Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
ج - ١١
اشتراط الشهود فى النكاح
ابن المسيب، أن عمر قال: ((لا نكاح إلا بولى وشاهدی عدل)). رواه البيهقى، وقال: هذا
إسناد صحيح، وابن المسيب كان يقال له راوية عمر، (الجوهر النقى ٨٠:٢).
٣٠٩٢- أخبرنا مالك عن أبى الزبير: "أن عمر أتى برجل فى نكاح لم يشهد
عليه إلا رجل وامرأة. فقال عمر: هذا نكاح السر ولا نجيزه، ولو كنت تقدمت فيه
لرجمت". رواه محمد فى "الموطأ" (٢٤١). وهو مرسل صحيح.
الشهادة فى النكاح، وكذا عن ابن عباس وعائشة وأبى موسى، وروى عن أبى سعيد وجابر
وابن مسعود وعلى رضى الله عنهم مرفوعا وموقوفا، وفيه رد على يزيد بن هارون فى قوله:
"أمر الله بالإشهاد فى البيع دون النكاح، فاشترط أصحاب الرأى الشهادة للنكاح ولم يشترطوها
للبيع" إلخ، فإن أصحاب الرأى لم يشترطوها فى النكاح إلا اتباعا للأحاديث المرفوعة وتقليدا
للصحابة، حتى قال فخر الإسلام: "إن حديث الشهود مشهور يجوز تخصيص الكتاب به".
کما فی "فتح القدير" (١١١:٣).
وأما البيع: فقد قام الإجماع على أن الأمر بكتابته والإشهاد علیه أمر إرشاد وندب، بدليل
قوله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته﴾ الآية. قال الجصاص فى " الأحكام"
له: "ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الأمصار أن الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن المذكور جميعه
فى هذه الآية ندب وإرشاد إلى ما لنا فيه الخط والصلاح والاحتياط للدين والدنيا، وأن شيئا منه غير
واجب، وقد نقلت الأمة خلفا عن سلف عقود المداينات والأشربة والبياعات فى أمصارهم من غير
إشهاد مع علم فقهائهم بذلك من غير نكير منهم عليهم، ولو كان الإشهاد واجبا لما تركوا النكير
على تاركه مع علمهم بذلك، وفى ذلك دليل على أنهم رأوه ندبا، وذلك منقول من عصر
النبى معٍَّ إلى يومنا هذا، ولو كانت الصحابة والتابعون تشهد على بياعاتها وأشريتها لورد النقل به
متواترا مستفيضا، ولأنكرت على فاعله ترك الإشهاد، فلما لم ينقل عنهم الإشهاد بالنقل المستفيض
ولا إظهار النكير على تاركه من العامة ثبت بذلك أن الكتاب والإشهاد فى الديون والبياعات
غیر واجبين" (٤٨٢:١).
قوله: "أخبرنا مالك" إلخ. قلت: وقد تقدم غير مرة أن مراسيل مالك فى المؤطا حجة
لكونها قد وجدت موصولة عند غيره، والأثر صريح فى كون الشهادة شرطا لصحة النكاح، ألا
ترى أن عمر رضى الله عنه لم يجز شهادة رجل وامرأة، وأجاز شهادة رجل وامرأتين؟ وقال فى

٢٢
اشتراط الشهود فى النكاح
إعلاء السنن
٣٠٩٣- أخبرنا محمد بن أبان (القرشى) عن حماد عن إبراهيم: "أن عمر بن
الخطاب أجاز شهادة رجل وامرأتين فى النكاح والفرقة". قال محمد: "وبه نأخذ، وهو
قول أبى حنيفة" (الموطأ ٢٤١). وهو مرسل حسن.
٣٠٩٤- عن ابن عباس قال: "أدنى ما يكون فى النكاح أربعة الذى يزوج،
والذى يتزوج. وشاهدان". رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه"، والبيهقى
فى "الخلافيات" وصححه. (كذا فى "التلخيص الحبير" ٢٩٨:٢).
٣٠٩٥ - أخبرنا عباد بن العوام، أخبرنا الحجاج بن أرطاة عن عطاء بن أبى رباح
عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه: "أنه كان يجيز شهادة النساء مع الرجال
فى النكاح". أخرجه محمد فى "الحجج" (٣٠٦)، وهو مرسل حسن.
الأول: هذا نكاح السر ولا نجيزه، ولو كنت تقدمت فيه أى فى هذا الأمر بالمنع وسبقت بإقامة
الحجة على عدم جوازه واشتهر ذلك ثم فعلت بعد الاطلاع عليه لرجمت، ومثل هذا الوعيد
الشديد صريح فى عدم صحة النكاح ما لم تكمل الشهادة، ولو كملت برجلين أو رجل وامرأتين
كان نكاحا جائزا وإن كان سرا، وإنما يفسد نكاح السر أن يكون بغير شهود، فأما إذا كملت فيه
الشهادة فهو نكاح العلانية وإن كانوا أسروه، قاله محمد فى المؤطا، قلت: وهذا يؤيد ما رواه عبد
الأعلى عن ابن عباس مرفوعا: "البغايا اللاتى ينكحن أنفسهن بغير بينة". فإن الرجم لا يكون إلا
على الزانى والزانية، فهل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يطعن أصحاب الرأى بأنهم زادوا
الشهادة فى النكاح برأيهم؟ وهذا رسول الله عَ ليه قد جعل اللاتى ينكحن أنفسهن بغير بينة بغايا،
وهذا عمر يقول لمن تزوج بغير بينة: لو كنت تقدمت فيه لرجمت، أفلا يتدبرون القرآن أم على
قلوب أقفالها؟ قال الترمذى: وفى الباب عن عمران بن حصين وأنس وأبى هريرة، والعمل على هذا.
عند أهل العلم من أصحاب النبى معَّ له ومن بعدهم من التابعين وغيرهم، قالوا: لا نكاح إلا بشهود،
لم يختلفوا فى ذلك عندنا من مضى منهم إلا قوما من المتأخرين من أهل العلم. وإنما اختلف أهل
العلم فى هذا إذا شهد واحد بعد واحد، فقال أكثر أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم: لا يجوز
النكاح حتى يشهد الشاهدان معا عند عقدة النكاح، وقد رأى بعض أهل المدينة إذا أشهد واحد بعد
واحد أنه جائز إذا أعلنوا ذلك، وهو قول مالك بن أنس، وهكذا قال إسحاق بن إبراهيم فيما حكى
عن أهل المدينة. (قلت: ولا يخفى أن البينة والشهادة على شىء لا تصح إلا بمشاهدة الشهود إياه،

ج - ١١
٢٣
بيان المحرمات
باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب
٣٠٩٦- عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال النبى عدّ له فى ابنة حمزة:
((لا تحل لى يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، هى بنت أخى من الرضاعة)). رواه
البخارى فى الشهادات من "صحيحه" (٣٦٠:٢).
٣٠٩٧- عن عائشة رضى الله عنها فى حديث طويل: فقال رسول الله عَّ اله
((نعم إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة)) رواه البخارى فى الشهادات من
صحيحه (٣٦١:٢).
والنكاح إنما هو إيجاب وقبول، وهو آنى غير زمانى، فلا بد من حضور الشاهدين عند عقدة
النكاح، فافهم). وقال بعض أهل العلم: شهادة رجل وامرأتين تجوز فى النكاح وهو قول أحمد
وإسحاق أهـ (١٣١:١).
قلت: وهو قول أبى حنيفة وأصحابه، ودليله ما ذكرناه من قول عمر رضى الله عنه فى المتن
آخرا وذهب النخعى والأوزاعى والشافعى وأحمد فى رواية إلى أنه لا ينعقد بشهادة النساء وإن
كان معهن رجل ذكره الموافق فى "المغنى"، واحتج بقول الزهرى: "مضت السنة عن رسول
الله ◌َّ أن لا يجوز شهادة النساء فى الحدود ولا فى النكاح ولا فى الطلاق". وعزاه إلى أبى عبيد
فى "الأموال" (٣٤١:٧).
والمعروف عن الزهرى ما رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه": حدثنا حفص عن حجاج عن
الزهرى قال: "مضت السنة من رسول الله عَّ له والخليفتين من بعده أن لا يجوز شهادة النساء فى
الحدود" (زيلعى ٢٠٨:٢). ليس فيه ذكر النكاح ولا الطلاق ولم نراه فى كتاب الأموال لأبى
عبيد ونستوفى الكلام إن شاء الله تعالى فى باب الشهادة، فانتظر.
باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب
قال المؤلف: دلالة حديث الباب ظاهرة.

٢٤
إعلاء السنن
باب لا يجوز الجمع بين الأختین بملك الیمین و طیا
٣٠٩٨- نا ابن المبارك، عن موسى بن أيوب، عن عمه إياس بن عامر، عن
على رضى الله عنه قال: "سألته عن رجل له أمتان أختان وطئ إحداهما، ثم أراد أن يطأ
الأخرى، قال: لا حتى يخرجها عن ملكه، قلت: فإن زوجها عبده؟ قال: لا حتى
يخرجها عن ملكه". رواه ابن أبى شيبة، زاد ابن عبد البر فى "الاستذكار" من طريق
أبى عبد الرحمن المقرئ عن موسى: "أرأيت إن طلقها زوجها أو مات عنها أليس ترجع
إليك؟ لأن تعتقها أسلم لك، قال: ثم أخذ على بيدى فقال: إنه يحرم عليك مما ملكت
يمينك ما يحرم عليك من الحرائر إلا العدد" (التلخيص الحبير ٢٠٣:٢). قلت: رجال
ابن أبى شيبة كلهم محتج بهم.
٣٠٩٩- عن على رضى الله عنه: "أنه سئل عن الأختين المملوكتين، فقال: إذا
أحلت لك آية وحرمت عليك أخرى، فإن أملكهما آية الحرام" ، رواه ابن أبى شيبة (كنز
العمال ٢٩٢:٨).
باب لا يجوز الجمع بین الأختین بملك الیمین و طئا
قوله: "ثنا ابن المبارك" إلخ، قال المؤلف: أما رجال هذا السند فابن المبارك ثقة ثبت فقيه عالم
جواد مجاهد جمعت فيه حصال الخير، كما فى "التقريب" (١٤٠) وموسى بن أيوب هذا مقبول
كما فى التقريب أيضا (٢٥٦) وأياس بن عامر صدوق كما فى "التقريب" أيضا (٣٠) ودلالته
على الباب ظاهرة.
قوله: "عن على رضى الله عنه" إلخ. ثانى آثار الباب قال المؤلف: المراد من الآية المحللة هو
قوله تعالى: ﴿وما ملكت أيمانكم﴾. والمحرمة قوله تعالى: ﴿أن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾
كما فى "فتح القدير" (١٢١:٣ و١٢٢). وهذا الأثر يدل على أن مقتضى التعارض بين الآيتين أن
يرجح المحرمة فثبت به دلالته على الباب، والأثر مؤيدة (١) لقاعدة الفقهاء: "ما اجتمع الحلال والحرام
فى شىء إلا غلب الحرام". وقد رواه البيهقى بهذا اللفظ عن ابن مسعود موقوفا بسند ضعيف كما
فى "تنزيه القرآن" (١٦). وأما ما فى "كنز العمال" عن أبى صالح قال: قال على رضى الله عنه
(١) إنما قلنا ذلك ولم نقل: "محتج به" لأن السند لم يعرف مفصلا.

٢٥
حرمة الجمع بين الأختين فى النكاح
ج - ١١
٣١٠٠- عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب: "أن رجلا سأل عثمان بن عفان
عن الأختين من ملك اليمين هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية، وحرمتهما آية
أخرى، فأما أنا فلا أحب أن أصنع ذلك، قال: فخرج من عنده فلقى رجلا من أصحاب
"سلونى فإنكم لا تسألون مثلى، ولن تسألوا مثلى". فقال ابن الكواء: أخبرنى عن الأختين
المملوكتين، فقال: "أحلتهما آية وحرمتهما آية، لا آمر به ولا أنهى عنه، ولا أفعله أنا ولا أحد من
أهل بيتى، ولا أحله ولا أحرمه". رواه ابن أبى شيبة ومسدد وأبو يعلى وابن جرير والبيهقى وابن
عبد البر فى "العلم" (٢٩٢:٨).
فإن ثبت لا ينافى ما ذكر عنه رضى الله عنه فى المتن، فإن معناه لا أحرمه على سبيل القطع
كتحريم الأختين نكاحا للتعارض بين الآيتين، ولكن مقتضى التعارض وجوب الاحتياط فيه،
فلا يجمع بينهما وطيا كما هو عملى وعمل أهل بيتى، تأمل. ويمكن أن عليا كان أولا مترددا، ثم
بان له ترجيح الحرمة بالقاعدة التى ذكرها "أن أملكهما آية الحرام" وأيضا: فرواية المتن محرمة
ورواية كنز العمال غير محرمة، فتترجح المحرمة على غيرها، والأثر رواه أبو يعلى ورجاله رجال
الصحيح كما فى "مجمع الزوائد". وقد عرفت بما ذكرناه فى المتن من طريق عبد الرزاق أن
عليا رضى الله عنه هو الذى صرح بحرمة الجمع بين الأختين وطيا بملك يمين، وقال: "لو كان لى
من الأمر شىء ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا". فدل على أن قوله لإبن الكواء: "لا آمر به
ولا أنهى عنه"، محمول على ما ذكرنا، كيلا تتضاد الآثار عنه، فافهم. وروى البزار عن قتادة قال:
" وراجع رجل ابن مسعود فى جمع بين الأختين: قد أحل الله لى ما ملكت يمينى، فقال: جملك مما
ملكت يمينك". ورجاله رجال الصحيح، ولكن قتادة لم يدرك ابن مسعود كذا فى "مجمع
الزوائد" (٢٦٩:٤).
قلت: وهذا والله هو الفقه، فأخبر أن قوله: ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ لا يدل على حل الإماء
مطلقا، وإلا لدل على حل إتيان البهيمة، لكونه مما ملكت يمينك، فلما خصصته بالإماء بدلالة العقل
فعليك أن تخصه بإماء معلومة بدلالة الشرع. فقد روى قتادة عن ابن مسعود قال: " حرم الله عز
وجل (أى حرمها نصا من غير اشتباه) من النساء اثنتى عشرة امرأة، وأنا أكره اثنتى عشرة امرأة (أى
بدلالة النص القرآنى، الأمة وأمها، والأختين يجمع بينهما، والأمة إذا وطئها أبوك، والأمة إذا وطئها
ابنك، والأمة إذا زنت، والأمة فى عدة غيرك، والأمة لها زوج، وأمتك مشركة، وعمتك وخالتك

٢٦
حرمة الجمع بين الأختين فى النكاح
إعلاء السنن
رسول الله عَّه، فسأله عن ذلك، فقال: لو كان لى من الأمر بشىء ثم وجدت أحدا
فعل ذلك لجعلته نكالا. قال ابن شهاب: "أراه على بن أبى طالب". رواه مالك
فى "الموطأ" (١٩٥). وفيه أيضا: مالك أنه بلغه عن الزبير بن العوام مثل ذلك. ورواه
عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى عن عبيد الله قال: "سأل رجل عثمان فذكره وصرح
به على "التلخيص الحبير (٣٠٣:٢).
من الرضاعة". رواه الطبرانى ورجاله رجال الصحيح إلا أن قتادة عن ابن مسعود منقطع، كذا فى
مجمع الزوائد أيضا. قال المحقق فى "الفتح" (١٢٢:٣): وعن عثمان رضى الله عنه إباحة وطئ
المملوكتين، قال: لأنهما أحلتهما آية وحرمتهما آية أخرى فرجح الحل، قيل: الظاهر أن عثمان
رضى الله عنه رجع إلى قول الجمهور وإن لم يرجع فالإجماع اللاحق يرفع الخلاف السابق، وإنما
يتم إذا لم يعتد بخلاف أهل الظاهر" اهـ.
قلت: قد صرح جماعة من المحققين من أهل الأصول بعدم اعتداد خلافهم، وأن خلافهم
لا يقدح فى صحة الإجماع أصلا. منهم النووى فى "تهذيب الأسماء واللغات فى ترجمة رئيس
الظاهرية" داود الظاهرى. ومنهم أبو بكر بن العربى عند ذكر الظاهرية فى كتابه "القواصم
والعواصم" وقال: "هى أمة سخيفة تسورت على مرتبة ليست لها، وتكلمت بكلام لم تفهمه،
تلقفوه من إخوانهم الخوارج حين حكم على يوم صفين، فقالت: لا حكم إلا الله"، ثم حط على
ابن حزم وذمه وأظهر سخافة رأيه، وفى "دراسات اللبيب" عن السيوطى: "أن الإجماع لا ينخرق
بخلافهم، ومذهبهم مردود بالكتاب والسنة". وأيضا فإن القادح فى الإجماع إنما هو قول المجتهد،
وأهل الظاهر بمعزل عن الاجتهاد كذا فى "تذكرة الراشد" للعلامة اللكنوى (٤٨٤ و ٤٨٦).
قال الموفق فى "المغنى": "إنه لا يجوز الجمع بين الأختين من إمائه فى الوطئ، نص عليه
أحمد فى رواية الجماعة فبطل ما رواه ابن منصور عنه قال: لا أقول حرام، ولكن ننهى عنه أو
يحمل أنه ليس بحرام قطعا بل حرام ظنا. وكرهه عمر وعثمان وعلى وعمار وابن عمر وابن
مسعود، وممن قال: بتحريمه عبيد الله بن عتبة وجابر بن زيد وطاوس ومالك والأوزاعى وأبو حنيفة
والشافعى" اهـ (٤٩٣:٨). وقال الجصاص فى "أحكام القرآن": "قد كان فيه خلاف بين السلف
ثم زال وحصل الإجماع على تحريم الجمع بينهما بملك الیمین، ثم ذ کر أن قول عثمان لا يدل على
إباحة الجمع، وإنما يدل على أنه كان ناظرا فيه غير قاطع بالتحليل، التحريم، وقطع على فيه

٢٧
ج - ١١
باب من تحرم من أهل قرابة المرأة
٣١٠١- عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: ((نهى النبى معَّه أن تنكح المرأة على
عمتها أو خالتها)). رواه الجماعة، وفى رواية: ((نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين
المرأة وخالتها)). رواه الجماعة إلا ابن ماجه والترمذى، ولأحمد والبخارى والترمذى من
حديث جابر مثل اللفظ الأول. قال ابن عبد البر: حديث أبى هريرة أكثر طرقه متواترة
عنه، وزعم قوم أنه تفرد به وليس كذلك (نيل الأوطار ٥٨:٦).
بالتحريم. وقد روى إياس بن عامر أنه قال لعلى: إنهم يقولون إنك تقول: أحلتهما آية وحرمتهما
آية. فقال: كذبوا" اهـ (١٣٠:٢). وقد بسط الجصاص الكلام فى الباب وأشرح فليراجع. أو لفظ
أياس بن عامر يدل على أن عليا لم يرد بقوله: "أحلتهما آية وحرمتهما آية" ما فهم القاصرون من
إباحة الجمع، وإنما أراد ما قدمناه من نفى التحريم قطعا وإثباته ظنا. وكان ذلك فى زمن الصحابة
لاختلافهم فى ذلك، ثم لما حصل الإجماع على تحريم هذا الجمع تبدل الظن بالقطع، وحرم الجمع
بين الأختين وطيا بملك اليمين حراما قطعا، والله تعالى أعلم.
باب من تحرم من أهل قرابة المرأة
قوله: "عن أبى هريرة رضى الله عنه" إلخ. وفى "المغنى" لابن قدامة: قال ابن المنذر: أجمع
أهل العلم على القول به وليس فيه أى فى حرمة الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها،
بحمد الله اختلاف، إلا أن بعض أهل البدع ممن لا تعد مخالفته خلافا وهم الرافضة والخوارج لم
يحرموا ذلك، ولم يقولوا بالسنة الثابتة عن رسول الله مرّ له، وهى ما روى أبو هريرة فذكره، ثم
قال: ولأن العلة فى تحريم الجمع بين الأختين إيقاع العداوة بين الأقارب، وإنضاؤه إلى قطيعة الرحم
المحرم، وهذا موجود فيما ذكرنا (فإن الضرائر لا يأتلفن أبدا إلا نادرا، يشعر بذلك وصفهن
بالضرائر) فإن احتجوا بعموم قوله سبحانه: "وأحل لكم ما وراء ذلك"، خصصناه بما رويناه (وهو
متواتر كما ذكرناه). وبلغنا أن رجلين من الخوارج أتيا عمر بن عبد العزيز، فكانا مما أنكرا عليه
رجم الزانى وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها، وقالا: ليس هذا فى كتاب الله.
فقال لهما: كم فرض الله عليكم من الصلاة؟ قالا: خمس صلوات فى اليوم والليلة، وسألهما عن
عدد ركعاتها، فاخبراه بذلك، وسألهما عن مقدار الزكاة ونصابها، فاخبراه فقال: فهل تجدان ذلك
فى كتاب الله؟ قالا: لا نجده فى كتاب الله. قال: فمن أين صرتما إلى ذلك؟ قالا: فعله رسول

٢٨
إعلاء السنن
باب جواز الجمع بين امرأة وبنت زوج كان لها من قبل
٣١٠٢- قال البخارى رحمه الله تعالى عنه فى صحيحه: " وجمع عبد الله بن
الله عٍَّ والمسلمون بعده. قال: فكذلك هذا. فكل شخصين لا يجوز لأحدهما أن يتزوج الآخر
لو كان أحدهما ذكرا والآخر أثنى لأجل القرابة لا يجوز الجمع بينهما لتأدية ذلك إلى قطعية الرحم
القريبة، لما فى الطباع من التنافس والغيرة بين الضرائر، ولا يحرم الجمع بين ابنتى العم وابنتى الخال
(إذا لم تكونا أختين بأن تكونا ابنتى عمين أو ابنتى خالين) فى قول عامة أهل العلم لعدم النص فيهما
بالتحريم، ودخولهما فى عموم قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾. ولأن إحداهما تحل
للأخرى لو كانت ذكرا، وفى كراهة ذلك روايتان إحداهما يكره، روى ذلك عن ابن مسعود، وبه
قال جابر بن زيد وعطاء والحسن وسعيد بن عبد العزيز، وروى أبو حفص بإسناده عن عيسى بن
طلحة قال: نهى رسول الله عَّ أن تزوج المرأة على ذى قرابتها كراهية القطيعة. وأقل أحواله
الكراهة. والأخرى لا يكره، وهو قول سليمان بن يسار والشعبى والأوزاعى والشافعى وإسحاق
وأبى عبيد رحمه الله" اهـ، ملخصا (٤٧٩:٧).
وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له (١٣٤:٢): المنصوص على تحريمه فى الكتاب
هو الجمع بين الأختين وقد وردت آثار متواترة فى النهى عن الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها،
رواه على وابن عباس وجابر وابن عمر وأبو موسى وأبو سعيد الخدرى وأبو هريرة وعائشة وعبد
الله بن عمر رضى الله عنهم أن النبى معَّم قال: ((لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها،
ولا على بنت أخيبها ولا على بنت اختها)). وفى بعضها: "لا الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى
على الصغرى". على اختلاف بعض الألفاظ مع اتفاق المعنى (وهو محمل ما رواه عيسى بن طلحة
بلفظ: "نهى رسول الله عَّ، أن تزوج المرأة على ذى قرابتها". فالقرابة المطلقة فيه محمولة
على المقيدة التى ذكرها عامة الرواة فافهم). وقد تلقاها الناس بالقبول مع تواترها واستفاضتها،
وهى من الأخبار الموجبة للعلم والعمل، فوجب استعمال حكمها مع الآية" اهـ. ثم رد على
الخوارج بما لا مزيد عليه.
باب جواز الجمع بين امرأة وبنت زوج کان لها من قبل
قال المؤلف: دلالة الآثار على الباب ظاهرة. قال الموفق فى "المغنى" (٤٩٨:٧): "أكثر أهل
العلم يرون الجمع بين المرأة وربيبتها جائزا لا بأس به، فعله عبد الله بن جعفر وصفوان بن أمية، وبه

