسناد الحديث الأول كلام غير مضر مذكور فى "نيل الأوطار" (٢٣٣:٦). ٢٥٥ إعلاء السنن باب جواز الخروج للمتوفى عنها زوجها ٣٣٧٣- أخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا حماد عن إبراهيم: "أن على بن أبى طالب نقل أم كلثوم بنت على رضى الله عنه امرأة عمر بن الخطاب وهى فى العدة من وفاة زوجها عمر رضى الله عنه، لأنها كانت فى دار الإمارة". رواه الإمام محمد فى كتاب الآثار (٧٦). قلت: هذا منقطع، لكن فى تهذيب التهذيب (١٧٨:١، ١٧٩): النخعى عن على مرسل، إلى أن قال: قال الحافظ أبو سعيد العلائى: هو مكثر من الإرسال. وجماعة من الأئمة صححوا مراسيله اهـ. قلت: هو من رجال الجماعة، وحماد هو ابن أبى سليمان، وهو من رجال الصحاح، كما فى تهذيب التهذيب (١٦:٢). وأبو حنيفة قد أخرج له ابن حبان فى صحيحه، واستشهد به الحاكم فى "مستدركه"، وقد وثقه كثيرون، كما فى الجوهر النقى (١: ١٧٢). فالسند إذا صحيح جليل. ٣٣٧٤- عن عبد المجيد عن ابن جريج أخبرنى إسماعيل بن كثير عن مجاهد: "أن رجالا استشهدوا بأحد، فقال نساؤهم: يا رسول الله! إنا نستوحش فى بيوتنا، أفنبيت عند إحدانا؟ فأذن لهن أ يتحدثن عند إحداهن، فإذا كان وقت النوم تأوى كل امرأة إلى بيتها". رواه الإمام العلام الشافعى (التلخيص الحبير ٣٣:٢). قلت: هو مرسل، وكلهم رجال الصحيح إلا الأول، فإنه من رجال مسلم، فالسند صحيح مرسل. باب جواز الخروج للمتوفى عنها زوجها بعذر قال المؤلف: دلالة الحديثين على الباب ظاهرة. قال بعض الناس: "وقد روى مسلم فى صحيحه (١: ٤٨٦): عن جابر بن عبد الله يقول: طلقت خالتى، فأرادت أن تجد نخلها، فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبى معَّ، فقال: بلى فجدى نخلك فإنك عسى أن تصدقى أو تفعلى معروفا اهـ. ففيه جواز الخروج فى غير حاجة لا بد منها، بل فى أدنى حاجة ولم نقل به" اهـ. فالجواب عنه: أما أولا فإن قصة خالة جابر واقعة حال لا عموم لها، وتحتمل الوجوه فيمكن أن تكون محتاجة إلى الخروج لنفقتها، فمن أين لبعض الناس أن يدعى كونها غير محتاجة إلى الخروج من غير دليل. وأما ثانيا فقد ذكرنا عن جابر فيما تقدم أنه قال فى المطلقة: "أنها لا تعتكف ولا المتوفى عنها زوجها، ولا تخرجان من بيوتهما حتى توفيا أجلهما". فهذا جابر قد روى عن النبى معَِّ فى إذنه لخالته فى الخروج لجداد نخلها فى عدتها. ثم قد قال هو بخلاف ذلك، فهذا ٢٥٦ ج - ١١ باب ثبوت النسب باب أن شهادة النساء مقبولة فى ما لا يستطيع الرجال النظر إليه .. ٣٣٧٥- حدثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعى عن الزهرى، قال: "مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادات النساء وعيوبهن، وتجوز شهادة القابلة وحدها فى الاستهلال، وامرأتان فى ما سوى ذلك". ورواه عبد الرزاق فى "مصنفه": أخبرنا ابن جريج عن الزهرى