Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
ج -٥
باب جواز اللحظ بمؤخر العینین
من غير لى العنق فى الصلاة
١٥٢٧- عن الفضل بن موسی عن عبد الله بن سعید بن أبی هند عن ثور
بن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان النبى معَِّ يلحظ فى الصلاة يمينًا
وشمالا، ولا يلوى عنقه خلف ظهره. أخرجه الترمذى والنسائى وابن حبان فى
صحيحه، والحاكم فى "المستدرك" وصححه على شرط البخارى، وقال ابن
القطان فى كتابه: هذا حديث صحيح(١) وإن كان غريبًا لا يعرف إلا من هذه
الطریق، وأخرجه البزار فى مسنده ..
١٥٢٨- عن مندل بن على عن الشيبانى عن عكرمة عن ابن عباس أن
النبى ◌ّ كان إذا صلى يلاحظ أصحابه فى الصلاة يمينًا وشمالا، ولا يلتفت.
وفیه مندل بن علی ضعفه النسائی وغيره ولینه ابن عدى، وقال: إنه ممن يكتب
الصلاة، بجعل فى سببية لاظرفية، وهذا هو المراد بأمر عندها فى الصلاة، أى لأجلها، أو
يحملان على العد بالقلب أو بالغمز وهو جائز اتفاقًا، فلا يعارض حديث الباب،
والله تعالى أعلم.
باب جواز اللحظ بمؤخر العینین
من غير لى العنق فى الصلاة
قوله: عن الفضل بن موسى إلخ. قلت: دلالته على معنى الباب ظاهرة. وقوله: ولا
يلوى عنقه خلف ظهره، ليس قيد لقوله: "يلحظ"، حتى يستدل به جواز لى العنق يمينًا
وشمالا بطريق المفهوم، لثبوت كراهة ذلك بحديث النهى عن الالتفات، ويرده رواية
البزار أيضًا بلفظ: كان يلاحظ يمينًا وشمالا ولا يلتفت. فإن لى العنق يميناً وشمالا هو
الالتفات بعينه بل هو عطف علیه، ومعناه: و کان لا یلوی عنقه خلف ظهره دائمًا لا فى
الصلاة ولا خارجها، کما روی ابن سعد عن جابر: کان لا يلتفت ورائه إذا مشی، كذا
فی "الجامع الصغير" (١١٣:٢). و کیف یسوغ القول بأنه مے کان لایلوی عنقه فى
(١) قلت: فما فى جامع الصغير للسيوطى من رمز التضعيف عليه لعله من زلة الكتاب،(مؤلف).

١٤٢
إعلاء السنن
حديثه اهـ. (زيلعى ٢٦٥:١ و٢٦٦) قلت: قال ابن أبى حاتم: سمعت أبى
يقول: سألت يحيى بن معين عن مندل وحبان قال: ما بهما بأس، قال أبى
كذلك. أقول: وكان البخارى أدخل مندلا فى الضعفاء فقال أبى: يحول اهـ.
وقال العجلی: جائز الحدیث. وقال ابن سعد: ومنهم من یشتهی حدیثه ویوثقه،
وكان خيراً فاضلا. كذا فى "التهذيب" (٢٩٩:١) فهو حسن الحديث.
١٥٢٩- حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة عن ملازم بن عمرو عن عبد الله بن
بدر عن عبد الرحمن بن على بن شيبان عن أبيه قال: خرجنا إلى رسول الله مد خله
فبايعناه وصلينا خلفه، فلمح بمؤخر عينيه رجلا لم يقم صلبه فى الركوع
والسجود، فقال: إنه لا صلاة لمن لم يقم صلبه. رواه ابن ماجة فى سننه وابن
حبان فى صحيحه. (زیلعی ٢٦٦:١). قلت: سند ابن ماجة رجاله كلهم ثقات
كما لا يخفى على من طالع "التقريب" و"التهذيب".
باب جواز التبسم فى الصلاة
١٥٣٠- عن الوازع بن نافع عن أبى سلمة بن عبد الرحمن حدثنا جابر(١)
أن رسول الله ◌ّ ◌ُّه كان يصلى بأصحابه العصر فتبسم فى الصلاة، فلما انصرف
الصلاة خلف ظهره وكان يلويها يمينًا وشمالا؟ مع أن الثابت فى شمائله أنه كان لا
يكثر الالتفات خارج الصلاة أيضًا وكان جل نظره الملاحظة.
قوله: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة إلخ. قلت: دلالته على جواز اللحظ فى الصلاة ،
ظاهرة. وفى "البحر الرائق": وقد صرحوا بأن التفات البصر يمنة ويسرة من غير تحويل
الوجه أصلا غير مكروه مطلقًا، والأولى تركه لغير حاجة، والظاهر أن فعله منّ يّ إياه كان
لحاجة تفقد أحوال المقتدين به مع ما فيه من بيان الجواز اهـ. (٢١:٢).
باب جواز التبسم فى الصلاة
قوله: عن الوازع بن نافع إلخ. قلت: الحديث وإن كان ضعيفًا لضعف الوازع
(١) هو ابن عبد الله بن الرئاب دون ابن عبد الله بن عمرو بن حرام، فإن الحديث للأول دون الثانى، كما يظهر من
الإصابة (٢٢٢:١).

١٤٣
ج - ٥
جواز التبسم فى الصلوة
قيل له: يا رسول الله! تبسمت وأنت تصلى؟ فقال: إنه مر ميكائيل وعلى جناحه
غبار فضحك إلى فتبسمت إليه، وهو راجع من طلب القوم. أخرجه الطبرانى
فى معجمه (الكبير) وأبو يعلى الموصلى فى مسنده، والدارقطنى فى سننه
وسكت عنه، والوازع بن نافع ضعيف جدا، وقال ابن حبان: إنه كثير الوهم
فيبطل الاحتجاج به اهـ (زيلعى ٣٠:١). وفى رواية أخرى للطيرانى فى الكبير:
مر بى جبرئيل وأنا أصلى فضحك إلى فتبسمت إليه. وفيه الوازع أيضًا
(" مجمع الزوائد" ١٧٤:١).
١٥٣١- عن ابن أبى ليلى عن أبى الزبير عن جابر مرفوعًا: ((إذا ضحك
الرجل فى صلاته فعليه الوضوء والصلاة، وإذا تبسم فلا شىء علیه)) أخرجه ابن
حبان فى كتاب الضعفاء له قاله الزيلعى (٣٠:١) وقال الحافظ فى الدراية
(١٤): وابن أبى ليلى ضعيف. قلت: هو مختلف فيه وثقه العجلى، وضعفه
أحمد وغيره: (مجمع ١: ٤٠). وحسن له الترمذى (١١١:١) غير ما حديث
فهو حسن.
ولكنه أولی من آراء الرجال عندنا، وهو مذهب أحمد وأبى داود والنسائى كما ذكرناه
فى مقدمة "الإعلاء" على أن لما رواه شاهدا وهو الحديث الثانى من الباب.
قوله: عن ابن ليلى إلخ. قلت: موضع الاستدلال منه قوله مّ له: ((وإذا تبسم فلا
شىء عليه)) فإنه بعمومه يدل على نفى الكراهة أيضًا وإن كان منطوقه نفى وجوب الوضوء
وإعادة الصلاة عن التبسم، ولكن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص المورد كما تقرر فى
الأصول. قال فى البحر: وأما التبسم وهو ما لا صوت فيه أصلا بأن تبدو أسنانه فقط
فحكمه أنه لا يبطلهما، إلى أن قال: وظاهر كلامهم أن التبسم فى الصلاة غير مكروه،
ولذا قال فى "الاختيار": ولا حكم للتبسم اهـ. (٤٢:١).
قلت: أما نفى الكراهة التحريمية فمسلم، وأما نفى الكراهة تنزيها فلا، إذا كان الأمر
دنيوى، فإن التبسم ينافى الخشوع، وتأباه حالة الصلاة وهيئتها، وأما تبسم النبى مَّ له فلم
يكن لأمر دنيوى، بل كان لمشاهدة نصرة الله إياه بإرسال الملائكة، فشابه البكاء فى الصلاة
لذكر الجنة أو النار، وقوله مّ له: ((وإذا تبسم فلا شىء عليه))، محمول على نفى الكراهة

١٤٤
إعلاء السنن
باب كراهة التورك فى الصلاة
والتربع فيها إلا بعذر
١٥٣٢- عن أنس مرفوعًا: نهى (عَّ) عن الإقعاء والتورك فى الصلاة.
أخرجه أحمد فى مسنده والبيهقى، وصححه السيوطى فى الجامع الصغير
رمزاً (١٨٨:٢).
الأولى دون الثانية، والله أعلم.
ويؤيد ما قلنا ما رواه أحمد فى مسنده ثنا حسن ثنا ابن لهيعة عن زبان عن سهل بن
معاذ عن أبيه عن رسول الله عَّبي أنه كان يقول: ((الضاحك فى الصلاة والملتفت والمفقع
أصابعه بمنزلة واحدة)) اهـ. (٤٣٨:٣). وفيه ابن لهيعة، وذكرنا غير مرة أنه حسن
الحديث، وزبان بن فائد قال أبو حاتم: شيخ صالح، وغمزه آخرون كما فى "التهذيب"
(٣٠٨:٣). فهو حسن الحديث أيضًا، ولا يخفى أن المراد بالضاحك هنا هو المتبسم، فإن
الضحك مبطل للصلاة، فلا يكون بمنزلة الالتفات والتفقيع، فإنهما لا يفسدانها وإنما
يكرهان فقط، فثبت ما قلنا أن التبسم بلا وجه دينى مكروه ولكن الكراهة فيه تنزيهية
والحديث محمول على التغليظ.
تنبيه:
ذكر فى "البحر": أنه مرّ تبسم فى الصلاة حين أتاه جبريل عليه السلام، وأخبره
أن من صلى عليك مرة صلى الله عليه بها عشراً. كما فى "البدائع"، وقال جابر بن عبد
الله: ما رآنى رسول الله عَّةٍ إلا تبسم ولو فى الصلاة، كما فى "النهاية" و"العناية" اهـ.
(السابق) قلت: لم أقف على هذين الأثرين فى كتب الحديث الموجودة، نعم! ورد فى
الصحيح عن جرير بن عبد الله البجلى: ما حجبنى رسول الله مرّ فته منذ أسلمت، ولا رآنى
إلا ضحك. (٥٣٩:١). وليس فيه: ولو فى الصلاة.
باب كراهة التورك فى الصلاة
والتربع فيها إلا بعذر
قوله: عن أنس إلخ. دلالته على الجزء الأول ظاهرة. وأما ما ذكره الشافعية من

١٤٥
ج - ٥
١٥٣٣- عن ابن مسعود قال: لأن يجلس الرجل على الرضفتين خير من
أن يجلس فى الصلاة متربعًا. أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه
("كنز العمال" ٢٣٤:٤).
باب كراهة التمايل فى الصلاة
واستحباب سکون الأطراف فيها
١٥٣٤- عن أسماء بنت أبى بكر عن أم رومان عن أبى بكر مرفوعًا ((إذا
حديث مالك بن الحويرث وغيره فى إثبات التورك عنه ◌ّظّ فهو محمول على العذر، كما
قدمناه فى أبواب صفة الصلاة.
قوله: عن ابن مسعود إلخ. قلت: دلالته على كراهة التربع فى الصلاة ظاهرة.
والحديث وإن لم نقف على سنده يصلح للاحتجاج به، لأن الحديث الأول يعاضده لكون
التربع أسوأ حالا من التورك كما لا يخفى، ثم وجدت الحديث فى "مجمع الزوائد"
(١٩٧:١) وفيه الهيثم بن شهاب مختلف فيه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وأما ما رواه ابن أبى شيبة عن حميد أنه رأى أبا بكر يصلى متربعًا ومتكفًا، كما فى
"كنز العمال" (٢٣٤:٤) فهو محمول على العذر، بدليل ما رواه البخارى عن عبد الله بن
عبد الله: أنه كان يرى عبد الله بن عمر يتربع فى الصلاة إذا جلس، ففعلته وأنا يومئذ
حديث السن، فنهانى عبد الله بن عمر، وقال: إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى
وتثنى اليسرى، فقلت: إنك تفعل ذلك؟ فقال: إن رجلاى لا تحملانی اهـ. (١١٢:١).
وهذا الأثر يؤيد أثر ابن مسعود فى كراهة التربع. وكذا يحمل على العذر ما رواه
النسائى والدار قطنى وابن حبان: أنه مَّ لما صلى جالسًا تربع. وما رواه البيهقى من
طريق ابن عيينة عن ابن عجلان عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه: رأيت النبى معد له
يدعو هكذا ووضع يديه على ركبتيه وهو متربع جالس. وكذا ما رواه البيهقى عن حميد:
رأيت أنسا يصلى متربعاً على فراشه. وعلقه البخارى كذا فى
"التلخيص الحبير" (٨٥:١).
باب كراهة التمايل فى الصلاة
واستحباب سكون الأطراف فيها
قوله: عن أسماء بنت أبى بكر إلخ. قلت: دلالته على معنى الباب ظاهرة. وقد

