Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
ج - ٥
كراهة إدخال الصبيان والمجانين فى المسجد ورفع الصوت فيه
رجل فنظرت إليه فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فائتنى بهذين فجئته بهما،
فقال: ممن أنتما أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل
البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما فى مسجد رسول الله عَ ليه- رواه البخارى
(١٦٧:١).
١٥٥٦٨- مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب بنى رحبة فى ناحية المسجد
تسمى البطيحاء، وقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوته
فليخرج إلى هذه الرحبة، كذا أخرجه يحيى بلاغًا ولغيره مالك عن أبى النضر
مولى عمر بن عبيد الله عن سالم عن أبيه موصولا، كذا فى الزرقانى على الموطأ
(١ : ١٤٣).
١٥٦٩- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله مَّ لّ أنه
نهى عن تناشد الأشعار فى المسجد، وعنّ البيع والشراء فيه، وأن يتجلق الناس
فيه يوم الجمعة قبل الصلاة. وفى الباب عن بريدة وجابر وأنس، قال أبو عيسى:
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص حديث حسن، وشعيب هو ابن محمد بن
عبد الله بن عمرو بن العاص، قال محمد بن إسماعيل: رأيت أحمد وإسحاق
وذكر غيرهما يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، رواه الترمذى (٤٣:١).
وفى. "فتح البارى" (٤٥:١): إسناذه صحيح إلى عمرو فمن يصحح نسخته
یصححه اهـ.
أصواتهما حتى سمعها رسول الله مرّةٍ وهو فى بيته، فخرج إليهما رسول الله عَ له حتى
کشف سجف حجرته ونادى كعب بن مالك، فقال: يا كعب! فقال: لبيك يا رسول الله
مبيد! فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله! قال رسول
الله ◌ُ له: ((قم فاقضه)) (٦٧:١ (٦٨). ولم ينكر عليهما رسول الله مَ ◌ّ رفع الأصوات
فى المسجد فما الجواب عنه؟ قلت: أحاديث المنع محمولة على ما إذا كان الصوت
متفاحشا، وحديث الإباحة محمول على ما إذا كان غير متفاحش.
وقال الحافظ فى "الفتح": كرهه مالك مطلقًا أى رفع الصوت فى المسجد، سواء
كان فى العلم أو فى غيره، وفرق غيره بين ما يتعلق بغرض دينى أو نفع دنيوى وبين ما لا

١٦٢
إعلاء السنن كراهة إدخال الصبيان والمجانين فى المسجد ورفع الصوت فيه
١٥٧٠- عن عائشة قالت: كان النبى عّ لّه يضع لحسان منبرًا فى المسجد
يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله عَ ليه، أو قالت: ينافح عن رسول الله مر له
الحديث أخرجه الترمذى وقال: حسن صحيح غريب. (١٠٧:٢).
١٥٧١- عن أبى عبد الله مولى شداد بن الهاد أنه سمع أبا هريرة يقول:
قال رسول الله عَّ له: ((من سمع رجلا ينشد ضالة فى المسجد فيلقل: لا ردها الله
عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا)). رواه مسلم (-٢١٠).
فائدة فيه اهـ. (٤٦٥:١). قلت: ولابد مع ذلك من التفريق بين المتفاحش وغيره فالرفع
المتفاحش مكروه مطلقًا، وفيه أيضًا (٤٥٧:١) بعد ذكر أحاديث النهى عن تناشد
الأشعار: فالجمع بينها وبين حديث الباب أن يحمل النهى على تناشد أشعار الجاهلية
والمبطلين، والمأذون فيه ما سلم من ذلك اهـ.
قال الشيخ: وإن اختلج فى صدرك أن نهى عمر رضى الله عنه لعله مخصوص
بمسجد النبى ◌ّظّ فأزحه بالحديثين المرفوعين بعد هذا الحديث، أحدهما عن الترمذى،
والآخر عن صحیح مسلم، حیث نهی فیهما عن اللغط فی کل مسجد، وقوله مآ فى
حديث مسلم: ((فإن المساجد لم تبن لهذا)) دليل على كراهة كل فعل لم تبن المساجد له
فيه. ويتفرع عليه ما فى البحر: وأما الجلوس فى المسجد للمصيبة فمكروه، لأنه لم يبن له،
وعن الفقيه أبى الليث أنه لا بأس به؛ لأن النبى معَّ حين بلغه قتل جعفر وزيد بن حارثة
جلس فى المسجد والناس يأتونه ويعزونه. (٣٩:٣). قلت: لعل جلوسه مرّ كان تبعًا
للعبادة، أو كان للضرورة حيث لم يجد مكانا آخر، ولم يكن الجلوس لهذا العذر مخلا
بأغراض المسجد ولا شاغلا له، بخلاف البيع والشراء اهـ.
"قلت: لم أقف على هذا الحديث بهذا المعنى، وإنما رواه أبو داود (١٦٠:٣)
وسكت عنه بلفظ: قتل زيد بن حارثة وجعفر وعبد الله بن رواحة جلس رسول الله مڑٹے
فى المسجد يعرف فى وجهه الحزن. قلت: والنهى عن إدخال الصبيان والمجانين فى المساجد
للأمر بتجنيبها عنهم يستلزم الأمر يتجنيبها عن الدواب أيضًا، فيكره إدخالها فيها. وأما ما
رواه أبو داود عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى مآ قدم مكة وهو يشتكى، فطاف
على راحلته. ذكره الحافظ فى الفتح، ما ورد فى الصحيح عن أم سلمة: أنها شكت إلى

