Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ غسل الميت وطريقه إعلاء السنن قلت: رجاله رجال الجماعة إلا أن الأولين من مدلسى المرتبة الثالثة اختلف فى الاحتجاج بهم إذا عنعنوا. وإبراهيم لم يسمع من عائشة، وقد تأيد الأثر بالذی قبله، فالإِسناد منقطع مقارب. "مشطناها" على أنها أرادت ضفرناها، لما ذكره. والله تعالى أعلم اهـ (٣٥:٨٢). وأما الكلام فى جعل شعر الأنثى ضغيرتين كما قال به فقهائنا، أو ثلاثة ضفائر، كما فعلت الصحابيات فى هذا القصة، وكذلك إلقاءه خلفها كما فى هذا الحديث (أى عند البخارى ١٩٦:١)، أو جعله على الصدر كما قال به الفقهاء فالأظهر أن هذا تابع لعادة الحياة، ولعل الرسم کان فى ذلك العصر كذلك، فاختير لها ذلك، لا لكون ذلك دينا، والأمر واسع. قال بعض الناس: والأولى هو ما فى الحديث خصوصا وقد جاء مرفوعا، كما فى فتح البارى روى سعيد بن منصور من رواية هشام عن حفصة عن أم عطية قالت: قال لنا رسول الله عَ ليه: ((اغسلنها وترا، واجعلن شعرها ضفائر)). وقال ابن حبان فى صحيحه: " ذكر البيان بأن أم عطية إنما مشطت ابنة النبى بأمره، لا من تلقاء نفسها، ثم أخرج من طريق حماد عن أيوب قال: قالت حفصة عن أم عطية: اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا واجعلن لها ثلاثة(١) قرون" (١٠٧:٣). قلت: الرواية المحفوظة التى اتفق عليها الشيخان، والجماعة إنما هى بلفظ الماضى حكاية عن فعلهن دون صيغة الأمر كما فى روايتى سعيد بن منصور، وابن حبان، فهما شاذتان قد تفرد راويهما بلفظ الأمر من بين جماعة الثقات، وبين الفعل والأمر بون بعيد، فلا يقبل الشاد، ولا يحتج به أصلا، ولم يذكر الحافظ سند سعيد وابن حبان تاما حتى ينظر من تفرد بلفظ الأمر وشذ به من بين الرواة. وقد روى هشام عن حفصة عن أم عطية (١) فى فتح البارى: قوله "ثلاثة قرون" مع قوله:"ناصيتها، وقرنيها" لا تضاد بينهما، لأن المراد بالثلاثة قرون الضفائر، والمراد بالقرنين الجانبان اهـ (أى جانبى رأسها فتح البارى). قلت: قوله: "ناصيتها وقرنيها" فى حديث "الجارى حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن هشام عن أم الهذيل عن أم عطية رضى الله عنها قالت: ضفرنا شعر بنت النبى علي تعنى ثلاثة فرون، وقال وكيع. قال سفيان: ناصيتها وقرنيها اهـ. وفى فتح البارى: ورواية وكيع وصلها الإسماعينى بهذه الزيادة، وزاد ثم ألقيناه خلفها" ج - ٨ غسل الميت وطريقه ٢٢٢ عند البخارى (١٠٧:٣) والنسائى (٢٦٦:١) بلفظ الماضى حكاية عن الفعل، وكذا رواه حماد بن زيد عن أيوب عن حفصة عن أم عطية عند البخارى، ومسلم، والنسائى بلفظ: قالت أم عطية: (١) "وجعلنا رأسها ثلاثة قرون" بصيغة الفعل دون الأمر أيضا هذا هو المحفوظ عن هشام، وحماد. ولا أدرى من تفرد عنهما باللفظ الذى أخرجه سعيد، وابن حبان. وأيضا فإن النصو والتضفير بثلاث ضفائر من باب الزينة لا يحتاج إليه إلا للزينة، وهذه ليست بحال زينة. فإن قيل: لا نسلم أنها ليست بحال زينة لما روى عن النبى عرّ له أنه قال: ((اصنعوا موتا کم ما تصنعون بعرائسکم» ذكره الرافعی فی شرح الوجيز. قلت: قال الحافظ فى التلخيص الحبير: تعقبه ابن الصلاح بقوله: "بحثت عنه فلم أجده ثابتا" وقال أبو شامة فى كتاب السواك: "هذا الحدیث غير معروف" اهـ. وقد روى عن محمد بن أبى عدى عن حميد عن بكر هو ابن عبد الله المزنى (وهو من الطبقة الوسطى من التابعين. تق) قال: قدمت المدينة، فسألت عن غسل الميت، فقال بعضهم: "اصنع بميتك كما تصنع بعروسك غير أن لا تجلو" وأخرجه أبو بكر المروزى فى كتاب الجنائز له، وزاد فيه: "فدلونى على بنى ربيعة فسألتهم، فذكره، وقال: غير أن(٢) لا تنور". وإسناده صحيح ولكن ظاهره الوقف أهـ (١٥٤:١). ولا حجة فيه، لأن القائل بذلك مجهول لم يدر أنه صحابى أو تابعى، وأيضا فمعناه أصنع فى غسل ميتك من التنظيف، والتطهير، والتطبيب، كما تصنع فى غسل عروسك بقرينة كون السوال عن الغسل، وبقرينة قوله: غير أن لا تنور فإن التنوير من مقدمات الغسل أيضا، وأما التشريح والتضفير فمن باب التكفين، ومقدماته، كما لا يخفى، فلا يصح به الاستدلال على ذلك، فافهم. وأما الإلقاء خلفها فلم يرد مرفوعا، ولعلهن قسن حالة الوفاة على حالة الحياة، ولم يفعلن من حيث أنه دين، ورأى الصحابة إنما هو حجة فيما فعلوه من حيث الدين. وأيضا (١) روى عبد الرزاق من طريق أيوب عن حفصة (عن أم عطية) "ضفرنا رأسها ثلاثة قرون ناصيتها، وقرنيها، وألقيناها إلى خلفها" هذا فى فتح البارى (١٠٧:٣). (٢) أى تزيل شعره بالنورة، ونحوها. ٢٢٣ إعلاء السنن ٢٢١٠- عن: أم قيس رضى الله عنها قالت: توفى ابنى فجزعت عليه، فقلت للذى يغسله: لا تغسل ابنى بالماء البارد، فتقتله. فانطلق عكاشة بن محصن رضى الله عنه إلى رسول الله سَّ فأخبره بقولنا فتبسم، ثم قال: ما قالت: طال عمرها، فلا نعلم امرأة عمرت ما عمرت. رواه النسائى (٢٦٦:١)، وسكت عنه. باب جواز غسل المرأة زوجها الميت ٢٢١١ - عن: عبد الله بن أبى بكر "أن أسماء بنت عميس امرأة أبى بكر لم يثبت كونهن من أهل الاجتهاد، فلو فرض فعلهن من حيث الدين أيضا لما كان حجة لهذه العلة، فبقى المسئلة قياسية، ويكون فتوى الفقهاء أهل الاجتهاد فيه حجة، فافهم. كذا قال الشيخ سلمه الله تعالى. قال فى البدائع: ولنا أن إلقاءها إلى ظهرها من باب