Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١
ج - ٨
طريق الصلوة الرباعية فى الخوف وترك الصلوة عند الالتحام
عن الحسن عن جابر رضى الله عنه "أن النبى عَّ ر كان يصلى بالناس صلاة الظهر فى
الخوف ببطن نخلة فصلى بطائفة ركعتين، ثم سلم ثم جاء طائفة أخرى، فصلى بهم
ركعتين، ثم سلم" اهـ. والثقة إن كان ابن علية، فهو ثقة حافظ أخرجوا له، كما مر فى
التقریب (ص: ٥١). وإن كان غیره فالحكم مختلف فيه.
قال فى تدريب الراوى (ص: ١١٣): وإذا قال: "حدثنى الثقة أو نحوه" لم يكتف
به على الصحيح، وقيل: يكتفى اهـ ملخصا. وفى "قفو الأثر فى صفو علوم الأثر" فى
المصطلح على مذهب سادة الحنفية (ص: ٢٠): وحديث المبهم قيل: مقبول مطلقا، وقيل:
لا، ولو أبهم بلفظ التعديل كأن يقول الراوى عنه: "أخبرنى الثقة". واختاره القاضى
القضاة (هو الحافظ ابن حجر). وقيل: إن وصفه نحو الشافعى من أئمة الحديث الراوى
عنه بالثقة، فالوجه قبوله، واختاره المحلى، وقيل: تعديله مع الإبهام مقبول مطلقا. وقيل: إن
كان عالما بأسباب الجرح والتعديل، فهو مجزئ فى حق من يوافقه فى مذهبه، والذى
ينبغى أن يكون مذهبنا قبوله، وإن أبهم بغير لفظ التعديل ولكن بمثل الشرط الذى اعتبرناه
فی المرسل اهـ
وذكر فى بأب المرسل (ص: ١٤ و١٥): فإن عرف من عادة التابعى أنه لا يرسل إلا
عن ثقة فقال الشافعى: يقبل إن اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى مسندا
كان أو مرسلا. وذهب جمهور المحدثين إلى التوقف، وهو أحد قولى أحمد، وثانيهما وهو
قول المالكيين والكوفيين يقبل سواء اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى أم لا،
هكذا قيل. والمختار فى التفصيل قبول مرسل الصحابى إجماعا، ومرسل أهل القرن الثانى،
والثالث عندنا، وعند مالك مطلقا، وعند الشافعى بأحد خمسة أمور أن يسنده غيره، أو أن
يرسله آخر، وشيوخهما مختلفة، أو أن يعضده قول صحابى، أو أن يعضده قول أكثر
العلماء، أو أن يعرف أنه لا يرسل إلا عن عدل. وأما مرسل دون هؤلاء من الثقات فمقبول
عند بعض أصحابنا، مردود عند الآخرين إلا أن يروى الثقات مرسله، كما رووا مسنده.
فإن كان الراوى يرسل عن الثقات وغيرهم فعن أبى بكر الرازى من أصحابنا، وأبى الوليد
الباجى من المالكية عدم قبول مرسله اتفاقا. ونقل السراج الهندى من أصحابنا أن المرسل
٢٠٢
إعلاء السنن طريق الصلوة الرباعية فى الخوف وترك الصلوة عند الالتحام
فى اصطلاح المحدثين هو قول التابعى: "قال رسول الله عَّ ◌ُله: وإن ما سقط من رواته قبل
التابعى وأحد يسمى منقطعا أو أكثر يسمى معضلا فلم يذكر المعلق عنهم، لا لأنه لم
يسمع اسمه منهم بل لأنه إما منقطع أو معضل. قال: والكل يسمى مرسلا عند الأصوليين
انتهى. وقد علمت حكم مرسل أهل القرون الثلاثة، ومن بعدهم على ما هو المختار عندنا،
فهو حكم مرسل أصوليين مطلقا اهـ ملخصا بلفظه. وفى تدريب الراوى (ص: ٦٧): وقيد
ابن عبد البر وغيره ذلك بما إذا لم يكن مرسله ممن لا يحترز ويرسل عن غير الثقات، فإن
کان فلا خلاف فی رده اهـ.
وقال الحافظ فى شرح نخبة الفكر (ص: ٥١): ونقل أبو بكر الرازى من الحنفية،
وأبو الوليد الباجى من المالكية أن الراوى إذا كان يرسل عن الثقات وغيرهم لا يقبل مرسله
اتفاقا اهـ. وقال محشيه فى تعليقه ناقلا عن شرح الشرح للعلى القارى ما نصه: قوله: "لا
يقبل مرسله اتفاقا" إلخ أى إذا عرف حاله أنه غير ملتزم بأن يرسله عن ثقة، فلا يقبل
مرسله اتفاقا. وأما إذا لم يعلم حاله فمرسله مقبول اتفاقا اهـ. وقوله: "مقبول اتفاقا" يعنى
به اتفاق المحتجين بالمراسيل.
قال بعض الناس: وإذا عرفت هذا التفصيل فاعلم أن قول الشافعى: "أخبرنى الثقة"
محتج به عندنا فإنه من القرن الثالث. قلت: كلا! بل هو من القرن الرابع، وإنما يقبل قوله
ذلك عندنا لكونه إماما مجتهدا، واحتجاج المجتهد برجل توثيق له. ويونس، والحسن
ثقتان من رجال الجماعة.
قال بعض الناس: فإن قيل: فى تهذيب التهذيب (٢٦٧:٢): قال أبو زرعة: الحسن
لم يلق جابرا، وقال ابن أبى حاتم: سألت أبى سمع الحسن من جابر؟ قال: ما أرى، ولكن
هشام بن حسان يقول عن الحسن: "ثنا جابر" وأنا أنكر هذا. إنما الحسن عن جابر بن
كساب مع أنه أدرك جابرا اهـ. وقال البزار: كما فى نصب الراية (٤٨:١): روى الحسن
عن جابر بن عبد الله أحاديث ولم يسمع منه اهـ. فعلى هذا الأثر منقطع.
قلت: ليس الأمر كما فهمت، يدل عليه ما فى تهذيب التهذيب أيضا. وأما رواية
الحسن عن سمرة بن جندب، ففى صحيح البخارى سماعا منه لحديث العقيقة. وقد روى
ج - ٨
طريق الصلوة الرباعية فى الخوف وترك الصلوة عند الالتحام
٢٠٣
عنه نسخة كبيرة غالبها فى السنن الأربعة. وعند على بن المدينى أن كلها سماع، وكذا
حكى الترمذى على البخارى. وقال يحيى القطان وآخرون: هى كتاب، وذلك لا يقتضى
الانقطاع اهـ (٢٦٨:٢).
فائدة: بحث الكتابة
وقال النووى فى تقريبه (ص: ١٤٦): القسم الخامس الكتابة، هى أن يكتب الشيخ
مسموعه لحاضر أو غائب بخطه أو بأمره، وهى ضربان، مجردة عن الإجازة، ومقرونة
"بأجزتك ما كتبت لك، أو إليك، أو به إليك" ونحوه من عبارة الإجازة. هذا فى الصحة
والقوة كالمناولة المقرونة (بالإجازة). وأما المجردة فمنع الرواية بها قوم منهم القاضى
الماوردى الشافعى، وأجازها كثيرون من المتقدمين والمتأخرين منهم أيوب السختيانى،
ومنصور، والليث، وغير واحد من الشافعين، وأصحاب الأصول. وهو الصحيح المشهور
بين أهل الحديث، ويوجد فى مصنفاتهم "كتب إلى فلان قال: حدثنا فلان" والمراد به
هذا، وهو معمول به عندهم معدود فى الموصول. ثم يكفى معرفة خط الكتاب، ومنهم
من شرط البينة وهو ضعيف اهـ. وقد قدمت حديثا من النسائى من طريق الحسن عن جابر
وذكرت أيضا أنه قد سكت عنه، فدل سكوته على أنه صحيح عنده حجة.