فذكره (الزيلعى ٥١:١). قلت: كلهم رجال الجماعة فالأثر حسن أو صحيح. . دليل على ثبوت نسخ ذلك عنده أو حمله على الضرورة. قاله الطحاوى (٢: ٤٦). والله تعالى أعلم. قلت: ولا يعارض ذلك ما رواه الدار قطنى عن محبوب بن محرز عن أبى مالك النخعى عن عطاء بن السائب عن على: "أن النبى معَّ أمر المتوفى عنها زوجها أن تعتد حيث شاءت". فإن الدار قطنى ضعفه، وقال: لم يسنده غير أبى مالك النخعى وهو ضعيف. قال ابن القطان: ومحبوب بن محرز أيضا ضعيف. وعطاء مختلط، وأبو مالك أضعفهم. فذلك أعله الدار قطنى به وذکر الجميع أصوب لاحتمال أن تكون الجناية من غيره اهــ كذا فى "نصب الراية" (٥١:٢). قلت: وإن سلمناه فهو محمول على ما قبل نزول العدد. والله تعالى أعلم. باب أن شهادة النساء مقبولة فى ما لا يستطيع الرجال النظر إليه قوله: "حدثنا عيسى" إلخ. قال المؤلف: وفى "تهذيب التهذيب" (٢٤١:٦): "قال يعقوب ابن شيبة عن ابن معين: الأوزاعى فى الزهرى ليس بذاك. قال يعقوب: والأوزاعى ثقة ثبت. وفى روايته عن الزهرى خاصة شىء " اهـ. قلت: هذا جرح مبهم، فلا يؤثر فى مثل ذلك الإمام المتفق على جلالته وإمامته، لا سيما وقد تابعه ابن جريج فافهم. وقول الزهرى: "مضت السنة". قد أدخله جماعة من العلماء والمحدثين فى المرفوع الحكمى. قال فى "تدريب الراوى" (٦٣): "أما إذا قال ذلك التابعى مجزم ابن الصباغ فى العدة أنه مرسل، وحکی فیه إذا قاله ابن المسيب وجهین، هل يكون حجة أو لا؟ وللغزالى فيه احتمالان بلا ترجيح، هل يكون موقوفا أو مرفوعا مرسلا؟ و کذا قوله: "من السنة". فیه وجهان، حکاهما المصنف فى شرح مسلم وغيره، وصحح وقفه، وحكى الداودى الرفع عن القديم اهــ يعنى القول القديم للإمام الشافعى رحمة الله عليه" اهـ ودلالة الآثار على الباب ظاهرة. ٢٥٧ شهادة النساء مقبولة فى ما لا يستطيع الرجال النظر إليه إعلاء السنن ٣٣٧٦- أخبرنا إبراهيم بن أبى يحيى الأسلمى أخبرنى إسحاق عن ابن شهاب: "أن عمر بن الخطاب أجاز شهادة امرأة فى الاستهلال". رواه عبد الرزاق فى مصنفه (الزيلعى ٢٠١:٢). قلت: رجاله رجال الجماعة إلا الأول، فإنه من رجال ابن ماجه، وهو مختلف فيه، ولکن الزهری عن عمر رضى الله عنه فهو مرسل. الفائدة: ذكر صاحب الهداية فى هذا الباب (٤١٣:٢) مسئلة مختلفا فيها ونصه: "أكثر مدة الحمل سنتان، لقول عائشة رضى الله عنها: الولد لا يبقى فى البطن أكثر من سنتين ولو بظل مغزل" اهـ. وفيه أيضا: " والشافعى يقدر الأكثر بأربع سنين، والحجة عليه ماروينا، والظاهر أنها قالت سماعا إذا العقل لا يهتدى إليه" اهـ. قلت: أثر عائشة رضى الله عنها رواه الدار قطنى (٢: ٤٢٥) من طريق ابن جريج عن جميلة بنت سعد، قالت: قالت عائشة رضى الله عنها: "ما تزيد المرأة فى الحمل على سنتين قدر ما يتحول ظل عود المغزل " اهـ. ثم ذكره أيضا بسند آخر عن جميلة. وجميلة هذه مجهولة، قاله ابن حزم، كما نقله فى "ميزان الاعتدال" (٣٩٦:٣). قلت: حديث عائشة هذا ذكره الحافظ فى "التلخيص" (٣٢٨:٢)، وسكت عنه، ولم يعله بشىء، فهو حسن أو صحيح، فإنه لا يسكت فى التلخيص عن ضعيف كما ذكرنا فى المقدمة، كيف؟ وله طریق آخر عند الدار قطنى: أخبرنا محمد بن مخلد نا أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر بن خالد نا داود بن رشيد، قال: سمعت الوليد بن مسلم يقول: قلت لمالك: إنى حدثت عن عائشة أنها قالت: "لا تزيد المرأة فى حملها على سنتين قدر ظل المغزل" الحديث. وذكره الحافظ فى "التلخيص" أیضا وسكت عنه. فثبت أن حديث عائشة كان معروفا بينهم، ولا يصلح رد حديث عائشة بما قال مالك: "هذه جاءتنا امرأة محمد بن عجلان، امرأة صدق، وزوجها رجل صدق، حملت ثلاثة بطون فى اثنتى عشرة سنة، كل بطن فى أربع سنين". فإنه يحتمل خطأ امرأة محمد بن عجلان فى الحساب وأن دمها انقطع أربع سنين ثم جاءت بولد، فيجوز أنها امتد طهرها سنتين أو أكثر ثم حبلت، ولو وجدت حركة فى البطن مثلا فليس دليلا على الحمل قاطعا، لجواز كونه غير الولد من الماء أو الريح، كما قاله المحقق فى الفتح (٤: ١٨١). وكذا لا يعارضه ما رواه الدار قطنى عن أبى سفيان: "حدثنى أشياخ منا، قالوا: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين! إنى غبت عن امرأتى سنتين فجئت وهى حبلى، فشاور عمر الناس فى رجمها. فقال معاذ بن جبل: يا أمير المؤمنين! إن كان لك عليها فليس لك على ما فى بطنها سبيل، فاتركها حتى تضع، فتركها فولدت غلاما قد خرجت ثنياه، فعرف الرجل الشبه ج - ١١ شهادة النساء مقبولة فى ما لا يستطيع الرجال النظر إليه ٢٥٨ ٣٣٧٧- أخبرنا الثورى عن جابر الجعفى عن عبيد الله بن يحيى. "أن عليا أجاز شهادة المرأة القابلة وحدها فى الاستهلال". رواه عبد الرزاق فى "مصنفه" (الزيلعى ٢: ٢٠٨). وفيه أيضا ما حاصله أن عبيد الله مجهول. قلت: معتضد به. فيه. فقال: ابنى ورب الكعبة" الحديث. فإنه يحتمل خطأ الرجل فى قوله: "غبت عن امرأتى سنتين". فلعله غاب أقل منهما شهر أو شهرين، فلم يعده شيئا، وقال: "غبت سنتين". مع أن فى سنده مجاهيل، ولو سلم فإن كان ثبوت النسب فيه بقيام الفراش ودعوى الرجل نسبه ولا کلام فیه. وأما ما قاله بعض الناس فى أثر عائشة: "أن جميلة هذه مجهولة، وروى عنها ابن جريج وهو مدلس، وقد عنعن". فالجواب عنه: أن تجهيل ابن حزم ليس بشىء، فإنه جهل كثيرا من المعروفين. وكفا بنا من صحة الأثر سكوت الحافظ عنه، وقول ابن القيم: "ابن جريج من الأئمة الثقات العدول، ورواية العدل عن غيره تعديل له، ولم يكن الكذب ظاهرا فى التابعين، ولا يظن بابن جريج أنه حملها عن كذاب. ولا عن غير ثقة عنده، ولم يبين حاله اهـ (٢٣٣:٢). وقد عرف الدار قطنى جميلة هذه، فقال: " جميلة بنت سعد هى أخت عبيد بن