Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١
ج - ٧
النوافل والسنن
كاشف الغم مفرج الهم، مجيب دعوة المضطرين إذا دعوك، رحمن الدنيا
والآخرة ورحيمهما، فأرحمنى فى حاجتى هذه بقضائها ونجاحها، رحمة تغنينى
بها عن رحمة من سواك))، رواه الإصبهانى "الترغيب والترهيب
،،
(١١٩,١١٨:١) وإسناده حجة على قاعدة "الترغيب" المذكور فى أوله.
١٧٨٩- عن: عثمان رضى الله عنه بن حنيف: ((إن أعمى أتى إلى رسول
الله عَ ◌ّهِ، فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يكشف لى عن بصرى، قال: أو
أدعك، قال: يا رسول الله! إنه قد شق على ذهاب بصرى، قال: فانطلق فتوضأ
ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبی محمد نبى الرحمة،
يا محمد إنى أتوجه إلى ربى بك أن يكشف لى عن بصرى، اللهم شفعه فى
وشفعنى فى نفسى، فرجع وقد كشف الله عن بصره)). رواه الترمذى وقال:
حديث حسن صحيح غريب، والنسائى واللفظ له، وابن ماجه، وابن خزيمة فى
"صحيحه"، والحاكم وقال: صحيح على شرط البخارى ومسلم، وليس عند
الترمذى: ((ثم صل ركعتين)) إنما قال: ((فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوئه، ثم
يدعوه بهذا الدعاء)). فذكره بنحوه، رواه فى الدعوات "الترغيب والترهيب"
(١١٨:١).
١٧٩٠- عن: عبادة بن الصامت، أن رسول الله عَ ليه قال: ((من أحيى ليلة
الفطر وليلة الأضحى لم يمت(١) قلبه يوم تموت القلوب)). رواه الطبرانى فى
"الكبير" و"الأوسط" " مجمع الزوائد" (٢٢:١).
قوله: "عن عبادة إلخ". وفى " مجمع الزوائد": وفيه عمر بن هارون البلخى
والغالب عليه الضعف، وأثنى عليه ابن مهدى وغيره، لكن ضعفه جماعة كثيرة اهـ. قلت:
اختلف قول ابن مهدى فيه، ولكن قال البخارى: مقارب الحديث، وكان أبو رجاء يعنى
قتيبة يطريه ويوثقه، هذا كله من ترجمته فى "تهذيب التهذيب" (٥٠١:٧). ويؤيده
(١) أى لا يعذب يوم القيامة وإن خاف خوف عظمة الحق تعالى، ثم الظاهر أنه يوفق لأداء الأحكام فى الدنيا فلا
يعذب، والعادة أيضًا فى الأكثر أن من أدى النوافل لا بد أن يودى الفرائض كما قيل، ومتى تفعل الكثير من الخير
إذا كنت تاركًا لأقله، والله تعالى أعلم.
٤٢
النوافل والسنن
إعلاء السنن
١٧٩١- عن: أبى أمامة رضى الله عنه، عن النبى عدّ له، قال: ((من قام
لیلتی العيدين محتسبا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب)). رواه ابن ماجه ورواته
ثقات إلا أن بقية مدلس وقد عنعنه، "الترغيب والترهيب" (١٨٧:١)، قلت:
تأید بالذى قبله.
١٧٩٢- عن: معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله عَ له: ((من أحيى الليالى
الخمس وجبت له الجنة، ليلة التروية، وليلة العرفة، وليلة النحر وليلة الفطر، وليلة
النصف من شعبان)). رواه الإصبهانى بإسناد ضعيف، "الترغيب والترهيب"
(١٨٧:١).
١٧٩٣- عن: جابر بن عبد الله، قال: ((كان رسول الله عَّ له يعلمنا
الاستخارة فى الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم
بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إنى أستخيرك بعلمك،
وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم
ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لى فى
دینی ومعاشى وعاقبة أمری، أو قال: عاجل أمری، وآجله، فاقدره لی ویسره لى،
ثم بارك لى فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لى فى دينى ومعاشي وعاقبة
(أمرى، أو قال: فى عاجل أمري وآجله، فاصرفه عنى واصرفنى عنه، واقدر لى
الخير حيث كان، ثم أرضنى(١) به، قال: ويسمى(٢) حاجته))،
الذى بعده، قال المؤلف: إن الاختلاف لا يضر الاحتجاج لا سيما فى الفضائل، فإن
الضعاف تكتفى بها فيها، ودلالته على استحباب إحياء ليلة العيدين ظاهرة، وكذا دلالة
الحديثين الذين بعد هذا.
قوله: "عن جابر إلخ". قال المؤلف: وفى "النيل" قال العراقى: ولم أجد من قال
بوجوب الاستخارة مستدلا بتشبيه ذلك بتعليم السورة من القرآن، كما استدل بعضهم
(١) بأن يحصل اليقين وانشراح الصدر من غير شك ودغدغة، وهذا هو الأصل المعتبر فى الباب كذا فى "اللمعات"
ذكره فى حاشية البخارى.
(٢) أى فى أثناء الدعاء عند ذكرها بالكناية عنها "نيل الأوطار" (٣٢٠:٢).
٤٣
ج - ٧
النوافل والسنن
رواه البخارى (١٥٦:١).
١٧٩٤- عن: عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله للعباس
بن عبد المطلب: ((يا عباس! يا عماه! ألا أعطيك ألا أمنحك ألا أحبوك ألا أفعل
لك عشر خصال إذا فعلت ذلك غفر الله ذنبك، أوله وآخره، وقديمه وحديثه،
وخطاؤه وعمده، وصغيره وكبيره، وسره وعلانيته؟ عشر خصال، أن تصلى
أربع ركعات تقرأ فى كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة
فى أول ركعة فقل وأنت قائم: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر،
خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقول وأنت راكع عشرا، ثم ترفع رأسك من
الركوع فتقولها عشرًا، ثم تهوى ساجدًا فتقول وأنت ساجد عشرا، ثم ترفع
رأسك من السجود فتقولها عشرًا، ثم تسجد فتقولها عشرًا، ثم ترفع رأسك من
السجود فتقولها عشرًا، فذلك خمس وسبعون فى كل ركعة، تفعل ذلك فى
أبع ركعات، إن استطعت أن تصليها فى كل يوم مرة فافعل، فإن لم تستطع ففى
كل جمعة مرةً، فإن لم تفعل ففى كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففى كل سنة مرة،
فإن لم تفعل ففى عمرك مرة)). رواه أبو داود، وابن ماجه، وابن خزيمة فى
"صحيحه" ("الترغيب والترهيب" ١١٥:١ و١١٦). قلت: سكت عنه أبو
داود (٤٩٩:١) وفى "التلخيص الحبير": صححه أبو على بن السكن
والحاكم اهـ (١١٣:١).
على وجوب التشهد فى الصلاة بقول ابن مسعود: كان يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة
من القرآن إهـ (٣١٩:٢). قال المؤلف: فثبت الإجماع على عدم وجوب الاستخارة،
ودلالته على استحبابها ظاهرة.
قوله: "عن عكرمة إلخ". وفى "الترغيب" أيضًا بعد العبارة المذكورة فى المتن:
وقال (أى ابن خزيمة): إن صح الخبر فإن فى القلب من هذا الإسناد شيئا فذكره، ثم قال:
ورواه إبراهيم (إبراهيم ضعيف كذا فى "التلخيص" ١١٣:١) بن الحكم بن أبان، عن
أبيه، عن عكرمة مرسلا لم يذكر ابن عباس، قال الحافظ (أى المنذرى): ورواه الطبرانى
٤ ٤
النوافل والسنن
إعلاء السنن
١٧٩٥- عن: أبى أمامة رضى الله عنه الباهلى، عن رسول الله عَّ له، قال:
((عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى ربكم، ومكفرة
وقال فى آخره: ((فلو كانت ذنوبك مثل زبد البحر أو رمل عالج غفر الله لك)). قال الحافظ
(أى المنذرى): وقد روى هذا الحديث من طرق كثيرة وعن جماعة من الصحابة، وأمثلها
حديث عكرمة هذا، وقد صححه جماعة، منهم الحافظ أبو بكر الآجرى، وشيخنا أبو
محمد عبد الرحيم المصرى، وشيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسى رحمهم الله تعالى، وقال
أبو بكر بن أبى داود: سمعت أبى يقول: ليس فى صلاة التسبيح حديث صحيح غير هذا،
وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى: لا يروى فى هذا الحديث إسناد حسن من هذا،
يعنى إسناد حديث عكرمة عن ابن عباس، وقال الحاكم: قد صحت الرواية عن ابن عمر
رضى الله عنهما أن رسول الله عَّ علم ابن عمه هذه الصلاة، ثم قال: حدثنا أحمد بن
داود بمصر، ثنا إسحاق بن کامل، ثنا إدريس بن یحیی، عن حیات بن شریح، عن یزید بن
أبى حبيب، عن نافع، عن ابن عمر رضى الله عنهما، قال: وجه رسول الله عَّ ◌ُلّل جعفر بن
أبى طالب إلى بلاد الحبشة، فلما قدم اعتنقه وقبل بين عينيه، ثم قال: ألا أهب لك ألا أسرك
ألا أمنحك؟ فذكر الحديث، ثم قال: هذا إسناد صحيح لا غبار عليه. قال المحلى (أى
المنذرى رضى الله عنه): وشيخه أحمد بن داود بن عبد الغفار أبو صالح الحرانى ثم
المصرى تكلم فيه غير واحد من الأئمة، وكذبه الدار قطنى اهـ.
قال بعض الناس: والأظهر أن الحاكم أعلم بشيخه، على أن الاختلاف لا يضر.
قلت: وأين الاختلاف؟ فلم نر أحدا من الأئمة وثقه، وترجمته مستوفاة فى "اللسان"
(١٦٨:١) نعم! قد حسن ابن عبد البر حديثه عن أبى مصعب عن مالك كما فى
"اللسان"، وصحح الحاكم حديثه فى صلاة التسبيح هذا، ففى هذا يتحقق الاختلاف،
والله أعلم.
قوله: "عن أبى أمامة إلخ". قال المؤلف: دلالته على استحباب صلاة التهجد
ظاهرة، ولم يحمل لفظ "عليكم" على الإيجاب لأن الفرضية منسوخة، يدل عليه ما رواه
مسلم فى حديث طويل عن عائشة: ((فقال: ألست تقرأ يا أيها المزمل؟ قلت: بلى! قالت:
فإن الله عز وجل افترض قيام الليل فى أول هذه السورة، فقام نبى الله عٍَّ وأصحابه
٤٥
ج - ٧
النوافل والسنن
للسيئات، ومنهاة عن الإثم)). رواه الترمذى فى كتاب الدعاء من جامعه، وابن
أبى الدنيا فى كتاب التهجد، وابن خزيمة فى "صحيحه"، والحاكم، كلهم من
رواية عبد الله بن صالح كاتب الليث، وقال الحاكم: صحيح على شرط
البخارى، "الترغيب والترهيب" (١٠٣:١) قلت: هو مختلف فيه، قال ابن
حولا، وأمسك الله خاتمتها اثنى عشر شهرا فى السماء حتى أنزل الله فى آخر هذه السورة
التخفيف، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضته))، الحديث (٢٥٦:١). وإنما قلنا باستحباب
التهجد مع أن المواظبة عليه ثابتة عنه مرّ، وهو يقتضى كونها راتبة، لما روى البخارى فى
حديث طويل: ((فقصتها حفصة على رسول الله عَّه، فقال: نعم الرجل عبد الله لو كان
يصلى من الليل، وكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا (١٥١:١). وفى حاشيته عن العينى:
كلمة "لو" للتمنى لا للشرط، ولذلك لم يذكر لها جواب اهـ. فهذا إظهار التمنى
للترغيب المحض، فلو كانت من الرواتب لشدد عليه بتركه أو رغب فيه باللفظ المؤكد،
تأمل حق التأمل.
قال بعض الناس: وهذا عندی وقد كان شیخی وافقنى عليه ثم رجع عنه، فقال
بتأكيده بناء على أنها وإن كانت مستحبة فإنها بعد مواظبته عّ لّه عليها صارت مؤكدة،
ولكل وجهة هو موليها اهـ. والدليل على كونه نافلة غير راتبة ما أخرجه البخارى عن
على: أن رسول الله عَّ- طرقه وفاطمة بنت النبى معَ لّه ليلة (وفى رواية حكيم بن حكيم
عند النسائى والطبرى: ((فأيقظنا للصلاة ثم رجع إلى بيته، فصلى هو يأمن الليل فلم يسمع
لنا حسا فرجع إلينا)»، فتح). فقال: ألا تصليان؟ (وفى رواية حكيم المذكورة قال على:
((فجلست وأنا أعرك عينى، وأنا أقول: والله ما نصلى إلا ما كتب الله لنا إنما أنفسنا بيد الله،
فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلى شيئًا، ثم سمعته وهو
مول يضرب فخذه وهو يقول: (وفى رواية حكيم: ما نصلى إلا ما كتب الله لنا)
وكان الإنسان أكثر شئ جدلا اهــ من "الفتح" (٩٫٨:٣).
قلت: ورواية حكيم بن حكيم أخرجه النسائى (٢٣٩:١) بسند رجاله ثقات إلا أن
فيه ابن إسحاق وهو ثقة مدلس، وقد صرح بالتحديث، وفيه تقرير النبى معَ ◌ّم عليًا فى
قوله: ((والله ما نصلى إلا ما كتب الله لنا)) ولو كانت صلاة الليل راتبة مؤكدة لما تركهم
٤٦
النوافل والسنن
إعلاء السنن
القطان: هو صدوق، ولم يثبت عليه ما يسقط له حديثه إلا أنه مختلف فيه،
فحديثه حسن اهـ ما فى "تهذيب التهذيب". وفيه أيضًا: البخارى أخرج له
(٢٦٠:٥) اهـ. وإخراج ابن خزيمة حديثه فى "صحيحه" يدل أيضًا على أنه
حجة عنده.
على حالهم، لأنها قرينة من الوجوب يضلل تاركها.
قال الشيخ: وفيه أن دليل التأكد أى مواظبة النبى معدّ لّ عليها ثابت بالتواتر،
وحدیث علی رضی الله عنه هذا من الآحاد، و غاية أنه صحیح فلا یعارض ما ثبت بالدليل
المتواتر اهـ. قلت: إن أريد بالمواظبة مواظبته على الصلاة بعد الرقدة وهى المسماة بالتهجد
ففيه نظر، لما فى الحديث المتفق عليه عن عائشة من كل الليل أوتر رسول الله عدّ له، أوتر
أول الليل وأوسطه وآخره، وانتهى وتره إلى السحر، وقد مر فى أوقات الوتر، والمراد به
قيام الليل مع الوتر لأنه مرّه كان يجعل آخر صلاته بالليل وترا، وإن أريد بها المواظبة على
قيام الليل وهو یتأتی بزيادة صلاة بعد فرض العشاء فمسلم، وهو یتآدی بر کعتين بعد
العشاء والوتر بعدهما، لحديث أم سلمة رضى الله عنها مرفوعًا: ((كان يوتر بسبع
وخمس)). ولحديث عائشة وميمونة: ((أن الوتر لا يصلح إلا بخمس أو سبع))، وعن عائشة
بسند صحيح قالت: ((الوتر سبع أو خمس، وإنى لأكره أن يكون ثلاثا بتراء». وقد تقدم
كل ذلك فى أبواب الوتر، وأوله أصحابنا بأن المراد به قيام الليل مع الوتر، لأن الوتر قد
يطلق على مجموع قيام الليل مع الوتر أيضًا، وقد ثبت بالحديث المتفق عليه أنه مرٍّ كان .
يوتر مرة أول الليل، ومرة أوسطه، ومرة آخره، فمن أوتر أول الليل بخمس، أو سبع أو
تسع، أو ما شاء الله، فقد أتى بالسنة التى واظب عليها النبى مرّ له، وأدنى ما قام به فى الليل
خمس، والله تعالى أعلم.
قلت: والذى ظهر لى من كلام السلف أن قيام الليل عندهم هو الوتر لا غير،
ولكنهم كرهوا أن يقتصر على واحدة أو ثلاث بتراء، بل ينبغى أن يكون قبله أو بعده
تطوع، ووجه ذلك ما قدمنا أنه مّ آ لم يوتر قط إلا ومعه تطوع ركعتان فصاعدا، والدليل
على ما ظهر لى من كلامهم عدم ذكرهم التهجد أو قيام الليل فى الرواتب، بل وفى
كلامهم أن الوتر هو التهجد، قال الإمام الشافعى فى "الأم": التطوع وجهان، أحدهما
٤٧
ج - ٧
النوافل والسنن
صلاة جماعة مؤكدة(١) فلا أجيز تركها لمن قدر عليها، وهى صلاة العيدين، وخسوف
الشمس والقمر، والاستسقاء، وصلاة منفرد وبعضها أو كد من بعض، فأو كد ذلك الوتر،
ويشبه أن يكون صلاة التهجد ثم ركعتا الفجر، قال: ولا أرخص لمسلم فى ترك واحدة
منهما وإن لم أوجبهما اهـ (١٢٥:١). قلت: وفيه إشعار بأن الوتر والتهجد عنده واحد،
ولذا كان أوكد السنن اثنين لا ثلاثا، ولو كانا متغائرين لقال: لا أرخص لمسلم فى ترك
واحدة من هذه الثلاث.
وقال فى "رحمة الأمة": وأقل الوتر ركعة، وأكثره إحدى عشرة ركعةً، وأدنی
الكمال ثلاث ركعات عند الشافعى وأحمد اهـ (ص-٢٣). وفيه دلالة أيضًا على اتحاد
التهجد والوتر عندهما، لأن إحدى عشرة ركعةً هی غاية ما کان یتهجد به رسول الله
-َ لِّ غالبًا، لا يزيد عليها إلا نادراً، ولم يخالفهما أبو حنيفة إلا فى فصل الوتر بثلاث عن
التطوع قبله أو بعده، وقال أحمد والشافعى بجواز وصلهما بتسليمة، وإذا تقرر ذلك فما
قاله الشيخ: إن التهجد سنة مؤكدة المواظبة النبى ◌ّ عليها، صحيح، بل نقول: إنه (٢)
عندنا واجب، لأن الوتر هو التهجد، والتطوع ولو بركعتين قبله أو بعده سنة، لأنه مر آ لم
يقتصر على الوتر قط إلا ومعه تطوع، فمن صلى بعد العشاء ركعتين والوتر، فقد أتى
بالواجب والسنة معًا، هذا ما عندى، وبه يجتمع الروايات المختلفة فى الباب، وهو الموافق
لما روى عن الأئمة الأربعة المقتدى بهم فى الدين، فإن أحدا منهم لم يذكر التهجد فى
السنن المؤكدة غير الوتر وراتبة العشاء، ومن قال بتأكد شئ زائد على ذلك، فهو محجوج
بإجماع من قبله، والله أعلم.
(١) فيه إشعار بأن السنة المؤكدة عنده تشمل الواجب أيضاً، فإن ما لا يجوز تركه هو الواجب.
(٢) فإن قيل: كيف تقول: إن التهجد واجب وقد قالوا: إن وجوبه كان أولا ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿علم أن لن تحصوه
فتاب عليكم﴾. قلت: إنما نسخ به ما كان واجبًا قبل من قيام النصف والثلث من الليل بقوله: ﴿قم الليل إلا قليلا
نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه﴾، وأما وجوب مطلق قيام الليل فليس بمنسوخ، لقوله تعالى بعد قوله: ﴿فتاب
عليكم فاقرءوا ما تيسر منه﴾، فهو مشعر ببقاء وجوب قيام الليل بقدر التيسر، وبينته السنة بالوتر، فكان واجبًا،
وكان التطوع قبله بركعتين سنة مؤكدة لمواظبة النبى عليه السلام عليها فعلا وتحريضه على ذلك فى حديث لمثابرته
قولا.
جزء
غیر 7
فارم
تبر
3
B
٤٨
النوافل والسنن
إعلاء السنن
١٧٩٦- عن: عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال لى رسول الله عَ طله:
((يا عبد الله! لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل(١))). رواه
البخارى (١٤٥:١).
وبالجملة فمواظبة النبى عّ لّه لم تثبت على ما سوى الإيتار بالليل، وكان يوتر
بخمس، وبسبع، وبتسع، وبإحدى عشرة، وفى أول الليل مرة، وفى أوسطه أخرى، حتى
انتهى إيتاره إلى السحر، وقد يطلق عليه التهجد وقيام الليل، فلا تنتهض به حجة على
تأكيد قيام الليل الزائد على راتبة العشاء والوتر، لا سيما مع قوله معّ له: ((وما كان بعد
صلاة العشاء فهو من الليل)). وإذا جاء الاحتمال صلح حديث على رضى الله عنه دليلا
على نفى تأكيد القيام بالليل بالمعنى المتعارف كما قلنا، لأن المتواتر إذا لم يكن قطعى
الدلالة على معناه يكون ظنيا، فيجوز تخصيصه بالآحاد.
وفى "رد المحتار" (٧١٦:١) فى شرح قول "الدر المختار": ومن المندوبات صلاة
الليل ما نصه: ثم اعلم أن ذكر صلاة الليل من المندوبات مشى عليه فى "الحاوى القدسى"
وقد تردد المحقق فى "فتح القدير" فى كونه سنة أو مندوبًا، لأن الأدلة القولية تفيد
المندوب، والمواظبة الفعلية تفيد السنية، لأنه معَّه إذا واظب على تطوع يصير سنة، وقال
فى "الحلية": والأشبه أنه سنة اهـ ملخصًا. قلت: ولكنها تتأدى بتنفل ركعتين أو أربع
بعد العشاء، أو ركعتين بعد الوتر، لما مر من قوله عّ لّ ما يفيد أن الركعتين بعد الوتر
تقومان مقام التهجد وتكفيان عنه، وقد روى سعيد بن منصور والطبرانى عن البراء بن
عازب مرفوعًا: ((من صلى قبل الظهر أربعًا كان كأنما تهجد من ليلة، ومن صلاهن بعد
العشاء كان كمثلهن من ليلة القدر)). رواته كلهم ثقات إلا ناهض بن سالم، قال العراقى:
لم أجد فيه جرحا ولا تعديلا، ولم أجد له ذكرا، وله طريق آخر عند الطبرانى فيه محمد
بن أبى ليلى متكلم فيه، وحديث آخر بمعناه عن أنس فيه يحيى بن عقبة ضعيف، كما فى .
"نيل الأوطار" (٢٦٣:٢). وبالجملة فالحديث حسن بتعدد الطرق، ويويده ما سيأتى
مرفوعًا: ((ما كان بعد صلاة الليل فهو من الليل))، وهو حسن الإسناد، والله أعلم.
قوله: "عن عبد الله إلخ". قال المؤلف: دل الحديث على كراهة ترك صلاة الليل
(١) كره هذا الترك للإعراض صورة بعد التوجه إلى الله تعالى حقيقة.
٤٩
ج - ٧
النوافل والسنن
١٧٩٧- عن: جابر رضى الله عنه، قال: قال رسول الله عَ له: ((أفضل
الصلاة طول القنوت)). رواه مسلم (٢١١:١).
١٧٩٨- عن: عبد الله بن حبشى الخثعى: (أن النبى عَّ ◌ُّ سئل أى
الأعمال أفضل؟ قال: طول القيام)). رواه أبو داود (٥٠٨:١) وسكت عنه فهو
صالح عنده.
١٧٩٩- عن: أبى سلمة بن عبد الرحمن: ((أنه سأل عائشة كيف كانت
بعد القيام بها، قال بعض الناس: وفى حكمه كل طاعة، قلت: لا دليل عليه، فإنه معرّ له
کان يصلى الضحى حتى يقولون لا يدعه، ويدعها حتى يقولون لا يصليها، كما أخرجه
الحاكم عن أبى سعيد وقد مر، وروى عكرمة عن ابن عباس: ((أنه كان يصلى الضحى
عشراً ويدعها عشرًا)). وقد مر كل ذلك نقلا عن الحافظ فى "الفتح": و كذا (( كان رسول
الله مپڼ یسرد الصوم حتى تقول أزواجه: لا یفطر حتی يقلن: لا يصوم)). كما سيجئ فى
بابه، فلا دلالة فى الحديث على كراهة ترك كل تطوع بعد القيام به، نعم! لا شك أن
الدوام عليه أفضل، فإن أحب الأعمال إلى الله ما ديم عليه، فافهم.
قوله: "عن جابر إلخ". قال النووى فى شرحه: المراد بالقنوت ههنا القيام باتفاق
العلماء فيما علمت، وفيه دليل للشافعى ومن يقول كقوله إن تطويل القيام أفضل من كثرة
الركوع والسجود (٤٥٧:١). والقنوت وإن استعمل لمعان لكن القيام هنا متعين باتفاق
العلماء كما ذكر النووى، وبالحديث الذى بعد هذا الحديث، فإن الحديث يفسر بعضه
بعضًا، وبه قال الإمام الأعظم كما فى "منحة الخالق" (٥٩:٢). ويعارض حديث الباب ما
رواه مسلم (١٩١:١) عن أبى هريرة رضى الله عنه مرفوعًا: ((أقرب ما يكون العبد من ربه
وهو ساجد فأكثروا الدعاء اهـ)). فالجواب عنه ما فى "نيل الأوطار" (٣٢٢:٢): لا يلزم
من كون العبد أقرب إلى ربه حال سجوده أفضليته على القيام، لأن ذلك إنما هو باعتبار
إجابة الدعاء اهـ.
قوله: "عن أبى سلمة إلخ". قال المؤلف: فى هذا الحديث صلاة الليل إحدى عشرة
ركعة، وفى حديثها رضى الله عنها أيضًا عند البخارى فى باب ما يقرأ فى ركعتى الفجر
"ثلاث عشرة"، ولفظه: « کان رسول الله ێے یصلی بالليل ثلاث عشرة ر کعة، ثم يصلی
٥٠
النوافل والسنن
إعلاء السنن
صلاة رسول الله مآ فى رمضان؟ قالت: ما کان یزید فى رمضان ولا فى غيره
على إحدى عشرة ركعة، يصلى أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم
يصلى أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى ثلاثا)). الحديث، رواه
مسلم (١: ٢٥٤)
إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين اهـ)). ووفق الحافظ بينهما فى "الفتح" (١٧:٣):
بأنها رضى الله عنها أضافت إلى صلاة الليل راتبة العشاء أو ما كان يفتتح به (عَ ليه) صلاة
الليل، فقد ثبت عند مسلم من طريق سعد بن هشام عنها رضى الله عنها: ((أنه كان
يفتتحها بركعتين خفيفتين اهـ)) ملخصًاً.
وقال العراقى فى "تخريج إحياء العلوم" (١٧٦:١): روى ابن المبارك من حديث
طاوس مرسلا: ((كان يصلى (عَّاء) سبع عشرة ركعة من الليل اهـ)). وفى "التلخيص
الحبير" (١١٦:١): وفى حواشى المنذرى: قيل: أكثر ما روى فى صلاة الليل سبع عشرة،
وهى عدد ركعات اليوم والليلة، وروى ابن حبان(١) وابن المنذر والحاكم(٢) من طريق
عراك عن أبى هريرة رضى الله عنه مرفوعًا: ((أوتروا بخمس، أو بسبع، أو بتسع، أو بإحدى
عشرة، أو بأكثر من ذلك اهـ)). قلت: وهى مجموع صلاة الليل والوتر، فثبت أنه لا تحديد
فيه، وقال النووى فى "شرح مسلم" (٢٥٢:١): قال القاضى (عياض رحمه الله): ولا
خلاف أنه ليس فى ذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وأن صلاة الليل من الطاعات
التى كلما زاد فيها زاد الأجر إلخ.
وفى هذا الحديث صلاة الأربع بتسليمة، وقد ورد التسليم بين كل ركعتين أيضاً،
ففى "صحيح مسلم" (٢٥٤:١): عن عائشة رضى الله عنها، قالت: ((كان رسول الله
• مُ ◌ّ يصلى فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء - وهى التى يدعو الناس "العتمة" - إلى
الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة، فإذا سكت المؤذن من
صلاة الفجر وتبين له الفجر وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على
شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة اهـ)). وكذلك قد ورد صلاة النوافل من النهار
(١) فى صحيحه.
(٢) فى مستدر كه.
ج - ٧
النوافل والسنن
بتسليمة من الأربع والركعتين كما مر فى المتن من فعله عليه.
وأما الأحاديث القولية فى الباب فحديثان، حدیث على رضى الله عنه، وابن عمر
رضى الله عنهما. فحديث على ما رواه عبد الرزاق عنه مرفوعًا وسنده حسن كما فى
"كنز العمال" (٢٢٦:٤): قلت: يا رسول الله! كيف صلاة الليل؟ قال: مثنى مثنى. قلت:
كيف صلاة النهار؟ قال: أربعًا أربعًا، الحديث. وحديث ابن عمر رضى الله عنهما ما رواه
أبو داود وسكت عنه (٤٩٨:١): عن ابن عمر رضى الله عنهما، عن النبى عّ لّه، قال:
((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى اهـ)). وفى "شرح مسلم" للنووى (٢٥٧:١): وروى أبو
داود والترمذى بالإسناد الصحيح: ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى اهـ)). وفى "التلخيص
الحبير" (١١٩:١): رواه أحمد وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان (فى
صحيحهما)، وأصله فى "الصحيحين" بدون ذكر النهار، وضعفه يحيى بن معين
والترمذى والنسائى والدار قطنى، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والبيهقى والبخارى،
وجعله الخطابى والإمام أحمد حجة اهـ محصلا.
قال بعض الناس: فقد ثبت تصحيحه عن الأكثر، فالحديث صحيح، وتفصيل هذا.
الاختلاف فى "التلخيص"، وحجة من ضعفه ركيك عندى. قلت: هذا من التحامل
والعصبیة التی تعمی وتصم، و کیف تكون حجة من ضعفه ر کیکة وقد جرحوا فیه جرحاً
مفسراً؟ فقال الترمذى: اختلف فيه أصحاب شعبة، فرفعه بعضهم ووقفه بعضهم، ورواه
الثقات عن عبد الله بن عمر، عن النبى معَّه، ولم يذكروا فيه صلاة النهار، وقال النسائى:
هذا الحديث عندى خطأ، وقال الدار قطنى فى رواية محمد بن عبد الرحمان بن ثوبان،
عن ابن عمر مرفوعًا: ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)) غير محفوظ، وإنما يعرف صلاة
النهار عن يعلى بن عطاء، عن على البارقى، عن ابن عمر، وقد خالفه نافع وهو أحفظ منه
فذكر أن صلاة الليل مثنى مثنى والنهار أربعًا. وقال يحيى: كان شعبة ينفى هذا الحديث
وربما لم يرفعه، كذا فى "العمدة" للعينى (٤٠٣:٣).
وقال الطحاوی فی "معانی الآثار" له: إن کل من روی حديث ابن عمر سوى
على البارقى، وسوى ما روى (إسحاق بن إبراهيم الحنينى عن) العمرى، عن نافع، عن ابن
عمر، إنما يقصد إلا صلاة الليل خاصةً دون صلاة النهار، وقد روى عن ابن عمر بعد
٥٢
النوافل والسنن
إعلاء السنن
رسول الله عَّ ما يدل على فساد هذين الحديثين أيضًا، حدثنا فهد، ثنا أبو نعيم، ثنا
سفيان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: (أنه كان يصلى بالليل ركعتين وبالنهار
أربعًا). وعن جبلة بن سحيم عن عبد الله بن عمر: ((أنه كان يصلى قبل الجمعة أربعًا لا
يفصل بينهن بسلام)» وإسنادهما صحيح (١٩٨:١).
وفى "التلخيص الحبير": أصل الحديث فى الصحیحین بدون ذکر النهار، قال ابن
عبد البر: لم يقله أحد عن ابن عمر غير على، وأنكروه عليه وكان يحيى بن معين يضعف
حديثه هذا ولا يحتج به، ويقول: إن نافعا وعبد الله بن دينار وجماعة رووه عن ابن عمر
بدون ذكر النهار، وروى بسنده عن يحيى بن معين أنه قال: ((صلاة النهار أربع لا يفصل
بينهن))، فقيل له: فإن أحمد بن حنيل يقول: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، فقال: بأى
حدیث؟ فقيل له: بحديث الأزدی فقال: من الأزدی حتى أقبل منه وأُدع يحيى بن سعيد
الأنصارى، عن نافع، عن ابن عمر أنه کان یتطوع بالنهار أربعًا لا يفصل بينهن؟ لو كان
حديث الأزدى صحيحاً لم يخالفه ابن عمر اهـ (١١٩:١).
قلت: وقد تقدم فى المقدمة أن مخالفة عمل الراوى الرواية جرح فيها عندنا معشر
الحنفية، فما رواه الأزدى ضعيف عندنا لوجهين، الأول لكونه متفرداً فيما زاده من لفظ
"النهار" من بين ثقات أصحاب ابن عمر، ولاختلاف أصحاب شعبة فى رفعه ووقفه.
والثانى لكونه مخالفًا لعمل ابن عمر رضى الله عنهما فلا حجة فيه، والله أعلم. ولو سلمنا
صحته فهو محمول على ما سيأتى فى تأويل حديث ابن عمر: ((صلاة الليل مثنى مثنى)).
وأما المذاهب ففى باب النوافل من "الهداية": والأفضل فى الليل عند أبى يوسف
ومحمد رحمهم الله مثنى مثنى، وفى النهار أربع أربع، وعند الشافعى رحمه الله فيهما
مثنى مثنى، وعند أبى حنيفة رحمه الله فيهما أربع أربع اهـ وفى "الدر المختار": وقالا: فى
الليل المثنى أفضل، قيل: وبه يفتى، وفى "رد المحتار" (٧٠٧:١): عزاه فى المعراج إلى
العيون اهـ. وفى "فتح البارى" (٣-٤٠): واختار الجمهور التسليم من كل ركعتين فى
صلاة الليل والنهار اهـ. وحديث على رضى الله عنه صريح فيما ذهب إليه أبو يوسف
ومحمد رحمهم الله، ولکن یعارضه فی نافلة النهار حديث ابن عمر، والتوفيق بأن حديث
على محمول على الاستحباب، وحديث ابن عمر على الجواز، والوجه أن النهار وقت
٥٣
ج - ٧
النوافل والسنن
الاشتغال وتردد الناس فيما بينهم، فيخاف على من سلم من ركعتين أن يشتغل فيما يمنع
عنها بخلاف الليل، فكان الأربع بتحريمة أولى، وأما كون المثنى فى الليل أفضل
فللأحاديث الصريحة القولية فيه، ولأن فيه زيادة التحريمة والصلاة على النبى المختار
والدعاء بعدها والتسليم بعد الفراغ.
قال بعض الناس: ولم أجد للإمام دليلا قويا على أفضلية الأربع فى الليل والنهار.
قلت: ما قليل المعرفة وعديم الذوق! من أين لك أن تدرك مأخذ الإمام الذى اتفق الأئمة
على دقة فهمه، أجمعت الأمة على إمامته فى الفقه؟ ودليله فى المسألة أن الأصل فى ذلك
أن النوافل شرعت تبعًا للفرائض، والتبع لا يخالف الأصل كما فى "البدائع" (٢٩٥:١).
والأفضل فى الفرائض هو الأربع، لأن الصلاة شرعت فى أول الأمر ركعتين ركعتين، ثم
زيدت فى الحضر إلى الأربع، وأقرت صلاة السفر على الحالة الأولى. فثبت بذلك أن
العزيمة هى الأربع، وإنما انتقص منها لعارض تخفيف ونحوه، قالت عائشة رضى الله عنها:
(الصلاة أول ما فرضت ركعتان، فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر)). أخرجه
البخارى (٤٨:١). وفيه إشعار بكون صلاة الحضر تمامًا وكمالا، وأقصى تمامها إلى
الأربع، وكانت النوافل تبعًا لها، فكان كمالها أربع ركعات أيضًا فى الليل والنهار جميعًا،
لأن صلاة الحضر زيدت إلى الأربع نهاريتها وليليتها سواء كما لا يخفى، والله أعلم.
وأما قوله عَطِّ: ((صلاة الليل مثنى مثنى))، فمعناه عند الإمام أن تشهد فى كل
ركعتين، وقد ورد ذلك مرفوعًا عند أبى داود وغيره بلفظ: ((الصلاة مثنى مثنى، تشهد فى
كل ركعتين، وتخشع وتضرع وتمسكن وتقنع يديك، يقول: ترفعهما إلى ربك مستقبلا
ببطونهما وجهك، وتقول: يا رب يا رب))، الحديث. وقد ذكرنا فى الجزء الثالث من
الكتاب أنه حسن الإسناد، ولا يعارضه ما روى عن ابن عمر عند مسلم فى تفسيره أن
تسلم من ركعتين، فإن تفسير النبى معَّظلّ أولى من تفسير غيره، على أنه يمكن حمل قوله:
((أن تسلم من كل ركعتين)) على التشهد لورود إطلاق التسليم عليه أيضًا. كما مر فى
حديث على رضى الله عنه أول الباب، قال: ((كان عرّ يصلى قبل العصر أربعًا يفصل
بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين))، الحديث وإسناده
صحيح.
٥٤
النوافل والسنن
إعلاء السنن
لا يقال: إن حديث على رضى الله عنه المذكور آنفًا عن "كنز العمال" بلفظ:
((قلت: يا رسول الله! كيف صلاة الليل؟ قال: مثنى مثنى. قلت: كيف صلاة النهار؟ قال:
أربعًا أربعًا، يؤيد القول بأن المراد بالمثنی أن يسلم على كل ركعتين تسلیم التحليل، لكونه
مذكوراً فى مقابلة الأربع، ولا تصح المقابلة بها إلا بذلك، وأما على تفسير الإمام فالأربع
من المثنى أيضًا فلا مقابلة، لأن معنى حديث على رضى الله عنه هذا عنده أن صلاة الليل
مثنى مثنى بتشهد فى كل ركعتين إلى ما شئت، وصلاة النهار مثنى مثنى إلى الأربع فقط،
لا يجوز الزيادة عليها بل تكره، فصحت المقابلة بينهما والله أعلم. وأيضًا: فلو كان معنى
قوله: "مثنى مثنى" أن يسلم من كل ركعتين، لم يواظب النبى ◌ّ على خلافه، وقد
روى البخارى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: ((كان رسول الله عَ لّه يصلى أربعًاً فلا
تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى
ثلاثا))، الحديث، كذا فى "آثار السنن" (١٠:٢).
قال فى "البدائع": وفيه دلالة على أنه ما كان يسلم على رأس الركعتين، إذ لو كان
كذلك لم يكن لذكر الأربع فائدة، وكلمة " كان" عبارة عن العادة والمواظبة، وما كان
رسول الله عٍَّ يواظب إلا على أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى، (فكان الأربع
أفضل) ولأن الوصل بين الشفعين بمنزلة التتابع فى باب الصوم، ألا ترى أنه لو نذر أن
يصلى أربعا بتسليمة فصلى بتسليمتين لا يخرج عن العهدة؟ كذا ذكر محمد فى
الزيادات، ثم الصوم متتابعًا أفضل، فكذا الصلاة، والمعنى فيه ما ذكرنا أنه أشق على البدن
(والنفس)، فكان أفضل (بدليل قوله تعالى(١): ﴿إن ناشئة الليل هى أشد وطأ وأقوم قيلا﴾،
أى أشد فى وطأ النفس وأشق عليها) فأما التراويح فإنما تؤدى مثنى مثنى لأنها تؤدى
(١) قد ذكر صاحب "البدائع" فى أفضلية الأشق حديث ((أنه مرّ سئل أى الأعمال أفضل فقال: أحمرها أى أشقها
على البدن)). ولكن قال فيه المزى: هو من غرائب الأحاديث، ولم يرد فى شئ من الكتب الستة اهـ. وهو فى
"النهاية" لابن الأثير منسوب لابن عباس بلفظ: ((سئل رسول الله مٍَّ أى الأعمال أفضل؟ قال: أحمزها) أى
أقواها وأشدها كذا فى "المقاصد الحسنة" (ص-٣٣) ولم يتعرض لتصحيحه وتحسينه فتر كت الاحتجاج به،
واستدللت على المقصود بالآية، فإن فيها إشعارًا بفضيلة قيام الليل لكونه أشد وطأ، فعلم أن لشدة وطأ النفس
مدخلا فى فضيلة العمل، وهى تفيد قوة للأثر المذكور. والله أعلم.
٥٥
ج - ٧
النوافل والسنن
بجماعة، فتؤدى على وجه السهولة واليسر، لما فينهم من المريض وذى الحاجة ولا كلام
فيه، وإنما الكلام فيما إذا كان وحده اهـ (٢٩٥:١)
وقال الإمام محمد فى "موطائه" (ص-١٢٠): وقال أبو حنيفة: صلاة الليل إن
شئت صليت ركعتين، وإن شئت صليت أربعًا، وإن شئت ستا، وإن شئت ثمانيا، وإن
شئت ما شئت بتكبيرة واحدة، وأفضل ذلك أربعًا أربعًا اهـ. و"التعليق الممجد": قوله:
((وإن شئت ما شئت)) هذا صريح فى أنه لا يكره الزيادة على ثمان ركعات بتسليمة
واحدة، خلافًا لما ذهب إليه بعض أصحابنا من أن ذلك مكروه، وعللوه بأن النبى مر ◌ّ لم
يزد على ذلك بتحريمة واحدة اهـ. قلت: وهو المشهور المذكور فى "الدر المختار" وغيره.
قال بعض الناس: ولم أجد حديثًا صريحًا دالا على أنه مرّ ة تطوع ثمانيا بتحريمة
واحدة، فالتحديد بثمان يحتاج إلى دليل، وإن ثبت لا يكون أيضًا حجة فى الباب على
الحصر، لأن حديث أبى هريرة مرفوعًا: ((أوتروا بخمس إلخ)) الذى مر قريبًا يدل على
جواز ما زاد على ثمان، وهو حديث قول لا يقاومه الفعل، ولا سيما إذا لم يكن ضريحًا
فى الكراهة فافهم حق الفهم.
فإن قيل: قد روى مسلم فى "صحيحه" (٢٥٦:١): ((قلت: يا أم المؤمنين!(١) أنبثنى
عن وتر رسول الله سرّ له، فقالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه
من الليل، فيتسوك ويتوضأ، ويصلى تسع ركعات لا يجلس فيها إلا فى الثامنة، فيذكر الله
ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقول فيصلى التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله
ویحمده ویدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا)). الحديث، ففيه ثبوت ثمان ركعات بعد
إخراج ركعة الوتر من التسع. قلنا: هذا لا يفيد الأصحاب، فإن المذهب أن الوتر ثلاث،
فيكون التطوع عندهم فى هذا الحديث ستا.
قلت: قال فى "البدائع" فى بيان ما يكره من التطوع: أما الذى يرجع إلى القدر فى
النهار تكره الزيادة على الأربع بتسلمية واحدة، وفى الليل لا تكره وله أن يصلى ستًا
وثمانیًا ذکره فی "الأصل"، وذکره فی "الجامع الصغير" فی صلاة الليل: إن شئت فصل
(١) وهى عائشة رضى الله عنها.
٥
إعلاء السنن
النوافل والسنن
٥٦
١٨٠٠- حدثنا: محمد بن بشار، نا أبو داود، نا شعبة، عن يزيد بن
خمير، قال: سمعت عبد الله بن أبى قيس يقول: قالت عائشة رضى الله عنها:
«لا تدع قيام الليل، فإن رسول الله مآے کان لا یدعه، و کان إذا مرض أو كسل
صلى قاعدًا)). رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى. كذا فى "عون المعبود"
(٥٠٤:١). ورواه أيضًا ابن خزيمة فى "صحيحه" كذا فى "الترغيب"
(١٠٥:١).
بتكبيرة ركعتين، وإن سئت أربعًا، وإن شئت ستا ولم يزد عليه، (قلت: فحديث عائشة فى
صلاته مرّ له بتسع ركعات يؤيد ما فى "الجامع الصغير" لكون التطوع منها ستًا والثلاث
وتر). والأصل فى ذلك أن النوافل شرعت تبعًا للفرائض، والتبع لا يخالف الأصل، فلو
زيدت على الأربع فى النهار لخالفت الفرائض، وهذا هو القياس فى الليل إلا أن الزيادة
على الأربع إلى الثمان أو إلى الست عرفناه بالنص، وهو ما روى عن النبى مرئيّ: أنه كان
يصلى بالليل خمس ركعات، سبع ركعات تسع ركعات، إحدى عشرة ركعة، ثلاث
عشرة ركعةً، والثلاث من كل واحد من هذه الأعداد الوتر، (وظاهر لفظ الحديث وإن
كان يشعر بوصل الوتر بالتطوع، وأنه صلاهما جميعاً بتسليمة واحدة، ولكن حديث
عائشة عند أحمد وأبى داود: « کان پ یوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث، و ثمان
وثلاث، وعشرة وثلاث))، صريح فى أنه كان يفصل ثلاث الوتر عن التطوع، وقد مر أنه
حسن الإسناد) وركعتان من ثلاثة عشر سنة الفجر، (بدليل قول عائشة عند مسلم: (ما
کان یزید فى رمضان، ولا غيره على إحدى عشرة ركعة))، وقد مر) فيبقى ركعتان،
وأربع، وست، وثمان، فيجوز إلى هذا القدر بتسليمة واحدة من غير كراهة. واختلف
المشائخ فى الزیادة على الثمان، قال بعضهم: یکره لأن زیادة علی ھذا لم ترو عن رسول
الله عَّه، وقال بعضهم: لا يكره وإليه ذهب الشيخ الإمام الزاهد السرخسى، إلى أن قال:
والصحيح أنه يكره لما ذكرنا، وعليه عامة المشائخ اهـ (٢٩٥:١). قلت: فعلم من هذا أن
التحديد بثمان منقول عن بعض المشائخ لا عن الإمام، والراجح عندنا قول السرخسی
رحمه الله، ويؤيده قول محمد فى "الموطأ" وقد مر آنفًا.
قوله: "حدثنا محمد بن بشار إلخ". دلالته على ما فيه ظاهرة، وكذا دلالة الذى
٥٧
ج - ٧
النوافل والسنن
١٨٠١- عن: عبد الله رضى الله عنه، قال: قال رسول الله عَ له: ((فضل
صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على صدقة العلانية)). رواه
الطبرانى فى "الكبير" بإسناد حسن، كذا فى "الترغيب" (١٠٣:١).
١٨٠٢- عن: إياس بن معاوية المزنى رضى الله عنه، أن رسول الله عرّ له
قال: ((لا بد من صلاة بليل ولو حلب شاة، وما كان بعد صلاة العشاء فهو من
الليل)). رواه الطبرانى ورواته ثقات إلا محمد بن إسحاق، كذا فى "الترغيب"
،،
(١٠٣:١) قلت: قد تقدم أنه حسن الحديث، فالإسناد حسن.
١٨٠٣- عن: أبى هريرة رضى الله عنه، أن رسول الله عَّ له، قال: ((ينزل
ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول:
بعده على ما فيه.
قوله: "عن إياس إلخ". قال المؤلف: ظاهره أن من صلى سنة العشاء والوتر
يحصل له فضل قيام الليل، ولكن الأولى أن يقوم آخر الليل كما يدل عليه حديث أبى
هريرة، وروى البخارى عن مسروق قال: ((سألت عائشة رضى الله عنها أى العمل كان
أحب إلى رسول الله عَّ؟ قالت: الدائم، قلت: متى كان يقوم؟ قالت: كان يقوم إذا
سمع الصارخ اهـ). وفى "فتح البارى" (١٤:٣) قوله: "الصارخ" أى الديك، ووقع فى
"مسند الطيالسى" فى هذا الحديث: "الصارخ الديك". وجرت العادة (١) بأن الديك
يصيح عند نصف الليل غالبًا، قاله محمد بن ناصر، قال ابن بطال: الصارخ يصرخ عند
ثلث الليل اهـ.
قال بعض الناس: وأما ما فى "التلخيص الحبير" (١١٧:١): روى ابن أبى خيثمة
من طريق الأعرج عن كثير بن العباس عن الحجاج بن عمرو، قال: يحسب أحدكم إذا قام
من الليل يصلى حتى يصبح أنه قد تهجد، إنما التهجد أن يصلى الصلاة بعد رقدة، وتلك
کانت صلاة رسول الله عێ.)) إسناده حسن، فیه أبو صالح کاتب اللیث وفيه لین، ورواه
الطيرانى وفى إسناده ابن لهيعة، وقد اعتضدت روايته بالتى قبله اهـ. فلعل مأخذه ما رواه
(١) أی فی بلاد الحجاز.
٥٨
النوافل والسنن
إعلاء السنن
من يدعونى فأستجيب له، ومن يسألنى فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له)). رواه
مسلم (٢٥٨:١) وفى لفظ له: ((فيقول: هل من سائل يعطى؟ هل من داع
يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ حتى يتفجر الصبح)) اهـ.
مسلم (٢٦١:١) عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما: أنه رقد عند رسول الله عَ ليه.
فاستيقظ فتسوك وتوضأ، ويقول: ﴿إن فى خلق السماوات والأرض واختلاف الليل
والنهار لآيات لأولى الألباب﴾، فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة، ثم قام فصلى
ركعتين فأطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك
ثلاث مرات ست ركعات، فى كل ذلك يستاك ويتوضأ ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر
بثلاث، فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة))، الحديث. ولا يخفى أنه دلالة فيه على أن تخلل
النوم فى هذه الصلاة أفضل من عدمه، فإنه واقعة حال وليس فيه دوام، ولم يرد من قوله
څّ ما يدل على كونه أفضل، فما ذهب إليه الصحابى فهو رأيه مێے، لم يستند إلى دليل
قوى فلا حجة فيه فافهم.
قلت: قاتلك الله! ما أجراك على تخطئة الصحابة، وليت شعرى من أخبرك أن قول
حجاج بن عمر وهذا ينافى قول النبى معَّ له: ((ما كان بعد صلاة العشاء فهو من الليل؟))
فإنه إنما يدل على أن قيام الليل وقته بعد صلاة العشاء، وليس فيه أن ذلك هو التهجد أيضا،
بل بينهما عموم وخصوص مطلقًا، فكل تهجد قيام الليل وليس كل قيام الليل تهجدا إذا
قام بعد العشاء قبل النوم، وقد اختلف فى معنى التهجد هل هو السهر مطلقًا أو طرح النوم
بعد وجوده، ففى "القاموس": الهجود النوم كالتهجد، وتهجد استيقظ كهجد ضد،
وهجده تهجدًا أيقظه ونومه ضد اهـ. (٢١٦:١) وفيه أيضًا: يقظه وأيقظه نبهه اهـ.
(٢٩٥:١) وفى "مجمع البحار": اليقظة والاستيقاظ الانتباه من النوم (٥٠٢:٢) اهـ.
وقال الحافظ فى "الفتح" تفسير التهجد بالسهر معروف فى اللغة، وهو من
الأضداد، يقال: تهجد إذا نام، وتهجد إذا سهر، حكاه الجوهرى، ومنهم من فرق بينهما
فقال: هجدت نمت، وتهجدت سهرت، حكاه أبو عبيدة، وصاحب العين، فعلى هذا أصل
الهجود النوم، ومعنى تهجدت طرحت عنى النوم، وقال الطبرى: التهجد السهر بعد
نومة، ثم ساقه عن جماعة من السلف اهـ (٢:٣). فلعل المعنى الأخير هو الصحيح عند
٥٩
ج - ٧
النوافل والسنن
١٨٠٤- عن: أبى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله عّ لّه:
((أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة
الليل)). رواه مسلم، وأبو داود، والترمذى، والنسائى، وابن خزيمة فى
"صحيحه" كذا فى "الترغيب" (١٠١:١).
الصحابى لغةً، فلذا قال: إنما التهجد أن يصلى بعد رقدة، ولا حاجة لإثبات اللغة إلى
ورودها فى قول النبى عّ لّه صريحًا، لا سيما والصحابى من أصحاب اللغة والمعرفة
باللسان، فتقيظ ولا تكن من النائمين.
وأما قولك: إن مأخذ قول حجاج هو ما ورد فى حديث ابن عباس، فمجرد
احتمال لا يجوز بمثله تخطئة الصحابى البتة. كيف؟ وحجاج يقول: تلك كانت صلاة
رسول الله عَّهِ، وكان للدوام والاستمرار عرفا، ويدل على المواظبة عندك أيضًا كما
صرحت به مرارًا حتى جعلت به غسل الجمعة سنة مؤكدة، فكيف يصح أن يكون مأخذ
قوله ما رواه ابن عباس من واقعة الحال؟ کیف؟ وقد روى الشيخان عن ابن عمر وابن
العاص مرفوعًا ((أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام
سدسه اهـ). "ترغيب" (ص-١٠٢). فالظاهر أن هذه كانت صلاة رسول الله عَّ له.
قوله: "عن أبى هريرة إلخ". قال المؤلف: دلالته على أفضلية صلاة التهجد على
بقية النوافل ظاهرة. وفى "مجمع البحار" (٢٦٤:٢): هو حجة لمن فضل صلاة الليل على.
سنن الرواتب، وقال أكثر العلماء: الرواتب أفضل اهـ. قلت: لعله بناء على أن الرواتب
مؤكدة والتهجد ليس كذلك، وقد تقدم أن بعض أصحابنا قال بتأكيده أيضًا، وأن
الجمهور حملوه على الوتر وهو التهجد عندهم، ولا شك فى فضيلته على الرواتب لكونه
واجبًا عندنا وآكد السنن عندهم.
فائدة فى نافلة السفر والقدوم منه:
فى "الدر المختار": ومن المندوبات ركعتا السفر والقدوم منه اهـ. قلت: ويؤخذ
ذلك من عموم ما فى "العزيزى" (١١٥:١): عن أبى هريرة رضى الله عنه مرفوعًا: ((إذا
خرجت من منزلك فصل ركعتين تمنعانك مخرج السوء، وإذا دخلت إلى منزلك فصل
ركعتين تمنعانك مدخل السوء))، رواه البزار، والبيهقى فى "شعب الإيمان"، وهو حديث
٦٠
إعلاء السنن
باب جواز التنفل قا عداً بغير عذر
١٨٠٥- عن: عمران رضى الله عنه بن حصين -وكان مبسورًا- قال:
((سألت رسول الله عَّ له عن صلاة الرجل قاعدًا. فقال: إن صلى قائمًا فهو
حسن اهـ. وفى "تخريج العراقى" (١٨٥:١). روى الخرائطى فى "مكارم الأخلاق" من
حديث أنس رضى الله عنه: ما استخلف فى أهله من خليفة أحب إلى الله من أربع ركعات
يصليهن العبد فى بيته إذا شد عليه ثياب سفره))، الحديث وهو ضعيف اهـ. وفى .
"العزیزی" عن أبی ثعلبة مرفوعًا: (( كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلی فیه ركعتين)،
وعزاه إلى الطبرانى، والحاكم، وقال: بإسناد حسن اهـ (١٣٥:٣). وأخرج البخارى فى
"صحيحه": عن كعب بن مالك، ((كان النبى معَّه إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى
فيه)) (٤٤٧:١ مع "الفتح").
باب جواز التنفل قاعدًا بغير عذر
قوله: "عن عمران إلخ". قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة، قال فى "عمدة
القارئ": قال الترمذى: هذا الحديث محمول عند بعض على صلاة التطوع، قلت:
كذلك حمله أصحابنا على صلاة النفل، حتى استدلوا به فى جواز صلاة النفل قاعدًا مع
القدرة على القيام اهـ (٥٧٨:٣).
وأما قوله: "نائمًا" ففى "النيل": اختلف شراح الحديث هل هو محمول على
التطوع أو على الفرض فى حق غير القادر، فحمله الخطابى على الثانى، وهو محمل
ضعيف، لأن المريض المفترض الذى آتى بما يجب عليه من القعود والاضطجاع يكتب له
جميع الأجر لا نصفه، قال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أنه لا يقال لمن لا يقدر على
الشئ لك نصف أجر القادر عليه، بل الآثار(١) الثابتة عن النبى معٍَّ يدل على أن من منعه
الله وحبسه عن عمل بمرضه أو غيره يكتب له أجر عمله وهو صحيح اهـ. وحمله سفيان
الثورى وابن الماجشون على التطوع وحكاه النووى عن الجمهور وقال: إنه يتعين حمل
الحديث عليه (٣٢٨:٢) قلت: فاستبعد حمله على المفترض المعذور.
(١) عن أبى موسى رضى الله عنه مرفوعًا: ((إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا)). رواه
البخارى فى الجهاد (٤٢٠:١).