٢٩
ج - ١١
جواز الجمع بين امرأة وبنت زوج كان لها من قبل
جعفر بين ابنة على رضى الله عنه وأمرأة على رضى الله عنه اهـ". وفى "فتح البارى"
(١٣٣:٩): وصله البغوى فى الجعديات من طريق عبد الرحمن بن مهران أنه قال:
"جمع عبد الله بن جعفر بين زينب بنت على رضى الله عنه وامرأة على رضى الله عنه
ليلى بنت مسعود". وأخرجه سعيد بن منصور من وجه آخر فقال: "ليلى بنت مسعود
النهشلية وأم كلثوم بنت على رضى الله عنه لفاطمة فكانتا امرأتيه. وقوله: "لفاطمة" أى
من فاطمة بنت رسول الله عَّ ◌ُله، ولا تعارض بين الروايتين فى زينب وأم كلثوم، لأنه
تزوجهما واحدة بعد أخرى مع بقاء ليلى فى عصمته، وقد وقع ذلك مبينا عند
ابن سعد اهـ".
٣١٠٣- وفيه أيضا: "أخرج ابن أبى شيبة من طريق أيوب عن عكرمة بن خالد
أن عبد الله بن صفوان تابعی، (تقريب ١٢٢) تزوج امرأة رجل من ثقيف وابنته أى من
غيرها، قال أيوب: فسئل عن ذلك ابن سيرين فلم ير به بأسا وقال: نبئت أن رجلا كان
بمصر اسمه جبلة، جمع بين امرأة رجل وبنته من غيرها. وأخرج الدارقطنى من طريق
أيوب أيضا عن ابن سيرين: أن رجلا من أهل مصر كانت له صحبة يقال له
جبلة فذكره اهـ".
قال سائر الفقهاء الا الحسن وعكرمة وابن أبى ليلى، رويت عنهم كراهيته، لأن إحداهما لو كانت
ذكرا حرمت عليه الأخرى، فأشبه المرأة وعمتها (ولكن ليس ذلك من الجانبين، فإن زوجة الأب لو
كانت ذكرا لم تجرم الربيبة عليه).
ولنا قول الله تعالى ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾. ولأنهما لا قرابة بينهما فأشبهتا
الأجنبيتين، ولو كان لرجل ابن من غير زوجته ولها بنت من غيره، أو كان له بنت ولها ابن جاز
تزويج أحدهما من الآخر فى قول عامة الفقهاء، وحكى عن طاوس كراهيته، ومتى ولدت المرأة
من ذلك الرجل ولدا صار عما لولديهما وخالا وإن تزوج امرأة لم تحرم أمها ولا ابنتها على أبيه
ولا ابنه، فمتى تزوج امرأة وزوج ابنه أمها جاز لعدم أسباب التحريم فإذا ولد لكل واحد منهم ولد
كان ولد الابن خال ولد الأب، وولد الأب عم ولد الابن".

٣٠
إعلاء السنن
باب من زنی بامرأة حرمت علیه أمها وبنتها
٣١٠٤ - عن أم هانئ رضى الله عنها (١) مرفوعا: ((من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له
أمها ولابنتها)) رواه ابن أبى شيبة وإسناده مجهول، قاله البيهقى (فتح البارى ١٣٥:٩).
٣١٠٥- عن الحسن البصرى، عن عمران بن حصين، قال فيمن فجر بأم امرأته:
"حرمتا عليه". رواه عبد الرزاق، ولا بأس بإسناده (فتح البارى ١٣٥:٩).
٣١٠٦- عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: "اختصم سعد بن أبي وقاص
وعبد بن زمعة فى غلام، فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخى عتبة بن أبى وقاص عهد
باب من زنی بامرأة حرمت علیه أمها وبنتها
قوله: عن أم هانئ إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب صريحة، وهو وإن كان ضعيفا لكن
يكفى للاعتضاد، فإن الحديث الثانى والثالث يثبتان المقصود وإنما قدمته عليهما لكونه صريحا.
قوله: "عن الحسن" إلخ. قال المؤلف: دلالته على ما فيه ظاهرة.
قوله: "عن عائشة" إلخ: قال المؤلف: فى "الجوهر النقى": "وفى "المعالم" للخطابى: هو
مذهب أصحاب الرأى والأوزاعى وأحمد، وفى قوله عليه السلام: واحتجبى منه يا سودة، حجة
لهم، لأنه لما رأى الشبه بعتبة علم أنه من مائه، فأجراه فى التحريم مجرى النسب، وأمرها
بالاحتجاب منه" اهـ (٨٥:٢). قال بعض الناس: هذا أقصى ما اطلعت عليه من دليل المسألة والله
تعالى أعلم. والآن اذكر ما يعارض المذكور، وأجيب عنها كما ظهر لى، ففى البخارى: قال
عكرمة عن ابن عباس: "إذا زنى بها لا تحرم عليه امرأته" (١٣٤:٩) مع "فتح البارى".
قلت: اختلفت الرواية عن ابن عباس، فاحدى الروايتين هذه، والأخرى ما فى "فتح
البارى". قوله: ويذكر عن أبى نصر عن ابن عباس أنه حرمه، وصله الثورى فى "جامعه" من
طريقه، ولفظه: أن رجلا قال: إنه أصاب أم امرأته، فقال له ابن عباس: حرمت عليك امرأتك وذلك
بعد أن ولدت منه سبعة أولاد كلهم بلغ مبلغ الرجال (١٣٥:٩). فتساقطتا للتعارض على ما ثبت
(١) فيه تصحيف عندى فإن ابن أبى شيبة إنما رواه عن ابن هانئ الخولانى كما سيأتى، فلعل بعض المجاهيل من الرواة صحفه بأم
هانئ، فافهم.

٣١
من زنى بامرأة حرمت عليه أمها وبنتها
ج - ١١
إلى أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخى يا رسول الله! ولد على فراش
أبى من وليدته، فنظر رسول الله عَ لّه إلى شبهه فرأى شبها بينا بعتبة فقال: هو لك
بالمرفوع يقدم على الموقوف، وأيضا: فإن المحرم راجح على المبيح حين لم يمكن التطبيق. وفى "فتح
البارى": أخرج الدار قطنى والطبرانى من حديث عائشة رضى الله عنها أن النبى عّ لّه سئل عن
الرجل يتبع المرأة حراما ثم ينكح ابنتها، أو البنت ثم ينكح أمها، قال: لا يحرم الحرام الحلال، إنما
يحرم ما كان بنكاح حلال. وفى أسنادهما عثمان بن عبد الرحمن الوقاصى وهو متروك
(١٣٤:٩). قلت: وهذا كما ترى لا يصلح للمعارضة. وفى "كنز العمال" عن عائشة رضى الله
عنها مرفوعا: لا يفسد حلال بحرام، ومن أتى امرأة فلا عليه أن يتزوج أمها أو ابنتها، فأما نكاح
فلا". رواه ابن عدى والبيهقى. وعن عائشة رضى الله عنها مرفوعا أيضا: ((لا يحرم الحرام الحلال
إنما يحرم ما كان بنكاح حلال)). رواه العقيلى والبيهقى اهـ.
قلت: فهذه الأخبار باطلة عند أهل المعرفة، ورواتها غير مرضيين، قاله الجصاص فى "أحكام
القرآن" له (١١٥:٢). على أنهم متفقون أن التحريم غير مقصور على النكاح ولا على الوطئ
المباح، لأنه لا خلاف أن من وطئ أمته حائضا أن هذا وطأ حرام فى غير نكاح، وأنه يوجب
التحريم قاله الجصاص أيضا، وفى "البخارى": وقال أبو هريرة رضى الله عنه: ((لا تحرم عليه حتى
يلزق بالأرض يعنى حتى يجامع)) (١٣٥:٩ مع "فتح البارى") فهذا الأثر يدل على أنه لا اعتبار فى
الحرمة لمقدمات الجماع، وهو يخالف المذهب. فالجواب عنه أن التفسير بقوله: يعنى إلخ لم يدر
قائله أنه أبو هريرة أو غيره، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، فإن قول التابعى لا حجة فيه،
والالزاق بالأرض يحتمل الجماع والمباشرة واللمس والنظر إلى الفرج الداخل جميعا، فتخصيصه
بالجماع دعوى بلا بينة. وإن سلمنا أن أباهريرة أراد به الجماع، فنقول: إن أقوال الصحابة مختلفة.
وقد قام الإجماع على كون اللمس بمنزلة الوطئ فى تحريم أم الأمة والزوجة وبنتهما، كما سيأتى
فلا حجة فيما يخالفه فافهم.
وفى "فتح البارى": وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: قال يحيى بن يعمر
للشعبى. "والله ما حرم حرام قط حلالا قط، فقال الشعبى، بلى! لو صببت خمرا على ماء حرم
شرب ذلك الماء" اهـ. وفيه أيضا. " وأما قوله (أى البخارى): وقال بعض أهل العراق، فلعله عنى به
الثورى، فإنه ممن قال بذلك من أهل العراق" اهـ. وفيه أيضا: "وقد أخرج ابن أبى شيبة من طريق

٣٢
من زنی بامرأة حرمت عليه أمها وبنتها
إعلاء السنن
يا عبد، الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبى منه يا سودة بنت زمعة! قالت: فلم ير
سودة قط"، رواه مسلم فى "صحيحه" (٢: ٤٧٠ و٤٧١).
حماد عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال: لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وبنتها،
ومن طريق مغيرة عن إبراهيم وعامر هو الشعبى فى رجل وقع على امرأته. قال: حرمتا عليه
كلتاهما" أهـ. وفيه أيضا: " وبه قال من غير أهل العراق عطاء والأوزاعى وأحمد وإسحاق، وهى
رواية عن مالك" (١٣٥:٩).
وفى "عمدة القارى": (وروى ابن أبى شيبة) عن جرير عن حجاج عن ابن هانئ الخولاني،
قال رسول الله عَ ليه: ((من نظر إلى فرج امرأة لم يحل له أمها ولا بنتها" (٣١٥:٩). قال بعض
الناس: وابن هانئ مجهول روى عنه البخارى فى "الأدب المفرد" كما فى "التقريب" (٣٢٥)،
ولم أتتبع بقية رجاله لعدم الطائل، ويا عجبا للعلامة العينى كيف تسامح فى تحقيق مثل هذا
الحديث؟ مع أنه لم ينقل فى "عمدة القارى" حديثا فى الباب سواه، وكذلك العجب من العلامة
المحقق ابن الهمام حيث نقل فى "فتح القدير" حديثا منقطعا ومرسلا ولم يسق سنده لينظر فيه غير
أن قال: وروى أصحابنا من طريق ابن وهب عن أبى أيوب عن ابن جريج (هو من اتباع التابعين)
أن النبى معَّ قال فى الذى يتزوج المرأة، فيغمز ولا يزيد على ذلك: لا يتزوج ابنتها، وهو مرسل
ومنقطع (١٢٩:٣).
وإنما ذكرت هذين الحديثين لعل أحدا يطلع على إسنادهما فيستفيد بهما، وعليك بعلم
الإسناد فإنه أشد الأشياء حاجة إليه وأحسن قوة". قلت: والعجب ممن يدعى سعة النظر فى
الحديث ورجاله كيف يخفى عليه مثل هذا الإسناد الظاهر، ثم يتأسف على مثل العينى وابن
الهمام، حيث لم يخبراه بحال الإسناد الذى لا يجهله أحد ممن له مسكة بالحديث، فإن أثر ابن أبى
شيبة رجاله ثقات مشهورون.
أما جرير فهو ابن عبد الحميد بن قرط الضبى أبو عبد الله الرازى القاضى نشأ بالكوفة، كان
ثقة حجة، يرحل إليه، وهو من رجال الجماعة، روى عن الأعمش والثورى وأقرانهما كالحجاج
ابن أرطاة الكوفى القاضى، وهو المراد بالحجاج فى هذا الإسناد، وهو حسن الحديث كما مر غير
مرة، وابن هانئ هذا ليس الذى جهله الحافظ فى التقريب، فإنه لم يرو عنه إلا جرير بن عثمان، ولم
ينسبه أحد إلى خولان، بل هو حميد بن هانئ أبو هانئ الخولانى المصرى، بدليل أن ابن أبى شيبة

٣٣
ج - ١١
من زنی بامرأة حرمت عليه أمها وبنتها
وصفه بالخولاني، وأبا بكر الرازى كناه بأبى هانئ فى "أحكام القرآن" له (١٢١:٢)، وهو ثقة من
ثقات التابعين، وهو أكبر شيخ لابن وهب، أخرج له مسلم والأربعة والبخارى فى "الأدب"، كما
فى "التهذيب" (٥٠:٣ و٥١).
فالسند حسن إلا أنه مرسل، وهو حجة عندنا وعند الجمهور من السلف. وأما أثر ابن وهب
فقد ذكره سحنون وهو ثقة فى "المدونة" عن ابن وهب عن يحيى بن أيوب عن ابن جريج، ويرفع
الحديث إلى رسول الله مرّة، أنه قال فى الذى يتزوج المرأة، فيغمزها ولا يزيد على ذلك:
"لا يتزوج ابنتها". قال: وكان ابن مسعود يقول: "إذا قبلها فلا تحل له الإبنة أبدا"، قال ابن
وهب: وكان عطاء يقول: إذا جلس بين فخذيها فلا يتزوج ابنتها. (قال: وروى محرمة) عن أبيه
عن عبد الله بن أبى سلمة ويزيد بن قسيط وابن شهاب، فى رجل تزوج امرأة فوضع يده عليها
فكشفها ولم يمسها: "أنه لا يحل له ابنتها" اهـ (٢٠١:٢).
وابن جريج من ثقات اتباع التابعين، وهو أول من صنف بالحجاز، ومراسيل مثله حجة
عندنا، ولما رواه شواهد من أقوال الصحابة والتابعين، قال أبو بكر الرازى فى "أحكام القرآن":
"روى حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة
وابنتها. وروى الأوزاعى عن مكحول أن عمر جرد جارية، ثم سأله إياها بعض ولده فقال: إنّها لا
تحل لك، وروى حجاج (هو ابن أرطاة) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أنه جرد جارية ثم
سأله إياها بعض ولده فقال: إنها لا تحل لك وروی المثنی عن عمرو بن شعيب عن ابن عمر أنه قال:
أيما رجل جرد جارية فنظر إليه منها يريد ذلك الأمر فإنها لا تحل لابنه، وعن الشعبى قال: كتب
مسروق إلى أهله قال: انظروا جاريتى فلانة فيبيعوها، فإنى لم أصب منها إلا ما حرمها على ولدى
من اللمس والنظر" اهـ (٢٢١:٢)
قلت: والمحدث لا يحذف من أول الإسناد إلا ما كان سالما، وجزم مثل الجصاص الحافظ
المحدث بهذه الآثار حجة لا سيما وتعدد الطرق يرفع الضعيف إلى الصحة تارة، وإلى الحسن
أخرى، فثبت أن الغمز واللمس والتقبيل فى معنى الوطئ، قال أبو بكر الرازى فى "أحكام القرآن"
له: " واتفق أصحابنا والثورى ومالك والأوزاعى والليث والشافعى أن اللمس بشهوة بمنزلة الجماع
فى تحريم أم المرأة وبنتها، فكل من حرم بالوطئ الحرام أو جبه باللمس إذا كان بشهوة، ومن