١٦٣
ج -٥
باب كراهة الضحك الكثير وعمل الصنعة فى المسجد
١٥٧٢- عن أنس مرفوعًا: ((الضحك فى المسجد ظلمة فى القبر)). رواه
الديلمى فى مسند الفرودس بسند ضعيف، ("كنز العمال" ١٤٢:٤).
١٥٧٣- عن عثمان مرفوعًا: «جنبوا صبیانکم مساجد کم)). رواه الدیلمی
فى مسند الفردوس بإسناد ضعيف، ("كنز العمال" نفس المرجع).
رسول الله عّ لّ فقال لها: ((طوفى من وراء الناس وأنت راكبة)). واستدل به ابن بطال على
جواز إدخال الدواب التی يؤ كل لحمها المسجد إذا احتج إلی ذلك، لأن بولها لا ينجسه،
فأجاب عنه الحافظ فى "الفتح" بأنه ليس فى الحديث دلالة على الجواز مع الحاجة، بل
ذلك دائر على التلويث وعدمه، فحيث يخشى التلويث يمتنع الدخول، وقد قيل: إن
ناقته مرّ كانت منوقة أى مدربة معلمة فيؤمن منها ما يحذر من التلويث وهى
سائرة، فيحتمل أن يكون بغير أم سلمة كان كذلك والله أعلم (٤٦٣:١).
باب كراهة الضحك الكثير وعمل الصنعة فى المسجد
قوله: عن أنس إلخ. قال المؤلف: دل الحديث على ذم الضحك فى المسجد، وهو
محمول على الكثير، أو إذا دخل له فى المسجد، والحديث وإن كان ضعيفًا كما نبه عليه
السیوطی فی خطبة جمع الجوامع بما نصه: أو الدیلمی فی مسند الفردوس (أی أو کل ما
عزى) فهو ضعيف "كنز العمال" (٣:١). لكنه كما قال شيخى: إذا تأيد بالقواعد العامة
کان حجة.
قوله: عن عثمان إلخ. قال المؤلف: دلالته على تجنيب المساجد عن الصناع ظاهرة.
والحديث وإن كان ضعيفًا لكنه تأيد بحديث النهى عن البيع والابتياع فى المسجد وهذا
حكمه لجامع جلب الأموال بالكسب، وكونهما مبادلة الأموال بالأموال حقيقية كما فى
البيع أو حكمية كما فى الصنعة والإجازة، قاله الشيخ. وفى "البحر الرائق": وقالوا: ولا
يجوز أن تعمل فيه الصنائع، لأنه مخلص لله تعالى فلا يكون محلا لغير العبادة، غير أنهم
قالوا فى الخياط إذا جلس فيه لمصلحته (أى المسجد) من دفع الصبيان وصيانة المستجد لا
بأس به للضرورة، ولا يدق الثوب عند طيه دقًا عنيفًا، والذى يكتب إن كان بأجره، وإن
کان بغیر أجر لا یکره.

١٫٦٤
إعلاء السنن
· باب جواز دخول المحدث المسجد
١٥٧٤- عن الأشعث أن عليا بال، ثم دخل المسجد، فاجتاز فيه
قبل أن يتوضأ. رواه الضياء المقدسى فى صحيحه المسمى بالمختارة
(كنز العمال ٢٦١:٤).
قال فى فتح القدير: هذا إذا كتب القرآن والعلم، لأنه فى عبادة، أما هؤلاء المكتبون
الذين يجتمع عندهم الصبيان واللغط فلا ولو لم يكن لغط لأنهم فى صناعة لا عبادة، إذ
هم يقصدون الإجارة، ليس هو لله بل للارتزاق، ومعلم الصبيان القرآن كالكاتب إن كان
لأجر لا، وحسبة لا بأس به. (٣٨:٢). قلت: رأيت كثيراً من العلماء يدرسون فى المسجد
على الأجرة فليتنبهوا وليجتنبوا، والحيلة فى ذلك أن يجلسوا بنية الاعتكاف فيزول
المحذور، وفى "فتح القدير" بعد تلك العبادة المارة من "البحر": ومنهم من فصل هذا: إن
کان لضرورة الحر وغیره لا یکره، وإلا فیکره، وسكت عن كونه بأجر أو غيره، وینبغی
حمله على ما إذا كان حسبة، فأما إن كان بأجرفلا شك فى الكراهة، وعلى هذا فإذا كان
حسبةً ولا ضرورة يكره، لأن نفس التعليم ومراجعة الأطفال لا تخلو عما يكره فى
المسجد (٣٦٩:١). قلت: هذا تقرير لطيف، واعلم أن المتعلمين ولو لم يكونوا أطفالا
صغارا بل كانوا بالغين يغلب منهم عدم أداء حقوق المسجد فی حال جلوسهم فيه فيكره
جلوسهم فى المسجد للتعليم إلا لضرورة شديدة أو بأداء حقوق المسجد.
باب جواز دخول المحدث المسجد
قوله: عن الأشعث إلخ. قال المؤلف: دلالته على المرور فى المسجد محدثًا ظاهرة،
وهو وإن كان موقوفًا لكنه حجة عندنا كما عرف فى موضعه، ويحمل فعل على رضى
الله عنه هذا على أنه دخل بعد استنجائه بالماء، ولم يكن ببدنه نجاسة لا قليلة ولا كثيرة.
لكراهة دخول من بدنه نجاسة فى المسجد، كما فى رد المحتار عن الهندية: لا يدخل
المسجد من على بدنه نجاسة. (٦٨٧٫٦٨٦:١)، والدليل عليه الحديث المرفوع المار فى
المتن: وأن ينظف ويطيب. نعم! مقتضى القواعد التفصيل فيه بأن النجاسة إن كانت قليلة
فالكراهة خفيفة، وإن كانت كثيرة فشديدة، كما فى الصلاة مع النجاسة، فإن غير المانعة
والمانعة متفاوتتان فيها كراهةً وفسادًا.

١٦٥
ج - ٥
باب آداب دخول المسجد
١٥٧٥- عن على أن رسول الله عّ لّه كان إذا دخل المسجد قال: ((اللهم
افتح لى أبواب رحمتك)). وإذا خرج قال: ((اللهم افتح لي أبواب رزقك)). رواه
الضياء المقدسى فى المختارة ("كنز العمال" ٤: ٢٦١) وهو صحيح على قاعدته.
١٥٧٦- عن فاطمة بنت رسول الله عَّ له قالت: كان رسول الله عَ لّه إذا
دخل المسجد يقول: (بسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لى ذنوبى
وافتح لى أبواب رحمتك)). فإذا خرج قال: ((بسم الله والسلام على رسول الله
اللهم اغفر لی ذنوبی وافتح لی أبواب فضلك». رواه عبد الرزاق فی مصنفه وابن
أبى شيبة والضياء المقدسى فى المختارة ("كنز العمال" ٢٦١:٤). وهو صحيح
على قاعدته أيضًا، وحسنه السيوطى فى الجامع الصغير رمزًا (١٠٥:٢).
١٥٧٧- وعن ابن عمرو مرفوعًا: كان إذا دخل المسجد قال: ((أعوذ بالله
العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم)) وقال: ((إذا قال ذلك
قال الشيطان: حفظ منى اليوم)). رواه أبو داود، وحسنه السيوطى فى الجامع
الصغير رمزًا (١٠٥:٢).
١٥٧٨- وعن أبى أسيد قال: قال رسول الله عرّ ◌َّه: إذا دخل أحدكم
المسجد فليقل: اللهم افتح لى أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إنى
أسألك من فضلك. رواه مسلم ("مشكاة" ٥٣:١).
باب آداب دخول المسجد
قوله: عن على إلخ. قال المؤلف: دلالته على الذكر المخصوص عند دخول المسجد
وعند خروجه عنه ظاهرة، وهو من آداب المسجد، والظاهر أنه مستحب، ولفظ كان
يجامع الدوام المستحب أيضًا.
قوله: عن فاطمة إلخ. قال المؤلف: دلالته على ما دل عليه الحديث الذى قبله
ظاهرة، وكذا دلالة ما بعده وتقرير الدلالة قد مر.