أبو بكرة أسلم بعد وقوع صلاة الخوف بمدة
وأما حديث أبى بكرة فليس فى روايته أن ذلك كان ببطن نخل، كما فى التلخيص
الحبير (١٤٠:١)، ولكنه محتمل لذلك لاحتمال اتحاد الواقعة، وإذا جاء الاحتمال بطل
الاستدلال. وفى التلخيص: أعله ابن القطان بأن أبا بكرة أسلم بعد وقوع صلاة الخوف
بمدة، هذه ليست بعلة فإنه یکون مرسل صحابی اهـ.
قلت: إنما أوقع بعض الناس فى هذا التطويل استدلاله لصلاة الخوف فى الحضر بما
رواه الشافعى فى مسنده بالشك فيمن حدثه مع توثيقه إياه مبهما "عن يونس عن الحسن
عن جابر" إلخ. وغفلته عما أخرجه الطحاوى فى معانى الآثار بسند صحيح بلا شك
موصولا قال: حدثنا يزيد (ثقة من رجال النسائى) بن سنان ثنا معاذ (من رجال الجماعة)
ابن هشام حدثنى أبى عن قتادة عن سليمان الیشکری (ثقة) أنه سأل جابر بن عبد الله عن
٢٠٤
إعلاء السنن طريق الصلوة الرباعية فى الخوف وترك الصلوة عند الالتحام
إقصار الصلاة فى الخوف أى يوم أنزل وأين هو؟ قال: "انطلقنا نتلقى عير قريش آتية من
الشام، حتى إذا كنا بنخل(١) جاء رجل من القوم إلى أن قال: فنادى رسول الله عَّ له
بالرحيل، وأخذوا السلاح، ثم نودى بالصلاة فصلى رسول الله مرّ عليه بطائفة من القوم
وطائفة أخرى يحرسونهم، فصلى بالذين يلونه ركعتين، ثم سلم، ثم تأخر الذين يلونه على
أعقابهم، فقاموا فى مصاف أصحابهم، وجاء الآخرون، فصلى بهم ركعتين والآخرون
يحرسونهم ثم سلم". الحديث.
قال الطحاوى: فإن قال قائل: ففى هذا الحديث ما يدل على خروج رسول الله
مَُّله من الصلاة بعد فراغه من الركعتين اللتين صلاهما بالطائفة الأولى لأن فى الحديث:
"ثم سلم". قيل له: قد يحتمل أن يكون ذلك السلام المذكور هو سلام التشهد الذى لا
يراد به قطع الصلاة، ويحتمل أن يكون سلاما أراد به إعلام الطائفة الأولى بأوان انصرافها،
والكلام حينئذ مباح له فى الصلاة غير قاطع لها إلخ (٨٧:١ و٨٨).
تتمة:
قال الشيخ: إنه كما يؤخر الصلاة بحال المسائفة كذلك يؤخر فى حالة لا يمكن
الوقوف بل يضطر إلى المشى، لأنه مفسد كالمسائفة. وقال بعضهم بصحة صلاة الماشى
بالإيماء استدلالا بقوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانا﴾ الآية. قلنا: معنى قوله تعالى:
"رجالا" قائمين ووافقين على الأرجل، لا مشاة، والقرينة يدل عليه مقابلته بقوله: "أو
ركبانا" فعلم به أن معنى "رجالا" ما يقابل الراكب أى غير راكبين بعد أن كانوا واقفين.
ولو كان معناه مشاة كان حق البلاغة أن يقال: فرجالا أو واقفين، كما هو ظاهر.
وأما ما رواه أبو داود عن عبد الله بن أنيس قال: "بعثنى رسول الله عزّ إلى خالد
ابن سفيان الهذلى، وكان نحو عدنة وعرفات فقال: "اذهب، فاقتله" قال: فرأيته.
وحضرت صلاة العصر، فقلت: إنى لأخاف أن يكون بينى وبينه ما أن أوخر الصلاة،
(١) الظاهر أن المراد به بطن نخلة بقرينة السباق وهو قوله: "انطلقنا نتلقى عير قريش آتية من الشام" لا موضع نخل
بنجد، فإن الصلاة بنخل نجد كانت فى غزوة ذات الرقاع ولم تكن لتلقى عير قريش، بل كانت لغزو محارب
خصفة، كما فى الصحيح، فالظاهر أن المراد بالنخل فيه بطن نخلة، كما وقع التصريح به فى رواية الشافعى عن
الحسن عن جابر، وبطن نخلة على باب المدينة، فافهم. ولا تكن من الغافلين.
ج - ٨
طريق الصلوة الرباعية فى الخوف وترك الصلوة عند الالتحام
٢٠٥
فانطلقت أمشى وأنا أصلى أومى إيماء نحوه، فلما دنوت منه قال لى: من أنت؟ قلت: رجل
من العرب، بلغنى أنك تجمع لهذا الرجل، فجئتك فى ذاك. قال: إنى لفى ذاك. فمشيت
معه ساعة حتى إذا أمكننی علوته بسیفی حتى برد". رواه أبو داود (٤٨٥:١) وسكت عنه
هو والمنذرى، كما فى عون المعبود. وفى فتح البارى: "إسناده حسن" (٣٦٤:٢). فهو
رأى محض نشأ من الإطلاقات، وليس حجة من غير المجتهد.
وكان هذا كلاما فى صلاة الماشى، أما الراكب ففى الدر المختار: "الراكب إن كان
مطلوبا تصح صلاته، وإن كان طالبا لا لعدم خوفه" اهـ حاصله أن الله تعالى أجاز صلاة
الراكب فى حالة الخوف، كما قال تعالى "فإن خفتم فإذا فات الشرط أى الخوف، كما
للطالب لأنه غير خائف فات المشروط أى الصلاة راكبا فقط ١ هـ كلامه.
فإن قيل: المتبادر هناك أن معنى "رجالا" غير راكبين سواء كانوا مشاة أو قائمين
وواقفين على ما يقتضيه مقابلته "بركبانا"، فلا يضر مقصود الخصم.
قلنا: أجاب عنه شيخنا بأن الخصم مستدل بالآية، ونحن نمنعه، ويكفى فى المنع
الاحتمال، والقرينة سند المنع، وبانهدامه لا ينهدم المنع، فكأنه قيل: معنى "رجالا" يحتمل
أن يكون قائمين إلخ. قلت: ولا حاجة إلى هذا الجواب بعد ما ثبت عن النبى عَ ◌ّه تفسير
قوله تعالى ﴿رجالا أو ركبانا﴾ بالقائمين. كما فى الصحيح وزاد ابن عمر عن النبى علي
"وإن كانوا أكثر من ذلك، فليصلوا قياما وركبانا" اهـ. قال الحافظ فى الفتح: وساقه
الإسماعيلى من طريق أخرى، وفيه: وزاد ابن عمير عن النبى عّ لّهِ: "فإن كثروا، فليصلوا
ر كيانا أو قياما على أقدامهم" اهـ (١: ٣٦٠). وذكره البخارى فى تفسير هذه الآية فى
باب التفسير من الصحيح.
فإن قلت: واقعة عبد الله بن أنيس وقعت فى زمنه مَ ◌ّه ثم لم يرد ما يدل على كونه
باطلا. فهو مرفوع من التقرير حكما.
قلت: أجاب عنه شيخنا بأن هذا وقع نادرا. وعدم اطلاع النبى معَّ ◌ُلّه غير بعيد،
والوحى لا يلزم أن ينزل فى كل واقعة، وإنما يلزم نزول الوحى إذا خفى الأمر على
الصحابة جميعا. كما قدمناه فى باب الإمامة، فوقع الاحتمال فى الرفع. قال الشوكانى فى
النيل: لا يتم به الاستدلال إلا على فرض أن النبى معَّه قرأه على ذلك، وإلا فهو فعل
٢٠٦
طريق الصلوة الرباعية فى الخوف وترك الصلوة عند الالتحام
إعلاء السن.
٢١٨٦- عن: أبى سعيد رضى الله عنه قال: حبسنا يوم الخندق عن
الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوى من الليل كفينا، وذلك قول الله عز وجل:
﴿وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا﴾ قال: فدعا رسول الله عَ ليه
بلالا رضى الله عنه، الحديث. وقد تقدم فى الترتيب بين الفوائت.
٢١٨٧- عن: أنس بن مالك رضى الله عنه حضرت عند مناهضة (١)
حصن تستر عند إضاءة الفجر واشتد اشتغال القتال فلم يقدروا على الصلاة فلم
صحابى لا حجة فيه. قال ابن المنذر: كل من أحفظ عنه العلم يقول: إن المطلوب يصلى
على دابته يومئ إيماء، وإن كان طالبا نزل، فصلى بالأرض اهـ (٢١٣:٣). قلت: والأولى
أن يحمل فعل عبد الله بن أنيس على التشبه بالمصلين، ولعله أعاد الصلاة بعد
ذلك، والله أعلم.
قوله: "عن أبى سعيد" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة.
وفى الهداية: "ولا يقاتلون فى حال الصلاة فإن فعلوا بطلت صلاتهم، لأنه عليه السلام
شغل عن أربع صلوات يوم الخندق. ولو جاز الأداء مع القتال لما تركها". وقال الشيخ:
وفى فتح القدير بعد ما نقل عن بعضهم الاعتراض على استدلال صاحب الهداية، وبعد ما
تكلم طويلا ما نصه: إن المدعى أن لا تصلى حالة المقاتلة والمسايفة، وهذا مما يدل عليه
تأخيره الصلاة يوم الخندق إذ لو جازت فى تلك الحالة لم يؤخر إلى آخر ما
قال وأطال (٦٧:١).
قوله: "عن أنس" قال المؤلف دلالته على الجزء الثانى من الباب من فعل الصحابة
ظاهرة.
ثم اعلم أن الأخذ بکل ما ورد فی صلاته الخوف یجوز عندنا إلا صورتین، فإن أبا
حنيفة رحمه الله تعالى يؤولهما على تقدير ثبوتهما عنه مرّ له أو يحملهما على الاختصاص
بِهِ عَّهِ. الأول ما مر فى حديث جابر أنه مرّ صلى بكل طائفة ركعتين، وسلم على
ركعتين، وقد ذكرنا تأويله. والثانى ما رواه النسائي عن ابن عباس رضى الله عنه أن رسول
الله عَ لّه صلى بذى قرد، فصف الناس خلفه صفين، صفا خلفه، وصفا موازى العدو،
(١) مقاومت كردن باهم وقاومه فى المصارعة وغيرها برابرى كرد بالو كذا فى "الصراح".
٢٠٧
ج - ٨
طريق الصلوة الرباعية فى الخوف وترك الصلوة عند الالتحام
نصل إلا بعد ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبى موسى، ففتح لنا. قال أنس:
"وما يسرنى بتلك الصلاة الدنيا وما فيها" هكذا علقه البخارى. وفى "فتح
البارى" (٣٦٢:٢): وصله ابن سعد، وابن أبى شيبة من طريق قتادة عنه، وذكره
خليفة فى "تاريخه"، وعمر بن شبة فى "أخبار البصرة" من وجهين آخرين عن
قتادة. ولفظ عمر: سئل قتادة عن الصلاة إذا حضر القتال فقال: حدثنى أنس بن
مالك أنهم فتحوا تستر وهو يومئذ على مقدمة الناس، وعبد الله بن قیس یعنی أبا
موسى الأشعرى أميرهم، وفى رواية عمر بن شبة: حتى انتصف النهار اهـ.
فصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم
ركعة، ولم يقضوا. وقد مر فى المتن نحوه عن ثعلبة بن زهدم عن حذيفة أنه م لآ صلى
بهؤلاء ركعة، وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا.
فقوله: "ولم يقضوا" کالصريح فى اقتصارهم علی ر کعة ر کعة، وفى الباب عن
زید بن ثابت عند أبی داود، والنسائی، وابن حبان، وعن جابر عند النسائی، ویشهد له ما
رواه مسلم، وأبو داود، والنسائى من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة
على لسان نبيكم فى الحضر أربعا، وفى السفر ركعتين، وفى الخوف ركعة.
وقال الحافظ فى الفتح: وبالاقتصار فى الخوف على ركعة واحدة يقول إسحاق،
والثورى ومن تبعهما، وقال به أبو هريرة، وأبو موسى الأشعرى، وغير واحد من التابعين.
ومنهم من قید ذلك بشدة الخوف. وقال الجمهور: قصر الخوف قصر هيئة لا قصر عدد،
وتأولوا رواية مجاهد هذه على أن المراد به ركعة مع الإمام، وليس فيه نفى الثانية. وقالوا:
يحتمل أن يكون قوله فى الحديث السابق "لم يقضوا" أى لم يعيدوا الصلاة بعد الأمن،
والله أعلم (٣٦١:٢).
وبالجملة فإن عدد الركعات ثابت بالتواتر والإجماع، فلا يجوز قصره إلا بمثلهما،
وكل ما ورد فى الاقتصار على ركعة ركعة فى الخوف، فمن أخبار الآحاد رواية ومحتمل
دلالة، ولا يصح نسخ الثابت قطعا بمثله. وأما قصر هيئة الصلاة فى الخوف فقد دل عليه
الكتاب، وورد فى غير ما حديث، وقد بلغ حد التواتر فافهم. وبهذا اندفع ما أورده
العلامة الشوكانى فى النيل عن الجمهور. والله تعالى أعلم وعلمه أتم وأحكم.
٢٠٨
إعلاء السنن
أبواب الجنائز
باب توجيه المحتضر إلى القبلة على شقه الأيمن
٢١٨٨ - عن: أبى قتادة رضى الله عنه أن النبى عّ لّه حين قدم المدينة سأل
عن البراء بن معرور رضى الله عنه، فقالوا: "توفى وأوصى أن يوجه إلى القبلة".
