Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
كيفية صلوة العيدين
ج - ٨
النبى معَّ له يكبر بين أضعاف الخطبة(١) يكثر التكبير فى خطبة العيدين اهـ. وفى "الزوائد":
إسناده ضعيف، لضعف عبد الرحمن بن سعد، وأبوه لا يعرف حاله، قاله
العلامة السندى (٢٠١:١).
قلت: هشام بن عمار صدوق مقرئ، کبر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح، كما
فى "التقريب" (ص: ٢٢٦). ولم يعرف أن هذا الحديث من القديم أو الحديث، ولكن
الضعیف یکتفی به فی فضائل الأعمال، فیجوز إثبات الاستحباب به، لا سيما وقد تأید
بعموم قوله: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ وبعموم قوله عليه السلام: ((زينوا أعيادكم
بالتکبیر» وقد مر. وروى ابن ماجة أیضا، حدثنا يحيى بن حكيم ثنا أبو بحر ثنا عبيد الله
بن عمرو الرقى ثنا إسماعيل بن مسلم الخولانى ثنا أبو الزبير عن جابر قال: "خرج رسول
الله عَ ليه يوم فطر أو أضحى، فخطب قائما. ثم قعد قعدة ثم قام" اهـ. وفى "الزوائد": فيه
إسماعيل بن مسلم، وقد أجمعوا على ضعفه. وأبو بحر ضعيف، قاله السندى (٢٠١:١).
وروی الإمام الشافعی فی "مسنده" (ص:٤٤) أخبرنا إبراهيم بن محمد حدثنى
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله عن إبراهيم بن عبد الله عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة
قال: "السنة أن يخطب الإمام فى العيدين خطبتين يفصل بينهما بجلوس" اهـ. ولم أقف
على حال إبراهيم بن عبد الله، وعبد الرحمن، ولهما ذكر فى "تعجيل المنفعة" مجمل.
وشيخ الإمام الشافعى قد تقدم فى باب ما جاء فى غسل العيدين. وعبيد الله تابعى قد
أخرجوا له.
قول التابعى: "السنة"
وقال الإمام العلامة النووى فى "مقدمة شرح صحيح مسلم": وأما إذا قال التابعى:
"من السنة كذا" فالصحيح أنه موقوف. وقال بعض أصحابنا الشافعيين: إنه
مرفوع مرسل اهـ (ص: ١٥).
وفى "التلخيص الحبير" (١٤٥:١): قوله: "ويجلس بينهما كما فى الجمعة"
(١) کالبيان لما قبله.

١٤٢ ٠
کیفیة صلوة العیدین
إعلاء السنن
مقتضاه أنه احتج بالقياس اهـ. وقال النووى فى "الخلاصة": لم يثبت فى تكرير الخطبة
شىء، ولكن المتعمد فيه القياس على الجمعة، كذا فى "نصب الراية" (٣٢٤:١).
قلت: والحديث الضعيف إذا تأيد بالقياس الصحيح صار حسنا.
تتمة ثانية:
اعلم أن أصحابنا ذهبوا إلى رفع اليدين عند كل تكبيرة، وفى "التلخيص الحبير"
(١٤٥:١): قوله: "عن عمر رضى الله عنه أنه كان يرفع يديه فى التكبيرات". رواه
البیہقی، وفیه ابن لهيعة اهـ.
قلت: تقدم أنه مختلف فيه، وحسن الحديث، إلا أن السياق لم يعرف، فلم يعلم
أنها تكبيرات العيدين أو الجنائز، وإن كان نقله صاحب التلخيص فى العيدين. فيحتمل أنه
فهمه بالقرائن وصحتها محتملة؛ فإن ثبت عن عمر يكون حجة عندنا. وليس مما لا يدرك
بالرأى. وفى "زاد المعاد" (١٢٤:١): "وكان ابن عمر مع تحريه للاتباع يرفع يديه مع كل
تكبيرة" اهـ، حكاه ابن القيم جازما به، ومثله لا يجزم بالضعيف، فهو حجة.
وقد روى الطحاوى (٣٩١:١) " حدثنا سليمان بن شعيب بن سليمان عن أبيه عن
أبى يوسف عن أبى حنيفة عن طلحة بن مصرف عن إبراهيم النخعى قال: "ترفع الأيدى
فى سبع مواطن، فى افتتاح الصلاة، وفى التكبير للقنوت فی الوتر، وفى العیدین، وعند
استلام الحجر وعلى الصفا والمروة، وبجمع، وعرفات، وعند المقامين عند الجمرتين". قال
أبو يوسف: "فأما فى افتتاح الصلاة، وفى العيدين، وفى الوتر، وعند استلام الحجر،
فيجعل ظهر كفيه إلى وجهه. وأما فى الثلث الآخر: فيستقبل بباطن كفيه وجهه" اهـ.
ذكره فى "باب رفع اليدين عند رؤية البيت". قال صاحب "آثار السنن": إسناده
صحيح (١٨:٢).
قلت: وقد تقدم أن قول إبراهيم حجة عندنا، لا سيما فيما لا يدرك بالرأى، لكونه
لسان ابن مسعود، وأصحابه. كيف؟ وقد تأيد قوله بالرفع فى العيدين بفعل عمر، وابن
عمر رضى الله عنهما.
وقال صاحب "الهداية": (ويرفع يديه فى تكبيرات العيدين) يريد به ما سوى

١٤٣
كيفية صلوة العيدين
ج - ٨
تكبيرتى الركوع وعن أبى يوسف أنه لا يرفع اهـ ملخصا. وفى "فتح القدير" (٤٥:٢):
فما روى عن أبى يوسف أنه لا ترفع الأيدى فيها لا يحتاج فيه إلى القياس على تكبيرات
الجنائز، بل يكفى فيه كون المتحقق من الشرع ثبوت التكبير، ولم يثبت الرفع، فيبقى على
العدم الأصلى اهـ، وفى "رحمة الأمة" (ص: ٣١): واتفقوا على رفع التكبيرات، وعن
مالك رواية أن الرفع فى تكبيرة الإحرام فقط اهـ. وفى "هداية المجتهد" لحفيد ابن رشد
المالكى (١٢٨:١). وكذلك اختلفوا فى رفع اليدين عند كل تكبيرة، فمنهم من رأى
ذلك، وهو مذهب الشافعى، ومنهم من لم يرى الرفع إلا فى الاستفتاح فقط،
ومنهم من خیر اهـ.
قلت: وقد عرفت ثبوت الرفع فى العيدين عن الصحابة، والتابعين، فهو الأولى.
تتمة ثالثة:
جاء حدیث یدل على أن الجلوس لاستماع خطبة العیدین لا یجب ولا يؤكد. رواه
أبو داود (٤٩٩:١): عن عطاء عن عبد الله بن السائب رضى الله عنه قال: شهدت مع
رسول الله عَّه العيد، فلما قضى الصلاة قال: إنا نخطب، فمن أحب أن يجلس للخطبة
فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب". قال: أبو داود: "وهذا مرسل عن عطاء عن
النبى معَ ◌ّمّ اهـ. وفى "نصب الراية" (٣٢٤:١): قال النسائى: " هذا خطأ، والصواب
:مرسل". ونقل البيهقى عن ابن معين أنه قال: "غلط الفضل بن موسى فى إسناده، وإنما هو
عن عطاء عن النبى مّ ◌ُّه مرسل" اهـ.
قال العلامة ابن التر كمانى فى "الجوهر النقى": قلت: "الفضل بن موسى ثقة جليل
روى له الجماعة. وقال أبو نعيم: هو أثبت من ابن المبارك، وقد زاد ذكر ابن السائب،
فوجب أن تقبل زيادته. والرواية المرسلة التى ذكرها البيهقى فى سندها قبيصة عن سفيان،
وقبيصة وإن كان ثقة إلا أن ابن معين، وابن حنبل، وغيرهما ضعفوا روايته عن سفيان.
وعلى تقدير صحة هذه الرواية لا تعلل بها رواية الفضل، لأنه سدد الإسناد، وهو ثقة اهـ
(٢٤٧:١). قلت: وقد تقدم أن زيادة راوى الصحيح والحسن مقبولة ما لم تناف رواية
الجماعة من الثقات، ولا منافاة بين الوصل، والإرسال، فالحكم للرافع إذا كان ثقة
فالحديث صحيح موصولا، وقد صححه الحاكم فى مستدركه على شرطهما، وأقره عليه

١٤٤
كيفية صلوة العيدين
إعلاء السنن
الذهبى (٢٩٥:١). وقال السندى فى "تعليقه على النسائى" (٢٣٣:١): علم منه أن
سماع خطبة العيدين غير واجب اهـ.
قال بعض الناس: ولا يخفى أن هذا الحكم على تقدير صحة الحديث. قال الشيخ:
ولم أطلع على رواية فقهية فى هذا الباب أنه هل يجب الجلوس لاستماع هذه الخطبة، أم
لا؟ نعم، ذكر فى "الدر المختار" فى باب الجمعة أنه يجب الاستماع لسائر الخطب،
کخطبة النكاح، وخطبة عید، و ختم على المعتمد. لكن لا يلزم منه وجوب الجلوس، كما
فى خطبة النكاح لا يجب الجلوس، لكن إن جلس يجب استماعه. والظاهر أن يقال: إنه لا
يجب الجلوس لخطبة العيد، كما لا تجب نفس خطبة العيد، ولکن إن جليس يجب
استماعه، کما قالوا: إن من حضر التلاوة يجب استماعه مع عدم وجوب الجلوس له. فإن
ظفر أحد بالرواية الفقهية فى هذا الباب فليخبرنا، أو يلحق بهذا المقام أهـ.
قلت: قد عرفت صحة الحديث موصولا فى كلام صاحب "الجوهر"، وقال
الطحاوى بعد ما ذكر حديث عبد الله بن السائب: هذا فيّه إعلام بالفرق بين خطبة
الجمعة، والعيد، فإن الأولى موعظة، قال تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة
الحسنة﴾، فلما كان هو مأمورا بالموعظة كان الجماعة مأمورين بالاستماع إليها،
والإنصات لها. (قلت: والأولى الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ أمرهم
بالسعى إلى الذكر فكانوا مأمورين بالاستماع إليه، والإنصات له، مع الأحاديث الآمرة
بالاستماع، والإنصات لخطبة الجمعة). وخطبة العيد ليست كذلك، إنما هى تعليم
لوجوب صدقة الفطر، وعلى من تجب، ولمن تجب وثم تجب. وكذا عيد الأضحى تعليم بما
يجزى فيها، وبوقتها، وما أشبه ذلك مما يستغنى عنه كثير من الناس، إما لعلمهم به أو لعدم
الوجوب عليهم. فهذا وجه الفرق. ألا ترى؟ أن خطب الحج، التى هى لتعليم أمر الحجّ لا
اختلاف بين أهل العلم فى سعة التخلف عنها، وترك الاستماع إليها. كذا فى "المعتصر"
من "مشكل الآثار" (٥٦:١).
والطحاوى من أجلة علماء المذهب، فقوله ليشعر بأن ذلك هو مذهب الحنفية، وإلا
لصرح بالاختلاف فثبت أن التخلف عن خطبة العيد جائز. وأما إذا جلس لها فيكره
الكلام، وترك الاستماع لها، کما صرح به فى "الدر". وروی مثل ذلك عن ابن عباس،

ج - ٨
١٤٥
باب استحباب مخالفة الطريق
عند الرجوع عن صلاة العيد، وسنية الخروج إليها ماشيا
٢١٣٩- عن: جابر رضى الله عنه قال: ((كان النبى عّ لّه إذا كان(١) يوم
عيد خالف الطريق)). رواه البخارى (١٣٤:١). وفى رواية(٢) الإسماعيلى: ((كان
قال: "نكره الكلام فى العيدين، والاستسقاء ويوم الجمعة" اهـ أخرجه البيهقى فى
"سننه". قال ابن التر كمانی: "فى سنده يحيى الحمانى عن قيس ويحيى بن سلمة (بن
كهيل)" اهـ (٢٤٧:١). ويحيى بن سلمة ضعيف بالاتفاق، فالأثر ضعيف. ولكنه تأيد
بالقياس الصحيح الذى ذكره فقهاءنا، فصح الاحتجاج به، فافهم.
قال بعض الناس: يخدش فيه أن الخطبة خطاب ولا خطاب إلا لمخاطب، فلو لم
يسمع أحد لا تفيد الخطبة شيئا، فتلغو ولا تسن، مع أنها سنة، بخلاف خطبة النكاح فإنه
لا يخلو عادة مجلس النكاح عن سامع، فافهم. قلت: فهمنا، وظهر لنا سخافة رأيك. فإن
خطبة العيد أيضا لا تخلو عن سامع عادة، كخطب الحج. ولقائل أن يقول: إن سنية الخطبة
إنما هى بشرط وجود السامع، وإلا فلا.
قال: والذى يظهر لى هو أنه واجب على الكفاية وكذا سماع خطبة النكاح، وهذا
لا ينافى الحديث المذكور أيضا إن صح. فإن الصحابة رضى الله عنهم لم يكونوا أن يتركوا
رسول الله عَّ بأسرهم، فكأنه عَّ كان قد علم أنه يبقى بعضهم، فخير بعض
الحاضرين، والله تعالى أعلم.
قلت: لا دليل على كونهما واجبين على الكفاية. وأيضا فهو قول حادث لم يقل به
أحد من السلف فیما علمنا، فهو رد.
باب استحباب مخالفة الطريق
عند الرجوع عن صلاة العيد، وسنية الخروج إليها ماشيا
قال المؤلف: دل حديث جابر الفعلى على المخالفة، وحديث بكر التقريرى على
عدمها فحمل الأول على الاستحباب، والثانى على الجواز. والحديث الثالث صريح فى
(١) تامة، "عمدة القارئ".
(٢) أى فى "مستخرجه على البخارى".

١٤٦
إعلاء السنن مخالفة الطريق عند الرجوع عن صلوة العيد وسنية الخروج ماشيا
إذا خرج إلى العيد رجع من غير الطريق الذى ذهب فيه)). كذا فى "فتح
البارى" (٣٩٢:٢).
٢١٤٠- عن: إسحاق بن سالم مولى نوفل بن عدى أخبرنى بكر بن
مبشر الأنصارى قال: "كنت أغدو مع أصحاب رسول الله صَ لّه إلى المصلى يوم
الفطر، يوم الأضحى، فنسلك بطن بطحان حتى نأتى المصلى، فنصلى مع رسول
الله ◌َ ◌ّهِ. ثم نرجع من بطن بطحان إلى بيوتنا". رواه أبو داود (٤٥٠:١)
وسکت عنه.
وفى "كنز العمال" (٣٣٨:٤): رواه البخارى فى "تاريخه"، وأبو داود،
وابن السكن، وقال: إسناده صالح. وما له غيره، والباوردى، والحاكم فى
"المستدرك"، وأبو نعيم، وقال ابن القطان: "لم يرو عنه إلا إسحاق بن سالم،
وإسحاق لا يعرف اهـ". قلت: من جعل الحديث صالحا فقد عرفه، وهو مقدم
على من يجهله.
٢١٤١- حدثنا: إسماعيل بن موسى نا شريك عن أبى إسحاق عن
الحارث عن على رضى الله عنه قال: "من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيا، وأن
الجزء الثانى من الباب، وظاهره أن الخروج المذكور فيه هو الخروج إلى عيد الفطر، لأن
قوله: "أن تأكل" إلخ مختص به فإنه ثبت كذلك قبل من فعله معَّبه، ويمكن قياس
الأضحی علیه.
باب(١) اشتراط المصر للعيدين كالجمعة
فيه حديث على رضى الله عنه قال: "لا جمعة، ولا تشريق إلا فى مصر جامع".
وقد ذكر فى باب إن الجمعة لا تصح فى القرى وقد تقدم أيضا. ومعناه لا صلاة جمعة،
ولا صلاة عید.
وأما ما رواه البخارى تعليقا "أمر أنس بن مالك مولاه ابن أبى عتبة بالزاوية(٢)
(١) لا يعلم وجه عدم إدخال هذا الباب فى المتن مع كون حديث الباب موجودا، كما سيأتى، أو من تسامح الناقل من
مسودة المؤلف وهو الأغلب. مصحح.
(٢) موضع على فرسخين من البصرة كذا فى "فتح البارى".

١٤٧
ج - ٨
تأكل شيئا قبل أن تخرج". رواه الترمذى (٦٩:١) وحسنه.
باب من لم يدرك صلاة العيد يصلى أربعا متنفلا
٢١٤٢- عن: الشعبى قال: قال عبد الله بن مسعود: ((من فاتته العيد
فليصل أربعا)). رواه الطبرانى فى الكبير، ورجاله ثقات (مجمع الزوائد
٢٢٣:١). قلت: الشعبى لم يسمع من ابن مسعود رضى الله عنه، ولا يكاد
يرسل إلا صحيحا كله من تهذيب التهذيب (٦٨,٦٧:٥). فهو مرسل(١) جيد.
فجمع أهله وبنيه وصلى كصلاة أهل المصر، وتكبيرهم" (١٣٤:١).
فالجواب عنه: أن حديث على رضى الله عنه مقدم على فعل أنس رضى الله عنه،
لأن الظاهر إن فعل أنس رضى الله عنه فيه مساغ للرأى، فإن صلاة العيد عامة لجميع أهل
الإسلام فى الظاهر. فمن صلى فى القرية جرى على العموم الظاهر، ومن لم يصل، ولم
يجوزها إلا بالمصر فلا بد من أن يكون معه دليل خلاف للظاهر، وليس إلا السماع. ولهذا
قدمنا فى باب الجمعة أن قول على رضى الله عنه ليس مما يدرك بالرأى تأمل.
وقد روى الطبرانى فى "الكبير" عن أبى طرفة عباد بن الريان اللخمى الحمصى
قال: أتيت المقدام بن معديكرب، وهو فى قرية على أميال من حمص يوم عيد فقلنا:
"اخرج فصل بنا العيد". فقال: لا، صلوا فرادى. كذا فى "مجمع الزوائد"، وقال: أبو
طرفة لا أعرفه اهـ. (٢٢٣:١). قلت: هو تابعى، والمستور فى القرون الثلاثة مقبول عندنا،
وفيه حجة للحنفية على اختصاص صلاة العيد بالأمصار دون القرى ظاهرة، وقوله: صلوا
فرادى أى تنفلا، لا أنها مشروعة للمنفرد، فلا دليل فيه على ذلك، والله تعالى أعلم.
باب من لم يدرك صلاة العيد يصلى أربعا متنفلا
قوله: "عن الشعبى" إلخ: قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة، ولا دليل على
الوجوب، وأقل ما يثبت به الاستحباب، وبه نقول.
وفى "عمدة القارى" تحت ما بوب البخارى "إذا فاته العيد يصلى ركعتين" ما
نصه: وقالت طائفة: يصليها إن شاء أربعا، روى ذلك عن على وابن مسعود، وبه قال
(١) أى منقطع.

١٤٨
إعلاء السنن
باب تكبيرات التشريق، وأنها لا تجب إلا على أهل المصر
قال الله تعالى: ﴿واذكروا الله فى أيام معدودات﴾، وقال ابن عباس:
((ويذكرون اسم الله فى أيام معلومات أيام العشر (والأيام المعدودات) أيام
التشريق)) علقه البخارى، ووصله ابن مردويه بسند صحيح ("فتح" ٣٨١:٢).
٢١٤٣- حدثنا: حسين بن على عن زائدة عن عاصم عن شقيق عن على
رضى الله عنه، ((أنه كان يكبر بعد صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من
الثورى، وأحمد. وقال أبو حنيفة: إن شاء صلى، وإن شاء لم يصل، فإن شاء صلى أربعا،
وإن شاء ركعتين (٣٩٩:٣). وفى "الدر المختار": فإن عجز صلى أربعا، كالضحى. وفى
"رد المحتار": أى استحبابا، كما فى "القهستانى". وليس هذا قضاء لأنه ليس على
كيفيتها. قلت: وهى صلاة الضحى، كما فى "الحلية" عن الخانية. فقوله تبعا للبدائع:
"كالضحى" معناه أنه لا يكبر فيها للزوائد مثل العيد، تأمل (٨٧٥:١).
قلت: إرادة صلاة الضحى بما فى الأثر غير ظاهر، بل هى صلاة نافلة مستقلة تقوم
مقام العيد.
باب تكبيرات التشريق، وأنها لا تجب إلا على أهل المصر.
قوله: "حدثنا حسين بن على" إلخ: قال الحافظ فى "الدراية": قول على رضى الله.
عنه أخرجه ابن أبى شيبة بإسناد صحيح عنه، وكذا قول ابن مسعود اهـ.
قال صاحب "الهداية": والمسألة مختلفة بين الصحابة، فأخذا (أى أبو يوسف.
ومحمد) بقول على رضى الله عنه أخذا بالأكثر، إذ هو الاحتياط فى العبادات، وأخذ
(الإمام) بقول ابن مسعود رضى الله عنه أخذا بالأقل، لأن الجهر بالتكبير بدعة اهـ.
وقال فى "البدائع": وأما بيان وجوبه أى التكبير فى أيام التشريق، فالصحيح أنه
واجب. وقد سماه الكرخى سنة، ثم فسرہ بالواجب، فقال: تكبير التشريق سنة ماضية
نقلها أهل العلم؛ وأجمعوا على العمل بها. وإطلاق اسم السنة على الواجب جائز، لأن
السنة عبارة عن الطريقة المرضية أو السيرة الحسنة، وكل واجب هذه صفته. ودليل
الوجوب قوله تعالى: ﴿واذكروا الله فى أيام معدودات﴾ وقوله: ﴿فى أيام معلومات﴾.

١٤٩
ج - ٨
. تكبيرات التشريق وأنها لا تجب إلا على أهل المصر
آخر أيام التشريق، ويكبر(١) بعد العصر)). رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" كما
فى "نصب الراية" (٣٢٥:١)، وفى "الدراية" (ص-١٣٦): "إسناد صحيح
قيل: الأيام المعدودات أيام التشريق، والمعلومات أيام العشر، قاله ابن عباس، كما ذكرناه
عنه فى المتن بسند صحيح). ومطلق الأمر للوجوب، وروى عن النبى معَّ له أنه قال: ((ما من
أيام أحب إلى الله تعالى العمل فيهن من هذا الأيام، فأكثروا فيها من التكبير، والتهليل،
والتسبيح" اهـ (١٩٥:١).
.. قلت: وفى الاستدلال بالآيتين نظر. أما الأولى: فقد قال بعض أهل التأويل فيها:
المراد منها الذكر عند رمى الجمار. دليله قوله تعالى: "فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه،
ومن تأخر فلا إثم عليه" والتعجيل والتأخير إنما يقعان فى رمى الجمار، لا فى التكبير كذا
فى "البدائع" أيضا (١٩٦:١).
وأما الثانية: فقد قال بعض أهل التأويل: المراد منها الذكر على الأضاحى، لقوله
تعالى ﴿ على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾. وقول ابن عباس الذى علقه البخارى لا يدل
إلا على أن المراد بالأيام المعدودات أيام التشريق، وبالمعلومات أيام العشر. وأما أن المراد
بالذكر التكبير دبر الصلوات، دون الذكر عند الرمى والذبح، فلا دلالة عليه. نعم! أخرج
المروزى عن يحيى بن كثير فى قوله: ﴿واذكروا الله فى أيام معدودات﴾ قال: "هو التكبير
فى أيام التشريق، دبر الصلوات". وأخرج ابن أبى حاتم عن عكرمة فى هذه الآية قال:
"التكبير أيام التشريق، يقول دبر كل صلاة: الله أكبر" إلخ كذا فى "الدر المنثور" بلا سند
(٣٣٤:١). فلعل ذلك صح عند أصحابنا، وجعلوه فى حكم المرفوع، واستدلوا به على
وجوب التكبير فى أيام التشريق دبر الصلوات.
وقال الإمام أبو بكر بن العربى فى "أحكام القرآن" له فى تفسير هذه الآية فى بيان
المراد بهذا الذكر ما نصه: لا خلاف أن المخاطب به هو الحاج، خوطب بالتكبير عند رمى
الجمار. فأما غير الحاج فهل يدخل فيه أم لا؟ وهل هو أيضا خطاب للحاج بغير التكبير
عند الرمى؟ فنقول: قد أجمع فقهاء الأمصار، والمشاهير من الصحابة والتابعين رضى الله
عنبهم على أن المراد به التكبير لكل أحد، وخصوصا فى أوقات الصلوات فيكبر عند
(١) إنما صرح بذلك لبيان أن الغاية فى المغمى.

١٥٠
تكبيرات التشريق وأنها لا تجب إلا على أهل المصر
إعلاء السنن
اهـ"، وأخرجه الحاكم فى "مستدركه" (٢٩٩:١) وصححه، وأقره عليه
الذهبى ولفظه: ((كان على يكبر بعد صلاة الفجر غداة عرفة، ثم لا يقطع حتى
يصلى الإمام من آخر أيام التشريق ثم يكبر بعد العصر)) اهـ.
انقضاء كل صلاة كان المصلى فى جماعة أو وحده يكبر تكبيرا ظاهرا فى
هذه الأيام آهـ (١: ٦٠).
فهذا كما ترى فيه حكاية الإجماع على أن المراد بالذكر فى قوله: ﴿واذكروا الله
فى أيام معدودات﴾ التكبير لكل أحد خصوصا فى دبر الصلوات. فإن صح الإجماع
فالاستدلال بالآية على وجوب تكبير التشريق تام، لكون مطلق الأمر للوجوب. وإلا
فدليله قوله ◌ّه: (ما من أيام أعظم عند الله من أيام العشر، فأكثروا فيها من التكبير،
والتهليل، وذكر الله. وهو حديث حسن، كما عرفت. وفيه الأمر بإكثار التكبير، وذكر
الله. ومطلق الأمر للوجوب.
فإن قيل: قوله معرّه: ((فأكثروا فيهن من التكبير)) إلخ راجع إلى أيام العشر فكان
ینبغی أن یکون التکبیر فی جميعها واجبا.
قلنا: ما قبل يوم عرفة خص منه بإجماع الصحابة، فإنهم لم يكبروا قبل عرفة. قال
الحافظ فى "الفتح": وللعلماء اختلاف أيضا فى ابتدائه أى التكبير، وانتهائه فقيل: من
صبح يوم عرفة، وقيل: من ظهره، وقيل: من عصره، وقيل: من صبح يوم النحر، وقيل:
من ظهره. وقيل فى الانتهاء: إلى ظهر يوم النحر، وقيل: إلى عصره. وقيل: إلى ظهر ثانية،
وقيل: إلى صبح آخر أيام التشريق، وقيل: إلى ظهره، وقيل: إلى عصره اهـ (٣٨٥:٢).
ولم يذهب أحد إلى ابتداء التكبير قبل صبح عرفة، فلم يبق التكبير واجبا إلا فى يومين
وهما عرفة ويوم النحر، لكون الأمر بالتكبير مقصودا على العشر فى قول النبى عدّ له، فلا
يكون واجبا بعد أيام العشر، وهو قول أبى حنيفة. وتأيد بقول ابن مسعود فى رواية .
الأسود عنه، كما ذكرناه فى المتن وأيضا فإن رفع الصوت بالتكبير تعبدا بدعة فى الأصل.
وبقولنا: "تعبدأ" خرج ما إذا جهر به للنشاط أو لدفع الوساوس والخواطر، أو
للتعليم بدون اعتقاده الثواب فى الجهر فهو مباح عندنا إذا لم يؤذ النائمين، ولم يشوش
على المصلين، ولم يكن الجهر مفرطا، كما حققه شيخنا فى رسائله كالتكشف، ونحوه
بالدلائل الفقهية، فليراجع. ودليل كون الجهر بالتكبير تعبدا بدعة أنهم ذكروا السنة فى

ج - ٨
تكبيرات التشريق وأنها لا تجب إلا على أهل المصر
١٥١
الأذكار المخافتة لقوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية، إنه لا يحب المعتدين﴾ وقوله:
﴿واذكر ربك فى نفسك تضرعا وخيفة، ودون الجهر من القول﴾ الآية، ولقول النبى
عَُّله: ((خير الذكر الخفى)) رواه أبو يعلى، والعسكرى عن سعد بن أبى وقاص، وصححه.
ابن حبان، وأبو عوانة، كما فى "المقاصد الحسنة" (ص: ٩٨). واستعمال لفظ خير فى
الأكثر بمعنى التفضيل، وهو أقرب إلى التضرع والأدب، وأبعد عن الرياء، فلا يترك هذا
الأصل إلا عند قيام الدليل المخصص، وجاء الدليل المخصص للتكبير من يوم عرفة إلى صلاة
العصر من يوم النحر، وهو قوله مرّ ◌ُلّه: ((فأكثروا فيهن (أى فى أيام العشر بالتكبير،
والتهليل، وذكر الله)) مع الإجماع من الصحابة على الجهر بالتكبير دبر الصلوات من يوم
عرفة إلى عصر يوم النحر. وانعقد الإجماع فيما قبل يوم عرفة أنه ليس بمراد، وأما فيما
وراء العصر من يوم النحر فلا تخصيص، لكونه خارجا عن الحديث، ولاختلاف(١)
الصحابة فيه، وتردد الجهر بالتكبير بين السنة، والبدعة، فوقع الشك فى دليل التخصيص،
فلا يترك العمل بعموم قوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية﴾ وقوله: ﴿واذكر ربك
فى نفسك﴾ الآية، كذا فى "البدائع" ملخصا مع تغيير يسير فى التعبير.
وفيه أيضا: واحتج أبو يوسف ومحمد بقوله تعالى: ﴿واذكروا الله فى أيام
معدودات﴾ وهی أيام التشريق ( کما صح ذلك عن ابن عباس) فكان التكبير فينها واجبا.
ولأن التكبير شرع لتعظيم أمر المناسك، وأمر المناسك إنما ينتهى بالرمى، فيمتد التكبير إلى
آخر وقت الرمى (وهو عصر آخر أيام التشريق). ولأن الأخذ بالأكثر من باب الاحتياط،
لأن الصحابة اختلفوا فى هذا، ولأن يأتى بما ليس عليه أولى من أن يترك ما عليه إذا
تعارضت الأدلة ولم يترجح واحد منها على الآخر، بخلاف تكبيرات العيد، فهناك ترجح
قول ابن مسعود اهـ (كما تقدم) (١٩٦:١).
وأيضا فإنها يؤتى بها فى الصلاة، وهى تصان عن الزوائد، وهذه عقب الصلاة،
وهو موضع الذكر والدعاء بالنص لقوله تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب، وإلى ربك
فارغب﴾ (والأحاديث الواردة فى الذكر دبر الصلوات) وإكثار الأذكار فى مظانها أفضل
(١) فقد روى عن ابن مسعود بسند جيد أنه كبر إلى عصر يوم النحر، وعن عمر أنه كبر إلى ظهر آخر أيام التشريق.

١٥٢
تكبيرات التشريق وأنها لا تجب إلا على أهل المصر
إعلاء السنن
اهـ من "شرح المنية" (ص: ٥٣١).
وقد تقدم فى قول ابن العربى إجماع الفقهاء، والمشاهير من الصحابة، والتابعين
على أن المراد بالذكر فى قوله: ﴿واذكروا الله فى أيام معدودات﴾ التكبير فى أيام التشريق
لكل أحد خصوصا فى أوقات الصلاة. وروى ابن جرير حدثنا أبو كريب ثنا مخلد عن
ابن جریج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس " سمعه يوم الصدر بعد ما صدر یکبر فی
المسجد، ويتأول ﴿واذكروا الله فى أيام معدودات﴾ (١٧٦:٢)، وهذا سند حسن
صحيح. وأخرج ابن منذر عن ابن عمر "أنه كان يكبر ثلاثا ثلاثا وراء الصلوات بمنى"،
وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن عمر "أنه كان يكبر تلك الأيام بمنى"، ويقول: التكبير
واجب، ويتأول هذه الآية ﴿واذكروا الله فى أيام معدودات﴾، وأخرج الطبرانى عن عبد
الله بن الزبير ﴿واذكروا الله فى أيام معدودات﴾ قال: "هن أيام التشريق يذكر الله فيهن
بتسبيح، وتهليل، وتكبير، وتحميد". ذكرها السيوطى فى "الدر المنثور" بلا سند،
وذكرتها اعتضادا، فإن تعدد الطرق يفيد قوة. وقد ذكرنا فى المتن عن على، وعمر، وابن
عباس، وابن مسعود بأسانيد صحاح أنهم كلهم كبروا من غداة عرفة إلى آخر أيام
التشريق. وهذا يؤيد حكاية الإجماع.
وأما ما فيه عن عمر أنه كبر إلى الظهر من آخر أيام التشريق فمعناه أنه كبر بمنى إلى
الظهر منه، فإن العصر إنما تؤدى فيه بالمحصب، كما هو السنة، وسيأتى بيانه، فلعل الراوى
لم يطلع عليه لعدم نزوله هناك أو لسبب آخر، وأما ما روى عن ابن مسعود أنه كبر إلى
عصر يوم النحر فإنه وإن كان رواته ثقات ولكنه شاذ مخالف لعمل الجمهور من
الصحابة، فلا يقبل، لا سيما، وقد ثبت عن ابن مسعود ما يوافقهم، فهو الأولى بالقبول.
والجهر بالذكر إنما يكون بدعة إذا لم يقم الدليل على التخصيص وهناك قد قام الدليل،
وهو قوله تعالى: ﴿واذكروا الله فى أيام معدودات﴾ مع إجماع الصحابة على الجهر
بالتكبير دبر الصلوات فى تلك الأيام على وجوب الجهر بالتكبير فيها. ولذا أفتى علماء
الحنفية بقولها: قال صاحب الكفاية (١: ٤٩): وذكر العلامة الزاهدى فى شرحه
للقدورى: "والفتوى والعمل فى عامة الأمصار، وكافة الأعصار على قولهما" اهـ. وفى
"الدر": "وعليه الاعتماد والعمل، والفتوى فى عامة الأمصار، وكافة الأعصار ولا بأس

ج - ٨
تكبيرات التشريق وأنها لا تجب إلا على أهل المصر
١٥٣
به عقب العيد، لأن المسلمين توارثوه، فوجب اتباعهم اهـ (١: ٨٧٩).
ولأبى حنيفة أن يقول: إنه لا خلاف أن المخاطب أولا بقوله: ﴿واذكروا الله فى أيام
معدودات﴾ هو الحاج خوطب به عند رمي الجمار، كما تقدم فى قول ابن العربى،
والتكبير عند الرمى مسنون لا واجب، وكذا الجهر به، فلا يصح الاحتجاج به على
وجوب الجهر بالتكبير دبر الصلوات. فلم يبق إلا الاحتجاج بقوله معد له: "فأكثروا فيهن
من التكبير" إلخ وهو لا يفيد وجوبه وراء العشر، واختلفت الروايات عن الصحابة فيما
وراء يوم النحر. فوقع الشك فى كون الجهر بالتكبير سنة فيه، فالأولى أن يقال: إن الجهر
به واجب من غداة عرفة إلى عصر يوم النحر، كما هو مفاد الحديث ورواية عن ابن
مسعود، وفيما سوى ذلك لا يجب الجهر به. وإنما يسن أو يجب التكبير سرا إلى عصر
آخر أيام التشريق، كيلا يلزم ترك العمل بقوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية﴾
وقوله: ﴿واذ کر ربك فى نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر) من غير دليل ينتهض
لتخصيصه فافهم.
قال فى شرح المنية: وقال أبو حنيفة: ليس كلامنا فى مطلق الذكر فإنه أمر
مرغوب(١) فيه فى كل الأحيان بل فى الجهر به، وهو بدعة إلا ما استثناه الشرع. فإذا
تعارضت الأدلة فى مقدار المستثنى فالأخذ بالأقل، والعمل فيما وراءه بالأصل هو
الاحتياط، إذ فيه الجمع بين الأدلة اهـ (ص: ٥٣٢).
قلت: وبهذا كله اندحض قول بعض الناس فى ترجيح مذهب الصاحبين حيث
قال: وهو الراجح عندى من حيث الدليل فإن الأخذ بالزيادة حتم. وأما كون الجهر بدعة
على رأى الإمام، فهو لما رواه البخارى فى صحيحه (١: ٤٢٠) عن أبى موسى الأشعرى
قال: كنا مع رسول الله عَّهِ فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا، وكبرنا، ارتفعت أصواتنا،
فقال النبى معَّ له: ((يا أيها الناس! اربعوا (أى ارفقوا). على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم
ولا غائبا إنه معكم، إنه سميع قريب" اهـ. والجواب عنه ما ذكره العلامة الشيخ الدهلوى
فى "أشعة اللمعات" ونصه: مضمون "اربعوا" دلالت دارد كه منع از جهت شفقت
(١) فيه دلالة على جواز التكبير سرا بل وعلى استحبابه عند الإمام إلى آخر أيام التشريق أيضا.

١٥٤
تكبيرات التشريق وأنها لا تجب إلا على أهل المصر
إعلاء السنن
است نه از جهت عدم جواز اهـ (٢: ٨٥).
قال بعض الناس: والمشقة إنما تكون إذا أفرط فى الجهر، فيرجع النهى إلى الإفراط
دون الاعتدال اهـ. قلت: ولكن منطوق قوله: "فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا أنه معكم"
إلخ يفيد النهى عن الجهر مطلقا، لكون الله يسمع الخفى من القول، كما يسمع الجهر به
وأن تجهر بالقول، فإنه يعلم السر وأخفى، وإنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون.
وإن سلم فقد قدمنا أن المراد بقول أبى حنيفة: "إن الجهر بالذكر بدعة" ما كان منه تعبدا؛
ولا دليل فى الحديث أن الصحابة جهروا به تعبدا، لاحتمال أنهم جهروا به للنشاط أو
إرهاب العدو ونحو ذلك.
قال بعض الناس: وقد ثبت الجهر بالذكر فى أحاديث ففى المشكاة (١: ١٦٤) عن
أبى هريرة، قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((بقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدى بى، وأنا معه إذا
ذکرنی. فإن ذکرنی فی نفسه ذکرته فی نفسی، وإن ذکر نی فی ملأ ذ کرته فی ملأ خير
منهم " متفق عليه اهـ.
قلت: قوله: "وإن ذكرنى فى ملأ" مقيد بما إذا كان الذكر فى الملأ مشروعا،
كالخطبة ونحوها لقيام الإجماع على حرمة الذكر جهرا فى مجالس اللهو واللعب،
ونحوها، وكذا على حرمته جهرا عند الجماع، ونحوه فافهم.
قال: وروى البخارى (١: ١١٦) عن ابن عباس رضى الله عنه "إن رفع الصوت
بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبى مێ ". وقال ابن عباس رضى
الله عنه: "كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته" اهـ.
قلت: هذا محمول على التعليم قال الحافظ فى الفتح: قال النووى: حمل الشافعى
هذا الحديث على أنهم جهروا به وقتا يسيرا لأجل تعليم صفة الذكر، لا أنهم داوموا على
الجهر به. والمختار أن الإمام والمأموم يخفيان الذكر إلا إن احتيج إلى التعليم اهـ (٢:
٢٦٩). وفى "العمدة العينى" (٣: ١٩٤) وقال ابن بطال: وقول ابن عباس: " كان على
عهد النبى معٍَّ" فيه دلالة على أنه لم يكن يفعل حين حدث به، لأنه لو كان يفعل لم يكن
لقوله (ذلك) معنى. فكان التكبير فى أثر الصلوات لم يواظب الرسول عليه الصلاة عليه
طول حياته، وفهم أصحابه أن ذلك ليس بلازم، فتركوه. خشية أن يظن أنه مما لا تتم

ج - ٨
تكبيرات التشريق وأنها لا تجب إلا على أهل المصر
١٥٥
٢١٤٤- عن: عبيد بن عمير قال: "كان عمر بن الخطاب يكبر بعد صلاة
الفجر من يوم عرفة إلى صلاة الظهر من آخر أيام التشريق". أخرجه الحاكم
(٢٩٩:١) وصححه، وأقره عليه الذهبى.
٢١٤٥- عن: عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنى أبى ثنا يحيى بن سعيد ثنا
الحكم بن فروخ عن ابن عباس ((أنه كان يكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر
من آخر أيام التشريق)). أخرجه الحاكم (٢٩٩:١) وصححه، وأقره عليه الذهبى.
٢١٤٦- عن: عمير بن سعيد قال: "قدم علينا ابن مسعود، فكان يكبر
من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق". أخرجه
الصلاة إلا به. فلذلك وكره من كرهه من الفقهاء اهـ وفيه أيضا: قال ابن بطال: أصحاب
المذاهب المتبعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالتكبير
والذكر حاشا ابن حزم اهـ.
قال بعض الناس: وفى كنز العمال (١: ٢٩٦): عن زاذان، حدثنى رجل من
الأنصار قال سمعت رسول الله عَّه يقول فى دبر الصلاة: ((اللهم اغفر وتب على إنك
أنت التواب الغفور)) مأة مرة. رواه ابن أبى شيبة، وهو صحيح اهـ.
قلت: لا دلالة فيه على الجهر به، وقد يسمع الذكر الخفى أيضا إذا كان السامع
قريبا، كما هو مشاهد. ولو سلم فهو محمول على التعليم أيضا.
وبالجملة فالأصل فى الدعاء والذكر الإخفاء بما تلوناه، إلا ما قام الدليل على طلب
الجهر به، كالخطبة، والأذان، وتكبير التشريق، ونحوها. وإذا تعارضت الأدلة فى مقدار
المستثنى فالأخذ بالأقل المتيقن أولى وأحوط فقول الإمام فى الباب أقوى وأضبط. والله
تعالى أعلم.
قوله: "عن عبيد بن عمير إلى قوله: عن عمير بن سعيد" إلخ. دلالة الآثار على قول
أبى يوسف، ومحمد، والجمهور ظاهرة أن مبدأ التكبير من صبح عرفة إلى عصر آخر أيام
التشريق وقد مر تأويل فعل عمر من تكبيره إلى ظهر آخرها، فتذكر. وفيها دلالة أيضا على
أن محل هذا التكبير هو دبر الصلوات المكتوبات المؤداة جماعة، فإنها هى المتبادرة .
بالصبح. والظهر، والعصر، ونحوها، دون النوافل، والمكتوبات المؤداة منفردا، فإن الخلفاء

١٥٦
تكبيرات التشريق وأنها لا تجب إلا على أهل المصر
إعلاء السنن
الحاكم (٣٠٠:١) وصححه وأقره عليه الذهبى. وقال الحافظ فى "الفتح
(٢: ٣٨٥): لم يثبت فى شىء من ذلك عن النبى معَّ لّه حديث. وأصح ما ورد
فيه عن الصحابة قول على رضى الله عنه، وابن مسعود رضى الله عنه: "إنه من
صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى ". أخرجه ابن المنذر وغيره اهـ.
٢١٤٧- حدثنا: أبو الأحوص عن أبى إسحاق عن الأسود (١) قال: كان
عبد الله (أى ابن مسعود) يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من
يوم النحر يقول: ((الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله
الحمد)). رواه ابن أبى شيبة فی "مصنفه". قال الزیلعی (٣٢٦:١): بسند جيد"
اهـ. وصححه الحافظ فى "الدراية" (ص-١٣٦).
قلت: فاختلفت الرواية عن ابن مسعود.
٢١٤٨ - حدثنا: وكيع عن حسن بن صالح عن أبى إسحاق عن أبى
الأحوص عن عبد الله أنه كان يكبر أيام التشريق («الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله
والله أكبر الله أكبر ولله الحمد)). أخرجه ابن أبى شيبة أيضا كما فى "نصب
الراية" (٣٢٦:١) وسنده صحيح.
٢١٤٩- حدثنا: عباد بن العوام عن حجاج عن أبى إسحاق عن الحارث
الراشدين لم يكونوا يتركون الجماعة، بل كانوا أئمة الصلاة فى زمنهم، كما هو ظاهر.
قوله: "حدثنا أبو الأحوص" إلخ. دلالته على قول أبى حنيفة ظاهرة، وقد مر وجه
ترجيحه، فليراجع.
قوله: "حدثنا وكيع" إلخ. دلالته على كيفية تكبير التشريق ظاهرة.
قوله: " حدثنا عباد بن العوام" إلخ. دلالته على اختصاص أهل المصر بهذا التكبير
ظاهرة. قال فى البدائع: والمراد من التشريق (فى أثر على هذا) هو رفع الصوت بالتكبير
(١) فى الأصل عن أبى الأسود، وهو غير صحيح عندى، بل الصحيح الأسود، أو أبو الأحوص، فإنه لا يعرف أحد
مكنى بأبى الأسود فى أصحاب ابن مسعود سوى أبى الأسود الديلى، ولا يعرف سماع أبى إسحاق.

١٥٧
ج - ٨
تكبيرات التشريق وأنها لا تجب إلا على أهل المصر
عن على رضى الله عنه قال: ((لا جمعة، ولا تشريق، ولا صلاة فطر، ولا أضحى
إلا فى مصر جامع، أو مدينة عظيمة)). أخرجه ابن أبى شيبة أيضا كما فى
"نصب الراية" (٣١٣:١) وسنده حسن، كما تقدم فى "الحاشية" أول هذا
الجزء. وحجاج بن أرطاة، والحارث الأعور كلاهما حسن الحديث، كما
ذکرناه غير مرة.
هكذا قال النضر (٢) بن شميل، وكان من أرباب اللغة، فيجب تصديقه. ولا يجوز حمله
على صلاة العيد، لأن ذلك مستفاد بقوله: "ولا أضحى، ولا فطر"، وعلى إلقاء لحوم
الأضاحى بالمشرقة، لأن ذلك لا يختص بمكان دون مكان، فتعين التكبير مراد بالتشريق
اهـ ملخصا (١: ١٩٨).
قلت: وبهذا اندحض ما حكاه الحافظ فى الفتح عن أبى عبيد قال: وكان أبو حنيفة
يذهب بالتشريق فى هذا إلى التكبير فى دبر الصلاة يقول: لا تكبير إلا على أهل الأمصار
قال: وهذا لم نجد أحدا يعرفه، ولا وافقه عليه صاحباه، ولا غيرهما انتهى (٢: ٣٨٠).
قلت: لا مجال للرأى فى اللغة، فلا بد أن يكون أبو حنيفة قاله سماعا من أئمة
اللغة. لا سيما، وفى أصحابه مثل محمد بن الحسن، والقاسم بن معن المسعودى الهذلى،
وهما إماما اللغة والعربية فى عصرهما. أما محمد بن الحسن فقال فيه أحمد بن حنبل:
"محمد أبصر الناس بالعربية" كذا فى مقدمة "التعليق الممجد" (ص: ٣٠). وقال
الشافعى: ما رأيت أفصح منه. كنت إذا رأيته يقرأ كان القرآن نزل بلغته كذا فى الأنساب
للسمعانى (ص: ٣٤٢). وأما القاسم فذكره السيوطى فى بغية الوعاة له، وقال: "كان من
علماء الكوفة بالعربية، واللغة، والفقه، والحديث، والشعر. لم يكن له بالكوفة فى عصره
نظير. وكان من الأثبات فى النقل، والفقه، واللغة" اهـ (٢: ٣٨١). فكيف يكون أبو
حنيفة لا يعرف اللغة، وهؤلاء أئمة اللغة أصحابه، وتلامذته. وأيضا فقد تأيد قوله بقول
على رضى الله عنه، فقد عرفت أنه لا يجوز حمل التشريق فى قوله إلا على رفع الصوت
بالتكبير. ولا يجوز حمله على صلاة العيد لكونها مذكورة بعده.
وأما قوله: "ولا وافقه عليه صاحباه ولا غيرهما" إلخ فعدم موافقتهم للإمام فى
(١) ذكره الحافظ السيوطى فى طبقات النحاة واللغويين (١: ٤٠٤).

١٥٨
تكبيرات التشريق وأنها لا تجب إلا على أهل المصر
إعلاء السنن
٢١٥٠- عن: ابن عباس مرفوعًا قال: ((ما من أيام أعظم عند الله، ولا
أحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر، فأكثروا فيهن من التسبيح، والتحميد،
مسئلة اختصاص أهل المصر بهذا التكبير لا يستلزم إنكارهم المعنى الذى فسر به الإمام
لفظ التشريق، لاحتمال كونه مشتركا بين معان عديدة عندهم. ورجحوا معنى الصلاة
دون رفع الصوت لقرينة قامت مرجحة له فى زعمهم. ولعل أثر على برواية الحجاج بن
أرطاة لم يبلغهم، أو لم يصح عندهم، وقد عرفت أنه حسن الإسناد على الأصل الذى
أصلناه مرارا، فصح احتجاج أبى حنيفة به لمعنى الباب. والله تعالى أعلم بالصواب.
قوله: "عن ابن عباس" إلخ. وفيه قوله مَّله: "فأكثروا فيهن من التسبيح،
والتحميد، والتهليل، والتكبير" بصيغة الأمر ومطلق الأمر للوجوب، ففيه دلالة على
وجوب إكثارها فى تلك الأيام. وقد قام الإجماع على أن ما قبل عرفة غير مراد، فبقى
التكبير واجبا فيما وراءه، فدلالة الحديث على قول أبى حنيفة ظاهرة أن التكبير واجب من
صبح عرفة إلى عصر يوم النحر.
فإن قيل: قد ذهب بعضهم إلى عدم قصر التكبير على أعقاب الصلوات، بل جعله
عاما لجميع الأحوال. ويؤيده ما مر عن أبى هريرة، وابن عمر أنهما كبرا فى الأسواق،
وكبر عمر فى قيته بمنى. فالظاهر وجوب التكبير فى أيام العشر كلها بعد الصلوات،.
وغيرها من الأحوال كما هو المتبادر من الحديث.
قلنا: قد مر بيان الاختلاف فى ابتداء هذا التكبير وانتهائه نقلا عن الحافظ فى
الفتح، وعلم منه أنه لم يذهب أحد إلى ابتداءه قبل صبح عرفة، فكان ما قبله غير مراد
بالإجماع. ولا يستقيم الاستدلال بفعل ابن عمر، وأبى هريرة، وعمر على عمومه جميع
الأحوال، لاحتمال كون تكبيرهم محمولا على التكبير المضاف إلى التلبية أو موضوعا
مكانها، وهو خارج عما نحن فيه، كما قدمناه لاختصاصه بالحاج دون غيره. قال الحافظ
فى الفتح: وفيه (أى فى التكبير أيام التشريق) اختلاف بين العلماء فى مواضع، فمنهم من
قصر التكبير على أعقاب الصلوات، ومنهم من خص ذلك بالمكتوبات دون النوافل،
ومنهم من خصه بالرجال دون النساء وبالجماعة دون المنفرد، وبالمؤداة دون المقضية،
وبالمقيم دون المسافر، وبساكن المصر دون القرية. وظاهر اختيار البخارى شمول ذلك
للجمع، والآثار التى ذكرها تساعده أهـ (٢: ٣٨٥).

ج - ٨
تكبيرات التشريق وأنها لا تجب إلا على أهل المصر
١٥٩
والتهليل، والتكبير)). رواه الطبرانى فى "الكبير" بإسناد جيد كذا فى
"الترغيب" (ص-١٩٨). قال الحافظ المنذری: روى البيهقى وغيره عن يحيى
قلت: وأضيق الأقوال فى ذلك قوى بى حنيفة، فإنه قيد وجوب هذا التكبير بجميع
هذه القيود فلا يجب عنده إلا على الرجال العاقلين المقيمين الأحرار من أهل الأمصار
المصلين المكتوبة بجماعة مستحبة. فيكبرون عقب الصلوات لا غير. ووجه تضييقه فى
ذلك أن الجهر بالتكبير تعبدا بدعة إلا فى موضع ثبت بالنص أو الإجماع والتكبير بهذه
القيود متفق عليه عندهم، وما سواه مختلف فيه، فيؤخذ بالمتيقن ويترك المحتمل. وما ذكره
البخارى من الآثار لا يدل على الوجوب، بل على الجواز أو الاستحباب، لكونها حكاية
أفعال لا تفيد الوجوب، مع احتمال كون التكبير الذى فى هذه الآثار مضافا إلى التلبية أو
مفعولا مكانها، فافهم.
وفى الحديث دلالة على أولوية صيغة التكبير التى رويت عن ابن مسعود واختارها
الحنفية لاشتمالها على التهليل، والتحميد مع التكبير. وأخذ الشافعى بما أخرجه عبد
الرزاق بسند صحيح عن سلمان رضى الله عنه قال: "كبروا الله الله أكبر الله أكبر الله أكبر
كبيراً". قال الحافظ: "وهو أصح ما ورد فيه، وهو قول الشافعى". وزاد: "ولله الحمد"
کذا فی فتح البارى (٢: ٣٨٥).
قلت: وما رويناه عن ابن مسعود جاء عن عمر نحوه، كما صرح به الحافظ أيضا،
وهما أجل من سلمان، وقولهما أوفق بالمرفوع، فكان أولى والله تعالى أعلم.
قلت: وعلق البخارى عن محمد بن على (هو أبو جعفر الباقر) "أنه كبر خلف
النافلة" اهـ. قال الحافظ فى "الفتح": وصله الدارقطنى فى المؤتلف من طريق معن بن
عيسى القزاز قال: حدثنا أبو وهنة رزيق المدنى قال: "رأيت أبا جعفر محمد بن على يكبر
بمنى فى أيام التشريق خلف النوافل". قال ابن التين: لم يتابع محمدا على هذا أحدّ اهـ
(٢: ٣٨١). وتعقبه الحافظ بأن الخلاف ثابت عند المالكية، والشافعية هل يختص التكبير
بالفرائض أو يعم؟ واختلف الترجيح عند الشافعية، والراجح عند المالكية الاختصاص اهـ.
قلت: إن ابن التين لم يرد بقوله: "لم يتابع محمدا على هذا أحد" المالكية والشافعية، بل
أراد التابعين المعاصرين له، كما هو الظاهر، فلا ينتقض باختلاف من بعدهم. على أنه
يحتمل التكبير الذى زاده فى التلبية أو فعله مكانها، فلا حجة به علينا.

١٦٠
تكبيرات التشريق وأنها لا تجب إلا على أهل المصر
إعلاء السنن
ابن عيسى الرملى: ثنا يحيى بن أيوب البجلى عن عدى بن ثابت (وهؤلاء الثلاثة
ثقات مشهورون تكلم فيهم) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول
وعلق البخارى أيضا "وكان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان، وعمر بن عبد
العزيز ليالى التشريق مع الرجال فى المسجد" اهـ (٢: ٣٨٥، فتح). وهذا موافق المذهب
أبى حنيفة، فلا يكبر النساء عنده وحدهن، وإنما يكبرن مع الرجال إذا صلين جماعة فى
المسجد مع خفض الصوت دون رفعه.
فائدة:
قال صاحب الهداية: والتعريف الذى يصنعه الناس ليس بشىء وهو أن يجتمع
الناس يوم عرفة فى بعض المواضع تشبيها بالوافقين بعرفة، لأن الوقوف عرف عبادة
مختصة بمکان مخصوص، فلا يكون عبادة دونه كسائر المناسك اهـ. وفى الكفاية: وعن
أبى يوسف ومحمد فى غير رواية الأصول أنه لا يكره، لما روى عن ابن عباس رضى الله
عنه أنه فعل ذلك بالبصرة. ولكنا نقول: إن ذلك محمول على أن ذلك ما كان للتشبه، بل
كان للدعاء، ألا ترى! أن من طاف حول مسجد سوى الكعبة يخشى عليه الكفر، حتى
لو اجتمعوا لشرف ذلك اليوم لا للتشبه جازاهـ (٢: ٤٧). وفى منهاج السنة: جوز أحمد
ابن حنبل التعريف بالأمصار، واحتج بأن ابن عباس فعله بالبصرة، وكان ذلك فى خلافة
على رضى الله عنه، وكان ابن عباس نائبه بالبصرة اهـ (٣: ٢٠٥). قلت: ولكن العامة
يتعدون الحدود، فيلزم العلماء منعهم منه. والله تعالى أعلم.
تحقيق المراد بالعمل المأمور به فى عشر ذي الحجة
فائدة ثانية:
أخرج البخارى عن ابن عباس مرفوعا إلى النبى عّ لّه قال: " ما العمل فى أيام أفضل
منها فى هذه" (أى أيام عشر ذي الحجة كما أثبته الحافظ فى الفتح) قالوا: ولا الجهاد؟
قال: "ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وما له فلم يرجع بشىء" اهـ.
فائدة : ثبت أنها أيام أكل، وشرب، وبعال
قال الحافظ فى "الفتح": وقال ابن بطال وغيره: المراد بالعمل فى أيام التشريق