١٤٦
إعلاء السنن
قام أحد کم فی صلاته فلیسکن أطرافه، ولا یمیل کما تمیل اليهود، فإن سكون
الأطراف فى الصلاة من تمام الصلاة)). رواه الحاكم فى "المستدرك" وقال:
غريب وفيه ثلاثة من الصحابة (كنز العمال ١١٣:٤) قلت: ولم يتعقبه
السيوطى بشىء فهو صحيح على قاعدته، والغرابة بمعنى التفرد ليست بعلة.
باب كراهة التلثم فى الصلاة وتغطية الأنف فيها
١٥٣٥- عن نافع: أن ابن عمر كان يكره أن يصلى الرجل وهو. متلثم.
أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (كنز العمال ٢٢٤:٤) وحسنه العراقى فى
تخريج الإحياء (١: ١٤٠).
١٥٣٦- عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله عَ له: لا يصلين
أحدكم وثوبه على أنفه، فإن ذلك خطم الشيطان. رواه الطبرانى فى الكبير
والأوسط، وفيه ابن لهيعة وفيه كلام ("مجمع الزوائد" ١٧٥:١). قلت: هو
حسن الحدیث.
باب كراهة التذبيح فى الصلاة
١٥٣٧- عن أبى سعيد الخدرى قال: أراه رفعه: ((إذا ركع أحدكم فلا
صرح فقهائنا بكراهة التمايل فى الصلاة كما ذكره الطحطاوى فى حاشيته على "مراقى
الفلاح" (ص١٥٢).
باب كراهة التلثم فى الصلاة وتغطية الأنف فيها
قوله: عن نافع وقوله: عن عبد الله بن عمرو إلخ. قلت: دلالتهما على معنى الباب
ظاهرة. وصرح بكراهة ذلك الشرنبلالى فى "مراقى الفلاح" (ص٢٠٧).
باب كراهة التذبيح فى الصلاة
" قوله: عن أبى سعيد إلخ. قلت: دلالته على معنى الباب ظاهرة. وصرح بكراهته
فقهاؤنا أيضاً.

١٤٧
ج - ٥
يذبح(١) كما يذبح الحمار، ولكن ليقم صلبه))، رواه الدارقطنى وفى إسناده أبو
سفيان طريف بن شهاب وهو ضعيف (التلخيص الحبير ٩١:١).
قلت: حسن له الترمذى، وقال ابن عدى: روى عنه الثقات، وأسانيده
مستقيمة، كما مر فى الجزء الثانى من "الإعلاء".
باب كراهة مسح التراب عن الوجه
وكراهة مس اللحية إلا بعذر
١٥٣٨- عن بريدة أن رسول الله عّ لّه قال: «ثلاث من الجفاء)) وفيه: «أو
يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته)). رواه البزار ورجاله رجال الصحيح
("مجمع الزوائد" ١٧٥:١) وقد مر الحديث بتمامه فى (باب النفخ فى
الصلاة).
١٥٣٩- عن ابن عباس قال: كان النبى عَ ◌ٍّ لا يمسح وجهه فى الصلاة.
رواه الطبرانى فى الأوسط ورجاله موثقون ("مجمع الزوائد" ١٧٥:١).
١٥٤٠- وعنه قال: كان النبى ◌ّ يمسح العرق عن وجهه فى الصلاة.
رواه الطبرانى فى الكبير وفيه خارجة بن مصعب وهو ضعيف جدا. (مجمع
باب كراهة مسح التراب عن الوجه
وكراهة مس اللحية فى الصلاة إلا بعذر
قوله: عن بريدة إلخ. قلت: دلالته على الجزء الأول ظاهرة، وكذا دلالة أثر ابن
عباس عليه أيضًا.
قوله: وعنه إلخ. قلت: دلالته وكذا دلالة أثر إبراهيم على الجزء الثالث ظاهرة،
فإن مسح النبى مَّ له العرق عن جبينه كان بعذر لكثرة تقاطره وشغله القلب، أو لبيان
الجواز، وكذا مسح إبراهيم التراب كان لكثرة تناثره على الوجه، كما يدل عليه بعض
(١) التدبيح بالدال المهملة قاله الجوهرى، وقال الهروى فى غريبه يقال: بالمعجمة وهو بالمهملة أعرف أى يطاطئ رأسه
حتى يكون أخفض من ظهره وروى بالخاء المعجمة ففى الصحاح فى ذبح بالمعجمة: ذبح تذبيحا إذا قبب ظهره
وطأطأ رأسه بالحاء والخاء جميعًا. كذا فى التلخيص الحبير، (مؤلف).

١٤٨
كراهة مسح التراب من الوجه ومس اللحية فى الصلوة
إعلاء السنن
١٧٥:١) قلت: كلا! فقد قال مسلم: سمعت يحيى بن يحيى وسئل عن
خارجة فقال: مستقيم الحديث عندنا. كذا فى "التهذيب" (٧٨:٣).
١٥٤١- محمد قال: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد، قال: رأيت إبراهيم
يصلى فى المكان فيه الرمل والتراب الكثير، فيمسح عن وجهه قبل أن ينصرف.
أخرجه فی کتاب الآثار (ص٢٥) وقال محمد: لا نری بأسًا بمسحه ذلك قبل
التشهد والتسليم، لأن تركه يؤذى المصلى، وربما شغله عن صلاته وهو قول
أبى حنيفة اهـ.
١٥٤٢- عن أبى هريرة مرفوعًا: رأى رجلا يعبث بلحيته فى الصلاة
فقال: ((لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه)). رواه الحكيم الترمذى فى نوادره
بسند ضعيف، ورواه ابن أبى شيبة فى المصنف، وفيه رجل لم يسم، كذا فى
تخريج الإحياء للعراقى (١٢٥:١) وفى العزيزى (٢٠٢:٣): قال الشيخ:
حدیث حسن لغيره اهـ.
١٥٤٣- عن ابن عمر مرفوعًا: كان ربما يضع يده على لحيته فى الصلاة
من غیر عبث. أخرجه البيهقى وابن عدى وإسناده ضعيف (العزيزى ١٤١:٣).
ورواه أبو يعلى عن عمرو بن حريث مرفوعًا بلفظ: ربما مس لحيته فى الصلاة.
وفيه محمد بن الخطاب وهو ضعيف، وقد ذكره ابن حبان فى الثقات، ورواه
عن الحسن مرسلا أيضًا ("مجمع الزوائد" ١٧٦:١). قلت: فالحديث حسن
بتعدد طرقه.
ألفاظ الأثر، والله أعلم. قال الشرنبلالى فى "مراقى الفلاح": ولا بأس بمسح جبهته من
التراب والحشيش قبل الفراغ من الصلاة إذا ضره أو شغله عن خشوع الصلاة
مثل العرق اهـ. (ص٢١٦).
قوله: عن أبى هريرة إلخ. دلالته على كراهة مس اللحية فى الصلاة ظاهرة،
والكراهة تنزيهية إذا كان ذلك مرة مثلا، وإذا کثرمنه اشتدت الكراهة کما لا يخفى.
قوله: عن ابن عمر إلخ. قلت: هذا لا يعارض الأول لما فيه أن ذلك كان من غير

١٤٩
ج-٥
باب كراهة صف القدمين فى الصلاة
واستحباب التراوح بينهما
وكراهة الاعتماد على الجدار ونحوه
١٥٤٤- عن ابن مسعود أنه رأى رجلا صافًا أو صافنًا قدميه، فقال: أخطأ
هذا السنة. أخرجه سعيد بن منصور كذا فى "تخريج الإحياء" للعراقى
(١٣٧:١) وسكت عنه، وأخرجه عبد الرزاق بلفظ: مر ابن مسعود برجل
صاف بين قدميه، فقال: أما هذا فقد أخطأ السنة، لو راوح بينهما كان حب
إلى. كذا فى "كنز العمال" (٢٠٥:٤). وقال الطحاوى فى "معانى الآثار"
(١٤٥:١): وكمن قام فى الصلاة أمر أن يراوح بين قدمه. وقد روى ذلك عن
ابن مسعود، ذكره محتجا به على أن تفريق الأعضاء أولى من إلصاق بعضها
ببعض، واحتجاج المحدث الحافظ الناقد بحديث دليل على صلاحيته له.
عبث، والأول محمول على ما كان بطريق عبث، والله تعالى أعلم.
باب كراهة صف القدمين فى الصلاة
و استحباب التراوح بينہما
و کراهة الا عتماد على الجدار ونحوه
قوله: عن ابن مسعود إلخ. قلت: دلالته على كراهة صف القدمين ظاهرة. ومعناه
نصبهما جميعًا، والمراوحة بين القدمين أن يقوم على كل مرة كما فى
"القاموس" (١٣٩:١).
قال الشرنبلالى: والتراوح أفضل من نصب القدمين، تفسير التراوح أن يعتمد على
قدم مرة وعلى الآخر مرة، لأنه أيسر وأمكن لطول القيام. وذكر الطحطاوى عن
"الظهيرية": نص الإمام على ذلك قال: فما فى "منية المصلى" من كراهة التمايل يمينًا
ويسارًا محمول على التمايل على سبيل التعاقب من غير تخلل سكون كما يفعله بعضهم
حال الذكر، لا الميل على أحد القدمين بالاعتماد ساعة ثم الميل الأخرى كذلك، بل هو
سنة ذكره ابن أمير حاج، وكذا ما فى "الهندية" عن "الظهيرية"، وما فى " البناية"
عن "الكشف" من كراهة التراوح محمول على ما تقدم اهـ. (ص١٥٢).

١٥٠
كراهة صف القدمين والاعتماد على الجدار
إعلاء السنن
١٥٤٥- عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب قال: لا يصلى أحدكم
وهو ضام وركيه. أخرجه مالك فى "الموطأ" ("كنز العمال" ٢٢٥:٤). وهو
صحیح علی قاعدته.
١٥٤٦- عن قتادة قال: سئل ابن عمر عن الاعتماد على الجدار فى
الصلاة فقال: إنا لنفعله وإن ذلك ينقص من الأجر. أخرجه عبد الرزاق كذا فى
"كنز العمال" (٢٢٤:٤) ولم أقف له على سند، ولكن القياس يعاضده، وبه
قال فقهاؤنا.
قوله: عن زيد بن أسلم إلخ. قلت: ضم الوركين يستلزم ضم القدمين، وتفريجهما
انفراجهما، وضم القدمین لا یستلزم ضم الور كين، ففيه دليل على كراهة ضم القدمین فی
الصلاة حال القیام أيضًا، بل یسن تفریجهما، وقدره فقهاؤنا بقدر أربع أصابع، لأنه أقرب
إلى الخشوع كما فى "مراقى الفلاح" (السابق)، وفى "المدونة الكبرى": وسألناه - أى
بالكا- عن الذى يقرن قدميه فعاب ذلك ولم يره شيئًا -أى مفسدًاً-، قال: وأخبرنا أنه
كان فى المدينة من يفعل ذلك فعيب عليه، قال: وسألنا مالكا عن الذى يروح رجليه فى
الصلاة، قال: لا بأس بذلك اهـ (١٠٣:١).
قلت: قرن القدمين وصلهما وقد عاب ذلك علماء المدينة فى زمان مالك، و کان
فى زمن التابعين، فثبتت كراهته بكراهة التابعين له، وليس مستندهم فى ذلك إلا أنهم لم
يرووا الصحابة يفعلونه، والله أعلم.
قوله: عن قتادة إلخ: قلت: دلالته على كراهة الاعتماد على الجدار ونحوه فى
الصلاة ظاهرة، ويشهد له ما رواه أبو داود كما ذكرناه فى المتن، فإن النهى عن الاعتماد
على شىء من جسده يستلزم النهى عن الاعتماد على الجدار والحائط بالأولى كما لا
يخفى، وقول ابن عمر: إنا لنفعل ذلك، محمول على فعله فى النوافل، فلا بأس بالاعتماد
فيها على نحو جدار وغيره إذا تعب وأعمى. قال: فى "الغنية" شرح " المنية": وإن افتتح
التطوع قائمًا ثم أعيى أى كل وتعب فلا بأس له أن يتوكأ على عصا أو حائط أو نحو ذلك
أو يقعد. لأنه عذر فيجوز ولا يكره اتفاقًا، أما لو اتكأ بلا عذر فإنه يكره اتفاقًا، لما فيه من
إساءة الأدب اهـ. (ص٢٦٧).