٣٤
من زنى بامرأة حرمت عليه أمها وبنتها
إعلاء السنن
لم يوجبه بالوطئ الجرام لم يوجبه باللمس بشهوة، ولا خلاف فى أن اللمس المباح فى الزوجة
وملك اليمين يوجب تحريم الأم والبنت إلا شيئا يحكى عن ابن شبرمة أنه قال: لا تحرم باللمس وإنما
تحرم بالوطئ الذى يوجب مثله الحد، وهو قول شاذ قد سبقه الإجماع بخلافه" اهـ (١٢١:٢).
قلت: وقد ثبت بمرسل أبى هانئ كون النظر إلى الفرج فى إيجاب التحريم مثل اللمس، وهو
قول ابن مسعود ومسروق وابن عمر كما تقدم، فقال به أئمتنا وتركوا القياس فيه بالآثار، والمراد
بالفرج هو الفرج الداخل، لأنه الفرج حقيقة، وإطلاقه على الشق ونحوه مجاز كما لا يخفى، فلما
كان إيجاب النظر للتحريم خلاف القياس يقتصر على مورده الحقيقى، فلا يعمه وغيره، فافهم.
وفى "الجوهر النقى" فى باب الزنا لا يحرم الحلال: قال ابن حزم: روينا عن ابن عباس أنه
فرق بين رجل وامرأة بعد أن ولدت له سبعة رجال کلھم صار رجلا يحمل السلاح، لأنه كان
أصاب من أمها ما لا يحل. وعن سعيد بن المسيب وأبى سلمة ابن عبد الرحمن وعروة ابن الزبير
فيمن زنى بامرأة: لا يصلح له أن يتزوج ابنتها أبدا، ولابن أبى شيبة عن ابن المسيب والحسن قال:
إذا زنى الرجل بالمرأة فليس له أن يتزوج ابنتها ولا أمها، وروى ذلك عن غير هؤلاء أيضا، روى
عبد الرزاق فى "مصنفه" عن عثمان بن سعيد عن قتادة (فذكر أثر عمران بن حصين المذكور فى
"السنن"، ثم قال) وعن ابن جريج سمعت عطاء يقول: إذا زنى رجل بأم امرأته أو بنتها، حرمتا
عليه جميعا، وعن ابن جريج أخبرنى ابن طاوس عن أبيه فى الرجل يزنى بالمرأة: لا ينكح أمها
ولا بنتها، (قلت: عطاء وطاوس من أجلة أصحاب ابن عباس لم يكونا ليخالفاه إلا وعندهما علم
من غير من الصحابة، أو يكون ما روى عن ابن عباس فى عدم التحريم ضعيفا أو مؤولا عندهما.
وقد ذهب عكرمة مولى ابن عباس أيضا إلى التحريم كما سيأتى. وهذا يقتضى أن الصحيح
عن ابن عباس هو التحريم كما رواه ابن حزم عنه) وفى مصنف ابن أبى شيبة عن قتادة وأبى هاشم
(وهما من أجلة أصحاب أنس) فى الرجل يقبل أم امرأته أو ابنتها قالا: حرمت عليه امرأته، وقال
ابن حزم: روينا عن مجاهد لا يصلح لرجل فجر بامرأة أن يتزوج أمها. ومن طريق شعبة عن
الحكم بن عتيبة قال: قال النخعى: إذا كان الحلال يحرم الحلال فالحرام أشد تحريما (فإن الحرام أولى
بالتشديد والتغليظ، كما لا يخفى).
وعن الشعبى: ما كان فى الحلال حراما فهو فى الحرام أشد، وعن ابن مغفل: هى لا تحل له

٣٥
ج - ١١
من زنى بامرأة حرمت عليه أمها وبنتها
فى الحلال فكيف تحل له فى الحرام؟ وعن مجاهد إذا قبلها ولا مسها أو نظر إلى فرجها من شهوة
حرمت عليه أمها وابنتها. (ومجاهد من أجلة أصحاب ابن عباس). وعن النخعى فى رجل فجر
بامرأة فأراد أن يشترى أمها أو يتزوجها، فكره ذلك. وعن عكرمة سئل عن رجل فجر بامرأة
أيصلح له أن يتزوج جارية أرضعتها هى بعد ذلك؟ قال: لا قال ابن حزم: وهو قول الثورى؛ وفى
"المعالم" للخطابى: هو مذهب أصحاب الرأى والأوزاعى وأحمد وفى "أحكام القرآن"
للرازى: هو قول سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وحماد وأبى حنيفة وأصحابه. وحديث:
لا يحرم الحرام الحلال على تقدير ثبوته لا يصح تعميمه (بل هو خاص بالحرام الذى سئل عنه مثل
النظر إلى الوجه بشهوة أو المراودة على الجماع ونحوها) إذ وطئ (الأمة) المجوسية والأمة
المشركة والحائض حرام يوجب التحريم، فإن قيل الوطئ فى هذه المسائل يثبت به النسب والزنا لا.
قلنا: اعتبار النسب ساقط، إذ وطئ الصغيرة يثبت التحريم ولا يثبت به النسب، والعقد يثبت
النسب، لا التحريم" اهـ (٨٥:٢).
هذا، وقد ظهر بذلك اتفاق أجلة التابعين وأكثرهم على كون الزنا ومقدماته موجبا للتحريم،
وهو قول عمران بن حصين وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وغيرهم من الصحابة، وهو مقتضى
حديث اختصام سعد بن أبى وقاص وعبد بن زمعة فى ابن وليدة وزمعة، وقوله عّ لّه السودة:
"احتجبى منه" بعد الحاقة بزمعة للفراش، وأثر أبى هانئ المرسل صريح فى ذلك، فقول أصحابنا
الحنفية قوى رواية ودراية، والله تعالى أعلم.
وقال الموفق فى "المغنى": "ووطئ الحرام منحرم كما يحرم وطئ الحلال والشبهة، يعنى أنه
يثبت به تحريم المصاهرة. فإذا زنا بامرأة حرمت على أبيه وابنه، وحرمت عليه أمها وابنتها كما لو
وطئها بشبهة أو حلالا، ولو وطئ أم امرأته أو بنتها حرمت عليه امرأته، نص أحمد على هذا فى
رواية جماعة. وروى نحو ذلك عن عمران بن حصين وبه قال الحسن وعطاء وطاوس ومجاهد
والشعبى والنخعى والثورى وإسحاق وأصحاب الرأى، وروى عن ابن عباس: أن وطئ الحرام
لا يحرم، وبه قال سعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وعروة والزهرى ومالك والشافعى وابن المنذر،
لما روى عن النبى معَّه أنه قال: لا يحرم الحرام الحلال. ولأنه وطئ لا تصير به الموطوءة فراشا،
فلا يحرم كوطئ الصغيرة، ولنا قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباء كم من النساء﴾. والوطئ

٣٦٦
من زنى بامرأة حرمت عليه أمها وبنتها
إعلاء السنن
يسمى نكاحا قال الشاعر: "إذا زنيت فأجد نكاحا" فحمل فى عموم الآية، وفى الآية قرينة تصرفه
إلى الوطئ، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا﴾ (فإن القبح العقلى
والشرعى والعرفى الذى فسر به الألفاظ الثلاثة إنما هو فى الوطئ دون مجرد العقد كما لا يخفى).
وهذا التغليظ إنما يكون فى الوطئ. وروى عن النبى عّ لّه أنه قال: لا ينظر الله إلى رجل نظر
إلى فرج امرأة وابنتها. وروى الجوزجاني بإسناده عن وهب بن منبة قال: ملعون من نظر إلى فرج
امرأة وابنتها. فذكرته لسعيد بن المسيب فأعجبه (دل على أن قوله بعدم التحريم كان لأجل أنه لم
يبلغه الأثر) ولأن ما تعلق من التحريم بالوطئ المباح تعلق بالمحظور كوطئ الحائض، ولأن النكاح
عقد يفسده الوطأ بالشبهة، فأفسده الوطئ الحرام كالإحرام، وحديثهم لا نعرف صحته، وإنما هو
من كلام ابن أشوع بعض قضاة العراق، كذلك قال الإمام أحمد وقيل: إنه من قول ابن عباس،
ووطئ الصغيرة ممنوع (فإنه محرم أيضا) ثم يبطل بوطأ الشبهة" اهـ (٤٨٢:٧ و ٤٨٣).
تذييل:
فى "موطأ الإمام مالك" (ص ١٩٥) مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب وهب لابنه جارية،
فقال: "لا تمسها فإنى قد كشفتها" اهـ، وفى حاشيته عن "المحلى": "قوله: فإنى قد كشفتها" أى
كشفت بعض أعضائها لأجل الوطئ، ويحتمل أن يكون الكشف كناية عن الوطئ(١). أعلم أنهم
قد اتفقوا على أن من وطئ امرأة بملك حرمت على أبنائه، واختلفوا فى المباشرة والمس بشهوة
والنظر، فقال مالك: القبلة والمس يقومان مقام الوطئ، والنظر محتمل لثبوت الحرمة كالقبلة ولعدمه
كالتفكر. وقال الشافعى: لا يثبت حرمة المصاهرة بالنظر بشهوة ولا بالمباشرة بشهوة (٢) فى أظهر
أقواله، وقال أبو حنيفة: تثبت الحرمة بالمس والنظر إلى فرجها الداخل بشهوة" اهـ.
قلت: إن المراد بقول المحشى بعض أعضائها هو الفرج، وهو الظاهر، وفى "رد المحتار"
(٤٥٨): "وفى "الفتح" وهو ظاهر الرواية (يعنى الاعتبار فى النظر إلى فرجها المدور الداخل
المذكور فى "الدر المختار") لأن هذا حكم تعلق بالفرج، والداخل فرج من كل وجه، والخارج فرج
(١) قلت: ولكن أثر ابن عمر الذى قدمناه عن أحكام القرآن للرازى يؤيد الاحتمال الأول (مؤلف).
(٢) قلت: هذا خلاف ما ذكر الرازى عنه كما تقدم، ونقل الإجماع على كون اللمس بمنزلة الجماع عند الكل ما خلا ابن شبرمة.

٣٧
ج - ١١
لا يجوز أن ينكح أخت مطلقته حتى تنقضى عدتها
وكذا لا يجوز أن ينكح خامسة قبل انقضاء عدة واحدة من الأربع
٣١٠٧- أخبرنا إسماعيل بن عياش قال: حدثنی سعید بن یوسف، عن یحیی بن
أبى كثير قال: قضى على بن أبى طالب رضى الله عنه فى الرجل يكون تحته أربع نسوة
فطلق إحداهن قال: لا تنكح امرأة حتى يخلوا أجل التى طلق. رواه الإمام محمد بن
الحسن فى كتاب الحجج (ص٣٣٥) ورجاله محتج بهم.
٣١٠٨- أخبرنا عباد بن العوام قال: "أخبرنا سعيد بن أبى عروبة، حدثنا قتادة عن
ابن عباس أنه قال: "لا يتزوج خامسة حتى تنقضى عدة التى طلق حاملا كانت أو غير
حامل، وكذلك فى الأختين" رواه الإمام محمد بن الحسن فى كتاب الحجج (٣٣٥).
من وجه، والاحتراز عن الخارج متعذر فسقط اعتباره، ولا يتحقق ذلك إلا إذا كانت متكئة (بحر)
فلو كانت قائمة أو جالسة غير مستندة لا تثبت الحرمة، (إسماعيل) وقيل: تثبت بالنظر إلى منابت
الشعر، وقيل: إلى الشق، وصححه فى "الخلاصة" بحر اهـ.
باب لا يجوز أن ینکح أخت مطلقته حتى تنقضی عدتها
وكذا لا يجوز أن ينكح خامسة، قبل انقضاء عدة واحدة من الأربع
قوله: "أخبرنا إسماعيل" إلخ. قال المؤلف: إسماعيل هذا قال فى "الميزان": قال الفسوى:
تكلم قوم فى إسماعيل، وهو ثقة عدل أعلم الناس بحديث الشام، أكثر ما تكلموا فيه قالوا: يغرب
عن ثقات الحجازيين اهـ. وفيه أيضا قال خ (أى البخارى): إذا حدث عن أهل بلده فصحيح، وإذا
حدث عن غيرهم ففيه نظر أهـ (١١٢:١). قلت: قد روى هناك عن أهل الشام، وسعيد هذا
مختلف فيه، وهو الرحبى، ويقال: الزرقى الصنعانى من صنعاء دمشق، وقيل: إنه حمصى وذكره
ابن حبان فى "الثقات"، كما يتحصل من "تهذيب التهذيب" (١٠٣:٤ و١٠٤) وقد مر غير
مرة، أن الإختلاف غير مضر، ويحيى بن أبى كثير قال فى "التقريب": ثقة ثبت، لكنه يدلس،
ویرسل اه، ورمز له للستة (٢٧٨). علی أن التدلیس غیر مضر عندنا، فالسند رجاله محتج بهم.
قوله: "أخبرنا عباد بن العوام" إلخ. قال المؤلف: عباد هذا ثقة من رجال الجماعة كما فى
"التقريب" (١٢٢). وسعيد بن أبى عروبة من رجال الجماعة، ومن أحفظ أصحاب قتادة، ولكنه

٣٨
لا يجوز أن ينكح خامسة، قبل انقضاء عدة واحدة من الأربع
إعلاء السنن
٣١٠٩- أخبرنا محمد بن عمرو قال: أخبرنا إسماعيل بن إسحاق بن حازم، عن
أبي الزناد عن سليمان بن يسار: "أن خالد بن عقبة كن تحته أربع نسوة، فطلق واحدة
ثلاثا، فزوج الخامسة قبل أن تنقضى العدة، ففرق بينهما مروان بن الحكم. وأصحاب
النبى عّ لّه يومئذ متوافرون". رواه محمد فى الحجج (٣٣٤ و٣٣٥).
اختلط فى آخر عمره، كما يتحصل من "تهذيب التهذيب" (٦٣:٤ و٦٤) ولكن تأيد بشواهد
عديدة، وحديث المختلط إذا تأيد بمتابع أو شاهد تقوى. وقد صرح الحافظ فى "مقدمة الفتح" أن
البخارى لم يخرج له عن سعيد شيئا، واحتج به هو والباقون (٤١٠) فالظاهر أنه سمع من سعيد
قبل الاختلاط وقتادة هذا من رجال الجماعة، ثقة، ثبت، كما فى "التقريب" (٢٠٨). وفى
"تهذيب التهذيب": قال الحاكم فى علوم الحديث: لم يسمع قتادة من صحابى غير أنس، وقد
ذكر ابن أبى حاتم عن أحمد بن حنبل: مثل ذلك إلخ (٨: ٣٥٥). قلت: غايته الانقطاع، وهو غير
مضر عندنا، ودلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة.
قوله: "أخبرنا محمد بن عمر" وإلخ، قال المؤلف: دلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة،
وأما ما فى "موطأ محمد رحمه الله": أخبرنا مالك حدثنا ربيعة بن أبى عبد الرحمن. "أن الوليد
سأل القاسم وعروة، وكانت عنده أربع نسوة، فأراد أن يبيت واحدة ويتزوج أخرى فقالا: نعم،
فارق امرأتك ثلاثا، وتزوج، فقال القاسم: فى مجالس مختلفة" اهـ (٢٤٠). فهذا بظاهره يدل
على أنه لا حاجة إلى انتظار انقضاء العدة لتزوج الخامسة، وروى عنهما فى موطأ مالك كما نقله
فى "التعليق الممجد"، صريح فى ذلك، فالجواب عنه: أنهما تابعيان فيرجح ما نقلناه عن الصحابة
على رأيهما. قال الموفق فى المغنى: "إذا تزوج الحر أربعا حرمت الخامسة تحريم جمع، وإن تزوج
العبد اثنين حرمت الثالثة تحريم جمع، فإذا طلق زوجته طلاقا رجعيا فالتحريم باق بحاله، فى قولهم
جمیعا، وإن کان الطلاق بائنا أو فسخا فكذلك عند إمامنا، (أحمد) حتى تنقضى عدتها، وروى
ذلك عن على وابن عباس، وزيد بن ثابت، وبه قال سعيد بن المسيب ومجاهد والنخعى والثورى
وأصحاب الرأى، وقال القاسم محمد وعروة وابن أبى ليلى ومالك والشافعى، وأبو ثور وأبو عبيد
وابن المنذر: له نكاح جميع من سمينا فى تحريم الجمع، وروى ذلك عن زيد بن ثابت، لأن المحرم
الجمع بينهما فى النكاح، والبائن ليست فى نكاحه، وروى عبيدة السلمانى: أنه قال: "ما أجمعت
الصحابة على شىء كإجماعهم على أربع قبل الظهر، وأن لا تتكح امرأة فى عدة اختها" وروى
عن النبى عّ لّ: أنه قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماؤه فى رحم أختین)). وروى

٣٩
ج - ١١
باب جواز نكاح المسلم نساء أهل الكتاب إلا المجوسيات
٣١١٠- عن شقيق قال: "تزوج حذيفة امرأة يهودية، فكتب إليه عمر: خل
سبيلها، فكتب إليه إن كانت حراما فعلت، فكتب عمر: أنى لا أزعم أنها حرام، لكن
أخاف أن تكون مومسة" (أى فاجرة كما فى "القاموس")، رواه ابن أبى شيبة بسند لا
بأس به (التلخيص الحبير ٢: ٣٠٣).
عن أبى الزناد قال: "كان الوليد بن عبد الملك أربع نسوة، فطلق واحدة البتة، وتزوج قبل أن تحل،
فعاب عليه ذلك كثير من الفقهاء، وليس كلهم عابه" قال سعيد بن منصور: "إذا عاب عليه سعيد
ابن المسيب فأى شىء بقى" ولأنها محبوسة عن النكاح " لحقه أشبه ما لو كان الطلاق رجعيا،
وفارق المطلقة قبل الدخول بها" اهـ (فلا عدة عليها أصلا (٧: ٤٤١) وقد بسط الكلام فى المسألة
الجصاص من جهة النظر والدراية، فليراجع (١٣١:٢ و١٣٢) قال: وعموم قوله تعالى: ﴿وأن
تجمعوا بين الأختين، يقتضى تحريم جمعهما على سائر الوجوه، وهو موجب لتحريم تزويج المرأة،
، وأختها تعتد منه، (وألحقت السنة بها عمة الزوجة وخالتها كما مر فحكمهما فى ذلك حكمها) لما
فيه من الجمع بينهما فى استحقاق نسب ولديهما، وفى إيجاب النفقة المستحقة بالنكاح والسكنى
لهما، وذلك کله من ضروب الجمع، فو جب أن یکون محظورا منتفیا بتحريمه الجمع بينهما، وقد
اختلف فقهاء الأمصار فى ذلك، فروى عن على، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعبيدة السلمانی،
وعطاء، ومحمد ابن سيرين، ومجاهد، فى آخرين من التابعين: أنه لا يتزوج المرأة فى عدة أختها،
وكذلك لا يتزوج الخامسة وبعدى الأربع تعتد منه، واختلف عن سعيد بن المسيب وعطاء
والحسن، فروى عن كل واحد منهم روايتان: إحداهما: أنه يتزوجها إذا كانت عدتها من طلاق
بائن، والأخرى: لا يتزوجها، وقال قتادة: رجع الحسن عن قوله: إنه يتزوجها فى عدة أختها،
وما قدمنا من دلالة الآية وعمومها فى تحريم الجمع كاف فى إيجاب التحريم، ما دامت الأخت
معتدة منه. ويدل عليه من جهة النظر اتفاق الجميع على تحريم الجمع بين وطئ الأختين بملك اليمين،
والمعنى فيه أن إباحة الوطئ حكم من أحكام النكاح وإن لم يكن نكاح ولا عقد، فواجب على
ذلك تحريم الجمع بينهما فى حكم من أحكام النكاح. فلما كان استلحاق النسب، ووجوب النفقة،
والسكنى من أحكام النكاح، وجب أن يكون ممنوعا من الجمع بينهما فيه" اهـ (١٣٢:٢).
باب جواز نكاح المسلم نساء أهل الكتاب إلا المجوسیات
قال المؤلف: دلالة مجموع الأحاديث على الباب ظاهرة. قلت: وحرمة نكاح المحبوسيات

٤٠
جواز نكاح المسلم نساء أهل الكتاب إلا المجوسيات
إعلاء السنن
٣١١١- عن عثمان رضى الله عنه "أنه نكح ابنة الفرافصة الكلبية وهى نصرانية
على نسائه، ثم أسلمت على يديه". رواه البيهقى (التلخيص الحبير ٣٠٣:٢).
والوثنيات متفق عليها بين الأئمة. فقد قال الحافظ فى التلخيص الحبير بعد ما تكلم فى قيس بن
الربيع وضعفه: "قال البيهقى: وإجماع أكثر المسلمين عليه يؤكده، ونقل الحربى الإجماع على
المنع، إلا عن أبى ثور، ورده ابن حزم، بأن الجواز ثبت عن سعيد ابن المسيب أيضا، وأخرج ابن أبى
شيبة، من طريقه جواز التسرى من المجوس بإسناد صحيح وعن عطاء وطاوس وعمرو بن دينار،
كذلك" اهـ، وفى "الفتح": "لكن لما أخذ النبى عّ لّله الجزية من المجوس، دل على أنهم أهل كتاب،
وكان القياس أن تجرى عليهم بقية أحكام الكتابيين، لكن أجيب من أخذ الجزية من المجوس أنهم
اتبعوا فيه الخبر، ولم يرد مثل ذلك فى النكاح والذبائح" اهـ، من هامش "التلخيص" (٣٠٣:٢).
قلت: وحجة من ذهب إلى جواز النكاح بالمجوسيات، ما ورد فى بعض الآثار عن عبد
الرحمن بن عوف مرفوعا. "إنما المجوس طائفة من أهل الكتاب، فاحملوهم على ما تحملون عليه
أهل الكتاب". وقد ذكرناه فى المتن، وما رواه الشافعى عن سفيان عن سعيد ابن المرزبان عن نصر
بن عاصم، قال: قال فروة بن نوفل: على ما تؤخذ الجزية من المجوس وليسوا بأهل الكتاب؟ فذكر
القصة فى إنكار المستورد عليه ذلك، وفيها فقال على: "أنا أعلم الناس بالمجوس، كان لهم علم
يعلمونه، وكتاب يدرسونه، وإن ملكهم سكر، فوقع على ابنته، أو أخته فاطلع عليه بعض أهل
مملكته، فلما أصبح جاؤوا ليقيموا عليه الحد، فامتنع منهم، فدعا أهل مملكته، فقال: تعلمون دينا
خيرا من دين آدم؟ قد كان آدم ينكح بنيه من بناته، فأنا على دين آدم، وما ترغب بكم عن دينه
فبايعوه على ذلك، وقاتلوا من خالفهم، فأصبحوا وقد أسرى على كتابهم فرفع من بين أظهرهم،
وذهب العلم الذى فى صدورهم، وهم أهل كتاب، وقد أخذ رسول الله عّ لّه منهم الجزية"، قال
ابن حزيمة: "وهم فيه ابن عيينة، فقال نضر بن عاصم، وإنما هو عیسی بن عاصم، وهو لم يلق علیا،
ولم يسمع منه، ولا ممن دونه، کابن عمر، وابن عباس". نعم له شاهد، یعتضد به، أخرجه عبد بن
حميد فى "تفسيره" عن الحسن الأشيب عن يعقوب العمى، عن جعفر بن أبى المغيرة، عن عبد
الرحمن ابن أبزى، قال: قال على: "كان المجوس أهل كتاب، وكانوا متمسكين به". فذكر القصة،
وهذا إسناد حسن كذا فى "التلخيص الحبير" (٣٠٣:٢).
والجواب عن أثر عبد الرحمن، أن المحفوظ ما رواه مالك فى "الموطأ" عنه بلفظ: "سنوا بهم