Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
ج - ٧
التنفل قاعدا بغير عذر
أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائمًا فله نصف أجر
القاعد)). رواه البخارى (١٥٠:١).
وبقى الإشكال فى حمله على المتنفل لعدم تجويز علمائنا النفل مضطجعا لغير .
المعذور، فأجاب الحاملون على المفترض المعذور بجواز احتسابه نصفًا ثم تكميل ثوابه
فضلا، وجعلوا جوابه عّ لّ لعمران وكانت به بواسير قرينة على هذا الحمل، حيث ظنوا
أن مبنى السؤال هى البواسير، ذكر هذا الحمل وقرينته فى "منحة الخالق" على "البحر
الرائق" (٢٧:٢). وقال بعض هؤلاء الحاملين: إنه إنما أراد به المريض المفترض الذى لو
تحامل فى القيام لأمكنه ذلك مع شدة المشقة والزيادة فى الألم الموضوعتين عنه، وجعله
أجر القاعد على النصف ترغيبًا له فى القيام للزيادة فى الأجر مع جواز الفرض إن صلاه
قاعدا، وكذا فى المضطجع الذى لو تحامل أمكنه القعود مع شدة المشقة جعل أجره على
النصف مع جواز صلاته على تلك الحالة، نقل هذا التوجيه من الكرمانى فى حاشية
البخارى (١٥٠:١).
قلت: لكن فى بعض الروايات ما يقرب حمل الحديث على النافلة، ففى "موطأ"
الإمام محمد: أخبرنا مالك، حدثنا الزهرى، أن عبد الله بن عمرو رضی الله عنه قال: «لما
قدمنا المدينة نالنا وباء من وعكها شديد، فخرج رسول الله مع طر على الناس وهم يصلون
فى سبحتهم (أى نافلتهم) قعودًا، فقال: صلاة القاعد على نصف صلاة القائم))
(ص-١١٢) ورجاله ثقات أئمة لكنه منقطع، فإذا الزهرى عن ابن عمرو منقطع، قاله ابن
عبد البر كما فى "التعليق الممجد". وفى "فتح البارى" (٤٨٢:٢): عن أنس رضى الله
عنه، قال: ((قدم النبى ◌ّ المدينة وهى محمة فحمى الناس، فدخل النبى معَ له المسجد
والناس يصلون من قعود، فقال: صلاة القاعد نصف صلاة القائم)). رواه أحمد ورجاله
ثقات اهـ.
قلت: والظاهر أنهم كانوا يتنفلون، فلما تعين قرب حمله على النافلة عاد الإشكال،
فالأقرب فى الجواب عنه عند شيخنا ما نقله فى "النيل" عن الخطابى وابن بطال، ونصه:
قال الخطابى فى "معالم السنن": لا أحفظه عن أحد من أهل العلم أنه رخص فى صلاة
التطوع نائمًا كما رخصوا فيها قاعدا، فإن صحت هذه اللفظة عن النبى مُ له، ولم يكن
من بعض الرواة مدرجة فى الحديث قياسًا على صلاة القاعد أو اعتبار صلاة المريض نائمًا

٦٢
التنفل قاعدا بغير عذر
إعلاء السنن
إذا لم يقدر على القعود، دلت على جواز تطوع القادر على القعود مضطجعًا، قال: ولا
أعلم أنى سمعت نائمًا إلا فى هذا الحديث، وقال ابن بطال: وأما قوله: ((من صلى نائماً فله
نصف أجر القاعد))، فلا يصح معناه عند العلماء، لأنهم مجمعون أن النافلة لا يصليها
القادر على القيام إيماء، قال: وإنما دخل الوهم على ناقل الحديث اهـ (٣٢٨:٢).
وأما ما قاله صاحب "النيل" بعد هذه العبارة ونصه: تعقب العراقى قول الخطابى
وابن بطال بأن فى مذهب الشافعية وجهين، الأصح منهما الصحة، وبأن عند مالك ثلاثة
أوجه، أحدها الجواز مطلقًا فى الاضطرار والاختيار للصحيح والمريض، بأن الترمذى روى
عن الحسن البصرى جوازه، فكيف يدعى الاتفاق اهـ؟. فأقول فى جوابه: إن اختلاف
الشافعية والمالكية لو كان متيقنًا لقدح فى الاتفاق، ولما كان مشكو كا مترددًا فيه لم يقدح
فيه بل تتساقط أقوالهما للتعارض وصارت كالعدم، فبقى دعوى الاتفاق سالمًا، وأما
خلاف الحسن فتقرر فى موضعه أن الإجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم فافهم، وهذا
جهد المقل، فمن ظفر بأكثر من ذلك فطوبى له، والله تعالى أعلم، انتهى كلام الشيخ.
قال بعض الناس: والذى أذهب إليه هو جواز النافلة مضطجعًا بغير عذر لصحة
الحديث الذى رواه إمام الدنيا فى الحديث، وكل ما قيل عليه مما ذكرته تكلف وضعيف،
ولا يخفى ذلك على المحقق، وفى "رد المحتار" (٧٢٨:١): وما ذكره الماتن من عدم صحة
التنفل مضطجعًا عندنا بغير عذر، إلى أن قال: لكن ذكر فى "الإمداد" أن فى "المعراج"
إشارة إلى أن فى الجواز خلافًا عندنا اهـ.
قلت: لا عبرة بإشارة "المعراج" بعد تصريح الكمال بقوله: لا أعلم الجواز فى
مذهبنا، وإنما يسوغ (الاضطجاع والإيماء) فى الفرض حالة العجز عن القعود، وصحة
الحديث الذى رواه إمام الدنيا لا تفيد جواز النافلة مضطجعًا بغير عذر لوجهين، الأول
احتمال التصحيف فى قوله: "نائمًا" عن لفظة "بإيماء" كما قاله ابن بطال ذكره الحافظ
فى "الفتح" (٤٨٣:٢). والثانى أن حديث عمران بن حصين هذا إنما هو فى المرض حيثما
ذكره أبو عيسى الترمذى وقال: هو الصحيح، والأولى حينئذ الاستدلال على جواز
القعود فى النوافل من غير عذر بالإجماع وبفعله عليه السلام أهــ من "شرح المنية"
(ص-٢٦٧).

٦٣
ج - ٧
باب جمع القيام والقعود فى ركعة من النفل
١٨٠٦- عن: عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها: ((أن رسول الله مّ الآ كان
يصلى جالسًا، فيقرأ وهو جالس، فإذا بقى من قراءته نحو من ثلاثين أو أربعين
آيةً قام فقرأها وهو قائم، ثم ركع ثم سجد، يفعل فى الركعة الثانية مثل ذلك،
فإذا قضى صلاته نظر فإن كنت يقظى (١) تحدث معى، وإن كنت نائمة
اضطجع))، رواه البخارى (١٥١:١).
ولا ينبغى الاستدلال على ذلك بحديث عمران هذا، كيف؟ وفيه تصريح بأنه كان
مبسورًا، والمراد به المريض المفترض الذى يمكنه أن يتحامل فيقوم مع مشقة شديدة أو
يقعد، فجعل أجر القائم على النصف من أجر القاعد، وأجر القاعد على النصف من أجر
المضطجع ترغيبًا له على القيام والقعود مع جوازه، قاله الحافظ فى "الفتح" (٤٨٣:٢).
وإن سلمنا حمله على صلاة المتنفل فقولنا بعدم جواز التطوع مضطجعًا كان لأن القعود
شكل من أشكال الصلاة دون الاضطجاع، فإنه ليس من أشكالها، فلا يجوز مضطجعًا
للقادر على القعود، وهذا هو القياس. وأما الاستحسان بدليل هذا الحدیث إن صحت
دلالته على صلاة المتنفل فمقتضاه الجواز، وإذا تعارض الاستحسان والقياس يرجح
الاستحسان كما تقرر فى الأصول، ولعل هذا هو المنشأ للاختلاف الذى أشار إليه فى
"المعراج" فافهم. ولم يأخذ به جمهور أهل المذهب لما فى دلالة الاستحسان من الخفاء
الذى قد أشرنا إليه، ولقوة القياس باتفاق أهل المذاهب عليه.
باب جمع القيام والقعود فى ركعة من النفل
قوله: "عن عائشة إلخ". قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة، وفى حاشية
البخارى عن العينى قال: ومن فوائد الحديث جواز الركعة الواحدة بعضها من قيام
وبعضها قعود، وهو مذهب أبى حنيفة، ومالك، والشافعى، وعامة العلماء، وسواء فى
ذلك قام ثم قعد أو عكس، ومنعه بعض السلف وهو غلط اهـ (١٥١:١). وفى
(١) روى الحديث الإمام أحمد بلفظ: ((كان يصلى من الليل فإذا فرغ من صلاة اضطجع، فإن كنت يقظى تحدث معى،
وإن كنت نائمة نام (أى اضطجع) حتى يأتيه المؤذن)). كذا فى "فتح البارى" (٣٦:٣) ففى حديث البخارى
اختصار.
جزء
ر7
ـارم
ـبر
،
B

٦٤
إعلاء السنن
باب جواز التطوع على الراحلة
١٨٠٧- عن: عامر بن ربيعة، قال: ((رأيت رسول الله عَّ له وهو على
الراحلة(١) يسبح يؤمى برأسه قبل أى وجه توجه، ولم يكن رسول الله عَ لّه يصنع
ذلك فى الصلاة المكتوبة)). رواه البخارى (١٣٨:١).
١٨٠٨- عن: جابر قال: ((رأيت النبى ◌ّ له يصلى النوافل على راحلته فى
كل وجه يؤمى إيماء، ولكنه يخفض السجدتين من الركعتين)). أخرجه ابن حبان
"الهداية": إن افتتحها قائمًا ثم قعد من غير عذر جاز عند أبى حنيفة وعندهما
لا يجزيه اهـ.
باب جواز التطوع على الراحلة
قوله: "عن عامر إلخ". قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة.
قوله: "عن جابر إلخ": قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة، وجواز التطوع بمن
كان خارج المصر كما فى "الهداية"، والتقييد بخارج المصر ينفى اشتراط السفر والجواز
فى المصر (١٣٠:١). وفيه أيضًا: وجهه ظاهر أن النص ورد خارج المصر، والحاجة إلى
الركوب فيه أغلب اهـ. وفى "فتح البارى": واختلفوا فى الصلاة على الدواب فى السفر
الذی لا تقصر فیه الصلاة، فذهب الجمهور إلى جواز ذلك فى كل سفر غير مالك اهـ.
وفيه: واحتج الطبرى للجمهور من طريق النظر أن الله تعالى جعل التيمم رخصة للمريض
والمسافر، وقد أجمعوا على أن من كان خارج المصر على ميل أو أقل ونيته العود إلى منزله
لا إلى سفر آخر ولم يجد ماء أنه يجوز له التيمم، قال: فكما جاز له التيمم فى هذا القدر
جاز له التنفل على الدابة لاشتراكهما فى الرخصة اهـ (٤٧٤:٢). وفى حاشية "الهداية"
من "النهاية": إلا أن الكلام بعد هذا في مقدار ما يكون بين المصر والخارج، حتى يجوز له
التطوع على الدابة، وذكر فى الأصل: إذا خرج من المصر فرسخين أو ثلاثة فله أن يصلى
على الدابة، وقال بعضهم بقدر الميل اهـ (١٣٠:١). وأما قوله فى الحديث: ((يومئ إيماء))
فقال فى "فتح البارى" فى باب الإيماء على الدابة تحت قوله: باب الإيماء أى للركوع
(١) هى البعير القوى على الأسفار والأحمال يستوى فيه الذكر وغيره، وهاءه للمبالغة "مجمع البحار".

5
٦٥
ج- ٧
فى "صحيحه" (زيلعى ٢٩٢:١).
١٨٠٩- عن: أنس رضى الله عنه: ((أن رسول الله مَ ◌ّه كان إذا سافر
فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فکبر، ثم صلى حيث وجهه ركابه(١) رواه
أبو داود (٤٧٣:١): وسكت عنه، وصححه ابن السكن، كذا فى
"التلخيص الحبير (٨٠:١).
١٨١٠- عن: عبد الله بن دينار، قال: ((كان عبد الله بن عمر يصلى فى
السفر على راحلته أينما توجهت به يؤمى، وذكر عبد الله أن النبى معَ ◌ّ كان
یفعله». رواه البخارى (١٤٨:١).
باب أفضلية التطوع فى البيت مع جوازه فى المسجد
١٨١١- عن: ابن عمر، عن النبى معَّه، قال: ((اجعلوا فى بيوتكم من
صلاتكم، ولا تتخذوها قبورا)). رواه البخارى (٦٢:١).
١٨١٢- عن أنس رضى الله عنه، قال: ((دخل رسول اللّهِ عَ بّه المسجد
والسجود لمن لم يتمكن من ذلك: وبهذا قال الجمهور أهـ (٤٧٣:٢).
قوله: "عن أنس إلخ". فيه التطوع على الدابة وطريقه والتقييد بالسفر
لبيان الواقعة.
قوله: "عن عبد الله إلخ". قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهر.
باب أفضلية التطوع فى البيت مع جوازه فى المسجد
قوله: "عن ابن عمر إلخ". دل على الترغيب فى فعل صلاة النفل فى البيت، وهو
الجزء الأول من الباب. وقيدناه بالنفل لما سيأتى فى آخر الباب من قوله عرب له: ((إلا
المكتوبة))، والأمر للاستحباب، لأن الإجازة وردت فى التطوع فى المسجد أيضًا كما يدل
عليه الحديث الثانى من الباب، وسيأتى تقريره، قال المؤلف: والنوافل التى فيها الجماعة
مستثناة من هذا العموم، وكذلك تحية المسجد للأحاديث التى وردت فيها.
قوله: "عن أنس إلخ". قال المؤلف: دلالته على الجزء الثانى من الباب كما قرره
(١) بكسر الراء الإبل التى يسار عليها، واحدتها راحلة، كذا فى "مجمع البحار" وفى "أشعة اللمعات" بستر نماز مى
گذارد بهر سو که متوجه می گرادنید او را مر کوب وی، ور کاب بکسر را شتر اهـ.