فقال رسول الله عَّه: ((أصاب الفطرة)) ثم ذهب، فصلى عليه. أخرجه الحاكم
فى "المستدرك"، وقال: حديث صحيح، ولا أعلم فى توجيه المحتضر غيره
(نصب الراية ٣٤٠:١).
٢١٨٩- عن: البراء بن عازب رضى الله عنه قال: قال لى رسول الله
عَّ له: ((إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوئك للصلاة ثم اضطجع على شقك
الأيمن وقل: اللّهم أسلمت إلى أن قال: فإن مت مت على الفطرة)). رواه
البخارى (٩٣٣:٢).
باب ما يلقن المحتضر، وما يقوله، وما يقرأ عنده
٢١٩٠- عن: أبى هريرة رضى الله عنه مرفوعا: ((لقنوا موتاكم لا إله إلا
الله، فإنه من كان آخر كلامه لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يوما من الدهر
باب توجيه المحتضر إلى القبلة على شقه الأيمن
قوله: "عن أبى قتادة" إلخ دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة.
قوله: "عن البراء" إلخ. وجه الاستدلال به على استقبال المحتضر عند الموت أن النوم
مظنة للموت، وإليه الإشارة بقوله عَّ له: "فإن مت" إلخ بعد قوله: "ثم اضطجع على
شقك الأيمن"، فإنه يظهر منها أنه ينبغى أن يكون المحتضر على تلك الهيئة، كذا أفاده
القاضى الشوكانى فى النيل (٢٥٠:٣). قلت: والكل مستحب.
باب ما يلقن المحتضر، وما يقوله، وما يقرأ عنده
قوله: "عن أبى هريرة" وقوله: "عن طلحة" إلخ. دلالة الأول والثانى على الجزء
الأول والثانى من الباب ظاهرة.
14
ج - ٨
ما يلقن المحتضر
٢٠٩
وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه)). رواه ابن حبان فى "صحيحه"، وأحمد فى
"مسنده"، كذا فى "كنز العمال" (٨١:٨). وفى "التلخيص الحبير"
(١٥٢:١) عزاه إلى ابن حبان فقط، وقال: غلط بن الجوزى فعزاه إلى البخارى،
وليس هو فيه. وأما المحب الطبرى، فجعله من المتفق عليه، وليس كذلك.
٢١٩١- عن: طلحة رضى الله عنه وعمر رضى الله عنه قالا: ((سمعنا
رسول الله عَّ له يقول: إنى لأعلم كلمة لا يقولها رجل يحضره الموت إلا وجد
روحه لها راحة حين تخرج من جسده، وكانت له نورا يوم القيامة، وفى لفظ:
إلا نفس الله عنه، وأشرق له لونه، ورأى ما يسره: لا إله إلا الله)). أخرجه أبو
يعلى، والحاكم بسند صحيح (شرح الصدور للحافظ السيوطى ص-١٥).
٢١٩٢ - عن: أبى هريرة رضى الله عنه (مرفوعا): ((لقنوا موتاكم لا إله إلا
الله ولا تملوهم، فإنهم فى سكرات الموت)). رواه الديلمى (كنز العمال ٨١:٨)
وإسناده ضعيف علی قاعدته.
٢١٩٣- عن: أبى الدرداء وعن أبى ذر معًا مرفوعا: ((ما من ميت يموت
فيقرأ عنده سورة يس إلا أهون الله عليه)). رواه أبو نعيم "كنز العمال" ٨٠:٨).
قوله: "عن أبى هريرة" إلخ. دلالته على الجزء الأول من الباب مع طريق التلقن
ظاهرة. قال الشيخ: وهذا الطريق هو ما ذكره فى الدر المختار وغيره أنه يلقن من غير أمره
بها لئلا يضجر، وإذا قالها مرة كفاه، ولا يكرر عليه ما لم يتكلم إلخ. قلت: وضعف
السند لا يضر فإنه نقل اعتضادا للقياس.
قال النووى: وأجمع العلماء على هذا التلقين، وكرهوا الإكثار عليه والموالات، لئلا
يضجره لضيق حاله وشدة كربه فيكره ذلك بقلبه أو يتكلم بكلام لا يليق. قالوا: وإذا قاله
مرة لا یکرر علیه إلا أن یتکلم بعده بكلام آخر فیعاد التعریض له به ليكون آخر كلامه اهـ
من النيل (٢٤٩:٣).
قوله: "عن أبى الدرداء" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الجزء الثالث من الباب،
وكذا دلالة الحديث الذى بعده عليه ظاهرة. ولم أقف على أسانيد حديثى أبى الدرداء،
وأبى ذر، ولكنه حسن أو صحيح لسكوت الحافظ عنه فى التلخيص، وقد احتج العلامة
٢١٠
ما يلقن المحتسر
إعلاء السين
وفى "الدر المنثور. عزا رواية أبى الدرداء إلى ابن مردويه، والديلمى، ورواية
أبى ذر إلى أبى الشيخ والديلمى. ولفظ "الدر المنثور": هون موضع أهون. ولعل
كاتب "كنز العمال" قد سهى. وكذا ذكره الحافظ فى "التلخيص" (١٥٣:١)
بلفظ "هون" وسكت عنه، فهو حسن أو صحيح فإن الشوكانى يحتج
بسكوت الحافظ فى "التلخيص" أيضا.
٢١٩٤- عر: معقل بن يسار رضى الله عنه قال: قال رسول الله عَيّـ
الشوكانى بسكوته فيه فى غير موضع من النيل، منه ما ذكره فى
(٢١١:٣ و٢٤٩:٣ و٧٠:٣).
ثم اعلم أن هذا الكلام كان متعلقا وبالتلقين قبل الموت، وقد ورد التلقين بعد الدفن
أيضا، ففى التلخيص الحبير الطبرانى عن أبى أمامة رضى الله عنه إذا أنا متُّ فاصنعوا بى
كما أمرنا رسول الله عَّه أن نصنع بموتانا. أمرنا رسول الله عَ لّه فقال: "إذا مات أحد من
إخوانكم، فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان بن
فلانة! فإنه يسمعه، ولا يجب ثم يقول: يا فلان بن فلانة! فإنه يستوى قاعدا. ثم يقول: يا
فلان بن فلانة! فإنه يقول: "أرشدنا يرحمك الله"، ولكن لا تشعرون فليقل: اذكر ما
خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت
بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما. فإِن منكرا ونکیرا يأخذ كل واحد
منهما بيد صاحبه، ويقول: "انطلق بنا ما يقعدنا عند من قد لقن حجة". قال: فقال رجل:
"يا رسول الله! فإن لم يعرف أمه". قال: ينسبه إلى أمه حواء، يا فلان بن حواء" وإسناده
صالح، وقد قواه الضياء فى أحكامه له (١:١٦٦ و١٦٧).
وفى الدر المختار: ولا يلقن بعد تلحيده وإن فعل لا ينهى عنه. وفى الجوهرة: إنه
مشروع عند أهل السنة اهـ. وفى رد المحتار: قيل: يلقن لظاهر ما روينا، وقيل: لا، وقيل: لا
يؤمر به ولا ينهى عنه (٨٩١:١). وقال الطحاوى: وفى المزيد والتجنيس: التلقين بعد
الموت فعله بعض مشائخنا (ص: ٥٧٩). وفى العالمكيرية: وأما التلقين بعد الموت فلا يلقن
عندنا فى ظاهر الرواية، کذا فى العینی شرح الهداية، ومعراج الدراية، ونحن نعمل بهما
عند الموت، وعند الدفن (أى بعده) كذا فى المضمرات (١٠٠:١).
