Indexed OCR Text
Pages 221-240
ج - ١١ ٢٢١ أبواب الخلع باب أن الخلع تطليقة ٣٣٢٩ - روى عبد الرزاق فى مصنفه: حدثنا ابن جريج عن داود بن أبى عاصم عن سعيد بن المسيب "أن النبى مِّظّ جعل الخلع تطليقة" (زيلعى ٤٠:٢). ورجاله رجال الصحيح. وفى "تهذيب التهذيب" (٨٥:٤): قال الميمونى وحنبل عن أحمد: مرسلات سعيد صحاح لا نرى أصح من مرسلاته. وفى الدراية (٢٣٠): بسند صحيح. ٣٣٣٠ - عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: "جعل رسول الله عَ ليه الخلع تطليقة بائنة". رواه الدارقطنى وابن عدى، وفيه عباد بن كثير الثقفى وهو واه (دراية ٢٣٠). قلت: نقلته اعتضادا. وكان جرير بن عبد الحمید یحدث عنه، فيقولون: اعفنا منه. فیقول: ويحكم! كان شيخا صالحا. كذا فى "الميزان" (٢: ٢٢). وهذا تعديل منه مع معرفته بجرح الجارحین. ٣٣٣١- عن نافع: أن ربيع بنت معوذ بن عفراء جاءت هى وعمتها إلى عبد الله ابن عمر، فأخبرته أنها اختلعت من زوجها فى زمن عثمان بن عفان، فبلغ ذلك عثمان ابن عفان فلم ينكره. وقال عبد الله بن عمر: عدتها عدة المطلقة. رواه مالك فى "الموطأ" (٢٠٥). ابن مسعود وزيد بن ثابت أنهم قالوا: إذا آلى الرجل من امرأته فمضت أربعة أشهر قبل أن يفئ فقد بانت بتطليقة بائنة، وهو خاطب من الخطاب. وكانوا لا يرون أن يوقف بعد الأربعة. وقال ابن عباس فى تفسير هذه الآية: الفئ الجماع فى الأربعة الأشهر، وعزيمة الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر، فإذا مضت بانت بتطليقة ولا يوقف بعدها. وكان عبد الله ابن عباس أعلم بتفسير القرآن من غيره، وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهاءنا" اهـ. (٢٥٩). باب أن الخلع تطليقة قوله: "روى عبد الرزاق" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. والمراد بالتطليقة هى البائنة، فإنها المطلوبة من بدل الخلع كما هو ظاهر. وقال صاحب "الهداية" (٣٨٤:٢). "لأنها لا تتسلم المال إلا لتسلم لها نفسها وذلك بالبينونة" اهـ. والحديث الثانى من الباب يؤيد هذا التقرير، فإن فيه لفظة بائنة صريحة. قوله: "عن ابن عباس" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. قوله: "نافع" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب من حيث أنها لما جعلت عدتها عدة ١ ٢٢٢ إعلاء السنن ٣٣٣٢- وقال: إنه بلغه أن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وابن شهاب. كانوا يقولون: "عدة المختلعة مثل عدة المطلقة ثلاثة قروء اهـ". باب كراهة أخذ الأ کثر من المهر فى بدل الخلع إذا نشزت ٣٣٣٣- عن أبى الزبير: "أن ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده ابنة عبد الله المطلقة يلزم منها كونها مطلقة. فإن قلت: قد روى الترمذى وقال: حسن غريب، عن ابن عباس. رضى الله عنه "أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبى عنّ له، فأمرها النبى معَ له أن تعتد بحيضة" (١٤٢:١). وهذا يدل على أن عدة المختلعة حيضة. والخلع ليس بطلاق، فإنه لو كان طلاقا لكان عدته عدته. قلت: أجاب عنه العلامة أبو الطيب فى "شرح الترمذى" (٤٣٢:٢) بما نصه: "أى جنس حيضة عند بعض أهل العلم" اهـ. قلت: فيكون احترازا عن الشهر والطهر. ولفظ الحدیث يحتمله. وقد ثبت أن الخلع طلاق، وعدة الطلاق ثلاث حيض، فأولنا هذا الحديث على الجنس لئلا تتعارض الأدلة، فافهم. وأما ما فى "الدراية": " وقد صح عن ابن عباس: الخلع فرقة، وليس بطلاق. أخرجه الدار قطنى. وأخرج عبد الرزاق عنه: إذا طلق امرأته تطلیقتين ثم اختلعت منه حل له أن ينكحها" (٢٣٠). فالجواب عن هذه الآثار: أنها موقوفات لا تتعارض المرفوع. وفيه أيضا: "وفى "الموطأ" أن عثمان قال: هى تطليقة إلا أن تكون سميت شيئا. وفيه جمهان الأسلمى وهو مجهول" اهـ (٢٣٠). قلت: جمهان الأسلمى ذكره ابن حبان فى الثقات، كما فى تهذيب التهذيب (١١٠:٢). وأخرج له مالك في الموطأ وهو لا يخرج فيه إلا الثقات، فالأثر صالح للاحتجاج به، وهو أبو يعلى أو أبو العلى مولى الأسلمين، ويقال مولى يعقوب القبطى، يعد فى أهل المدينة تابعيا. روى عن سعد ابن أبى وقاص وعثمان بن عفان وأبى هريرة وأم بكر الأسلمية. روى عنه عروة بن الزبير وموسى ابن عبيدة الربذى. قال ابن حبان وغيرهما: وهو جد جدة على بن المدينى. من "فتح القدير" (٤: ٦٠). وليس بمجهول من روى عنه اثنان فصاعدا وروى عن كثيرين. باب كراهة أخذ الأكثر من المهر فى بدل الخلع إذا نشرت قال المؤلف: دلالة مجموع حديثى الباب عليه ظاهرة. وروى محمد فى الآثار: أخبرنا أبو حنيفة عن عمارةٍ أو عمار أو أبى عمار الشك من محمد، عن أبيه عن على بن أبى طالب، أنه قال: ٢٢٣ ج -١١ بن أبى ابن سلول وكان أصدقها حديقة. فقال النبى ◌ّ له: أ تردين عليه حديقته التى أعطاك؟ قالت: نعم! وزيادة. فقال النبى ◌ّ له: أما الزيادة فلا، ولكن حديقته. قالت: نعم! فأخذها له وخلی سبیلها. فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال: قد قبلت قضاء رسول الله مَّله " رواه الدار قطنى بإسناد صحيح، وقال: سمعه أبو الزبير من غير واحد (نيل الأوطار ٦: ٤٣). ٣٣٣٤- عن ابن عباس: "أن جميلة بنت سلول أتت النبي ◌َّ له، فقالت: والله ما أعبت على ثابت فى دين ولا خلق، ولكنى أكره الكفر فى الإسلام، لا أطيقه بغضا. فقال لها النبى عدّ له: أ تردين عليه حديقته؟ قالت: نعم! فأمره رسول الله معرّ أن يأخذ منها حديقته، ولا يزداد". رواه ابن ماجه من طريق أزهر بن مروان، وهو صدوق مستقيم الحديث، وبقية إسناده من رجال الصحيح (نيل الأوطار ١٧٢:٦-١٧٣). وفى "الدراية" (٢٣٠): صحيح. باب المختلعة يلحقها الطلاق ٣٣٣٥- فى مصنف ابن أبى شيبة: ثنا وكيع عن على بن مبارك عن يحيى بن أبى كثير قال: كان عمران بن حصين وابن مسعود يقولان فى التى تفتدى من زوجها: "لها طلاق ما كانت فى عدتها". ورجال هذا السند على شرط الجماعة (الجوهر النقى ٢: ١٠٧-١٠٨). "لا تخلعها إلا بما أعطيتها، فإنه لا خير فى الفضل" اهـ (٧٧). وعمار ذكره ابن حبان فى الثقات، واسمه عمار وكنيته أبو عمارة. وأبو عبد الله بن بشار الجهنى أخرج له أبو داود وغيره، قاله الحافظ فى تعجيل المنفعة (٢٩٤) محمد قال: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم، قال: "إذا كان الظلم من قبل المرأة فقد حلت له الفدية، وإن كان من قبل الرجل فلا تحل له الفدية". قال محمد: "وبه نأخذ، ولا نحب له أن يزداد على ما أعطاها شيئا، وإن زاد فهو جائز فى القضاء" اهـ. باب المختلعة يلحقها الطلاق قال المؤلف: وفى "الجوهر النقى": باب المختلعة لا يلحقها الطلاق: ذكره البيهقى من قول ابن عباس وابن الزبير، ثم ذكر (أنه روى خلافه عن مجهول عن الضحاك بن مزاحم عن ابن مسعود من قوله، وهو منقطع ضعيف). ثم ذكر صاحب "الجوهر النقى" أثر الباب، ثم قال: وفى ٢٢٤ ٠ ٠٫٩٠ إعلاء السنن أبواب الظهار باب من وطئ قبل التكفير فعليه كفارة واحدة ٣٣٣٦- عن سلمة بن صخر البياضى رضى الله عنه عن النبى معَّ فى المظاهر يواقع قبل أن يكفر قال: كفارة واحدة. رواه الترمذى وقال: حسن غريب (١٤٢:١). "الاستذكار": هو قول أبى حنيفة والثورى والأوزاعى وابن المسيب وشريح وطاوس والزهرى. وظاهر الكتاب يشهد لهذا القول، لأنه تعالى قال: ﴿الطلاق مرتان﴾ ثم قال: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ ثم قال: ﴿فإن طلقها فلا تحل له﴾. وهذا يقتضى وقوع الطلاق بعد الخلع، وأن من طلق ثنتين فإن أخذ فداء له أن يطلق الثالثة. وعند الشافعى إذا أخذ فداء لا يطلق الثالثة (١٠٧:٢، ١٠٨). قلت: وفى كل ذلك دلالة على كون الخلع طلاقا لا فسخا كما لا يخفى. باب من وطئ قبل التكفير فعليه كفارة واحدة فقط قال المؤلف: دلالة حديثى الباب عليه ظاهرة. قال المؤفق فى المغنى: "قد ذكرنا أن المظاهر يحرم عليه وطئ زوجته قبل التكفير، لقول الله تعالى فى العتق والصيام: "من قبل أن يتماسا". فإن وطئ عصى ربه لمخالفة أمره، وتستقر الكفارة فى ذمته، فلا تسقط بعد ذلك بموت، ولا طلاق ولا غيره، وتحريم زوجته عليه باق بحاله حتى يكفر. هذا قول أكثر أهل العلم. روى ذلك عن سعيد بن المسيّب وعطاء وطاوس وجابر بن زيد ومورق العجلى وأبى مجلز والنخعى وعبد الله بن أذينة ومالك والثورى والأوزاعى وإسحاق وأبى ثور. وروى الخلال عن الصلت بن دينار قال: سألت عشرة من الفقهاء عن المظاهر يجامع قبل أن يكفر. قالوا: ليس عليه إلا كفارة واحدة. الحسن وابن سيرين وبكر المزنى ومورق العجلى وعطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة وقتادة. وقال و کیع: وأظن العاشر نافعا. وحکی عن عمرو بن العاص. أن علیه کفارتین. وروی ذلك عن قبيصة وسعيد بن جبير والزهرى وقتادة: لأن الوطأ يوجب كفارة، والظهار موجب للأخرى. وقال أبو حنيفة: لا تثبت الكفارة فى ذمته وإنما هى شرط للإباحة بعد الوطأ كما كانت قبله. وحكى عن بعض الناس أن الكفارة تسقط، لأنه فات وقتها لكونها وجبت قبل المسيس. ولنا حديث صخر حين ظاهر ثم وطئ قبل الكفير فأمره النبى معَّ له بكفارة واحدة، ولأنه وجد الظهار والعود فيدخل فى عموم قوله تعالى: "ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة مؤمنة" ط. وأما قولهم: "فات وقتها" فيبطل بما ذكرناه وبالصلاة وسائر العبادات يجب قضاءها بعد فوات وقتها" اهـ (٦٢٠:٨). ٢٢٥ ج - ١١ ٣٣٣٧ - عن ابن عباس رضى الله عنهما: أن رجلا أتى النبى عّ لّه قد ظاهر من امرأته فوقع عليها. فقال: يا رسول الله! إنى ظاهرت من امرأتى فوقعت عليها قبل أن أكفر فقال: وما حملك على ذلك يرحمك الله! قال: رأيت خلخالها فى ضوء القمر. قال: فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله". رواه الترمذى وقال: حسن صحيح غريب (١٤٤:١). باب جواز إعتاق المكاتب فى الكفارة ٣٣٣٨- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى عّ لّه قال: ((المكاتب عبد ما بقى عليه من كتابته درهم)) رواه أبو داود (١٩١:٢) وسكت عنه. وفى الزيلعى (٢٤٢:٢): وفيه إسماعيل بن عياش لكنه عن شيخ شامى ثقة. وفى "نيل الأوطار" (٣٦٧:٥): وحسن الحافظ إسناده فى "بلوغ المرام" اهـ. وحسنه العلامة السيوطى فى "الجامع الصغير" (١٥٦:٢). باب مقدار التمر الذى يجزئ فى الكفارة ٣٣٣٩- حدثنا فهد قال: ثنا فروة عن أبى المغيرة قال: أنا يحيى بن زكريا عن قوله: "عن ابن عباس" إلخ. قال المحقق فى الفتح: "ونفى كون هذا الحديث صحيحا رده المنذرى فى مختصره بأنه صححه الترمذى، ورجاله ثقات مشهورٍ سماع بعضهم من بعض. قال: وأما ذكر الاستغفار فى الحديث، فالله أعلم به، وهو فى الموطأ من قول مالك، ولفظه: قال مالك فيمن يظاهر ثم يمسها قبل أن يكفر: يكف عنها حتى يستغفر الله ويكفر، ثم قال: وذلك أحسن ما سمعت " اهـ (٨٨:٤). باب جواز إعتاق المكاتب فى الكفارة قال المؤلف: ثبت بالحديث كون المكاتب عبدا ما بقى عليه شىء، واعتاق العبد يجوز فى الكفارة، فالمكاتب يجوز فيها أيضا. وهذه رواية عن أبى حنيفة. وظاهر الرواية جواز إعتاق المكاتب الذى لم يؤد شيئاً لا الذى أدى بعض الكتابة، لكونه مستحقا للعتق بأدائه، فأشبه المدبر وأم الولد، فنقص الرق فيه. كما نقص فيهما. كذا فى "فتح القدير" (٩٩:٤). باب مقدار التمر الذى يجزئ فى الكفارة قال المؤلف: دلالة حديثى الباب عليه ظاهرة. وقال أبو داود بعد الحديث المذكور منه فى ٢٢٦ مقدار التمر الذى يجزئ فى كفارة الظهار إعلاء السنن إسحاق عن معمر بن عبد الله عن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: حدثنى خولة بنت مالك بن ثعلبة بن أخى عبادة بن الصامت: ((أن رسول الله أعان زوجها حين ظاهر منها بعرق من تمر وأعانته هى لفرق أخر وذلك ستون صاع فقال رسول الله عّ لّ تصدق به وقال: اتقى الله وارجعى إلى زوجك)). رواه الطحاوى (٢: ٧٠) وفى "الجوهر النقي" (٢ :١٢٦): بسند جيد. المتن وسكت عنه: حدثنا ابن السرح نا ابن وهب أخبرنى ابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار بهذا الخبر. قال: "فأتى رسول الله عَّه بتمر فأعطاه إياه، وهو قريب من خمسة عشر صاعا. قال: تصدق بهذا! قال: يا رسول الله عَ لّه! على أفقر منى ومن أهلى؟ فقال رسول الله عَ لِّ: كله أنت وأهلك" إهـ (٣،٩:١). ففيه خمسة عشر صاعا وإجزاء التصدق عن نفسه على نفسه. فالجواب عن الأول: أن الأخذ بالزيادة أولى وألزم، وأنه يمكن أنه عرّ أعطاه خمسة عشر صاعا أولا ثم ثناه بخمسة عشر. وأجاب بعض الناس عن الثانى: أنه مخصوص به، فإن القواعد الكلية تأباه. قلت: والجواب الشافى: أن فى الرواية اختصارا، وقد أخرجه البيهقى عن سليمان بن يسار عن سلمة، وفيه: "انطلق إلى صاحب صدقة بنى زريق فليدفعها إليك، فأطعم منها وسقا ستين مسكينا، واستعن بسائرها على عيالك". وقد صحح صاحب المستدرك هذا الحديث، وقال: على شرط مسلم. كذا فى "الجوهر النقي" (١٢٦:٢). وأخرجه أبو داود بلفظ: "فانطلق إلى صاحب صدقة بنى زريق فليدفعها إليك، فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر، وكل أنت وعيالك بقيتها" اهـ. (٣٠٩:١). وأوله البيهقى بأنه يعطى من الوسق ستين مسكينا ثم يأكل بقيته أى بقية الوسق. والصحيح عندنا أن يحمل على أن كل بقية التمر أى بقية ما عند صاحب الصدقة من التمر. وهذا ليتفق هذه الرواية مع الرواية الأولى، كذا فى "الجوهر النقى" أيضا. فالحديث هذا واختصره بعض الرواة فلم يذكر قوله: "انطلق إلى صاحب صدقة بنى زريق". وقوله: "فأطعم منها وسقا ستين مسكينا". واقتصر على قوله: " كله أنت وأهلك" فتوهم منه أنه مَّ عفا عنه الصدقة رأسا، وليس كذلك. بل إنما أمره بأكل خمسة عشر صاعا الذى أتى به، ثم أمره بالذهاب إلى صاحب الصدقة، وإطعام وسق منها ستين مسكينا، وإنفاق سائرها على عياله. هكذا ينبغى أن يفهم المقام، والعلم لله الملك العلام. ج - ١١ مقدار التمر الذى يجزئ فى كفارة الظهار ٢٢٧ ٣٣٤٠- حدثنا الحسن بن على نا يحيى بن آدم نا ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن معمر بن عبد الله بن حنظلة عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة، قالت: "ظاهر منى زوجى أوس الصامت، فجئت رسول الله عد اله أشكو إليه ورسول الله عَّ له يجادلنى فيه، ويقول: اتقى الله! فإنه ابن عمك. فما برحت حتى نزل القرآن: ﴿قد سمع قول التى تجادلك فى زوجها﴾، إلى الفرض. فقال: يعتق رقبة. قالت: لا يجد. قال: فيصوم شهرين متتابعين. قالت: يا رسول الله عَّ ◌ِبُّه! إنه شيخ كبير ما به من صيام. قال: فليطعم ستين مسكينا قالت: ما عنده من شىء يتصدق به. قالت: فأتى ساعتئذ بعرق من تمر. قلت يا رسول الله عّ لّه! فإنى أعينه بعرق آخر. قال: قد أحسنت. اذهبى فأطعمى بها عنه ستين مسكينا، وارجعى إلى ابن عمك. قال: والعرق ستون صاعًا". رواه أبو داود (٣٠٩:١). وحسنه فى "فتح البارى" (٣٨٢:٩)، ثم قال أبو داود: وحدثنا الحسن بن على نا عبد العزيز بن يحيى نا محمد بن سلمة عن ابن إسحاق بهذا الإسناد نحوه، إلا أنه قال: والعرق مكتل يسع ثلاثين صاعا. قال أبو داود: وهذا أصح من حدیث یحیی بن آدم. والدليل على أنه يجب التصدق على ستين مسكينا بثلاثين صاعا من بر، وبستين صاعا من تمر فى الظهار، لكل مسكين نصف صاع من بر أو صاع من تمر لا يجزئ أقل من ذلك، أن الصدقة والإطعام المبهم فى القرآن مفسر بذلك فى الحديث. فقد أخرج الشيخان أنه مَ ◌ّ قال لكعب بن عجرة فى فدية الأذى: "أو أطعم ستة مساكين كل مسكين نصف صاع من حنطة". وأنهم أجمعوا على العمل بذلك، كما قاله الطحاوى. وبه قال عمر وعلى فى كفارة الأيمان، كما أخرجه الطحاوى بسند صحيح عن عمر، وبسند حسن عن على. ثم أخرج بسند صحيح عن ابن عباس كذلك. قال: وقد شد ذلك أيضا ما قد بيناه فى كتاب صدقة الفطر من مقدارها وما ذكرنا فى ذلك عن رسول الله عَ ◌ّه وأصحابه من بعده اهـ (٦٩:٢ و٧٠). والله تعالى أعلم. الفائدة: فى "فتح البارى" (٣٨٢:٩): "أخرج الطبرانى وابن مردويه من حديث ابن عباس، قال: كان الظهار فى الجاهلية يحرم النساء، فكان أول من ظاهر فى الإسلام أوس ابن الصامت، وكانت امرأته خولة الحديث" اهـ. وأخرج البزار عن ابن عباس قال: " كان الرجل إذا قال لإمرأته فى الجاهلية: أنت على كظهر أمى، حرمت عليه، وكان أول من ظاهر فى الإسلام ٢٢٨ إعلاء السنن أبواب اللعان باب النسوة اللاتی لا لعان بینیہن وبین أزواجهن ٣٣٤١- حدثنا محمد بن يحيى ثنا حيوة بن شريح الحضرمى عن ضمرة بن ربيعة عن ابن عطاء عن أبيه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبى عّ لّه قال: ((أربع من النساء لا ملاعنة بينهن النصرانية تحت المسلم واليهودية تحت المسلم والحرة تحت المملوك والمملوكة تحت الحر)). رواه ابن ماجه (١٥١). وسنده محتج به. رجل كان تحته ابنة عم له، يقال لها خويلة" ، الحديث. وفيه أبو حمزة الثمالى وهو ضعيف. كذا فى مجمع الزوائد (٥:٥). وهو دليل على ما قاله أصحابنا أن لفظة أنت على كظهر أمى صريحة فى الظهار، لا يكون إلا ظهارا وإن نوى به الطلاق أو الإيلاء، أو قال لم أنو شيئا كما فى "فتح القدير" (٨٨:٤). ودليل كونه صريحا كونه متعارفا فى تحريم المرأة فى الجاهلية والإسلام فافهم. باب النسوة اللاتی لا لعان بینیہن وبین أزواجهن قوله: "حدثنا محمد بن يحيى" إلخ. قال المؤلف: إن عثمان بن عطاء الخراسانى ضعيف جدا، وتابعه يزيد بن زريع عن عطاء، وهو ضعيف أيضا، اهـ. وقد نقل عن البيهقى: عطاء الخراسانى معروف بكثرة الغلط. (٤٢:٢ و٤٣). قلت: عثمان هذا ليس ضعيفا مطلقا، بل هو مختلف فيه ضعفه كثير ووثقه البعض، والاختلاف غير مضر كما عرفت مرارا. وفى "تهذيب التهذيب" (١٣٩:٧): "قال أبو حاتم: سألت دحيما عنه، فقال: لا بأس به فقلت: إن أصحابنا يضعفونه. قال: وأى شىء حدث عثمان من الحديث واستحسن حديثه" اهـ. وفيه أيضا: "قال ابن عدى: هو ممن يكتب حديثه" اهـ. وعطاء هذا أيضا مختلف فيه. وقد أخرج له مسلم، وقال ابن معين: ثقة. وقال ابن أبى حاتم عن أبيه: ثقة صدوق قلت: يحتج به؟ قال: نعم! وقال النسائى: ليس به بأس. وقال الدار قطنى: ثقة فى نفسه إلا أنه لم يلق ابن عباس. وقال ابن سعد: كان ثقة روى عنه مالك. هذا كله محصل من "تهذيب التهذيب" (٢١٢:٧، ٢١٣، ٢١٥). وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده محتج به. فقال الترمذى بعد ما أخرج حديثا لعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ما نصه: "حديث حسن" اهـ: وقال أيضا: "قال محمد ابن إسماعيل: رأيت أحمد وإسحاق وذكر غيرهما يحتجون بحديث عمرو بن شعيب" (٤٣:١). ومحمد بن ج - ١١ ٢٢٩ باب الابتداء فى اللعان بالزوج وأن لا تقع الفرقة بنفس اللعان بل لا بد لها من تفريق القاضى أو طلاق الزوج ٣٣٤٢- عن نافع عن ابن عمر: "أن رجلا لاعن امرأته وانتفى من ولدها ففرق رسول الله عَ لّ بينهما، وألحق الولد بالمرأة)). رواه الجماعة. ٣٣٤٣- وعن سعيد بن جبير، أنه قال لعبد الله بن عمر: ((يا أبا عبد الرحمن! المتلاعنان أ يفرق بينهما؟ قال: سبحان الله نعم! إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان قال: يا رسول الله! أرأيت لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة، كيف يصنع؟ إن تكلم تکلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك. فسكت النبى ماێږ فلم يجبه. فلما كان بعد ذلك أتاه. فقال: إن الذى سألتك عنه ابتليت به. فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات فى سورة النور. ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء﴾. فتلاهن عليه، ووعظه وذكره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. فقال: لا والذى بعثك بالحق ما كذبت عليها. ثم دعاها فوعظها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من يحيى هذا هو الذهلى. قال فى التقريب: "ثقة حافظ جليل ورمز له للجماعة غير مسلم" (١٩٨). وحيوة هذا قال فى التقريب: "ثقة ورمز له للبخارى وغيره" (٤٩) وضمرة بن ربيعة، قال فى التقريب: "صدوق يهم قليلا، ورمز له للبخارى والأربعة، وفى تعليقه عن الخلاصة: وثقه أحمد وابن معين والنسائى وابن سعد" (٩١). فهو مختلف فيه، والاختلاف لا يضر فالسند ثابت محتج به. ودلالته على الباب ظاهرة. ثم رأيت فى الجوهر النقى (١٢٧:٢) ما لفظه: "وقد روى هذا الحديث عبد الباقى بن قانع وعيسى ابن أبان، من حديث حماد بن خالد الخياط عن معاوية بن صالح عن صدقة أبى توبة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عنه عليه السلام. وحماد ومعاوية من رجال مسلم، وصدقة ذكره ابن حبان فى "ثقات التابعين"، وقال: روى عنه معاوية بن صالح. وذكره ابن أبى حاتم فى كتابه، وقال: روى عنه أبو الوليد وعبيد الله بن رسى، وهذا يخرجه عن جهالة العين والحال" اهـ. وفيه أيضا: "سند هذا الحديث جيد" (١٢٨:٢). باب الابتداء فى اللعان بالزوج وأن لا تقع الفرقة بنفس اللعان بل لا بد لها من تفريق القاضى أو طلاق الزوج قوله: "عن نافع" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة. قوله: "عن سعيد بن جبير" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة. ٢٣٠ حكم اللعان إعلاء السنن عذاب الآخرة. فقالت: لا والذى بعثك بالحق إنه لكاذب. فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم ثنى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين. والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ثم فرق بينهما". متفق عليه. (نيل الأوطار ٦: ١٩٦). ٣٣٤٤- عن سهل بن سعد، "أن عويمر العجلانى أتى رسول الله عَّ له، فقال: يا رسول الله عَ لّه! أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله؟ فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله عَ ليه: قد نزل فيك وفى صاحبتك، فاذهب فأت بها. قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله عَّ عليه. فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله عّ لّه! إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله عَّ له ". قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين. رواه الجماعة إلا الترمذى. وفى رواية متفق عليها: "فقال النبى عٍَّ: ذا كم التفريق بين كل متلاعنين". وفى لفظ لأحمد ومسلم: "وكان فراقه إياها سنة فى المتلاعنين" (نيل الأوطار ٦: ١٩٦). وفى "فتح البارى" (٣٩٩:٩): وقع عند أبى داود من طريق عياض بن عبد الله الفهرى عن ابن شهاب عن سهل، قال: "فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله عَّ له، فأنفذه رسول الله عّ لّه، وكان ما صنع عند رسول الله عَّ له سنة. قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله عَّ له، فمضت السنة بعد فى المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدا" اهـ. قلت: إسناده صحيح أو حسن على قاعدة الحافظ. ٣٣٤٥- ثنا أحمد بن حنبل نا إسماعيل نا أيوب عن سعيد بن جبير، قال: "قلت قوله: "عن سهل بن سعد" إلخ. قال المؤلف: لو كانت وقعت الفرقة بنفس اللعان لما قرره مَّ على التطليق، ولم ينفذ طلاقه، لأنها لم تبق محل لذلك، فلما بقيت المرأة محلا للتطليق بدلالة الحديث علم أن الفرقة لا تقع بنفس اللعان، بل يحتاج إلى تفريق القاضى. وأيضا لو كانت الفرقة وقعت بنفس اللعان لم يصح قول عويمر: "كذبت عليها إن أمسكتها". وهو غير ممسك لها. فلما أخبر بعد اللعان بحضرة النبى معَّهِ أنه ممسك لها، ولم ينكره النبى معَّهِ، دل ذلك على أن الفرقة لم تقع بنفس اللعان. قوله: "نا أحمد بن حنبل" إلخ قلت: قد نص فى هذا الحديث أيضا على أنه فرق بينهما بعد ج - ١١ حكم اللعان ٢٣١ لابن عمر: رجل قذف امرأته. قال: فرق رسول الله عَ ليه بين أخوى بنى العجلان، اللعان. وأما ما فى حديث أبى داود الذى سكت عنه (٣١٤:١) من قول ابن عباس رضى الله عنه وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت، من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق، ولا متوفى عنها. فهذا يدل على أن لا نفقة لها، والتفريق فى اللعان فسخ للطلاق. وهذا خلاف ما عليه الحنفية. فالجواب عنه: أن قوله: "قضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت" خبر عن قضاء النبى معَّه. وقوله: " من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق" إلخ. تعليل للحكم من ابن عباس برأيه، وهو خلاف ما ثبت بالحديث المرفوع الذى هو أقوى سندا من أثر ابن عباس هذا، أنه عَ ◌ّ لما لاعن بين عويمر العجلانى وامرأته وفرغا، قال عويمر: "كذبت عليها يا رسول الله عَّه! إن أمسكها، فهى طالق ثلاثا. فقال النبى معَّ: ذاكم التفريق بين كل متلاعنين". (أشار إلى ما فعله عويمر من التطليق). وفى لفظ لأحمد ومسلم: "وكان فراقه إياها سنة فى المتلاعنين". وفى حديث سهل: "فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله عَّ له، فأنفذه رسول الله عَ ليه، وكان ما صنع عند رسول الله عَ له سنة". وقد مر كل ذلك فى المتن. وفيه دلالة على أن طلاق الزوج عقيب اللعان سنة المتلاعنين، فيجب على كل ملاعن أن يطلق، فإذا امتنع ينوب القاضى منابه فى التفريق، كما فى قصة هلال بن أمية، حيث لم يطلق بعد اللعان ففرق النبى معَّل بينه وبين امرأته. فيكون تفريق القاضى طلاقا لكونه نائبا فيه عن الزوج، لأن سبب هذه الفرقة قذفه، وهو يوجب اللعان، واللعان يوجب التفريق، والتفريق يوجب الفرقة، فكانت الفرقة بهذه الوسائط مضافة إلى القذف السابق، وكل فرقة يكون من الزوج أو يكون فعل الزوج سببها تكون طلاقا. وهو قول السلف أن كل فرقة وقعت من قبل الزوج فهى طلاق. قاله إبراهيم والنخعى والحسن وسعيد بن جبير وقتادة رضى الله عنهم، كما فى "البدائع" (٢٤٦:٣). وبالجملة: فإن سنة المتلاعنين هو الطلاق، فإما أن يوقعه الزوج عليها، أو جنوب القاضى منابه فيه. هذا هو الظاهر من الأحاديث المرفوعة، فهو أولى مما قاله ابن عباس برأيه مع ما فى سنده من الضعف كما سيأتى، وأخذ به أبو يوسف وزفر والحسن بن زياد. فقالوا: إن اللعان فرقة بغير طلاق. كما فى "البدائع" (٢٤٥:٣) أيضا. ولما كان اللعان فرقة بالطلاق كان مقتضاه لزوم نفقة العدة مع السكنى على الزوج. فما رواه ابن عباس: أنه معَّ قضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت"، وارد على أبى حنيفة ظاهرا. والجواب عنه: إن ذلك مما تفرد به عباد بن منصور عن عكرمة، وعباد فيه مقال، فإنه كان ٢٣٢ حکم اللعان إعلاء السنن وقال: الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ يرددها ثلاثا، فأبيا، ففرق داعية إلى القدر، وتغير بآخره، وكان يدلس. قال ابن حبان: وكلما روى عن عكرمة سمعه من إبراهيم بن يحيى بن أبى يحيى عن داود بن الحصين عنه فدلسها عن عكرمة. كذا فى "التهذيب" (١٠٤:٥ و١٠٥). وإبراهيم بن يحيى مكشوف الحال. أحاديث داود بن الحصين عن عكرمة فيها مناكير، فلا يترك بمثل هذا السند ما أثبته النص من نفقة المطلقات وسكناهن، ولو صح فهو محمول على زجر تلك المرأة وسياستها بذلك خاصة، فلا یتعدی الحكم إلى غيرها، کما قاله الجمهور فى قصة فاطمة بنت قيس فافهم. واعلم: أن مذهب الشافعى رحمه الله وقوع الفرقة بعد التعان الزوج، ولو وقعت الفرقة بلعان الزوج لاستحال قول عويمر: "كذبت عليها إن أمسكتها". لأنه فى تلك الحال غير ممسك لها. فدل ذلك على أن الفرقة لم تقع بعده، وقرره عليه السلام على ذلك. وقال تعالى: "والذين يرمون أزواجهم" ، فأوجب اللعان بين الزوجين. ثم قال تعالى: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾، يعنى الزوجة. فلو وقعت الفرقة بلعان الزوج للاعنت وهى أجنبية، وذلك خلاف ظاهر الآية. وفى نوادر الفقهاء لابن بنت نعيم: أجمع الفقهاء على أن الزوج إذا لاعن لم يقع الفرقة إلا الشافعى، فإنه قال: يقع الفرقة بلعانه. وقال الطحاوى: لم نجد هذا القول عن أحد تقدمه من أهل العلم. كذا فى "الجوهر النقى" (١٢٩:٢). الفائدة: أخرج البزار عن ابن عباس: "تزوج رجل من الأنصار امرأة من بلعجلان، فبات عندها فلم يجدها عذراء، فرفع شأنها إلى النبى معَّهِ، فدعا الجارية. فقالت: بلى! كنت عذراء. فأمر بهما فتلاعنا وأعطاها المهر". وأخرج الطبرانى فى الكبير عن على وابن مسعود: "إن قذفها زوجها وقد طلقها وله عليها رجعة تلاعنا، وإن أبانها لم يلاعنها". كذا فى "جمع الفوائد" (٢٣٦:١). وسكت عنهما. فهما صحيحان أو حسنان على قاعدته. وفى مجمع الزوائد عن ابن جريج، قال: قال على وابن مسعود: "إن قذفها زوجها وقد طلقها وله عليها رجعة تلاعنا، وإن قذفها وقد طلقها وبتها لم يلاعنها". رواه الطبرانى وإسناده منقطع، ورجاله رجال الصحيح (١٣:٥). والانقطاع فى القرون الفاضلة لا يضرنا، وفى أثر على وابن مسعود دلالة على أن اللعان لا يكون إلا والزوجية قائمة بينهما. وهذا هو مذهب الحنفية فى الباب. والله تعالى أعلم. وفى "مجمع الزوائد" أيضا عن ابن مسعود: قال: "لا يجتمع المتلاعنان أبدا". رواه الطبرانى، وفيه قيس ابن الربيع، وثقه شعبة وغيره، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. وقد تقدم عن على وابن مسعود: ج - ١١ حكم اللعان ٢٣٣ بينهما". أخرجه أبو داود (٣١٥:١) وسكت عنه، وسنده صحيح. "أن عصبة ابن الملاعنة عصبة أمه، أنها ترثه ويرثها" اهـ (١٣:٥): وهذا كله مذهب الحنفية وسيأتى ذكره فى باب المواريث إن شاء الله تعالى. الفائدة: فى "الهداية" (٣٩٨:٢): "وهو خاطب إذا أكذب نفسه عندهما. وقال أبو يوسف رحمه الله: هو تحريم مؤبد لقوله عليه السلام: ((المتلاعنان لا يجتمعان أبدا))، نص على التأبيد، ولهما أن إلا كذاب رجوع، والشهادة بعد الرجوع لا حكم لها، ولا يجتمعان ما داما متلاعنين، ولم يبق التلاعن ولا حكمه بعد الإكذاب، فيجتمعان" اهـ. قلت: هذا الحديث أخرجه الدار قطنى عن محمد بن زيد عن سعيد بن جبير عن ابن عمر مرفوعا، بلفظ: "المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا". قال صاحب التنقيح: "إسناده جيد"، كما فى الزيلعى (٤٤). وفى الدراية (٢٣١): "إسناده لا بأس به" اهـ. قال بعض الناس: "واحفظ مخرج الحديث، فإن مولانا عبد الحليم رحمه الله قد زل فى حاشية "الهداية". فقال: هذا من أغلاط صاحب "الهداية"، فإنه قول الصحابة رضى الله عنهم ولم يرو مرفوعاً" (٣٩٨:٢)، مع أنه من أغلاط صاحب التغليط، وصاحب "الهداية" برىء من ذلك ومصيب فيما حرره. نور الله تعالى مرقده. قلت: ولمولانا عبد الحليم سلف فى ذلك فقد قال أبو بكر الرازى الجصاص فى "أحكام القرآن" له: "فإن قيل: قد روى عن النبى معَّه أنه قال: المتلاعنان لا يجتمعان أبدا. قيل له: ما نعلم أحدا روى ذلك بهذا(١) اللفظ. وإنما روى ما ذكرنا فى حديث سهل بن سعد، وهو أصل الحديث. فإن صح هذا اللفظ فإنما أخذه الراوى من حديث سهل، وظن أن هذه العبارة مبنية عما فى حديث سهل ولو صح ذلك عن النبى عدّ لّه لم يفد نفى النكاح بعد زوال حكم اللعان على النحو الذى بينا" اهـ. (٣٠٤:٣). وتفصيله: أن الحديث بهذا اللفظ لم يرد مرفوعا إلا من طريق محمد بن زيد عن سعيد أبن جبير، أخرجه الدار قطنى وخالف فى ذلك الحفاظ من أصحاب سعيد، فإن أيوب وعمرو بن دينار روياه عن سعيد بلفظ: "قلت لابن عمر: رجل قذف امرأته. فقال فرق النبى معَّ بين أخوی بنی العجلان". وقال أيوب: سمعت سعيد بن جبير قال: "قلت لابن عمر: رجل لاعن امرأته. فقال بإصبعيه (وفرق سفيان بين إصبعيه السبابة والوسطى) فرق النبى عّ لّ بين أخوى بنى العجلان". (١) وقال العينى فى البناية: "الصواب مع الإنزارى أنه لم يرد مرفوعا إنما روى موقوفا على جماعة من الصحابة" اهـ. (٣٩٨:٢). ٢٣٤ إعلاء السنن باب حكم القذف بنفى الولد ٣٣٤٦ - عن ابن عمر رضى الله عنهما: "أن النبى عّ لّه لاعن بين رجل وامرأته، أخرجهما البخارى فى باب اللعان. وأخرجه مسلم من وجه آخر عن سعيد. وفيه: "فقلت يا أبا عبد الرحمن! أيفرق بينهما؟ قال: سبحان الله نعم!" كذا فى "فتح البارى" (٤٠٢:٩). لم يقل أحد عن سعيد عن ابن عمر ما قاله محمد بن زيد مرفوعا: "المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا". وهو إن كان مقبولا كما فى التقريب فليس فى الإتقان والحفظ كمثل أيوب وعمرو بن دينار. فالزيادة التى أتى بها داخلة فى الشذوذ عند جماعة من المحدثين. وأما حديث سهل بلفظ: "فرق رسول الله عَّ ◌ُلّه بينهما، وقال: لا يجتمعان أبدا". ففى إسناده عياض بن عبد الله. قال فى "التقريب": فيه لين، ولكنه أخرج له مسلم، كما فى "النيل" (٦: ٢٠١). والمحفوظ عن سهل إنما هو قوله: "فمعضت السنة بعد فى المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدا". سكت عنه أبو داود والمنذرى رجاله رجال الصحيح كما فى النيل أيضا. وظاهره أنه قول سهل ولكن الحافظ قال فى الفتح: "تقدم فى حديث سهل من طريق ابن جريج: "فكانت سنة فى المتلاعنين لا يجتمعان أبدا". ولكن ظاهر سياقه أنه من كلام الزهرى، فيكون مرسلا" اهـ (٤٠٤:٩). وبالجملة: فلم يرد هذا اللفظ مرفوعا إلا برواية محمد بن زيد عن سعيد بن جبير. فمن أدخل التفرد بشىء مطلقا فى الشذوذ لم يلتفت إلى رفعه. ومن قال بالتفصيل قبله. وجنح إلى الأول الجصاص والإنزارى والعينى فى "البناية"، وتبعهم مولانا عبد الحليم. وإلى الثانى صاحب "الهداية" وصاحب "التنقيح" وغيرهما، فافهم. فإن تخطئة الأعلام ليس من شيم الكرام. وقال الزيلعى فى "نصب الراية": "روى عبد الرزاق فى "مصنفه": "المتلاعنان لا يجتمعان أبدا"، موقوفا على عمر وابن مسعود وعلى، ورواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" موقوفا على عمرو ابن مسعود، ولم يروياه مرفوعا أصلا" اهـ (٤٤:٢). وفيه إشارة إلى أن فى رواية عمر التى أخرجها الدار قطنى مرفوعا مقالا. والله أعلم. باب حكم القذف بنفى الولد قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. تذييل: فى "الهداية" (٤٠٠:٢): "فإن قال لها: زنيت وهذا الحبل من الزناء، تلاعنا، ج - ١١ حکم القذف بنفی الولد ٢٣٥ فانتفى من ولدها بينهما، ففرق بينهما وألحق الولد بالمرأة". رواه البخارى (٨٠١:٢). لوجود القذف حيث ذكر الزناء صريحا. ولم ينف القاضى الحمل. وقال الشافعى رحمه الله: ينفيه، لأنه عليه السلام نفى الولد عن هلال وقد قذفها حاملا، ولنا أن الأحكام لا تترتب عليه إلا بعد الولادة لتمكن الاحتمال قبله، والحديث محمول على أنه عرف قيام الحبل بطريق الوحى" اهـ. قال بعض الناس: "هذا الحديث نقله فى النيل (٢٠٥:٦) عن الصحيحين بلفظ: لاعن بين هلال بن أمية وزوجته، وكانت حاملا ونفى الحمل اهـ". فافهم وحقق. قلت: حديث ابن عباس فى قصة التلاعن بين هلال بن أمية وامرأته ورد مجملا ومفصلا. وفى بعض طرقه عند أحمد ومسلم والنسائى وأبى داود: "إن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك ابن السحماء. قال: فلاعنها، ففرق النبى معَّه بينهما. وقال: إن جاءت به أصيهب أرسيح حمش الساقين فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعدا إجماليا خدلج الساقين سابغ الإليتين فهو للذى رميت به". الحديث كما فى "النيل" (٢٠٣:٦، ٢٠٤). وهو صريح فى أن اللعان كان بالقذف لا بالحمل. فمن احتج بحديث ابن عباس: "أن رسول الله عَ لّ- لا عن على الحمل" احتج بما لا حجة فيه، فإن الراوى إذا اختصر الحديث من طويل لا يحتج بما اختصره. وإنما الحجة أصل الحديث كما لا يخفى. وفيه أيضا: أنه مرّه لم ينف الحمل جزما. وإنما ردد الحكم بين علامتين، يحتمل أن يكون ذكرهما بالوحى أو بالقيافة، فإن كان الأول فالحكم به لا يتعدى غيره، وإن كان الثانى فلم يقل أحد من العلماء بنفى الحمل بدليل القيافة قبل الولادة، فالذى يحتج بهذا الحديث على نفى الحمل عليه أن يقرا بنفيه بدليل القيافة قبل الولادة أيضا، ولا نراه قائلا به، فكيف ساغ له أن يحتج بما لا حجة له فیه؟ قال فى النيل: "وذهبت الهادوية وأبو يوسف ومحمد لا يصح اللعان أى بنفى الحمل قبل الوضع مطلقا، لاحتمال أن يكون الحمل ريحا. ورد بأن هذا احتمال بعيد، لأن للحمل قرائن قوية، يظن معها وجوده ظنا قويا، وذلك كاف فى اللعان، كما جاز العمل بها فى إثبات عدة الحامل، وترك قسمة الميراث، ولا يدفع الأمر المظنون بالاحتمال بالبعيد" اهـ (٢٠٦:٦). والجواب: أنا نوجب اللعان بالقذف وإن كانت حاملا. وإنما لا نوجبه إذا نفى الحمل من غير قذف، بدليل حديث أبى هريرة: "أن أعرابيا جاء إلى النبى عَ لّه، فقال: إن امرأتى ولدت غلاما أسود، وأنى أنكرته. فقال له: هل لك من إبل؟ قال: نعم! قال: ما ألوانها؟ قال: حمر! قال: هل فيها ٢٣٦ إعلاء السنن باب حکم من أقر بالولد ثم رجع ٣٣٤٧- عن قبيصة بن ذؤيب قال: "قضى عمر بن الخطاب فى رجل أنكر ولد امرأته وهو فى بطنها، ثم اعترف به وهو فى بطنها. حتى إذا ولد أنكره، فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة لفريته عليها، ثم ألحق به ولدها". رواها الدارقطنى والبيهقى. وحسن الحافظ إسناده (نيل الأوطار ٦: ٢٠٥ و ٢٠٦). من أورق؟ قال: نعم! قال: فأنى ترى ذلك جاءها؟ قال: لعل عرق نزعها! قال: فلعل هذا عرق نزعه". أخرجه الشيخان وغيرهما، فلم يرخص له رسول الله عّ لّ نفيه عنه لبعد شبهه منه. ويدل أيضا على أنه لا يجوز نفى النسب بالشبهة، ولا يلاعن بين المرء وزوجه إذا لم يقذفها صريحا، ونفى الحمل ليس بقذف صريح كما لا يخفى، فكيف يحكم باللعان به؟ ولم يأمر رسول الله عَ ليه باللعان بين هذا الأعرابى وامرأته بقوله: إن امرأتى ولدت غلاما أسود، وأنى أنكرته. وأما عدة الحامل ونفقتها فلا تجب لأجل الحمل. وإنما وجبت النفقة بالعدة، والعدة بالحيض. وإذا انقطع الدم فتجب إلى ظهور براءة الرحم. فما لم يتيقن ببراءة رحمها لا تنقضى عدتها، وتجب نفقتها، ألا ترى أن غير الحامل تجب نفقتها. وإنما ذكر الحمل لأن وضعه علم على براءة الرحم وانقضاء العدة، وبها تنقطع النفقة. وأما ترك قسمة الميراث والرد بالعيب ونحوهما فإنه جائز كونه مع الشبهة، كسائر الحقوق التى لا تسقطها الشبهة. واللعان حد، والحد لا يجوز إثباته بالشبهة لقوله عّ لّه: ((أدرأوا الحدود بالشبهات)). كما سيأتى فى باب الحدود إن شاء الله تعالى. باب حکم من أقر بائولد ثم رجع قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. قال فى النيل: "استدل به من قال: لا يصح نفى الولد بعد الإقرار به، وهم العترة وأبو حنيفة وأصحابه. ويؤيده أنه لو صح الرجوع بعده لصح عن كل إقرار، فلا يتقرر حق من الحقوق، والتالى باطل بالإجماع، فالمقدم مثله" اهـ (٢٠٦:٦). ج - ١١ ٢٣٧ أبواب العنین و غيره باب تأجيل العنين وأحكامه ٣٣٤٨- أخبرنا معمر عن سعيد بن الزهرى عن سعيد بن المسيب، قال: "قضى عمر بن الخطاب فى العنين أن يؤجل سنة". قال معمر: "وبلغنى أن التأجيل من يوم تخاصمه". رواه عبد الرزاق فى "مصنفه" (زيلعى ٤٦:٢). قلت: كلهم رجال الصحیح وسنده صحيح. ٣٣٤٩ - حدثنا يزيد بن هارون عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عمر، "أنه أجل العنين سنة". انتهى. زاد فى لفظ: وقال: "إِن أتاها وإلا فرقوا بينهما، ولها الصداق كاملا". انتهى. وقرن فى هذا بين سعيد بن المسيب والحسن البصرى (زيلعى، ٢: ٤٦). قلت: رجاله رجال الجماعة. ٣٣٥٠- أخبرنا أبو حنيفة، ثنا إسماعيل بن مسلم المكى عن الحسن عن عمر بن الخطاب: "أن امرأة أتته، فأخبرته أن زوجها لا يصل إليها، فأجله حولا. فلما انقضی حول ولم يصل إليها خيرها، فاختارت نفسها ففرق بينهما عمر وجعلها تطيلقة بائنة". رواه محمد بن الحسن فى "كتاب الآثار" (زيلعى ٤٦:٢). قلت: الحسن البصرى لم يدرك عمر، وإسماعيل هذا ضعفوه إلا أن ابن سعد قال: قال محمد بن عبد الله الأنصاری: کان له رأی وفتوی وبصر وحفظ للحدیث، فکنت أکتب عنه لنباهته، كما فى "تهذيب التهذيب" (٢٣١:١). فالسند محتج به، والانقطاع غير مضر عندنا وكذا الاختلاف. ٣٣٥١- أخبرنا الثورى عن الركين بن الربيع بن عميلة عن أبيه عن حصين بن قبيصة عن عبد الله بن مسعود، قال: "يؤجل العنين سنة. فإن جامع وإلا فرق بينهما". رواه عبد الرزاق (زيلعى ٤٦:٢)، ورجاله رجال الصحيح غير حصين بن قبيصة وهو ثقة. (مجمع الزوائد ٣٠١:٤). باب تأجيل العنين وأحكامه قال المؤلف: دلالة الآثار على الباب ظاهرة. ووجوب المهر كاملا مقيد بما إذا خلى بها بالقواعد. ٢٣٨ إعلاء السنن ٣٣٥٢- حدثنا وكيع عن سفيان عن الركين عن أبى حنظلة النعمان عن المغيرة ابن شعبة: "أنه أجل العنين سنة". رواه ابن أبى شيبة (زيلعى ٤٦:٢). قلت: سند حسن صحيح، والنعمان بن حنظلة كوفى تابعى ثقة، (التهذيب ٤٦٣:١٠). باب أن لا خیار لأحد الزوجين إذا وجد عیبا فی آخر ٣٣٥٣ - نا أبو عبيد القاسم بن إسماعيل نا أبو السائب سلم بن جنادة نا وكيع عن أبى خالد عن عامر قال: قال على رضى الله عنه: "أيما رجل تزوج امرأة مجنونة، أو جذماء أو بها برص أوبها قرن، فهى امرأته. إن شاء أمسك وإن شاء طلق". رواه الدار قطنى (٤١٢:٢). وفى التعليق المغنى (السابق): إسناد هذا الأثر صحيح. باب أن لا خيار لأحد الزوجين إذا وجد عيبا فى آخر قال المؤلف: أثر الباب يدل على أن المرأة لو كان بها عيب لا ترد به، وحكم الزوج فى هذا الحال يعرف بما سيأتى من الأثر. فإن قلت: أخرج الدارقطنى فى سننه (٤٠٢:٢): نا محمد بن مخلد نا عيسى بن أبى حرب نا يحيى بن أبى بكير نا شعبة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، قال: "قضى عمر فى البرصاء والجذماء والمجنونة إذا دخل بها فرق بينهما، والصداق لها لمسيسه إياها، وهو له على وليها. قال قلت: أنت سمعته؟ قال: نعم!" نا على بن محمد المصرى نا مالك بن يحيى نا عبد الوهاب بن عطاء وأخبرنا روح ابن القاسم وشعبة عن عمرو بن دينار عن جابر بن يزيد عن ابن عباس: أنه قال: "أربع لا يجوز فى بيع ولا نكاح، المجنونة والمجذومة والبرصاء والغلفاء" اهـ. فما الجواب عنه؟ قلت: قضاء عمر إنما كان فى رجل غر بامرأة. فقال له وليها: إنها صحيحة. فظهرت خلاف ما قاله. فللزوج أن يطلقها أو يرفع الأمر إلى السلطان فيفرق بينهما. ويكون ذلك تطليقة بائنة، لكون السلطان نائبا فيه مناب الزوج. ودليل ذلك ما أخرجه الدار قطنى أيضا: نا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز نا عبد الأعلى بن حماد نا داود بن عبد الرحمن العطار نا يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب، قال: "أيما امرأة غربها رجل، بها جنون أو جذام أو برص، فلها مهرها بما أصاب منها، وصداق الرجل على وليها الذى غره" اهـ (٤٠٢:٢). وأيضا فإن عمر قضى بالتفريق، وهو يحتمل أن يكون فسخا أو تطليقا. فمن أين يقول الخصم بالفسح من غير تطليق. فإن الاحتمال يهدم الاستدلال. وقد صح عن على: "أنها امرأته إن شاء أمسك وإن شاء ٩ ج - ١١ لا خیار لأحد الزوجين إذا وجد عيبا فى آخر ٢٣٩ ٣٣٥٤- نا أبو بكر الشافعى نا محمد بن شاذان نا معلى بن منصور نا هشيم نا حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن عمرو بن العاص كتب إلى عمر بن الخطاب فى مسلسل(١) يخاف على امرأته منه. فكتب إليه أ يؤجل سنة، فإن برأ وإلا فرق بينه وبين امرأته". أخرجه الدار قطنى (٤٠٢:٢). قلت: رجاله كلهم ثقات إلا حجاج بن أرطاة فمختلف فيه، وهو حسن الحديث، كما قد مر غير مرة. طلق". وهو صريح فى نفى خيار الفسخ من غير تطليق، فالأخذ به أولى وألزم. وأيضا ففى أثر عمر أنه أوجب الصداق. والصحيح المنصوص عند الشافعية وجوب مهر المثل، وأنه أوجب الرجوع على الولى. والأظهر الجديد عندهم أنه لا رجوع. وأيضا فإنه ساكت عما قبل المسيس، وهم فسخوا قبله وبعده. قاله ابن التركمانى فى الجوهر النقى (٢: ٩٦): فأثر عمر رضى الله عنه متروك العمل به إلا أن يحمل على ما إذا غر الولى بها أحدا، وضمن براءتها من العيوب. فظهرت خلاف ما قاله. فللزوج أن یطلقها أو یرفع الأمر إلى القاضى، ويدفع إليها المهر کاملا إن كان قد دخل بها، وله حق الرجوع على الولى. وهذا بالاتفاق بين أئمتنا، وإنما الخلاف فيما إذا أمره بأن يزوجه امرأة،. فزوجه رتقاء أو قرناء أو مجنونة. جاز عند أبى حنيفة ولم يجز عندهما. كما فى "الخلاصة" (٢: ٣٠). وأما مسئلة الغرور فلا أعلم فيها خلافا بينهم. وأما أثر ابن عباس، فإن البيهقى رواه فى سننه بلفظ: "أربع لا تجوز فى نكاح ولا بيع إلا أن يمس، فإن مس فقد جاز"، كما فى الجوهر النقى (السابق). والشافعية لا يقولون به بل يفسخون النكاح قبل المسيس وبعده، فلا حجة لهم فيه، وهو محمول عندنا على مسئلة التوكيل بالنكاح والبيع والشراء. فإذا وكل رجلا بأن يزوجه امرأة، فزوجه قرناء أو رتقاء أو برصاء أو غلفاء أو مجنونة أو مجذومة، لم يجز عندهما. وجاز عند أبى حنيفة إن لم يكن غره، وإن كان قد غره بأن قال: هى صحيحة سالمة من العيوب، لم يجز عنده أيضا. ولا بد من حمله على ذلك لقول ابن عباس: "أربع لا تجوز فى بيع ولا نكاح". والخصم قائل بالجواز. فإن الزوج إذا وجد عيبا من تلك العيوب فى زوجته، أو وجدت شيئا من ذلك فى زوجها ولم يكن هناك توكيل ولا غرور، فالنكاح جائز اتفاقا. وإنما لهما خيار الفسخ عند الشافعية ومن وافقهم، فافهم. قوله: "نا أبو بكر الشافعى" إلخ. فيه دلالة على أن حكم الجنون كالعنة لا يفسخ به النكاح، بل يرفع الأمر إلى الحاكم فيؤجله سنة، فإن برأ وإلا فرق بينهما. والتفريق طلاق، لكون الحاكم نائبا (١) أی مقید بالسلسلة جنونه، ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان. ج - ١١ ٢٤٠ أبواب العدة باب أن الأقراء هی الحيض ٣٣٥٥- أنا محمد بن المثنى ثنا سفيان عن الزهرى عن عمرة عن عائشة، "أن أم حبيبة كانت تستحاض. فسألت النبى عليه السلام، فأمرها أن تترك الصلاة قدر أقراءها وحيضها". رواه النسائي بسند جيد (الجوهر النقى ١٣١:٣). ٣٣٥٦- عن عمرة عن عائشة رضى الله عنها: أن أم حبيبة استحيضت، فذكرت . شأنها لرسول الله عَ ليه، فقال: لتنظر قدر قرءها التى كانت تحيض لها". الحديث. رواه النسائى بسند رجاله ثقات (الجوهر النقى، السابق). ٣٣٥٧- عن عائشة رضى الله عنها مرفوعا: («طلاق الأمة تطليقتان وقرءها حيضتان)). رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه، وصححه الحاكم وقد مر مع ما يتعلق بسنده فی باب طلاق الأمة ثنتان. فيه مناب الزوج. وهذا هو قولنا معشر الحنفية كما فى "الهندية": "قال محمد: إن كان الجنون حادثا يؤجله سنة كالعنة، ثم يخير المرأة بعد الحول إذا لم يبرأ، وإن كان مطبقا فهو كالجب، وبه نأخذ كذا فى "الحاوى" للقدسى" (١٥٧:٢). والأثر حجة على الشافعية ومن وافقهم فى فسخ النكاح بالجنون من غير تأجيل. والله تعالى أعلم. باب أن الأقراء هی الحيض قال المؤلف: الحديثان الأولان من الباب قد استعمل لفظ القرء فيهما بمعنى الحيض، قال فى الجوهر النقى (٢: ١٣١): "وإذا ثبت إطلاقه عليه السلام القرء الحيض حمل الآية على ذلك" اهـ. قلت: ولم أر فى حديث مرفوع استعمل لفظ القرء بمعنى الطهر. والحديثان الأخيران من الباب صريحان فى أن المعتبر فى العدة الحيض دون الطهر. ثم رأيت فى "نيل الأوطار" (٢٢٤:٦): ما نصه: وزعم كثير أن القرء مشترك بين الحيض والطهر، وقد أنكر صاحب الكشاف إطلاقه على الطهر. وقال ابن القيم: إن لفظ القرء لم يستعمل فى كلام الشارع إلا للحیض، ولم يجئ عنه فى موضع واحد استعماله للطهر، فحمله فى الآية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى بل يتعين، فإنه قد قال للمستحاضة: "دعى الصلاة أيام أقراءك". وهو عَّ المعبر عن الله، وبلغة قومه نزل القرآن، فإذا أورد المشترك فى كلامه على أحد معنییه وجب حمله فى سائر كلامه علیه، إذا