٦٦
إعلاء السنن
وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: ما هذا؟ قالوا: زينب تصلى فإذا كسلت أو
فترت أمسكت به، فقال: حلوه ليصل أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر قعد)).
وفى حديث زهير: "فليقعد"، رواه مسلم (٢٦٦:١).
١٨١٣- عن: زيد رضى الله عنه بن ثابت: أن النبى معَّ له قال: ((صلاة
المرء فى بيته أفضل من صلاته فى مسجدى هذا إلا المكتوبة)). رواه أبو داود
وسكت عنه والمنذری (١ :٤٠٣).
١٨١٤- عن: زيد رضى الله عنه بن ثابت: أن النبى مَّ له قال: ((أفضل
الصلاة صلاة المرء فى بيته إلا المكتوبة)). رواه الجماعة إلا ابن ماجه (" نيل
الأوطار" ٣٢٣:٢).
باب التراويح
١٨١٥- عن: عبد الرحمن بن عوف، قال: قال رسول الله عَّ له: ((إن الله
تبارك وتعالى فرض صيام رمضان علیکم، وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه
٥
النووى ونصه: وفيه جواز النفل فى المسجد، فإنها كانت تصلى النافلة(١) فيه فلم
ينكر عليها (٢٦٦:١).
قوله: "عن زيد الحديثين إلخ". قال المؤلف: دلالته على الجزء الأول من الباب
ظاهرة، وقال العراقى: إسناده صحيح كما فى "النيل" (٣١٤:٢) وفيه أيضًا: قوله: ((إلا
المكتوبة)) قال العراقى: هو فى حق الرجال دون النساء، فصلاتهن فى البيوت
أفضل اهـ. (٢: ٣٢٤).
باب التراويح
قوله: "عن عبد الرحمان بن عوف إلخ". قلت: دلالة قوله مرّ له: ((وسننت لكم
قيامه)) على سنية قيام رمضان، المراد به التراويح إجماعًا كما قاله الكرمانى وسيأتى،
ظاهرة. وثبت بذلك أن أصل قيام رمضان سنة رسول الله معدّ له لا سنة عمر، كما زعمه
بعضهم، وإنما سنة عمر قيامه بإمام واحد، وكانوا يقومون قبل أوزاعًا متفرقين، ويميلون إلى
(١) والآن لا يجوز لها ذلك كما تقرر فى موضعه وهو المشهور.

٦٧
ج - ٧
باب التراويح
إيمانا واحتسابًا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) أخرجه النسائی بسند حسن
وسكت عنه (٣٠٨:١).
١٨١٦- عن: عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها: ((أن رسول الله عَ ليه
صلى ذات ليلة فى المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس،
ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله عَ ليه، فلما
أصبح قال: قد رأيت الذى صنعتم، ولم يمنعنى من الخروج إليكم إلا أنى خشيت
أن يفرض عليكم، وذلك فى رمضان)). رواه البخارى (١٥٢:١).
١٨١٧- عن: أبى هريرة رضى الله عنه، قال: ((كان رسول الله عليكي
يرغب فى قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: من قام رمضان
إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، فتوفى رسول الله عَّ ◌ُّه والأمر على ذلك
فى خلافة أبى بكر رضى الله عنه وصدرا من خلافة عمر رضى الله عنه على
ذلك)). رواه مسلم (٢٦٩:١).
أحسنهم صوتا، فقال عمر: ((أراهم قد اتخذوا القرآن أغانى، أما والله لئن استطعت
لأغيرن، فلم يمكث إلا قليلا حتى أمر أبيا فصلى بهم)). رواه البخارى فى خلق أفعال
العباد، وابن سعد وجعفر الفریابی عن نوفل بن إیاس الهذلی، وسنده صحيح، کذا فى
"آثار السنن" (٥٠:٢) . ٠٠ ٦٠٫
وفى "المغنى" لابن قدامة: وقيام شهر رمضان عشرون ركعةً يعنى صلاة التراويح،
وهى سنة مؤكة، وأول من سنها رسول الله مَ ◌ّه (ثم ذكر بعض ما ذكرنا من الأحاديث
فى المتن) إلى أن قال: ونسبت التراويح إلى عمر بن الخطاب لأنه جمع الناس على أبى بن
کعب، فكان يصليها بهم اهـ (٨٠١:١ و٨٠٢).
قوله: "عن عائشة رضى الله عنها إلخ". قال المؤلف: دلالته على قيام رمضان مع
الجماعة من النبى معَّ ظاهرة، والمراد بهذه الليالى ليالى رمضان كما سيأتى فى
الحديث الآخر.
قوله: "عن أبى هريرة رضى الله عنه إلخ". دلالته على فضل قيام رمضان المسمى
بالتراويح ظاهرة، وسيأتى تفصيل للتراويح وما يتعلق به.

٦٨
باب التراويح
إعلاء السنن
١٨١٨- عن: جبير بن نفير، عن أبى ذر، قال: ((صمنا مع رسول الله عَ له
فلم يصل بنا حتی بقی سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم
بنا فى السادسة، وقام بنا فى الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول
الله! لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه، فقال: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له
قيام ليلة، ثم لم يصل بنا حتى بقى ثلث من الشهر، وصلى بنا فى الثالثة ودعا
أهله ونسائه، فقام بنا حتى تخوفنا الفلاح، قلت له: وما الفلاح؟ قال السحور)).
رواه الترمذى (٩٩:١) وقال حسن صحيح.
قوله: "عن جبير إلخ". قال المؤلف: دلالته على ثبوت التراويح بالجماعة عن النبى
مَّةٍ ظاهرة، وفيه أيضًا أنه صلاها بجماعة بالتداعى لما فيه أنه دعا أهله ونسائه، فقام بنا
حتى تخوفنا الفلاح، وهذا دليل من قال بسنية الجماعة لها مع مواظبة الصحابة على أدائها
فى جماعة، ولم يرو صريحًا أنه مرّ تِ تهجد فى هذه الليالى مستقلا أم لا، وهل كانتا
صلاتين أو صلاة واحدة؟ لكن الظاهر تغاير التراويح والتهجد، كما يدل عليه تغاير عنوانى
أحاديث الترغيب فى قيام الليل، وفى قيام رمضان. و کذلك يدل عليه افتراض صوم
رمضان بالمدينة بآية البقرة، وقد شرع التهجد قبل ذلك بمكة حين نزلت سورة المزمل، فدل
ظاهرًا على تغايرهما.
ولکن یعكر عليه ما رواه البخارى فى باب فضل من قام رمضان عن أبي سلمة بن
عبد الرحمان، ((أنه سأل عائشة رضى الله عنها كيف كانت صلاة رسول الله عَ لّم فى
رمضان؟ فقالت: ما كان يزيد فى رمضان ولا فى غيره على إحدى عشرة ركعة).
الحديث، وفى "فتح البارى" (٢١٧:٣): ذكر النووى أن المراد بقيام رمضان صلاة
التراويح، يعنى أنه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها.
وأغرب الكرمانى فقال: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح اهـ.
قال بعض الناس: فالصحيح عندى عدم التغاير إلا أن التهجد فى رمضان آكد،
.فافهم وتأمل، وحمل الحديث على التهجد فقط فى رمضان بعيد. قلت: لا يخفى ما فى
هذا الكلام من الركاكة اللفظية وقد تقدم أن فضل قيام الليل يتحصل براتبة العشاء والوتر
فبقيام رمضان أولى، ولكن الظاهر من حاله ◌ّظهر أنه كان يتهجد فى رمضان بغير