٢١١
ج - ٨
((اقرأوا يس على موتاكم)) رواه أبو داود (١٦٠:٣)، وسكت عنه، وفى "بلوغ
المرام" (١٠٠:١) رواه أبو داود، والنسائی، وصححه ابن حبان اهـ.
باب تغمیض بصر الميت
٢١٩٥- عن: شداد بن أوس قال: قال رسول الله عَّ له: ((إذا حضرتم
موتاكم فأغمضوا البصر، فإن البصر(١) يتبع الروح، وقولوا خيرا، فإن الملائكة
وفى رد المحتار تحت قول الدر المختار: " وإن فعل لا ينهى عنه" ما نصه: وقد أطال
فى الفتح فى تائيد حمل موتاكم فى الحديث (وهو لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) على
حقيقة، لكن قال فى شرح المنية: إن الجمهور على أن المراد منه مجازه. وفى المعراج عن
انجبازية والكافى أن هذا قول المعتزلة، لأن الإحياء بعد الموت مستحيل عندهم، أما عند
أهل السنة فالحديث أى "لقنوا موتاكم" محمول على حقيقة، لأن الله تعالى يحييه على ما
جاءت به الآثار، فذكر الأثر الذى ذكرناه آنفا. ثم قال: قال فى شرح المنية: وإنما لا ينهى
عن التلقين بعد الدفن، لأنه لا ضرر فيه، بل فيه نفع فإن الميت ليستانس بالذكر على ما ورد
فى الآثار اهـ (٨٩٠:١).
وبالجملة فالتلقين بعد الدفن يستحب فى نفسه لوروده بصيغة الأمر فى الحديث،
ولكن الآن قد صار شعار الروافض، وتركه أهل السنة، ففيه خوف التهمة، فلا يلقن. فإنه
عَ لّه قال: "اتقوا (٢) مواضع التهم". رواه البخارى فى تاريخه كما فى كنوز الحقائق
للعلامة المنادى (٥:١). نعم يستحسن الآن أيضا إذا أمن التهمة، والله تعالى أعلم.
وأما حديث "لقنوا موتاكم إلخ" فهو محمول على المجاز كما قاله الجمهور، أما فى
رواية ابن حبان من زيادة «فإنه من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)) وقد مر فی
المتن، وهى قرينة للمجاز.
باب تغميض بصر الميت
قوله: "عن شداد" إلخ. قال المؤلف: وفى الزيلعى بعد هذه العبارة المذكورة ما
نصه: وقال (أى البزار): لا يعلم من رواه عن حميد الأعرج إلا قزعة بن سويد، وليس به
(١) أى الإدراك الذى كان فى الحدقة. وحينئذ لا فائدة فى بقاء البصر مفتوحا إلا تشوبه الخلقة قاله العلامة القارئ.
(٢) لم أقف على رجاله، ولا ينزل من رتبة الضعيف وهو مؤيد للقياس هناك وليست احتج به.
٢١٢
إعلاء السنن
تؤمن على ما قال أهل البيت)). أخرجه ابن ماجة، ورواه أحمد فى "مسنده"،
والحاكم فى "المستدرك"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ورواه البزار
فى "مسنده" (زيلعى ٣٤١:١).
وقال السندى (٢٢٩:١) فى سند ابن ماجة ما نصه: فى الزوائد: إسناده
حسن، لأن قزعة بن سويد مختلف فيه، وباقى رجاله ثقات اهـ.
٢١٩٦- عن: أم سلمة رضى الله عنها قالت: ((دخل رسول الله عَ ليه على
أبى سلمة وقد شق بصر فأغمضه)). الحديث رواه مسلم (٣٠٠:١).
باب تسجية الميت
٢١٩٧- عن: عائشة رضى الله عنها ((أن رسول الله عَ بٍ حين توفى
سجی بیرد حبرة)). متفق عليه (نيل، ٢٥٤:٣).
باب غسل الميت وطريقه
٢١٩٨- عن: ابن إسحاق عن محمد بن ذكوان عن الحسن عن أبى بن
بأس، لم يكن بالقوى، واحتملوا حديثه إلخ (٣٤١:١).
قلت: هو مختلف فيه. ففى تهذيب التهذيب: وقال ابن عدى: "له غير ما ذكرت
أحاديث مستقيمة، وأرجو أنه لا بأس به" (٣٧٦:٨ و٣٧٧). وقال العزيزى فى شرح
الجامع الصغير: قال الشيخ: " حديث صحيح". (٩٧:١).
المختلف فيه حسن الحديث
قلت: وقد عزاه إلى أبى داود أيضا، وليس فيه فيما علمت والله تعالى أعلم. وفى
قول السندى دليل على أن الراوى المختلف فيه حسن الحديث.
قوله: عن أم سلمة إلخ. دلالته على الباب ظاهرة.
باب تسجیة الميت
قوله:"عن عائشة" إلخ. دلالته على الباب ظاهرة.
باب غسل الميت وطريقه
قوله: "عن ابن إسحاق" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. وغسل الميت
لم نجعله سنة اصطلاحية، لأن الاصطلاح حادث ولم يكن هناك، ومعنى السنة هناك
ء
٢١٣
ج - ٨
غسل الميت وطريقه
كعب قال: قال رسول الله عّ له: ((كان آدم عليه الصلاة والسلام رجلا أشعر
طوالا(١) آدم كأنه نخلة سحوق(٢)، فلما حضره الموت نزلت الملائكة بحنوط
وكفنه من الجنة، فلما مات غسلوه بالماء والسدر (٣) ثلاثا، وجعلوا فى الثالثة
کافورا، و كفنوه فى وتر ثياب، وحفروا له لحدا، وصلوا عليه، وقالوا: هذه سنة
ولد آدم من بعده)). رواه الحاكم فى "المستدرك"، وسكت عنه. ثم أخرجه عن
الحسن عن عتى بن ضمرة السعدى عن أبى بن كعب مرفوعا نحوه، وفيه:
((فقالوا يا بنى آدم! هذه سنتكم من بعده، فكذالكم فافعلوا)) وقال: "صحيح
الإسناد ولم يخرجاه، لأن عتى بن ضمرة ليس له راو غير الحسن" انتهى.
وضعف النووى فى "الخلاصة" الأول (زيلعى ٣٤١:١ و٣٤٢).
الطريقة المسلوكة فى الدين، وإنما جعلناه فرض كفاية، لورود الأمر به فى شريعتنا من قوله
عليه السلام "اغسلنها" الذى سيأتى قريبا فى المتن وللإجماع عليه ففى فتح القدير: فرض
بالإجماع إذا لم يكن الميت خنثى مشكلا، فإنه مختلف فيه (٦٩:٢). وفى رحمة الأمة:
واتفقوا(٤) على أن غسل الميت فرض كفاية (ص: ٣٣). وكذا حكى النووى فيه الإجماع،
كما فى فتح البارى (١٠١:٣) وفى الحديث أيضا غسل الميت بالماء والسدر، وجعل
الكافور فیه، والتکفین فی الوتر، والتلحيد له والصلاة عليه، و كل ذلك من أحكام شريعتنا
أيضا. فقد نقلها الشارع، ولم ينكر عليه. على أن كلا منها قد ثبت فى شريعتنا بدليل
مستقل، كما ستعرف.
(١) بالضم وتشدید واو بسیار دراز.
(٢) النخلة سحوق الطويل التى بعد ثمرها على المجتنى، كذا فى "مجمع البحار".
(٣) إذا أطلق السدر فى الغسل فالمراد الورق المطحون، "مصباح".
(٤) وهو زهول شديد، فإن الخلاف مشهور عند المالكية حتى أن القرطبى رجح فى شرح مسلم أنه سنة، ولكن الجمهور
على وجوبه وقد رد ابن العربى على من لم يقل بذلك أى الوجوب وقد توارد به القول، والعمل، وغسل الطاهر
المطهر فكيف بمن سواه. كذا فى فتح البارى (١٠١:٣) وفيه دليل على أن الراجح عند المالكية الوجوب، والذى
ظهر لى من المقدمات لابن رشد أن المراد بالسنة عند من جعلها سنة هو الذى يسميه الحنفية بالواجب، لأن ابن
رشد أرجح كونه سنة أو لا ثم قال: فإن ترك غسله استدرك ما لم يدفن، وقيل: ما لم يخش عليه التغيير، وإن دفن
وتعاد الصلاة عليه اهـ (١٦٩:١) وهذه إمارة الوجوب فافهم. ثم رأت العلامة العينى قد قال بمثل ما قلت: إن
معنى قوله "سنة" أى سنة مؤكدة وهى فى قوة الوجوب اهـ (٤٠:٤).
٢١٤
غسل الميت وطريقه
إعلاء السنن
قلت: عتى ثقة كما فى "التقريب" (ص-١٤٠). وروى عنه ابنه عبد الله
"بن عتى أيضا، كما فى "تهذيب التهذيب" (٧: ١٤٠). والحسن لم يدرك آبيا
رصى الله عنه، كما فى ترجمة الحسن من "تهذيب التهذيب"، ولكن عرف من
هو بینه وبینه، وهو عتی، فلا ضير. ومحمد بن ذكوان وثقه شعبة، وابن معين،
وضعفه جماعة، كما فى ترجمته من "تهذيب التهذيب". وابن إسحاق ثقة
مدلس، کما تقدم غير مرة. والإسناد حسن عندی.
٢١٩٩- عن: عبد الله بن الحارث قال: ((غسل النبى معَّه على وعلى يد
على خرقة يغسله. فأدخل يده تحت القميص يغسله، والقميص عليه)). رواه
الحاكم ("التلخيص الحبير" ١٥٤:١). سكت عنه الحافظ، ولم يتعقبه بشىء
فهو صحيح أو حسن.
٢٢٠٠ - عن: عائشة رضى الله عنها تقول: لما أرادوا غسل النبى علّ
قالوا: "والله ما ندرى أنجرد رسول الله عٍَّ من ثيابه كما نجرد موتانا، أم نغسله
وعليه ثيابه". فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه فى
صدرهم، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو أن اغسلوا
قوله: "عن عبد الله" إلخ قال المؤلف: دلالته على طريق الغسل ظاهرة. وفى فتح
القدير: يجب على الغاسل فى استنجاء الميت على قول أبى حنيفة، ومحمد أن يلف على
يده خرقة ليغسل سوأته (٧١:٢). ولكن الأثر لا دليل فيه على الوجوب، فإنه فعل
صحابی. إلا أن المسئلة ثابتة بالقياس، والأثر قد نقل لبيان ما ذکر فیه دون کونه واجبا، فلا
يخلو عن اعتضاد للقياس فافهم.
قوله: "عن عائشة" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. وظهر منه أن عدم
نزع القميص عند الغسل كان من خصائص النبى مبآ وإلا لم يتردد الصحابة فيه. فهو
حجة على الإمام الشافعى، والإمام أحمد. وفى رحمة الأمة: وهل الأفضل أن يغسل
مجردا أو فى قميص؟ قال أبو حنيفة ومالك: مجردا مستور العورة، وقال الشافعى
وأحمد: الأفضل فى قميص اهـ (ص: ٣٣).
٢١٥
ج - ٨
غسل الميت وطريقه
النبى عٍَّ وعليه ثيابه. فقاموا إلى رسول الله عّ لّه فغسلوه(١) وعليه قميصه
يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم. وكانت عائشة
تقول: لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه". رواه أبو داود
(١٦٥:٣) وسكت عنه هو، والمنذرى. وفى "الخصائص الكبرى" (٢٧٥:٢):
أخرج ابن سعد، وأبو داود والحاكم والبيهقى، وصححاه، وأبو نعيم عن عائشة،
فذكره. وفى التلخيص الحبير (١: ٣٠٥) روى أبوداود وابن حبان والحاكم فذكره.
٢٢٠١ - عن: أم عطية رضى الله عنها أن رسول الله عَّ ◌ُله حيث أمرها أن
تغسل أبنته قال لها ((ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها)).
رواه مسلم (٣٠٥:١).
٢٢٠٢- عن: أم عطية رضى الله عنها قالت: دخل علينا النبى عدّ له
ونحن نغسل ابنته فقال: (اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثرمن ذلك إن رأیتن ذلك
بماء وسدر واجعلن فى الآخرة كافورا أو شيئا من كافور)». الحديث
رواه مسلم (٣٠٤:١).
قال الشيخ: وفى الدر المختار: "ويجرد من ثيابه كما مات. وغسله عليه السلام فى
قميصه من خواصه" اهـ. وفى رد المحتار: قوله: "ويجرد" ليمكنهم التنظيف والتطهير،
وهو لا يحصل مع ثيابه، لأن الثوب متى تنجس بالغسالة تنجس به بدنه، وظاهر الوجوب
على ظاهره اهـ ملخصا. وفيه: قوله: "من خواصه". قال ابن عبد البر: روى ذلك(٢) عن
عائشة من وجه صحيح، فدل هذا أن عادتهم كانت تجريد موتاهم للغسل فى زمنه مآ،
شرح المنية. وزاد فى المعراج: وغسله معَ ◌ّه ليس للتطهير، لأنه مّ له كان طاهرا حيا وميتا
اهـ (١: ٨٩٤).
قوله: عن أم عطية إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة، وكذلك دلالة الذى
بعده عن أم عطية أيضا، وكذا ما يأتى عن أم عطية بعد حديث على عن محمد بن سيرين.
(١) فإن قيل: كيف ترك طريق السنة فى الغسل بالمنام، وهو ليس بحجة؟ قلنا: يمكن أن يقال: إنهم اتفقوا على هذا الأمر
برأيهم، ولكن لما كان الاتفاق بعد المنام، وتحركوا به نسب الحكم إليه، والله تعالى أعلم.
(٢) لعل المراد ما يدل على الخصوصية، وهو مذكور فى حديث الباب.
٢١٦
ج - ٨
غسل الميت وطريقه
٢٢٠٣- عن: سعيد بن المسيب عن على رضى الله عنه قال: ((لما غسل
النبى عّ لّ (أى على رضى الله عنه. سندى). ذهب يلتمس منه ما يلتمس من
الميت فلم يجده)). الحديث رواه ابن ماجة (٢٣١:١) وقال السندى: وفى
"الزوائد": هذا إسناده صحيح، ورجاله ثقات.
قال الشيخ: وفى رد المحتار عن شيخ الإسلام إن الأولى بالقراح أى الماء الخالص،
والثانية بالمغلى فيه سدر، والثالثة بالذى فيه كافور. قال فى الفتح: والأولى كون الأوليين
بالسدر كما هو ظاهر الهداية، لما فى أبى داود بسند صحيح أن أم عطية كانت تغسل
بالسدر مرتين والثالث بالماء والكافور اهـ (٨٩٦:١).
قوله: عن على إلخ قال الشيخ: دل الحديث على أنه لو نظر إلى شىء غسله، وبه
قال علمائنا، ولم يقم دليل على إعادة الغسل، فلذا حكم علمائنا بعدم إعادته إن وقع ذلك.
قلت: قال الحافظ فى الفتح فى شرح حديث أم عطية رضى الله عنها قالت: دخل
علينا رسول الله عَّ ◌ُله حين توفيت ابنته فقال: اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر من ذلك.
الحديث. ما نصه: قال ابن بزيزة: استدل بها على وجوب غسل الميت، وهو مبنى على أن
قوله فيما بعد: إن رأيتن ذلك هل يرجع إلى الغسل أو العدد؟ والثانى أرجح فثبت المدعى.
قال ابن دقيق العيد: لكن قوله: "ثلثا" ليس للوجوب على المشهور من مذاهب
العلماء فتوقف الاستدلال به على تجويز إرادة المعنيين المختلفين بلفظ واحد. لأن قوله:
" ثلثا" غير مستقل بنفسه، فلا بد أن يكون داخلا تحت صيغة الأمر، فيراد بلفظ الأمر
الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل وللندب إلى الإيتار انتهى. وقواعد الشافعية لا تأبى ذلك
ومن ثم ذهب الكوفيون(١) وأهل الظاهر، والمزنى إلى إيجاب الثلاث، وقالوا: إن خرج منه
شىء بعد ذلك يغسل موضعه، ولا يعاد غسل الميت، وهو مخالف لظاهر الحديث. وجاء
عن الحسن مثله أخرجه عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن ابن سيرين قال: يغسل ثلاثا،
فإن خرج منه شىء بعد فخمسا، فإن خرج منه شىء غسل سبعا. قال هشام: وقال الحسن:
يغسل ثلاثا، فإن خرج منه شىء غسل ما خرج، ولم يزد على الثلاث اهـ (١٠٤:٣).
(١) قلت: إن أراد بالكوفيين الحنفية فالنقل ليس بصحيح، فإن التثليث عندهم مسنون لا واجب، صرح به فى "البدائع"
وغيره.
٢١٧
إعلاء السنن
غسل الميت وطريقه
٢٢٠٤- عن: محمد ابن سيرين «أنه كان يأخذ الغسل (أى يتعلم). عن
أم عطية، يغسل بالسدر مرتين والثالثة بالماء والكافور)). رواه أبو داود. وقال
النووى فى "الخلاصة": إسناده على شرط البخارى ومسلم (زيلعى ٣٤٢:١).
والحاصل أن ابن سيرين فهم من ظاهر قوله عَّه: ((اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر
من ذلك)) أن المراد اغسلنها ثلاثا فإن احتجن إلى زيادة لخروج شىء من الميت فخمسا إلى
آخره، ولكن لا دليل فيه على أن ابن سيرين كان يرى وجوب عادة الغسل بخروج شىء
من الميت بدليل أنه لم يذكر الزيادة على السبع إذا خرج منه شىء بعدها. قال الحافظ فى
الفتح: وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا قال بمجاوزة السبع، وسيأتى من طريق قتادة أن ابن
سيرين كان يأخذ الغسل عن أم عطية ثلاثا، وإلا فخمسا، وإلا فأكثر. قال: فرأينا أن أكثر
من ذلك سبع.
وقال الماوردى: الزيادة على السبع سرف، وبه قال أحمد، فشره الزيادة على السبع.
وقال ابن المنذر: بلغنى أن جسد الميت يسترخى بالماء فلا أحب الزيادة على ذلك اهـ
(١٠٤:٣). وإذا لم يستحب الزيادة على السبع ولو خرج منه شىء بعدها ثبت أن غسل
الميت لا ينتقض بخروج شىء منه، وهذا هو معنى قول الحسن. "فإن خرج منه شىء
غسل ما خرج، ولم يزد على الثلاث" أى لم تجب الزيادة عليها وإن استحبت إلى السبع.
وأيضا فلو كان غسل الميت ينتقض بخروج شىء لأدى ذلك إلى الحرج فيما إذا خرج منه
شىء بعد كل غسلة، فالصحيح ما قاله أصحابنا الحنفية: إنه لا يجب إعادة الغسل إن خرج
منه شىء، بل يغسل موضعه. وكذلك لا ينتقض به وضوءه عندنا لعدم النقل فى ذلك
أصلا، لا مرفوعا، ولا موقوفا فيما نعلم. وقال الشافعى: يعيد الوضوء استدلالا بحالة
الحياة. ولنا أن الموت أشد من خروج النجاسة ثم هو لم يمنع حصول الطهارة فلأن لا
يرفعها الخارج مع أن المنع أسهل أولى، كذا فى البدائع اهـ (٣٠١:١).
ثم اعلم أن الرواية قد اختلفت فى المذهب فى وقت عصر بطن الميت، هل يبدأ به
قبل الغسل أم يؤخر عنه؟ فقال فى البدائع: ظاهر الرواية أن يمسح بطنه بعد المرتين من
الغسلات قبل الثالثة، وروى عن أبى حنيفة فى غير رواية الأصول أنه يقعده، ويمسح بطنه
أولا ثم يغسله بعد ذلك، ووجهه أنه قد يكون فى بطنه شىء، فيمسح حتى لو سأل منه
٢١٨
ج - ٨
غسل الميت وطريقه
٢٢٠٥- عن: جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله عَّ له: ((إذا أجمرتم
الميت فأوتروا)). أخرجه الحاكم وصححه، وابن حبان فى "صحيحه"
(زيلعى ٣٤٣:١ و٣٤٤).
٢٢٠٦- عن: أبى وائل قال: ((كان عند على مسك، فأوصى أن يحنط
شىء يغسله بعد ذلك ثلاث مرات، فيطهر. ووجه ظاهر الرواية أن الميت قد يكون فى
بطنه نجاسة منعقدة لا تخرج بالمسح قبل الغسل، وتخرج بعد ما غسل مرتين. بماء حار،
فكان المسح بعد المرتين أولى إلى أن قال: ثم يضجعه على شقه الأيمن. فيغسله بالماء القراح
وشىء من الكافور حتى ينقيه، وليتم عدد الغسل ثلاثا اهـ بمعناه (١: ٣٠١).
قلت: ويؤيد رواية غير الأصول ما رواه البيهقى عن ابن سيرين مرسلا " من غسل
ميتا فليبدأ بعصره" ولكن إسناده ضعيف، كما فى العزيزى (٣٤٩:٣). وأخرج الطبرانى
والبيهقى عن أم سليم قالت: قال رسول الله مَّه: ((إذا توفيت المرأة فأرادوا أن يغسلوها،
فليبدأوا ببطنها، فليمسح بطنها مسحا رقيقا إن لم تكن حبلى، فإن كانت حبلى فلا
تحركيبها". الحديث بطوله ذكره الحافظ السيوطى فى جمع الجوامع كما فى كنز العمال
(١١٢:٨). والظاهر من سياقه أنه ضعيف أيضا، والله تعالى أعلم.
قال الشيخ: إن الأصل الذى يقتضيه القياس فى مسح البطن أن يبدأ به قبل الغسل،
كما فى هذه الروايات، وبه قال أبو حنيفة فى غير رواية الأصول. وقوله فى ظاهر الرواية
بالمسح بعد الغسلتين لعارض، كما يشعر به تعليل صاحب البدائع، فلا تعارض بينهما،
فافهم.
قوله: "عن جابر" إلخ قال المؤلف: دلالته على إجمار الميت وإيتاره ظاهرة، وفى
فتح القدير: وجميع ما يجمر فيه الميت ثلاث، عند خروج روحه لإزالة الرائحة الكريهة،
وعند غسله، وعند تكفينه، ولا يجمر خلفه، ولا فى القبر، لما روى "لا تتبعوا الجنازة
بصوت ولا نار" اهـ (٧٢:٢). قلت: سيأتى حديث النهى عن اتباع النار بإسناد منقطع
فی "باب النهى عن اتباع الميت بالنار".
قوله: "عن أبى وائل" إلخ. قال المؤلف: دلالته على التطبيب بالحنوط ظاهرة. قال
الشيخ: وفى الهداية: ويجعل الحنوط على رأسه، ولحيته اهـ.
٣٢٩
ـس ميت وطريقه
إعلاء السنن
به، وقال: هو فضل حنوط رسول الله عّ لّه)). أخرجه الحاكم فى "المستدرك"،
وسكت عنه. ورواه البيهقى فى "سننه". قال النووى: "إسناده حسن" (زيلعى
٣٤٣:١).
٢٢٠٧- حدثنا: عبد الصمد بن عبد الوارث عن همام عن شيخ من أهل
الكوفة - يقال له: زياد- عن إبراهيم عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: ((يوضع
الكافور على مواضع سجود الميت)). رواه ابن أبى شيبة فى
"مصنفه" (زيلعى ٣٤٤:١).
قلت: رجاله رجال الصحيح إلا أنه منقطع بين النخعى وابن مسعود، وقد
تقدم فى نواقض الوضوء فى مراسيل النخعى ما يدل أنه فى حكم الموصول،
وزياد هذا إما ابن حسان المعروف بالأعلم ثقة، أو بن سعد ثقة ثبت، وهمام هو
ابن يحيى بن دينار ثقة ربما وهم، كما فى "التقريب"، والسند حسن
منقطع عندى.
٢٢٠٨ - أخبرنا: أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أن عائشة رضى
الله عنها أم المؤمنين رأت ميتا يسرح رأسه فقالت: "علام تنصون ميتكم؟"
رواه الإمام محمد فى "كتاب الآثار" (ص-٣٩) قلت: رجاله ثقات إلا أنه
منقطع بين النخعى وعائشة رضى الله عنها، ومراسيله صحاح.
٢٢٠٩- حدثنا: هشيم(١) عن مغرة (هو الضبى). عن إبراهيم (النخعى).
قوله: "حدثنا عبد الصمد" إلخ. قال المؤلف: دلالته على جعل الكافور فى
مساجده ظاهرة. وفى الهداية: والكافور على مساجده اهـ.
قوله: "أخبرنا أبو حنيفة" إلخ، وقوله: "حدثنا هشيم" إلخ قال المؤلف: دلالتهما
على عدم المشط للميت ظاهرة. فإن قلت: فى التلخيص الحبير: فى الصحيحين عن أم
عطية: "غسلنا ابنة النبى عّ لّ مشطناها" (١٥٤:١). فالجواب عنه أن هذا المشط كان
لجعل الشعر ثلاثة قرون، كما فى البخارى مشطناها ثلاثة قرون، وفى حاشيته عن
(١) هو ابن بشر أحد الأعلام ولد سنة ثمان وتسعين ومائة، ومات فى ذى الحجة سنة خمس وثمانين ومائتين قال
الدار قطنى: "هو إمام بارع فى كل علم، صدوق"، كذا فى "تذكرة الحفاظ" (١٦٢:٢).
٢٢٠
ج - ٨
غسل الميت وطريقه
عن عائشة رضى الله عنها: أنها سئلت عن الميت يسرح رأسه فقالت: "علام
تنصون ميتكم؟" رواه أبو عبيد القاسم بن سلام (هو إمام مشهور ثقة فاضل
مصنف. "تقريب"). وإبراهيم(١) الحربى فى "كتابيهما" فى غريب الحديث.
قال أبو عبيد: هو مأخوذ من نصوت الرجل أنصوه نصوا إذا مددت ناصيته،
فأرادت عائشة أن الميت لا يحتاج إلى تسريح الرأس، وذلك بمنزلة الأخذ
بالناصية ("زيلعى" ٣٤٤:١).
القسطلانى "أى جعلنا شعرها ثلاثة ضفائر بعد أن حللناه بالمشط" (١٦٧:١).
قال الشيخ: ونهى الفقهاء عن المشط معلل بالزينة كما علله به صاحب الهداية،
فعلم أن النهى عنه إنما هو إذا لم تمس إليه حاجة أما إذا مست إليه الحاجة، كما إذا كان
الرأس ملبدا، فلا وجه للمنع عنه، وعليه يحمل الحديث، فلم يتعارض قول عائشة وفعل
عطية رضى الله عنهما. ويمكن أن يحمل المشط فى قولها: "مشطناها" على حل الشعر
ونقضه مطلقا بدون أن يكون بالمشط حمل المقيد على المطلق، فإن عائشة قد صرحت
بكراهة التسريح قولا، فينبغى تأويل فعل أم عطية، فإن القول مقدم على الفعل.
ويؤيد التأويل الذی ذ کرناه ما رواه النسائی بسنده، وسكت عنه عن ابن جريج قال
أيوب: وسمعت حفصة تقول: " حدثتنا أم عطية أنهن جعلن رأس بنت النبى ثلاثة قرون".
قلت: نقضنه وجعلنه ثلاثة قرون؟ قالت: "نعم". (٢٦٦:١). فهذا أيوب حمل كلام أم
عطية على معنى نقض الرأس دون تسريحه، وأقرته حفصة عليه. وفى رواية للبخارى عن
أم عطية بلفظ "إنهن جعلن رأس بنت رسول الله عَ ليه ثلاثة قرون، نقضنه ثم غسلنه، ثم
جعلنه ثلاثة قرون" فلا يبعد أن تكون الرواية بلفظ "مشطناها" من تصرف الرواة. والله
تعالى أعلم.
وبمثل ما قلنا قال أحمد فى تأويل الحديث، اطلعت عليه بعد تحرير المقام. قال ابن
قدامة فى المغنى: فأما التسريح فكرهه أحمد، وقال: قالت عائشة: "علام تنصون ميتكم؟"
قال: يعنى لا تسرحوا رأسه بالمشط. وقد روى عن أم عطية قالت: "مشطناها ثلاثة
قرون". متفق عليه. قال أحمد: "إنما ضفرن"، وأنكر المشط، فكأنه تأول قولها:
(١) هذا السياق لأبى عبيد فإن الحربى لم يدرك هشيما.