Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
ج - ٨
عدم جواز الجمعة فى القرى
﴿وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ وقوله عَّ ((جعلت لى الأرض، مسجدا
وطهورا))) وإن كان مبناه على إظهار(١) الشوكة لم يكن الأثر خلاف القياس؛ فالعجب من
هؤلاء كيف يوردون على الحنفية بزعومهم الفاسدة، وأمانيهم الكاسدة ما لا يرد عليهم.
وقال سيدى المولى الخليل قدس الله سره فى "بذل المجهود" (١٦٤:٢): قلت:
ويحتمل أن يكون معنى على من آواه الليل إلى أهله أن الجمعة واجبة على من وصل من
السفر إلى أهله والوطن. فحاصله: أن الجمعة لا تجب على المسافر. فلم يبق الحديث قابلا
للاحتجاج اهـ.
قلت: وكذا قول ابن عمر: "الجمعة على من يأت أهله" يحتمل هذا المعنى، وإذا
جاء الاحتمال بطل الاستدلال. قال العينى: وقالت طائفة: يجب على أهل المصر، ولا
يجب على من كان خارج المصر سمع النداء أو لم يسمعه. قال شيخنا فى " شرح
الترمذى": وهو قول أبى حنيفة بناء على قوله: "إن الجمعة لا تجب على أهل القرى
والبوادى ما لم يكن فى المصر". ورجح القاضى أبو بكر بن العربى، وقال: "إن الظاهر مع
أبى حنيفة" اهـ (٢٧٦:٣).
قال بعض الناس: ويؤيد قول ابن عمر أى بالمعنى الذى ذكره الحافظ فى "الفتح" ما
فى "الترغيب" للمنذرى (١٢٨:١) عن أبى هريرة مرفوعا: ((ألا هل عسى أحدكم أن
يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين، فيتعذر عليه الكلا فيرتفع ثم تجىء الجمعة،
فلا يجىء، ولا يشهدها، وتجىء الجمعة فلا يشهدها، وتجىء الجمعة فلا یشهدها حتى
يطبع على قلبه)). رواه ابن ماجة بإسناد حسن، وابن خزيمة فى "صحيحه" اهـ.
قلت: فى سند ابن ماجة معدى بن سليمان صاحب الطعام، وهو ضعيف(٢) عن
(١) وإن كان ذكر هذا المبنى واحد من الحنفية، فمراده بيان الحكمة دون العلة، والأحكام تدور مع العلل دون الحكم،
کما هو ظاهر.
(٢) والحديث ذكره ابن تيمية فى "المنتقى"، وضعفه الشوكانى فى "النيل" (٣: ١٠٦) وقال: والظاهر جواز السفر قبل
دخول وقت الجمعة، وبعد خروجه، لعدم المانع من ذلك، وحديث أبى هريرة، وكذا حديث ابن عمر (بمعناه) لا
يصلحان للاحتجاج بهما على المنع، لما عرفت من ضعفهما، ومعارضة ما هو أنهض منهما، ومخالفهما لما هو
الأصل، فلا ينتقل عنه إلا بناقل صحيح.

٤٢
عدم جواز الجمعة فى القرى
إعلاء السنن
ابن عجلان، وقد روى معدى عنه مناكير، كما فى "التقريب" (ص: ٢١١) و"التهذيب"
(٢٢٩:١) وليس فيه تأييد لقول ابن عمر، فإنه فى حق من كان ساكنا خارج المصر، كما
فسره به الحافظ، وهذا فيمن كان داخل المصر، فيخرج منه يوم الجمعة، فإن خرج قبل
الزوال مسافرا أو قاصدا الخروج إلى موضع لا تجب على أهله الجمعة جاز، ولا يجوز بعد
الزوال حتى يصلى الجمعة، كما فى "الدر والشامية" (٨١١:١). فالحديث محمول على
الخروج من المصر بعد الزوال، أو قبله إذا لم يقصد الخروج إلى موضع لا تجب على أهله
الجمعة، بل قصد الخروج إلى فناء المصر، كما هو عادة الرعاة غالبا ومثله تجب عليه الجمعة
عندنا، ولا يجوز له تركها وفناء المصر قد يكون أزيد من ميلين، كما لا يخفى، وإذا جاء
الاحتمال بطل الاستدلال، على أنه يعارض حديث انتياب أهل العوالى، وهو أصح
منه وأقوى.
تتمة ثالثة:
وإذا لم تجز الجمعة فى القرى، فعدم صحتها فى البرارى أولى، وقد قام على ذلك
الدليل أيضا. وهو أن النبى معَ ◌ّ لم يجمع بعرفات، وقد كان الوقوف بها يوم الجمعة، ففى
صحيح البخارى فى باب زيادة الإيمان ونقصانه فى أثر طويل قال عمر: "قد عرفنا ذلك
اليوم والمكان الذى نزلت فيه على النبى عّ لّ، وهو قائم بعرفة يوم الجمعة" اهـ وفى
"صحيح مسلم" (٣٩٧:١): فأجاز رسول الله عَّ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد
ضربت له بنمرة إلى أن قال ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل
بينهما شيئا اهـ وفى "المصفى" لمحدث الهند مولانا الشاه ولى الله (ص: ١٥٢): بجهت
آنكه در زمان آنحضرت ێ در بدو جمعه نمی بود وبا آنحضرت ێ جمع کثیر از
اهل مکه در عرفه بودند ایشان را بجمعه نفرمودند، وسفر اگر سبب عدم تحتم در حق
آنحضرت عَّه، واهل مدينة مى تواند شد در حق اهل مكه علت نمى تواند شد الا بودن
ایشان در صحراء اهـ.
تتمة رابعة:
قد يحتج الخصم على مذهبه بما فى البخارى تعليقا: "وكان أنس رضى الله عنه فى

٤٣
ج - ٨
عدم جواز الجمعة فى القرى
قصره أحيانا يجمع وأحيانا لا يجمع وهو بالزاوية على فرسخين اهـ. قال: ففيه دليل على
صحة الجمعة فى القرى، لأن أنسا رضى الله عنه كان أحيانا يجمع فى قصره وهى قرية.
قلنا: وفيه دليل على أنها لا تجب على أهل القرى، ولا يجب عليهم شهودها بالمصر
أيضا. لأن أنسا كان لا يجىء البصرة إذا لم يجمع بقصره، وهذا بخلاف ما ذهب إليه
الخصم، لا سيما صاحب "سر من يرى" وجماعته. على أن قوله: "أحيانا يجمع وأحيانا
لا يجمع" يحتمل معنيين أى يصلى بمن معه الجمعة أو يشهد الجمعة بجامع البصرة، كما
قاله الحافظ فى "الفتح" (٣٢٠:٢) قال: وهذا وصله ابن أبى شيبة من وجه آخر عن أنس،
"أنه كان يشهد الجمعة من الزاوية وهى على فرسخين من البصرة" قال: وهذا يرجح
الاحتمال الثانى، ولا يعارض ذلك ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن ثابت قال: "كان
أنس يكون فى أرضه، وبينه وبين البصرة ثلاثة أميال، فيشهد البصرة" لكون ثلاثة أميال
فرسخا واحدا، لأنه يجمع بأن الأرض المذكورة غير القصر، وبأن أنسا كان يرى التجميع
حتما إن كان على فرسخ، ولا يراه حتما إذا كان أكثر من ذلك، ولهذا لم يقع فى رواية
ثابت التخيير الذى فى رواية حميد اهـ (التى علقها البخارى) قلت: ويحتمل أنه کان یری
التجميع حتما من أرضه، دون قصره، لكونها من توابع البصرة داخلة فى فنائها بخلافه،
فلا يرد على ظاهر الرواية من أصحابنا.
وبالجملة: فأثر أنس هذا محتمل لمعنیین، والراجح منهما الثانى، فلا يرد به علی
الحنفية شىء. نعم، يرد على الخصم فى قوله بوجوب الجمعة على أهل القرى ولو
بشهودها بالمصر، والله تعالى أعلم.
وقد روى البيهقى فى المعرفة بإسناده إلى الشافعى قال: " وقد كان سعيد بن زيد
وأبو هريرة يكونان بالشجرة على أقل من ستة أميال يشهدان الجمعة، ويدعانها، وكان
يروى أن أحدهما كان يكون بالعقيق يترك الجمعة، ويشهدها، وكان يروى أن عبد الله بن
عمرو بن العاص كان على ميلين من الطائف يشهد الجمعة، ويدعها، كذا فى "آثار
السنن"، وسنده إلى الإمام الشافعى رجاله ثقات، كما فى "التعليق الحسن" (٧٩:٢).
والإمام الشافعى رحمه الله رواه معلقا، وتعليقه حجة، كتعليق البخارى، وفى كل ذلك
دليل على عدم وجوب الجمعة على أهل القرى، وعلى عدم وجوب شهودها عليهم

٤٤
عدم جواز الجمعة فى القرى
إعلاء السنن
بالمصر، ومن ادعى أنهم كانوا يتركونها بالقرية، ويشهدونها بالمصر أو على العكس،
فلیأت علی ذلك ببرهان.
وقد يحتج بما فى البخارى أيضا، قال يونس: وكتب رزيق بن حكيم إلى ابن
شهاب، وأنا معه يومئذ بوادى القرى، ورزيق عامل على أرض يعملها، وفيها جماعة من
السودان، ورزيق يومئذ على أيلة (أى أمير عليها. فتح) فكتب ابن شهاب، وأنا أسمع،
يأمره أن يجمع، يخبره أن سالما حدثه أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله عَ ليه
يقول: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) الحديث، قال: ففيه إقامة
الجمعة فى القرى.
قلت: لا دليل فيه على ذلك أصلا، لأنه ليس بصريح فى أن السؤال كان على
التجميع بالأرض التى كان يزرعها من أعمال أيلة، أو عن التجميع بأيلة نفسها، وإن كان
الظاهر الأول كما قاله الحافظ فى "الفتح" (٣١٧:٢)، ولكن الثانى محتمل أيضا، على أن
الخصم إن كان يدعى ثبوت إقامة الجمعة فى القرى بنفس الحديث المتصل، فلا دلالة فيه
على ذلك أصلا، وإن كان يدعى بكتاب ابن شهاب يأمر فيه رزيق بن حكيم بأن يجمع،
فلا يتم به حجة أيضا، لكونه من قول التابعى، ولا حجة فيه، وأيضا فمن أين علم أنه أمر
بذلك سواء كان فى مدينة أو فى قرية، فإن قال: رزيق كان عاملا على أرض يعملها،
وكان فيه جماعة من السودان وغيرهم، وليس هذا إلا قرية، فلا يتم به استدلاله أيضا،
لأنها لو كانت قرية سماها باسمها، فيحتمل كون هذه الأرض من توابع أيلة داخلة فى
فنائها، وإن سلمنا كونها قرية، فقد صار حكمها حكم المدينة بوجود المتولى عليها من
جهة الإمام، وقد قلنا فيما مضى: إن الإمام إذا بعث إلى قرية نائبا لإقامة الأحكام تصير
مصرا قاله العينى فى "العمدة" (٢٦٩:٣).
وبهذا اندحض قول الحافظ فى "الفتح": "إن فى هذه القصة إيماء إلى أن الجمعة
تنعقد بغير إذن من السلطان" اهـ لأن رزيقا كان عاملا وأميرا على أيلة من قبل عمر بن
عبد العزيز، ومن كان مولى من جهة السلطان كان مأذونا بإقامة الجمعة، لأنها من أكبر
مصالح الرعية فافهم. نعم، فيه إيماء إلى أن جواز الجمعة فى القرى لم يكن ظاهرا لأهل
هذا الزمان، وإلا لم يحتج رزيق إلى السؤال عنه.

٤٥
ج - ٨
باب إذا بعث الإمام نائبا له إلى قرية، وأقام الجمعة بها
صحت الجمعة، وأن الإمام أو نائبه شرط لصحتها
٢٠٢٠- صح: أنه كان لعثمان رضى الله عنه عبد أسود أمير على الربذة
يصلى خلفه أبو ذر، وعشرة من الصحابة الجمعة وغيرها، ذكره ابن حزم فى:
"المحلى"، كذا فى "شرح المنية" للحلبى (ص-٥١٢).
٢٠٢١- عن: مولى لآل سعيد بن العاص ((أنه سأل ابن عمر عن القرى
التى بين مكة والمدينة ما ترى فى الجمعة؟ قال: نعم! إذا كان عليهم أمير
فليجمع)). أخرجه البيهقى فى "المعرفة"، كذا فى "التعليق الحسن" للنيموى
(٨٤:٢) وقال: إسناده مجهول اهـ، قلت: لعله أراد مولى لآل سعيد ولكنه
تابعى، والمجهول فى القرون الثلاثة لا يضرنا كما ذكره فى المقدمة.
باب إذا بعث الإمام نائبا له إلى قرية، وأقام الجمعة بها
صحت الجمعة وأن الإمام أو نائبه شرط لصحتها
قوله: "صح أنه كان لعثمان" إلخ: دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة، ولا
دلالة فيه على أن الربذة لم يكن يسكن فيها غير أبى ذر، وعشرة من الصحابة، بل المراد أن
هذا العبد كان يصلى خلفه من أجلة المسلمين: أبو ذر، وعشرة من الصحابة مع غيرهم من
المسلمين.
قوله: "عن مولى لآل سعيد بن العاص" إلخ، قلت: قوله " نعم، إذا كان عليهم أمير
فليجمع" دليل على اشتراط الأمير للجمعة ظاهر، والعجب من صاحب "التعليق المغنى":
أنه كيف أورد هذه الآثار على الحنفية، ولم يدر أنها حجة لهم؟ وبها ظهر الجواب عما
ذكره الحافظ فى الفتح عن عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر "أنه كان يرى أهل
المياه بين مكة، والمدينة يجمعون فلا يعيب عليهم" اهـ. قلنا: لعل هؤلاء كان عليهم أمراء
من الإمام، فلذا لم يعب عليهم، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، على أن القول مقدم
على السكوت، فافهم.

٤٦
حكم إقامة الجمعة في القرية لنائب الإمام
إعلاء السنن
٢٠٢٢- حدثنا: وكيع عن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز
إلى عدى بن عدى: ((أيما أهل قرية ليسوا بأهل عمود ينتقلون فأمر عليهم أميرا
يجمع بهم)). أخرجه ابن أبى شيبة، وإسناده ضعيف، فإن جعفرا لم يسمع من
عمر بن عبد العزیز، ولم يثبت سماعه من ابن عدى وأنه لم یسنده، ولم يذكر
أنه شهد الكتابة، فهو منقطع، كذا فى "التعليق الحسن" (٨٤:٢) قلت: ولكن
له شاهد.
٢٠٢٣- عن: عمر بن عبد العزيز "أنه كان متبديا بالسويدا فى إمارته
على الحجاز، فحضرت الجمعة، فهيأوا له مجلسا من البطحاء، ثم أذن بالصلاة،
فخرج، فخطب، وصلى ركعتين، وجهر، وقال: إن الإمام يجمع حيث كان"،
رواه عبد الرزاق فى "مصنفه"، كذا فى "التلخيص الحبير" (١٣٢:١).
٢٠٢٤- عن: على بن خشرم عن عيسى بن يونس عن شعبة عن عطاء بن
أبى ميمونة عن أبى رافع، ((أن أبا هريرة كتب إلى عمر رضى الله عنه يسأله عن
قوله: "حدثنا وكيع" إلخ قلت: دلالة قول عمر بن عبد العزيز، "فأمر عليهم أميرا
يجمع بهم" على توقف الجمعة على الأمير ظاهرة، وإلا لم يكن لهذا القول معنى.
قوله: "عن عمر بن عبد العزيز" إلخ: قلت: دلالة قوله: "إن الإمام يجمع حيث
كان" على جواز إقامة الإمام الجمعة فى القرى ظاهرة، وفيه أيضا أن ذلك مخصوص
بالإمام، أو من كان نائبا له، وليس ذلك لأهل القرى مطلقا، وإلا لم يحتج عمر بن عبد
العزيز إلى الاحتجاج بهذا القول، والمراد بقوله: "حيث كان" أى من الأمصار والقرى،
لعدم صحة الجمعة فى البرارى اتفاقا. وأيضا فقد قيد عمر بن عبد العزيز إقامة الجمعة
بالقرى بالذين ليسوا بأهل عمود ينتقلون، فكيف يصح تعميم قوله: "حيث كان"
للصحارى والبرارى؟ وقول عمر بن عبد العزيز وإن لم يكن حجة، ولكن الخصم احتج به
علينا، فبينا أنه حجة لنا عليك لا لك.
قوله: "عن على بن خشرم" إلخ: قلت: كان أبو هريرة أميرا بالبحرين، استعمله
عمر بن الخطاب عليها، ومع ذلك استأذن عمر بن الخطاب فى إقامة الجمعة بها، فدل ذلك
على أن الجمعة يشترط لها الإمام أو نائبه المأذون بإقامتها دلالة أو صراحة، ولعل أبا هريرة

٤٧
حكم إقامة الجمعة في القرية لنائب الإمام
ج - ٨
الجمعة وهو بالبحرين(١)، فكتب إليهم أن جمعوا حيثما كنتم)). أخرجه ابن
خزيمة صاحب الصحيح. قال البيهقى فى "المعرفة": إسناد هذا الأثر حسن، كذا
فى "التعليق المغنى" (١٦٦:١).
٢٠٢٥- عن: أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: خطبنا النبى عدّة
ذات يوم، فقال: إن الله كتب عليكم الجمعة فى مقامى هذا، فى ساعتى هذه،
لم يكتف بالإذن دلالة، بل أراد حصول الإذن بها صراحة احتياطا فأذن له الإمام عمر
ولأمثاله من الأمراء بقوله: " جمعوا حيثما كنتم"، ولو لم يكن الإمام ونائبه المأذون بالإقامة
شرطا لصحة الجمعة لم يكن لسؤال أبى هريرة معنى، ولا يخفى أن المراد بقوله: "حيثما
كنتم" الموضع الصالح لإقامة الجمعة بدليل قوله: "جمعوا" ونظيره قوله عرّ: ((جعلت لنا
الأرض كلها مسجدا وطهورا)). أخرجه مسلم، وزاد أحمد"فأينما أدركتنى الصلاة
تمسحت، وصليت" ذكره الحافظ فى "الفتح" (٣٧١:١) فإن قوله: "أينما أدركتنى
الصلاة" أريد به المكان الصالح لها، لكراهتها فى المقبرة، والمجزرة، والحمام، ومعاطن الإبل
وغيرها، وعدم صحتها فى المكان النجس اتفاقا، فكذا ههنا. فافهم، فإن الخصم لا يتأمل
معانى الحديث، ولا يمعن النظر فى مداركها، حيث ادعى عموم قول عمر: "جمعوا حيثما
كنتم" وجعله حجة لجواز الجمعة فى القرى مطلقا، ولم يدر أنه مخصوص بالمكان الصالح
اتفاقا، لأنه لا تصح الجمعة فى بيت له غلق، ولا فى المكان النجس، وإذا كان كذلك، فقد
زال عمومه، فلنا أن نخصه بالأمصار بدليل آخر، أو بالقرى التى فيها أمير من الإمام بدليل
كون الخطاب للأمير، والله أعلم.
.... قوله: "عن أبى سعيد" إلخ: قلت: وبما ذكرنا من طرق الحديث اندحض ما أورده
بعض الناس على شيخنا أنه أورد فى الخطب المأثورة له خطبة موضوعة، وأشار إلى هذه،
(١) أى أمير عليها، فقد قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين، "أن عمر استعمل أبا هريرة على
البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال فمن أين لك؟ قال: خيل نتجت، وأعطية
تتابعت، وخراج رقيق لى، فنظر، فوجدها كما قال، ثم دعاه ليستعمله فأبى، فقال: لقد طلب العمل من كان خيرا
منك قال: إنه يوسف نبى الله ابن نبى الله وأنا أبو هريرة بن أميمة، وأخشى ثلاثا، أن أقول بغير علم، أو أقضى بغير
حكم، ويضرب ظهرى، ويشتم عرضى، وينزع إلى، كذا فى "الإصابة" (٢٠٦:٧).

٤٨
حكم إقامة الجمعة في القرية لنائب الإمام
إعلاء السنن
فى شهرى هذا، فى عامى هذا إلى يوم القيامة. من تركها بغير عذر مع إمام
عادل، أو إمام جائر، فلا جمع الله شمله، ولا بورك له فى أمره. ألا! ولا صلاة
له، ألا! ولا بر له، ألا! ولا صدقة له. رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه موسى بن
عطية الباهلى، ولم أجد من ترجمه. وبقية رجاله ثقات، كذا فى
"مجمع الزوائد" (٢٠٩:١).
قلت: ومثله ثقة على قاعدة ابن حبان، كما ذكرنا فى المقدمة، وأيضا فلم
واغتر بسند ابن ماجة، وفيه العدوى المتهم بالوضع، ولم يطلع على طريق مهنا بن يحيى،
وهى سالمة عن العدوى، وقد صرح ابن عبد البر بخطأ من جعل مداره عليه؛ وحمل عليه
من أجله، قال: "فقد وجدناه من رواية غيره". وقال ابن القيم فى "زاد المعاد": وقد حفظ
من خطبته مّ من رواية على بن زيد بن جدعان، وفيها ضعف" يا أيها الناس! تَوبوا إلى
الله عز وجل قبل أن تموتوا"، فذكره مطولا (١١٩:١).
فتراه قد جعله محفوظا، وجعل مداره على ابن جدعان دون العدوى، وإنما قال:
"وفيها ضعف" لما فى ابن جدعان من المقال؛ ولكنه لا يضرنا، فإن الرجل مختلف فيه،
وحديث مثله حسن، كما ذكرنا هذا الأصل غير مرة، وأصلناه فى المقدمة، وابن جدعان
حسن له الترمذى فى "جامعه" (٩٧٦:١-٩٢:٢) وفى غيرها من المواضع، وقال
المنذری: قال الترمذى: صدوق، وصحح له حدیثا فی السلام. وحسن له غیر ما حديث
اهـ (ص: ٥٣٠ ترغيب). وقال الهيثمى فى "مجمع الزوائد": على بن زيد اختلف فى
الاحتجاج به، وقد وثق اهـ (١٩٧:١). فالحديث حسن لا يمنع من الاحتجاج به كما قاله
العينى فى "العمدة"، والمراد بالضعف فى كلام ابن القيم ما يقابل الصحيح، فلا ينافى
حسنه، ودلالة الحديث على اشتراط الإمام للجمعة ظاهرة، لأنه معَّ له الحق الوعيد بتاركها
إذا كان مع إمام. فكان الإمام شرطا فى لزومها. كما يفيده الجملة الواقعة حالا، فلا تصح
الجمعة بدونه. وهذا هو معنى الشرط بعينه.
وأما إنه شرط الوجوب أو شرط الصحة، فلا يخفى أن شرائط الوجوب، إنما هى ما
· كان راجعا إلى المصلى نفسه، كالحرية، والصحة، والسلامة، والإقامة، والبلوغ، وأما ما
كان راجعا إلى غير المصلى، فهو من شرائط الصحة، ولا يخفى أن الإمام، والجماعة

٤٩
حكم إقامة الجمعة في القرية لنائب الإمام
ج - ٨
يذكره الذهبى فى "الميزان"، ولا الحافظ فى "اللسان"، ولا فى فصل المتفرقات،
فهو إما ثقة أو مستور، كما قاله فى آخر "اللسان" (٨٦٦:٦).
٢٠٢٦- ورواه جماعة، منهم يحيى بن صاعد بن عبد الله، وعلى بن
الحسين بن جرثومة عن مهنا بن يحيى السامى صاحب الإمام أحمد (وثقه
الدار قطنى وابن حبان) عن زيد بن أبى الزرقاء عن سفيان الثورى عن على بن
زيد عن سعيد بن المسيب عن جابر رضى الله عنه قال: خطبنا رسول الله عرّه
كلاهما، كالوقت والمصر غير راجعين إلى المصلى، بل إلى غيره، فكانا من شرائط
الصحة، والوجوب معا. دون الوجوب فقط، والتنفل بالجمعة غير مشروع، كما قدمنا،
وأيضا فإن الظهر فرض، فلا تسقط إلا بمثلها، فبطل احتمال صحة الجمعة نفلا بدون
الإمام، فافهم.
وفى "العمدة" للعينى: وقال ابن المنذر: "مضت السنة بأن الذى يقيم الجمعة
السلطان أو من قام بها بأمره، فإذا لم يكن ذلك صلوا الظهر" اهـ (٢٦٨:٣). قلت: وهذا
منه حكاية الإجماع علیه، ويؤيده ما ذكرنا من آثار الصحابة، وحديث أبى سعيد، وجابر
المرفوع، قال العينى: وقال الحسن البصرى: أربع إلى السلطان، فذكر منها الجمعة
(والعيدين(١)، وقال حبيب بن أبى ثابت: لا يكون الجمعة إلا بأمير، وخطبة، وهو قول
الأوزاعى، ومحمد بن مسلمة ويحيى بن عمر المالكى، وعن مالك إذا تقدم رجل بغير إذن
الإمام لم يجزهم، وذكر صاحب البيان قولا قديما للشافعى: إنها لا تصح إلا خلف
السلطان أو من أذن له اهـ (٢٦٩:٣).
وفى قوله الجديد: إذن السلطان ليس بشرط للصحة، ولكن السنة أن لا تقام إلا
بإذن السلطان، وبه قال أحمد فى رواية، وفى رواية عنه أنه شرط، كمذهبنا، واحتجوا بما
روى أن عثمان رضى الله عنه لما كان محصورا بالمدينة صلى على رضى الله عنه الجمعة
(والعيد) بالناس، ولم يروا أنه صلى بأمر عثمان، وكان الأمر بيد. قلنا: هذا الاحتجاج
ساقط، لأنه يحتمل أن عليا فعل ذلك بأمره أو كان لم يتوصل إلى إذن عثمان، ونحن أيضا
(١) هذه الزيادة ذكرها ابن الهمام فى " شرح الهداية".

٥٠
حكم إقامة الجمعة في القرية لنائب الإمام
إعلاء السنن
يوم الجمعة فقال: إن الله افترض عليكم الجمعة فى يومى هذا. الحديث بطوله
كذا فى اللسان (١٠٨:٦). رجاله كلهم ثقات إلا على بن زيد، وهو مختلف
فيه، وثقه يعقوب بن شيبة وقال الترمذى: صدوق، وقال الساجى: " كان من
أهل الصدق، ويحتمل لرواية الجلة عنه" اهـ من "التهذيب" (٣٢٢:٨).
قلت: روى عنه شعبة وهو لا يروى إلا عن ثقة، كما قد عرف، أخرج له
مسلم فى "الصحيح" مقرونا، واحتج به أصحاب السنن، والبخارى فى الأدب،
نقول: إذا لم يتوصل إلى إذن الإمام فللناس أن يجتمعوا، ويقدموا من يصلى بهم، قاله
العينى فى "العمدة" (٣٦٨:٣).
ولا يخفى ما فيه، والحق أن عليا صلى بهم العيد بإذن عثمان إما صراحة، كما
يشعر به قول الحافظ فى "الفتح" فى شرح حديث عدى بن خيار: إنه دخل على عثمان
وهو محصور، فقال: "إنك إمام عامة، ونزل بك ما ترى، ويصلى لنا إمام فتنة، ونتحرج"
إلخ. قال الحافظ: المراد بإمام فتنة هنا كنانة بن بشر قال: وقد صلى بالناس يوم حصر
عثمان أبو أمامة سهل بن حنيف الأنصارى لكن بإذن عثمان. رواه عمر بن شيبة بإسناد
صحيح، وكذلك صلى بهم على بن أبى طالب فيما رواه ثعلبة بن يزيد الحمانى قال: فلما
كان يوم العيد جاء على، فصلى بالناس وقال ابن المبارك فيما رواه الحسن الحلوانى: لم
يصل بهم غيرها، وقال غيره: صلى بهم عدة صلوات اهـ. فقوله: "وكذلك صلى بهم
على بن أبى طالب " ظاهر فى أنه صلى بهم بإذن عثمان صراحة، ولا أقل من أنه صلى بهم
بإذنه دلالة لقول عثمان فى إمام الفتنة: "الصلوات أحسن ما يفعل الناس، فإذا أحسن الناس
فأحسن معهم، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم". أخرجه البخارى.
وروی سیف فی الفتوح عن سهل بن یوسف الأنصاری عن أبیه، قال: " کرہ الناس
الصلاة خلف الذين حصروا عثمان إلا عثمان، فإنه قال: من دعا إلى الصلاة فأجيبوه".
فهذا صريح فى أن مقصوده بقوله: "الصلاة أحسن" الإشارة إلى الإذن بالصلاة خلفه،
قاله الحافظ فى "الفتح" (١٥٩:٢). ولما أذن بالصلاة خلف إمام فتنة فإذنه بها خلف على
أولى، فاندحض القول بأن عليا صلى بهم الجمعة أو العيد بغير إذن من عثمان بل صلاها
بهم بإذنه صراحة أو دلالة.

٥١
ج - ٨
حكم إقامة الجمعة في القرية لنائب الإمام
كما فى "التهذيب" أيضا. فالحديث حسن. وأخرجه ابن ماجة مطولا من طريق
العدوى عن على بن زيد قال ابن عبد البر: إن جماعة أهل العلم بالحديث
يقولون: إنه من وضعه. وإنهم حملوا عليه من أجله. قال: لكن وجدناه من
رواية غیرہ ثم ذکر أن محمد بن وضاح -و کان ثقة- حدث به عن ابن أبى
خيثمة عن محمد بن مصفی عن بقية عن حمزة بن حسان عن على بن زید به،
كذا فى اللسان. قال الحافظ: "وأما هذا الإسناد فليس فيه سوى حمزة بن
حسان، وهو مجهول اهـ" وقال العينى فى "العمدة": "ورواه الطبرانى فى
"الأوسط" عن عمر مثله. والحديث إذا روى من وجوه، وطرق مختلفة تحصل
له قوة، فلا يمنع من الاحتجاج به اهـ".
قال بعض الناس: إن الحدیث أی حدیث أبی سعید المذكور فى المتن إن ثبت لا يدل
على المطلوب لأن الإمامة الصغرى مطلقا حق الإمام الكبير، كما قد تقدم فى حواشى
باب صفات الإمام فلا فرق بين صلاة الجمعة وغيرها فى هذا الحكم، ولم يشترطوه لغير
الجمعة، فاشتراطه للجمعة دون غيرها من الصلوات تحكم، تأمل وحقق اهـ.
قلنا: تأملنا، وحققنا، فظهر لنا جهلك، وسخافة رأيك، وسوء فهمك، وقصوره
عن درك معانى الحديث، أما أولا فلأن الحديث الذى أشرت إليه أخرجه فى مجمع الزوائد
عن أبى هريرة مرفوعا بلفظ "إذا سافرتم فليؤمكم أقرأكم، وإن كان أصغركم، وإذا أمكم
فهو أميركم" اهـ ولا دلالة فيه على ما قلت: بل معناه أن الإمامة الصغرى حق من كان
أقرأ القوم، وإن كان أصغرهم وإذا أمهم صار كبيرهم، فيجب عليهم تعظيمه، وإكرامه،
ولو سلمنا دلالة على ما قال للزم أن يكون الأمير الكبير أقرأ الناس للقرآن، وهذا خلاف
الإجماع، وخلاف الآثار الدالة على إمامة أبى بكر، وخلافته مع أن أقرأهم أبى بن كعب،
كما ورد فى الحديث، وأما ثانيا فلأن الفرق بين الجمعة، وغيرها من الصلوات بين بنص
الحديث لكونه عَّ ألحق الوعيد على تارك الجمعة بشرط كونه مع الإمام، كما يفيده
الجملة الواقعة حالا، ومفاده أنها لا تجب بدون الإمام، ولا يلحق الوعيد تاركها والحال
هذه، ولا كذلك سائر الصلوات، فإن تاركها يستحق الوعيد فى كل حال، سواء تركها
مع كونه مع الإمام، أو بدونه، وهذا أبو هريرة لم يجمع بالبحرين ما لم يأذن له الإمام،

٥٢
إعلاء السنن
باب لا جمعة إلا بجماعة، وأقلها ثلاثة سوى الإمام
٢٠٢٧- عن: طارق بن شهاب عن النبى عّ لّه قال: ((الجمعة حق واجب
على كل مسلم فى جماعة)). الحديث. وسيأتى مطولا رواه أبو داود (٤١٢:١)
وصححه النووى والحاكم على شرط الشيخين، وقال الحافظ فى التلخيص
(١٣٧:١): صححه غير واحد.
وهذا ابن عمر سئل عن الجمعة فى القرى التى بين مكة، والمدينة، فقال: "نعم، إذا كان
عليهم أمير فليجمع" وهذا عمر بن عبد العزيز كتب إلى عدى بن عدى أن يؤمر على أهل
القرى أميرا يجمع بهم وهذا ابن المنذر يقول: مضت السنة بأن الذى يقيم الجمعة السلطان
أو من قام بها بأمره، فإذا لم يكن ذلك صلوا الظهر اهـ، وأى فرق أبين من ذلك؟ فنحن لم
نشترط السلطان للجمعة بالقياس، بل بالآثار السمعية المرفوعة، والموقوفة، فإن كان
يكفيك تفريقة الشارع بينها وبين سائر الصلوات، وإلا، فلا يطالب وجه الفرق إلا من
الشارع، فاطلب منه إن کنت جرئیا علی ذلك.
باب لا جمعة إلا بجما عة، وأقلھا ثلاثة سوی الإمام
قوله: "عن طارق" إلخ: قلت: فيه تقييد وجوب الجمعة بالجماعة، ومفاده أنها لا
تجب بدون الجماعة، وهذا هو معنى الشرط بعينه، وهى من شرائط الصحة، لكونها راجعة
إلى غير المصلى. قال العينى فى "العمدة": الأصل أن الجماعة من شرائط الجمعة، لأنها
مشقة منها، وأجمعت الأمة على أن الجمعة لا تصح من المنفرد، وإلا ما ذكر ابن حزم فى
"المحلى" عن بعض الناس أن الفذ يصلى الجمعة كالظهر اهـ (٣٣٣:٣). وفى "البدائع"
(٢٦٦:١): والدليل على أنها شرط، أن هذه الصلاة تسمى جمعة، فلا بد من لزوم معنى
الجمعة فيه اعتبارا للمعنى الذى أخذ(١) اللفظ منه من حيث اللغة كما فى الصرف والسلم،
والرهن، ونحو ذلك، ولأن ترك الظهر ثبت بهذه الشريطة على ما مر، ولهذا لم يؤد
رسول الله عَ ◌ّه الجمعة إلا بجماعة، وعليه إجماع العلماء اهـ.
(١) كاشتراط النية فى التيمم لأجل هذه العلة.

٥٣
لا جمعة إلا بجماعة
ج - ٨
٢٠٢٨- عن: بقية ثنا معاوية بن يحيى ثنا معاوية بن سعيد التجيبى ثنا
الزهرى عن أم عبد الله الدوسية قالت: قال رسول الله عَ ليه: ((الجمعة واجبة على
كل قرية، وإن لم يكن فيها إلا أربعة يعنى بالقرى المدائن)). أخرجه الدار قطنى
(١٦٥:١) وقال: "لا يصح هذا عن الزهرى اهـ" قلت: ولكنه حسن الإسناد
كما سنذكره.
ثم أخرجه من طريق الوليد بن محمد الموقرى: ثنا الزهرى حدثتنى أم عبد
قوله: عن بقية إلخ: قال فى "التعليق المغنى": أخرجه المؤلف أى الدار قطنى بثلاثة
طرق، ففى الأولى منها معاوية بن يحيى الدمشقى أبو روح قال ابن عدى: "عامة رواياته
فيها نظر" وقال أبو زرعة: "ليس بشىء" وقال أبو حاتم والنسائى وأبو داود: "ضعيف
الحديث" اهـ قلت: قال ابن التركمانى فى "الجوهر النقى": معاوية هنا الذى يروى عنه
بقية ليس هو الصدفى بل هو أبو مطيع الطرابلسى، وثقه أبو زرعة وقال أيضا هو، وأبو
حاتم: "صدوق مستقيم الحديث" وقال أبو على الحافظ: شامى ثقة، وقال ابن معين: "ليس
به بأس"، وقال أبو سعيد بن يونس قدم مصر، وكتبت عنه، وهو غير الصدفى"، وذكر
صاحب الكامل الصدفى ثم عقبه بذكر أبى مطيع هذا، وذكر له عدة أحاديث، ثم قال:
"فى بعض رواياته ما لا يتابع عليه" لم يزد صاحب الكامل على هذا. فإن قيل: لعل
البيهقى اقتدى بالدار قطنى، فإنه قال فيه: "هو أكثر مناكير من الصدفی ما ذکر ذلك عنه
الذهبى، قلت: قد خالف الدار قطنى فى ذلك من هو أقدم منه، وأقعد بهذا الشأن، قال ابن
معين: هو أقوى من الصدفى، وقال أبو حاتم: "هو أحب إلى منه" اهـ (٢٢٨:١).
قلت: والدليل على أن معاوية هذا هو أبو مطيع الطرابلسى دون الصدفى أن
صاحب "التهذيب" إنما ذكر معاوية بن سعيد التجیبی فی مشايخ الطرابلسى وحده دون
الصدفى (٢٢٠:١٠).
قال فى "التعليق المغنى": وأما معاوية بن سعيد التجيبى، فلا نعلم فيه جرحا إلا قول
الدارقطنى فى حق الوليد بن محمد: "لا يصح هذا عن الزهرى، كل من رواه عنه متروك.
فيشمل فى هذا العموم معاوية بن سعيدأيضًا، لكن لا يخلو هذا عن بعداهـ، قلت: قال ابن
التركمانى: معاوية بن سعيد لم يذكره النسائى فى " كتابه" فى الضعفاء، ولا صاحب

٥٤
لاجمعة إلا بجماعة
إعلاء السنن
الله الدوسية قالت: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((الجمعة واجبة على كل قرية فيها إمام،
وإن لم يكونوا إلا أربعة))، وقال: "الموقرى متروك" اهـ، قلت: هو من رجال
الترمذى. أثنى عليه أبو زرعة الدمشقى وغيره. ولكن الراوى عنه تالف بالمرة،
كما سنذكره.
ثم أخرجه من طريق الحكم بن عبد الله بن سعد عن الزهرى "عن الدوسية
الكامل مع شدة استقصائه والتزامه أن يذكر فيه كل من ضعف أو اختلف فيه، ولا ذكره
الذهبى المتأخر فى كتابه "كتاب الميزان"، وكتاب الضعفاء، بل قد أدخله ابن حبان فى
"الثقات"، ذكره الذهبى فى مختصره المسمى بـ "الكاشف" اهـ (٢٢٨:١) قلت: وهو
من رجال ابن ماجة قال الحافظ فى "التقريب": "مقبول من السابعة اهـ" وفى
"التهذيب": ذكره ابن حبان فى "الثقات" اهـ ولم يذكر فيه جرحا (٢٠٦:١) وبقية
رجال الإسناد كلهم(١) ثقات فالحديث حسن، كما قلنا.
قال فى "التعليق المغنى": وفى الطريق الثانية الوليد بن محمد الموقرى. قال
الدار قطنى: متروك وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وكذبه يحيى بن معين، وقال النسائى:
"متروك الحديث". قلت: والعجب من الدارقطنى، وصاحب "التعليق المغنى"، أنهما
تكلما فى الموقرى وسكتا عن موسى بن محمد عطاء الراوى عنه، هو الدمياطى البلقاوى
المقدسى أبو الطاهر أحد التلفاء روى عن مالك، وشريك، وأبى المليح. سرد له فى لسان
أحاديث موضوعة، واتهمه العقيلى برواية البواطيل، والموضوعات عن الثقات، وقال ابن
يونس يروى عن مالك موضوعا وقال منصور بن إسماعيل بن أبى قرة: " كان يضع
الحديث على مالك، والموقرى" ثم أسند عن أبى زرعة قال: "لم يزل حديث الموقرى
يعنى مقاربا حتى ظهر أبو طاهر المقدسى لا جزى خيرا" قال أبو زرعة: فقال له سليمان
ابن عبد الرحمن، وأنا حاضر عنده: يا أبا طاهر! أهلكت علينا الوليد بن
(١) أما أبو بكر النيسابورى وهو عبد الله بن محمد بن زياد فقد اتفق العلماء على توثيقه، والثناء عليه كما فى "التعليق
المغنى" (ص: ١-٥). ومحمد بن يحيى هو الذهلى ثقة حافظ جليل من شيوخ البخارى. كما فى "التقريب"
(ص: ١٩٨). ومحمد بن وهب صدوق من رجال الصحيح، كما فيه أيضا (ص:١٩٨). وبقية صدوق كثير
التدليس عن الضعفاء، من رجال الجماعة، إلا أن البخارى علق له، كما فى "التقريب" (ص: ٢٤)، وروى له
مسلم حديثا واحدا شاهدا، وقد صرح هنا بالتحديث. فارتفعت علة التدليس، والله تعالى أعلم.

٥٥
ج - ٨
لا جمعة إلا بجماعة
مرفوعا بلفظ": ((الجمعة واجبة على أهل كل قرية وإن لم يكونوا إلا ثلاثة.
محمد اهـ (١٢٨:٦ و١٢٩).
فالذنب لأبى طاهر، دون الموقرى قال فى "التعليق المغنى": ومدار الأسناد كله على
الزهرى، ولم يثبت سماعه عن أم عبد الله الدوسية، فالحديث. مع ضعف رواته منقطع
أيضًا، لكن قال السيوطى: قد حصل من اجتماع هذه الطرق نوع قوة للحديث.
وفيه نظر؛ لأن الطرق التى لا تخلو كل واحدة منها من متروك، وضعيف لا تصلح
للاحتجاج، وإن كثرت اهـ. قلت: الانقطاع فى القرون الثلاثة لا يضرنا، وكون إرسال
الزهرى ضعيفا عند بعض المحدثين لا يتمشى على أصلنا، كما ذكرناه فى المقدمة، وإن
الطريق الأولى سالمة عن المتروك، والضعيف البتة، وقد التبس عليك معاوية الطرابلسى
بالصدفى، فأغررت به، وقد أوضحنا لك المحجة، فلا شك فى حسن إسنادها، والطريقتان
الأخريان تؤيدانها مع حصول الاستغناء عنهما، فالحق ما قاله السيوطى، والحديث صالح
للاحتجاج به حتما. ودلالة الحديث على أن أقل الجماعة فى الجمعة أربعة رجال ظاهرة،
لأنه لو جاز فيها أقل من ذلك لقال النبى معَّه: وإن لم يكن فيها إلا ثلاثة أو اثنان، فثبت
أن الجمعة لا تحمل أقل من أربعة مع الإمام أصلا، ولا حجة فيه لمن يرى جواز الجمعة فى
كل قرية صغيرة كانت أو كبيرة، لأن الراوى قد فسر القرى بالمدائن.
وأيضا فقد صح إطلاق القرية على المدن، كما ذكرناه سابقا، ومعنى قوله عدّ ليده،
وإن لم يكن فيها إلا أربعة، أى وإن لم يكن المصلون فيها إلا أربعة، والباقون كفار
ومسلمون لا يقيمون الصلاة، لا أن الأربعة جميع من يسكنها. فإن الموضع الذى لا
يسكنها إلا أربعة ليس بقرية، بل بادية، ومفازة، كما لا يخفى على من وقف العرف،
واللغة، هذا والأصل فى المسألة قوله تعالى ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى
ذكر الله﴾ لأن قوله تعالى: "فاسعوا" صيغة جمع فقد طلب الحضور معلقا بلفظ الجمع،
وهو الواو إلى ذكر يستلزم ذاكرا، فلزم كون الشرط جمعا هو مسمى لفظ الجمع مع
الإمام، وهو المطلوب. والجمع الصحيح إنما هو الثلاث تسمية، ومعنى (يدل عليه وضع
الواضع صيغة الواحد والمثنى والجمع على حدة). والجماعة شرط على حدة وكذا الإمام،
فلا يعتبر منهم. كذا فى "الهداية مع الفتح" (٣١:٢). والحديث المذكور فى المتن قد تأيد

٥٦
لا جمعة إلا بجماعة
إعلاء السنن
رابعهم إمامهم، وقال: "الحكم هذا متروك اهـ"، قلت: نعم، ولكنه تأيد
باللذین قبله.
بالقياس المستند إلى النص، فثبت المدعى بأكمل وجه ولا يخفى أن كون الحديث مؤيدا
بالقياس الصحيح أحد إمارات صحته أيضا.
وذهب الإمام الشافعى إلى أن الجمعة لا تصح بأقل من أربعين رجلا، وتمسك بما
رواه أبو داود وابن حبان من حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال: "إن
أسعد بن زرارة أول من جمع بنا فى نقيع يقال له "نقيع الخضمات" من حرة بنى بياضة.
قلت: كم كنتم يومئذ؟ قال: "أربعون رجلا". قال الحافظ فى "التلخيص": وإسناده
حسن، لكنه لا يدل لحديث الباب اهـ (١٣٣:١). أى لأنه اتفاق كون عددهم أربعين فى
ذلك اليوم لا يقتضى تعين ذلك العدد شرعا، وبما رواه البيهقى والدارقطنى من حديث.
عبد العزيز بن عبد الرحمن عن حضيف عن عطاء عن جابر بلفظ "فى كل ثلاثة إمام،
وفى كل أربعين فما فوق ذلك جمعة، وأضحى، وفطر". وعبد العزيز، قال أحمد:
"أضرب على حديثه، فإنها كذب أو موضوعة" وقال النسائى: "ليس بثقة"، وقال
الدارقطنى: "منكر الحديث"، وقال ابن حبان: "لا يجوز أن يحتج به". وقال البيهقى:
هذا الحديث لا يحتج بمثله، كذا فى "التلخيص الحبير" أيضا.
وأما حديث أبى الدرداء "إذا بلغ أربعين رجلا، فعليهم الجمعة"، فلا أصل له،
وكذا حديث أبى أمامة "لا جمعة إلا بأربعين" لا أصل له. بل روى البيهقى والطبرانى من
حديثه "على خمسين جمعة، ليس فيما دون ذلك". زاد الطبرانى " ولا تجب على من دون
ذلك". وفى إسناده جعفر بن الزبير وهو متروك، وهياج بن بسطام وهو متروك، وفى
طريق البيهقى النقاش المفسر، وهو واه أيضا. قاله الحافظ فى التلخيص. ويعارض ذلك ما
رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط عن أبى مسعود الأنصارى قال: "أول من قدم من
المهاجرين المدينة مصعب بن عمير، وهو أول من جمع بها يوم الجمعة، جمعهم قبل أن
يقدم رسول الله عَّه وهم اثنا عشر رجلا. وفى إسناده صالح بن أبى الأخضر وهو
ضعیف کما فى التلخيص أیضا. قلت: صالح بن أبى الأخضر روی عنه الجلة، کحماد ابن
زید وابن عيينة، وعبد الرحمن بن مهدى (وهو لا يروى إلا عن ثقة) ووكيع وابن المبارك،
والنضر بن شميل وحدث عنه ابن جريح، وهو أكثر منه وقال البخارى: و"أبو حاتم لين"

٥٧
ج - ٨
باب أن وقت الجمعة بعد الزوال
٢٠٢٩- عن: المغيرة بن عبد الرحمن عن مالك عن الزهرى عن عبيد الله
عن ابن عباس قال: أذن النبى معَّه الجمعة قبل أن يهاجر، ولم يستطع أن يجمع
بمكة، فكتب إلى مصعب بن عمير: ((أما بعد: فانظر اليوم الذى تجهر فيه اليهود
بالزبور، فأجمعوا نسائكم، وأبنائكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من
يوم الجمعة، فتقربوا إلى الله بركعتين)) قال: فهو أول من جمع حتى قدم النبى
كذا فى "التهذيب" (٣٨١:٤) فهو حسن الحديث على الأصل الذى مر ذكره غير مرة.
قلت: ومجموع الآثار فى هذا الباب يدل على أن مطلق الجماعة شرط لصحة
الجمعة، وإن كان كل واحد منها لا يحتج ببعضها منفردا. فاندحض قول من جوز الجمعة
من الفذ، وشذ عن الجماعة، والله تعالى أعلم.
باب أن وقت الجمعة بعد الزوال
قوله: "عن المغيرة بن عبد الرحمن" إلخ: قلت: فى قوله ګّ فی کتابه إلى ابن
عمير: "فانظر اليوم الذى كذا، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة،
فتقربوا إلى الله بركعتين" إلخ دلالة ظاهرة على أن وقت الجمعة بعد الزوال. لأن هذه أول
جمعة أمر بها رسول الله عَ ◌ّةٍ وعين لها وقتا بعد الزوال، فلا يكون قبل ذلك وقت لها.
وأيضا فإن رسول الله عّ لّه قد بين لجميع الصلوات أول الوقت وآخره، كما ورد فى رواية
جبريل وحديث السائل عن وقت الصلاة، وقد ذكرناهما فى أول الجزء الثانى من الكتاب،
فلو كان للجمعة وقت قبل الزوال لبينه قولا أو فعلا، ولم يثبت أنه صلى الجمعة قبله يوما
أو أجاز ذلك لأحد قولاً. بل الثابت عنه خلافه أنه أمر ابن عمير لأول جمعة جمعت فى
الإسلام أن يصليها بعد الزوال، ولم يزل رسول الله عَّ ه كذلك يصليبها، لم يجمع قبله
قط، فهذا مما يفيد العلم بأن وقتها إنما هو بعد أن تزول الشمس عن شطر النهار. كيف؟
وأن الجمعة أقيمت مقام الظهر بالنص، فيصير وقت الظهر وقتا لها، وما أقيمت مقام غيرها
من الصلوات، فلم تكن مشروعة فى غير وقته، والله تعالى أعلم.

٥٨
وقت الجمعة بعد الزوال
إعلاء السنن
عَو ◌ِّ المدينة، فجمع عند الزوال من الظهر، وأظهر ذلك، رواه الدارقطنى، كما
فى "التلخيص الحبير" (١٣٣:١). (ولعله أخرجه فى "غرائب مالك" فإنى لم
أجده فى "سنته"). والمذكور من السند رجاله كلهم ثقات من رجال الصحيح،
وفى المغيرة كلام لا يضر، فقد وثقه ابن معين، وابن حبان، وأبو زرعة، وأخرج له
البخارى فى "الصحيح" ("تهذيب" ٢٦٤:١٠)، وعادة المصنفين أن ما
يحذفونه من الإسناد يكون سالما من الكلام. وذكره الحافظ فى "الفتح"
(٢٩٤:٢) أيضا مختصرا فهو إما حسن، أو صحيح على قاعدته.
دليل كون الإذن العام شرطا للجمعة:
قلت: وفى الحديث دلالة على أن شرط الجمعة أن تؤدى على سبيل الاشتهار، لما
فيه "أن النبى معَّ أذن الجمعة قبل أن يهاجر، ولم يستطع أن يجمع بمكة" إلخ. ولا يخفى
أن مكة موضع صالح للجمعة حتما، لكونها مصرا، ولم يكن النبى عُ لّ عاجزا عن
الوقت، ولا عن الخطبة، والجماعة، لأجل کونه مختفیا فی بیت، فإنه كان يقيم سائر
الصلوات بالجماعة كذلك، ولكنه لم يستطع أن يؤدى الجمعة على سبيل الاشتهار،
والإذن العام، لما فيه من مخافة أذى الكفار، وهجومهم على المسلمين. ففيه دليل قول
الحنفية باشتراط الإذن العام للجمعة.
قال الشامى تحت قول الدر: والسابع الإذن العام: أى أن يأذن للناس إذنا عاما بأن لا
يمنع أحدا ممن تصح منه الجمعة عن دخول الموضع الذى تصلى فيه. وهذا مراد من فسر
الإذن العام بالاشتهار اهـ (٨٥٠:١). وأيضا فإن الله تعالى شرع النداء لصلاة الجمعة
بقوله: (إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة، فاسعوا إلى ذكر الله) والنداء للاشتهار، والإذن
العام. ولم يكن النبى عّ لٍّ(١) يستطيع ذلك بمكة، لما قدمنا، فلم يقمها هناك، لفقد بعض
شرائطها، فثبت أن الإذن العام من شروط الجمعة أيضا. فافهم فإن مدارك الحنفية
دقیقة جدا.
(١) ولا يلزم من كون الآية مدنية عدم علمه ◌َّ بمعناها قبل نزولها، لاحتمال أن يكون علمه بالوحى غير المتلو، كما
علم به الإذن للجمعة قبل أن يهاجر.

٥٩
وقت الجمعة بعد الزوال
ج - ٨
٢٠٣٠- عن: أنس بن مالك رضى الله عنه ((أن رسول الله كان يصلى
الجمعة حين تميل الشمس)). رواه الإمام البخارى (١٢٣:١).
٢٠٣١- عن: سلمة بن الأكوع رضى الله عنه قال: ((كنا نجمع مع رسول
الله عَّةٍ إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفىء)). رواء الإمام مسلم (٢٨٣:١).
٢٠٣٢- عن: جابر رضى الله عنه: ((كان رسول الله عَّ ◌َّه إذا زالت
الشمس صلى الجمعة)). رواه الطبرانى فى "الأوسط"، وإسناده حسن، كذا فى
"التلخيص الحبير" (١٣٤:١).
٢٠٣٣- عن: سويد بن غفلة، ((أنه صلى(١) مع أبى بكر رضى الله عنه
وعمر رضى الله عنه حين زالت الشمس)). رواه ابن أبى شيبة، وإسناده قوى،
كذا فى "فتح البارى" (٣٢١:٢).
:
قوله: "عن أنس بن مالك" إلى آخر الأحاديث. قلت: دلالتها على مواظبة النبى
عَ ◌ّةٍ وأجلة الصحابة على أدائهم الجمعة بعد الزوال ظاهرة. وقال الحافظ فى "الفتح": فيه
أى فى حديث أنس إشعار بمواظبته مرّ على صلاة الجمعة إذا زالت الشمس. وأما رواية
حميد التى (أخرجها البخارى) بعد هذا عن أنس رضى الله عنه، "كنا نبكر بالجمعة،
- ونقيل بعد الجمعة" فظاهره أنهم كانوا يصلون الجمعة باكرة النهار، لكن طريق الجمع
أولى من دعوى التعارض. وقد تقرر فيما تقدم أن التبكير يطلق على فعل الشىء فى أول
وقته أو تقديمه على غيره، وهو المراد ههنا والمعنى أنهم كانوا يبدأون بالصلاة قبل القيلولة
بخلاف ما جرت عادتهم فى صلاة الظهر، فإنهم كانوا يقيلون ثم يصلون لمشروعية
الإبراد اهـ (٣٢٢:٢).
وفيه أيضا تحت حديث سهل "ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة" ما نصه:
واستدل بهذا الحديث لأحمد على جواز صلاة الجمعة قبل الزوال وترجم عليه ابن أبى
(١) أراد بها الجمعة، ولكن ليس فى السياق قرينة عليها، وإنما ذكره الحافظ فى "الفتح"، والعينى فى "العمدة" فى هذا
الباب، فلعلهما وقفا فى بعض طرقه على القرينة الدالة عليها، وذكرته تأييدا للمسألة، اعتمادا عليهما،
. الله تعالى أعلم

٦٠
وقت الجمعة بعد الزوال
إعلاء السنن
٢٠٣٤- عن: مالك بن أبى عامر أنه قال: "كنت أرى طنفسة لعقيل بن
أبى طالب يوم الجمعة تطرح إلى جدار المسجد الغربى، فإذا غشى الطنفسة كلها
ظل الجدار خرج عمر بن الخطاب، وصلى الجمعة". قال مالك: " ثم نرجع بعد
صلاة الجمعة، فنقيل قائلة الضحاء". رواه مالك فى "الموطأ" (ص-٤). وإسناده
صحيح كذا فى "فتح البارى" (٣٢١:٢). وفيه أيضا: وهو ظاهر فى أن عمر
کان یخرج بعد زوال الشمس اهـ.
شيبة "باب من كان يقول: الجمعة أول النهار" وأورد فيه حديث سهل هذا، وحديث
أنس رضى الله عنه الذى بعده: وعن ابن عمر رضى الله عنه مثله، وعن عمر رضى الله
عنه، وعثمان رضى الله عنه، وسعد رضى الله عنه، وابن مسعود رضى الله عنه مثل قولهم،
وتعقب بأنه لا دلالة فيه على أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال بل فيه أنهم كانوا
يتشاغلون عن الغداء، والقائلة بالتهىء للجمعة، ثم بالصلاة، ثم ينصرفون، فيتذاكرون
ذلك. بل ادعى الزين بن المنير أنه يؤخذ منه أن الجمعة تكون بعد الزوال، لأن العادة فى
القائلة أن تكون قبل الزوال، فأخبر الصحابى أنهم كانوا يشتغلون بالتهىء للجمعة عن
القائلة، ويؤخرون القائلة حتى تكون بعد صلاة الجمعة اهـ (٣٥٦:٢).
وفيه أيضا تحت حديث أنس بن مالك عند البخارى مرفوعا كان النبى عليّ. إذا
اشتد البرد بکر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة یعنی الجمعة، ما نصه: وقال (الزين
ابن المنير) أيضا: إذا تقرر أن الإبراد يشرع فى الجمعة أخذ منه أنها لا تشرع قبل الزوال،
لأنه لو شرع لما كان اشتداد الحر سببا لتأخیرها، بل كان يستغنى عنه بتعجیلها قبل الزوال،
واستدل به ابن بطال على أن وقت الجمعة وقت الظهر، لأن أنسا سوى بينهما فى جوابه
(أى السائل عن الوقت) خلافا لمن أجاز الجمعة قبل الزوال اهـ (٣٢٤:٢).
وفيه أيضا واحتج بعض الحنابلة بقوله عَ له: "إن هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين"
قال: فلما سماه عيدا جازت الصلاة فيه فى وقت العيد، كالفطر، والأضحى. وتعقب بأنه
لا يلزم من تسمية يوم الجمعة عيدا أن يشتمل على جميع أحكام العيد، بدليل أن يوم العيد
يحرم صومه مطلقا سواء صام قبله أو بعده بخلاف يوم الجمعة باتفاقهم اهـ (٣٢٢:٢).
قلت: وأيضًا فالخطبة فى العيد بعد الصلاة، وتجب فى الجمعة مقدمة عليها، ويكره