٦٩
ج - ٧
باب التراويح
١٨١٩- عن: ثعلبة بن أبى مالك رضى الله عنه القرظى، قال: ((خرج
رسول الله عّ لّ ذات ليلة فى رمضان، فرأى ناسًا فى ناحية المسجد يصلون،
فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قال قائل: يا رسول الله! هؤلاء ناس ليس معهم القرآن،
وأبى بن كعب يقرأ وهم معه يصلون بصلاته، قال: قد أحسنوا وقد أصابوا، ولم
يكره ذلك لهم))، رواه البيهقى فى "المعرفة" وإسناده جيد "آثار السنن
(٥٠٫٤٩:٢).
١٨٢٠- عن: جابر بن عبد الله رضى الله عنه: ((أنه عليه السلام قام بهم
فى رمضان فصلى ثمان ركعات وأوتر)). الحديث، رواه ابن حبان فى
"صحيحه" ("زيلعى" ٢٩٣:١).
١٨٢١- عن: السائب بن يزيد، قال: ((كنا نقوم من زمن عمر بن الخطاب
بعشرين ركعة والوتر)). رواه البيهقى فى "المعرفة"، وصححه العلامة السبكى
فى "شرح المنهاج" (التعليق الحسن ٥٥,٥٤:٢) وفى لفظ له من طريق آخر:
التراويح، لأنه كان يجتهد فى رمضان ما لا يجتهد فى غيره كما سيأتى، وتأيد ذلك
بحديث ورد فيه مرفوعًا إلى النبى سرّلآهٍ: ((أنه كان يصلى فى رمضان عشرين ركعةٌ من
الليل))، وسيأتى ذكره، ولا يخفى أن العشرين هذه غير التهجد.
قوله: "عن ثعلبة إلخ". قال المؤلف: دلالته على تقرير التراويح بالجماعة من النبى
مُ لّ ظاهرة، فكان سنة التقرير والرضا.
قوله: "عن جابر إلخ". قال المؤلف: دلالته على التراويح بثمان مع الجماعة والوتر
بالجماعة فى رمضان ظاهرة، ولم تثبت الزيادة عليه عن النبى م ہے صراحةً بسند صحيح،
واستقر الأمر فى عهد عمر رضى الله عنه على العشرين، وقال الترمذى (٩٩:١): وأكثر
أهل العلم على ما روى عن على وعمر وغيرهما من أصحاب النبى معَّ له عشرين ركعةً
اهـ. وهو قول سفيان الثورى، وابن المبارك، والشافعى، وقال الشافعى: وهكذا أدركت
ببلدنا بمكة يصلون عشرين ركعة اهـ.
قوله: "عن السائب بن يزيد إلخ". قال المؤلف: دلالته على عشرين ركعة من
التراويح ظاهرة.

٧٠
باب التراويح
إعلاء السنن
قال: ((كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى شهر رمضان
بعشرين ركعة، قال: وكانوا يقرأون بالمئين، وكانوا يتوكئون على عصيهم فى
عهد عثمان بن عفان من شدة القيام)). وصححه النووى فى "الخلاصة"، وابن
العراقى فى "شرح التقريب"، والسيوطى فى "المصابيح"، كذا فى "آثار
السنن" و"التعليق الحسن" أيضًا.
١٨٢٢- عن: يحيى بن سعيد: ((أن عمر بن الخطاب أمر رجلا یصلى بهم
عشرين ركعة)). رواه أبو بكر بن أبى شيبة فى "مصنفه"، وإسناده مرسل(١) قوى
"آثار السنن" (٥٥:٢) وفى "التعليق الحسن": قال(٢) ثنا وكيع، عن مالك بن
أنس، عن یحیی بن سعید فذكره. قلت: رجاله ثقات لکن یحیی بن سعيد
الأنصاری لم يدرك عمر اهـ.
١٨٢٣- عن: عبد العزيز بن رفيع، قال: ((كان أبى بن كغب يصلى
بالناس فى رمضان بالمدينة عشرين ركعة ويوتر بثلاث)). أخرجه أبو بكر بن أبى
شيبة فى "مصنفه" وإسناده مرسل قوى "آثار السنن" (٥٥:٢). وفى "التعليق
الحسن": قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن حسن، عن عبد العزيز بن رفيع
فذكره. قلت: عبد العزيز لم يدرك أبيا اهـ.
١٨٢٤- عن عبد الرحمن بن عبد القارئ، أنه قال: ((خرجت مع عمر بن
الخطاب ليلة فى رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلى الرجل
قوله: "عن يحيى بن سعيد إلخ". قال المؤلف: دلالته على ما دل عليه ما قبله
ظاهرة، وكذا دلالة الذى بعده.
قوله: "عن عبد الرحمان إلخ". قال المؤلف: دلالته على التراويح بالجماعة وكون
وقته الأفضل آخر الليل ظاهرة، وإن كان الأحسن بالنظر إلى العارض وهو خشية الفوت
أن لا يؤخر إلى آخر الليل، كما نقله الشامى عن "الحلبى" عن "الإمداد" (٧٣٧:١). وفى .
(١) أى منقطع.
(٢) أى ابن أبى شيبة.

٧١
ج - ٧
باب التراويح
لنفسه، ويصلى الرجل فيصلى بصلاته الرهط، فقال عمر: إنى أرى لو جمعت
هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبى بن كعب(١) ثم
خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة
هذه، والتى تنامون أفضل من التى تقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس
يقومون أوله)). رواه البخارى (٢٦٩:١).
١٨٢٥- عن: أبى عثمان النهدى، قال: دعا عمر رضى الله عنه بثلاثة من
القراء فاستقرأهم، فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ للناس بثلاثين آية فى كل ركعة،
: "المغنى" للحافظ ابن قدامة: قيل لأحمد: تؤخر القيام يعنى فى التراويح إلى آخر الليل؟
قال: لا! سنة المسلمين أحب إلى اهـ (٨٠٥:١).
قوله: "عن أبى عثمان إلخ". قال المؤلف: دلالته على كيفية قراءة القرآن فى
التراويح ظاهرة. ثم اعلم أن التراويح سنة مؤكدة بالجماعة والختم عندنا، وفيه اختلاف
أيضًا كما لا يخفى على من طالع كتب الفقه و "عمدة القارئ"، قال فى "الهداية":
والأصح أنها سنة، كذا روى الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله، لأنه واظب عليه الخلفاء
الراشدون، والنبى عليه السلام بين العذر فى تركه المواظبة، وهو خشية أن تكتب علينا،
والسنة فيها الجماعة لكن على وجه الكفاية، حتى لو امتنع أهل المسجد عن إقامتها كانوا
مسيئين، ولو أقامها البعض فالمختلف عن الجماعة تارك للفضيلة، لأن أفراد الصحابة يروى
عنهم التخلف اهـ (١٣١:١).
قلت: روى الطحاوى بسند لا بأس به عن مجاهد، قال: ((قال رجل لابن عمر
رضى الله عنهما: أصلى خلف الإمام فى رمضان، فقال: أ تقرأ القرآن؟ قال: نعم! قال: فى
بيتك اهـ)) (٢٠٧:١). وفى "المغنى" للحافظ ابن قدامة:"والمختار عند أبى عبد الله (أحمد)
فعلها فى الجماعة، وإن كان رجل يقتدى به فصلاها فى بيته خفت أن يقتدى الناس به،
وقد جاء عن النبى معَّه: ((اقتدوا بالخلفاء))، وقد جاء عن عمر أنه كان يصلى فى الجماعة،
(١) روى سعيد بن منصور من طريق عروة عن عمر رضى الله عنه: جمع الناس على أبى بن كعب، فكان يصلى
بالرجال، وكان تميم الدارى يصلى بالنساء، رواه محمد بن نصر فى "كتاب قيام الليل" له من هذا الوجه، فقال:
سليمان بن أبى حثمة بدل تميم الدارى، ولعل ذلك كان فى وقتین، كذا فى "فتح البارى" (٢١٩:٣).

٧٢
باب التراويح
إعلاء السننٍ
وأوسطهم بخمس وعشرين آية، وأبطأهم بعشرين آية)). رواه البيهقى بإسناده
"عمدة القارئ" (٥٩٩٫٥٩٨:٣). ولم أقف على إسناده ولا ينزل من رتبة
الضعيف. وعزاه فى "كنز العمال" إلى "سنن" جعفر الفريابى أيضًا.
وبهذا قال المزنى، وابن عبد الحكم، وجماعة من أصحاب أبى جنيفة. قال أحمد: كان
جابر، وعلى، وعبد الله، يصلونها فى جماعة، قال الطحاوى: كل من اختار التفرد ينبغى
أن يكون ذلك على أن لا يقطع معه القيام فى المساجد، فأما التفرد الذى يقطع معه القيام
فى المساجد فلا، ويروى نحو هذا عن الليث بن سعد، وقال مالك والشافعى: قيام رمضان
لمن قوى فى البيت أحب إلينا، لما روى زيد بن ثابت فى قصة صلاة الناس بصلاة رسول
الله عّ لّه فى بعض ليالى رمضان: ((ثم جاؤوا ليلة فأبطأ رسول الله عّ لّه عنهم ولم يخرج
إليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول الله عَ لّ مغضبًا، فقال: ما
زال بکم صنیعکم حتى ظننت أنه سیکتب علکیم، فعلیکم بالصلاة فی بیوتکم، فإن خير
صلاة المرء فى بيته إلا الصلاة المتكوبة)). رواه مسلم. ولنا إجماع الصحابة على ذلك،
وجمع النبى ◌ّطّ أصحابه وأهله فى حديث أبى ذر، (رواه الترمذى وصححه وقد تقدم
فى المتن) وقوله: ((إن القوم إذا صلوا مع الإمام حتى ينصرف كتب لهم قيام تلك الليلة))
عام، وهذا خاص فى قيام رمضان، فيقدم على عموم ما احتجوا به، وقول النبي عرّ اله.
ذلك لهم معلل بخشية فرضه عليهم، ولذا ترك النبى مَّ القيام بهم معللا بذلك أيضًا.
وقد أمن هذا أن يفعل بعده، فإن قيل: فعلى رضى الله عنه لم يقم مع الصحابة. قلنا: قد
روى عن أبى عبد الرحمان السلمى أن عليا رضى الله عنه قام بهم فى رمضان، (قلت:
وقد تقدم جزم أحمد به، وجزم مثله بشئ حجة) رواه الأثرم اهـ (٨٠٤:١).
وفى "كنز العمال" عازيا إلى ابن شاهين، عن ابن السائب: ((أن عليا رضى الله عنه
قام بهم فى شهر رمضان اهـ)) (٢٨٤:٤). ومن هنا قال صاحب "البدائع" فى سنن
التراويح: منها الجماعة والمسجد، لأن النبى معَ ◌ّه قدر ما صلى من التراويح صلى بجماعة
فى المسجد، فكذا الصحابة رضى الله عنهم صلوها بجماعة فى المسجد، فكان أداؤها
بالجماعة فى المسجد سنة، ثم ذكر فى اختلاف المشائخ فى كيفية سنة الجماعة والمسجد
أنها سنة عين أم سنة كفاية، ثم قال: ومن صلاها فى بيته وحده أو بجماعة لا يكون له

٧٣
ج - ٧
باب التراويح
ثواب سنة التراويح لتركه ثواب سنة الجماعة والمسجد اهـ (٢٨٨:١). وفى "البحر" :
ذكر القاضى خان فى فتاواه من باب التراويح: الأصح أن سنة الفجر لا يجوز أداؤها قاعدًا
من غير عذر، والتراويح يجوز أداؤها قاعدًا من غير عذر، والفرق أن سنة الفجر مؤكدة لا
خلاف فيها، والتراويح فى التأكيد دونها اهـ (٦٨:٢). وفى "الهداية". وأكثر المشائخ
على أن السنة فيها الختم مرة اهـ (١٣١:١).
قال بعض الناس: ولم أطلع مع الجهد الکثیر فی التتبع علی دلیل یدل عليه، لا
ضعيف ولا قوى، ولا مرفوع ولا موقوف، ولا قياس صحيح، مع أن السنة لا تثبت
بالقياس، وأما ما ذكر من رواية البيهقى فهو يدل على أن أدنى سنة عمر الختم مرتين(١)
لأن من صلى التراويح بعشرين آية كما أمر عمر رضى الله عنه حصل الختمان فى الشهر
إذا كان الشهر ثلاثين يومًا، ولم يقل بسنية الختم مرتين علماؤنا، فالله تعالى أعلم من أين
استدلوا عن السنية. وفى "عمدة القارئ": وروى الحسن عن أبى حنيفة أن نفس التراويح
سنة لا يجوز تركها، وقال الصدر الشهيد: هو الصحيح اهـ (٥٩٨:٣).
قلت: فهذا يدل على أن المسألة المذكورة ليست منقولة عن صاحب المذهب،
ويشير إليه قول صاحب "الهداية" أيضًا الذى مر، وهو قول أكثر المشائخ إلخ. حيث لم
يعزه إلى ظاهر الرواية أو إلى الإمام أو صاحبيه، وأما ما نقل فى حاشية "الهداية" عن
"النهاية": وقال بعضهم، وهو رواية الحسن عن أبى حنيفة: يقرأ فى كل ركعة عشر آيات،
وهو الصحيح اهـ فلا دليل فيه على كونه سنة عند الإمام، إنما هو مشورة، ولم يذكر
المسألة صاحب "رحمة الأمة" عن أحد من الأربعة، وما قال بحر العلوم فى "رسائل
الأركان": وسن الختم فيها مرة، وما زاد فحسن، هكذا جرى التوارث من زمان أميز
المؤمنين عمر إلى هذا الآن، هذه الأحكام مما اتفق عليه فقهاء المذاهب الأربع من غير
(١) فى مقدمة "فتح البارى" (ص-٤٨٢): قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: أخبرنى محمد بن خالد، حدثنا مقسم بن
سعيد، قال: كان محمد بن إسماعيل البخارى إذا كان أول ليلة من شهر رمضان يجتمع عليه أصحابه، فيصلى
بهم، ويقرأ فى كل ركعة عشرين آية، وكذلك إلى أن يختم القرآن، وكان يقرأ فى السحر ما بين النصف إلى
الثلث من القرآن، فیختم عند السحر فی کل ثلاث ليال، و کان یختم بالنهار فی کل یوم ختمة، ویکون ختمه عند
الإفطار كل ليلة، ويقول: عند كل ختمة دعوة مستجابة اهـ.

٧٤
باب التراويح
إعلاء السنن
خلاف اهـ (ص-١٣٩). فلو صح النقل لكان دليلا على المقصود اهـ.
قلت: دليلهم فى المسألة ما مر عن ثعلبة القرظى: قال: ((خرج رسول الله عّ لّه ذات
ليلة فی رمضان، فرأى ناسًا فى ناحية المسجد يصلون، فقال ما يصنع هؤلاء؟ قال قائل: یا
رسول الله! هؤلاء ناس ليس معهم القرآن، وأبى بن كعب يقرأ وهم معه يصلون بصلاته،
قال: قد أحسنوا وقد أصابوا)). الحديث. ففيه ما يدل على أن اجتماعهم لقيام رمضان كان
لختم القرآن فحسب، فإن قوله: ((هؤلاء ناس ليس معهم القرآن)) ليس معناه أنهم لا يقدرون
على قراءة قدر ما تجوز به الصلاة، فإن ذلك بعيد عن الصحابة الكائنين بالمدينة جدًا، بل
معناه ليس معهم القرآن كله، وروى ابن منيع بسنده عن أبي بن كعب: "أن عمر بن
الخطاب أمره أن يصلى بالليل فى رمضان، فقال: إن الناس يصومون النهار ولا يحسنون
أن يقرأوا، فلو قرأت عليهم بالليل، فقال: يا أمير المؤمنين! هذا شئ لم يكن، فقال: قد
علمت ولكنه حسن، فصلى بهم عشرين ركعة". كذا فى "كنز العمال" بلا سند،
(٤: ٢٨٤) ولا ينزل عن الضعيف، وفيه أيضًا ما يشعر بأن علة الجماعة فى التراويح هى
تحصيل قراءة القرآن، ولا يصح حمل قوله: ((ولا يحسنون أن يقرأوا)) على نفى إحسان.
القراءة مطلقًا عنهم كما مر، فلا بد من حمله على ما قلنا: إنهم لا يحسنون أن يقرأوا
القرآن كله منفردين، فلو قرأت عليهم بالليل وأنت أقرأهم لحصل الختم(١) للناس كلهم.
وأيضًا: فقد مر أنهم كانوا يقومون على عهد عمر رضى الله عنه فى شهر رمضان
بعشرين ركعة، وكانوا يقرأون بالمئين، وكانو يتوكئون على عصيهم فى عهد عثمان من
شدة القيام، فهل يمكن أن يتوهم بعد ذلك أنهم كانوا لا يختمون القرآن مع تجشم تلك
. (١) قلت: ويدل على سنية الختم فى قيام رمضان تجويز مالك وأحمد قراءة القرآن فى المصحف فى قيام رمضان بدليل
أثر عائشة: أنها كان يؤمها مولى لها فى رمضان فى المصحف، كما فى "العمدة" للعينى (٧٥٧:٢) الأثر علقه
البخارى فى "الصحيح" وفى "المغنى" لابن قدامة: سئل الزهرى عن رجل يقرأ فى رمضان فى المصحف؟ فقال:
كان خيارنا يقرأون فى المصاحف إلى أن قال: واختصت الكراهة بالحافظ، وكره فى الفرض على الإطلاق لأن
العادة أنه لا يحتاج إلى ذلك فيها، وأبيحت فى غير هذين الموضعين لموضع الحاجة إلى سماع القرآن والقيام به والله
أعلم اهـ (٦١٧:١). فلولا أن الختم سنة فى قيام رمضان لم يكن حاجة إلى القراءة فى المصحف ولم يضطر الأئمة
إلى تجويزه، وأبو حنيفة كره ذلك لما فيه من العمل الكثير المبطل للصلاة عنده، ولا يحتمل المبطل لأجل السنة،
فافهم.

٧٥
ج - ٧
باب التراويح
الشدة، ويتركون فضيلة الختم مع كون الإمام حافظًا؟ كلا! لا مجال لهذا الوهم أصلا إلا
وهما ناشئًا من مجرد التقدير العقلى ولا كلام فيه، فثبت سنية ختم القرآن فى قيام رمضان
بمواظبة الصحابة عليه فى زمن عمر وعثمان رضى الله تعالى عنهما.
وأما ما قاله بعض الناس فى رواية البيهقى عن أبى عثمان النهدى: قال: ((دعا عمر
رضى الله عنه بثلاثة من القراء فاستقرأهم إلخ)): إنه يدل على أن أدنى سنة عمر الختم
مرتين، ولم يقل به علماؤنا. فالجواب عنه أنه لا يخلو عن دلالة على كون الختم سنة، ولولا
ذلك لم يدع عمر القراء ولا استقرائهم، ولم يفرق بين أسرعهم وأوسطهم وأبطأهم، بل
أمرهم كلهم أن لا يعتنوا بختم القرآن فى قيامهم، ويقتصروا على قراءة ما لا يثقل على
القوم، وكيف يتوهم أن عمر رضى الله عنه يعتنى كل هذا الاعتناء وهو يدعو القراء
ویستقرأهم ويحدد لهم قدر قراءتهم بدون أن یکون الختم سنةً بل نفلا محضًا؟ فإن مثل
هذا الاعتناء لا يكون للنوافل المحضة كما لا يخفى. وأما أن فيه دلالة على كون الختم سنة
مرتين، فلا دلالة فى الأثر على ذلك ما لم يثبت أن عمر رضى الله عنه أمرهم بقراءة ثلاثين
آية، أو خمسة وعشرين، أو عشرين آية فى جميع ليالى رمضان من أولها إلى آخرها. ولم
يقم على ذلك دليل، والأثر ساكت عنه، ويحتمل أنه أمرهم بذلك لعلمه بأن الختم لا
يحصل بقراءة أقل من عشرين آية، لكون الليالى الباقية من رمضان قليلةً، فإن عمر رضى
الله عنه لم يجمع الناس على إمام واحد فى العام الذى جمعهم عليه فى أول ليلة من
رمضان، بل بعده بكثير كما يظهر من الآثار المذكورة فى المتن، وبما ذكرنا منها فى
الحاشية فافهم.
وقال فى "المدونة الكبرى": وقال مالك: ليس ختم القرآن فى رمضان بسنة للقيام.
وقال ربيعة فى ختم القرآن فى رمضان: لقيام الناس ليس بسنة، ولو أن الرجل أم الناس
بسورة حتی ینقضی الشهر لأجزا ذلك عنه، فإنی لأری أن قد كان يؤم الناس من لم يجمع
القرآن اهـ (١٩٤:١). قلت: معناه أن الختم ليس بسنة مؤكدة كالتراويح، وهذا لا ينفى
کونه سنة، و کفانا ما رواه ابن وهب، عن عبد الله بن عمر بن حفص (العمری، من رجال
مسلم والأربعة حسن الحديث) قال: أخبرنى غير واحد أن عمر بن عبد العزيز أمر القراء أن
يقوموا بذلك، ويقرأوا فى كل ركعة عشر آيات، كذا فى "المدونة" (١٩٤:١) وهذا