١٥١
ج - ٥
١٥٤٧- حدثنا محمد بن عبد الملك الغزال نا عبد الرزاق معمر عن
إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر قال: نهى رسول الله عَ ◌ّ أن يعتمد
الرجل على يديه إذا نهض فى الصلاة. وقال أحمد بن حنبل: نهى أن يجلس
الرجل فى الصلاة وهو معتمد على يديه. رواه أبو داود وسكت عنه (٣٧٧:١)
ورجاله رجال الجماعة خلا شيخ أبى داود وهو ثقة أيضًا.
باب جواز أخذ القملة وقتلها ودفنها فى الصلاة
١٥٤٨- محمد قال: أخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا عاصم بن أبى الجنود
عن أبى رزين عن عبد الله بن مسعود أنه أخذ قملة فى الصلاة فدفنها ثم
قال: ألم نجعل الأرض كفاتًا أحياء وأمواتا. أخرجه فى كتاب الآثار له (٣٠)
وسنده حسن. فإن عاصما من رجال مسلم والبخارى أخرجا له مقرونًا، وأبو
رزين اسمه مسعود بن مالك الأسدى ثقة فاضل من رجال مسلم والأربعة.
كذا فى "التقريب" (٢٠٦ و٩٣).
١٥٤٩- عن عبد الرحمن بن الأسود قال: كان عمر بن الخطاب يقتل
القملة فى الصلاة حتى يظهر دمها على يده. أخرجه ابن أبى شيبة فى المصنف
("كنز العمال" ٢٣٤:٤).
باب جواز أخذ القملة وقتلها ودفنها فى الصلاة
قوله: محمد إلخ. قلت: دلالته على الجزء الأول والثالث من الباب ظاهرة. قال
محمد: لا نرى بقتل القملة ودفنها فى الصلاة بأسًا. وهو قول أبى حنيفة اهـ.
قوله: عن عبد الرحمان. قلت: دلالته على الجزء الأول والثانى من الباب ظاهرة.
وقال(١) الشرنبلالى فى "مراقى الفلاح" فى باب مكروهات الصلاة: ومنه أخذ قملة (أى
(١) قلت: لا دليل على هذا التفصيل فى المذهب لأن محمدا لم يصرح بهذا التفصيل بل أطلق القول فى القتل والدفن
كما هو مذكور فى حاشية الكتاب، ولا فى أثر ابن مسعود، ولا فى أثر عمر، وأما ما روى فى "كنز العمال" عن
رجل من الأنصار أنه قال: إذا وجد أحدكم القملة وهو فى الصلاة فلا يقتلها ولکن یصرها حتى يصلى، فلا
يعارض فتوى ابن مسعود وعمر لجلالتهما. ومع ذلك فيه تصريح بجواز الأخذ والمصر وهو مناف لما قال
الشرنبلالی. (حبيب أحدم الكيرانوى)

١٥٢
جواز أخذ القملة وقتلها وذفنها فى الصلوة
إعلاء السنن
التعرض لها عند عدم الإيذاء) من غير عذر، فإن تشغله بالعض - كنملة وبرغوث- لا
يكره الأخذ، ويحترز عن دمها لقول الإمام الشافعى بنجاسة قشرها ودمها، ولا يجوز
عندنا إلقاء قشرها فى المسجد اهـ.
قال الطحطاوى تحت قوله: لا يكره الأخذ: لأن تركها يذهب الخشوع ويشغل
القلب بالألم، وتحمل الإساءة، والكراهة المروية عن الإمام وأبى يوسف على أخذها قصداً
من غير عذر كما فى الحلبى، وإذا أخذها بعد التعرض بالإيذاء فإما أن يقتلها أو يدفنها،
والدفن أولى كما أشار إليه المصنف بقوله: ويحترز إلخ، وهذا فى غير المسجد، أما فيه فلا
بأس بالقتل بعمل قليل، ولا يطرحها فيه بطريق الدفن أو غيره مطلقا سواء كان فى الصلاة
أم لا، لحديث: (إذا وجد أحدكم القملة فى ثيابه فليصرها، ولا يطرحها
فى المسجد اهـ» (ص٢٠٧).
قلت: وهذا الحديث سيأتى فى أبواب أحكام المساجد عن قريب، رواه أحمد
ورجاله موثقون.
ودليل جواز قتل القملة فى المسجد ما رواه مالك بن يخامر قال: رأيت معاذ بن
جبل يقتل القمل والبراغيث فى المسجد. رواه الطبرانى فى الكبير ورجاله موثقون.
("مجمع" ١٥٠:١). ومعناه: كان يقتلها فى المسجد ولا يطرحها فيه، كيلا تتضاد
الروايات. ولم يتنبه بعض الناس لهذا المعنى فظن أثر معاذ معارضا للمرفوع، هذا وأثر ابن
مسعود وأنه دفن القملة فى الصلاة محمول على خارج المسجد، وكذا أثر عمر رضى الله
عنه، ويمكن حمل الثانى على أنه صرها فى ثوبه بعد قتلها إن كان فى المسجد، والله تعالى
أعلم. ولعلك عرفت بذلك غاية مراعاة الحنفية لجمع الأحاديث المختلفة فى الباب، فجوزوا
قتل القملة فى المسجد ونهوا عن طرحها فيه، وأجازوا دفنها وقتلها فى الصلاة بعذر،
وكرهوه بدونه، فلم يتركوا شيئًا من الآثار المروية مرفوعًا وموقوفًا بل عملوا بجميعه،
وهكذا دأبهم فى جميع الأبواب كما لا يخفى على من خاض فى لجة هذا الباب.

ج -٥
١٥٣
أبواب أحكام المساجد
باب النهى عن البول وإلقاء كل نجاسة فى المسجد
١٥٥٠- عن أنس بن مالك قال: بينما نحن فى المسجد مع رسول الله
◌َ ◌ّه إذ جاء أعرابى فقام يبول فى المسجد، فقال أصحاب رسول الله مرّ له: مه
مه، قال: قال رسول الله عَّ له: لا تزرموه دعوه. فتر کوه حتى بال، ثم إن رسول
الله عَّ دعاه فقال له: ((إن هذه المساجد لا تصلح لشىء من هذا البول ولا
القذر، إنما هى لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن)). أو كما قال رسول الله مرّ له
قال: فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه. رواه مسلم (١٣٨:١).
باب النهى عن زخرفة المساجد ورفع بنائها
وجواز استحكامها ونقشها قليلا
١٥٥١- عن ابن عباس قال: قال رسول الله ◌ّ له: ((ما أمرت بتشييد(١)
أبواب أحكام المساجد
باب النهى عن البول وإلقاء كل نجاسة فى المسجد
قوله: عن أنس مَّ إلخ. قال المؤلف: دل الحديث على أن المسجد لا يجوز فيه
البول وإلقاء النجاسة، وقوله مرّ له: إنما هى لذكر الله إلخ. بصيغة الحصر يدل على أنه لا
يجوز فيه غير المذكورات، وما جوزه الفقهاء من غير الذكر وغيره فجوزوه تبعًا كما
سیأتی قریبًا.
باب النهى عن زخرفة المساجد ورفع بنائها
وجواز استحکامها ونقشها قليلا
قوله: عن ابن عباس إلخ. قال المؤلف: هذا الحديث والذى بعد هذا يدلان
بحاصلهما على المنع من تزيين المساجد وفعل عثمان يدل على جوازه، فبمقتضى المجموع
(١) التشييد رفع البناء وتطويله. قاله الخطابى. وفى المنتخب: بر افراشتن بنا.