سعد" اهـ. فلا يضرنا جهل ابن حزم إياها. وأما تدليس ابن جريج فقد رواه الحافظ فى الفتح. وقال: "قد سمع ابن جريج من نافع كثيرا، وروى عنه بواسطة، وهذا دال على قلة تدليسه" اهـ (٣٢٨:٣). وقد احتج محمد فى الحجج له بهذا الأثر (٣٣٧). وقال: "قد بلغنا عن عائشة أنها قالت: لا تحمل المرأة فوق سنتين" اهـ. واحتجاج المجتهد بأثر تصحیح له. قال بعض الناس: "فى الاستدلال بهذا الأثر جرح عقلى لا يمكن الخلاص عنه، وهو أن كونه مما لا يدرك بالرأى ممنوع، فإن الأطباء قد بحثوا فيه وأثبتوا أن أكثر مدة الحمل سنتان، والأطباء لا يمكن البحث لهم فيما لا يدرك بالرأى" اهـ. قلت: قوله: "إن الأطباء لا يمكن لهم البحث فيما لا يدرك بالرأى" غلط بين، فإن الحكماء قد بحثوا فى كثير من السمعيات مما يتعلق بذات الواجب وصفاته، والجنة والنار والنعيم والعذاب. ولو سلم فعائشة رضى الله عنها كانت بريئة من أمثال هذه الأبحاث، ولم يكن لها علمه بالمقدمات والدلائل التى أثبت بها الحكماء مدة الحمل. وهذا مما لا ينكره من له معرفة بأحوال الصحابة وعلومهم. فكلما ذكروا من المقادير فى الأحكام لا يكون مبناه إلا السماع، فافهم. ٢٥٩ إعلاء السنن أبواب ما ورد فى العزل والغيلة والإتيان فى الدبر والاستمناء باب جواز العزل عن الحرة یاذنها ٣٣٧٨- حدثنا الحسن بن على الخلال ثنا إسحاق بن عيسى ثنا ابن لهيعة حدثنى جعفر بن ربيعة عن الزهرى عن محرر بن أبى هريرة عن أبيه عن عمر بن الخطاب، قال: (نهى رسول الله عَ ◌ّ أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها". رواه ابن ماجه (١٤٠). قلت: رجاله رجال مسلم إلا محررا. وذكره ابن حبان فى الثقات، کما فی تهذيب التهذيب (١: ٥٥ و٥٦) وابن لهيعة قد مر غير مرة أنه مختلف فيه. والاختلاف غير مضر، لا سيما قد صرح هناك بالتحديث، وقال أبو داود: وجعفر لم يسمع من الزهرى، كما فى "تهذيب التهذيب" (٩٠:٢). فالسند منقطع محتج به، وقد تقوى بالموقوف الذى بعده، لا سيما وقد احتج به الجمهور، كما فى "فتح البارى" (٩: ٢٦٩). ٣٣٧٩- عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: "تستأمر الحرة فى العزل ولا تستأمر الأمة السرية، فإن كانت أمة تحت حر فعليه أن يستأمرها". رواه عبد الرزاق بسند صحيح (فتح البارى ٩: ٢٧٠). ٣٣٨٠- عن أبى ذر رفعه: ((ضعه فى حلاله وجنبه حرامه، وأقرره، فإن شاء الله أحياه، وإن شاء أماته ولك أجره)). رواه ابن حبان فى صحيحه(فتح البارى ٢٧١:٩). ٣٣٨١- عن أنس رضى الله عنه، أن رجلا سأل عن العزل. فقال النبى عدّ له: ((لو أن الماء الذى يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج الله منها ولدا)). أخرجه أحمد والبزار، وصححه ابن حبان (فتح البارى ٢٦٩:٩). وعزاه فى "كنز العمال". (٢٥٧:٨) إلى الضياء المقدسى، وسنده صحيح أيضا على قاعدة الحافظ. باب جواز العزل عن الحرة یاذنها قوله: "حدثنا الحسن بن على" إلخ. قال المؤلف: دلالته على ما فيه ظاهرة، وكذلك دلالة الأثر الذى بعده. قوله: "عن أبى ذر" إلخ. قال المؤلف: دلالته على استحباب عدم العزل ظاهرة. حيث قال: "وأقرره إلى أن قال: ولك أجره". وكذا سياق الحديث الذى بعد هذا الحديث يدل على استحباب عدم العزل. ج - ١١ ٢٦٠ ٣٣٨٢- عن جابر، قال: "كنا نعزل على عهد رسول الله عٍَّ، فبلغ ذلك نبى الله عَ ظُلّ فلم ينهنا عنه". رواه مسلم. (٤٦٥:١). ٣٣٨٣- عن جابر رضى الله عنه، قال: "سأل رجل النبى عّ لّه، فقال: إن عندى جارية هى خادمنا وسانيتنا، وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل. فقال: اعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قدر لها، فلبث الرجل ثم أتاه. فقال: إن الجارية قد حبلت. فقال: قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها". رواه مسلم (٤٦٥:١). ٣٣٨٤- عن جدامة بنت وهب أخت عكاشة، قالت: "حضرت رسول الله عَ ليه إلى أن قالت: ثم سألوه عن العزل. فقال رسول الله عّ لّه: ذلك الواد الخفى، وهى ﴿إذا الموءودة سئلت﴾. رواه مسلم (١: ٤٦٦). باب ما ورد فى الغيلة(١) ٣٣٨٥- حدثنا هشام بن عمار ثنا يحيى بن حمزة عن عمرو بن مهاجر أنه سمع قوله: "عن جابر" إلخ. قال المؤلف: دلالته على جواز العزل وإباحته ظاهرة. قوله: عن جابر إلخ. قال المؤلف: دلالته على إباحة العزل، وعلى استحباب عدمه ظاهرة. قوله: "عن جدامة" إلخ. قال المؤلف: دلالته على استحباب عدم العزل ظاهرة. وأما ما رواه الترمذى والنسائی وصححه مسلم کما فى فتح البارى (٩: ٢٧٠): من طريق معمر عن يحيى بن أبى كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر، قال: " كانت لنا جوارى وكنا نعزل. فقالت اليهود: إن تلك الموؤدة الصغرى. فسئل رسول الله عّ لّم عن ذلك. فقال: كذبت اليهود لو أراد الله خلقه لم تستطع رده" اهـ. فالتطبيق بين هذا الحديث وبين حديث الباب ما ذكره فى فتح البارى (٢٧١:٩) ونصه: "قال ابن القيم: الذى كذبت فيه اليهود زعمهم أن العزل لا يتصور معه الحمل أصلا، وجعلوه بمنزلة قطع النسل بالوأد، فأكذبهم وأخبر أنه لا يمنع الحمل إذا شاء الله خلقه. وإذا لم يرد خلقه لم يكن وأدا حقيقة. وإنما سماه وأدا خفيا فى حديث جذامة(٢) لأن الرجل إنما يعزل هربا من الحمل، فأجرى قصده لذلك مجرى الوأد، لكن الفرق بينهما أن الوأد ظاهر بالمباشرة اجتمع فيه القصد والفعل، والعزل يتعلق بالمقصد صرفا فلذلك وصفه بكونه خفياً" اهـ. باب ما ورد فى الغيلة قوله: "هشام" إلخ. فى "المرقاة" (٤٤٣:٣): فى شرح نحو هذا الحديث ما نصه: "وتوضيحه (١) فى النهاية الغيلة بالكسر الاسم من الغيل وبالفتح أن يجامع الرجل زوجته وهى مرضعة وكذلك إذا حملت وهى مرضع (١٩٣:٣). (٢) ذكر مسلم عن بعضهم بالذال وعن بعضهم بالدال ثم صحح الثانى.