الزينة، وهذه ليست بحال زينة، ولا حجة فى حديث أم عطية، لأن ذلك كان فعل أم عطية (ومن معها). وليس فى الحديث أن النبى معَِّ علم ذلك اهـ (٣٠٨:١). لا يقال: إنهن ذلك فى حياته مَ ◌ّه ولم ينكر ما فعلنه، فكان حجة. لأنا نقول: إن أفعال الصحابة فى زمنه مَّه لا حجة فيها ما لم يثبت علمه عَّ ◌ُلّه بها، وتقريره عليها، ولم يثبت شىء من ذلك، فافهم. قوله: "عن أم قيس" إلخ. دلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة. قال الشيخ: لم ينكر عليه السلام على اهتمامها بالماء الحار، وإنما ضحك من علته التى زعمت. تتمة: فى نصب الراية (٣٤٤:١): أخرج عبد الرزاق فى مصنفه عن سلمان رضى الله عنه أنه استودع امرأته مسكا، فقال: "إذا مت فطيبونى به، فإنه يحضرنى خلق من خلق الله لا ينالون من الطعام، والشراب، يجدون الريح". وأخرج عن الحسن بن على "أنه لما غسل الأشعث بن قیس دعا بکافور، فجعله علی وجهه، وفی یدیه، ورأسه، ورجلیه، ثم قال: أدرجوه اهـ قلت: لم أقف على إسنادهما. باب جواز غسل المرأة زوجها الميت قال المؤلف: دلالة الأثر على الباب ظاهرة وقال الزرقانى (٤:٢): لا خلاف فى جواز تغسيل المرأة لزوجها، وأما تغسيله لها فأجازه الجمهور، والأئمة الثلاثة، لأَن عليا ٢٢٤ جواز غسل المرأة زوجها الميت ج - ٨ الصديق غسلت أبا بكر الصديق حين توفى، ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين فقالت: إنى صائمة وإن هذا يوم شديد البرد، فهل على من غسل؟ رضى الله عنه غسل فاطمة رضى الله عنها. ذكره فى آثار السنن، فقال: عن أسماء بنت عميس قالت. "لما ماتت فاطمة رضى الله عنها غسلتها وعلى بن أبى طالب". رواه البيهقى فى المعرفة، وإسناده حسن (١١٧:٢). وفى نيل الأوطار (٢٥٧:٣): "بإسناد حسن، ولم يقع من سائر الصحابة إنكار على على رضى الله عنه وأسماء فكان إجماعا" اهـ. وفيه أيضا: "وقال أبو حنيفة والشعبى والثورى: لا يجوز أن يغسلها" اهـ. وفى التلخيص: "إسناده حسن اهـ (١٧٠:١). ولكن دلالته على المطلوب غير ظاهرة، لما قال الشيخ: "إنه يحتمل المجاز من تسمية الإعانة على الغسل والقيام به تغسيلا" اهـ. قلت: وعدم وقوع الإنكار من سائر الصحابة إنما يصلح دليلا إذا ثبت أنهم أخبروا به ثم سكتوا، ولم يثبت، بل هو بعيد. وما كان فى زمن نزول الوحى، فيبعد قرار أحد على الخطاء، فلا حجة فى هذا الأثر. قال الشيخ: وكون المتوفاة أجنبية بالموت لازم بين لها، ومس الأجنبية حرام اتفاقا، ولا دليل على تخصيص حالة الغسل، فكيف يترك ذلك بالأثر المحتمل؟ اهـ. واستدل الخصم أيضا بما رواه ابن ماجة (ص: ١٠٧) من طريق محمد (١) بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة رضى الله عنها قالت: رجع رسول الله عَّ من البقيع، فوجد لى وأنا أجد صداعا فى رأسى، وأنا أقول: "وارأساه! فقال: بل أنا يا عائشة واراساه!" ثم قال: " ما ضرك لومت قبلى؟ فقمت عليك فغسلتك، وكفنتك، وصليت عليك، ودفنتك" اهـ. وقال السندى: وفى الزوائد: "إسناد رجاله البخارى من وجه آخر مختصرا" اهـ (١: ٢٣٠). وفى بلوغ المرام (١٠٣:١): رواه أحمد ثقات ورواه ابن ماجة، وصححه ابن حبان اهـ. وفى دلالته على المقصود نظر من وجهين، الأول ما ذكره فى نصب الراية (٣٣٩:١) ونصه: هذا ليس فيه حجة فإن هذا اللفظ لا يقتضى المباشرة. فقد يأمر بغسلها (١) أعله البيهقى بابن إسحاق، ولم ينفرد به بل تابعه صالح بن كيسان عند أحمد والنسائى. وأما ابن الجوزى فقال: لم يقل: غسلتك، إلا ابن إسحاق، وأصله عند البخارى، كذا فى "التلخيص الحبير" (١٥٤:١) ٢٢٥ جواز غسل المرأة زوجها الميت إعلاء السنن فقالوا: لا". رواه الإمام مالك فى "موطائه" (ص٧٨). وعبد الله من رجال الصحيح إلا أنه لم يدرك أسماء رضى الله عنها. اهـ. والثانى أن فيه احتمال الخصوصية لبقاء نكاحه عليه أفضل الصلاة والسلام بعد الممات، فإن أمهات المؤمنين أزواجه فى الدنيا والآخرة فافهم. قال بعض الناس: وأما استدلال أصحابنا بما فى كتاب الآثار: بلغنا عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: "نحن كنا أحق بها إذا كانت حية، فأما إذا ماتت فأنتم أحق بها". قال محمد: "وبه نأخذ" (ص: ٣٩). فلا يصح، فإنه معلق وبلاغ اهـ. قلت: قد ذكرنا فى المقدمة أن المعلق فى حكم المرسل ومرسل القرون الثلاثة مقبول عندنا لا سيما مرسل المجتهد، ومحمد من أتباع التابعين، ومن كبار المجتهدين، فكيف لا يكون تعلیقه، وبلاغه حجة؟ قلت: وعبد الله هذا فى حديث المتن هو ابن أبى بكر بن محمد عمرو بن حزم الأنصارى المدنى والأثر إسناده مرسل قوى (آثار السنن ١١٨:٢). وأخرجه البيهقى من طريق الواقدى عن ابن أخى الزهرى عن عروة عن عائشة أن أبا بكر أوصى أن تغسله أسماء بنت عميس، فضعفت، فاستعانت بعبد الرحمان". قال البيهقى: وله شواهد عن ابن أبی ملیکة عن عطاء عن سعد بن إبراهیم، و کلها مراسیل اهـ من النیل (٢٣١:١). قلت: والمرسل حجة عندنا لا سيما إذا ورد موصولا، وههنا كذلك فإن طريق الواقدى موصولة. وأما ما قاله صاحب الجوهر النقى:"إن البيهقى قال: هنا ليس بالقوى، وضعفه فى باب قتل الغيلة وغيره " اهـ (٢٦٤:١). توثيق الواقدى ففيه أن الواقدى مختلف فيه، وثقه غير واحد، كما فى مجمع الزوائد (٢٢٨:١). وفى شرح المنية: والصحیح فى الواقدى التوثيق. قال الشیخ تقی الدین ابن دقيق العيد فى الإمام: جمع شيخنا أبو الفتح الحافظ فى أول كتابه المغازى والسير (أقوال) من ضعفه ومن وثقه، ورجح توثيقه، وذكر الأجوبة عما قيل اهـ (٩٣). على أن المرسل إذا ورد موصولا بطريق أخرى وهو ضعيفة كان حجة عند الكل، كما ذكرناه فى المقدمة. ولم يقع من سائر الصحابة إنكار على أسماء، فكان إجماعا، ولعل الحاضرين منهم ذلك الموقف جلهم ٢٢٦ جواز غسل المرأة زوجها الميت ج - ٨ وأجلهم، لأن موت مثل أبى بكر حادث لا يظن بأحد من الصحابة الموجودين فى المدينة أن يتخلف عنه، قاله صاحب النيل أيضا. قلت: وفيه دلالة ظاهرة على جواز غسل المرأة لزوجها، وهو جائز اتفاقا. ولا يصح قياس العكس علیه، فإن الرجل لا عدة علیه، حیث یجوز له نكاح أخت الزوجة بعد موتها معا، وكذا التزوج بينتها إن لم يكن دخل بها، ولا كذلك المرأة، فلا يحمل لها النكاح حتی یبلغ الکتاب أجله. واحتج الخصم بما ذكره البيهقى عن ابن مسعود أنه غسل امرأته، ثم قال: "روى ذلك عنه بإسناد ضعيف". قال: وروى عن الحجاج بن أرطاة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: "الرجل أحق بغسل امرأته" كذا فى الجوهر النقى (٢٦٤:١). والجواب عن الأول أن الضعيف لا حجة فيه، وأيضا ففيه من احتمال المجاز مثل ما ذكرناه فى غسل على رضى الله عنه فاطمة زوجه، فتذكر. وعن الثانى أن البيهقى لم یذ کر سنده إلى الحجاج، ورواه ابن أبى شيبة فى مصنفه عن معمر(١) بن سليمان الرقى عن الحجاج، وقال البيهقى فى باب الرهن مضمون: معمر بن سليمان غير محتج به. والحجاج أيضا متكلم فيه، وداود بن الحصين وإن وثق إلا أن ابن المدينى قال: "ما روى عن عكرمة فمنكر"، وقال ابن عيينة: "كنا نتقى حديثه" كذا فى الجوهر النقى. وهذا كما تراه إلزام حاصله إسكات الخصم، وتنبيهه على أنه لا يجوز له الاحتجاج بذلك على أصله، وإلا فمعمر بن سليمان ثقة فاضل أخطأ الأزدى (وكذا البيهقى) فى تليينه، كذا فى التقريب (ص: ٢١٢). وثقه ابن معين وأبو عبيد، والنسائى وابن حبان وغيرهم، كما فى التهذيب (١: ٢٥٠). وحجاج بن أرطاة حسن الحديث عندنا، كما مر غير مرة، فالحق أن الحديث حسن. والجواب عنه أن معناه أن الرجل أحق بالاهتمام بغسل امرأته من غيره من عصباتها وأوليائها، حتى لو أرادوا أن يهتموا دون الزوج كان له أن يمنعهم عن ذلك، لأن أجرة الغسل، والحنوط، والحمل، والكفن، والدفن كله على الزوج عندنا. وهو قول أبي يوسف. وفى شرح المنية عن شرح السراجية: إن قول أبى حنيفة (١) بتشديد المیم على وزن محمد. ٢٢٧ جواز غسل المرأة زوجها الميت إعلاء السنن كقول أبى يوسف، وعليه الفتوى. وهو الصحيح، كما فى رد المحتار ملخصا (٩٠٥:١). والغنم بالغرم. قال فى البدائع: إذا ماتت امرأة فى سفر، فإن كان معها نساء غسلنها، وليس لزوجها أن يغسلها عندنا خلافا للشافعى. ولنا ما روى عن ابن عباس "أن رسول الله مت بله سئل عن امرأة تموت بين رجال، فقال: تيمم بالصعيد" ولم يفعل بين أن يكون فيهم زوجها أولا اهـ (٢٠٥:١). قلت: لم أجده عن ابن عباس، ورواه الطبرانى فى الكبير بضعف عن سنان بن عرفطة مرفوعا "الرجل يموت مع النساء والمرأة تموت مع الرجال وليس لهما محرم، قال: يتيممان". كذا فى جمع الفوائد (١٣٣:١). وأخرجه أبو داود فى مراسيله، والبيهقى عن مكحول مرسلا بلفظ، "إذا ماتت المرأة مع الرجال ليس معهم امرأة غيرها، أو الرجال مع النساء ليس معهن غيره فإنهما يتيممان ويدفنان وهما بمنزلة من لا يجد الماء. كذا فى كنز العمال (٨٢:٨). قلت: والمرسل إذا ورد بطريق أخرى موصولة صلح للاحتجاج به اتفاقا لا سيما عند الحنفية، ومن یجیز الاحتجاج بالمرسل وحده. لا يقال: إن قوله عَّ ◌ُله: "الرجل يموت مع النساء إلخ" ينفى غسل المرأة لزوجها، لأنه مّ لم يفصل بين أن تكون فيهن زوجتها أولا لأنا نقول: إن الدليل قد قام على جوازه للزوجة وهو إجماع الصحابة فى غسل أسماء لزوجها أبى بكر، فخصصنا الحديث بغير الزوجة، ولم يقم مثله فى جوازه للرجل مع زوجته فبقى على الحرمة بنص الحديث. وما ذكره للخصم لا يصلح مخصصا لما فيه من الاحتمال الذى ذكرناه، ولو سلم فتقول: إذا تعارضت الآثار لزم الرجوع إلى القياس، وهو يرجح جواز غسل المرأة لزوجها، کما هو فن أثر أسماء، وحرمة غسل الرجل لزوجتها، کما أفاده حدیث سنان، ومرسل مکحول، فافهم. 1 ج - ٨ ٢٢٨ باب كفن الرجل ونوعه ٢٢١٢- عن: عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أن عبد الله بن أبى لما توفى جاء ابنه إلى النبى معَّ له فقال: ((أعطنى قميصك أكفنه فيه، وصل عليه، واستغفر له)). فأعطاه قميصه. الحديث رواه البخارى (١٦٩:١). باب کفن الرجل ونو عه قوله: "عن عبد الله" إلخ. وفى لفظ البخارى من طريق جابر رضى الله عنه: قال: أتى النبى معَّ عبد الله بن أبى بعد ما دفن فأخرجه، فنفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه اهـ. فقال العینی فی التوفيق بينهما (٤: ٦٠) ما لفظه: فقيل: إن معنى قوله فی حدیث ابن عمر: "فأعطاه" أى النعم له بذلك، فأطلق على الوعد اسم العطية مجاز التحقق وقوعها اهـ. وفيه أيضا: وكان أهل عبد الله بن أبى خشوا على النبى معَّه المشقة فى حضوره، فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبى عّ لّه اهـ. وفيه أيضا (ص: ٦١): فيه دلالة على الكفن فى القميص، وسواء كان القميص مكفوف الأطراف أو غير مكفوف. ومنهم من قال: إن القميص لا يسوغ إلا إذا كانت أطرافه غير مكفوفة أو كان غير مزرر ليشبه الرداء، وروى البخارى ذلك بالترجمة المذكورة اهـ. وفى التلخيص الحبير (١٥٥:١): ويستدل للتکفین فی القمیص بحديث جابر فى قصة عبد الله بن أبى إلخ. قلت: ويعارض الحديث ما رواه الجماعة كما فى نيل الأوطار (٢٦٨:٤) عن عائشة قالت: "كفن رسول الله عَ لّه فى ثلاثة(١) أثواب بيض سحولية جدد يمانية ليس فيها قميص(٢)، ولا عمامة، أدرج فيها إدراجا" اهـ. وما رواه ابن ماجة (ص: ٢٣١) عن سليمان بن موسى عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: "كفن رسول الله عَّ له فى ثلاث رياط بيض سحولية" اهـ. وقال السندى فى تعليقه: رياط جمع ريطة وهى الملاءة إذا كانت قطعة واحدة، ولم تكن لفقتين اهـ. وقال السندى: أيضا، ففى الزوائد: قلت: أصله (١) فى طبقات ابن سعد عن الشعبى: إزار ورداء، ولفافة، كذا فى فتح البارى (١٢:٣). وهو مرسل وإسناده حسن أو صحیح علی قاعدة فتح البارى. (٢) أى قميص مخيط، تطبيقا بين الروايات. وهو التعارف عند الإطلاق. ناقل. ٠٠ ٢٢٩ کفن الرجل و نوعه إعلاء السنن فى الصحیحین من حديث عائشة، وابن عباس، وإسناد حديث ابن عمر حسن اهـ. وقال الترمذى: حديث عائشة رضى الله عنها أصح الأحاديث التى رويت فى كفن النبى عّ لّ (١١٩:١). وفى نيل الأوطار (٣: ٢٧٠): قال الحاكم: إنها تواترت الأخبار عن على رضى الله عنه، وابن عباس رضى الله عنه، وابن عمر رضى الله عنه، وعبد الله بن مغفل رضى الله عنه، وعائشة فى النبى مرّ ◌ُّ فى ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص، ولا عمامة اهـ. وقال الحافظ فى الفتح تحت تكفين حديث عائشة رضى الله عنها: "وتقرير الاستدلال به أن الله لم يكن ليختار لنبيه إلا الأفضل اهـ (١٠٨:٣). قال بعض الناس: وبحديث عائشة وابن عمر أقول، وإليه مال الشيخ أبو الطيب الحنفى شارح الترمذى والعلامة السندى الحنفى محشى ابن ماجة. والاستدلال بحديث المتن لا يقبله قلبى، فإن كل ما فعل به كان تأليفا وصورة، ولا يهتم فيه بالأمر الأمحب والأولى، كما لا يخفى وإنما الكلام فى الأحب والأولى. قلت: ولا يخفى ما فيه، فإن عبد الله ابن عبد الله بن أبى سأل النبى عّ لّه قميصه والمرأ لا يسأل إلا ما كان أحب وأولى، وأجابه النبى معَّ ◌ُلّه إلى سواله، ولم يقل: إن القميص لا ينبغى فى الكفن، وخذ ردائى، أو إزارى، أو جبتى، فإن السؤال إن كان للتبرك، كما هو الظاهر، فالبركة لا تختص بالقميص فقط بل إزاره، ورداءه عَ ◌ّه فى البركة، كذلك. ففى الحديث دليل على أن القميص فى الكفن كان معروفا عند الصحابة، ولذا سأل صحابى قميصه مَّ ◌ُلّه، وصرح بتعيينه، ولو كان غير معروف لسأله ثوبا ما لا على التعيين، كما هو الظاهر من حال الصحابة، فافهم. هذا كلامنا فى الأولوية، وأما الجواز فقد قال شيخنا: إن الكل جائز. قلت: وهو المعروف من مذاهب الأئمة، كما يتحصل مما فى "رحمة الأمة" (ص: ٣٤). وأما ما يعارض حديث عائشة رضى الله عنها وغيرها فمنه: ما رواه الإمام محمد فى كتاب الآثار (ص:٣٩) أجبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم "أن النبى عَ لُ كفن ٢٣٠ كفن الرجل ونوعه ج - ٨ فى حلة(١) يمانية، وقميص" اهـ. ورجاله ثقات، وهو مرسل، فإن النخعى لم يسمع من أحد من الصحابة، فلا يقاوم الآثار الموصولة. القوية. وهذا المرسل كما يعارض حديث عائشة رضى الله عنها فى القميص يعارض أيضا فى الحلة ففى حديث عائشة رضى الله عنها عند مسلم (٣٠٥:١) قالت: "كفن رسول فى ثلاثة أثواب بيض سحولية(٢) من كرسف ليس فیها قميص، ولا عمامة، أما الحلة فإنما شبه على الناس فيها إنها اشتريت له لیکفن فيها فتركت الحلة، وكفن فى ثلاثة أثواب بيض سحولية، فأخذها عبد الله بن أبى بكر فقال: لأحبسنها حتى أكفن نفسا لنفسى ثم قال: لو رضيها الله لنبيه لكفنه فيها، فباعها، وتصدق بثمنها اهـ". ولكن مرسل النخعى قد اعتضد بمرسل الحسن أخرجه عبد الرزاق عنه نحو أثر إبراهيم، كما فى الزيلعى (٣٤٤:١). وقد قدمنا فى المقدمة أن مرسلين صحيحين إذا عارضا حديثا صحيحا مسندا كان العمل بالمرسلين أولى، قاله العينى فى العمدة (٨٨٥:١). ومنه: ما رواه أبو داود، وسكت عنه (٣: ١٧٠) حدثنا أحمد بن حنبل وعثمان بن أبى شيبة قالا: نا ابن أدريس عن يزيد يعنى ابن أبى زياد عن مقسم عن ابن عباس رضى الله عنه قال: "كفن رسول الله ◌ّ له فى ثلثة أثواب نجرانية الحلة، ثوبان، وقميصه الذى مات فيه. قال أبو داود: قال عثمان: فى ثلاثة أثواب حلة حمراء وقميصه الذى مات فيه" اهـ. وقال المنذرى: وفى إسناده يزيد(٣) بن زياد، وقد أخرج له مسلم فى المتابعات. وقد قال غير واحد من الأئمة: لا يحتج بحديثه"، وقال أبو عبد الله بن صفرة: قولها: "ليس فيها قميص ولا عمامة" يدل على أن القميص الذى غسل فيه النبى معَ ◌ّ نزع عنه حين كفن لأنه إنما قیل: لا تنزعوا القميص ليستر به، ولا یکشف جسده، فلما ستر بالكفن استغنى عن القميص، فلو لم ينزع القميص حتى كفن لخرج عن حد الوتر الذى أمر به مّه، كذا فى عون المعبود، وفى التلخيص الحبير (١٥٤:١): تفرد به يزيد بن أبى زياد، وقد تغير، (١) قال أبو عبيد: الحلة إزار، ورداء ولا يكون الحلة إلا من ثوبين كذا فى الزيلعى (٣٤٤:١). (٢) سحولی بالضم والفتح موضعی است بیمن که جامه خوب دران مى شود. منتخب اللغات. (٣) هكذا فى الأصل، والصحيح ابن أبى زياد كما تقدم. ٢٣١ کفن الرجل ونوعه إعلاء السنن وهذا من ضعيف حديثه اهـ. (أى لأنه رواه بعد التغير). وقال النووى فى شرحه على صحيح مسلم (٣٠٦:١) تحت حديث عائشة ما نصه: وهذا الحديث يتضمن أن القميص الذى غسل فيه النبى معَّ نزع عنه عند تكفينه، وهذا هو الصواب لا يتجه غيره لأنه لو بقی مع رطوبته لأفسد الأكفان، وأما الحديث الذی فی سنن أبى داود عن ابن عباس رضى الله عنه إلخ فحدیث ضعيف لا يصح الاحتجاج به، لأن يزيد بن زياد أحد رواته مجمع على ضعفه، لا سيما وقد خالف برواية الثقات اهـ. قال بعض الناس: فقد عرفت أن هذا الحديث مجروح رواية ودراية، فلا يصلح معارضة الحديث الصحيح المتفق عليه به. وسكوت أبى داود لا يفيد، فإنه يفيد حيث لم يكن معارض أقوى مما سكت عليه، وهنا ليس الأمر كذلك. تخطئة المولوى وصى أحمد غفر له وقد أخطأ المولوى وصى أحمد فى تعليقه على الشروح الأربعة للترمذى، وكأنه أخبر أنه لا يعلم شيئا من أصول الرواية. ولا الدراية حيث قال (٢٨٧:٢): قال الإمام العینی: فإن قيل: فیه یزید بن أبی زیاد وهو لا يحتج به یقال: لا نسلم ذلك، فإن مسلما قد أخرج له فى المتابعات، وفى الكافى: روى له مسلم، والترمذى، وأبو داود. ولما أخرج أبو داود حديثه هذا سكت عنه، وذلك دليل رضاه بصحته انتهى كلام العينى، أى لما عرف منه. أقول: روى له الترمذى فى باب مواقيت الإحرام إلى أن قال: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، ففى هذا تصريح بأن يزيد محتج به عند الترمذى وإلا لما حسن حديثه اهـ. فإن فيه مواخذات. الأولى أن إخراج مسلم له فى المتابعات لا يدل على أنه حجة عنده، فإن الضعاف يكتفى بها المتابعات، بل لو أخرج له مسلم فى الأصول لم يدل على أنه حجة عنده مطلقا، بل دل على أنه حجة فى ذلك الحديث الذى أورده فى صحيحه، فإن الثقة الذى يحتج بحديثه قد يخطى فى بعض الآحادیث، فإصابته فى حديث لا تدل على إصابته فى حديث آخر. نعم! لو لم يضعفه غير من احتج به لكان ظاهر الحال أنه ثقة مطلقا عنده، وهذا غير خفى عمن له مناسبة بالفن. ٢٣٢ ج - ٨ کفن الرجل ونوعه الثانية الجواب عن سكوت أبى داود وقد تقدم قريبا، فلا حجة فى السكوت. هذان الإيرادان يردان على العلامة العينى فإن الكلام كلامه. ولكن لما نقله المولوى وصى أحمد وأقره عليه، واحتج به أوردناهما عليه أيضا. الثالثة أن الترمذى قال فى كتاب العلل من كتاب السنن له (ص: ٢٤٠): قال أبو عيسى: وما ذكرنا فى هذا الكتاب حديث حسن، فإنما أردنا حسن إسناده عندنا كل حدیث یروی لا یکون فی إسناده من یتهم بالكذب، ولا يكون الحدیث شاذا، ویروی من غير وجه نحو ذاك، فهو عندنا حديث حسن اهـ. فيحتمل أنه لم يكن عند الترمذى ثقة، وأنه قد حسن الحديث باعتبار مجموع الطرق. وقوله: "من يتهم بالكذب" لا ينفى وجوها أخرى يثبت بها الضعيف. وهذه المواخذة غير المواخذة الثانية اهـ. قلت: هذا كله كلام جاهل بالفن عار عن الذوق. أما قوله: "إن إخراج مسلم له فى المتابعات لا يدل على أنه حجة" إلخ فهو يقتضى إخراج مسلم الأحاديث الضعاف فى المتابعات فى صحيحه، وهذا باطل وأبطل، فإن مسلما إنما أخرج فى المتابعات أحاديث أقوام اختلف أهل الفن فى توثيقهم وتضعيفهم، دون من أجمعوا على تركه وتضعفه، كما ذكره النووى فى مقدمة شرح مسلم له (ص: ١١) بما نصه: قال الشيخ الإمام ابن الصلاح: "شرط مسلم فى صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالما من الشذوذ، والعلة". ثم أجاب عن ذكره أحاديث كثيرة مختلفا فى صحتها بأنها عنده صحاح وإن لم يظهر اجتماع شروط الصحة فيها على بعضهم، وقد ذكر بعض الناس غير مرة أن الاختلاف لا يضر، فيلزمه القول بكون تلك الأحاديث التى ذكرها مسلم متابعة حسانا، ولا يجوز تسميتها بالضعاف مع إيداع مسلم إياها فى صحيحه. وأما قوله: "بل لو أخرج له مسلم فى الأصول لم يدل على أنه حجة عنده مطلقا" إلخ فهذا أشد من الأولى، ومشعر بجهل قائله عن درجة صاحبى الصحيحين، ومظهر سخافة رأيه، وخفة عقله، وقلة نظره فى أصول الفن. فإن الذين احتج بهم الشيخان أو أحدهما فى الأصول ثقة عندهما أو عند أحدهما حتما، وقد صرح مسلم رحمه الله فى مقدمة صحيحه أنه يقسم الأحاديث ثلاثة أقسام، الأول ما رواه الحفاظ المتقنون، والثانى ٢٣٣ کفن الرجل ونوعه إعلاء السنن ما رواه المستورون المتوسطون فى الحفظ والاتقان، والثالث ما رواه الضعفاء المتروكون. وأنه إذا فرغ من القسم الأول أتبعه الثانى أى أخبارا يقع فى أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم فإن اسم الستر، والصدق، وتعاطى العلم یشملهم، کعطاء ابن السائب، ویزید بن أبى زياد، وليث بن أبى سليم، وأضرابهم من حمال الآثار، ونقال الاخبار. وأما الثالث فلا يعرج عليه اهـ. وفيه تصريح بكون رواة الأصول ثقات متقنين، ورواة المتابعات متوسطين فى الحفظ والاتقان مع كونهم من أهل الستر، والصدق وتعاطی العلم، غير مدفوعین عن صدق وأمانة عند أهل العلم وهذا يؤيد ما قدمنا أن من أخرج له مسلم فى المتابعات فلا أقل من أن يكون حسن الحديث، ولا يجوز أن يكون ضعيفا مطلقا. وفيه تصريح أيضا بكون يزيد بن أبى زياد ممن شمله اسم الستر، والصدق، والأمانة، وتعاطى العلم عند مسلم. وقال الحافظ فى مقدمة الفتح فى الفصل السابع الذى عقده، لسياق أسماء من طعن فيه من رجال البخارى ما نصه: وقيل: الخوض فيه ينبغى لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأى راو كان مقتض لعدالته عنده، وصحة ضبطه، وعدم غفلته، لا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه فى الصحيح، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما، هذا إذا خرج له فى الأصول، فأما إن خرج له فى المتابعات، والشواهد، والتعاليق فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم فى الضبط وغيره مع حصول اسم الصدق لهم. وحينئذ إذا وجدنا لغيره فى أحد منهم طعنا فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام، فلا يقبل إلا مبين السبب مفسرا بقادح يقدح فى عدالته إلى أن قال: وقد كان الشيخ أبو الحسن المقدسى يقول فى الرجل الذى يخرج عنه فى الصحيح: "هذا جاز القنطرة" يعنى بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه إلخ (ص: ٣٨١). هذا ولم يزل المحدثون يقولون فى الجرح والتعديل: "هذا ثقة احتج به الشيخان، أو أخرج له مسلم فى صحيحه، أو أخرج له الشيخان متابعة أو مقرونا، أو استشهد به أحدهما". وهذا يشعر بأن إخراج صاحب الصحيح لأحد فى الأصول تصريح بثقته ٢٣٤ كفن الرجل ونوعه ج - ٨ وإتقانه، وإخراجه له فى المتابعات، والشواهد مقتض لحصول اسم الصدق. والستر له، كما ذكره الحافظ بما لا مزيد عليه فقول بعض الناس: إن إخراج مسلم لرجل فى الأصول لا يدل على أنه حجة مطلقا، بل يدل على أنه حجة فى ذلك الحديث بعينه مردود عليه. وأما قوله: "نعم! لو لم يضعفه غير من احتج به لكان ظاهر الحال أنه ثقة مطلقا عنده" إلخ ففيه أن من أجمع الناس على ثقته، وعدالته، وضبطه قد يخطئ فى بعض الأحاديث بعضا، فهذا شعبة وسفيان قد يخطئان، فينبغى أن لا يكون حديثهما حجة مطلقا. وهذا یسد باب التعديل والتوثيق، ويهدم بنائه رأسا وأساسا. وأما قوله: "الثانية الجواب عن سكوت أبى داود وقد تقدم، فلا حجة فى السكوت" إلخ ففيه أن العلامة العينى إنما احتج بسكوت أبى داود على ثقة يزيد بن أبى زياد عنده، ورضاه بصحة حديثه، وتبعه فى ذلك المولوى وصى أحمد، ولا شك فى استقامة هذا الكلام وصحته، فلم يزل سكوت أبى داود دليلا على ذلك عند أهل الفن. فهذا الذهبى يقول فى ترجمة إبراهيم بن سعد المدينى عن نافع: "منكر الحديث غير معروف، وله حديث واحد فى الإحرام أخرجه أبو داود، وسكت عنه فهو مقارب الحال" اهـ. فجعل الراوى مقارب الحال لمجرد سكوت أبى داود عن حديثه. وقال النووى فى الخلاصة فى حديث "لا يزال الله مقبلا على العبد، إلخ: وفيه أبو الأحوص وهو فيه جهالة، لكن الحديث لم يضعفه أبو داود، فهو حسن عنده اهـ. من الزيلعى. (٢٦٥:١). وأما أن ما سكت عنه أبو داود إذا خالف ما فى الصحيح هل يجرى فيها حكم المعارضة أم لا؟ فهذا إنما يتعلق بباب الترجيح والمعارضة، ولا تعلق له بباب الجرح والتعديل أصلا، وكلام العينى إنما هو فى هذا لا ذاك، كما يشعر به قوله: "فإن قيل: فيه يزيد بن أبى زياد وهو لا يحتج به يقال: لا نسلم ذلك" إلخ. وأما قوله: الثالثة: أن الترمذى قال فى كتاب العلل إلى أن قال: فيحتمل أنه لم يكن عند الترمذى ثقة، وأنه قد حسن الحديث باعتبار مجموع الطرق" إلخ. ففيه أن مجرد إبداء الاحتمال العقلى لا يجدى فى الفن شيئا، ولو سلمنا قولك لزم أن لا يكون تحسين الترمذى لحديث رجل توثيقا له، وهذا خلاف ما عليه القوم، فإنهم لم يزالوا يذكرون ٢٣٥ کفن الرجل ونوعه إعلاء السنن تحسين الترمذى دليلا لثقة الراوى، وكونه حسن الحديث عنده، فهذا الهيثمى يقول فى مجمع الزوائد (١٢٦:١) فى حديث عبد الله بن عمرو: رواه أحمد، وفيه عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف، وقد حسن له الترمذى اهـ. فأشار بذلك إلى أنه مختلف فيه، وأن حديثه حسن بدليل تحسين الهيثمى لحديثه فى غير ما موضع من مجمع الزوائد. وهذا المنذرى عقد لذكر الرواة المختلف فيهم بابا فى آخر ترغيبه، واحتج بقوله: "حسن له الترمذى فى أزيد من عشرين راويا على كونهم ثقات حسان الحديث، وفيهم أيضا يزيد ابن أبى زياد. قال فى ترجمة أحد الأعلام: قال يحيى: "لا يحتج به" وقال مرة: "ليس بالقوى". ووهاه ابن المبارك وقال أحمد: "ليس بذاك" وقال على بن عاصم قال لى شعبة: ما أبالى إذا كتبت عن يزيد بن أبى زياد أن لا أكتبه عن أحد وأخرج له مسلم مقرونا، وحسن له الترمذى اهـ (ص:٥٣٠). فإن كان إخراج مسلم لأحد مقرونا ومتابعة، وتحسين الترمذى له لا يفيد قوة فيه، ولا شيئا، كما زعمه الجاهل بعض الناس، فلا ندرى ماذا أراد المنذرى بقوله: "أخرج له مسلم مقرونا، وحسن له الترمذى" بعد ما ذكر تضعيف الراوى عن كثيرين. وقد فعل مثل ذلك فى غير ما راو واحد، ولا اثنين، فهل كل ذلك عبث بلا طائل؟ كلا! بل إنما أراد بذلك كون الراوى حسن الحديث لإخراج مسلم له مقرونا، وتحسين الترمذى له، وهذا هو الذى أراده المولوى وصى أحمد. فما أوردته عليه يرد على المنذرى أيضا بعينه، والمنذرى أجل وأرفع من ألف ألف أمثالك فى باب الجرح والتعديل، والتصحيح والتزييف، فالصحيح ما قاله الذى زعمت أنه قد أخبر أنه لا يعلم شيئا من أصول الرواية والدراية، والذى أوردته عليه مردود عليك، ومشعر بجهلك عن الأصول، وإنك أعمى عن إدراك كلام الفحول، وقاصر نظرك عن قواعد الجرح والتعديل، حيث لم تنظر أن مسلما رحمه الله قد عد يزيد بن أبى زياد هذا فى مقدمة الصحيح ممن شمله اسم الستر، والصدق، والأمانة، وتعاطى العلم عند المحدثين، وقد وثقه شعبة، واستدل المنذری پإخراج مسلم له فى المتابعات، وتحسين الترمذى له على ما استدل به المولوى وصى أحمد، وأنت غافل عن كل ذلك، تخبط خبط عشواء، وتضطرب اضطراب الغريق فى اللجة العمياء، ٢٣٦ کفن الرجل ونوعه ج - ٨ وتجهد فى تضعيف من عدله صاحب الصحيح، وقواه المنذرى، والترمذى، وسواه صاحب البدر المنير حيث قال: "أخرج له مسلم مقرونا، والبخارى تعليقا". وقال العجلى: "جائز الحديث، وكان بآخره يلين" وقال جرير: "كان أحسن حفظا من عطاء ابن السائب"، وقال ابن المبارك: "أكرم به". وقال أبو داود: "لا أعلم أحدا ترك حديثه" انتهى ملتقطا، كذا فى حاشية الشروح الأربعة للترمذى للمولوى وصى أحمد (٢٨٨:٢). والعجب من بعض الناس أنه كيف أعمى بصره عن آخر الكلام وأورد على أوله، وتعقبه بالمؤاخذات الثلاث الباطلة من غير فكر، ولا رؤية، ولا فهم، ولا حسن طویة. فالله يهديه، ويصلح باله. وسيأتى الجواب عن ترجيح حديث عائشة على حديث ابن عباس هذا، فانتظر، ولنعم ما قيل: لكل فن رجال، ولا يكفى نقول الفن إذا لم يكن ذوق به، وبصيرة فيه. تأمل وحقق، واجهد فى تحصيل علم الحديث، والتفسير، والفقه النبوى مع أصولها، تسعد فى الدارين إنشاء الله تعالى. ومنه: ما رواه ابن عدى عن ابن عباس رضى الله عنه "أنه عَّ كفن فى قطيفة حمراء". وفيه قيس(١) بن الربيع وهو ضعيف، وكأنه اشتبه عليه بحديث جعل فى قبره قطيفة حمراء، فإنه مروى بالإسناد المذكور بعينه، كذا فى التلخيص الحبير (١٥٥:١). وسيأتى ما يتعلق بالقطيفة فى الفائدة التى أذكرها فى باب تسوية اللبن على اللحد. ومنه: ما رواه أبو داود ومن حديث جابر رضى الله عنه وإسناده حسن "أنه عليه الصلاة والسلام كفن فى ثوبين، ويرد(٢) حبرة" كذا فى فتح البارى (١٠٨:٣). والجواب عنه ما رواه الترمذى فى إثناء حديث عائشة ما نصه: "فذكروا لعائشة قولهم: فى ثوبين، وبرد حبرة فقالت: قد أتى بالبرد، ولكنهم ردوه ولم يكفنوا فيه". قال (١) قلت: هو مختلف فيه، اثنى عليه شعبة، وقال عفان: "كان ثقة". وقال ابن عدى: عامة رواياته مستقيمة. والقول ما قال شعبة، وإنه لا بأس به اهـ من الترغيب للمنذرى (ص: ٥٣٠). فهو حسن الحديث. (٢) الحبير من البرد وما كان موشيا مخططا يقال: برد حبير برد حبرة بوزن غلبة على الوصف، والإضافة وهو يرد يمان، كذا فى مجمع البحار. ٢٣٧ کفن الرجل ونوعه إعلاء السنن أبو عيسى: "هذا حديث حسن صحيح" (١١٩:١). ومنه: ما رواه ابن حبان فى صحيحه من حديث الفضل بن العباس رضى الله عنه "أن النبى معَّ ◌ُّ كفن فى ثوب نجرانى(١) وريطتين" كذا فى الزيلعى (٣٤٤:١). ومنه: ما رواه ابن سعد أنبأنا عفان بن مسلم أنا حماد بن سلمة عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن على ابن الحنفية عن أبيه "أن النبى معَّ كفن فى سبعة أثواب". وهذا إسناد صحيح، كذا فى كنز العمال (٥٦:٤). والجواب عنه بأن عبد الله بن محمد بن عقيل متكلم فيه. قال الحافظ طبيب علل الحديث ابن حجر رحمه الله عليه فى التلخيص الحبير بعد عزو الحديث إلى ابن أبى شيبة وأحمد، والبزار (١٥٥:١) ما نصه: ابن عقيل سئ الحفظ يصلح حديثه فى المتابعات، فأما إذا انفرد فيحسن وأما إذا خالف فلا يقبل. وقد خالف هو رواية نفسه فروى عن جابر ((أنه مَّ كفن فى ثوب(٢) نمرة)). قلت: وروى الحاكم من حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنه ما يعضد رواية ابن عقيل عن ابن الحنيفة عن على رضى الله عنه، فالله أعلم اهـ. قلت: والراوى سئ الحفظ إذا توبع، أو عضده عاضد يرتفع حديثه إلى درجة الحسن كما عرف فى موضعه. ومنه: ما سيأتى فى المتن عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال "الميت يقمص ويؤزر. ويلف فى الثوب الثالث" رواه مالك بسند صحيح. وأخرجه محمد فى الموطأ (ص:١٦٢) بطريقه، وهو موقوف فى حكم المرفوع، كما لا يخفى، ويؤيده ما رواه ابن عدى فى الكامل عن ناصح بن عبد الله الكوفى عن سماك عن جابر بن سمرة قال: "كفن رسول الله عَّ ◌ُله فى ثلاثة أثواب قميص، وإزار، ولفافة". وضعف ابن عدى ناصح بن (١) نجران بالفتح شهر يست در يمن ١٢ منتخب اللغات. (٢) قلت: لا منافاة بينه وبين رواية السبعة، كما لا يخفى، فإن ذكر الواحد لا يستلزم نفى الزائد إلا بلفظ الخصر. وليس هو ههنا. ج - ٨ کفن الرجل و نوعه ٢٣٨ عبد الله عن النسائى، ولينه هو وقال: "هو ممن يكتب حديثه" كذا فى الزيلعى (٣٤٤:١). قلت: روى عنه أبو حنيفة، وقال الحسن بن صالح: "ناصح بن عبد الله نعم الرجل". كذا فى التهذيب (٤٠٢:١٠). وقد ذكرنا فى المقدمة أن شيوخ أبى حنيفة عندنا ثقات كلهم لما عرف من تشديده فى باب الرواية، وورعه، وصيانته، ومعرفته بالرجال، فناصح هذا ثقة عندنا، لا سيما وقد أثنى عليه غير أبى حنيفة، فلا يلتفت إلى تضعیف بعضهم إياه من غیر سبب مفسر، فالحدیث حسن. ومنه: ما رواه الحاكم فى المستدرك عن صدقة بن موسی ثنا سعید الجریری عن ابن يزيد عن عبد الله بن مغفل قال: "إذا أنا مت فاجعلوا فى آخر غسلى كافورا، وكفنونى فى بردين وقميص، فإن النبى عّ لِّ فعل به ذلك". انتهى سكت عنه الحاكم والذهبى فى تلخيصه (٥٧٨:٣) فهو حسن. وهذه طرق عديدة تعارض بظاهرها قول عائشة: "كفن رسول الله عّ لّ، فى ثلاثة أثواب بيض يمانية ليس فيها قميص، ولا عمامة". ولا يخفى أنه قد ثبت أنه عّ لّه غسل، وعليه قميصه، كما مر، ولم يثبت ما يدل على نزعه عنه صراحة. وقول عائشة: "ليس فيها قميص، ولا عمامة" لا دلالة فيه على نزع القميص عنه، كما ادعاه النووى وغيره لاحتمال أن يكون المراد أن القميص، والعمامة لم يكونا فى الثلاثة خارجة عنهما وهما زائدان، والاحتمال يضر بالاستدلال. وأما أنه لو لم ينزع القميص حتى كفن فى الثلاثة سواه لخرج عن حد الوتر الذى أمر به مرَّهِ، ففيه أن عدم نزع القميص كان للاحتراز عن تجريده المنهى عنه، والأمر بالوتر ليس للوجوب بل للندب، ولما تركوا القميص عليه جعلوا الثلاثة كلها لفائف لعدم الحاجة إلى قميص آخر معه. وبالجملة فمثبت القميص أولى من النافى. قال الشوكانى فى النيل: ولا يخفى أن إثبات ثلاثة أثواب لا ينفى الزيادة عليها، وقد تقرر أن ناقل الزيادة أولى بالقبول، على أنه لو تعرض رواة الثلاثة لنفى ما زاد عليها لكان المثبت أولى من النافى اهـ (٣: ٢٧٠). وأيضا فإن حال الكفن، والدفن أكشف للرجال دون النساء، ونفى القميص لم نره إلا فى قول عائشة، وأما على، وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن مغفل فقد حكوا ٢٣٩ کفن الرجل و نوعه إعلاء السنن تكفين النبى عّ لٍّ فى ثلاثة أثواب فقط، ولم يتعرضوا لنفى القميص فيما علمنا، وورد عن بعضهم الزيادة على الثلاثة، وعن بعضهم إثبات القميص أيضا فالحق أن استدلال الخصم بحديث عائشة على نفى القميص لا يتم أصلا. وإن سلم فنقول: إذا تعارضت الآثار فى كفن النبى ◌ّ كما روى ابن سعد عن أيوب قال: قال أبو قلابة: ألا تعجب من اختلافهم علينا فى كفن رسول الله عَ ليه؟ اهـ من كنز العمال (٥٦:٤) لزم المصير إلى غيرها من الآثار، فوجدنا حديث سؤال عبد الله بن عبد الله بن أبى قميص النبى معَّه لكفن أبيه، وإجابته إياه إلى ذلك، وقول عبد الله بن عمرو: "الميت يقمص، ويؤزر، ويلف فى الثوب الثالث"، وقول عبد الله بن مغفل "كفنونى فى بردين، وقميص" سالما من التعارض، فكان الأخذ به، والعمل عليه أولى، والله تعالى أعلم، وعلمه أتم وأحكم. ثم اعلم أنه ليس فى الكفن عمامة فى ظاهر الرواية، وفى الفتاوى استحسنها المتأخرون لمن كان عالما، ويجعل ذنبها على وجهه بخلاف حال الحياة، كذا فى الجوهر النيرة، ذكره فى العالمكيرية (١٠٣:١). وفى رد المحتار (١: ٩٠١): "والأصح أنه تكره العمامة بكل حال" اهـ. قلت: ودليل الأصح حديث عائشة المذكور آنفا. ودليل استحسان المتأخرين ما روى عن ابن عمر "أنه كفن ابنه واقدا فى خمسة أثواب قميص وعمامة، وثلاث لفائف، وأدار العمامة إلى تحت حنكه" رواه سعيد بن منصور، كذا قاله العينى فى العمدة (٥٦:١). ولم أقف له على سند. وصفة القميص ذكرها فى فتح القدير (٧٩:٢): قوله: "والقميص من أصل العنق بلا جیب. ودخریص(١) و کمین" کذا فی المکافی، و کونه بلا جیب بعيد إلا أن يراد بالجيب الشق النازل على الصدر اهـ. وهذه الصفة لم تذكر فى الكتب المعروفة، كالهداية، وشرح الوقاية، والكنز، ولذا لم يراع بها العلامة الشاه ولى الله قدس سره فى المصفى، وقال (١٩٢:١): إزار وقمیص بوشانند دوخته باشد یا نادوخته یا دخریص باشد یا بغير آن زيراكه أكثر استعمال لفظ قميص بر مخيط مدخرص است اهـ. وكذا لم يعبأ شيخ (١) الشق الذى يفعل فى قميص الحى ليتسع للمشى، كذا فى رد المحتار (٩٠١:١). ٢٤٠ کفن الرجل ونوعه ج - ٨ ٢٢١٣- عن: ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الرحمن بن عمر بن العاص رضى الله عنه أنه قال: ((الميت يقمص، ويؤزر، ويلف فى الثوب الثالث، فإن لم يكن له إلا ثوب واحد كفن به)). رواه الإمام مالك فى "الموطأ" (ص-٧٨). وغلط يحيى، والصحيح عبد الله بن عمرو بن العاص، كما أفاده الزرقانى، وهو موقوف فى حكم المرفوع، رجاله ثقات من رجال الجماعة. ٢٢١٤- عن: ابن عباس قال: قال رسول الله عَّ له: ((ألبسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم)). رواه الترمذى (١١٨:١) وقال: "حسن صحيح". وقته المولى العلامة المحدث فقيه الحنفية فى عصره مولانا رشيد أحمد قدس سره بهذه القيود، وقد أفتى بأن قميص الميت كقميص الحى كذا نقله منه سيدى، وشيخى دامت بر کاتهم. ویمکن الاعتذار عمن قال بذلك بأن المیت لا یحتاج إلیه. وقد شاع فی دیارنا تكفين الميت فى قميص غير مخيط، ولا مدخرص، فلا ينبغى الإنكار عليه لأدائه إلى الفتنة، والوحشة، والاهتمام بأمر لا يجب بحيث تودى إلى الفتنة غير محمود. وفى فتح البارى (١١١:٣): وفى الخلافيات للبيهقى من طريق ابن عون قال: " كان محمد بن سيرين يستحب أن يكون قميص الميت كقميص الحبى مكففا مزررا" اهـ. قوله: "عن ابن شهاب" إلخ. دلالته على الباب ظاهرة. قوله: "عن ابن عباس" إلخ. قال المؤلف: دلالته على استحباب التكفين فى الثياب البيض ظاهرة. وأما ما يعارضه مما رواه أبو داود، وسكت عنه هو، والمنذرى كما فى عون المعبود (١٦٩:٣)، وإسناده حسن كما فى التلخيص الحبير (١٥٤:١) عن جابر رضى الله عنه مرفوعا "إذا توفى أحدكم فوجد شيئا فليكفر فى ثوب حبرة" اهـ فأجاب عنه شيخنا بأن معنى البياض ما يسمى فى العرف بياضا، والذى يكون فيه خطوط حمر متفرقة بفصل يسمى بياضا فى العرف اهـ. وفى فتح البارى: وحكى بعض من صنف فى الخلاف عن