١٥٤
إعلاء السنن النهى عن زخرفة المساجد ورفع بنائها وجواز استحكامها
المساجد)). قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى. أخرجه
أبو داود (١٧٠:١). وفى النيل (٣٦:٢): رجاله رجال الصحيح اهـ. وفى
"بلوغ المرام" (٤٣:١): وصححه ابن حبان اهـ.
١٥٥٢- عن أنس مرفوعًا: «ابنوا المساجد واتخذوها جما(١)) رواه ابن ابی
شيبة والبيهقى والعقيلى قال الشيخ: حديث حسن (العزيزى ٢٣:١).
١٥٥٣- عن نافع عن عبد الله بن عمر أخبره أن المسجد کان على عهد
رسول الله مګے مبنیا باللبن وسقفه الجرید وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو
بكر شيئا، وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه فى عهد رسول الله عَ ليه باللبن
والجرید، وأعاد عمده خشبا، ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره
بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج،
رواه البخارى (٦٤:٢).
قال علماؤنا بجواز القدر اليسير من النقش، وبكراهة المبالغة فيه كما فى فتح القدير:
وعندنا لا بأس به، ومحمل الكراهة التكلف بدقائق النقوش ونحوه خصوصًا فى المحراب،
إلى أن قال: لا شك أن الدفع للفقراء أولى من تزيينه. (٣٣٨:١).
قوله: عن نافع إلخ. وفى البخارى أيضًا: عن عثمان (أى فى عذر فعله هذا) عند
قول الناس حين بنى مسجد الرسول عَ له: إنكم أكثرتم وإنى سمعت رسول الله عزّطيه
يقول: من بنى مسجدا بنى الله له مثله فى الجنة اهـ. (٦٤:١). وفى "فتح البارى".
(١: ٤٥٠): قال ابن بطال وغيره: هذا يدل (أى حديث المتن) على أن السنة فى بنيان
المسجد القصد وترك الغلو فى تحسينه فقد كان عمر مع كثرة الفتوح فى أيامه وسعة المال
عنده لم يغير المسجد عما كان عليه، وإنما احتاج إلى تجديده لأن جريد النخل كان قد
نخر فى أيامه، ثم كان عثمان والمال فى زمانه أكثر فحسنه بما لا يقتضى الزخرفة، ومع
ذلك قد أنكر بعض الصحابة عليه اهـ. وفى "فتح البارى" (٤٥٣:١) برواية مسلم: أراد
عثمان بناء المسجد كره الناس ذلك، وأحبوا أن يدعوه على هيئته اهـ.
(١) أصل معناه: ما لا قرن له، والمراد ما لا شرف له ولا الارتفاع. من النهاية. (مؤلف).

١٥٥
ج - ٥
باب استحباب اتخاذ المساجد فى المحلات وتنظيفها
١٥٥٤- عن عروة بن الزبير عن من حدثه من أصحاب رسول الله سيد اله
قال بعض الناس: وبه أقول، وقد كان ذلك أولى مما فعله عثمان، أى فعل النبى مرّاليه.
وفعل عمر وتأويله ضعيف، وقد أول بما أول لكونه غنيًا، فإن الذهن يذهب فى الأكثر إلى
ما يتلبس به فافهم وازهد فى الدنيا. قلت: قاتلك الله! ألم يكن عثمان من الزاهدين؟
وقولك: قد أول بما أول لكونه غنيًا إلخ يشعر بسخافة رأيك وسوء فهمك، حيث تقيس
من هو من الخلفاء الراشدين على نفسك، ونسيت أن الصحابة رضى الله عنهم لم تكن
تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، ولم يكن غناهم يزيدهم فى الدنيا إلا زهدًا، والحق أن
فعل عثمان وإن لم يكن أولى بالنسبة إلى زمان النبى مرّة وزمان عمر لكثرة الراغبين فى
عمارة المساجد إذًا، ولكنه كان أولى من ترك المسجد على حاله الأول بالنسبة إلى زمانه
لبدء الفساد فيه، ولقلة الراغبين فى عمارة المساجد بعده، فبناه بناء محكم يبقى وهو راد
سنين، ولا شك فى استحباب الأحكام وإنما المكروه المبالغة فى النقش والزينة والزائدة،
وعثمان رضی الله عنه برئ منه.
وفى "المجمع الزوائد" (٤٩:١): عن عبادة بن الصامت قال: قالت الأنصار: إلى
متى يصلى رسول الله عَّةٍ إلى هذا الجريد؟ فجمعوا له دنانير فأتوا بهما النبى معَّ له،
فقالوا: نصلح هذا المسجد ونزينه، فقال: ليس لى رغبة عن أخى موسى، عريش كعريش
موسى. رواه الطبرانى فى الكبير عيسى بن سنان ضعفه أحمد وغيره، ووثقه العجلی
وابن حبان وابن خراش فى رواية اهـ. قلت: وهذا هو ذوق عثمان رضى الله عنه أيضاً،
ولكنه بنى المسجد ببناء محكم خشية الاندراس والانهدام، وبيانًا لجواز إحكام المساجد
من غير نقش وتطرية، ولو لم يبين ذلك بفعله لظن الناس كراهة الإحكام، وبقيت المساجد
خاوية على عروشها عن قليل، لفساد أهلها وقلة رغبتهم فى الخيرات وإعراضهم عن
عمارة بيوت الله، فلله دره حيث بين الناس ما كان خفيًا، وأظهر بفعله ما فيه مصلحة
للمساجد لا سيما فى زمان الفساد.
باب استحباب اتخاذ المساجد فى المحلات وتنظيفها
قوله: عن عروة إلخ. قال المؤلف: دلالته على الأمر بتطهير المسجد وإصلاحه

١٥٦
استحباب اتخاذ المساجد فى المحلات وتنظيفها
إعلاء السنن
قال: كان رسول الله يأمرنا أن نصنع المساجد فى دورنا وأن نصلح صنعتها
ونطهرنا. رواه أحمد وإسناده صحيح ("مجمع الزوائد" ١٤٧:١).
١٥٥٥- عن عائشة قالت: أمر رسول الله عّ لّه ببناء المساجد فى الدور،
وأن تنظف وتطيب. رواه أبو داود (١٧٣:١) وسكت عنه، وفى "النيل"
(٢: ٤٠): رجاله ثقات.
ظاهرة. وأما قوله: أن نصنع المساجد فى دورنا، فاختلف فى تفسير الدور؛ ففى "نيل
الأوطار": قال فى شرح المشكاة: الدور المذكورة فى الحديث جمع دار وهو اسم جامع
للبناء والعرصة والمحلة، والمراد المحلات، فإنهم كانوا يسمون المحلة التى اجتمعت فيها قبيلة
دارا، أو محمول على اتخاذ بيت للصلاة كالمسجد يصلى فيه أهل البيت قاله ابن الملك،
والأول هو المعول عليه. (٤٠:٢). وفى الدر المختار: ولا بأس برمى عش خفاش وحمام
لتنقيته، وفى رد المحتار: قوله: "لتنقيته"، وجواب سؤال حاصله: أنه مرّ قال: ((أقروا الطير
على مكانتها))، وإزالة العش مخالفة للأمر، فأجاب بأنه تنقية وهى مطلوبة، فالحديث
مخصوص بغير المساجد، (١: ٦٩٣). قلت: هذا الحديث نقله العلامة العزيزى رامزًاً
للحاكم وأبى داود، وقال: صححه الحاكم بلفظ: ((أقروا الطيور على مكناتها))
(٢٦٣:١).
وأيضًا: ويؤيد قول فقهائنا قوله عَّ فى حديث المتن: ونطهرها، وقوله عليه السلام
فى الحديث بعده: تنظف وتطيب، فإنه شامل لتطهير المساجد عن هذا العش أيضاً فافهم،
وكذا بإطلاق اللفظ لا سيما لفظ التنظيف والتطبيب يشمل ما هو مستقذر طبعًا كماء
الوضوء، وبه قال فقهاؤنا حيث حكموا بكراهة الوضوء والاغتسال فى المسجد إلا فيما
أعد لذلك.
وأما ما أورده فى "مجمع الزوائد" (١٥٠:١) برواية أحمد عن أبى العالية عن
رجل من أصحاب النبى معَّ قال: حفظت لك أن رسول الله عرّ توضأ فى المسجد.
وإسناده حسن اهـ. فلا يعارضه كما قال الشيخ، لأنه يحتمل أن يكون فى موضع أعد
لذلك، أو يكون معنى قوله: توضأ فى المسجد، أنه توضأ حال كونه مَّه فى المسجد، ولا
يدل على صب الماء فى المسجد فافهم.

١٥٧
ج -٥
باب كراهة إلقاء القملة فى المسجد
١٥٥٦- عن رجل من الأنصار أن رسول الله عّ لّه قال: إذا وجد أحدكم
القملة فى ثوبه فليصرها ولا يلقها فى المسجد. رواه أحمد ورجاله موثقون
("مجمع الزوائد" ١٥٠:١).
١٥٥٧- عن شيخ من أهل مكة من قريش قال: وجد رجل فى ثوبه قملة
فأخذها ليطرحها فى المسجد فقال له رسول الله عَ له: ((لا تفعل ردها إلى ثوبك
حتى تخرج من المسجد)). رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن محمد بن إسحاق
عنعنه وهو مدلس ("مجمع الزوائد" ١٥٠:١). قلت: صحح وحسن له
الترمذی (٥:١ و ١٧) مع عنعنته فالحدیث حسن.
باب استحباب لزوم المسجد والنهى عن اتخاذه طريقًا
١٥٥٨- عن أبى الدرداء قال: سمعت رسول الله عَّ له يقول: ((المسجد
بيت كل تقى، وتكفل الله لمن كان المسجد بيته بالروح والرحمة والجواز على
الصراط إلى رضوان الله إلى الجنة)). رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط، والبزار
وقال: إسناده حسن. قلت: ورجال البزار كلهم رجال الصحيح ("مجمع
الزوائد" ١٥١:١).
باب النهى عن إلقاء القملة فى المسجد
قوله: عن رجل من الأنصار إلخ. قال المؤلف: دلالته على كراهة إلقاء القملة فى
المسجد ظاهرة. وأما ما روى عن مالك بن يخامر قال: رأيت معاذ بن جبل يقتل القمل
والبراغيث فى المسجد، رواه الطبرانى فى الكبير ورجاله موثقون كذا فى "مجمع
الزوائد" (١٥٠:١). فلا يعارض ذلك، لأنه ليس فيه أنه كان يلقيهما فى المسجد بعد
قتلهما وإن ثبت فلعل النهی لم يبلغه.
باب استحباب لزوم المسجد والنهى عن اتخاذه طريقًا
قوله: عن أبى الدرداء إلخ. قال المؤلف: دلالته على ترغيب لزوم المسجد ظاهرة،
ولكن الظاهر أن هذا الفضل لمن كان جلوسه فى المسجد بأداء حقوقه.

١٥٨
استباب لزوم المسجد والنهي عن اتخاذه طريقا
إعلاء السنن
١٥٥٩- وعن أبى هريرة رضى الله عنه مرفوعًا: ((سبعة يظلهم الله فى ظله
يوم لا ظل إلا ظله)) وذكر فيهم: ((ورجل قلبه معلق بالمساجد)). رواه الشيخان
وغيرهما ("الترغيب" ص٥٧).
١٥٦٠- وعنه مرفوعا: ((ما توطن رجل المساجد للصلاة والذكر إلا
تبشش الله تعالی إلیه کما یتبشش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم)). رواه ابن
ماجه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرطهما. "الترغيب"
(ص٥٧).
١٥٦١- عن أبى سعيد مرفوعًا: ((إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا
له بالإيمان، قال الله عز وجل: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم
«الآخر﴾. رواه الترمذى وقال: حسن غريب، والحاكم وصححه، وابن خزيمة
وابن حبان فى صحيحيهما، ("الترغيب" ص٥٧).
١٥٦٢- عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله عَلّه: لا
تتخذوا المساجد طرقا إلا لذكر أو صلاة. ورواه الطبرانى فى الكبير والأوسط،
ورجاله موثقون. ("مجمع الزوائد" ١٥٢:١).
قوله: عن أبى هريرة إلى قوله: عن أبى سعيد إلخ. قلت: دلالة الأحاديث على
فضيلة ملازمة المسجد واعتياده وتعلق القلب به ظاهرة.
قوله: عن ابن عمر إلخ. قال المؤلف: دلالته على النهى عن جعل المسجد طرقا إلا
للعبادة من الذكر والصلاة ظاهرة. وفى "الدر المختار": "وكره تحريماً إلى قوله: اتخاذه
طريقًا بغير عذر. وفى "رد المحتار": فى التعبير بالاتخاذ إيماء إلى أنه لا يفسق بمرة أو مرتين،
ولذا عبر فى "القنية" بالاعتياد. "نهر". (٦٨٦:١). وفى "رد المحتار" أيضًا: فلو بعذر
جاز، ويصلى كل يوم تحية المسجد مرة. "بحر" "عن الخلاصة"، أى إذا تكرر دخوله
تكفيه التحية مرة، (٦٨٦:١).
قلت: ودليل استثناء العذر ما رواه الطبرانى فى الأوسط عن أبى ذر: أنه كان يخدم
النبى معَّه، فإذا فرغ من خدمته أتى المسجد فاضطجع فيه، كذا فى "مجمع الزوائد".

ج- ٥
استباب لزوم المسجد والنهي عن اتخاذه طريقا
١٥٩
١٥٦٣- عن أبى عمرو الشيبانى قال: كان ابن مسعود يعس فى المسجد
فلا يجد سوادًا إلا أخرجه إلا رجلا مصليا. رواه الطبرانى فى الكبير ورجاله
موثقون ("مجمع الزوائد" ١٥١:١)
١٥٦٤- عن ابن مسعود قال: قال رسول الله عّ لّه: ((إن من أشراط
الساعة أن يمر الرجل فى طول المسجد وعرضه لا يصلى فيه ركعتين)). رواه
الطبرانى فى الكبير ورجاله رجال الصحيح إلا أن سلمة بن كهيل وإن كان
سمع من الصحابة لم أجد له رواية عن ابن مسعود (مجمع الزوائد -السابق).
وفيه أيضًا: وفيه شهر وفيه كلام وقد وثق (١٥١:١). فإن النوم فى المسجد من الأفعال
التى لم يوضع لها المسجد، كما فى "الدر المختار": يكره أكل ونوم (أى فى المسجد
مؤلف) إلا لمعتكف وغريب. ملخصًا (٦٩٠:١-٦٩١ مع "رد المحتار") ويبعد صدوره
من مثل أبى ذر إلا بعذر، واتخاذ الطريق مثل النوم فى هذا الحكم كما هو الظاهر، فقيس
عليه. ثم رأيت فى رواية ما يدل دلالة صريحة على أن نومه مَّ فى المسجد كان لعذر،
وهى ما فى "مجمع الزوائد" أيضًا (١٥٠:١) عن أسماء - يعنى بنت يزيد- أن أبا ذر
الغفارى كان يخدم رسول الله مرّ له، فإذا فرغ من خدمته آوى إلى المسجد وكان هو بيته
يضطجع فيه، فدخل رسول الله مګ ليلة فوجد أبا ذر منجدلا فى المسجد، فنکبه رسول
الله عَّ برجله حتى استوى جالسًا، فقال له رسول الله مَّه: ألا أراك نائما؟ قال أبو ذر:
يا رسول الله! فأين أنام وهل لى بيت غيره؟ رواه أحمد والطبرانى بعضه فى الكبير، وفيه
شهر ابن حوشب وفیہ کلام وقد وثق.
قوله: عن أبى عمرو الشيبانى إلخ. قال المؤلف: دل الأثر على أن من كان فى
المسجد لغیر ما وضع له المسجد يخرج عنه ولا يستقر فيه.
قوله: عن ابن مسعود إلخ. قال المؤلف: دلالته على كراهة دخول المسجد لغير
الذكر ونحوه ظاهرة من حيث ذم من دخل فيه ولم يذكر الله تعالى، وفيه دلالة على كفاية
أداء الركعتين للسلامة من مذمة المرور كما قاله فقهاؤنا: فلو بعذر جاز، ويصلى تحية
المسجد مرة كل يوم، وكلام صاحب مجمع الزوائد لأجل عدم سماع سلمة عن ابن
مسعود لا يضر، لأن غايته الانقطاع وهو ليس بعلة عندنا فى القرون الثلاثة.

١٦٠
إعلاء السنن
باب كراهة إدخال الصبيان
والمجانين فى المسجد وكراهة رفع الصوت
وتناشد الأشعار ونحوه فيه إلا ما كان لغرض شرعى
١٥٦٥- عن مكحول رفعه إلى معاذ بن جبل ورفعه معاذ إلى النبى عدّ
قال: «جنبوا مساجد کم صبیانکم وخصوماتکم وحدود كم وشرائكم وبيعكم،
وجمروها يوم جمعكم، واجعلوا على أبوابها مطاهركم)). رواه الطبرانى فى
الكبير ومکحول لم يسمع من معاذ (مجمع الزوئد ١٥٢:١).
١٥٦٦- ورواه ابن ماجه عن واثلة وزاد بعد قوله: ((صبيانكم))،
(ومجانينكم)) وبعد قوله: ((وخصوماتكم))، و((ورفع أصواتكم، وإقامة
حدودكم، وسل سيوفكم)) وضعفه السيوطى فى الجامع الصغير برمزه (١٤:١).
ولكن هذا الضعيف تأيد بالأول المنقطع، والانقطاع لا يضر عندنا.
١٥٦٧- عن السائب بن يزيد قال: كنت قائما فى المسجد فحصبنى
باب كراهة إدخال الصبيان
والمجانين فى المسجد وكراهة رفع الصوت
وتناشد الأشعار ونحوه فیه إلا ما كان لغرض شرعی
قوله: عن مكحول إلخ. قال المؤلف: دل الحديث على أن يجنب المساجد مما ذكر
فيه، وتجمر فى الجمعة ويوضع المطاهر (١) على أبوابها وفى "الدر المختار": ويحرم إدخال
صبيان ومجانين حيث غلب تنجيسهم وإلا فيكره، وينبغى لداخله تعاهد نعله وخفه.
(٦٨٧:١ مع "رد المحتار") ..
قوله: عن السائب إلخ. قال المؤلف: دل قول سيدنا عمر رضى الله عنه على ذم رفع
الصوت فى المسجد، فإن قلت: قد روى البخارى فى صحيحه أن كعب بن مالك أخبره
أنه تقاضى ابن أبى حدرد دينًا كان له عليه فى عهد رسول الله مرّ له فى المسجد، فارتفعت
(١) والمطاهر جمع المطهرة بكسر الميم والفتح لغة، وهو كل إناء يتطهر به كما فى المصباح كذا فى "رد المحتار"
(٦٨٧:١). وفى القاموس: المطهرة بالكسر والفتح إناء يتطهر به والإدارة وبيت يتطهر فيه اهـ. قلت: والأحسن أن
يراد به هناك الأخیر، (مؤلف).