١٦٦
ج- ٥
١٥٧٩- عن أنس أنه كان يقول: من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ
برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى. أخرجه الحاكم فى
"المستدرك" قاله الحافظ فى الفتح (٤٣٧:١). وقال: والصحيح أن قول
الصحابى من السنة كذا محمول على الرفع، وذكر البخارى تعليقًا: كان ابن
عمر يبدأ برجله الیمنی، فإذا خرج بدأ برجله الیسری اهـ.
باب كراهة البزاق والمخاط فى المسجد
و عن يمين المصلى وأمامه فى الصلاة مطلقا
١٥٨٠- عن أنس بن مالك أن النبى مرّ ◌ّ رأى نخامة فى القبلة فشق ذلك
علیه حتی رئی فی وجهه، فقام فحکه بيده، إن أحد کم إذا قام فى صلاته فإنه
يناجى ربه أو أن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحد كم قبل قبلته، ولكن عن
يساره أو تحت قدمه، ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض،
فقال: أو يفعل هكذا، رواه البخارى (١٥٨:١).
١٥٨١- وفى رواية له عن أبى هريرة مرفوعًا: ((فإن عن يمينه ملكا)).
١٥٨٢- وفی "فتح البارى" (٢٩:١). وروى ابن أبى شيبة من حديث
حذيفة موقوفًا فى هذا الحديث، قال: ((ولا عن يمينه فإن عن يمينه كاتب
الحسنات)).
١٥٨٣- وفى الطبرانى من حديث أبى أمامة فى هذا الحديث: ((فإنه يقوم
بین یدی الله، وملكه عن يمينه وقرينه عن يساره)).
باب كراهة البزاق والمخاط فى المسجد
وعن يمين المصلى وأمامه فى الصلاة مطلقًا
قوله: عن أنس. قال المؤلف: دلالته على ما ذكر فيه ظاهرة. وفى "البحر الرائق":
يكره البصاق فيه، لا يلقى لا فوق البوارى ولا تحتها إلى أن قال: ويأخذ النخامة بكمه أو
بشىء من ثيابه، فإن اضطر إلى ذلك كان البصاق فوق البوارى خيرًا من البصاق تحتها،
لأن البوارى ليست من المسجد حقيقة ولها حكم المسجد، فإذا ابتلى بيليتين يختار

١٦٧
كراهة البزاق والمخاط فى المسجد
إعلاء السنن
١٥٨٤- عن أنس بن مالك قال: قال النبى عَّدٍ: ((البزاق فى المسجد
خطيئة وكفارتها دفنها)). رواه البخارى (٥٩:١).
١٥٨٥- عن أبى سعيد الخدرى أن النبى عرَ ◌ّه كان يحب العراجين ولا
يزال فى يده منها، فدخل المسجد فرأى نخامة فى قبلة المسجد فحكها، ثم أقبل
على الناس مغضبًا فقال: أيسر أحدكم أن يبصق فى وجهه؟ إن أحدكم إذا
استقبل القبلة فإنما يستقبل ربه عز وجل، والملك عن يمينه فلا يتفل عن يمينه ولا
أهونهما، فإن لم يكن فيها بوار يدفنها فى التراب ولا يدعها على وجه الأرض (٣٧:٢).
قلت: يثبت من مجموع حديثى أنس وأبى سعيد من رواية أبى داود أن الترتيب فى إلقاء
البزاق أن يساره إن كان فارغًا يبزق فيه أو تحت قدمه، وإن لم يكن ذلك ففى الثوب، قال
بعض الناس: ويثبت أيضًا بقوله مه: ((البزاق فى المسجد خطيئة)). إباحة ذلك بأنه خطيئة
إذا لم يكن له عذر، ومباح إذا كان له عذر تطبيقًا بين الأحاديث، والله أعلم، وهو
المعتمد عندی.
قلت: بل الظاهر من الآثار أنه فى المسجد خطيئة مطلقًا، والذى ورد من قوله معدّ لّه:
(ولكن عن يساره أو تحت قدمه))، ومن قوله: ((فلیبصق عن يساره أؤ تحت قدمه))، لیس
متعلقًا بالبزاق فى المسجد، بل متعلق به حال كون الرجل فى الصلاة، أى وهو خارج
المسجد، قال الحافظ: فالتفل حينئذ إنما يقع على القرين وهو الشيطان، ولعل ملك اليسار
حينئذ يكون بحيث لا يصيبه شىء من ذلك، أو أنه يتحول فى الصلاة إلى اليمين اهـ.
فائدة:
فى "مجمع الزوائد" (١٥٠:١) عن عبد الرحمان بن يزيد قال: كنا مع عبد الله بن
مسعود رضى الله عنه وأراد أن يبصق وما عن يمينه فارغ فكره أن يبصق عن يمينه وليس فى
صلاة. رواه الطبرانى فى الكبير ورجاله ثقات اهـ. وروى عبد الرزاق وغيره عن معاذ بن
جبل قال: ما بصقت عن يمينى منذ أسلمت. كذا فى "فتح البارى" (٤٢٧:١). وفى
"الترغيب" (٥٢:١): عن ابن عمر قال: قال رسول الله مرّ له: ((يبعث صاحب النخامة فى
القبلة يوم القيامة وهى فى وجهه)). رواه ابن خزيمة فى صحيحه اهـ.

١٦٨
ج-٥
فى قبلته، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه، فإن عجل به أمر فليتفل هكذا،
ووصف لنا ابن عجلان ذلك أن يتفل فى ثوبه ثم يرد بعضه على بعض. رواه أبو
داود (١٧٩:١) وسكت عنه، وفى "فتح البارى": إسناد صحيح (٤٢٩:١).
١٥٨٦- عن سعد بن أبى وقاص مرفوعًا: قال: ((من تنخم فى المسجد
فلیغیب نخامته أن تصیب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذیه)). رواه أحمد بإسناد حسن
("فتح البارى" ٤٢٨:١).
باب كراهة حديث الدنيا فى المسجد إذا جلس له فيه
١٥٨٧- عن أنس قال: قال رسول الله عَ ليه: ((يأتى على الناس زمان
يتحلقون فى مساجدهم وليس همتهم إلا الدنيا ليس لله فيهم حاجة فلا
تجالسوهم): رواه الحاكم وصححه (الخصائص الكبرى ١٥٦:٢).
١٥٨٨- عن عبد الله - يعنى ابن مسعود- قال: قال رسول الله سروله:
(سيكون فى آخر الزمان قوم يكون حديثهم فى مساجدهم ليس لله فيهم
حاجة)). رواه ابن حبان فى صحيحه (الترغيب ٥٤:١).
قوله: عن سعد إلخ. دلالته على الباب ظاهرة.
باب كراهة حدیث الدنیا فی المسجد إذا جلس له فیه
قوله: عن أنس إلخ. وعن عبد الله إلخ: قال المؤلف: دلالتهما على كراهة كلام
الدنيا فى المسجد ظاهرة، وفى "البحر الرائق": وصرح فى "الظهيرية" بكراهة الحديث
أى كلام الناس فى المسجد، لكن قيده بأن يجلس لأجله، وفى "فتح القدير": الكلام
المباح فيه مكروه يأكل الحسنات، (قلت: قوله: يأكل الحسنات، جزء من الحديث الذى
لا أصل له، وسنذكره عن قريب)، وينبغى تقييده بما فى "الظهرية" أما إن جلس للعبادة ثم
بعدها تكلم فلا. (٣٩:٢). قلت: ينبغى أن يتقى منه حق الاتقاء، ثم بعد ذلك إن تكلم فيه
لا بأس به، فإن فى الحذر كل الحذر منه حرج عظيم، وما جعل الله فى الدين من حرج.
وفى "نفع المفتى والسائل": وأما حديث: ((من تكلم فى المسجد بكلام الدنيا أحبط الله
أعماله))، قال الصنعانى: إنه موضوع، وكذا ((الحديث فى المسجد يأكل الحسنات كما

١٦٩
إعلاء السنن
باب كراهة دخول من أكل الثوم والبصل
وكل ما له رائحة كريهة فى المسجد إلا بعد
إزالة الرائحة وكراهة إخراج الريح فيه أيضاً
١٥٨٩- عن ابن عمر أن رسول الله عَ لّم قال: ((من أكل من هذه البقلة
فلا يقربن مسجدنا حتى يذهب ريحها)) -يعنى الثوم- رواه مسلم (٢٠٩:١).
يأكل البهيمة الحشيش))، قال الفيروز آبادي(١): لم يوجد، كذا فى "موضوعات
الشوكانى" (ص٥٤).
باب كراهة دخول من أكل الثوم والبصل
وكل ما له رائحة كريهة فى المسجد إلا بعد
إزالة الرائحة وكراهة إخراج الريح فيه أيضًا
قوله: عن ابن عمر رضى الله عنها إلخ. قال المؤلف: دلالته على كراهة دخول
المسجد بعد أكل الثوم بغير إزالة ريحها ظاهرة. وفى "رد المحتار": قوله : - أى" قول الدر
المختار" -: وأكل ثوم - أى كبصل ونحوه مما له رائحة كريهة للحديث فى النهى عن
قربان أكل الثوم والبصل المسجد. قال الإمام العينى فى شرحه على صحيح البخارى:
قلت: علة النهى أذى الملائكة وأذى المسلمين، ولا يختص بمسجده عليه الصلاة والسلام
بل الكل سواء، لرواية مساجدنا بالجمع خلافًا لمن شذ، ويلحق بما نص عليه فى الحديث:
كل ما له رائحة كريهة مأكولا أو غيره، وإنما خص الثوم هنا بالذكر وفى غيره أيضًا
بالبصل والكراث لكثرة أكلهم لها، وكذلك ألحق بعضهم بذلك من بفيه بخر أو به جرح
له رائحة، وكذلك القصاب والسماك والمجذوم والأبرص أولى بالإلحاق.
وقال سحنون: لا أرى الجمعة عليهما، واحتج بالحديث، وألحق بالحديث كل من
آذى الناس بلسانه، وبه أفتى ابن عمر، وهو أصل فى نفى كل من يتأذى به، ولا يبعد أن
يعذر المعذور بأكل ما له ريح كريهة، لما فى صحيح(٢) ابن حبان عن المغيرة بن شعبة قال:
انتهيت إلى رسول الله عَّ فوجد منى ريح الثوم، فقال: ((من أكل الثوم؟)) فأخذت يده
(١) بلدة من مضافات فارس.
(٢) قلت: رواه أبو داود مطولا وسكت عنه فى باب أكل الثوم. (مؤلف)

١٧٠
ج -٥
كراهة الدخول فى المسجد بكل ما له رائحة كريهة
١٥٩٠- عن جابر بن عبد الله أن رسول الله عّ لّه قال: ((من أكل ثوما أو
بصلا فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد فى بيته))، وأنه أتى بقدر(١) فيه
خضروات من بقول فوجد له ريحا، فسأل فأخبر بما فيها من البقول فقال:
قربوها إلى بعض أصحابه فلما رآه كره أكلها قال: ((كل فإنى أناجى من لا
تناجى)). رواه مسلم (٢٠٩:١).
١٥٩١- عن جابر قال: نهى رسول الله عَّه عن أكل البصل والكراث
فأدخلتها فوجد صدرى معصوبا، فقال: إن لك عذرا، وفى رواية الطبرانى فى الأوسط:
اشتکیت صدری فأکلته، وفيه: فلم یعنفه مګآ، و قوله ملآ: ((ولیقعد فى بيته))، صريح فى
أن أكل هذه الأشياء عذر فى التخلف عن الجماعة، وأيضًا هنا علتان: أذى المسلمين وأذى
الملائكة، فبالنظر إلى الأولى يعذر فى ترك الجماعة وحضور المسجد، وبالنظر إلى الثانية
یعذر فی ترك حضور المسجد ولو کان وحده اهـ. ملخصًا. أقول: کونه یعذر بذلك ینبغی
تقييده بما إذا أكل ذلك بعذر، أو أكل ناسيا قرب دخول وقت الصلاة، لئلا يكون مباشراً
لما يقطعه عن الجماعة بصنعه. (١: ٦٩١ و٦٩٢)
وفى "الدر المختار": ويكره الإعطاء وقيل: أن تخطى وإنشاد ضالة أو شعر إلا ما فيه
ذكر ورفع صوت بذكر إلا للمتفقهة، والوضوء إلا فيما أعد لذلك إلى أن قال: وأكل
ونوم إلا لمعتکف وغريب، ودخول أکل نحو ثوم ویمنع منه، و کذا أُکل موذ لو بلسان،
وكل عقد إلا لمعتكف بشرطه، والكلام المباح. وقيده فى "الظهرية" بأنه يجلس لأجله
أهـ. (٤٤٨:١): قوله: ويمنع منه يدل على كراهة التحريم. قلت: فظاهره أن الكراهة فى
البواقى التنزيهية وإخراج الريح يدخل فى قوله: كل موذ فتكون كراهية تنزيهية، ولكن
فى كون الكراهية تنزيهية فى بعض المذكورات نظرًا قويًا.
قوله: عن جابر فى الرواية الأولى إلخ. قال المؤلف: دلالته على ما دل عليه ما قبله
ظاهرة، ودل أيضًا على أن أكل تلك الخضروات ثم الدخول فى المسجد مكروه لكل أحد،
وأنه ◌ٍّ كان لا يحب أكله فى حال المناجاة مع الملائكة التى خص هو بها.
قوله: عن جابر فى الرواية الثانية إلخ. قال المؤلف: هذا الحديث دلالته على كراهة
(١) يجوز فيه التأنيث والتذكير والتأنيث أشهر، كذ فى "فتح البارى".

١٧١
كراهة الدخول فى المسجد بكل ما له رائحة كريهة
إعلاء السنن.
فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها، فقال: ((من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن
مسجدنا، فإن الملائكة تأذى مما يتأذى منه الإنس)). رواه مسلم (٢٠٩:١) وفى
رواية له عن جابر بن عبد الله عن النبى مرّ ه قال: ((من أكل من هذه البقلة الثوم،
وقال(١) مرة: من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة
تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم.
ما ذكر فيه ظاهرة، وأيضًا فيه تعليل للنهى ومر بيانه منقولا عن العينى. وقال بعض الناس:
وقد ورد فى حديث أبى داود ما يدل بظاهره على جواز الدخول لمن له عذر فى الأكل،
وهو ما رواه وسكت عنه عن المغيرة بن شعبة قال: أكلت لوثا فأتيت مصلى رسول الله
مَطله وقد سبقت بركعة، فلما دخلت المسجد وجد رسول الله من له ريح الثوم، فلما قضى
رسول الله مَ ل صلاته قال: ((من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا حتى يذهب ريحها أو
ريحه))، فلما قضيت الصلاة جئت إلى رسول الله مَ ◌ٍّ فقلت: يا رسول الله مليء! والله
لتعطينى يدك قال: فأدخلت يده فى كم قميصى إلى صدرى فإذا أنا معصوب الصدر،
قال: «إن لك عذرا اه). وقوله: (فلا یقربنا» أی فی المسجد، ففی حدیث أبی سعید عند
مسلم (كما فى "فتح البارى"): ((من أكل من هذه الشجرة شيئًا فلا يقربنا فى المسجد
اهـ). والجواب عنه بوجهين: أحدهما أن حديث جابر فى صحيح مسلم وهو يدل على
أن المعذور أيضًا لا يدخل، وهذا الحديث فيه أبو هلال الراسبى ضعيف، ففى "التقريب":
صدوق فيه لين (ص-١٨٣). وفى "عون المعبود" (٤٢٥:٣): قال المنذرى: فى إسناده
أبو هلال محمد بن سليم المعروف بالراسبى وقد تكلم فيه غير واحد اهـ. وثانيهما أن
معنى قوله مَّ: ((إن لك عذرا)): إنك معذور فى الدخول لعدم العلم بالحكم فانهم.
قلت: أما الجواب الأول: ففيه أن كون الراسبى قد تكلم فيه غير واحد لا يستلزم
کون الحديث ضعيفًا، مع قول ابن معین فیه: أنه صدوق. وقال مرة: ليس به بأس (وهذا
توثيق منه على ما عرف) وقال ابن أبى حاتم: أدخله البخارى فى الضعفاء، وسمعت أبی
يقول: یحول منه. وقال الآجری عن أبى داود: أبو هلال ثقة، وقد روى عنه ابن مهدی
(١) رواه أبو نعيم فى المستخرج من طريق روح بن عبادة عن ابن جريج وفيه: قال ابن جريج: وقال عطاء فى وقت
آخر: الثوم والبصل والكراث. كذا فى "فتح البارى".

١٧٢
ج - ٥
كراهة الدخول فى المسجد بكل ما له رائحة كريهة
١٥٩٢- عن أنس قال: قال رسول الله عَّ له: ((إياكم وهاتين البقلتين
المنتنتين أن تأكلوهما وتدخلون مساجدنا، فإن كنتم لابد آكلوهما فاقتلوهما
بالنار قتلا)). رواه الطبرانى فى "الأوسط" ورجاله موثقون، ("مجمع الزوائد
"
١٤٩:١).
١٥٩٣- عن أبى هريرة أن رسول الله عَّ طله قال: ((إن الملائكة تصلى على
أحدكم مادام فى مصلاه الذى صلى فيه ما لم يحدث، تقول: اللهم اغفر له
اللهم ارحمه)). رواه البخارى (١٦٣:١) ورواه الترمذى (٤٤:١) وقال: حسن
صحيح بلفظ: ((لا يزال أحدكم فى صلاة مادام ينتظرها. ولا تزال الملائكة
تصلى على أحدكم مادام فى المسجد، اللهم اغفر له اللهم ارحمه
ما لم يحدث)).
وحدث. وقال البزار: احتمل الناس حديثة وهو غير حافظ، وكذا قال أحمد، وقال ابن
عدى: هو ممن يكتب حديثه. من "التهذيب" ملخصًا (١٩٦:٩). وحديث مثل هذا
حسن، کیف لا وقد سکت عنه أبو داود وأخرجه ابن حبان فی صحیحه؟ فالعجب من
بعض الناس كيف ينسى أصوله فى باب التضعيف والتحسين، فيجعل تارة سكوت أبى
داود حجة وكل ما فى صحيح ابن حبان صحيحًا، وينقض هذا الأصل أخرى.
وأما الجواب الثانى: فلا يخفى ما فيه، لأنه مّ لو أراد أنك معذور لعدم العلم
لأمره بالخروج بعد علمه ولم يثبت ذلك فى شئ من طرق الحديث فالظاهر ما قاله العينى
إنه لا يبعد أن يعذر المعذور بأكل ما له ريح كريهة مستدلاً بهذا الحديث، أو يقال: إن
الرائحة كانت قليلةً غير مؤذية لكون الثوم مشدودًا بالعصابة، ولكن النبى مُّّ أحس به
للطاقة طبعه وذكاء حسه، فلما علم بالعذر لم يأمره بالخروج من المسجد لقلة تأذى
الناس به، والله أعلم.
قوله: عن أنس رضى الله إلخ. قال المؤلف: دل الحديث على أنه لو دخل فى
المسجد بعد أكل الثوم المطبوخ فلا بأس به.
قوله: عن أبى هريرة إلخ. قال المؤلف: دل الحديث على أن الداخل فى المسجد
تصلى عليه الملائكة ما دام فيه طاهرًا. وأما بعد نقض الطهارة فلا، ومقتضاه: الحرمان من

١٧٣
إعلاء السنن
باب جواز قص الرؤيا وسماعها فى المسجد
وجواز الكلام المباح والضحك فيه إذا لم يدخل فيه لأجله بل للعبادة
١٥٩٤- عن سمرة بن جندب قال: كان النبى عّ لّ: إذا صلى بنا الصبح
أقبل على الناس بوجهه، وقال: ((هل رأى أحد منكم رؤيا الليلة؟)). رواه الترمذى
(٥٣:٢) وقال: حسن صحيح.
١٥٩٥- عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله عَ بّ لا يقوم من
استغفارهم فى الأحداث من غير دلالة على كراهته، والرواية الثانية عن جابر: ((إن الملائكة
تتأذى مما يتأذى منه الإنس)) يدل على كزاهة بعض الأحداث، لأن بعض الأحداث
كإخراج الريح يتأذى منه الإنس فتتأذى منه الملائكة أيضًا، فإخراج الريح مكروه فى
المسجد لتأذى الملائكة به، وقال فى "الفتح": وفيه أن الحدث فى المسجد أشد من النخامة،
لما تقدم أن لها كفارة ولم يذكر لهذا كفارة، بل جوزى صاحبه بحرمان استغفار الملائكة.
.(٤٤٨:١). أى والوعيد على شئ دليل كراهته على قدر منزلة الوعيد. وقال فى "نفع
المفتى والسائل" : اختلف السلف فى الذی یفسو فى المسجد، فبعضهم لم ير به بأسا، وقال
بعضهم: لا يفسو فيه بل يخرج إذا احتاج إليه وهو الأصح كذا فى كراهة شرح الجامع
الصغير للتمرتاشى، ونقل عنه العلامة الحموى فى حاشيته على "الأشباه" فى بحث أحكام .
المسجد اهـ. (ص-٥٤).
باب جواز قص الرؤيا وسماعها فى المسجد
وجواز الكلام المباح والضحك فيه إذا لم يدخل فيه لأجله بل للعبادة
قوله: عن سمرة بن جندب إلخ. قلت: دلالته على الجزء الأول ظاهرة. وهذا ليس
من حديث الدنيا بل من حديث الآخرة، فإن رؤيا المؤمن لا سيما الصحابة جزء من أجزاء
النبوة، وقد غفل بعض الناس حيث عد ذلك من الكلام المباح، وتكلف فى تأويله بما هو
مستغنى عنه.
قوله: عن جابر بن سمرة إلخ. قال المؤلف: فيه دلالة على جواز الحديث المباح فى
المسجد إذا لم يدخل فيه لأجله، بل دخل للعبادة ثم تكلم به، وعلى مثله يحمل ما رواه ابن

١٧٤
ج - ٥
جواز الكلام المباح فى المسجد إذا لم يدخل لأجله
مصلاه الذى يصلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام
وكانوا يتحدثون فيأخذون فى أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم رسول الله
مُ ظه. رواه مسلم (مشكاة ٣٤٧).
١٥٩٦- وفى الشمائل للترمذى (١٧): بسند صحيح على شرط مسلم
عن جابر هذا قال: جالست رسول الله عّ لّه أكثر من مائة مرة، وكان أصحابه
يتناشدون الشعر ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت، وربما
تبسم معهم.
٠
ماجة من أكل الصحابة الخبز والشواء فى المسجد ونصه (ص: ٣٤٥): حدثنا يعقوب بن
حميد بن كاسب وحرملة بن يحيى قالا: ثنا عبد الله بن وهب أخبرنى عبد بن الحارث
حدثنى سليمان بن زياد الحضرمى أنه سمع عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدى يقول:
كنا لنأكل على عهد رسول الله مرّ فى المسجد الخبز واللحم اهـ. قال القاضى الشوكانى
فى نيله (٥٠:٢): كلهم من رجال الصحيح إلا يعقوب بن حميد؛ وقد رواه معه
حرملة بن يحيى.
قلت: يعقوب أيضًا منهم على ما يستفاد من ترجمته فى "تهذيب التهذيب"، وقد
تكلم فيه، وحرملة من رجال مسلم صدوق، كما فى التقريب (ص-٣٦)، وفى الزوائد:
إسناده حسن رجاله ثقات، ويعقوب مختلف فيه. كذا فى تعليق السندى على ابن ماجه
(١٦١:٢). وكذا يحمل ما فى "مجمع الزوائد" أيضًا (١: ١٥٠) عن عبد الله بن الزبير
رضى الله عنه قال: أكلنا مع رسول الله مرّ يوما شواء ونحن فى المسجد، فأقيمت الصلاة
فلم نزد على أن مسحنا بالحصى، رواه الطبرانى فى الكبير وفيه ابن لهيعة وفيه كلام اهـ.
قلت: قد مر أنه مختلف فيه حسن الحديث، وفى طبقات المدلسين (ص-٢): الخامسة (أى
المرتبة الخامسة) من ضعف بأمر آخر سوى التدليس فحديثهم مردود ولو صرحوا
بالسماع، إلا أن يوثق من كان ضعفه يسيرا كابن لهيعة اهـ.
وفى "النيل": وحديثه حسن وفيه كلام معروف اهـ. وفى الترغيب للحافظ
العلامة المنذرى (٥١٨:٢): ابن لهيعة حديثه حسن فى المتابعات، وأما ما انفرد به فقليل
من يحتج به اهـ. وقال الطحاوى (٤٤:١) مخاطبًا لخصمه: قيل لهم: كيف تحتجون فى

١
إعلاء السنن
جواز الكلام المباح فى المسجد إذا لم يدخل لأجله
١٧٥
هذا بابن لهيعة وأنتم لا تجعلونه حجة لخصمكم فيما يحتج به عليكم؟ ولم أرد بشئ من
ذلك الطعن على عبد الله بن أبى بكر ولا على ابن لهيعة ولا على غيرهما، ولكنى أردت
بيان ظلم الخصم اهـ. فثبت أنه حجة عند الطحاوى أيضاً.
فائدة جليلة:
قال فى "النيل": قال ابن العربى (أى شارح الترمذى المالكى): لا بأس بإنشاد
الشعر فى المسجد إذا كان فى مدح الدين وإقامة الشرع وإن كان فيه الخمر ممدوحة
بصفاتها الخبيثة من طيب رائحة وحسن لون إلى غير ذلك مما يذكره من يعرفها، وقد مدح
فيه كعب بن زهير رسول الله مّ له فقال:
بانت سعاد فقلبى اليوم مبتول ...
إلى قوله فى صفة ريقها:
كأنه منحل بالراح معلول
قال العراقى: وهذه القصيدة قد رويناها من طرق لا يصح منها بشئ، وذكرها ابن
إسحاق بسند منقطع، وعلى تقدير ثبوت هذه القصيدة عن کعب وإنشادها بین یدی النبى
مَظٍّ فى المسجد أو غيره فليس فيها مدح الخمر، وإنما فيها مدح ريقها وتشبيهه بالراح
اهــ ما فى "النيل" (٤٧:٢).
قلت: جزى الله المحدثين المنقدين عنا خير الجزاء! كيف أقاموا الدين وأحكموه. ثم
وقفت على سند ابن إسحاق فحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثب عليه رجل من
الأنصار فقال: يا رسول الله! دعنى وعدو الله أضرب عنقه، فقال رسول الله سرّ له: دعه
عنك فإنه قد جاء تائبًا نازعًا عما كان عليه، قال: فغضب كعب على هذا الحى من الأنصار
لما صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير، فقال فى
قصيدته التى قال حين قدم على رسول الله مظهر: بانت سعاد فذكره مطولا، وعاصم هذا
ثقة عالم بالمغازى من التابعين، كما فى "التقريب" (ص-٩٣). ولم أر له رواية عن كعب
فالإسناد منقطع كما قال العراقى، وقال ابن هشام: وذكر لى عن على بن زيد بن جدعان
أنه قال: أنشد كعب بن زهير رسول الله عرّ ره فى المسجد: بانت سعاد فقلبى اليوم مبتول
(٣١٤:٢).

١٧٦
ج - ٥
باب جواز نثر المال وتقسيمه
فى المسجد وجواز إنزال الكافر وربطه فيه
١٥٩٧- قال إبراهیم -یعنی ابن طهمان- عن عبد العزيز بن صهيب عن
أنس قال: أتى النبى مرّ له بمال من البحرين فقال: انثروه فى المسجد، و کان أُکثر
مال أتى به رسول الله عَّه، فخرج رسول الله عَّه إلى الصلاة ولم يلتفت
إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه فما كان يرى أحدًا إلا أعطاه الحديث،
رواه البخارى (٦٠:١).
١٥٩٨- ثنا و کیع قال: ثنا سفيان -هو الثوری- عن يونس عن الحسن
أن وفد ثقيف قدموا على النبی مێ وهو فى المسجد فی قبة له فقيل له يا رسول
الله! إنهم مشركون، فقال: إن الأرض لا ينجسها شئ. رواه أبو بكر بن أبى
شيبة فى مصنفه (ص-٥٥٩). قلت: رجاله رجال الجماعة وهو مرسل.
باب جواز نشر المال وتقسيمه
فى المسجد وجواز إنزال الكافر وربطه فيه
قوله: قال إبراهيم إلخ. قال المؤلف: قال خاتمة الحفاظ المنقدين فى فتح البارى
(٤٣٢,٤٣١:١): قد وصله أبو نعيم فی مستخرجه، والحاکم فی مستدر که من طريق
أحمد بن حفص بن عبد الله النيسابورى عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان، وقد أخرج
البخارى بهذا الإسناد إلى إبراهيم بن طهمان عدة أحاديث اهـ. وفيه أيضًا: وموضع
الحاجة منه هنا جواز وضع ما يشترك المسلمون فيه من صدقة ونحوها فى المسجد، ومحله
إذا لم يمنع مما وضع له المسجد من الصلاة وغيرها مما بنى المسجد لأجله، ونحو وضع هذا
المال وضع مال زكاة الفطر، ويستفاد منه جواز ما يعم نفعه فى المسجد كالماء الشرب من
يعطش، ويحتمل التفرقة بين ما يوضع للتفرقة وبين ما يوضع للخزن فيمنع الثانى
دون الأول اهـ.
قوله: ثنا و کیع إلخ وعن الحسن إلخ، وعن أبى هريرة إلخ، وعن ابن عباس إلخ. قال
المؤلف: دلالتها على جواز دخول الكفار وإدخالهم فى المسجد ظاهرة فلا يمنعون منه،
قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ فهو محمول

١٧٧
جواز تقسيم المال فى المسجد وإنزال الكافر فيه
إعلاء السنن
١٥٩٩- عن الحسن عن عثمان بن أبى العاص: أن وفد ثقيف لما قدموا
على رسول الله عْظُّ أنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم، الحديث رواه أبو
داود وسكت عنه.
وقال المنذرى: وقد قيل: إن الحسن البصرى لم يسمع من عثمان بن أبى
العاص ("عون المعبود" ١٣٦:٣). قلت: قال البزار: روى عن عثمان بن أبى
العاص وسمع منه (زيلعى ١٤٧:١).
١٦٠٠- عن أبى هريرة فى قصة ثمامة بن أثال: فربطوه بسارية من
سوارى المسجد، وأنه ◌ّ له مر عليه ثلاث مرات وهو مربوط فى المسجد، وأمر
بإطلاقه فى اليوم الثالث. أخرجه البخارى فى المغازى مطولا، وكذا أخرجه
مسلم، وصرح ابن إسحاق فى المغازى من هذا الوجه أن النبى عٍَّ هو الذى
أمرهم بربطه. كذا فى "فتح البارى" (٤٦٢:١).
١٦٠١- عن عطية بن سفيان بن عبد الله قال: قدم وفد ثقيف على
رسول الله مَّةِ فى رمضان، فضرب لهم قبة فى المسجد، فلما أسلموا صاموا
معه. رواه الطبرانی فی الکبیر، وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعنه،
("مجمع الزوائد" ١٥٣:١).
قلت: قد مر فى هذا الكتاب ما يتعلق بابن إسحاق، وقد تأيد حديثه هذا
بالأحاديث المذكورة قبله.
١٦٠٢- عن ابن عباس قال: بعثت بنو سعد بن يكر ضمام بن ثعلبة إلى
رسول الله عَ لّه، فقدم عليه فأناخ بعيره عند باب المسجد، ثم عقله ثم دخل
المسجد، الحديث رواه أبو داود (١٨٢:١) وسكت عنه.
على منع الدخول على وجه الاستيلاء عليه ونحوه. وقد قال الله تعالى: ﴿أولئك ما كان
لهم أن يدخولها إلا خائفين﴾. ولا دليل على الفرق بين مسجد ومسجد كما يشهد به
الذوق الفقهى.

١٧٨
ج -٥
باب لا يحل للجنب والحائض والنفساء دخول المسجد
١٦٠٣- عن عائشة تقول: جاء رسول الله عَّ له ووجوه بيوت أصحابه
شارعة فى المسجد، فقال: ((وجهوا هذه البيوت عن المسجد))، ثم دخل النبى
عَّه ولم يصنع القوم شيئًا رجاء أن ينزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعد،
فقال: ((وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإنى لا أحل المسجد لحائض ولا
جنب)). رواه أبو داود (٩٣:١) وسكت عنه، وحسنه ابن القطان، وأجاب عن
كلام بعضهم فيه كما هو مفصل فى "الزيلعي" (١٠١:١).
باب جواز بناء المسجد فى مكان البيعة
ومحل الطواغيت بعد كسرها وفى مقابر المشركين بعد نبشها
١٦٠٤- عن قيس بن طلق عن أبيه طلق بن على قال: خرجنا وفدًا إلى
النبى معَّ ◌ُلّ فبايعناه وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة (بكسر الباء معبد
النصارى واليهود) لنا، فاستوهبناه من فضل طهوره، فدعا بماء فتوضأ
وتمضمض، ثم صبه فى إداوة وأمرنا، فقال: اخرجوا، فإذا أتيتم أرضكم
فاكسروا بيعتكم وانضحوا مكانها بهذا الماء واتخذوها مسجدا. قلنا: إن البلد
باب لا يحل للجنب والحائض والنفساء دخول المسجد
قوله: عن عائشة إلخ. دلالته على معنى الباب ظاهرة. وأما ما رواه سعيد بن منصور
فى سننه عن عطاء بن يسار قال: رأيت رجالا من أصحاب رسول الله مآپآ يجلسون فى
المسجد وهم مجنبون إذا توضأوا وضوء الصلاة، قال ابن كثير: هذا إسناد صحيح على
شرط مسلم كما فى "عون المعبود" (٩٣:١). فلا يعارض المرفوع، ولعلهم حملوا حديث
النهى على التنزيه وإن كان سياق الحديث يأباه، لكنهم عملوا بما فهموا، ودلالة حديث
قيس وعثمان وأنس على ما فيها ظاهرة.
باب جواز بناء المسجد فى مكان البيعة
ومحل الطوا غيت بعد کسرها وفى مقابر المشر کین بعد نبشها
قوله: عن قيس إلخ. وعن عثمان إلخ. وعن أنس إلخ. قلت: دلالة الأحاديث

١٧٩
إعلاء السنن
بعيد. الحديث، رواه الإمام النسائى وسكت عنه (١: ١٠٤) وفى "نيل الأوطار"
(٣٢:٢): وأما من دون قيس بن طلق فهم ثقات. اهـ قلت: قیس مختلف فيه،
وقال ابن القطان: يقتضى أن يكون خبره حسنا لا صحيحا، كما فى ميزان
الاعتدال (٣٥٠:١) وفى التقريب (ص-١٧٤): صدوق. قلت: فالحديث
إسناده حسن عند ابن القطان، وصحيح عند النسائى.
١٦٠٥- عن عثمان بن أبى العاص أن النبى عّ لّ أمره أن يجعل مسجد
الطائف حیث کان طواغیتهم. رواه أبو داود وابن ماجه ورجال إسناده ثقات،
(نيل الأوطار ٣١:٢) قلت: هذا لفظ أبى داود وقد سكت عنه هو والمنذری،
فهو حجة عندهما أيضًا.
١٦٠٦- عن أنس فى حديث طويل: فأمر النبى عرّ ◌ُّه بقبور المشركين
فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد. رواه
البخارى (٦١:١).
باب أى المساجد أفضل؟
١٦٠٧- عن ابن عمر مرفوعًا: ليصل الرجل فى المسجد الذى يليه ولا
يتبع المساجد. رواه الطبرانى فى الكبير بإسناد حسن كذا فى العزيزى
(٢٢٩:٣). وحسنه بالرمز فى الجامع الصغير (١١٨:٢) أيضًا.
على معنى الباب ظاهرة. ومقتضى الأمر فى الأولين أن يكون بناء المسجد مكان معابد
الكفار مستحبًا بعد كسرها لإظهار شوكة الإسلام، وهو مقيد بما إذا كان البلد
مفتوحًا عنوة لا صلحا إلا أن يشترط فى الصلح كسر معابدهم، وموضع التفصيل
کتب الفقه، والله أعلم.
باب أى المساجد أفضل؟
قوله: عن ابن عمر إلخ. الحديث يدل بإطلاقه على ما فى رد المحتار (٦٩:١) عن
"الخانیة": لو لم یکن لمسجد منزله مؤذن فإنه يذهب إليه ويؤذن فیه ویصلی ولو كان
وحده، لأن له حقًا عليه فيؤديه أهـ. قلت: إلا أن يكون أمر عارض لتقديم مسجد غير

١٨٠
أى المساجد أفضل
ج - ٥
١٦٠٨- عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله عَ له: ((فضل الدار
القريبة من المسجد على الدار الشاسعة كفضل الغازى على القاعد)). رواه أحمد
وفيه ابن لهيعة وفيه كلام (مجمع الزوائد ١٤٨:١). قلت: قد مر أنه حسن
الحديث، وقد قال العزيزى: إسناده حسن (١٩:٣).
١٦٠٩- عن عبد الله بن الزبير عن النبى معَّ له أنه قال: ((صلاة فى
مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة فى
المسجد الحرام أفضل من صلاة فى مسجدى هذا بمائة صلاة)). رواه النسائى فى
سننه، وأحمد فى مسنده بإسناد صحيح، كذا فى ("زاد المعاد" ٩:١).
وصححه ابن حبان، قال ابن عبد البر: اختلف على ابن الزبير فى رفعه ووقفه،
ومن رفعه أحفظ وأثبت، ومثله لا يقال بالرأى كذا فى "فتح البارى" (٥٤:٣).
وقال الذهبى: إسناده صالح. كذا (فى المرقاة ٤٤٥:١). وفى "الترغيب"
(٢٠٥:١) بعد عزوه إلى البزار بمعناه: إسناده صحيح.
الحى. وأما ما رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى عن أبى هريرة عن النبى عنّ،
قال: الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا اهـ. (٢١٨:١). وفى "النيل": فى إسناده عبد
الرحمان بن مهران مولى بنى هاشم، قال فى التقريب: مجهول. وقال فى "الخلاصة":
وثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح (١٢:٣). فقال فى "فتح البارى
(١١٨:٢): واستنبط منه بعضهم استحباب قصد المسجد البعيد ولو كان بجنبه مسجد
قريب، وإنما يتم ذلك إذا لم يلزم من ذهابه إلى البعيد هجر القريب، وإلا فإحياؤه بذكر
أولى، وكذا إذا كان فى البعيد مانع من الكمال كأن يكون إمامه مبتدعا اهـ. قلت: وبه
يحصل التوفيق بين الأحاديث.
قوله: عن حذيفة إلخ دلالته على ما فيه ظاهرة.
قوله: عن عبد الله إلخ. وعن أبى الدرداء إلخ وعن جابر إلخ وعن ابن عمر إلخ وعن
أسيد إلخ وعن جابر إلخ وعن عامر إلخ وعن سعد إلخ. قال المؤلف: دلالتها على ما فيها
ظاهرة. وقد استدل بحديث ابن الزبير ونحوه من الأحاديث على تفضيل مكة المعظمة
على المدينة المنورة، قال فى "فتح البارى" (٥٥:٣): لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة