Indexed OCR Text
Pages 21-40
ج - ٨ عدم جواز الجمعة فى القرى ٢١ وأيضا فليس فيه ما يدل على شهود أهل قباء كلهم الجمعة. وإن جعلوه عاما كقوله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا﴾ الآية كما قاله صاحب يسر من رأى لزمهم ما لا يرضونه. لأنه استدل بعد ذلك بما رواه الترمذى عن رجل من أهل قباء عن أبيه و كان من أصحاب النبى معَّهِ، "أمرنا رسول الله ◌َّ ل أن نشهد الجمعة من قباء" اهـ، وقال: "إنه وإن كان ضعيفا فحديث ابن ماجه يشهد له". فنقول: لزم من مجموعها أنه عّ لّه أمر أهل قباء كلهم رجالهم ونسائهم وعبيدهم وأحرارهم وأصحاءهم ومرضاهم، بأن يشهدوا الجمعة من قباء فإن قوله تعالى ﴿يا أهل الكتاب﴾ يعم جميع أهل الكتاب كذلك، وإن لم يجعلوه عاما كعموم يا أهل الكتاب فما وجه تشبيه لفظة أهل قباء به؟ وهل ما أورده على صاحب أحسن القرى فى ضمنه إلا سخافة فهم، ومكابرة وجدال بالباطل؟ وإذا لم يبق عاما، بل خص منه البعض، فلا يستقيم الاستدلال بعمومه على وجوب الجمعة على أهل القرى بل لا بد له من دليل ناهض. وأما ما فى رواية الترمذى من قوله: "أمرنا النبى عدّ له أن نشهد الجمعة من قباء" فقد اعترف الخصم بضعف هذا اللفظ. أما قوله: "إن حديث ابن ماجة يشهد له" فنقول: إنه لا يشهد فى الأمر لخلوه عنه وإنما يشهد له فى ما لزم منه، وهو حضورهم الجمعة فقط. ثم نقل صاحب "يسر من رأى" عن "التلخيص الحبير" قوله: " ويشهد له صلاة أهل العوالى مع النبى معَ ◌ّ الجمعة كما فى الصحيح، وصلاة أهل قباء معه كما رواه ابن ماجة وابن خزيمة" اهـ. وظاهر صنيعه يشعر بأن الحافظ جعل صلاة أهل العوالى، وأهل قباء معه عرّ شاهدا لرواية الترمذى. وهذه خيانة عظيمة فى النقل، فإن الحافظ لم يجعله شاهدا له. بل جعلها شاهدا لما روى أبو داود فى المراسيل "عن بكير بن الأشج أنه كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجده ◌ّ يسمع أهلها تأذین بلال فيصلون فى مساجدهم فقال: وزاد يحيى بن يحيى فى رواية: "ولم يكونوا يصلون فى شىء من تلك المساجد إلا فى مسجد النبى عدّ (أى الجمعة). أخرجه البيهقى فى المعرفة، ويشهد له صلاة أهل العوالى معه عرّ الجمعة كما فى الصحيح إلخ أى فلما كان أهل العوالى وقباء يصلون الجمعة مع النبى معَّه فأهل مساجد المدينة أولى بأن يصلوها معه. ولا يخفى أن الحافظ لم يدع صلاة جميع أهل العوالى معه فى كل جمعة لكونه ٢٢ عدم جواز الجمعة فى القرى إعلاء السنن عزاه إلى الصحيح، وليس فى الصحيح إلا حديث عائشة: " كان الناس يتناوبون الجمعة" إلخ وفسره الحافظ بحضورهم نوبا. فالعجب من صاحب يسر من رأى كيف يحرف كلام الحافظ، ويذكره تأييدا لكلامه؟ وهو يخالفه. ثم استدل على زعمه الفاسد من حضور جميع أهل العوالى الجمعة بالمدينة بما ذكره الحافظ فى "التلخيص": وقال ابن المنذر: لم يختلف الناس فى أن الجمعة لم تكن تصلى فى عهد النبى معَّهِ، وفى عهد الخلفاء الراشدين إلا فى مسجد النبى معَّه، وفى تعطيل الناس مساجدهم يوم الجمعة. واجتماعهم فى مسجد واحد أبين البيان بأن الجمعة خلاف سائر الصلوات، وأنها لا تصلى إلا فى مكان واحد اهـ. قلنا: لا يستدل به على حضور أهل العوالى كلهم الجمعة بالمدينة إلا من طبع على قلبه، فإن مراد ابن المنذر بالناس أهل المدينة، وبمساجدهم المساجد الثمانية التى كانت بالمدينة، وقد مر ذكرها فى مرسل أبى داود عن ابن الأشج، وزاد فيه يحبى أنهم لم يكونوا يصلون فى شىء من تلك المساجد (الجمعة) فأين فيه الدلالة على تعطيل أهل العوالى مساجدهم يوم الجمعة؟ وإن جعلنا الناس، والمساجد فى قوله: وفى تعطيل الناس مساجدهم عاما لأهل المدينة، وغيرهم، ومساجد المدينة، وغيرها لزم تعطيل أهل مكة مسجدهم، واجتماعهم فى مسجد النبى عّ لّه يوم الجمعة وإلا فما الدليل على عمومه أهل العوالى دون غيرهم؟ وإن ادعى أحد أن مساجد العوالى داخلة فى مساجد المدينة، فنقول: مرسل أبى داود يرد قولهم عليهم فإنه قد عد المساجد التسعة من مساجد المدينة لا غير، ولو كانت مساجد العوالى، وقباء داخلة فيها لزادت مساجدها على التسعة بكثير، وهذا كله ظاهر لمن كان له قلب، أو ألقى السمع، وهو شهيد، ولكن صاحب "يسر من رأى" وجماعته قد شمروا أيديهم للبغى والعدوان وسفك دم الإنصاف، فالله يهديهم ويصلح بالهم. على أن ما ذكره ابن المنذر لا دلالة فيه على أن تعطيل مساجد المدينة كان واجبا على أهلها يوم الجمعة فإنه لم يذكر إلا فعلهم، وفعل الصحابة لا يفيد الوجوب، فلم يثبت إلا أن تعطيل أهل البلد مساجدهم يجوز يوم الجمعة أو يستحب لهم فأين فيه الدلالة على وجوب الجمعة على أهل العوالى كلهم، وأن يشهدوا الجمعة بالمدينة؟ وأن تعطيل ٢٣ ج - ٨ عدم جواز الجمعة فى القرى مساجدهم كان واجبًا عليهم؟ كيف وأن قوله تعالى: ﴿إِذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ قد علق وجوب السعى على النداء، لما تقرر عند جمهور الأصوليين، وأئمة البيان، وبه قال منكروا التقليد خلافا للحنفية من أن الشرط قيد لحكم الجزاء، والمراد بالنداء هو الأذان الثانى الذى يكون بين يدى الخطيب عند المنبر لكون الأول محدثا بعد نزول الآية، فلا يجب السعى إلى الجمعة إلا على من يتيسر له إدراك الجمعة بالسعى بعد الأذان الثانى، وإيجابها على أهل العوالى كلهم يستلزم السعى عليهم من أول النهار قبل النداء بكثير وهو بخلاف الآية على أصلهم وقد قدمنا أن رواية جمع النبى معَّه أهل العوالى للجمعة لا تصلح الاحتجاج بها، وإن سلمنا فلا دلالة فيه على جمعه إياهم كل جمعة، وصلاة أهل قباء معه الجمعة لا يفيد صلاة جميع أهل العوالى، ولا أمره لهم الأمر لأهل العوالى كلهم على أن الأمر غير ثابت. وأيضا فالجمع والأمر قد يكون استحبابا كما ورد فى التراويح أنه مرِّ جمع أهله، ونسائه، وفى رواية "دعا أهله، ونسائه" وقد تقدم فى بابه، وأخرج أبو داود فى "مراسيله" "كان الضعفاء من الرجال، والنساء يشهدون الجمعة مع النبى معَّ ثم لا يأوون إلى رحالهم إلا من الغد من الضعف" فهل مجرد الجمع للتراويح وحضور الضعفاء للجمعة يدل على وجوب التراويح فى نفسها أو وجوب الجمعة على الضعفاء. وقد بهت صاحب "سر من يرى" فى الجواب عن ذلك وقال: إنا لم نستدل على فرضية الجمعة على أهل العوالى بمجرد جمع النبى معَّه إياهم ولا بمجرد حضورهم الجمعة بالمدينة بل راعينا مع ذلك عموم الآية، والأحاديث الصحيحة القاضية بكون الجمعة فرضا على كل مسلم إلخ. قلنا: ولم يبق مدار الفرضية إلا على الآية والأحاديث العامة فكان ذكر آثار أهل العوالى، وقباء تطويلا محضا، وهذا هو الذى قاله صاحب أحسن القرى وقد تقدم أن الآية ليست بعامة، بل مقيدة بالنداء، ومخصوصة بقيود، وشرائط معلومة اتفاقا. وكذا الأحاديث العامة مثل قوله معرّ له ((رواح الجمعة واجب على كل محتلم)). رواه النسائى عن حفصة مرفوعا. وقوله عّ لّيه ((الجمعة حق واجب على كل مسلم فى جماعة)). رواه أبو داود والحاكم كما ذكره صاحب "سر من يرى" (ص: ١٣) فإن المراد بكل مسلم، ومحتلم فيها من كان مقيما فى موضع صالح للجمعة، لعدم وجوب الجمعة على ٢٤ عدم جواز الجمعة فى القرى إعلاء السنن ٢٠١٧- عن: ابن عباس أنه قال: ((إن أول جمعة جمعت بعد جمعة فى أهل البرارى اتفاقا. فصار الاستدلال بعمومها هباء منثورا، وبقى النزاع فى الموضع الصالح للجمعة أنه أى موصع فخصصتموه بما عدا البرارى، وجعلناه خاصا بما عد البرارى، والقرى، بدليل أثر على المذكور أول الباب. وأما قول صاحب "سر من يرى": إنه لا يجوز لنا القول بأن فلانا لا تجب عليه الجمعة ما لم ينص النبى ◌ّ له على استثنائه من هذا الحكم فنقول: فكيف جاز لك القول بأن أهل البرارى لا تجب عليهم الجمعة، بل لا تصح عنهم فهل نص النبى عدّ له على تخصيصهم بذلك من بين الناس، فإن قلت: إنه لم يجمع بهم فى عرفات، فنقول: ليس ذلك نصا صريحا لكونه من جنس الأفعال وهى تحمل الوجوه، وإن سلمنا فكذلك لم يجمع النبى عَّ فى قرية صغيرة قط، ولم يأذن لأهل القرى فى إقامة الجمعة بها، وأول جمعة جمعت بعد جمعة فى مسجد رسول الله عَّ هم فى مسجد عبد القيس بجواثا من البحرين، ولم تقم فى العوالى، ولا بذى الحليفة، ولا بالسويداء وأمثالها من القرى البعيدة التى لا يتيسر لأهلها الحضور بالمدينة إلا بحرج بين، وما جعل الله فى الدين من حرج. فإن كان تركه الجمعة بعرفات دليلا على عدم صحتها فى الصحراء، فكيف لا يكون عدم إقامته فى القرى، وعدم إذنه لأهل القرى بإقامتها فى قراهم دليلا على عدم صحتها فيها؟ فافهم، فإنه ليس عندك، ولا عند جماعتك شىء يتثبت به لإثبات صحة الجمعة فى القرى أصلا. قوله: "عن ابن عباس" إلخ: فيه دلالة على عدم صحة الجمعة فى القرى لكونها لم تقم فى الإسلام بعد الجمعة فى المسجد النبوى إلا بجواثا من البحرين، ولم تقم فى العوالى، ولا القرى التى بين مكة، والمدينة، ولم يثبت أن أهلها كانوا يشهدون الجمعة بمكة أو المدينة لتعذره على أهل القرى البعيدة منهما، كما ذكرنا كل ذلك مفصلا، فالحديث فى الأصل دليل بظاهره للحنفية، والعجب من الخصوم حيث أوردوه علينا لما فى رواية لأبى داود من زيادة لفظ "بجواثا قرية من قرى البحرين وقال عثمان بن أبى شيبة (شيخ "أبى داود): قرية من قرى عبد القيس" اهـ وقالوا: فيه إقامة الجمعة بالقرية، وإنما كانت الجمعة بجواثا أول جمعة فى الإسلام بعد الجمعة بالمدينة لكون أهلها سبقوا جميع أهل ٢٥ ج - ٨ عدم جواز الجمعة فى القرى مسجد رسول الله عَّ ل، فى مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين)). أخرجه القرى إلى الإسلام كما قاله الحافظ فى "الفتح" (١٢٢:١ و٣١٧:٢). قلت: لم يأت الحافظ بدليل على ما قاله، وإنما استشعره بهذا الحديث بعينه لما فيه أن الجمعة بجواثا كانت أول جمعة فى الإسلام، ولا يخفى ما فيه، فإنه استدلال بمحل النزاع فلا يستقيم الاستدلال بهذا الحديث على صحة الجمعة فى القرى، ما لم يثبت بدليل مستقل كون عبد القيس سبقوا جميع أهل القرى إلى الإسلام، وإذ ليس فلا. وكيف يقول الحافظ ذلك؟ وقد وقع فى كتاب الصيام من السنن الكبرى للبيهقى من طريق أبى قلابة الرقاشى عن أبى زيد الهروى عن قرة فى قصة وفد عبد القيس من زيادة ذكر الحج، ولفظه: "وتحجوا البيت الحرام" وفرض الحج كان سنته ست على الأصح، كما ذكره الحافظ فى بابه. وأما قوله: "إن أبا قلابة تغير حفظه فى آخره، وهذه زيادة شاذة، فلا يجدى شيئًا" فإن الشاذ إذا تأيد بشاهد ومتابع صح الاحتجاج به، وزال عنه الشذوذ، كما تقرر فى الأصول، وذكرناه فى "المقدمة"، وقد ورد ذكر الحج أيضا فى "مسند الإمام أحمد" من رواية أبان العطار عن قتادة عن سعيد بن المسيب، وعن عكرمة عن ابن عباس فى هذه القصة، كما اعترف به الحافظ فى "الفتح" (١٢٥:١) وقد جزم القاضى عياض بأن قدوم وفد عبد القيس كان فى سنة ثمان قبل فتح مكة، كما ذكره الحافظ أيضا، ويؤيده أمر النبى معَّ إياهم بالحج، فكان قدومهم بعد فرض الحج بيقين، وأما قول الحافظ "إن القاضى تبع فيه الواقدى" ففيه أن الواقدى حجة فى المغازى، والسير، لا سيما وقد وافقه ابن إسحاق إيضا. فإنه ذكر وفد عبد القيس فى سنة الوفود كما فى "سيرة ابن هشام (٣٦٦:٢). فقد توافقا على وفودهم بعد فرض الحج، واختلفا فى تعيين السنة، فقال الواقدی: سنة ثمان قبل الفتح، وقال ابن إسحاق: سنة تسع بعد الفتح؛ والتوفيق بينهما أنه كان لعبد القيس وفادتان إحداهما قبل الفتح وأخرى بعده. كما تبين ذلك للحافظ أيضا، وأما أن التى قبل الفتح كانت فى سنة خمس أو قبلها، كما زعمه الحافظ فى "الفتح" (٢٧:٨) فلا دليل عليه بل يردها الأحاديث التى فيها ذكر الحج من رواية ابن عباس فإنه ذكر الوفادة الأولى التى قالوا فيها للنبى عّ لّه: "بيننا وبينك كفار مضر" فكانت الأولى أيضا بعد ٢٦ عدم جواز اجمعه فی اسر . إعلاء السنن "البخارى" قال الحافظ فى "الفتح": زاد وكيع عن ابن طهمان ((فى الإسلام)) أخرجه أبو داود. فرض الحج حتما، وقد وقتها الواقدى بسنة ثمان قبل الفتح، وجزم به القاضى فلا يصح للحافظ رده إلا بدليل، والله تعالى أعلم. ولا يخفى شيوع الإسلام فى أكثر القرى القريبة من المدينة والبعيدة عنها فى هذا الوقت، فدعوى سبقة عبد القيس جميع أهل القرى، لا سيما أهل العوال ومن يقربهم لا دليل عليها أصلا. وإن سلمنا فلا نسلم دون جواثا قرية غير مدينة، بل كانت مدينة، قال العلامة العينى فى "العمدة": حتى قيل: كان يسكنها فوق أربعة آلاف نفس والقرية لا تكون كذلك" اهـ. وكان بها حصن يقال لها: "جواثا". قال العلامة ابن الأثير فى "النهاية": جواثا: هو اسم حصن بالبحرين. وفى "تاج العروس"، وفى "المراصد": جواثى بالضم يمد ويقصر حسن لعبد القيس بالبحرين. وكذلك فى "الصحاح" للجوهرى، و "البلدان" للزمخشرى، و"الدر" للسيوطى، وكان ذلك حصنا حصينا ملجأ للمسلمين حين ارتد قبائل العرب فى زمن الصديق رضى الله عنه، فخرج عليهم العلاء بن الحضرمى، فقاتلهم قتالا شديدا. قال الحافظ ابن مردويه فى "معجم البلدان": ثم أن المسلمین لجأوا إلى حصن جواثا فحاصرهم فيه عدوهم، ففى ذلك يقول عبد الله بن حذق الكلالى: ألا أبلغ أبا بكر ألوكا(١) وفتيان المدينة أجمعينا فهل لك فى شباب منك أمسوا أسارى فى جواثا محصرينا اهـ. وقال العلامة سبط ابن الجوزى فى "مرآة الزمان": ثم نازل العلاء حصن جواثا مدة إلخ ومثل هذا الحصن الحصين إنما يكون فى البلدان دون القرى كذا فى التعليق الحسن (٢: ٨٠). قلت: وبهذا اندحض ما أبداه الحافظ فى الفتح من احتمال أن تكون فى الأول قرية ثم صارت مدينة (٣١٧:٣)، فإن وقعة الردة كانت بعد وفاة النبى عدّ له معا، فيبعد كونها فى آخر حياته قرية، وعند وفاته مدينة، بل لا بد لمثل هذا الانقلاب من مدة طويلة عادة، لا (١) رسولا. ٢٧ ج - ٨ عدم جواز الجمعة فى القرى سيما وقد ثبت فى كلام امرئ القيس ما يدل على كونها مدينة فى زمانه فإنه قال فى قصيدة له: نعال النعاج بين عدم ومحقب ورحنا كانا من جواثا عشية قال ابن التر كمانى فى الجوهو النقى: "يريد لكثرة ما معهم من الصيد كانا من تجار جواثا لكثرة أمتعتهم" انتهى. وقال العلامة الوزير أبو بكر فى شرحه لديوان امرئ القيس: هو موضع يمتاز منه التمر يقول: أ فكانا رحنا بما معنا من الصيد، والبقر الذى صدناه من جواثا، وذلك أن الرائح منها يملأ أعدا له، وحقائبه تمرا، وكذلك أعدا لنا، وحقائبنا قد امتلأت مما صدناه انتهى. وهذا يشعر بأنهما كانت متمرة كبيرة، ومتجرة عظيمة معروفة بكثرة التجارة التمر فيها، وكان يضرب بها المثل. ومثل هذه المتجرة التى هى مورد لكثير من الناس تستجمع ما يحتاج الناس إليه من الأمتعة، ووجود السلك، والأسواق، وإنما هذه شأن الأمصار. كذا فى "التعليق الحسن" (٨٠:٣). فهل يقول الحافظ: إنها كانت مدينة فى الجاهلية، ثم انقلبت قرية فى الإسلام، ثم انقلبت مدينة عند وفاة النبى معَّه معا. وأما قول الحافظ "وما ثبت فى نفس الحديث من كونها قرية أصح" اهـ ففيه أولا أنه لم يثبت كون تفسيرها بالقرية من قول النبى عّ لّه، ولا من قول ابن عباس، فإن لفظ البخاری فی کتاب الجمعة خال من هذه الزيادة. وأخرجه فی کتاب المغازی فی باب وفد عبد القيس بلفظ "فى مسجد عبد القيس بجواثى يعنى قرية من البحرين" اهـ (٨٦٨:٨ الفتح) فقوله: "يعنى" يدل على كونه تفسيرا من الراوى، والإدراج فى الحديث لتفسير الغريب لم يزل من داب المحدثين، وإن سلمنا فإنما يحتاج إلى الترجيح عند التعارض، ولا منافاة بين كونها مدينة وكونها قرية. لكون القرية قد تطلق لغة على المدينة، كما فى قوله تعالى "لو لا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم" وفى قوله مرّ له " أمرت بقرية تأكل القرى" وإن سلمنا كونها قرية عرفا فليس فى الحديث أنه عليه السلام اطلع على ذلك، وأقرهم عليه. وأما قول الحافظ: إن الظاهر أن عبد القيس لم يجمعوا إلا بأمر النبى عّ لّه لما عرف من عادة الصحابة من عدم الاستبداد بالأمور الشرعية فى زمن نزول الوحى، ولأنه لو ٢٨ عدم جواز الجمعة فى القرى إعلاء السنن كان ذلك لا يجوز لنزل فيه القرآن، كما استدل جابر، وأبو سعيد على جواز العزل فإنهم فعلوه والقرآن ينزل فلم ينهوا عنه اهـ (٣١٦:٢) ففيه أن دليله الأول يرده ما ثبت فى الروايات من اجتهاد الصحابة فى زمان نزول الوحى. منها ما ذكره الحافظ نفسه من مرسل ابن سيرين قال: "جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله عَّ له، وقبل أن تنزل الجمعة فقالت الأنصار: إن لليهود يوما يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى كذلك فهلم، فلنجعل يوما نجتمع فيه، فنذكر الله تعالى، ونصلى، ونشكره فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلى بهم يومئذ". وهذا وإن کان مرسلا، فله شاهد بأسناد حسن أخرجه أحمد، وأبو داود وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وغير واحد من حديث كعب بن مالك قال: " كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول الله عَّ المدينة أسعد بن زرارة"، الحديث قال الحافظ: "فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد" اهـ (٢٩٤:٢) فكيف لا يجوز مثل ذلك الاجتهاد لوفد عبد القيس أن يجمعوا فى قريتهم بمجرد رؤيتهم رسول الله عَّه بجمع بالمدينة؟ وقد تقدم فى أبواب الإمامة إن قوم عمرو ابن سلمة قدموه إماما، فكان يؤمهم فى بردة موصلة أى مرقعة فيها فتق، فكان إذا سجد خرجت إسته، فقالت امرأة من الحى: " ألا تغطون عنا است قارئكم" فهل كان اعتقادهم صحة الصلاة مع كشف العورة إلا باجتهاد منهم؟ وقد اعترف الحافظ أيضا بذلك، فقال: إنها واقعة حال، فيحتمل أن يكون ذلك لعدم علمهم بالحكم اهـ (١٩:٨) فكذا لم لا يجوز القول بأن تجميع عبد القيس فى قريتهم واقعة حال، فيحتمل أن يكون ذلك لعدم علمهم بالحكم أى بشرائط الجمعة بأسرها. وأما قوله "ولأنه لو كان ذلك لا يجوز لنزل فيه القرآن" فقد تقدم الجواب عنه فى أبواب الإمامة. وحاصله: أن ذلك إنما يجب إذا كان الحكم خافيا عن الصحابة كلهم، وأما إذا كان منكشفا لبعض، وخافيا عن بعض فلا، ونظائره كثيرة. منها حديث رفاعة بن رافع الأنصارى، و کان عقبيا بدریا قال: " كنت عند عمر رضی الله عنه فقيل له: إن زید بن ثابت رحمه الله يفتى الناس فى المسجد برأيه فى الذى يجامع ولا ينزل قال: أعجل على به فأتى به، فقال يا عدو نفسه أو لقد بلغت أن بلغت أن تفتى الناس فى مسجد رسول الله ٢٫٩ عدم جواز الجمعة فى القرى ج - ٨ عَ ◌ِّ برأيك قال: ما فعلت، ولكن حدثنى عمومتى عن رسول الله عَ ◌ّه قال: أى عمومتك؟ قال: أبى بن كعب، وأبو أيوب ورفاعة بن رافع، فالتفت عمر رحمه الله إلى فقال: ما يقول هذا الغلام؟ قال: كنا نفعله على عهد رسول الله عّ لّه قال: سألتم عنه رسول الله عَّ قال: كنا نفعله على عهده فجمع الناس، واتفق الناس على أن الماء لا يكون إلا من الماء إلا على بن أبى طالب، ومعاذ بن جبل، فقالا: إذا جاوز الختان وجب الغسل. قال: فقال على: يا أمير المؤمنين! إن أعلم الناس بهذا أزواج النبى معَ ◌ّ فأرسل إلى حفصة رحمها الله فقالت: لا علم لى، فأرسل إلى عائشة رحمها الله، قالت: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل قال: فتحطم عمر رضى الله عنه يعنى تغيظ ثم قال: لا يبلغنى أن أحدا فعله إلا أنهكته عقوبة. رواه أحمد والطبرانى فى "الكبير". ورجال أحمد ثقات إلا أن ابن إسحاق مدلس وهو ثقة، وفى الصحيح طرف منه. كذا فى "مجمع الزوائد" (١٠٩:١). وفيه دليل صريح على أن فعل الصحابة فى عهد رسول الله مَّ ةٍ لا يكون حجة، ما لم يكن فيه تقرير من النبى معَ ◌ّه، لقول عمر "سألتم عنه رسول الله عّ لّه لا يكون حجة، ما لم يكن فيه تقرير من النبى معَ ◌ّهِ، لقول عمر "سألتم عنه رسول الله عَ لّ؟" أو يكون ذلك فعل الصحابة جميعا، أو یکون مسکوتا عنه فى الشرع، بحيث لا یکون فیه عند أحد منهم عهد من الشارع يشعر به جمع عمر الناس، وسواله عنهم، وإلا فلا وهذا جابر ابن عبد الله يقول: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله عدّ له وأبی بکر وعمر حتی نهى عنه عمر فى شأن عمرو بن حريث. أخرجه مسلم (١: ٤٥١). ولم ينزل فى كل ذلك وحى. فهل يجعل الحافظ مثل ذلك من فعل الصحابة حجة؟ كلا لكونه مما خفى على بعضهم، واتضح حكمه للآخرين، فثبت أن نزول الوحى فى غير الجائز من أفعالهم فى زمانه إنما يجب إذا كان الحكم خافيا عن جميعهم. وأما استدلال الحافظ بقول أبى سعيد، وجابر "كنا نعزل، والقرآن ينزل" ففيه أن جواز الاحتجاج بمثله مختلف فيه، وللمانع أن يقول: لم نستدل على جواز العزل بمجرد فعل الصحابة ذلك فى زمان الوحى، بل لما ثبت فى الآثار من تقرير النبى عّ لّ إياهم عليه، وسنذكرها فى بابه، ومن جعله حجة فإنما جعله لأن الظاهر من الصحابى أنه إنما أورد ذلك ٣٠ عدم جواز الجمعة فى القرى إعلاء السنن ٢٠١٨- عن: حذيفة رضى الله عنه قال: ((ليس على أهل القرى جمعة إنما الجمع على أهل الأمصار مثل المدائن)). رواه أبو بكر بن أبى شيبة قال: حدثنا عباد بن العوام عن عمر بن عامر عن حماد عن إبراهيم عن حذيفة فذكره. وإبراهيم لم يسمع من حذيفة كذا فى "آثار السنن" (٧٨:٢ و٧٩). قلت: رجاله كلهم ثقات ومراسيل إبراهيم صحاح عندهم، لا سيما وقد تأيد بأثر على، والمرسل حجة عندنا، وعند الجمهور خلافا للبعض، وإذا تأيد بقول صحابی فهو حجة عند الكل. فى معرض الاحتجاج، وإنما يكون ذلك حجة إن لو كان ما نقله مستندا إلى فعل الجميع(١) لأن فعل البعض لا يكون حجة على البعض الآخر، ولا على غيرهم. قاله الآمدى فى "الأحكام" (١٤٠:٢). وإذا كان كذلك، فكيف يكون تجميع عبد القيس فى قريتهم حجة ما لم يثبت ذلك من فعل جميع الصحابة وأنى للخصم ذلك؟ فقد ذكرنا أن أهل العوالى والقرى التى بقرب المدينة لم يأذن لهم. النبى عب ◌ّر فى إقامة الجمعة بها، وحديث الجمعة بجواثا يدل على ذلك أيضا، فإنها كانت أول جمعة جمعت بعد الجمعة بالمدينة، فثبت أن التجميع بالقرى لم يكن من فعل الصحابة جميعهم، وبهذا اندحض كلام صاحب يسر من رأى فى هذا المقام كله. قوله: "عن حذيفة" إلخ. قلت: فيه دلالة صريحة على أن أهل القرى لا تجب علیهم الجمعة، والموقوف فى مثله له حكم الرفع، لما فيه من تخصیص الصلاة بمكان دون مكان، وهو خلاف القياس المستمر فى الصلوات كما قدمنا، وقول الصحابى فيما لا يدرك بالرأى مرفوع حكما، كما تقرر فى الأصول، واندحض بما ذكرنا ما قاله الشوكانى، ومن تبعه أن للرأى فيه مسرحا. وبطل أيضا ما قاله صاحب سر من يرى "إن أثر حذيفة هذا ضعيف" فقد عرفت أن رجاله كلهم ثقات، وليس فيه إلا إرسال إبراهيم، (١) وبهذا بطل قول صاحب "سر من يرى": إن اشتراط تعامل جميع الصحابة فى حجية أفعالهم لم أجده فى كتاب ولم يقيده أحد به بل أفعالهم حجة، ولو كان من فعل البعض (٤٨:٢ و٤٩) وهذا يدل على قصور نظره فى الأصول، وقلة علمه بأقولا العلماء. ٣١ ج - ٨ عدم جواز الجمعة فى القرى ٢٠١٩- عن: الحسن(١) ومحمد (٢) أنهما قالا ((الجمعة فى الأمصار)) رواه أبو بكر بن أبى شيبة، وإسناده صحيح. "آثار السنن" (٨٧:٢). وهو ليس بعلة لما ذكرناه فى المتن، وفصلناه فى المقدمة"، واندحض بما فيه من تشبيه الأمصار بالمدائن ما أبداه صاحب يسر من رأى من احتمال إرادة القرية بالمصر الجامع فى أثر على رضى الله عنه فإنه مع كونه مما يمجه الطبع السليم يرده ما فى هذا الأثر من مقابلة القرى بالأمصار، وتشبيه الأمصار بالمدائن، فثبت أن المراد بالمصر غير القرية العرفية. فإن قيل كما قاله صياحت سر من برى": ان الأث إنما يدل على عدم الوجوب، لا على عدم الجواز. فلنا أن نقول: إن الجمعة لا تجب عليهم، وإن فعلوها تصح عنهم كالمسافر، والمريض، والعبد، والمرأة لا تجب عليهم الجمعة، وإن جمعوا تصح عنهم، قلنا: هذا لا يجديك شيئا، بل يضرك ومذهبك، فإنك قائل بوجوب الجمعة على أهل القرى، ولو بأن يشهدوها بالأمصار، وإلا فتجب عليهم إقامتها فى قراهم، وأثر حذيفة قد نفى الوجوب عنهم رأسا، وخصصه بأهل الأمصار، ولا يضرنا لما فيه من قياس غير المعذور على المعذور، وهو باطل، فإن المسافر والمريض ونحوها إنما رخص لهم الشارع فى ترك الجمعة للعذر، ولا كذلك أهل القرى، فإن كون الرجل قرويا ليس من العذر فى شىء ومن يجعله عذرا فهو مجنون فيداوى، فلا يسقط عنهم وجوبها إلا لكون القرية محلا غير صالح لإقامتها. ومن ادعى غير ذلك، فليأت ببرهان. قوله: "عن الحسن ومحمد" إلخ: قلت دلالته على اختصاص الجمعة بالأمصار ظاهرة، لكون الحصر هو المتبادر من مثل هذا الكلام عند أهل اللسان وإنما ذكرنا أقوال التابعين لاحتجاج الخصم فيما ذهب إليه بأقوالهم، وأقوال من دونهم وليظهر عدم تفرد إمامنا بهذه المسألة من بين الأئمة، بل له سلف فى ذلك من أقوال الصحابة المرفوعة حكما، أقوال التابعين، ومن دونهم فقد قدمنا عن أحكام القرآن للرازى أن الثورى، وعبيد الله بن الحسن قالا بمثل قول الإمام، وكذا الأوزاعى، وبهذا ظهرت لك خيانة صاحب سر من يرى حيث ادعى تفرد الإمام بشرطية المصر للجمعة من بين العلماء، وجمهور المجتهدين. (١) البصرى. (٢) ابن سيرين. ٣٢ عدم جواز الجمعة فى القرى إعلاء السنن قلت: وليس لمن يحتج بقول عمر بن عبد العزيز والليث بن سعد أن لا يحتج بقول الحسن ومحمد بن سيرين، وقد احتج البيهقى، وتبعه صاحب "التعليق المغنى"، ومن وافقه من أبناء جنسه بقول ابن عبد العزيز والليث بن سعد، كما ذكرناه فى الحاشية .. هذا واحتج الخصم لصحة الجمعة فى القرى بما فى "التلخيص الحبير" أيضا (١٣٣:١) روى أبو داود، وابن حبان، وغيرهما عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن أباه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة قال فقلت له: يا أبتاه! رأيت استغفارك لأسعد بن زرارة كلما سمعت الأذان للجمعة، قال: لأنه أول من جمع بنا فى نقيع يقال له نقيع الخضمات من حرة بنى بياضة، قلت: كم كنتم يومئذ قال: أربعون رجلا وإسناده حسن اهـ. والجواب عنه ما فى "الفتح القدير" (٢٣:٢): فتلك الحرة أفنية المصر، وللفناء حكم المصراهـ ويؤيده ما فى "النهاية" لابن الأثير (٢٦٤:٢): هزم بنى بياضة هو موضع بالمدينة اهـ، وما فى "خلاصة الوفاء": حرة بنى بياضة غربى المدينة، وبالحرة الغربية كان رجم ماعز، كما توضحه رواية ابن سعد اهـ (٢٦٤:٣) وفى كل ذلك دليل ظاهر على كون تلك الحرة من المدينة، أو من فنائها، فقد تقدم أن دور الأنصار بالمدينة كانت متفرقة، وكان بعضها على قدر ميل من المسجد النبوى، فلا يلزم من قول الحافظ فى "التلخيص": حرة بنى بياضة قرية على ميل من المدينة اهـ، كونها قرية مستقلة، بل كانت من توابع المدينة، وفناءها، كدار بنى سالم التى ذكر أهل السير تجميع النبى معَ ◌ّه بها أول ما قدم المدينة حين شخصوصه من قباء فإنها من محلات المدينة أو فنائها أيضا. واستدل ابن قدامة فى "المغنى" بأثر أسعد بن زرارة هذا على أنه لا يشترط لصحة الجمعة إقامتها فى البنيان، بل يجوز إقامتها فيما قاربه من الصحراء، قال وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعى لا تجوز فى غير البنيان لأنه موضع يجوز لأهل المصر قصر الصلاة فيه فأشبه البعيد، ولنا أن مصعب بن عمير جمح بالأنصار فى هزم النبيت فى نقيع الخضمات ولأنه موضع لصلاة العيد فجازت فيه الجمعة، كالجامع، ولأن الجمعة صلاة عيد فجازت فى المصلى اهـ (١٧٥:٢) وهذا يدل على كون هزم النبيت، ونقيع الخضمات من فناء المدينة قريبا منها، فافهم. ٣٣ ج - ٨ عدم جواز الجمعة فى القرى تتمة أولى: احتج بعض أكابرنا للمسألة بأن فرض الجمعة كان بمكة، ولكن النبى عَوضٍّ لم يتمكن من إقامتها هناك؛ وأقامها بالمدينة چين هاجر إليها، ولم يقمها بقباء مع إقامته بها أربعة عشر يوما، وهذا دليل لما ذهبنا إليه من عدم صحة الجمعة بالقرى. أما أن فرض الجمعة كان بمكة، فبدليل ما أخرجه الدارقطنى من طريق المغيرة بن عبد الرحمن عن مالك عن الزهرى عن عبيد الله عن ابن عباس قال: أذن النبى معَّةِ الجمعة قبل أن يهاجر ولم يستطع أن يجمع بمكة، فكتب إلى مصعب بن عمير: أما بعد! فانظر اليوم الذى تجهر فيه اليهود بالزبور، فأجمعوا نساءكم وأبناء كم فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله بركعتين قال: فهو أول من جمع حتى قدم النبى مَِّ المدينة، فجمع عند الزوال من الظهر وأظهر ذلك. ذكره الحافظ فى "التلخيص الحبير " (١٣٣:١) وسكت عنه، وسكوته فيه حجة كما سيأتى والمذكور من سنده كلهم ثقات. والمعروف من عادة المحدثين أن ما يحذفوته من الإسناد يكون سالما عن الكلام وذكره الحافظ فى "الفتح" أيضا مختصرا (٢٩٤:٢) وزياداة فيه إما صحاح أو حسان كما التزم ومرمنا ذكره غير مرة. ويشهد له مرسل ابن سيرين أخرجه ابن حميد فى "تفسيره"، ومسند كعب بن مالك أخرجه أبو داود، وابن حبان، وغيرهما، وقد تقدم ذكرهما إلا أن حديث ابن عباس يدل على أن تجميع أهل المدينة قبل مقدم النبى معرّ ◌ّ كان بإذنه، ابن سيرين يقتضى أن الأنصار اختاروه باجتهاد منهم. والجواب أن يقال: لا مخالفة لأنه يجوز أن يكون هذا العزم على ذلك حصل منهم أولا ثم أرسلوا له مرّ يستأذنونه فى ذلك، فأذن لهم فيه، فقد جاء الوحى موافقة لما اختاروه، كذا قاله الحلبى فى سيرة، وأيضا فى رواية ابن عباس کون مصعب بن عمیر أول من جمع، وفى مرسل ابن سيرين، ومسند كعب أن أسعد بن زرارة أول من جمع بهم قال الحلبى: ولا مخالفة لأن مصعب بن عمير كان عند أسعد بن زرارة، كما علمت، فكان هو المعاون على الجمع، وكان الخطيب والمصلى بهم مصعب بن عمير فنسب الجمع لكل منها أى ويكون ما فى الرواية من أن أسعد بن زرارة هو الذى صلى بهم على التجوز أى جمعهم على الصلاة، ويؤيده ما تقدم من أن الأوس والخزرج ٣٤ عدم جواز الجمعة فى القرى إعلاء السنن كره بعضهم أن يؤمه بعض وأيضا المأمور بالتجميع مصعب بن عمير إلخ (١٠.٢) قلت: وهذا أولى من القول بتعدد الواقعة وأن الأولى كانت باجتهاد من الأنصار، والثانية بالإذن من حضرة الرسالة فإن حكم التجميع ليس مما يدرك بالرأى، لما فيه من تغير فرض، وإسقاطه إلى فرض آخر، ولا مجال للاجتهاد فيه. وإن قيل: إن تجميعهم كان بطريق التنفل من غير إقامة الركعتين مكان الظهر قلنا: فليس ذلك من التجميع فى شىء وإطلاق الجمعة على الركعتين نقلا مع أداء الظهر بعدهما باطل قطعا، فإن صلاة الجمعة لا تطلق فى الشرع إلا على فريضة صلاة تنوب مناب الظهر، وتسقطها عن الذمة، فلا يجوز حمل الحديث على غير ذلك إلا بدليل ناهض، فالحق ما قاله الحلبى، ومن وافقه. وبهذا اندحض ما قاله صاحب "سر من يرى": إن حديث ابن عباس بطريق الدارقطنى لا يدل على كون الجمعة فرضت بمكة، لما فيه من لفظ "أذن النبى معَ لّه الجمعة" والإذن لا يفيد الفرضية قلنا: لم تعهد الجمعة فى الإسلام إلا فرضا، والتنفل بالجمعة مع وجوب الظهر فى الذمة لم يعرف فى الشرع أصلا، والإذن بالفرض لا يكون إلا بطريق الفرض ومن ادعى غير ذلك فليأت ببرهان. وأيضا فالجمعة نائبة مناب الظهر، ومسقطة لها، والفرض لا ينوب منابه إلا مثله. والعجب من صاحب "سر من يرى" أنه يدعى كون الجمعة بجواثا بأمر من النبى، وعلمه، بدليل أن الصحابة لم يكونوا ليستبدوا بشىء. أمر الدين برأيهم، ومع ذلك يجيز تجميع أهل المدينة قبل مقدم النبى عّ لّه إليها باجتهاد منهم من علم النبى معَّه به وإذنه لهم فى ذلك، مع ما فيه من تغيير الفرض، وإسقاطه إلى فرض آخر، ولا يجوز مثل ذلك بالرأى أبدا. ثم استدل على أن الجمعة فرضت بالمدينة دون مکة بحديث أخرجه ابن ماجه عن جابر بلفظ: "واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة فى مقامى هذا، فى يومى هذا، فين شهری هذا، من عامى هذا إلى يوم القيامة" إلخ. قلت: ليس فيه ما يدل على أن قوله ذلك كان بالمدينة، وقول جابر: "خطبنا رسول الله عَ ليه" يحتمل كونه بمعنى خطب المسلمين، ولعل جابرا سمعه ممن حضر الخطبة من الصحابة، وله نظائر فى الحديث لا يخفى على مارسه، ومن شك فى ذلك فليطالع باب ٣٥ ج - ١ عدم جواز الجمعة فى القرى الإرسال من تدريب الراوى. وإن سلمنا فنقول: إن المراد بقوله "إن الله قد افترض عليكم" إلخ الفرض الذى لم يتمكن النبى معَِّ منه بمكة أى أداء الجمعة دون نفس وجوبها، فإن الوجوب على نوعين، نفس الوجوب، وجوب الأداء وكان الأول بمكة، والثانى بالمدينة أى باعتبار جميع المسلمين من الأنصار والمهاجرين، وإن كان وجوب الأداء ثابتا فى حق البعض وهم الأنصار قبل ذلك أيضا فافهم، ثم قال: "إن القول بفرضية الجمعة بمكة غريب، كما قاله الحافظ فى الفتح قلنا: غرابته لا تستلزم عدم صحته كيف؟ وقد تأيد بحديث ابن عباس الذى أخرجه الدارقطنى، وبمرسل ابن سيرين، وبمسند كعب الذى أخرجه أبو داود وابن حبان. وكلها حسان الإسناد كما تقدم. وأما إنه مَّ أقام بقباء أربعة عشر يوما، فقد ثبت ذلك فى الصحيح للبخارى عن أنس رضى الله عنه فى باب مقدم النبى معَّ له، وأصحابه المدينة (٢٠٧:٧ مع "الفتح"). وأما أنه لم يجمع بقباء فلاتفاق أهل السير والحديث: على أن أول جمعة جمعها رسول الله عَّ إنما كان بالمدينة بعد شخوصه من قباء. ولم يثبت تجميعه بقباء قبل دخوله المدينة. ولا يلتفت إلى القیل الذی ذکره صاحب "سر من یری"، ولا يدرى قائله ولم يذكر سنده ثم قال: ولا بد للحنفية من القول بتجميعه عّ لّه بقباء، لما فى رد المختار: إذا بنى مسجد فى الرستاق بأمر الإمام فهو أمر بالجمعة اتفاقا على ما اله السرخسى، والرستاق القرى كما فى "القاموس" اهـ (٥٣٧:١) قال: ولا شك أن مسجد قباء بنى بأمر النبى مَّ ◌ُلّه، بل الذى عند البخارى أنه عَ ◌ّه أسسه بيده الكريمة: فكيف لا تصح الجمعة بقباء عندهم؟ قلت: هذا كله كلام جاهل عن مذهب الحنفية سىء الفهم ذى غباوة، فإن المراد بالمسجد فى عبارة "رد المحتار" المسجد الجامع، ولا شك أن أمر الإمام بيناء المسجد الجامع فى الرستاق أمرٍ بالجمعة، ودليل هذا القيد ما فى "الدر المختار" عن القهستانى إذن الحاكم ببناء الجامع فى الرستاق إذن بالجمعة اتفاقا على ما قاله السرخسى. وإذا اتصل به الحكم صار مجمعا عليه فليحفظ اهـ وفى "رد المحتار" وعبارة القهستانى، وتقع فرضا فى القصبات، والقرى الكبيرة التى فيها أسواق. قال أبو القاسم: هذا بلا خلاف إذا أذن العوالى أو القاضى ببناء المسجد الجامع، وأداء الجمعة، لأن هذا مجتهد فيه فإذا اتصل به ٣٦ عدم جواز الجمعة فى القرى إعلاء السنن الحكم صار مجمعا عليه، وفيما ذكرنا إشارة إلى أنه لا تجوز فى الصغيرة التى ليس فيها قاض، وخطيب، ومنبر، وخطب كما فى "المضمرات" اهـ (٨٣٦:١) وهذا صريح فى أن المراد بالمسجد فى كلام السرخسى إنما هو المسجد للجامع، دون مطلق المسجد، وكل ذلك مذكور قبل العبارة التى ذكرها صاحب "سر من يرى"، ولكنه غمض عينيه عن كل ما يفصح عن المراد، وذكر جملة مجملة ليغر الناس بمكره، ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله. إذا عرفت ذلك، فنقول: إن النبى معَ ◌ّه لم يأمر ببناء المسجد الجامع بقبا، وإنما بنى أو أمر ببناء مسجد للصلوات الخمس، وبه لا تصح الجمعة فى القرى الصغار، أصلا. فإن قيل: إن الإمام حيث نزل جمع عندكم أى من القرى قلنا: معناه إن الإمام لو جمع فى القرى تحكم بصحة الجمعة، لصيرورتها فى حكم المصر، أو لكون أمر الإمام، وفعله قاطعا للنزاع فى المسائل المجتهد فيها، كما ذكرناه آنفا، وليس معناه أن إقامة الجمعة بالقرى واجبة على الإمام فلو جمع النبى معَّه بقباء لقلنا بصحة الجمعة فيها، وحيث لم يجمع بها مع كون الجمعة قد فرضت عليه بمكة علمنا أن القرية لا تصلح لإقامة الجمعة بها، وأهلها لا تجب عليهم الجمعة أصلا، وأيضا فلا نسلم أن نزوله معَّه بقباء كان من حيث الولاة كلا فإنه لم يكن واليا قبل وصوله إلى المدينة التى بايعه أهلها على النصرة، والحماية إذا نزل عندهم، وكان قبل ذلك فى مكة خائفا يترقب، وهاجر منها مختفيا مع رجلين أو ثلاثة، حتى نزل بقباء، ثم شخص منها إلى المدينة، وحينئذ استقر به المكان، وتخلصت له ولاية المدينة وما حولها من القرى، ولم تتخلص له حين نزوله بقباء، كما يعرفه كل من له نظر فى الآثار والسير، فافهم، فقد أوضحنا لك المحجة، ولم يبق للخصم لا سيما لصاحب "سر من يرى" حجة. ولعمرى إنه لم يأت فى كتابه بشىء سوى ما ذكره صاحب "كسر العرى"، وهداية الورى، وتكفل للجواب عنهما شيخ شيخنا صاحب أجسن القرى، فأحسن وأجاد، وأغنى، وأثرى، فتغيظ صاحب "سر من يرى"، وتعصب لحزبه، وتقدم للجواب عنه، وانبرى فتراه يذكر ما تضمنه الكتابان قبله بعبارة أخرى إلا أنه سبقهما بزيادة السب والشتم، ولم يدر أن عذاب الآخرة أخزى وأفرى؛ هذا، وقد أطلنا الكلام فى هذا المقام لكونه مزلة الأقدام، معتركا لأفهام الأعلام، والحمد لله الذى وفقنا لإيضاح ٣٧ عدم جواز الجمعة فى القرى ج - ٨ : الحق، وتائيده بمحض والإنعام. تتمة ثانية: فإن قلت: قد روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو عن النبى عّ لّه قبل الجمعة على كل من سمع النداء اهـ، وقد يسمع من هو خارج المصر من أهل القرى القريبة منه، وأنتم لا توجبون عليهم الجمعة. فما الجواب عنه؟ قلت: قد أوجبنا عليهم الجمعة فى رواية كما فى الدر، وشرط لافتراضها إقامة بمصر وأما المنفصل عنه فإن كان يسمع النداء تجب عليه عند محمد، وبه يفتى كذا فى "الملتقى" اهـ (٨٥١:١ مع الشامية) نعم! ظاهر الرواية عن أصحابنا أنها لا تجب إلا على من يسكن المصر أو ما يتصل(١) به فلا تجب على أهل السواد ولو قريبا، وهذا أصح ما قيل فيه اهـ وبه جزم فى التجنيس، قال فى الإمداد: قد علمت بنص الحديث والأثر، والروايات عن أئمتنا الثلاثة، واختيار المحققين، من أهل الترجيح أنه لا عبرة ببلوغ النداء، ولا بالغلوة، ولا الأميال، فلا عليك من مخالفة غيره، وإن صحح اهـ كذا فى "رد المحتار" (٨٥٢:١) وعلى هذا، فالجواب عن الحديث أن أبا داود. قد رجح وقفه، حيث قال: روى هذا الحديث جماعة عن سفيان (الثورى) مقصورا على عبد الله بن عمرو، ولم يرفعوه، وإنما أسنده قبيصة اهـ (٤٠٩:١). قلت: وقبيصة هذا هو ابن عقبة من رجال الجماعة، صدوق، ربما خالف، كما فى "التقريب" (ص: ١٧٢)، فلا يعتمد على تفرده، وفى إسناده محمد بن سعيد الطائفى، قال المنذرى: وفيه مقال، كما فى "عون المعبود"، وفى "تهذيب التهذيب" (١٩١:٩) قال: ابن أبى وارة محمد بن سعيد ثقة، وثقه البيهقى اهـ وفى "التقريب" (ص: ١٨٣): صدوق وفى السند أبو سلمة بن نبيه عن عبد الله هارون وهما مجهولان كما فى "التقریب" (ص: ١١٤ و٢٥٦). فالحاصل: أن الحديث لم يثبت رفعه بإسناد يحتج به، والموقوف أيضا ضعيف لجهالة الرجال وأما ما فى العزيزى (١٩٧:٢): قال عبد الحق: الصحيح وقفه اهـ فمعناه أن الوقف أسلم حالا من الرفع، لا أنه صحيح فى اصطلاح المحدثين، قال الشوكانى فى (١) أراد بالمتصل فناء المصر. ٣٨ عدم جواز الجمعة فى القرى إعلاء السنن "النيل": وقد ورد (الحديث) من حديث عبد الله بن عمرو من وجه آخر أخرجه الدار قطنى من رواية الوليد عن زهير بن محمد قال العراقى لكن زهير روى عن أهل الشام مناكير، والوليد مدلس، وقد رواه بالعنعنة، فلا يصح(١) ورواه الدارقطنى أيضا من رواية محمد بن الفضل عن حجاج، ومحمد بن الفضل ضعيف جدا، والحجاج هو ابن أرطاة مدلس مختلف فى الاحتجاج به انتهى كذا فى "بذل المجهود" (١٦٥:٢). وأيضا فإن المراد بالنداء المذكور فى الحديث هو النداء الواقع بين يدى الإمام فى المسجد لأنه الذى كان فى زمن النبوة لا الواقع على المنارات، فإنه محدث كما سيأتى، قاله الشوكانى فى "النيل"، وهذا النداء لا يسمعه جميع من فى البلد فضلا عن أهل القرى القريبة منه. اللهم إلا أن تكون القرية متصلة البنيان بالمصر، ولا خلاف فى الوجوب على أهلها. وإنما الكلام فى المنفصلة عنه قريبة منه وأيضا، فتعليق السعى على سماع النداء يسقط عمن كان فى المصر الكبير إذا لم يسمعه. وقال الحافظ فى "الفتح": "والذى ذهب إليه الجمهور، أنها تجب على من سمع النداء أو كان فى قوة السامع سواء كان داخل البلد أو خارجه، ومحله كما صرح به الشافعى ما إذا كان المنادى صيتا والأصوات هادئة، والرجل سميعا" قلت: وهذا القدر لا يكفى لرفع الإشكال فإنه إذا كان البلد كبيرا جدا كالقسطنطينية، ونحوها فإنه لا يبلغ صوت المؤذن (لا سيما إذا أذن بين يدى الإمام فى المسجد فإنه هو المراد بالنداء فى الحديث) فى نواحى البلد وأطرافه، ولو كان المؤذن صيتا، والرجال سامعين، والأصوات هادئة، فلا تجب عليهم الجمعة على هذا القول،. وهذا بخلاف الآية، وقد حكى العراقى فى "شرح الترمذى" عن الشافعى، ومالك، وأحمد بن حنبل أنهم يوجبون الجمعة على أهل المصر وإن لم يسمعوا النداء اهـ، وقد ادعى فى "البحر". الإجماع على عدم اعتبار سماع النداء فى موضعها قاله الشوكانى كما فى "بذل المجهود (١٦٤:٢). (١) قلت: فلا يصح تجويد ابن حجر (الهيثمى) هذا الشاهد، كما نقله عنه فى "بذل المجهود" فإن عنعنة الوليد ضعيفة بالاتفاق. ج - ٨ عدم جواز الجمعة فى القرى ٣٩ فالحديث مع ضعفه متروك العمل بظاهره، فلا يجوز للخصم معارضة بحديث على: "لا جمعة، ولا تشريق إلا فى مصر جامع". ولا يصح إيراده على الحنفية بوجه. وقال عطاء: "إذا كنت فى قرية جامعة، ونودى بالصلاة من يوم الجمعة، فحق عليك أن تشهدها سمعت النداء أو لم تسمعه". علقه البخارى، ووصله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه، وزاد "قلت لعطاء: ما القرية الجامعة؟ قال: ذات الأمير والجماعة والقاضى، والدور المجتمعة الآخذ بعضها ببعض، مثل جدة وقوله "سمعت النداء أو لم تسمعه" يعنى إذا كنت داخل البلد. وبهذا صرح أحمد، ونقل النووى أنه لا خلاف فيه. قاله الحافظ فى "الفتح" (٣٢٠:٢) وفيه دليل على عدم اعتبار سماع النداء بلا خلاف، وعلى أن القرية الجامعة لا تطلق على كل قرية لا ينتقل عنها أهلها، كما زعمه صاحب "سر من يرى"، وجماعة بل لا بد لها من أمير، وجماعة، وقاض، كجدة، وما شابهها، وإطلاق القرية عليها، كما فى القرآن: "لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم"، فافهم. وأما حديث أبى هريرة مرفوعا: "الجمعة على من آواه الليل إلى أهله" فقد رواه الترمذى والبيهقى، وضعفاه، ونقل عن أحمد أنه لم يره شيئا، وقال لمن ذكره له: "استغفر ربك استغفر ربك". كذا فى "العمدة" للعينى (٢٧٥:٣) وفى "فتح البارى" (٣٢٠:٢): وأخرج البيهقى بإسناد صحيح عن ابن عمر موقوفا عليه "والجمعة على من يأت أهله"، قال الحافظ فى "الفتح": ومعناه أن الجمعة تجب عنده على من يمكنه الرجوع إلى موضعه قبل دخول الليل، فمن كان فوق هذه المسافة لا تجب عليه عنده، قال: واستشكل بأنه يلزم منه أنه يجب السعى من أول النهار، وهو بخلاف الآية اهـ (٣٢٠:٢) فإن الآية علقت وجوبه على وقوع النداء، لما تقرر عند أئمة البيان من أن الشرط قيد لحكم الجزاء، فلا يجب السعى قبل النداء البتة. هذا محصل كلام الحافظ ومبناه على كون تعليق الحكم بالشرط والوصف نفيا عما عداه، كما هو مذهب أهل العربية، وجمهور الأصوليين القائلين بمفهوم الخطاب، خلافا للحنفية، فلا يلزم عندهم من وجوب الجمعة على من آواه الليل، ومن وجوب السعى عليه من أول النهار مخالفة الآية نعم، يلزم مخالفة الحديث الصحيح الوارد فى انتياب أهل العوالى للجمعة،. ٤٠ عدم جواز الجمعة فى القرى إعلاء السنن ولو كانت الجمعة على من آواه الليل ما انتابوا بل حضروا كلهم الجمعة بالمدينة، ويلزم أيضا مخالفة قوله تعالى: ﴿ما جعل عليكم فى الدين من حرج﴾. وفى وجوب السعى من أول النهار من الحرج ما لا يخفى، فيحمل أثر ابن عمر على الندب، وكذا حديث أبى هريرة، فيستحب لأهل القرى القريبة من البلدان يشهدوا الجمعة به، وفيه إشعار بعدم صحتها فى القرى الصغيرة، وإلا لم يحتج إلى القول بأن الجمعة على من آواه الليل، وبأن الجمعة على من يأت أهله لإمكان إقامة هؤلاء الجمعة بمواضعهم، ولا يندب الشارع إلى تحمل المشاق إلا لأمر لا يحصل بدونه، وإذا أمكن حصوله بدونه، فالأولى اختيار الأهون عليه، كما ورد فى الحديث الصحيح: ((ما خير رسول الله عَّه بين أمرين إلا اختار أيسرهما)). فبطل قول من قال: إن الجمعة وإن كانت تصح فى القرى الصغيرة ولكن يستحب لأهلها أن يشهدوها بالأمصار، لكونها من شعائر الإسلام، ومبناها على إظهار الشوكة. لأنا نقول: إن شعائر الإسلام، وإظهار الشوكة لا تختص بالأمصار، فإن الأذان، والجماعة للمكتوبة، والأضحية من شعائر الإسلام أيضا، فى شهود أهل القرى الجمعة بالمصر إبطال شعائر الإسلام، وشوكته عن القرى مع إمكانه فيها بل إنما يستحب ذلك لأهل القرى لعدم صحة الجمعة فيها. فإن قيل: إذا لم يختص شعار الإسلام، وإظهار شوكته بالأمصار فلم اشترطت الحنفية المصر لصحة الجمعة. قلنا: قيدوها بذلك على خلاف القياس بأثر على المذكور أول الباب، لا لأن إظهار الشوكة يختص بالأمصار، كما زعمه الزاعمون، ولو كان مبنى صلاة الجمعة على إظهار الشوكة عندهم لم يقولوا بصحتها بأربعة رجال، ولا الشافعية بصحتها بأربعين رجلا، فإن هذا القدر لا يكفى لإظهار الشوكة أصلا، بل شرطوا لها جماعة كثيرة يتيسر بها إظهار الشوكة الإسلامية، فمن زعم أن الحنفية إنما شرطوا المصر للجمعة لإظهار الشوكة، كصاحب "سر من يرى"، وبعض الناس مؤلف الإحياء فقد ضل ضلالا بعيدا، فإن الحنفية كلهم صرحوا بأن أثر على هذا مرفوع حكما، لكونه واردا على خلاف القياس المستمر فى الصلوات من عدم تخصيصها بمكان دون مكان (لقوله تعالى: