Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
ج - ٦
الإيتار بثلاث والنهى عن الإيتار بركعة فردة وذكر القراءة فيه
فى رواته، ويذكر حديثا لمذهبنا، وفيه ذلك الرجل الذى وثقه أو سكت عنه فيضعفه، ويقع
مثل هذا فى كثير من المواضع، ومن شك فى ذلك، فليطالع "الجوهر النقى فى الرد على
البيهقى"، فإنه كتاب عظيم يشهد لمؤلفه بسعة النظر وكثرة الحفظ للآثار والمعرفة بالرجال،
ومع ذلك إن لم ينحط رتبة البيهقى عن الناقدين، ولم يخرجه ذلك عن أهمل الصناعة،
وانحط رتبة الطحاوى عنهم بأدنى من ذلك فهذا لعمرى فى الفعال عجيب.
وقد بلغ من وقاحة بعض الناس عده الشوكانى - وليس عنده من علم الحديث
ومعرفته غير النقل من كتب الحافظ ابن حجر شىء- من الناقدين الذين احتجاجهم
بالحديث تصحيح له، حيث أورد فى كتابه "الإحياء" نقلا عن "نيل الأوطار" أثر ابن
سيرين، قال: سمر حذيفة وابن مسعود عند الوليد بن عقبة وهو أمير مكة، فلما خرجا
أوتر كل واحد منهما بركعة، ومحمد ابن سيرين لم يدرك ابن مسعود، ولكن القائل بعدم
صحة الإيتار بركعة من الحنفية يرى الاحتجاج بالمرسل اهـ.
ثم قال: لم أقف على سنده، ولكن الظاهر من احتجاج القاضى العلامة الشوكانى
أن السند لا كلام فيه غير الإرسال، ثم شرع فى سرد أقوال المحدثين والفقهاء فى أن جزم
المحدث بحديث واحتجاجه به دليل على صحته، ولا يعد الطحاوى منهم مع أن الشوكانى
متأخر عن زمان الإسناد والرواية جدا، توفى فى وسط المائة الثالث عشر من الهجرة، وهو
زمان انقطاع الإسناد، والرواية بالكلية، والطحاوى متقدم على البيهقى، والدارقطنى قد
شارك مسلما فى بعض شيوخه كيونس بن عبد الأعلى وغيره، والنسائى فى كثير من
شيوخه، توفى سنة إحدى وعشرين وثلاثمئة، ولم يذكر الشوكانى أحد من المحدثين فى
حفاظ الحديث وحذاقه، والطحاوى ذكره الحافظ الذهبى وغيره فى الحفاظ الذين يرجع
إلى اجتهادهم فى التوثيق والتضعيف والتصحيح والتزييف، فيا لله العجب! كيف لا
يكون الطحاوى عنده من الناقدين ويكون الشوكانى منهم؟ وهل هذا إلا عصبية محضة،
وضلالة صريحة، وعمى بعد الهدى، وتحكم بالهوى، أفرأيت من اتخذ إلهه هواه، وأضله
الله على علم وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة؟ أفلم يفتح عينيه إلى كتب
الرجال كـ"تهذيب التهذيب" و"لسان الميزان" و"تعجيل المنفعة" للحافظ، و"الميزان"

٦٢
الإيتار بثلاث والنهى عن الإيتار بركعة فردة وذكر القراءة فيه
إعلاء السنن
١٦٨٤- حدثنا: على (هو البغوى) بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم (الفضل
بن دكين) ثنا القاسم بن معن، ثنا حصين (هو عبد الرحمن) عن إبراهيم
(النخعى) قال: "بلغ ابن مسعود أن سعدًا يوتر بركعة، فقال: ما أجزأت ركعة
قط". أخرجه الطبرانى فى "معجمه" "الزيلعي" (٣٧٨:١)، ورجاله كلهم
ثقات كما سنذكرهم، وإبراهيم عن ابن مسعود مرسل ولكن مراسيله صحاح لا
سیما عن ابن مسعود.
و"تذكرة الحفاظ" للذهبى، فيلوح له احتجاج المحدثين بأقوال الطحاوى فى التوثيق
والتضعيف والجرح والتعديل فى كثير من الرواة، وقبول المهرة من أهل الفن أقواله فى باب
التحسين والتصحيح، وعدمهم إياه من أهل الاجتهاد فى الحديث والترجيح، ثم يتأمل
ويلمس جفنيه، هل يرى فيها للشوكانى ذكرا وللاحتجاج بقوله أثرا، كلا! والله لن يجد
له من ذلك نقيرا ولا قطميرا.
قوله: "حدثنا على بن عبد العزيز إلخ". قلت: هو البغوى الحافظ المجاور بمكة ثقة،
ولكنه كان يطلب على التحديث (أجرا) ويعتذر بأنه محتاج، قيل لابن أيمن: فهل يعيبون
مثل هذا؟ فقال: لا! إنما العيب عندهم بالكذب وهذا كان ثقة، وقال الدارقطنى: ثقة
مأمون اهـ، من "اللسان" ملخصا (ص-٢٤:٤)، وأبو نعيم هو الفضل بن دكين حافظ ثقة
من رجال الجماعة، وكذا القاسم بن معن ثقة فاضل من رجال أبى داود والنسائى،
وحصين هو ابن عبد الرحمن السلمى أبو الهذيل ثقة من رجال الجماعة، كذا فى
"التقريب"، وإبراهيم لا يسأل عنه، والأثر صريح فى إنكار ابن مسعود على الإيتار بركعة،
وأنها ما أجزأت قط لا فى الوتر ولا فى غيره، وهو راجح على أثر ابن سيرين (المذكور
سابقا) نقلا عن "النيل"، لأن إبراهيم النخعى أعرف بابن مسعود من ابن سيرين كما لا
يخفى، وأيضًا فهذا قول لا يقبل التأويل، وما رواه ابن سيرين فعل يحتمل الوجوه، منها أن
يكون معناه أوتر كل واحد منهما بركعة مضمومة إلى شفع، والقول مقدم على الفعل،
وأيضًا فأثر إبراهيم رواه قاسم بن معن عن حصين عنه، وتابعه أبو يوسف القاضى فرواه
عن حصين نحوه كما سيأتى، وتابع حصينا حماد بن أبى سليمان فروى عن إبراهيم: "أن
ابن مسعود عاب ذلك على سعد" كما سيأتى وتابعهما أبو حمزة فروى عن إبراهيم عن

٦٣
الإيتار بثلاث والنهى عن الإيتار بركعة فردة وذكر القراءة فيه
إعلاء السنن
١٦٨٥- عن: يعقوب (هو أبو يوسف القاضى) بن إبراهيم حدثنا حصين
عن إبراهيم عن ابن مسعود قال: ((ما أجزأت ركعة واحدة قط)) أخرجه محمد
فى "موطائه" (ص-١٤٦) (زيلعى ٢٧٨:١). قلت: ومثله لا يقال بالرأى فهو
مرفوع حكما.
١٦٨٦- حدثنا: بكار (ابن أبى قتيبة) قال: ثنا أبو داود (هو الطيالسى)
قال: ثنا حماد (هو ابن سلمة) عن حماد (ابن أبى سليمان) عن إبراهيم: ((أن ابن
مسعود عاب ذلك (أى الإيتار بواحدة) على سعد)). أخرجه الطحاوى
(١٧٤:١) ورجاله كلهم ثقات وسنده صحيح، إلا أنه منقطع، ومراسيل إبراهيم
عن ابن مسعود حجة كما مر غير مرة.
١٦٨٧- حدثنا: عبد الله بن محمد بن يوسف ثنا أحمد بن محمد بن
إسماعيل ثنا أبى ثنا الحسن بن سليمان قسط ثنا عثمان بن محمد بن ربيعة بن
أبی عبد الرحمن ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردى عن عمرو بن يحيى عن
أبيه عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه: ((أن رسول الله عز له نهى عن البتيراء
أن يصلى الرجل واحدة يوتر بها)). أخرجه أبو عمر بن عبد البر فى "التمهيد"
علقمة عن عبد الله أنه قال: ((أهون ما يكون الوتر ثلاث ركعات)) كما تقدم، وفيه نفى
الإيتار بواحدة كما لا يخفى، وأثر ابن سيرين لم نقف على سنده، ولم نعلم أن رواته توبع
أم لا، فلا يعارض أثرا إبراهيم أصلا، ومن هنا يظهر لك تحامل بعض الناس عدهما
متعارضين مع اعترافه بعدم الوقوف على سند أثر ابن سيرين، وإنما سعى فى تصحيحه
وتقوية رواته لذكر الشوكانى إياه فى "النيل" وسكوته عن رواته، وأغمض عينيه عما
يرجح أثر إبراهيم سندا ومتنا ورواية وداريةً كما ذكرنا.
قوله: "حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف إلخ". قلت: لعلك قد عرفت بما ذكرنا
فى المتن من تحقيق السند والكشف عن رجاله أن الحديث لا علة له، سوى ما قد قيل فى ..
عثمان بن محمد بن ربيعة: إن الغالب على حديثه الوهم، وهذا تليين هين كما لا يخفى
على من عرف مراتب ألفاظ الجرح، ولم يتهمه أحد فيما علمنا بالكذب ولا بالسقوط،

٦٤
الإيتار بثلاث والنهى عن الإيتار بركعة فردة وذكر القراءة فيه
إعلاء السنن
وقال عبد الحق فى "أحكامه": الغالب على حديث عثمان بن محمد بن ربيعة
الوهم، و کذا قال ابن القطان وزاد: ليس دون الدراوردى من يغمض عنه،
والحديث شاذ لا يعرج عليه ما لم يعرف عدالة رواته، "الزيلعي" (٣٠٢:١)
اهـ. قال الحافظ فى "اللسان": يريد بذلك عثمان وحده وإلا فباقى الإسناد
ثقات مع احتمال أن يخفى على ابن القطان حال بعضهم اهـ، وقال الزيلعى بعد
ما نظر فى قول ابن القطان شيخ ابن عبد البر: هو الإمام الثقة الحافظ، والحسن
بن سليمان قال ابن يونس: كان ثقة حافظا اهـ، وفى "الجوهر النقى
(٢١٠:١): عثمان بن محمد بن ربيعة قال العقيلى: الغالب على حديثه الوهم،
ولم يتكلم عليه أحد بشىء فيما علمنا غير العقيلى، وكلامه خفيف، وقد أخرج
له الحاكم فى "المستدرك" اهـ.
فاندحض بذلك ما نقله بعض الناس من قول ابن حزم بالمعنى: ((إن النهى عن البتيراء لم
يثبت عن النبى مے وحديثه ساقط و كاذب اه)). قلت: و کیف یکون ساقطا و كاذبا
وليس أحد من رواته ساقطا ولا كاذبا؟ بل كلهم ثقات إلا عثمان وليس هو بمتروك ولا
كاذب، وابن حزم من المتعنتين فى الجرح كما ذكرنا فى المقدمة، فلا يعرج على قوله.
وأما بعض الناس فقد حلف بالطلاق أن يتحامل على الحنفية أبدا ويدحض
حجتهم دائما بذكر أقوال المتشددين المتعنتين المجازفين العادين على الحدود، ويرد على من
وافقهم وأيد حجتهم، فطعن على ابن التركمانى فى قوله: ((ولم يتكلم عليه (أى على
عثمان) أحد بشىء فيما علمنا غير العقيلى وكلامه خفيف وقد أخرج له الحاكم فى
المستدرك اهـ). فقال: وعجيب بل أعجب أن يقول: ولم يتكلم عليه أحد بشىء فيما
علمنا غير العقيلى، فإنه ينقل فى كتابه أقوالا عن "الميزان" وابن القطان، والحديث مع
الجرح موجود فيهما، ومع ذلك يقول ما يقول والله الهادى: اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا
اتباعه آمين اهـ.
قلت: يا قليل الذوق وعديم الحياء! هل ذكر فى "الميزان" عن عبد الحق وابن
القطان وغيره زيادة على ما قاله العقيلى؟ كلا! بل كلهم قالوا ما قاله ونسجوا على منواله،
والعقيلى أقدم من ابن القطان وعبد الحق وغيرهما، توفى سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة

٦٥
الإيتار بثلاث والنهى عن الإيتار بركعة فردة وذكر القراءة فيه
إعلاء السنن.
١٣٨٨- عن: محمد بن كعب القرى: ((أن النبى عَّ نهى عن
البتيراء)). قال العراقى: وهذا مرسل ضعيف "نيل الأوطار" (٢٧٨:٢)، وكذا
قال النووى فى "الخلاصة": إنه ضعيف ومرسل، (للزيلعى ٣٠٣:١). قلت: وله
شاهد قد ذكرناه قبله، والضعيف إذا تعدد طرقه يتقوى كما ذكرناه فى المقدمة.
كما فى "التذكرة" (٥٠:٣)، وتوفى عبد الحق سنة أربع عشرة وخمس مائة، وابن
القطان سنة ثمان وعشرين وستمائة، كما فيها أيضاً (١٤٠:٤ و١٩٢)، وعثمان بن
محمد بن ربيعة ممن روى عن مالك كما يظهر من "اللسان" (١٥٢:٤) فقد ذكر فيه عن
الدارقطنى: حدثنا أبو بكر النيسابورى ثنا الحسن بن سليمان ثنا محمد بن عثمان بن ربيعة
مالك بن أنس إلخ، وذكره الخطيب فى الرواة عن مالك كما فى "تزيين المالك" السيوطى
(ص-٢٨) فلا يمكن لعبد الحق وابن القطان وأمثالهما من المتأخرين أن يتكلموا فيه إلا بما
تكلم فيه المتقدمون، ولم يتكلم فيه من المتقدمين غير العقيلى، فإن الدارقطنى متأخر عنه
أيضًا توفى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وهذا هو مراد ابن التر كمانى أن عثمان بن
محمد هذا لم يتكلم فيه أحد من المتقدمين، مثل يحيى بن معين، ولا البخارى، ولا ابن
المدينى، ولا يحيى بن سعيد القطان، ولا ابن مهدى، ولا ابن عدى الحافظ فيما علمنا،
وإنما تكلم فيه العقيلى وحده منهم، وقال: الغالب على حديثه الوهم، وأما كلام عبد الحق
وابن القطان فهو تقليد للعقيلى فإنهما لم يقولا إلا ما قاله هو أن الغالب على حديث
عثمان الوهم، وهذا جرح خفیف، کما لا يخفى.
وأما قول ابن القطان: والحديث شاذ لا يعرج عليه ما لم يعرف عدالة رواته، فقد
عرفت فى قول الحافظ أن باقى الإسناد ثقات، فلا يضرنا جهل من لم يعرف عدالتهم فقد
عرفها غيره، والشذوذ منتف بما للحديث من الشواهد، منها ما سيأتى عن محمد بن
كعب القرظى: ((أن النبى مّ نهى عن البتيراء))، وهو وإن كان مرسلا ضعيفا ولكن تعدد
الطرق، يورث قوةً، ومنها ما تقدم عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه أنكر على سعد فى
الوتر بواحدة، وقال: ((ما أجزأت ركعة قط))، وسنده صحيح، ومنها ما رواه الطحاوى:
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا بشر بن بكر ثنا الأوزاعى، قال: ثنى المطلب بن عبد الله
المخزومي: ((أن رجلا سأل ابن عمر عن الوتر؟ فأمره أن يفصل، فقال الرجل: إنى لأخاف

٦.٦
الإيتار بثلاث والنهى عن الإيتار بركعة فردة وذكر القراءة فيه
إعلاء السنن
أن يقول الناس: هى البتيراء. فقال ابن عمر: تريد سنة الله وسنة رسوله مرّ له؟ هذه سنة الله
وسنة رسوله مّ ل اها (١٦٥:١). وهذا سند رجاله كلهم ثقات، فقد سمع ابن عمر هذا
من الرجل ولم ينكره ولم يقل: إن النهى عن البتيراء لا أصل له، وهذا يشعر بأن النهى عن
البتيراء كان معروفا بين المسلمين إذ ذاك، ولذا قال الرجل: إنى أخاف أن يقول الناس: هى
البتيراء، وهذا مما يقوى ما رواه عثمان بن محمد بن ربيعة، فالحديث إذن حسن صالح
للاحتجاج به، كيف؟ وعثمان ليس بمتروك ولا متهما بالكذب، وإنما تكلم فيه بعضهم
بكلام هين، وحديث مثله يحتج به إذا تأيد بالشواهد الصحيحة من أقوال الصحابة
رضى الله عنهم.
وأما ما فى رواية البيهقى قال (ابن عمر): ((صدقت! وتر الليل واحدة، بذلك أمر
رسول الله عَ ليه، فقلت: يا عبد الرحمن! إن الناس يقولون: إن تلك البتيراء، قال: يا بنى!
ليس تلك البتيراء إنما البتيراء أن يصلى الرجل ركعة فلا يتم لها ركوعًا ولا سجودًا ولا
قياما اهـ) ملخصًا (٢٦:٣). فلا يصلح للاحتجاج به، ففى سنده سلمة بن الفضل الأبرش
وهو ضعيف، وأيضًا: فتأويل ابن عمر ليس بأولى من تفسير البتيراء الذى رواه أبو سعيد
مرفوعًا وعرفه الناس قاطبةً فافهم.
ولا يعارضه ما روى البخارى عن ابن عمر: ((أنه كان يسلم بين الركعة والركعتين
فى الوتر))، فإن فعل الصحابى لا يعارض المرفوع قولا لا سيما وقد عاب ابن مسعود وهو
أجل من ابن عمر مثل ذلك على سعد، قال الطحاوى: ومحال عندنا أن يكون عبد الله
عاب ذلك على سعد مع نبله وعلمه إلا لمعنى قد ثبت عنده، ولو كان ابن مسعود إنما
خالفه برأيه لما كان رأيه أولى من رأى سعد ولما عاب ذلك على سعد إذا كان ما أخذ منه
هو الرأى، ولكن الذى علمه ابن مسعود فى ذلك هو غير الرأى اهـ (١٧٤:١).
ولا يعارضه أيضاً ما رواه الطحاوى من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه:
((أنه كان يفصل بين شفعه ووتره بتسليمة، وأخبر أن النبى ◌ّظلّ كان يفعله))، فإن رواية
الفصل فى الوتر تفرد بها ابن عمر رضى الله عنهما عن النبى ◌ّ ه، وخالفه فى ذلك أبى
بن كعب وعائشة وأنس وابن مسعود، فرووا عنه مَّ هه: ((أنه كان يوتر بثلاث لا يسلم إلا

٦٧
ج - ٦
الإيتار بثلاث والنهى عن الإيتار بركعة فردة وذكر القراءة فيه
فى آخرهن)) كما تقدم، وأيضًا: فإنما ما رواه ابن عمر حكاية عن الفعل وحديث النهى عن
البتيراء قول، والقول مقدم على الفعل، وأيضًا: فهو مبيح وذلك حاظر وإذا تعارض المبيح
والمحرم يجعل المحرم متأخرا كى لا يلزم النسخ مرتين، كما أوصحناه فى "المقدمة".
وأما ما رواه البخارى عن ابن عمر: ((أن رجلا سأل النبى مع مر عن صلاة الليل،
فقال: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشى أحدكم الصبح صلى واحدة توتر له ما قد
صلى))، فلا حجة فيه كما قال الحافظ فى "الفتح"، ولفظه: واستدل بقوله مُ له: ((صلى
ركعة واحدة)) على أن فصل الوتر أفضل من وصله، وتعقب بأنه ليس صريحا فى الفصل،
فيحتمل أن يريد بقوله: ((صلى ركعة واحدة)) أى مضافة إلى ركعتين مما مضى اهـ
(٢: ٤٠٠)، والله أعلم.
وتذكر ما أسلفناه سابقا مما يدل على أن ابن عمر لم يكن يوتر بواحدة فردة بل كان
يوتر بثلاث مع رؤيته الفصل بينهن، وكذلك كان سعد يفعل كما فى "معانى الآثار"
للطحاوى: حدثنا أبو أمية (هو محمد بن إبراهيم الطرطوسى وثقه ابن يونس وأبو داود
وقال الخلال: كان إماما فى الحديث مقدما فى زمانه رفيع القدر جدا، كذا فى "التهذيب"
١٥:٩) ثنا عبد الوهاب بن عطاء (الخصاف صدوق من رجال مسلم والأربعة، كما فى
"التقريب" ص-١٣٤) قال: ثنا أبو داود بن أبى هند عن عامر قال: ((كان آل سعد وآل
عبد الله بن عمر يسلمون فى الركعتين من الوتر ويوترون بركعة ركعة اهـ) (١٧٤:١).
وهذا سند صحیح، قال الطحاوى: فقد بين الشعبی فی هذا الحدیث مذهب آل سعد فى
الوتر وهم المقتدون به المتبعون لفعله، وأن وترهم الذى كان ركعة ركعةً إنما هو وتر بعد
صلاة قد فصلوا بينه وبينها بتسليم، فقد عاد ذلك إلى قول الذين ذهبوا إلى أن
الوتر ثلاث اهـ.
وأما ما روى عن عثمان بن عفان أنه أوتر بواحدة كما فى "شرح الآثار" للطحاوى
أيضًا: حدثنا أبو بكرة (مر توثيقه) ثنا أبو داود (هو الطيالسى) ثنا فليح (من رجال
البخارى) بن سليمان الخزاعى ثنا محمد (من رجال الجماعة) بن المنكدر عن عبد الرحمن
التيمى (له صحبة) قال: قلت: "لا يغلبنى الليلة على القيام أحد فقمت أصلى فوجدت

٦٨
الإيتار بثلاث والنهى عن الإيتار بركعة فردة وذكر القراءة فيه
إعلاء السنن
حس رجل من خلفى فى ظهرى فإذا عثمان بن عفان فتنحيت له، فتقدم فاستفتح القرآن
حتى ختم ثم ركع وسجد. فقلت: أوهم الشيخ، فلما قلت: يا أمير المؤمنين! إنما صليت
واحدةً، فقال: أجل هى وترى" اهـ (١٧٤:١).
فقد أجاب عنه الطحاوى: بأنه يجوز أن يكون عثمان کان یفصل بین شفعه ووتره
فیکون قد صلی شفعه قبل ذلك ثم أوتر فى وقت ما رآه عبد الرحمن، وفى إنكاره عبد
الرحمن فعل عثمان دليل على أن العادة التى كان قد جرى عليها قبل ذلك وعرفها على
غیر ما فعل عثمان، وعبد الرحمن له صحبة اه، قلت: وبالجملة فکل من روی عنه الإیتار
بواحدة من الصحابة مثل عثمان وابن عمر وسعد ومعاوية رضى الله عنهم لم يسلم أحد
منهم من الإنكار على فعله من أقرانه من الصحابة، فقد أنكر ابن عباس وأصحابه على
معاوية، وأنكر ابن مسعود على سعد وعاب فعله، وأنكر عبد الرحمن التيمى على عثمان.
وفى كل ذلك دليل على صحة ما روى فى الباب من النهى عن البتيراء، فإن الوتر
بواحدة أو الفصل بين الركعة والركعتين منه لو كان متعارفا بين الصحابة جوازه لم ينكروا
على فاعله ولم يعيبوه عليه، فالحق ما عليه أئمتنا الحنفية رضى الله تعالى عنهم أن الوتر
ثلاث كثلاث المغرب موصولة بتشهدين لا يسلم إلا فى آخرهن، وهو الثابت عنه مد خله
فعلا وقولا، وهو الذى أجمع عليه جمهور الصحابة بعده، كما ذكرنا كل ذلك مفصلا
فيما تقدم، ولعمرى لو أنصف المتأمل فى الأحاديث الواردة فى الباب لاعترف بقوة ما
استخرجه أبو حنيفة من لجة هذا العباب، وأما بعض الناس ومن حذا حذوه ممن ملأ الله
قلوبهم ببغض هذا الإمام وحده وحرموا بذلك من العدل والإنصاف، واختاروا سبيل
الجور والاعتساف فلا یذعنون له حتى يلج الجمل فى سم الخياط، والله الهادى إلى سواء
الصراط، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٦٩
ج - ٦
باب وجوب القنوت فى جميع السنة كلها
وسنية رفع الیدین والتکبیر له، ومحله قبل الركوع
١٦٨٩- عن: عبد الرحمن بن أبى ليلى أنه سئل عن القنوت فى الوتر،
فقال: حدثنا البراء بن عازب قال: ((سنة ماضية)) (أى طريقة مسلوكة فى الدين)
أخرجه السراج وإسناده حسن "آثار السنن" (١٥:٢).
باب وجوب القنوت فى آخر الوتر فى جميع السنة كلها
وسنیة رفع الیدین له، وأن محله قبل الركوع
قوله: "عن عبد الرحمن بن أبى ليلى إلخ". قلت: ظاهرَه الإطلاق لجميع السنة،
لأن الوتر يصلى فى السنة كلها، وليس المراد بالسنة الماضية ما اصطلح عليه الفقهاء أى
مقابل الفرض والواجب، بل المراد بها الطريقة المسلوكة فى الدين سواء كان واجبًا أو
فرضًا أو غيرهما، وظاهر الرواية عن الإمام كون القنوت واجبًا، ووجهه ظاهرا أنه لم ينقل
أحد عن النبى مّالله أنه ترك القنوت فى الوتر، بل قد حكى كثير من الصحابة مواظبته على
القنوت فى الوتر كما ستعرف، وكذا قد ثبتت المواظبة عليه من الصحابة رضى الله عنهم
من فعلهم كما سيجيئ، وأثر براء هذا كاف فى الدلالة عليها، والمواظبة بدون الترك دليل
الوجوب كما صرح به فى "الهداية" فى باب صلاة العيدين فجعل مواظبة النبى ماظهر.
عليها من غير ترك دليل وجوبها، وإن سلم قول بعض المحققين من أهل الأصول: إن
الوجوب لا يثبت بالفعل ما لم يقارن الإنكار على الترك، كما فى حاشية "نور الأنوار"
(ص-٢٦) وما لم يقع بيانًا لمجمل الكتاب (أو فى معناه) كما فى التلويح (١: ١٥٠)؛
فنقول: إن قول براء فى أثر المتن يدل على الوجوب، لأنه لما سئل عن القنوت فى الوتر قال:
"سنة ماضية"، والسلف يطلقون السنة على الواجب أيضًا كما مر.
وفى قوله: "ماضية" مزید تأکید کما لا يخفى، فهو يشعر بزيادة فی تأکده فوق ما
فى السنة المطلقة، فإما يكون القنوت فى الوتر سنة مؤكدة أو واجبًا وقد ترجح عند المجتهد
الثانى بذوقه اللسانى. وأيضًا: فقد ثبت فى أحاديث كثيرة قوله مرّ له: ((إن الله قد زاد كم
صلاة على صلاتكم ألا وهى الوتر))، وهو مجمل لا يظهر منه كيفية صلاة الوتر

٧٠
وجوب القنوت فى جميع السنة ومحله قبل الركوع
إعلاء السنن
١٦٩٠- عن: أبى بن كعب رضى الله عنه: «أن رسول الله ګے کان یوتر
بثلاث ركعات، كان يقرأ فى الأولى بسبح اسم ربك الأعلى، وفى الثانية بقل یا
أيها الكافرون، وفى الثالثة بقل هو الله أحد، ويقنت قبل الركوع))، رواه
النسائى (٢٤٨:١)، وفى "التلخيص الحبير" (١١٨:١): وأبو على بن السكن
وطريقتها، وقد وقع فعله عّ لّ بيانا لهذا المجمل، وقد أوتر مع القنوت فيه قبل الركوع،
وهذا شىء لم يعهد فى الصلاة غير الوتر، ولم يثبت عنه ترك القنوت فيه فى رواية ما،
فكان الفعل ملحقا بالقول، وحينئذ يفيد الوجوب كما مر.
لا يقال: قد عهد القنوت فى الفجر أيضاً كما سيجىء، لأنا نقول: إن القنوت فى
الفجر وغیرها لم یکن إلا شهرا واحدا، وقد كان مێ يصلى الفجر بدونه قبله وصلاها
بدونه بعده، فلم یکن فعله فيه ملحقا بالكتاب بخلاف الوتر فإنه لم يصلها منذ صلاها إلا
بالقنوت فافهم. وأثر براء بإطلاقه يدل على كون القنوت فى الوتر دائمًا فى جميع السنة،
لأن الوتر يصلى دائما جميع السنة، وفى "رحمة الأمة": قال أبو حنيفة وأحمد: يقنت فى
الوتر جميع السنة، وبه قال جماعة من أئمة الشافعية، كأبى عبد الله الزبيرى، وأبى الوليد
النيسابورى، وأبى الفضل بن عبدان، وأبى منصور بن مهران اهـ (ص-٢٣).
قوله: "عن أبي بن كعب إلخ". قلت: دلالته على كون القنوت قبل الركوع
ظاهرة، ولفظة: " كان" تفيد الاستمرار والمواظبة، فثبت أنه مَّ د كان مواظبا على القنوت
فى الوتر جميع السنة، وعلى جعله قبل الركوع، وسنده فى "سنن النسائي" هكذا:
أخبرنا على بن ميمون، قال: حدثنا مخلد بن يزيد عن سفيان (هو الثوری) عن زبيد
عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبى بن كعب فذكره.
وقال أبو داود فی "سننه": روی عیسی بن يونس عن سعيد بن أبى عروبة عن
قتادة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبى بن كعب: ((أن رسول الله مآله
قنت يعنى فى الوتر قبل الركوع)). ووصله الدارقطنى فى "سننه" (١٧٤:١)، قال: حدثنا
عبد الله بن سليمان بن الأشعث (وهو ولد أبى داود صاحب "السنن" يكنى أبا بكر ثقة)،
ثنا المسيب بن واضح ثنا عيسى بن يونس عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة، قال أبو بكر:
ربما قال المسیب: عن عروة، وربما لم يقل: عن منعید بن عبد الرحمن بن أبری عن أبيه عن

٧١
وجوب القنوت فى جميع السنة ومحله قبل الركوع
ج - ٦
فى "صحيحه" اهـ، وفيه أيضًا ما محصله: أن العقيلى جعله حجةً وأشار إلى
تصحيحه اهـ. وفى حاشية "البخارى" (١٣٦:١) قال العينى: ورواه ابن ماجة
بسند صحيح اهـ ملخصًا، قلت: رواه بسند النسائى مختصرًا ولفظه: ((أن
رسول الله عّ لّ كان يوتر فيقنت قبل الركوع)) اهـ.
أبى بن كعب، وفيه: ((وكان يقنت قبل الركوع اهـ)). وقد وقع فيه تصحيف فى لفظ
عروة، وإنما هو عزرة، وهو ابن عبد الرحمن بن زرارة، روى عن سعيد بن عبد الرحمن بن
أبزى، وعنه قتادة وسليمان التيمى وداود بن أبى هند وخالد الحذاء، ثقة من رجال مسلم
والأربعة غير ابن ماجة، ويدل على أن الصحيح عزوة دون عروة، كلام أبى داود الآتى،
(ولم يتنبه بعض الناس لذلك وزعم أنه عروة بن الزبير فوقع فى الخبط).
قال أبو داود: وروى عيسى بن يونس هذا الحديث أيضًا عن فطر بن خليفة عن
زبيد عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبى عن النبى مرّ له مثله، ((قلت:
وصله الدارقطنى فى ((سننه" وفيه: و"يقنت قبل الركوع" (١٧٥:١)). قال أبو داود:
وروى عن حفص بن غياث عن مسعر عن زبيد عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن
أبيه عن أبى بن كعب: ((أن رسول الله مَّ قنت فى الوتر قبل الركوع)). قال أبو داود:
وحديث سعيد عن قتادة رواه يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن
عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن النبى مرّه، لم يذكر القنوت ولا ذكر أبيا، وكذلك
رواه عبد الأعلى ومحمد بن بشر العبدى وسماعه بالكوفة مع عيسى بن يونس، ولم
يذكروا القنوت، وقد رواه أيضًا هشام الدستوائى وشعبة عن قتادة ولم يذكرا القنوت،
وحديث زبيد رواه سليمان الأعمش وشعبة وعبد الملك بن أبى سليمان وجرير بن حازم
كلهم عن زبيد لم يذكر أحد منهم القنوت إلا ما روى عن حفص بن غياث عن مسعر عن
زبيد فإنه قال فى حديثه: (إنه قنت قبل الركوع))، قال أبو داود: وليس هو بالمشهور من
حديث حفص، نخاف أن يكون عن حفص عن غير مسعر، قال أبو داود: يروى أن أبيا
كان يقنت فى النصف من شهر رمضان اهـ (٣٢٧:٢ و٣٢٨) مع "بذل المجهود".
قلت: وحديث شعبة عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن
أبيه، وعن زرارة عن عبد الرحمن بن أبزى عن رسول الله عّ لّه أخرجه النسائي

٧٢
وجوب القنوت فی جمیع السنة ومحله قبل الركوع
إعلاء السنن
(٢٥٢:١). وحديث هشام عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن
أبيه وصله النسائى أيضًا (١٥٣:١). وحديث سليمان الأعمش وشعبة عن زبيد، كذا
حديث عبد الملك بن أبى سليمان عن زبيد وصله النسائى فى (١٥١:١). ولكن فيه زيادة
ذر بین زبید وسعید بن عبد الرحمان، أخرج أبو داود وحديث الأعمش عن زبید عن
سعید بن عبد الرحمن بدون زيادة ذر بينهما (ص-٣٢٥ مع " بذل المجهود") فى باب ما
يقرأ فى الوتر. وحديث جرير بن حازم عن زبيد وصله النسائى (١٥٣:١) وبقية التعاليق
لم أقف على من وصلها، وبعض الناس لم يقف على حديث شعبة وعبد الملك بن أبى
سلیمان وجریر بن حازم عن زبید مع کونه مذ کورا فی "سنن النسائی" کما ذ کرنا، ولو
تنبه لهذا لعرف أن لفظة عروة فى رواية الدارقطنى تصحيف من عزرة ولم يقع فيما وقع
هذا.
وحاصل کلام أبى داود أن عيسى بن يونس روی حديث القنوت فى الوتر قبل
الركوع بطريقين، إحداهما بطريق سعيد بن أبى عروبة عن قتادة، وثانيتهما بطريق فطر بن
خليفة عن زبيد، وكلاهما لا يخلو عن اختلاف، فحديث قتادة وقع الاختلاف فيه فى
طبقة عيسى بن يونس، فخالفه ثلاثة رجال ثقات، يزيد بن زريع، وعبد الأعلى، ومحمد
بن بشر، فكلمهم تركوا ذكر القنوت، والأول لم يذكر أبيا، وزاد عزرة بين قتادة وسعيد
بن عبد الرحمان، ثم وقع الاختلاف فى طبقة سعيد بن أبى عروبة أيضًا، فهشام وشعبة
روياه عن قتادة وتركا ذكر القنوت، والجواب عن ذلك كله أن مثل هذا الاختلاف لا
يضر، فإن حاصله أن عيسى بن يونس ذكر شيئا لم يذكره أصحابه وكذا سعيد بن أبى
عروبة، وكلاهما ثقتان، وزيادة الثقة مقبولة ما لم تكن منافية لرواية الجماعة بحيث يلزم
من قبولها رد الأخرى، وههنا لا منافاة بین روایة عیسی وأصحابه وبین رواية سعيد ابن أبى
عروبة وأصحابه كما أشرنا إليه.
وأما أن يزيد بن زريع زاد بين قتادة وسعيد بن عبد الرحمن عزرة، فالجواب عنه أن
قتادة سمع عزرة وسمع سعيد بن عبد الرحمن أيضًا بلا واسطة، كما يظهر من ترجمة
سعید بن عبد الرحمن فی "التهذيب" (٥٤:٤)، فإن الحافظ نص فيها بمن کان بينه وبين

٧٣
ج - ٦
وجوب القنوت فى جميع السنة ومحله قبل الركوع
سعيد واسطة ولم يقل: إن بين قتادة وسعيد واسطة أيضًا، فزيادة عورة بينهما فى بعض
الطرق، إما أن يكون من المزيد فى متصل الأسانيد ويكون قتادة رواه عنهما جميعاً، أى
عن سعيد بن عبد الرحمن بلا واسطة مرة وبواسطة عزرة أخرى، وإما أن يكون قتادة رواه
عن سعيد بن عبد الرحمن تدليسا، ثم صرح بالواسطة بينه وبينه، وحذف أبى فى بعض
الطرق لا يضر أصلا، فإن عبد الرحمن بن أبزى صحابى ومرسل الصحابى
مقبول إجماعًا.
ثم بين أبو داود الاختلاف فى الطريق الثانية لحديث عيسى بن يونس عن فطر عن
زبيد، بأن سليمان الأعمش وشعبة وعبد الملك بن سليمان وجرير بن حازم كلهم رووه
عن زبيد ولم يذكر أحد منهم القنوت إلا ما روى ... عن حفص بن غياث عن مسعر عن
زبيد، فإن مسعراً قال فى حديثه عن زبيد: ((إنه قنت قبل الركوع))، فتابع مسعر فطر بن
خليفة، ولكنه ليس بالمشهور من حديث مسعر نخاف أن يكون عن حفص عن غير
مسعر، أى فالمتابعة ضعيفة انتهى كلامه بمعناه.
قلت: ليست الشهرة من شرائط صحة الحديث، وإلا لزم رد كثير من الأحاديث
الصحیحة التی لم تبلغ حد الشهرة، وحفص ثقة حافظ، فکیف یظن به أن يجعل حديث
غير مسعر عن مسعر؟ وإن ظن أبو داود ذلك بمن رواه عن حفص فلا يقبل هذا الظن ما لم
پصرح باسم الراوی حتی تنظر فیه هل یظن به مثل ذلك أم لا. علی أن ذنك روى عن
زبید من وجه ثالث، فقد أخرجه النسائی فی "سننه": أنا علی بن میمون ثنا مخلد بن يزيد
عن سفيان هو الثورى عن زبيد عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى بن كعب: ((أنه
علیه السلام کان یوتر بثلاث) وفيه: ((ویقنت قبل الر کوع))، ورجاله كلهم ثقات، فابن
ميمون وثقه أبو حاتم، وقال النسائى: لا بأس به، وذكره ابن حبان فى الثقات "تهذيب"
(٣٨٩:٧)، ومخلد وثقه ابن معين ويعقوب بن سفيان وأبو داود وأبو حاتم وغيرهم،
وأخرج له الشيخان "تهذيب" (٧٧:١٠)، وقد عرفت أن أبا على بن السكن صححه
وجعله العقيلى حجةً وأشار إلى تصحيحه، وفيه متابعة سفيان الثورى لفطر ومسعر فى
زيادة القنوت قبل الركوع، وناهيك به متابعا.

٧٤
وجوب القنوت فى جميع السنة ومحله قبل الركوع
إعلاء السنن
قال فى "الجوهر النقى": العجب من أبى داود كيف يقول: لم يذكر أحد منهم
القنوت إلا ما روى عن حفص عن مسعر عن زبيد؟ وقد روى هو ذكر القنوت قبل
الر کوع من حدیث عیسی بن یونس عن ابن أبى عروبة، ثم قال: وروی عیسی بن یونس
هذا الحديث أيضًا عن فطر عن زبيد عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن النبى
عليه السلام مثله، وعيسى بن يونس قال فيه أبو زرعة: ثقة حافظ، وقال ابن المدينى: بخ
بخ ثقة مأمون، على أن ذلك روى عن زبيد من وجه ثالث، فذكر سند النسائى بنحو ما
ذكرناه إلى أن قال: فظهر بهذا أن ذكر القنوت عن زبيد زيادة ثقة من وجوه، فلا يصير
سكوت من سكت عنه حجةً على من ذكره، وقد روى القنوت قبل الركوع عن الأسود
وسعيد بن جبير والنخعى وغيرهم، رواه عنهم ابن أبى شيبة فى "مصنفه" بأسانيده.
وروى مثل ذلك عن إبراهيم عن عبد الله، وعن إبراهيم عن علقمة، ((أن بن مسعود
وأصحاب النبى مّ ل كانوا يقنتون فى الوتر قبل الركوع))، وسنده صحيح على شرط
"مسلم" وفى "الإشراف" لابن المنذر: روينا عن عمر وعلى وابن مسعود وأبى موسى
الأشعرى وأنس والبراء بن عازب وابن عباس وعمر بن عبد العزيز وعبيدة وحميد الطويل
وابن أبى ليبي. أنهم رووا القنوت قبل الركوع، وبه قال إسحاق اهـ (٢١٢:١ و٢١٣).
أى وفى ذلك تقوية لما رواه زبيد عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى بن كعب عن
النبى مرّ له: ((أنه كان يقنت قبل الركوع)) فافهم.
ثم قال أبو داود: ويروى أن أبيا كان يقنت فى النصف من شهر رمضان: حدثنا
أحمد بن محمد بن حنبل نا محمد بن بكر أنا هشام عن محمد (بن سيرين) عن بعض
أصحابه: (أن أبى بن كعب أمهم يعنى فى رمضان، وكان يقنت فى النصف الأخير من
رمضان)). حدثنا شجاع بن مخلد نا هشيم أنا يونس بن عبيد عن الحسن: ((أن عمر بن
الخطاب رضى الله عنه جمع الناس على أبى بن كعب فكان يصلى لهم عشرين ليلة، (وفى
نسخة: عشرين ركعة) ولا يقنت بهم إلا فى النصف الباقى، فإذا كانت العشر الأواخر
تخلف فصلى فى بيته، فكانوا يقولون: أبق أبى)). قال أبو داود: وهذا يدل على أن الذى
فى القنوت ليس بشىء، وهذان الحديثان يدلان على ضعف حديث أبى: ((أن النبى عظيم.
قنت فى الوتر اهـ)). (٣٢٨:٢ و٣٢٩) مع "البذل" يعنى فكيف يترك أبى بن كعب ما

ج - ٦
وجوب القنوت فى جميع السنة ومحله قبل الركوع
٧٥
سمعة من النبى عة من قراءة القنوت فى باقى السنة؟ فهذا يدل على ضعف
الحديث المذكور.
قلت: وهذا عجيب من أبى داود، فإن الأثرین كلاهما ضعيف، فکیف یضعف به
الحديث الصحيح المتصل؟ أما الأول: ففيه مجهول، وهو بعض أصحاب ابن سيرين، وأما
الثانى: فهو منقطع، لأن الحسن (١) لم يدرك عمر، والانقطاع يضر بصحة الحديث عند
المحدثين، ولذا قال النووى فى "الخلاصة" كما فى "نصب الراية": الطريقان ضعيفان
اهـ. وقال الزيلعى: قال أبو داود: وهذان الحديثان يدلان على ضعف حديث أبى بن
كعب: ((أن النبى مر ◌ّ قنت فى الوتر))، وهو منازع فى ذلك أهـ (٢٨:١).
وأيضًا: فليس فى الأثرين نفى قنوت الوتر صراحة، بل فيما نفى مطلق القنوت عما
سوى النصف الأخير من رمضان، فيحتمل أن يحمل القنوت فيهما على طول القيام، فإنه
يقال عليه أيضًا تخصيصا للنصف الأخير بزيادة الاجتهاد، وكذا قاله المحقق ابن الهمام فى
الفتح (٣٧٥:١).
وأيضًا: فإنه عمل صحابى فكيف يترك به الحديث المرفوع؟ وقد عرفت أن عمل
الراوى بخلاف روايته لا يضر بصحة الحديث عند المحدثين ولا يترك به ما رواه وكذاً عند
الحنفية إذا جهل التاريخ ولم يتبين المتقدم منهما عن التأخر، وههنا كذلك لعدم ثبوت تأخر
فعل أبی عن روايته.
وبهذا اندحض ما أورده بعض الناس على الحنفية ههنا بقوله: إن الحنفية يحتجون
بالمرسل والمنقطع، وقد ثبت عمل أبی رضی الله عنه بخلاف روايته عند أبى داود برواية
إمامين جليلين محمد بن سيرين والحسن، واعتضد أحد المنقطعين بالآخر، وقد مر أن
مراسيل ابن سيرين صحاح عندعم، وكذا مرسلات الحسن صحاح عند ابن المدينى وأبى
(١) قال الحافظ فى "التهذيب": روى الحسن عن أبي بن كعب وسعد بن عبادة وعمر بن الخطاب ولم يدركهم، وفيه
أيضًا عنه: قال لى الحجاج: كم أمدك؟ قلت: سنتان من خلافة عمراه، وفى الزيلعى: قال البخارى فى تاريخه
الوسط": حدثنا الحميدى ثنا سفيان عن إسرائيل قال: سمعت الحسن يقول: ولدت لسنتين بقيتا من خلافة عمر
اهـ. قلت: رجاله رجال الصحيح (مؤلف).

٧٦
وجوب القنوت فی جمیع السنة ومحله قبل الركوع
إعلاء السنن
زرعة وإن كانت ضعافا عند الدارقطنى، كما فى "التهذيب" (٢٦٦:٢ و٢٧٠)
فالاختلاف فى التصحيح لا يضر. وتقرير الجواب أن الأصحاب إنما يحتجون بالمرسل إذا
لم يعارض المرفوع المتصل وإلا فيترجح الموصول، وههنا قد ثبت القنوت فى الوتر عن
النبى مُّه قبل الركوع مطلقًا بأسانيد متعددة ثابتة موصولة، فلا تعارض بما جاء عن أبى
من فعله فى أثرين مرسلين، ولو سلمنا صحتهما سندا فمن شرائط التعارض استواء
المتعارضين فى الدلالة على معناهما وههنا ليس كذلك، فإن موصول أبى رضى الله عنه
يدل على مواضية النبى مظهر على القنوت فى الوتر قبل الركوع صراحةً، وليس فى أثريه
المرسلين دلالة على تركه هذا القنوت بعينه صريحا كما قدمنا، بل فيه نفى مطلق القنوت،
وهو يحتمل وجوها عديدةً، ولو سلمنا دلالتهما على نفى هذا القنوت فهو عمل صحابى .
لم يعرف تأخره عن روايته فلا يترك به المرفوع، فافهم.
ثم قال بعض الناس: ويؤيد مرسل ابن سيرين والحسن ويقويه ما فى "التلخيص
الحبير" (١٢٠:١): روينا فى فوائد أبى الحسن ابن رزقويه عن عثمان بن السماك عن
محمد بن عبد الرحمن بن كامل عن سعيد بن حفص، قال: قرأنا على معقل عن الزهرى
عن عبد الرحمن بن عبد القارى(١): ((أن عمر خرج ليلةً فى شهر رمضان وهو معه، فرأى
أهل المسجد يصلون أوزاعا متفرقین، فأمر أبی بن کعب أن يقوم بهم فى شهر رمضان
فخرج عمر والناس يصلون بصلاة قاريهم، فقال: نعمت البدعة هذه والتى تنامون عنها
أفضل من التى تقومون، يريد آخر الليل وكانوا يقومون فى أوله، وقال: السنة إذا انتصف
شهر رمضان أن يلعن الكفرة فى آخر ركعة من الوتر بعد ما يقول القارئ سمع الله لمن
حمده، ثم يقول اللهم ألعن الكفرة»، وإسناده حسن اهـ.
قلت: الحديث أخرجه مالك فى "موطائه" (ص-٤٠) بدون هذه الزيادة التى
أخرجها أبو الحسن بن رزقويه عن عثمان ابن السماك، ومحمد بن عبد الرحمن بن كامل
لم أقف على من ترجمه، ولکن الحافظ قد حسن الإسناد فلعله ثقة عنده أو ليس به بأس،
وسعید بن حفص کان قد تغیر فی آخر عمره کما فی "التهذیب" (١٧:٤)، ولا ندری
(١) بتشديد الياء كذا فى "التقريب" وفى "تعليقه" من كتاب النسب: القارة قبيلة مشهورة (مؤلف).

ج - ٦
وجوب القنوت فی جمیع السنة ومحله قبل الركوع
٧٧
سماع محمد بن عبد الرحمن بن كامل عنه كان قديما أو بآخرة، ولا نعرف هذه الزيادة
بهذا السیاق(١) إلا بهذا الإسناد لم نجد له متابعا، فهی زیادة شاذة فيما تعم به البلوى،
ومثلها لا يحتج بها عندنا، وأيضًا: فالظاهر أن القائل: السنة إذا انتصف شهر رمضان إلخ،
ليس هو عمر رضى الله عنه، بل قائله الذى قال: وكانوا يقومون فى أوله، وهو إما الزهرى
أو عبد الرحمن بن عبد القارى، فيكون مرسلا، ومراسيل الزهرى شبه لا شىء عند
المحدثين، ولم نعرف رأيهم فى مراسيل ابن عبد القارى، فإن كانت محتجة بها عندهم فلا
يصح الاحتجاج بهذا الأثر ما لم یتبین أن عبد الرحمن بن عبد هو المرسل دون الزهرى،
وبعد ذلك كله فهذا الأثر لا يعارض حديث أبى بن كعب مرفوعًا، لما فيه أن محل قنوته
مَّةٍ فى الوتر كان قبل الركوع، وفى هذا الأثر محله بعد الركوع ومن شرائط التعارض
اتحاد المحل كما لا يخفى، فلنا أن نقول فى الجمع بينهما: إن القنوت الراتب فى الوتر كان
قبل الركوع، والذى كان مختصا بالنصف الأخير من رمضان هو الذى محله بعد
الر کوع، وهو محمول عندنا علی قنوت النوازل، ولم یکن ذلك قنوتا فی الوتر راتبا،
يشعر بذلك تقييد الراوى إياه يلعن الكفرة وبقوله: اللهم العن الكفرة إلخ، ومثل ذلك لا
يداوم عليه إلا قنوت النوازل دون الراتب، لكون القنوت الذى علمه النبى مَّ له الحسن بن
على فى الوتر - وسيأتى ذكره- خاليا عن لعن الكفرة.
يؤيد ذلك ما ذكره الحافظ فى "الفتح" من حديث الحافظ أبى بكر بن زياد
النيسابورى بسنده عن جابر قال: رفع رسول الله مرّ ه رأسه من الركعة الأخيرة من صلاة
الصبح صبيحة خمس عشرة من رمضان، فقال: ((اللهم انج الوليد بن الوليد)) الحديث،
حتى إذا كان صبيحة يوم الفطر ترك الدعاء، فسأله عمر فقال: ((أو ما علمت أنهم قدموا
اهـ) (٨: ١٧٠). وهذا صريح فى أن القنوت الذی کان فى النصف الأخير من رمضان إنما
كان للنازلة، ولم يكن مختصا بالوتر بل قنت رسول الله مرّظهر فى الفجر، ولعل الصحابة
قنتوا فى الوتر أيضًا إذا نزلت بهم نازلة ولم يكونوا مواظبين عليها.
(١) فلا يروا سيأتى عن الأعرج أنه ما أدرك الناس إلا وهم يلعنون الكفرة فى رمضان، فإنه قد حكى الفعل فحسب ولم
يقل: إنه سنة، ولم يحك القول بسنيته عن أحد فكان أثر ابن رزقويه الذى رواه عثمان بن السماك عن عبد
الرحمن بن كامل متفردا رواته فى حكاية القول بسنية ذلك القنوت (مؤلف).
ء
6
م
€
1

٧٨
وجوب القنوت فى جميع السنة ومحله قبل الركوع
إعلاء السنن
١٦٩١- ثنا: يزيد بن هارون ثنا هشام الدستوائى عن حماد هو ابن أبى
سليمان عن إبراهيم عن علقمة: ((أن ابن مسعود وأصحاب النبى معَّدٍ كانوا
يقنتون فى الوتر قبل الركوع)). رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه"، وهذا سند
صحيح على شرط مسلم "الجوهر النقى" (٢١٢:١) وفى "الدراية": إسناده
حسن (ص-١١٦) اهـ. وقال أبو بكر بن أبى شيبة: هذا الأمر عندنا " الجوهر
النقی
١٦٩٢- ثنا: أبو خالد الأحمر عن أشعث عن الحكم عن إبراهيم، قال:
(( كان عبد الله لا يقنت فى السنة كلها فى الفجر، ویقنت فى الوتر كل ليلة قبل
الركوع))، أخرجه ابن أبى شيبة فى "المصنف" أيضًا ("الجوهر النقى"
ويؤيد ما قلنا إن مالكا أخرج فى "الموطأ" عن داود بن الحصين أنه سمع الأعرج
يقول: ((ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة فى رمضان اهـ)). وهذا مطلق عن الوتر
والفجر كما ترى، وروى المدنيون وابن وهب عن مالك: ((أن الإمام كان يقنت فى
النصف الآخر من رمضان بلعن الكفرة))، وروى ابن القاسم عنه أى عن مالك: ((ليس عليه
العمل اه)، من "الزرقانى على الموطأ" (٢١٦:١) فتبين بذلك أن القنوت المختص برمضان
أو بنصفه الأخير لم يكن راتبا لقول مالك: "ليس عليه العمل"، ولعله كان لأجل نازلة
نزلت بالمسلمين فى أيام الصديق وعمر وعثمان حين محاربة الكفار، ثم تركوه بعد غلبة
المسلمين عليهم وفتح بلادهم، ولا يبعد حمل أثرى ابن سيرين والحسن فى قنوت أبى أنه
کان لا يقنت إلا فى النصف الباقى من رمضان على هذا المعنى، أى كان لا يقنت فى الوتر
للنازلة إلا فى النصف الباقى إلخ. وبهذا يظهر لك تحامل بعض الناس على الحنفية، فكيف
یعارض حجتهم بما لا يصلح للمعارضة؟ ویدحض دلائلهم بما هو مندحض فى نفسه، فالله.
یهدیه ويصلح باله.
قوله: "عن يزيد بن هارون إلخ". دلالته على مواظبة الصحابة على قنوت الوتر قبل
الركوع ظاهرة، وهى تفيد الوجوب عند صاحب "الهداية" ومن وافقه من الحنفية.
قوله: "ثنا أبو خالد إلخ". وقوله: "عن الأسود إلخ". دلالتهما على ما دل عليه
الأثر السابق ظاهرة

٧٩
ج - ٦
وجوب القنوت فی جمیع السنة ومحله قبل الركوع
٢١٢:١)، وسنده صحيح إلا أنه مرسل، ومراسيل إبراهيم عن ابن مسعود
خاصة حجة لا سيما وقد روى موصولا أيضًا كما مر.
١٦٩٣- عن: الأسود قال: ((كان عبد الله بن مسعود رضى الله عنه لا
يقنت فى شىء من الصلوات إلا فى الوتر قبل الركعة)). رواه الطبرانى فى
"معجمه" (الزيلعى ٢٨٠:١)، وقال: الحافظ فى "الدراية" (ص-١١٥):
صحيح، وفى "مجمع الزوائد" عنه (١٩٦:١): ((أنه كان لا يقنت فى صلاة
الغداة، وإذا قنت فى الوتر قنت قبل الركعة)) رواه الطبرانى فى "الكبير" وإسناده
حسن اهـ.
١٦٩٤- أنا: أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب بن
يوسف المعدل من أصل كتابه ثنا أحمد بن الخليل البغدادى ثنا أبو النضر ثنا
سفيان الثورى عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله: ((أن النبى معَّ له
قنت فى الوتر قبل الركعة))، أخرجه البيهقى فى "الخلافيات"، ثم قال: هذا غلط
والمشهور رواية الجماعة عن الثورى عن أبان، وأجاب عنه فى "الجوهر النقى"
(٢١٣:١): بأن الحسن بن يعقوب عدل فى نفس الإسناد، وبقية رجاله ثقات،
قوله: "أنا أبو عبد الله الحافظ إلخ". قلت: فيه ثبوت محل القنوت فى الوتر
مرفوعًا، وأنه مرٍّ قنت فيه قبل الركوع، وتغليط البيهقى إسناده ليس بجيد، لأن مبنى
كلامه على أن المشهور رواية الجماعة عن الثورى عن أبان، وهذا إنما يستقيم إذا كان مدار
الحدیث على أبان وحده وليس كذلك، فقد صرح الترمذى فى "علله" بأنه قد روی غیر
واحد عن إبراهيم النخعى عن علقمة عن عبد الله بن مسعود: ((أن النبى مرّلآ كان يقنت
فى وتره قبل الركوع اهـ). وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يكون الأعمش رواه عن إبراهيم
أيضاً، وروى عنه الثورى كما روى عن أبان، وسماع الثورى عن الأعمش، وروايته عنه
ثابتة كما فى "التهذيب" (١١٤:٤). فإذا أسند الثقات إلى الثورى أنه روى الحديث عن
الأعمش فلا وجه لتغليطه وقد علمت فى كلام صاحب "الجوهر" أن رجال هذا الإسناد
كلهم ثقات، فلا بد من القول بأن الثورى رواه عن الأعمش وأبان كليهما، ومن ههنا

٨٠
وجوب القنوت فی جمیع السنة ومحله قبل الركوع
إعلاء السنن
فيحمل على أن الثورى رواه عن الأعمش وأبان كلاهما عن إبراهيم، وهذا أولى
مما فعله البيهقى من التغليط اهـ. قلت: وقال الترمذى فى "العلل" (٢٣٦:٢):
وقد روى غير واحد عن إبراهيم النخعى عن علقمة عن عبد الله بن مسعود: ((أن
النبی عپے کان یقنت فی وتره قبل الر کوع)). وروى أبان عن إبراهيم هكذا اهـ
ملخصا. وهذا يدل على أن مدار الحديث ليس على أبان وحده، بل تابعه عليه
غير واحد، وله طريق آخر عند الخطيب البغدادى فى "كتاب القنوت" له، رواه
بسنده عن شريك عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله عن النبى معَّ له
بنحوه، ذكره ابن الجوزى فى "التحقيق" من جهة الخطيب وسكت عنه
"زیلعی" (٢٧٩:١).
١٦٩٥- عن: أبى حنيفة عن أبان بن أبى عياش عن إبراهيم عن علقمة
عن عبد الله بن مسعود عن أم عبد الله رضى الله عنها قالت: ((رأيت رسول الله
مَ طلِ قنت فى الوتر قبل الركوع)). أخرجه الحافظ طلحة بن محمد فى " مسنده"
بطریق عديدة إلی أبى حنيفة، وقال: هذا حديث حسن، رواه جماعة عن ابان
بن أبى عياش "جامع المسانيد" (٣١٨:١).
يظهر لك تحامل البيهقى رحمه الله على الحنفية كيف يضعف أدلتهم ويدحض حججهم
بتغليط الثقات وتخطئة الأثبات.
قوله: "عن أبى حنيفة إلخ". وقوله: "عن حفص بن سليمان إلخ". قلت: دلالة
الأول على قنوته مَّ فى الوتر قبل الركوع، ودلالة الثانى على ذلك مع كون الوتر بثلاث
موصولات من غیر فصل بينهن بسلام ومع التكبير للقنوت فى الوتر ظاهرة وفى كليهما
أبان بن أبى عياش تكلم فيه المحدثون بكلام فظيع، ولكن روى عنه إمامنا الأعظم أبو حنيفة
رحمه الله، وقد ذكرنا فى "المقدمة" أن شيوخه ثقات عندنا کلهم إذا سكت عنهم،
وأيضًا فإن الحافظ طلحة بن محمد حسن الإسناد، وهذا يدل على أن أبانا حسن الحديث
عنده، وطلحة بن محمد هذا هو الشاهد العدل، قال الخوارزمى فى "جامع مسانيد
الإمام": كان مقدم العدول والثقات الأثبات اهـ (٢٧٨:٢). وقال الحافظ فى "لسان