٧٦
باب التراويح
إعلاء السنن
· كالإجماع، فثبت أن السنة قراءة عشر آيات فى كل ركعة من التراويح، وهى رواية
الحسن عن أبى حنيفة كما تقدم، ولا إجماع فى القيام بتسعة وثلاثين لخلاف أهل مكة
وأمصار المسلمين فى ذلك إذ ذاك، فإن عامة أهل البلاد كانوا يقومون بثلاثة وعشرين
سوی أهل المدينة كما سيأتى.
وفى "الهداية" (١٣١:١): والمستحب فى الجلوس بين الترويحتين مقدار
الترويحة، وكذا بين الخامسة وبين الوتر لعادة أهل الحرمين اهـ. قلت: قال الحافظ فى
"الفتح [ (٢١٧:٤): التراويح جمع ترويحة، وهى المرة الواحدة من الراحة، كتسليمة من
السلام، سميت الصلاة فى الجماعة فى ليالى رمضان التراويح، لأنهم أول ما اجتمعوا
علیها کانوا یستریحون بین کل تسلیمتین، وقد عقد محمد بن نصر فی قیام اللیل بابین،
من استحب التطوع لنفسه بین کل ترویحتین ولمن کره ذلك، وحکی فیه عن یحیی بن
بكير عن الليث: أنهم كانوا يستريحون قدر ما يصلى الرجل كذا وكذا ركعة اهـ. وفى
"كنز العمال" (٢٨٤:٤): عن زيد بن وهب، قال: كان عمر بن الخطاب يروحنا فى
رمضان - يعنى بين الترويحتين- قدر ما يذهب الرجل من المسجد إلى سلع(١) رواه البيهقى
فى "سننه" وقال: كذا قال، ولعله أراد من يصلى بهم التراويح بأمر عمر رضى الله عنه
اهـ. قلت: ولم أقف على سنده، ولا ينزل عن رتبة الضعيف، واللیث المذ کور هو ابن سعد
ثقة ثبت فقیه إمام مشهور من کبار اتباع التابعين، ولکنه حکایته لم تسند.
قال بعض الناس: وعلى كل حال لا يحصل بما ذكر الاستحباب مطلقًا، فإن المدار
على الاستراحة، وليس كل إمام يحتاج إليه خصوصًا بين كل تسليمتين، إلا أن يقال: إن
ضبط القاعدة يقتضى ذلك فافهم. ثم اعلم أن أصحابنا يقولون به بعد كل أربع، ففى
"الكفاية" (٤٠٧:١): والترویحة ههنا اسم لکل أربع ركعات اهـ. ولا دلیل علی تعیینه،
وأما إطلاق الترويحة على الأربع فقد ورد فى أثر ضعيف سيأتى.
قلت: هذا الأثر ضعفه البيهقى، وتعقبه العلامة الحافظ ابن التركمانى فى "الجوهر
النقى" بأن الأظهر أن ضعفه من جهة أبى سعد سعيد بن المرزبان البقال، فإنه متكلم فيه،
(١) سلع اسم جبل بالمدينة المنورة - كذا فى الصراح.

٧٧
ج - ٧
باب التراويح
فإن كان كذلك فقد تابعه عليه غيره، قال ابن أبى شيبة فى "المصنف": ثنا وكيع، عن
الحسن بن صالح، عن عمرو بن قيس، عن أبى الحسناء: ((أن عليا أمر رجلا يصلى بهم فى
رمضان عشرين ركعةً)). وعمرو بن قيس أظنه الملائى وثقه أحمد ويحبى وأبو حاتم وأبو
زرعة وغيرهم، وأخرج له مسلم، ثم ذكر حديثًا فى سنده المغيرة بن زياد، فقال: ليس
بالقوى، قلت: ضعفه فى باب ترك القصر، وقال فى باب خل الخمر: صاحب مناكير وقد
وثقه ابن معين وجماعة، فلم يذكر البيهقى شيئًا من ذلك اهـ (٢٠٨:١).
قلت: وأيضًا فالبقال وثقه الهيثمى فى "مجمع الزوائد" فقال: هو ثقة مدلس، وقال
أبو أسامة: حدثنا سعيد بن المرزبان وكان ثقة، وقال أبو زرعة: لين الحديث مدلس، قيل:
هو صدوق؟ قال: نعم! كان لا يكذب، وروى عنه شعبة والسفيانان والأعمش وغيرهم،
وشعبة لا يروى إلا عن ثقة، ذكرنا ذلك كله فى "الإعلاء"، (٢: ١٩٦) فهو حسن
الحديث، وقد تابعه غيره، فقوى الأثر، وأعله النيموى فى "التعليق الحسن" بأن مداره على
أُبی الحسناء وهو لا يعرف اهـ. قلت: و کیف یکون مجهولا وقد روى عنه شريك عند
أبى داود (٥٠:٢ مع "العون") عند البيهقى، وعمرو بن قيس عند ابن أبى شيبة، وسكت
عنه أبو داود ثم المنذرى فى "تلخيصه" وإنما أعل حديثه بحنش وشريك ولم يتكلم فيه
بشئ كما يظهر من "العون" (٥٠:٢).
وبعد ذلك فلا شك فى استحباب الترويحة على أربع ركعات، لأن عليًا أمر بذلك،
وقد جزم الحافظ بأنهم أى الصحابة أول ما اجتمعوا عليها، كانوا يستريحون بين كل من
التسليمتين كما مر، وجزم مثله بشئ حجة، وقد روى البيهقى عن أبى الخصيب قال:
((كان يؤمنا سويد بن غفلة فى رمضان، فیصلى خمس ترويحات عشرين ركعةً))، وإسناده
حسن، وروى أبو بكر بن أبى شيبة عن سعيد بن عبيد: ((أن على بن ربيعة كان يصلى بهم
فى رمضان خمس ترويحات ويوتر بثلاث)). وسنده صحيح، كذا فى
"آثار السنن" (٥٦:٢).
وفى "التعليق الحسن": أخرج ابن أبى شيبة فى "مصنفه": حدثنا غندر، عن شعبة،
عن خلف، عن الربيع -وأثنى عليه خيرًا- عن أبى البخترى: ((أنه كان يصلى خمس
ترويحات فى رمضان ويوتر بثلاث)). قال النيموى: فيه خلف لا أعراف من هو اهـ؟

٧٨
باب التراويح
إعلاء السنن
(٥٧:٢). قلت: لا حاجة إلى معرفتنا به، فإن شعبة لا يحدث إلا عن ثقة، وظنى أنه خلف
بن حوشب الكوفى ثقة من السادسة كما فى "التقريب" (ص-٥٣) روى عنه شعبة كما
فى "التهذيب" (١٤٩:٣). والباقون كلهم ثقات، فالأثر حسن، وفى هذه الآثار مواظبة
كبار التابعين رضى الله عنهم على خمس ترويحات فى التراويح، لا سيما سويد بن غفلة
فإنه مخضرم كان مسلمًا فى زمن النبى معَّه، وذكره ابن قانع فى الصحابة، كما فى
"التهذيب" (٢٧٩:٤) ولا سبيل إلى ذلك إلا بالأخذ عن الخلفاء وأجلة الصحابة رضى
الله عنهم، وفيه تقوية لما روی زید بن وهب: ((أن عمر کان یروحهم فى رمضان يعنى بين
الترويحتين إلخ)). فإن موافقة عمل الفقهاء وفتياهم بحديث إمارة صحته، كما ذكرناه
فى المقدمة.
وهذا يكفينا لإثبات الاستحباب لا سيما وقد استمر العمل بذلك إلى زمن
المجتهدين، حتى وقع بينهم الاختلاف فى حكم التنفل بين الترويحتين هل يكره أن لا؟
فقال ابن القاسم: سألت مالكًا عن التنفل فيما بين الترويحتين، فقال: لا بأس بذلك إذا كان
يركع ويسجد ويسلم، قال ابن وهب عن ابن لهيعة عن ابن الهادى، قال: ((رأيت عامر بن
عبد الله بن الزبير، وأبا بكر بن حزم ويحيى بن سعيد، يصلون بين الأشفاع)). كذا فى
"المدونة" (١٩٥:١).
وفى "المغنى" لابن قدامة: وكره أبو عبد الله (١) التطوع بين التراويح، وقال: فيه أن
ثلاثة من أصحاب رسول الله عَ ليه، عبادة، وأبو الدرداء، وعقبة بن عامر، فذكر لأبى عبد
الله فیه رخصة عن بعض الصحابة، فقال: هذا باطل، إنما فيه عن الحسن وسعيد بن جبير،
قال أحمد: يتطوع بعد المكتوبة، ولا يتطوع بين التراويح. وروى الأثرم عن أبى الدرداء:
((أنه أبصر قومًا يصلون بين التراويح، فقال: ما هذه الصلاة؟ أ تصلى وإمامك بين يديك؟
ليس منا من رغب عنا، وقال: من قلة فقه الرجل أن يرى أنه فى المسجد ليس فى صلاة
اهـ). وفیه أيضًا: قال أبو داود: وسئل أحمد عن قوم صلوا فى رمضان خمس تراويح لم
يتروحوا بينها، قال: لا بأس اهـ (٨٠٥:١). وفى قوله: "لا بأس" إشارة إلى كونه .
خلاف الأولى.
(١) أحمد بن حنبل.

٧٩
ج - ٧
باب التراويح
وفى "البدائع" فى بيان سنن التراويح: ومنها أن الإمام كلما صلى ترويحة قعد بين
الترويحتين قدر ترويحة، يسبح ويهلل ويكبر ويصلى على النبى عّ لّه، وينتظر أيضًا بعد
الخامسة قدر ترويحة، لأنه متوارث من السلف، وأما الاستراحة بعد خمس تسليمات فهل
يستحب؟ قال بعضهم: نعم! وقال بعضهم: لا يستحب، وهو الصحيح، لأنه خلاف عمل
السلف، والله الموفق اهـ (١: ٢٩٠). قلت: والمراد بالسلف الصحابة والتابعون رضى الله
عنهم، لما تقدم عن الحافظ أنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين الترويحتين
اهـ. وأول اجتماعهم عليها كان فى زمن عمر بن الخطاب رضى الله عنه.
وناقش سنية العشرين صاحب "فتح القدير" (٤٠٧:١) حيث قال: فتحصل من
هذا كله أن قيام رمضان سنة إحدى عشرة ركعة بالوتر فى جماعة فعله عّ لّه ثم تركه
لعذر، أفاد أنه لولا خشية ذلك لواظبت بكم، ولا شك فى تحقق الأمن من ذلك بوفاته
مَ له فيكون سنة، وكونها عشرين سنة الخلفاء الراشدين، وقوله مێ(١). ((علیکم بسنتى
وسنة الخلفاء الراشدين)) ندب إلى سنتهم، ولا يستلزم كون ذلك سنة إذ سنته بمواظبته
بنفسه أو إلا لعذر، وبتقدير عدم ذلك العذر إنما استفدنا أنه كان يواظب على ما وقع منه،
وهو ما ذكرنا، فتكون العشرون مستحبًا، وذلك القدر منها هو السنة اهـ.
قال بعض الناس: وهو الصحيح عندى، وقول صاحب "الهداية" المار قريبًا: "لأنه
واظب عليها الخلفاء الراشدون"، غلط بين، فإن أبا بكر رضى الله عنه لم يصل العشرين،
ولم يصل أيضًا أصل التراويح بالجماعة، وأما عمر رضى الله عنه وعثمان رضى الله عنه فلم
يثبت عنهما أنهم صليا العشرین بالجماعة، نعم! جمع الناس عليه عمر رضى الله عنه، ولم
ينقل إنكار عثمان رضى الله عنه وعلى رضى الله عنه عليه، فكان تقديراً منهما رضى الله
عنهما. وأما قول الترمذى الذى تقدم قريبًا روى عن على وعمر، فرواية عمر ذكرت فى
المتن، ورواية على رضى الله عنه ما ذكرها فى "كنز العمال" (٢٨٤:٤): عن أبى الحسناء:
(أن على بن أبى طالب أمر رجلا يصلى بالناس خمس ترويحات عشرين ركعة)). رواه
البیهقی فی "سننه" وضعفه اهـ.
(١) روى الترمذى معناه وقال: حسن صحيح.

٨٠
باب التراويح
إعلاء السنن
قلت: هذا قول محدث خارق للإجماع، فإن الأئمة الأربعة المقتدى بهم فى
الدين قد اختلفوا فى عدد ركعات التراويح المسنون على قولين، فالمسنون عند أبى حنيفة
والشافعى وأحمد عشرون ركعةً، وحكى عن مالك أن التراويح ست وثلاثون ركعةً، كذا
فى "رحمة الأمة" (ص-٢٣) والأمة إذا اختلفوا فى مسألة فى أى عصر كان على أقوال
كان إجماعًا منهم على أن ما عداها باطل، ولا يجوز لمن بعدهم إحداث قول آخر، صرح
به فى "نور الأنوار" (ص-٢٢٣) وغيره من كتب الأصول، ولا شك أن أحدًا من الأئمة
لم يقل بما قاله ابن الهمام، بل اتفق كلهم على سنية العشرين، غير أن مالكًا زاد عليها ستة
عشر أخرى، ولم يذهب أحد منهم إلى النقص من عشرين، فمن قال: إن السنة منها
إحدى عشرة ركعة والباقى مستحب، فمحجوج ياجماع من قبله.
على أن ما قاله ابن الهمام ساقط رواية ودرايةً، أما درايةً فلأن مبناه على أن السنة ما
واظب عليه النبى معَّل بنفسه، وما واظب عليه الخلفاء بعده مندوب، وهذا خلاف ما عليه
المحققون(١) من الفقهاء والأصوليين، فإن السنة عندهم ما واظب عليه النبى مرّ له، أو الخلفاء
الراشدون، لتصريحهم بسنية الجماعة فى التراويح وعشرين ركعةً فيها بمواظبتهم على
ذلك، وهذا هو متمسك الأئمة المجتهدين فى المسألة، ويؤيد ذلك قول النبى معَ له: ((عليكم
بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ))، أخرجه الترمذى وقال:
هذا حديث حسن صحيح (٩٢:٢). فإن لفظ "عليكم" يدل على اللزوم وضعًا،
والمعطوف فى حكم المعطوف عليه لغةً، فثبت به. لزوم سنة الخلفاء كلزوم سنة الرسول
عَ ظله، فلا يصح التفرقة بينهما بالسنية والندب، فإن المندوب لا يكون لازمًا.
وأيضًا فإن قوله معَّه: ((عضوا عليها بالنواجذ)) راجع إلى كلتى السنتين، وهو يفيد
لزوم الأخذ بهما كليها سواء، على أنه على القول بالندب فى سنة الخلفاء لا يكون
لتخصیص سنتهم بالذ کر وجها، فإن سنن سائر الصحابة يستحب لنا الأخذ بهما لما روى
عن عمر بن الخطاب مرفوعًا: ((سألت ربى عز وجل عن اختلاف أصحابى من بعدى،
(١) قد ذكر العلامة عبد الحى فى فتاواه المطبوعة على هامش "الخلاصة-" أقوال المحققين بأكمل تفصيل وأزيد
تطويل (١٢٨,١٢٧,١٢٦:١) فليراجع.