Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ الجراد من صيد البر وفيها صدقة ج - ١٠ جرادة قتلها وهو محرم، فقال عمر لكعب: تعال حتى نحكم، فقال كعب: درهم، فقال عمر: إنك لتجد الدراهم، لتمرة خير من جرادة. أخرجه مالك فى "الموطأ" أيضا (١٧٢) وهو مرسل. ووصله عبد الرزاق بسند صحيح، كما سنذكره فى الحاشية. إبراهيم، عن الأسود: أن كعبا سأل عمر نحوه، قاله الحافظ فى "الدراية" (٢١٠). وعن محمد بن راشد، عن مكحول: أن عمر مثل عن الجراد يقتله المحرم، فقال: تمرة خير من جرادة. وروى ابن أبى شيبة فى "مصنفه": حدثنا ابن فضيل، عن يزيد، عن إبراهيم، عن كعب: أنه مرت به جرادة فضربها بسوطه، ثم أخذها فشواها. فقال له فى ذلك (قائل)، فقال: هذا خطأ، وأنا أحكم على نفسى فى هذا درهما، فأبى عمر، فقال له عمر: إنكم يا أهل حمص، أكثر شىء دراهم، تمرة خير من جرادة. "زيلعى" (٥٣٨:١). وأخرج سعيد بن منصور، عن الدراوردى، عن زيد، عن عطاء ابن يسار، عن عمر رضى الله عنه فى الجرادة تمرة. وعن هشيم، عن أبى بشر، عن يوسف بن ماهك. عن كعب، عن عمر: أنه سأله عن قتل جرادتين، فقال: كم نويت فى نفسك؟ قال: درهمين، قال: إنكم كثيرة دراهمكم، لتمرتين(١) أحب إلى من جرادتين ثم قال: امض الذى نويت. ورواه ابن أبى شيبة عن أبى معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر نحوه. ورواه الشافعى من طريق أخرى عن عمر، وفيه: درهمان خير من مائة جرادة. وعن عبدة، عن محمد بن عمرو، عن سلمة، عن ابن عمر محرم أصاب جرادة، فحكم عليه عبد الله بن عمر ورجل آخر، حكم عليه أحدهما بتمرة، والآخر كسرة. اهـ من "التلخيص الحبير" (٢٢٩:١). سكت الحافظ عن جميعها، وهى ما بين صحاح وحسان كما لا يخفى على من مارس الإسناد والحديث. وفى ما ذكرناه من طرق الحديث عن عمر رضى الله عنه دليل على أنه لم يقبل قول كعب فى الجراد: إنبها نثرة حوت فى البحر. كما رواه مالك فى "الموطأ" عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: أن كعب الأحبار أقبل من الشام فى ركب محرمين، فلما قدموا المدينة على عمر بن الخطاب قال: فإنى قد أمرته عليكم حتى ترجعوا. ثم لما كانوا ببعض طريق مكة مرت بهم رجل من جراد. فأفتاهم كعب أن يأخذوه ويأكلوه، قال: فلما قدموا على عمر ابن الخطاب ذكروا له ذلك، قال: وما حملك على أن أفتيتهم بهذا؟، فقال: هو من صيد البحر، فقال: وما يدريك؟ فقال: يا أمير المؤمنين! والذى نفسى بيده إن هى إلا نثرة حوت ينثره فى كل عام مرتين اهـ (١) هكذا فى الأصل. ٤٠٢ الجراد من صيد البر وفيها صدقة إعلاء السنن ٢٩٥٧- عن ابن عباس: فى الجرادة قبضة من طعام، ولتأخذن بقبضة جرادات. رواه الإمام الشافعى بسند صحيح "التلخيص الحبير" (٢٢٩:١). مختصرا (١٣٦). فليس سكوت عمر رضى الله عنه فى هذه القصة دليلا على تسليمه قول كعب إنها من صيد البحر، لما قد تواتر عنه القول بإيجاب تمرة أو قبضة من طعام فى جرادة بأسانيد كثيرة، ولما ثبت عنه أنه أمر كعبا نفسه بتمرة فى جرادة. وأما ما رواه أبو داود والترمذى عن أبى هريرة قال: خرجنا مع رسول الله عَ لِّ فى حجة أو غزوة، فاستقبلنا رجل من جراد، فجعلنا نضربه بساطنا وقسينا، فقال عّ لّه: ((كلوه فإنه من صيد البحر)) هذا لفظ الترمذى، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حيث أبى المهزم عن أبى هريرة. وأبو المهزم اسمه يزيد بن سفيان، وقد تكلم فيه شعبة اهـ (١٠٤:١). ولفظ أبى داود: قال: أصبنا صرما من جراد، فكان رجل يضرب بسوطه وهو محرم، فقيل له: إن هذا لا يصلح، فذكر ذلك للنبى معَّ ◌ُلّه، فقال: ﴿إنما هو من صيد البحر﴾. قال أبو داود: أبو المهزم ضعيف، والحديثان جميعا وهم اهـ (٢: ١١٠ مع العون). قلت: والحديث الثانى ما رواه بطريق ميمون بن جابان، عن أبى رافع، عن أبى هريرة، عن النبى عّ لّه، قال: ((الجراد من صيد البحر)). قال المنذری: ميمون بن جابان لا يحتج به، كذا فى "عون المعبود" (٢-١٠٩). فهذا لا حجة فيه كما ترى أن أبا المهزم وهم فيه، فجعله فى طريق أبى داود من قصة الإحرام؛ والصحيح أن ذلك كان فى غزوة، ومعنى قول النبى مرّ له: ((إنه من صيد البحر)) كما قال على القارى: إنه يشبه صيد البحر من حيث يحل ميتة، ولا يحتاج إلى الذبح، وأما أنه يجوز للمحرم قتله ولا يلزمه بذلك فدية فلا، فقد علمت أنه قد تظاهر عن عمر إلزام الجزاء فيها. وفى "الهداية": الجراد من صيد البر. قال ابن الهمام: وعليه كثير من العلماء. كذا فى "العون" أيضا. قال الموفق فى "المغنى": واختلفت الرواية فى الجراد، فعنه -أى عن أحمد -: هو من صيد البحر لا جزاء فيه، وهو مذهب أبى سعيد. قال ابن المنذر: قال ابن عباس وكعب: هو من صيد البحر. وقال عروة: هو نثرة حوت. وروى عن أبى هريرة -فذكر ما رواه أبو داود- وروى عن أحمد: أنه من صيد البر، وفيه الجزاء. وهو قول الأكثرين؛ لما روى أن عمر رضى الله عنه قال لكعب -فذكر الأثر الذى ذكرناه- وقال: ولأنه طير يشاهد طيرانه فى البر، ويهلكه الماء إذا وقع ج - ١٠ الجراد من صيد البر وفيها صدقة ٤٠٣ فيه، فأشبه العصافير. فأما الحديثان الذين ذكرناهما عن أبى هريرة فوهم، قاله أبو داود، فعلى هذا يضمنه بقيمته؛ لأنه لا مثل له، وهذا قول الشافعى. وعن أحمد: يتصدق بتمرة عن الجرادة. وهذا يروى عن عمر، وعبد الله بن عمر. وقال ابن عباس: قبضة من طعام. قال القاضى: هذا محمول على أنه أوجب ذلك على طريق القيمة، والظاهر أنهم لم يريدوا بذلك التقدير، وإنما أرادوا أن فيه أقل شىء اهـ (٥٣٤:٣). وقال محمد فى "الموطأ": أما الجراد فلا ينبغى للمحرم أن يصيده، فإن فعل كفر، وتمرة خير من جرادة، كذلك قال عمر بن الخطاب. وهذا كله قول أبى حنيفة والعامة من فقهاءنا رحمهم الله تعالى اهـ (٢١١). وفى "التعليق الممجد": قال الدما مينى: ذكر بعض الحذاق من المالكية أن الجراد نوعان: برى، وبحرى، فيترتب على كل حكمه، ويتفق بذلك الأخبار اهـ وقد ذكر الدميرى فى "حياة الحيوان" له الجراد البرى والبحرى على خياله، وذكر لكل واحد منها خواصًا وأفعالا وصورا وأشكالا (١٧٤). والله تعالى أعلم. فائدة: قال فى "الهداية": ومن قتل قملة تصدق بما شاء مثل كف من طعام؛ لأنها متولدة من التفت الذى على البدن. وفى "الجامع الصغير": أطعم شيئا. وهذا يدل على أنه يجزئه أن يطعم مسكينا شيئا يسيرا على سبيل الإباحة وإن لم يكن مشيعا اهـ. قال المحقق فى "الفتح": قوله: متولدة من التفث، يفيد أن الجزاء باعتبار أنه قضاء التفث، فيستفاد منه أنه لو لم يأخذها من بدنه (ولا ثوبه) بل وجد قملة على الأرض فقتله لا شىء عليه، والقملتان والثلاث كالواحدة، وفى الزائد على الثلاث بالغا ما بلغ نصف صاع بر ونحوه، هذا إذا قتلها قصدا، أو ألقى ثوبه فى الشمس لقصد قتلها، ولو ألقاه لا للقتل فماتت لا شىء عليه. اهـ (١٨:٣). وقال الموفق فى "المغنى": فأما القمل ففيه روايتان: إحداهما إباحة قتله؛ لأنه من أكثر الهوام أذى، فأبيح قتله كالبراغيث وسائر ما يؤذى. والثانية أن قتله محرم، وهو ظاهر كلام الخرقى؛ لأنه يترفه بإزالته، فحرم كقطع الشعر، ولأن النبى معَّ رأى كعب ابن عجرة والقمل يتناثر على وجهه، فقال له: ((احلق رأسك))، فلو كان قتل القمل وإزالته مباحا لم يكن کعب لیتر که حتى يصير كذلك، ولكان النبى معَِّ أمره بإزالته خاصا. والصئبان كالقمل؛ لأنه بيضه، ولا فرق بين قتل القمل ورميه أو قتله بالزئبق، لحصول الترفه به، ويجوز له حك رأسه برفق كيلا يقطع شعرا أو يقتل ب ٤٠٤ باب يجب على المحرم إرسال ما فى يده من الصيد عند الإحرام لا ما فى بيته أو فى قفص معه وفى حكمه الداخل فى الحرم ٢٩٥٨- حدثنا أبو بكر بن عياش، عن يزيد بن أبى زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: كنا نحج ونترك عند أهلنا أشياء من الصيد ما نرسلها. رواه ابن أبى شيبة. زيلعى قملا، فإن تقلى المحرم أو قتل قملا فلا فدية فيه، فإن كعب بن عجرة حين حلق رأسه قد أذهب قملا كثيرا، ولم يجب عليه لذلك شىء، إنما أوجب الفدية بحلق الشعر. (قلنا: إنه لم يرد قتل القمل، وإنما أراد إزالة الشمر فماتت من غير قصد منه)، ولأن القمل قلنا: وكذلك شعر الرأس والبدن لا قيمة له وليس بصيد)، حكى لا قيمة له، ولأنه ایس عن ابن عمر قال: هى أهون مقتول. وسئل(١) ابن عباس فى محرم ألقى قمله ثم طلبها فلم يجدها، قال: تلك ضالة لا تبتغى. (يعنى لا يجب إعادتها إلى الرأس والبدن، وليس مراده نفى الجزاء)، وهذا قول طاؤس، وسعيد بن جبير، وعطاء، وأبى ثور، وابن المنذر. وعن أحمد فيمن قتل قملة قال: يطعم شيئا، فعلى هذا أى شىء تصدق به أجزأه، سواء قتل قليلا أو كثيرا، وهذا قول أصحاب الرأى. وقال إسحاق: تمرة فوقها. وقال مالك: حفنة من طعام. وروى ذلك عن ابن عمر، والخلاف إنما هو فى قتله للمحرم، أما فى الحرم لغير المحرم فيباح قتل القمل بغير خلاف اهـ (٣٠٤:٣). وقال محمد فى "الموطأ": أخبرنا مالك، عن نافع قال: المحرم لا يصلح له أن ينتف من شعره شيئا، ولا يحلقه، ولا يقصره، إلا أن يصيبه أذى من رأسه، فعليه فدية كما أمره الله تعالى، ولا يحل له أن يقلم أظفاره، ولا يقتل قملة، ولا يطرحها من رأسه إلى الأرض، ولا من جسده، ولا من ثوبه، ولا يقتل الصيد، ولا يأمر به، ولا يدل عليه. قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى اهـ. (٢٠١). باب يجب على المحرم إرسال ما فى يده من الصيد عند الإحرام لا ما فى بيته أو قفص معه وفى حكمه الداخل فى الحرم قوله: "حدثنا أبو بكر بن عياش" إلخ، قال فى "الهداية": ومن أحرم وفى بيته أو فى قفص معه صید، فليس عليه أن یرسله. وقال الشافعى رحمه الله: يجب عليه أن یرسله؛ لأنه متعرض (١) أخرجه الشافعى رحمه الله فى "مسنده" بسند صحيح (٨٠). ج - ١٠ حكم من احرم وفى يده أو فى بيته أو فى قفص معه صيد ٤٠٥ (٥٤١:١). قلت: سند حسن صحيح على شرط مسلم، وعبد الله بن الحارث له رؤية، ولد على عهد النبى عّ لّهِ. كما فى التقريب (١٠٠). للصيد بإمساكه فى ملكه، فصار كما إذا كان فى يده. ولنا أن الصحابة رضى الله عنهم كانوا يحرمون وفى بيوتهم صيود دواجن، ولم ينقل عنهم إرسالها. وبذلك جرت العادة الفاشية، وهى من إحدى الحجج، ولأن الواجب ترك التعرض، وهو ليس بمتعرض من جهته، لأنه محفوظ بالبيت والقفص لا به غير أنه فى ملكه، ولو أرسله فى مفازة فهو على ملكه، فلا معتبر ببقاء الملك. وقيل: إذا كان القفص فى يده لزمه إرساله، لكن على وجه لا يضيع اهـ (٣١:٣ مع "الفتح"). قلت: وكذا ينبغى اختلاف الرواية فيما إذا كان مربوطا بحبل معه، بل الظاهر فيه وجوب الإرسال رواية واحدة؛ لكون القفص منفصلا عن الصيد، والخبل متصلا به. قال الموفق فى "المغنى": إذا أحرم وفى يده صيد، أو دخل الحرم بصيد، لزمه إزالة يده المشاهدة دون الحكمية عنه، ومعناه إذا كان فى قبضته أو خيمته أو رحله أو قفص معه أو مر بوطا بحبل معه لزمه إرساله، وبه قال مالك، وأصحاب الرأى. وقال الثورى: هو ضامن لما فى بيته أيضا، وحكى نحو ذلك عن الشافعى رحمه الله. وقال أبو ثور: ليس عليه إرسال ما فى يده، وهو أحد قولى الشافعى؛ لأنه لا يلزم من منع ابتداء الصيد المنع من استدامته بدليل الصيد فى الحرم. ولنا على أنه لا يلزمه إزالة يده الحكمية أنه لم يفعل فى الصيد فعلا، فلم يلزمه شىء، كما لو كان فى ملك غيره، وعكس هذا إذا كان فى يده المشاهدة لأنه فعل الإمساك فى الصيد، فكان ممنوعا عنه، وكحالة الابتداء فإن استدامة الإمساك إمساك، بدليل أنه لو حلف لا يمسك شيئا، فاستدام إمساكه حنث، والأصل المقيس عليه ممنوع، والحكم فيه ما ذكرنا قياسا عليه اهـ (٢٩٨:٣). قلت: والدليل على كون المحرم ممنوعا عن التعرض للصيد، ما قد تقدم فى حديث أبى قتادة من قوله مّ له بأصحابه: "هل أمره أحدكم به، أو أشرتم إليه، أو أعنتم)) إلخ، ولا يخفى أن إمساكه بيده تعرض له فوق الإشارة والإعانة عليه فافهم. قال فى "الغنية": وإن كان فى بيته، أو فى قفص معه فى يده، أو فى يد خادمه، أو فى رحله، لا يجب إرساله. وقيل: إذا كان القفص فى يده لزمه إرساله، لكن على وجه لا يضيع كما مر. (بأن يخليه فى بيته، أو يودعه عند حلال) والظاهر أن مثله ما إذا كان الحبل المشدود فى رقبة الصيد فى يده. "رد المحتار" اهـ (١٥٧٨٢)، وهذا ما استظهرته قبل المراجعة إلى الكتاب، ولله الحمد على الموافقة. هذا إذا كان الصبه عنده قبل الإحرام ٤٠٦ حکم من أحرم وفى يده أو فی بیته أو فى قفص معه صيد إعلاء السنن ٢٩٥٩- حدثنا عبد السلام بن حرب، عن ليث، عن مجاهد: أن عليا رضى الله عنه رأى مع أصحابه داجنا من الصيد وهم محرمون، فلم يأمرهم بإرساله. رواه ابن أبى شیبة. "زیلعی"(٥٤١:١). وسنده حسن، ومجاهد عن على مرسل، وهو حجة عندنا. ٢٩٦٠- حدثنا عارم، ثنا حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، قال: كان ابن الزبير بمكة وأصحاب النبى معَّهم يحملون الطير فى الأقفاص. رواه البخارى فى "الأدب المفرد (٧٠) وسنده صحيح، وزاد ابن قدامة فى "المغنى": لا يرون به بأسا اهـ (٣: ٢٩٩). أو قبل الدخول فى الحرم، وأما إذا أخذ صيدا فى الحل وهو محرم، أو فى الحرم وهو حلال، لم يملكه، ووجب إرساله، سواء كان فی یده (حقیقة) أو فی قفص معه، أو فی بیته، ولو لم يرسله حتى هلك وهو محرم أو حلال فعليه الجزاء، ولو أرسله محرم آخر لا شىء على المرسل. كما فى "الغنية" أيضا (١٥٧). قوله: "حدثنا عبد السلام" إلخ، قلت: دلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة، وهو محمول على أن الصيد كان معهم فى الأقفاص لا فى يدهم حقيقة، بدليل حديث أبى قتادة المذكور آنفا. قوله: "حدثنا عارم" إلخ، دلالته على الجزء الثالث من الباب ظاهرة. قال الموفق فى "المغنى": ومن ملك صيدا فى الحل فأدخله الحرم، لزمه رفع يده وإرساله، فإن تلف فى يده أو أتلفه فعلیه ضمانه، کصید الحل فى حق المحرم. قال عطاء: إن ذبحه فعليه الجزاء، وروی ذلك عن ابن عمر رضى الله عنهما. وممن كره إدخال الصيد الحرم ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وعطاء، وطاؤس، وأصحاب الرأى. (قلت: إنما كره الحنفية إدخاله ممسكا بيده، وأما فى الأقفاص فلا)، ورخص فيه جابر بن عبد الله، ورويت عنه الكراهة. قال هشام بن عروة: كان ابن الزبير تسع سنين يراها فى الأقفاص، وأصحاب النبى معَّ لا يرون به بأسا، ورخص فيه سعيد بن جبير، ومجاهد، ومالك، والشافعى، وأبو ثور، وابن المنذر لأنه ملكه خارجًا، وحل له التصرف فيه، فجاز له ذلك فى الحرم كصيد المدينة. ولنا أن الحرم سبب محرم للصيد يوجب ضمانه، فحرم استدامة إمساكه كالإحرام، ولأنه صید ذبحه فی الحرم، فلزمه جزاءه كما لو صاده منه، وصيد المدينة لا جزاء فيه بخلاف صيد الجرم اهـ (٢٩٩:٣). ٤٠٧ ج - ١٠ باب حرمة صيد الحرم وشجره ونباته وحشيشه إلا الإذخر ٢٩٦١ - عن أبى شريح العدوى، أنه قال لعمرو بن سعد - وهو يبعث البعوث إلى مكة -: ائذن لى أيها الأمير! أحدثك قولا قام به رسول الله عَّ له الغد من يوم الفتح، فسمعته أذناى، ووعاه قلبى، وأبصرته عيناى حين تكلم به، أنه حمد الله وأثنى عليه ثم باب حرمة صيد الحرم وشجره ونباته وحشيشه إلا الإذخر قوله: "عن أبى شريح إلى آخر الباب"، قال الموفق فى "المغنى": صيد الحرم حرام على الحلال والمحرم، فمن أتلف من صيده شيئا فعليه ما على المحرم فى مثله، الأصل فى تحريمه النص والإجماع، أما النص فما روى ابن عباس -فذكر ما ذكرناه فى المتن- وأجمع المسلمون على تحريم صيد الحرم على الحلال والمحرم، وفيه الجزاء على من يقتله بمثل ما يجزئ به الصيد فى الإحرام، وحكى عن داود أنه لا جزاء فيه؛ لأن الأصل براءة الذمة، ولم يرد فيه نص، فيبقى بحاله. ولنا أن الصحابة رضى الله عنهم قضوا فى حمام الحرم بشاة شاة، روى ذلك عن عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن عباس، ولم ينقل عن غيرهم خلافهم. (بل قال به عطاء، وسعيد بن المسيب، وحفص ابن عاصم، وغيرهم) فيكون إجماعا، ولأنه صيد ممنوع منه لحق الله تعالى أشبه الصيد فى الحرم. قال: ويجب فى حمام الحرم شاة، وقال أبو حنيفة: فيه فى الحرم شاة، وفى حمام الحل فى الحرم حكومة، وفى حمام الحرم فى الحل روايتان: حكومة، وشاة اهـ (٣٥٩:٣). قلت: لم أقف على قول أبى حنيفة هذا فى كتب الأحناف، والظاهر وقوع التصحيف فى الإسم، فكتب مكان مالك أو الشافعى أبا حنيفة سهوا، فإنهما قائلان بجزاء حمامة الحرم بشاة دونه، أو لعله رواية عنه، فإن الموفق ثقة فى النقل، وإنما قال الإمام به فى حمام الحرم خاصة لقول من سمينا من الصحابة، وترجح عنده أنهم لم يقضوا فيه بذلك تقويما، بل لحرمة الحرم، وأما حمامة · الحل يصيدها المحرم ففيها القيمة؛ لقول ابن عباس: ما كان سوى حمام الحرم ففيه ثمنه. أخرجه البيهقى وقد تقدم ذكره، والله تعالى أعلم. إذا ثبت عن الرسول حكم ينتظمه لفظ القرآن يجب نسبته إلى الكتاب: قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له (٤٦١:٢): قوله: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾، قيل: فيه ثلاثة أوجه كلها محتمل: أحدها: محرمون بحج أو عمرة. والثانى: دخول الحرم، يقال: أحرم الرجل إذا دخل الحرم كما يقال: أنجد، وأعرق، وأتهم، إذا أتى النجد، والعراق، والتهامة ٤٠٨ حرمة صيد الحرم وشجره ونباته وحشيشه إلا الإذخر إعلاء السنن قال: ((إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، لا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله عّ له والثالث: الدخول فى الشهر الحرام، كما قال الشاعر: قتل الخليفة محرما يعنى فى الشهر الحرام، وهو يريد عثمان بن عفان رضى الله عنه، ولا خلاف أن الوجه الثالث غير مراد بهذه الآية، وأن أشهر الحرام لا يحظر الصيد، والوجهان الأولان مرادان، وقد ثبت عن النبى معَّةِ النهى عن صيد الحرم للحلال والمحرم، فدل أنه مراد بالآية؛ لأنه متى ثبت عن النبى معَّه حكم ينتظمه لفظ القرآن فالواجب(١) أن يحكم بأنه صدر عن الكتاب غير مبتدأ اهـ. وقال العلامة ابن العربى فى "أحكام القرآن" له (٢٧٥:١): المسألة السادسة: قوله تعالى: ﴿وأنتم حرم﴾ عام فى التحريم بالزمان، وفى التحريم بالمكان، وفى التحريم بحالة الإحرام، إلا أن تحريم الزمان خرج بالإجماع عن أن يكون معتبرا، وبقى تحريم المكان وحالة الإحرام على أصل التكليف اهـ. قلت: وليس ذلك من الجمع بين الحقيقة والمجاز، أو الجمع بين المعانى المشتركة فى شىء، بل حاصله أن قوله: "حرم" يعم أنواع الحرمات بأسرها إلا ما خص منه بالإجماع فافهم. قال ابن العربى: المسألة الثامنة والعشرون. وقال بعضهم: لاجزاء فى صيد الحرم أصلا، وقال سائر العلماء. حرمة الحرم كالإحرام، واللفظ فيهما واحد، يقال: أحرم الرجل إذا تلبس بالإحرام، كما يقال: أحرم إذا دخل فى الحرم حسبما تقدم بيانه، فلا معنى لما قاله من أسقط الجزاء فيه؛ لاقتضاء اللفظ لوجوب الجزاء وعموم الحكم فى ذلك كله أهـ (١: ٢٨٠). قلت: وإذا قلنا بعموم قوله تعالى: ((وأنتم حرم)) للمحرمين وللداخلين فى الحرم، لزم عموم التخيير بين الهدى والإطعام والصيام لهم جميعا، كما قال به أحمد والأكثرون، صرح به الموفق فى "المغنى" (٣٥٩:٣). وقال به زفر منا كما فى "الهداية"، خلافا لأبى حنيفة وصاحبيه، فقالوا: لا يجزئه الصوم؛ لأنها غرامة وليس بكفارة، فأشبه ضمان الأموال، وهذا لأنه يجب بتفويت وصف فى المحل وهو الأمن، والواجب على المحرم بطريق الكفارة جزاء على فعله؛ لأن الحرمة باعتبار معنى فيه، وهو إحرامه، والصوم يصلح جزاء الأفعال لا ضمان المحال اهـ (٢٨:٣ مع (١) قلت: وكذلك إذا ثبت عن المجتهد حكم يوافقه حديث الرسول عر بيه يحب نسبته إلى الحديث وإن لم يعلم احتجاج المجتهد به ج - ١٠ حرمة صيد الحرم وشجره ونباته وحشيشه إلا الإذخر ٤٠٩ فقولوا له: إن الله قد أذن لرسوله عَّ له، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لى ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب)). أخرجه البخارى واللفظ له "فتح البارى" (٣٨:٤). "الفتح"). وفيه أنه لو كان من قبيل الغرامة لوجب على الصبى والمجنون غرامته إذا استهلكوا كما فى أموال الناس، وقد نص فى "الإيضاح" على أنه لا يجب عليهم. وأجيب بأنه وإن كان غرامة ولكن مستحق هذا الضمان هو الله تعالى، فتجاذبه أصلان: شبه الغرامة، وشبه الجزاء، فرتبنا على كل وجه مقتضاه محتاطين فى الترتيب المذكور، فقلنا: لا يدخله الصوم نظرا إلى أنه ضمان محل، ولا ضمان على الصبى والذمى نظرا إلى شبهه بالجزاء. "فتح" اهـ (٢:٣)، فافهم فإن مدارك الحنفية دقيقة جدا. قوله: مَّ ◌ُّه فى حديث أبى شريح هذا: ((إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس)) استدل به على اشتراط الإحرام على من دخل الحرم. قال القرطبى: معنى قوله: ((حرمه الله))، أى يحرم على المرأ دخوله حتى يحرم، ويجرى هذا مجرى قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾، أى وطؤهن ﴿وحرمت عليكم الميتة﴾، أى أكلها. فعرف الاستعمال يدل على تعيين المحذوف. قال: وقد دل على صحة هذا المعنى اعتذاره عن دخول مكة غير محرم مقاتلا بقوله: (وإن أحد ترخص لقتال رسول الله عَ ◌ّ فقولوا: إن الله أذن لرسوله معرّ له ولم يأذن لكم)، ((وإنما أذن لى ساعة من نهار))، وفى لفظ: ((ولم تحل لى إلا ساعة من نهار)) الحديث. قال: وبهذا أخذ مالك، والشافعى فى أحد قولهيهما، ومن تبعهما فى ذلك، فقالوا: لا يجوز لأحد أن يدخل مكة إلا محرما، إلا إذا كان ممن يكثر التكرار. (كمن هو دون المواقيت عندنا، وما قاله مالك والشافعی فی أحد قوليهما قال به أبو حنيفة رواية واحدة). "فتح البارى" (٤٤:٤). واستدل به على تحريم القتل والقتال بالحرم، فأما القتل فنقل بعضهم الاتفاق على جواز إقامة حد القتل فيها على من أوقعه فيها، وخص الخلاف بمن قتل فى الحل ثم لجأ إلى الحرم، وممن نقل الإجماع على ذلك ابن الجوزى، واحتج بعضهم بقتل ابن الحطل بها، ولا حجة فيه؛ لأن ذلك كان فى الوقت الذى أحلت فيه للنبى معَّ له. وزعم ابن حزم أن مقتضى قول ابن عمر وابن عباس وغيرهما أنه لا يجوز القتل فيها مطلقا، ونقل التفصيل عن مجاهد، وعطاء. وقال أبو حنيفة: لا يقتل فى الحرم حتى يخرج إلى الحل باختياره، لكن لا يجالس ولا يكلم ويوعظ ويذكر. وقال أبو يوسف: يخرج مضطرا إلى الحل، وفعله ابن الزبير. وروى ابن أبى شيبة من طريق طاوس عن ٤١٠ حرمة صيد الحرم وشجره ونباته وحشيشه إلا الإذخر إعلاء السنن ٢٩٦٢- عن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: لما فتح الله على رسوله مكة قام النبى عَِّ فيهم، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ((إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وأنها أحلت لى ساعة من نهار، ثم بقى حراما إلى يوم القيامة، لا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يختلى خلاها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد»، فقال العباس: إلا الإذخر، فإنه لقبورنا وبيوتنا. فقال عليه الصلاة والسلام: ((إلا الإذخر)). أخرجه الستة. "زيلعى" (٥٤١:١). ابن عباس: من أصاب حدا ثم دخل الحرم لم يجالس ولم يبايع وعن مالك والشافعى: يجوز إقامة الحد مطلقا؛ لأن العاصى هتك حرمة نفسه، فأبطل ما جعل الله له من الأمن. وأما القتال فقال الماوردى: من خصائص مكة أن لا يحارب أهلها، فلو بغوا على أهل العدل فإن أمكن ردهم بغير قتال لم يجز، وإن لم يمكن إلا بالقتال فقال الجمهور: يقاتلون؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى، فلا يجوز إضاعتها. وقال آخرون: لا يجوز قتالهم، بل يضيق عليهم إلى أن يرجعوا إلى الطاعة اهـ ملخصا من "فتح البارى" (٤: ٤١). وموضع البسط أبواب الجهاد، وسنستوفى الكلام فى المسألة هناك إن شاء الله تعالى. قوله مَّ له: ((ولا يعضد بها شجرة)) أى لا يقطع. قال القرطبى: خص الفقهاء الشجر المنهى عن قطعه بما ينبته الله تعالى من غير صنع آدمى، فأما ما ينبت بمعالجة آدمى فاختلف فيه، والجمهور على الجواز. وقال الشافعى: فى الجميع الجزاء، ورجحه ابن قدامة، واختلفوا فى جزاء ما قطع من النوع الأول، فقال مالك: لا جزاء فيه بل يأثم، وقال عطا: يستغفر. وقال أبو حنيفة: يؤخذ بقيمته هدى. وقال الشافعى: فى العظيمة بقرة، وفيما دونها شاة. واحتج الطبرى بالقياس على جزاء الصيد، وتعقبه ابن القصار بأنه كان يلزمه أن يجعل الجزاء على المحرم إذا قطع شيئا من شجر الحل، ولا قائل به (قلت: وحجة الشافعى أثر عمر وسيأتى). وقال ابن العربى: اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم، إلا أن الشافعى أجاز قطع السواك من فروع الشجرة، كذا نقله أبو ثور عنه، وأجاز أيضا أخذ الورق والثمر إذا كان لا يضرها ولا يهلكها، وبهذا قال عطاء، ومجاهد، وغيرهما، وأجازوا قطع الشوك؛ لأنه يؤذى بطبعه فأشبه الفواسق، ومنعه الجمهور لما فى حديث ابن عباس بلفظ: ((ولا يعضد شوكه))، وصححه المتولى من الشافعية. وأجابوا بأن القياس المذكور فى مقابلة النص، فلا يعتبر به حتى ولو لم يرد النص على تحريم الشوك لكان فى تحريم قطع الشجر دليل على ٤١١ ج - ١٠ حرمة صيد الحرم وشجره ونباته وحشیشه إلا الإذخر ٢٩٦٣- عن طاوس، عن ابن عباس: أن رسول الله عَّ له قال يوم فتح مكة: ((إن هذا بلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلى، ولم يحل لى إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها)). قال العباس: يا رسول الله! إلا الإذخر؛ فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال: (إلا الإذخر)). أخرجه البخارى واللفظ له. "فتح البارى" (٤٢:٤). والأئمة الستة فى كتبهم. "زيلعی" (٥٤١:١). ٢٩٦٤- أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، قال: سمعت عطاء یقول: سئل ابن عباس رضى الله عنهما عن صيد الجراد من الحرم، فقال: لا، ونهى عنه. قال: أما قلت له أو رجل من القوم: فإن قومك يأخذونه وهم محتبون (وفى لفظ: منحنون) فى المسجد؟ تحريم قطع الشوك؛ لأن غالب شجر الحرم كذلك. ولقيام الفارق أيضا؛ فإن الفواسق المذكورة تقصد بالأذى بخلاف الشجر. قال ابن قدامة: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقطع من الشجر بغير صنع الآدمى، ولا بما يسقط من الورق نص عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافا اهـ من "فتح البارى" (٣٨:٤). قوله معَّ فى حديث ابن عباس: ((ولا يختلى خلاها)»، وهو بالقصر والمد الرطب من النبات، واختلاءه قطعه، واستدل به على تحريم رعيه لكونه أشد من الاحتشاش، وبه قال مالك والكوفيون واختاره الطبرى. وقال الشافعى: لا بأس بالرعى لمصلحة البهائم وهو عمل الناس، بخلاف الاحتشاش فإنه المنهى عنه، فلا يتعدى ذلك إلى غيره. وفى تخصيص التحريم بالرطب إشارة إلى جواز رعى اليابس واختلائه، وهو أصح الوجهين للشافعية. قال ابن قدامة: لكن فى استثناء الإذخر إشارة إلى تحريم اليابس من الحشيش، ويدل عليه أن فى بعض طرق حديث أبى هريرة: ((ولا يحتش حشيشها)). قال: وأجمعوا على أخذ ما استنبته الناس فى الحرم من بقل وزرع ومشموم (لشبهه بالأهلى من الحيوانات)، فلا باس برعيه واختلائه. اهـ من "فتح البارى" (٤٢:٤). قوله: "أخبرنا سعيد إلخ دلالته على حرمة صيد الجراد من الحرم ظاهرة. ولا يخفى أنه من صيد الحل ولكن صار فى حكم صيد الحرم بدخوله الحرم وهذا هو المذهب عندنا. ٤١٢ حرمة صيد الحرم و شجره و نباته وحشیشه إلا الإذخر إعلاء السنن فقال: لا يعلمون. اخرجه الإمام الشافعى فى "مسنده" (٨٠)، وسنده حسن فإن فى سعيد مقالا. ٢٩٦٥- أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء: أن عثمان بن عبيد الله بن حميد قتل ابن له حمامة، فجاء ابن عباس، فقال له ذلك، فقال ابن عباس: تذبح شاة فتصدق بنها، قال ابن جريج: فقلت لعطاء: أ من حمامة مكة؟ قال: نعم. أخرجه الإمام الشافعی فی "مسنده" (٨٠)، وسنده حسن. ٢٩٦٦- عن عطاء: أن رجلا أغلق بابه على حمامة وفرخيها، ثم انطلق إلى عرفات ومنى، فرجع وقد موتت، فأتى ابن عمر، فجعل عليه ثلاثا من الغنم، وحكم معه رجل آخر. أخرجه ابن أبى شيبة، والبيهقى، وسكت عنه الحافظ فى "التلخيص" (٢٢٩:١)، فهو حسن أو صحيح، وتقدم حديث عمر من طريق نافع بن عبد الحارث: أنه تسبب فی قتل حمامة بمكة، فحکم علیه نافع و عثمان بعنز ثنية عفراء. وسنده حسن. ٢٩٦٧- عن عبد الله بن عمر العمرى، عن أبيه، قال: قدمنا ونحن غلمان مع حفص بن عاصم، فأخذنا فرخا بمكة فى منزلنا، فلعبنا به حتى قتلناه. فقالت له امرأته عائشة بنت مطيع بن الأسور، فأمر بكبش، فتصدق له. أخرجه ابن أبى شيبة، وسكت عنه الحافظ فى "التلخيص" (٢٢٩:١)، فهو حسن أو صحيح. قوله: "أخبرنا سعيد" إلى آخر الباب، دلالة الآثار على حرمة صيد الحرم ووجوب الجزاء بقتله ظاهرة، فبطل قول من قال: لا جزاء فيه. وكذا دلالة أثر مجاهد المرسل، وأثر ابن الزبير الموقوف عليه، على وجوب الجزاء بقطع شجر الحرم صغيرها وكبيرها ظاهرة، والشافعى رحمه الله أخذ بظاهره، فأوجب فى الدوحة الكبيرة بقرة، وفى الصغيرة شاة، وحمله أبو حنيفة رحمه الله على التقدير تقويما، فالواجب عنده قيمة الشجرة، فيشترى بها هدى يذبح فى الحرم، ويتصدق بلحمه على مساكينه إن بلغت هديا، أو طعام يتصدق به على كل مسكين نصف صاع، ولا يجزئه الصوم عنده كما تقدم. قال الموفق فى "المغنى": أجمع أهل العلم على تحريم قطع شجر الحرم البرى الذى لم ينبته الآدمى، وعلى إباحة أخذ الإذخر وما أنبته الآدمى من البقول والزروع والرياحين، حكى ذلك ابن المنذر، والأصل ما روينا من حديث ابن عباس، وروى أبو شريح وأبو هريرة بنحوه، والكل متفق ٤١٣ ج - ١٠ حرمة صيد الحرم وشجره ونباته وحشيشه إلا الإذخر ٢٩٦٨- مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه كان يقول: فى حمام مكة إذا قتلن شاة. رواه البيهقى، ورواه ابن أبى شيبة عن أبى خالد الأحمر، وعن عبدة، كلاهما عن يحيى بن سعيد نحوه. "التلخيص الحبير" (٢٢٩:١)، وسند ابن أبى شيبة صحیح. ٢٩٦٩- عن داود بن شابور، عن مجاهد، عن النبى عدّ ه، أنه قال: ((فى الدوحة الكبيرة إذا قطعت من أصلها بقرة)). رواه سفيان بن عيينة، قاله الماوردى. "التلخيص الحبير" (٢٢٩:١). قلت: داود هذا من رجال الترمذى والنسائى، ثقة من السادسة. "تقريب" (٥٤)، والأثر مرسل، ومراسيل مجاهد حسان كما مر فى المقدمة. عليه. وفى حديث أبى هريرة: ((أ لا وأنها ساعتى هذه حرام، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها)). وروى الأثرم حديث أبى هريرة، وفيه: ((لا يعضد شجرها، ولا يحتش حشيشها، ولا يصاد صيدها)). فأما ما أنبته الآدمى من الشجر فقال أبو الخطاب وابن عقيل: له فلعله من غير ضمان كالزرع. وقال الشافعى: فى شجر الحرم الجزاء بكل حال، أنبته الآدميون أو نبت بنفسه. وقال أبو حنيفة: لا جزاء فيما أنبت الآدميون جنسه، كالجوز، واللوز، والنخل ونحوه، ولا فيما أنبته الآدمى من غيره، كالدوح، والسلم ونحوه؛ لأن الحرم يختص تحريمه ما كان وحشيا من الصيد كذلك الشجر، ويجب الضمان فى إتلاف شجر الحرم وحشيشه، وبه قال الشافعى وأصحاب الرأى. وقال مالك، وأبو داود، وابن المنذر: لا يضمن؛ لأن المحرم لا يضمنه فى الحل، فلا يضمن فى الحرم كالزرع. قال ابن المنذر: لا أجد دلالة أوجب بها فى شجر الحرم فرضا من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، وأقوال، كما قال مالك، نستغفر الله تعالى. ولنا ما روى أبو هشيمة قال: رأيت عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه أمر بشجر كان فى المسجد يضر بأهل الطواف فقطع وفدا. قال: وذكر البقرة. رواه حنبل فى "المناسك". وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: فى الدوحة بقرة، وفى الجزلة (أى الصغيرة) شاة. ونحوه عن عطاء، ولأنه ممنوع عنه لحرمة الحرم، فضمن كالصيد، ويخالف المحرم فإنه لا يمنع من قطع شجر الحل ولا زرع الحرم، إذا ثبت هذا فإنه يضمن الشجرة الكبيرة ببقرة. والصغيرة بشاة، والحشيش بقيمته، والغصن بما نقص، وبه قال الشافعى. وقال أصحاب الرأى: يضمن الكل بقيمته، وعن أحمد مثل ذلك اهـ ملخصاً (٣: ٣٦٤ و ٣٦٧). واعلم أن عطاء قد اختلف عليه فى هذه المسألة، فروى هشيم عن شيخ عنه: أن المحرم إذا ٤١٤ حرمة صید الحرم وشجره و نباته وحشیشه إلا الإذخر إعلاء السنن ٢٩٧٠- عن ابن الزبير: فى الشجرة النامية الكبيرة بقرة، وفى الصغيرة شاة. ذكره الإمام الشافعى، ولم يذكر له إسنادا. "التلخيص الحبير" (٢٢٩:١). ٢٩٧١- عن هشيم، عن شيخ، عن عطاء، أنه كان يقول: المحرم إذا قطع شجرة عظيمة من شجرة الحرم فعليه بدنة. أخرجه سعيد بن منصور، وفى سنده رجل لم يسم. "التلخيص الحبير" (٢٢٩:١). ٢٩٧٢ - أبو حنيفة عن حماد، والهيثم، عن نافع، عن ابن عمر رضى الله عنهما، أنه قال: إذا رمى الرجل فى الحرم فأصاب فى الحل فعليه الجزاء، وإذا رمى فى الحل فأصاب فى الحرم فعليه الجزاء. أخرجه الحافظ ابن خسرو فى مسنده للإمام، وسنده صحيح. "جامع المسانيد" (٥٤٩:١). قطع شجرة عظيمة من شجر الحرم فعليه بدنة. وعن حجاج هو ابن أرطاة عنه قال: يستغفر الله، ولا يعود. كذا فى "التلخيص الحبير" (٢٢٩:١) ولكن الشافعى نسب إلى عطاء القول بوجوب الجزاء كما فى "التلخيص" أيضا، وهذا يدل على ترجيح الرواية الأولى على الثانية، وفيها ابن أرطاة متكلم فيه كما ترى، وفى الأولى رجل لم يسم، فهما متساويان سندا، وترجحت الأولى بموافقتها لأقوال الصحابة رضى الله عنهم، منهم عمر ابن الخطاب رضى الله تعالى عنه، وناهيك بهم قدوة. قوله: "أبو حنيفة" إلخ، قلت: دلالته على وجوب الجزاء فى صيد الحرم سواء كان الصائد فى الحرم والصيد فى الحل أو بالعكس ظاهرة، وهو المذهب قال المحقق فى "الفتح": ويلزم الجزاء برمى الحلال من الحرم صيدا فى الحل، كما يلزم فى عكسه؛ لقوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾، وهو يعم المحرم والداخل فى الحرم كليهما، وكذا إرسال الكلب، اهـ ملخطا (٣٨:٣). قال الموفق فى "المغنى": إذا رمى الحلال من الحل صيدا فى الحرم فقتله، أو أرسل كلبه عليه فقتله، أو قتل صيدا على فرع فى الحرم أصله فى الحل ضمنه، وبهذا قال الثورى، والشافعى، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأى. وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى: لا جزاء عليه فى جميع ذلك، لأن القائل حلال فى الحل. وهذا لا يصح فإن النبى معَ ◌ّه قال: ((لا ينفر صيدها))، ولم يفرق بين من هو فى الحل والحرم، وقد أجمع المسلمون على تحريم صيد الحرم، وهذا من صيده، ولأن صيد الحرم معصوم بمحله بحرمة الحرم، وإن انعكست الحال فرمى من الحرم صيدا فى الحل أو أرسل كلبه عليه من الحرم، فلا ضمان عليه كما فى الحل، وعن أحمد رواية ٤١٥ ج - ١٠ مسائل شتی تتعلق بالحج باب لا يجوز قصر الصلاة بمنى لأهل مكة ومن مثلهم من المقيمين ٢٩٧٣- أخبرنا سعيد بن عبيد الطائى، عن على بن ربيعة الوالبى، قال: سألت عبد الله بن عمر إلى كم تقصر الصلاة؟ فقال: أتعرف السويداء؟ قال: قلت: لا، ولكنى قد سمعت بها، قال: هى ثلاث ليال قواصد، فإذا خرجنا إليها قصرنا الصلاة. رواه الإمام محمد بن الحسن فى "الآثار" له (٦٢)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين غير محمد، فلم يخرجا له وهو ثقة إمام. أخرى: فى جميع الصور يضمن، وعن الشافعى ما يدل عليه اهـ (٣٦١:٣). قلت: ومذهب أبى حنيفة وجوب الجزاء، فى جميع الصور المذكورة، ويؤيده أثر ابن عمر : المذكور فى المتن، فالأصل فى هذه المسائل أن تفويت الأمن على الصيد يوجب الجزاء، والأمن يكون بثلاثة أشياء: بإحرام الصائد، أو دخوله فى أرض الحرم، أو دخول الصيد فيه. قاله المحقق فى "الفتح" (٣-٣٢) وبه سقط ما قاله الموفق فى "المغنى": ولأن الجزاء إنما يجب فى صيد الحرم أو صيد المحرم، وليس هذا بواحد منهما. اهـ (٣٦١:٣). فإن الداخل فى الحرم كالمحرم عندنا، لدخوله فى عموم قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ كما تقدم، ولأثر ابن عمر هذا فافهم، والله تعالى أعلم. باب لا يجوز قصر الصلاة بمنى لأهل مكة ومن هو مثلهم من المقيمين قوله: "أخبرنا سعيد بن عبيد" إلخ، قلت: هذا أصرح ما روى عن ابن عمر فى تحديد المسافة لقصر الصلاة بمسيرة ثلاثة أيام، وقد ورد عنه غير ذلك، وقد استوفينا الكلام فيه فى الجزء السابع من هذا الكتاب، وبينا وجه الجمع بين ما ورد عنه فى هذا الباب، ويقرب منه ما علقه البخارى: وكان ابن عمر وابن عباس رضى الله عنهم بقصران ويقطران فى أربعة برد. وصله ابن المنذر وغيره كما فى "فتح البارى" (٢-٤٦٦)، فإن أربعة برد مسافة ثلاثة أيام بلياليها بسير وسط كما هو ظاهر، وتأيد ذلك بقوله مرّ له: ((يمسح المسافر ثلاثة أيام)) سيق لبيان الرخصة للمسافر، فيعم جميع المسافرين، فلو ثبت حكم السفر فى أقل من ثلاثة أيام لم يعم الرخصة الجميع، وقد أجمعت الأئمة الأربعة على تحديد مسافة القصر، فلا يجوز القصر إلا فى مسيرة مرحلتين بسير الأثقال، وذلك ٤١٦ لا يجوز قصر الصلاة بمنى لأهل مكة إعلاء السنن يومان أو يوم وليلة ستة عشر فرسخا أربعة برد (أى ثمانية وأربعين ميلا، والميل اثنا عشر ألف قدم، كذا فى "المغنى" (٩١:٦) عند مالك، والشافعى، وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا تقصر فى أقل من ثلاث مراحل. (قلت: بل فى أقل من مسيرة ثلاثة أيام لياليها، ولا عبرة بالمراحل والأميال عنده، كما قدمناه فى الجزء السابع من الكتاب، وعلى هذا فلا مخالفة بين ما قاله والثلاثة إلا فى اللفظ دون المعنى)، وقال الأوزاعى: تقصر فى مسيرة يوم. وقال داود: يجوز القصر فى طويل السفر وقصيره. كذا فى "رحمة الأمة" (٢٧). قلت: ولا عبرة بمن شذ عن الجماعة، فإن الإجماع اللاحق يرفع الخلاف السابق، ولا يجوز لمن بعده خرقه، إذا تقرر هذا فمقتضاه أن لا يجوز لأهل مكة ومن مثلهم من المقيمين بها قصر الصلاة بعرفة، لقلة المسافة بين مكة وبينها؛ فإنها لا تزيد على اثنى عشر ميلا، وأولى أن لا يجوز بمنى؛ فإنها على ثلاثة أميال منها، ولا قائل بجواز القصر فى مثل هذه المسافة من الأئمة. ويؤيده ما أخرجه الدار قطنى وابن أبى شيبة من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه، وعطاء عن ابن عباس: أن رسول الله عَّ ◌ُلّه قال: ((يا أهل مكة! لا تقصروا الصلاة فى أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان)). قال الحافظ فى "الفتح": وهذا إسناد ضعيف من أجل عبد الوهاب اهـ (٢-٣٦٧). قلت: نعم، ولكنه تأيد بما رواه مالك فى "الموطأ" من طريق عطاء: أن ابن عباس سئل أتقصر الصلاة إلى عرفة؟ قال: لا، ولكن إلى عسفانَ أو إلى جدة والطائف اهـ. والمرفوع الضعيف إذا تأيد بقول صحابى بسند صحيح تقوى، وهذا كذلك لا سيما وقد تأيد بالإجماع على عدم جواز القصر فى أقل من أربعة برد كما عرفته؛ واختلف السلف فى المقيم بمنى هل يقصر أو يتم؟ بناء على أن القصر بها للسفر أو للنسك، واختار الثانى مالك، وتعقبه الطحاوى بأنه لو كان كذلك لكان أهل منى يقصرون، ذكره الحافظ فى "الفتح" (٤٦٤:٢). وقال ابن بطال: اتفق العلماء على أن الحاج القادم مكة يقصر الصلاة بها وبمنى وسائر المشاهد؛ لأنه عندهم فى سفر؛ لأن مكة ليست دار إقامة إلا لأهلها، أو لمن أراد الإقامة بها، وكان المهاجرون قد فرض عليهم ترك المقام بها، فلذلك لم ينو رسول الله عَ ليه الإقامة بها ولا بمنى قال: واختلف العلماء فى صلاة المكى بمنى، فقال مالك: يتم بمكة، ويقصر بمنى، وكذلك أهل منى يتمون بمنى، ويقصرون بمكة وعرفات. قال: وهذه المواضع مخصوصة بذلك؛ لأن النبى مآ لما قصر بعرفة لم يميز من وراءه، ولا قال لأهل مكة: ((أتموا))، وهذا موضع بيان. وقال أكثر أهل العلم ٤١٧ لا يجوز قصر الصلاة بمنى لأهل مكة ج - ١٠ منهم عطاء، والزهرى، والثورى، والكوفيون، وأبو حنيفة، وأصحابه، والشافعى، وأحمد، وأبو ثور: لا يقصر الصلاة أهل مكة بمنى وعرفات؛ لانتفاء مسافة القصر وقال الطحاوى: ليس الحج موجبا للقصر؛ لأن أهل منى وعرفات إذا كانوا حجاجا أتموا، وليس هو متعلقا بالموضع، وإنما هو متعلق بالسفر، وأهل مكة مقيمون هناك لا يقصرون، وكذلك الحاج. ذكره اليعنى فى "العمدة" (٥٣١:٣). قلت: وهذا هو الصحيح، ولم يقصر النبى معَّم وخلفاءه الصلاة بعرفة ومنى إلا لكونهم مسافرين، لا لأن القصر سنة الحج، ألا ترى أن عثمان رضى الله عنه لما تأهل بمكة أتم الصلاة بمنى وعرفات. فإن قيل: إن الناس قد أنكروا ذلك منه. قلنا: أنكروا قبل علمهم بسبب إتمامه، وأما بعده فلا، ومن ادعى فعليه البيان. وأما أهل البغى والفساد من البلويين فلا عبرة بإنكارهم أصلا؛ فإنهم قد أنكروا ما أجمع الناس عليه من حسناته رضى الله عنه، ﴿فجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين﴾. وقد بينا فى الجزء السابع من الكتاب أن الراجح فى سبب إتمام عثمان الصلاة بمنى وعرفات ما ذكره هو بنفسه، وهو تأهل بمكة، وانقطاع حكم سفره بالوصول إلى وطن أهله المقيم به، وذكرنا هناك صلاحية الحديث المروى عنه فى ذلك للاحتجاج به. وأيضا لو كان قصره عَّ الصلاة بمنى وبعرفات لكونه من نسك الحج، لكان أهل منى وعرفات یقصرون بمنی وعرفات، ولا قائل به. وأما قوله: إن النبى معَّ لما قصر بعرفة لم يميز من وراءه، ولا قال لأهل مكة: ((أتموا)). فنقول: فما تقول فى أهل عرفات أنهم قصروا بعرفات أم أتموا؟ وكذلك أيش تقول فى أهل منى، هل قصروا الصلاة بمنى حين قصرها النبى معَّ بها أم أتموا؟ فإن قلت: قصروا - وما أظنك قائلا به- فقد نقضت قولك، وخالفت ما ذهبت إليه من وجوب الإتمام على أهل عرفات بعرفات، وأهل منى بمنى. وإن قلت: بأنهم أتموا، فنقول: كيف أتموا ولم يميز النبى عَّه من وراءه، ولم يقل لهم: ((أتموا))؟ فما هو جوابك فى هؤلاء فهو جوابنا فى أهل مكة. هذا، وقد ثبت عنه مګ انه لما قصر الصلاة بمكة عام الفتح قال لأهلها: ((اتموا صلاتكم فإنا قوم سفر)) فلم يكن له حاجة إلى تكرار البيان، لعلمه بما عليه أصحابه من المحافظة على الصلاة وأحكامها، فالحق ما عليه الجمهور أن القصر بمنى وعرفات كان للسفر، لا لكونه من مناسك الحج، وليس لما لك رحمه الله تعالى دليل ناهض يدل على ما قاله. ولا يجوز للمقيم ولمن خرج من داره إلى مسافة قريبة أن يقصر من الصلاة بمجرد ٤١٨ لا يجوز قصر الصلاة بمنى لأهل مكة إعلاء السنن الاحتمال، ما لم يتبين له من الشارع جواز ذلك له؛ فإن الصلاة من أفضل ما يحافظ عليه من العبادات، وأعظم ما يحتاط له من الطاعات: ﴿إِن الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾. ﴿حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى﴾ فافهم. قال الموفق فى "المغنى": فأما قصر الصلاة فلا يجوز لأهل مكة، وبهذا قال عطاء، ومجاهد، والزهرى، وابن جريج، والثورى، ويحيى القطان، والشافعى، وأصحاب الرأى، وابن المنذر. وقال القاسم بن محمد، وسالم، ومالك، والأوزاعى: لهم القصر؛ لأن لهم الجمع، فكان لهم القصر كغيرهم. ولنا أنهم فى غير سفر بعيد، فلم يجز لهم القصر كغير من فى عرفة ومزدلفة. قيل لأبى عبد الله: فرجل أقام بمكة ثم خرج إلى الحج؟ قال: إن كان لا يريد أن يقيم بمكة إذا رجع صلى ثم ركعتين، وذكر فعل ابن عمر قال: لأن خروجه إلى منى وعرفة ابتداء سفر، فإن عزم على أن يرجع فيقيم بمكة أتم بمنى وعرفة اهـ (٤٢٧:٣). والعجب من أهل النجد أنهم مع ادعائهم لتقليد الإمام أحمد بن حنبل كيف تركوا فى ذلك قوله، وأخذوا بقول مالك؟ وجعلوهم وإمامهم المكى يقصرون الصلاة بعرفة ومنى، وخلف الإمام جماعة عظيمة من الحنفية والشافعية والحنابلة القائلين بعدم جواز القصر لأهل مكة والمقيمين بها؟ فصلاة هذا الإمام فاسدة عندهم لكونه غير مسافر مسيرة القصر، وفساد صلاة الإمام يوجب فساد صلاة المقتدين أجمعين، ولا يخفى ما فى ذلك من المفسدة العظيمة التى تقشعر لها الجلود، وترتاع من تصورها القلوب، فالله يهديهم ويصلح بالهم، ويوفقهم لمراعاة المذاهب كلها، لا سيما فى أمر الصلاة التى هى عماد الدين، لا يرضى بالتهاون بأمرها أحد من تسلمين. وأما ما قاله المحشى السيد محمد رشيد رضا فى حاشيته "للمغنى" ونصه: التحقيق أنه لا فرق بين السفر القريب والبعيد، بل الرخصة منوطة بالسفر مطلقا، كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية فى رسالة له طويلة فى رخص السفر اهـ. فكلام لا يعبأ به، ولا يلتفت إليه، وكيف يقول مسلم فضلا عن محقق بذلك؟ وقد عرف من عادته معَّ خلّ أنه كان يأتى قباء فى كل شهر أربع مرات أو مرتين، وكذا أهل قباء وأهل العوالى كانوا يأتون المدينة، ولم يثبت أنهم قصروا الصلاة فى مثل هذه المسافة القريبة مرة فى الدهر، وقد أجمعت الأئمة الأربعة ومن تبعهم على عدم جواز القصر فى أقل مسيرة أربعة يرد، فارتفع الخلاف السابق بهذا الإجماع، ولا يجوز ج - ١٠ ٤١٩ باب إذا قضى حجه فليعجل الرحلة إلى أهله وما يقول عند الوصول إليهم وما يفعلون ٢٩٧٤- عن عائشة رضى الله عنها مرفوعا: قال رسول الله عَ ليه: ((إذا قضى أحدكم حجه فليعجل الرحلة إلى أهله، فإنه أعظم لأجره)). أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٣٢٠:٤)، وصححه على شرط الشيخين، وأقره عليه الذهبى فى "تلخيصه". ٢٩٧٥- عن أنس، قال: أقبلنا مع النبى معَّل أنا وأبو طلحة وصفية رديفته على ناقته، حتى إذا كنا بظهر المدينة قال: ((آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون»، فلم يزل يقول ذلك حتى قدمنا المدينة. رواه مسلم، والنسائى. "نزل الأبرار" (٣٣٨). لمن بعدهم خرقه كما تقدم. وأما من لا يعتد بالإجماع، ويجوز اجتماع الأمة على الضلالة، أو لا يعرف حقيقة الإجماع ويستحيل وقوعه، فعداده فى أهل الظاهر أجدر وأحرى من إدخاله فى أهل المعانى وأصحاب التحقيق من العلماء، فافهم والله يتولى هداك. وحقيقة الإجماع ما ذكره الموفق فى "المغنى" فى مسئلة عدم جواز شراء الأرض الموقوفة ولا بيعها مستدلا بقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه بمحضر من الصحابة ونصه: هذا قول عمر فى المهاجرين والأنصار بمحضر سادة الصحابة وأتمتهم، فلم ينكر فكان إجماعا، ولا سبيل إلى وجود إجماع أقوى من هذا وشبهه، إذ لا سبيل إلى نقل قول جميع الصحابة فى مسألة، ولا إلى نقل قول العشرة، ولا يوجد الإجماع إلا القول المنتشر اهـ (٥٨٥:٢). والذين أنكروا إمكان الإجماع لم يتنبهوا لهذا المعنى، وحاسبوا فى أنفسهم حسابات شتی، فافهم ولا تکن من الغافلين. باب إذا قضی حجه فلیعجل الرحلة إلى أهله، وما يقول عند الوصول إليهم وما يفعلون قوله: "عن عائشة إلى آخر الباب"، دلالة الآثار على أجزاء الباب ظاهرة. وإنما أمر الحاج بالتعجيل إلى أهله إذا قضى حجه، لأن لهم عليه حقا، فلا ينبغى أن يؤذيهم بطول غيبته عنهم، ولأن الحاج إذ فرغ من حجه تتوق نفسه إلى أهله، كما هو مشاهد من حال أكثر الناس، ولا ينبغى ٤٢٠ إذا قضى حجه فليعجل الرحلة إلى أهله وبيان ما يقول لهم إعلاء السنن ٢٩٧٦- عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: كان عَّه إذا قدم من سفر فرأى أهله قال: ((أوبا أوبا إلى ربنا توبا، لا يغادر علينا حوبا)). أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٤٨٨:١). وصححه، وأقره عليه الذهبى. وفى "مجمع الزوائد": رواه أحمد، والطبرانى، وأبو يعلى، والبزار، ورجالهم رجال الصحيح. "نزل الأبرار" (٣٣٨). ٢٩٧٧- عن عائشة رضى الله عنها، قالت: أقبلنا من مكة فى حج أو عمرة، وأسيد بن حضير يسير بين يدى رسول الله عَّه، فتلقانا غلمان من الأنصار، وكانوا يتلقون أهاليهم إذا قدموا. أخرجه الحاكم فى "المستدرك" أيضا (٤٨٨:١). وصححه على شرط مسلم، وأقره الذهبى. ٢٩٧٨- عن ابن عمر مرفوعا: ((إذا لقيت الحاج فسلم عليه وصافحه، ومره أن يستغفر لك قبل أن يدخل بيته؛ فإنه مغفور له)). رواه أحمد فى "مسنده". "كنز العمال" (٣:٣). وهو حسن أو صحيح. ٢٩٧٩- عن عمر رضى الله عنه، قال: تلقوا الحاج والعمار والغزاة، فليدعوا لكم قبل أن يتدنسوا. رواه ابن أبى شيبة. "كنز العمال" (٢٧:٣). المقام بمكة والحال هذه، وإنما يقيم بها ما أئتلف قلبه بها، فإذا اختلف فلیرتحل؛ کیلا یصاب ويبتلى بسوء الأدب مع بيت الله وشعائر عظمته فافهم. ومن هنا كره الإمام المجاورة بمكة المعظمة؛ لكون المرأ يؤخذ هناك بالإرادة والهم وإن لم يعمل؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾. وحديث عائشة هذا صالح للاحتجاج به على المسئلة، والله تعالى أعلم. وفى الآثار دلالة على استحباب تلقى الحجاج، وطلب الدعاء منهم، وعليه عمل الصالحين من المؤمنين. وروى مسدد وابن أبى شيبة عن عمر رضى الله عنه قال: يغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج بقية ذى الحجة والمحرم وصفر وعشرا من ربيع الأول. كذا فى "كنز العمال" (٢٧:٣). ولم أقف على أسانيد بعض هذه الآثار، ولا بأس بمثلها فى فضائل الأعمال، والحمد لله العلى المتعال.