Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
حكم المرور بين يدى المصلى فى المسجد الحرام وغيره
إعلاء السنن
١٤٣٧- حدثنا أبو بكر بن شيبة ثنا وكيع عن عبيد الله بن عبد الرحمن
ابن موهب عن عمه -هو عبيد الله بن عبد الله بن موهب -
موضع سجوده، وفى موضع قدمیه فی ر کوعه، وإلی أرنبة أنفه فى سجوده، وفی حجره
فى قعوده لا يقع بصره على المار لا يكره اهـ، وقد جربت ذلك فظهر لى أنه إذا كان بصره
فى قيامه فى موضع السجود لا يجاوز ثلاثة أذرع، فالتقدير بذلك موافق للأثر ولمختار أجلة
الفقهاء من أصحابنا، قال المحقق: والذى يظهر ترجح ما اختاره فى النهاية من مختار فخر
الإسلام و کونه من غیر تفصیل بین المسجد وغيره، فإن المؤثم المرور بین یدیه، و کون ذلك
البيت برمته اعتبر بقعة واحدة فى حق بعض الأحكام، لا يستلزم تغيير الأمر الحسى من
المرور من بعيد، فيجعل البعيد قريبًا اهـ (٣٥٤:١).
قلت: وهذا هو مرادنا بموضع السجود فى ترجمة الباب، فافهم، وسیأتی ما يدل
· على أن المرور بين يدى المصلى لا يحرم مطلقًا، بل هو مقيد بشىء، فانتظر،
ودلالة الحديث على تحريم المرور ظاهرة، فإن معناه النهى الأكيد والوعيد الشديد
على ذلك قاله النووى، كما ذكره الحافظ فى "الفتح" (٤٨٣:١).
قوله: حدثنا أبو بكر بن شيبة إلخ: قلت: دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة، قال
الحافظ فى "الفتح": وهذا يشعر بأن إطلاق الأربعين (فى حديث أبى جهم) للمبالغة فى
تعظيم الأمر لا لخصوص عدد معين اهـ (٤٨٣:١)
قلت: وعبيد الله بن عبد الرحمن وثقه ابن معین فی رواية إسحاق بن إبراهيم عنه،
وقال أبو حاتم: صالح، وقال العجلى: ثقة، وقال ابن عدى: حسن الجدیث یکتب حديثه،
وذكره ابن حبان فى "الثقات"، كذا فى "التهذيب" (٢٩:٧)، وضعفه آخرون وعمه
عبيد الله بن عبد الله بن موهب وثقه ابن حبان فقط.
وجهله الإمام الشافعى وابن القطان الفاسى، كما فيه أيضًا (٢٥:٧)، والعارف
مقدم على من لم يعرف، وفيه دلالة على تقييد كراهة المرور بكونه معترضًا.
قال الحافظ فى "الفتح": ظاهر الحديث أن الوعيد المذكور يختص بمن مر لا بمن
وقف عامدًا بين يدى المصلى أو قعد أو رقد، لكن إن كانت العلة فيه التشويش

٨٢
ج - ٥
حكم المرور بين يدى المصلى فى المسجد الحرام وغيره
١٤٣٨- عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال النبى مَّه: ((لو يعلم
أحدكم ما له فى أن يمر بين يدى أخيه معترضًا(١) فى الصلاة كان لأن يقيم مائة
عام خير من الخطوة التى خطاها))، رواه ابن ماجه (ص٦٨)، ورجاله رجال
الجماعة إلا عبيد الله وعمه، والأول قد اختلف فيه، والثانى مقبول، وفى "نصب
الراية" (٢٦١:١): رواه ابن حبان فى "صحيحه"، وكذا عزاه الحافظ فى
"الفتح" (٤٨٣:١) إلى ابن حبان وابن ماجه، ولم يتكلم عليه، فهو حسن أو
صحيح عنده.
١٤٣٩- عن ابن عباس أنه قال: أقبلت راكبا على حمار أتان يومئذ
على المصلى فهو فى معنى المار اهـ (٤٨٤:١).
قلت: ولا شك أن التشويش فى المرور معترضًا أُشد، والوقوف بین یدیه یکون
بمنزلة السترة، فليس فى معناه، وإن سلم فهو ملتحق به قیاسًا لا دلالة، فلا یکون فيه من
الوعيد ما فى المرور معترضًا، وكلام فقهاءنا فى "الفتاوى" یفید جواز الوقوف بين يديه،
والفرق بينه وبين المرور قال فى "الشامية": أراد المرور بين يدى المصلى فإن كان
معه شىء يضعه بين يديه، ثم يمر ويأخذه، ولو مر اثنان يقوم أحدهما أمامه، ويمر
الآخر اهـ (٦٦٥:١).
قوله: عن ابن عباس إلخ: قال الحافظ فى "الفتح" عن ابن عبد البر: حديث ابن
عباس هذا يخص حديث أبى سعيد: (إذا كان أحدكم يصلى فلا يدع أحدا يمر بين يديه))؛
فإن كان ذلك مخصوص بالإمام والمنفرد، فأما المأموم فلا يضره من مر بين يديه؛ لحديث
ابن عباس هذا، قال: وهذا كله لا خلاف فيه بين العلماء، وكذا نقل عياض الاتفاق على
أن المأمومين يصلون إلى سترة، لكن اختلفوا هل سترتهم سترة الإمام أم سترتهم الإمام
نفسه أهـ(٢).
قال الحافظ: وفيه نظر، لما رواه عبد الرزاق عن الحكم بن عمرو الغفارى الصحابى
(١) أما إذا مشى بين يديه بلا اعتراض ذاهبا للقبلة فغير داخل فى الوعيد، كما فى "قوت المغتذى"، وكذا الوقف بين
يده، ولم يمش لكونه خارجا من المرور معترضاً. (مؤلف)
(٢) : لا دليل عليه.

٨٣
حكم المرور بين يدى المصلى فى المسجد الحرام وغيره
إعلاء السنن
قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله عَ لّ يصلى بالناس بمنى إلى غير جدار،
أنه صلی بأصحابه فی سفر، وبین یدیه سترة، فمرت حمیر بین یدی أصحابه، فأعاد بهم
الصلاة، وفى رواية له أنه قال لهم: إنها لم تقطع صلاتى ولكن قطعت صلاتكم، فهذا
يعكس على ما نقل من الاتفاق اهـ (٤٧٣:١).
قلت: هذا الموقوف لا ينتهض لمعارضة الأحاديث المرفوعة الدالة على عدم قطع
الصلاة، منها حديث ابن عباس هذا، ومنها ما رواه البخارى (٧١:١): عن أبى جحيفة
رضى الله عنه يقول: إن النبى معَ ◌ّه صلى بهم بالبطحاء وبين يديه عنزة الظهر ركعتين
والعصر ركعتين، تمر بين يديه المرأة والحمار اهـ، أى من وراء السترة، ولا شك أن المرور
بين يدى الإمام يستلزم المرور بين يدى القوم أيضًا ولو بعضهم، ومع ذلك لم يأمر معد له
أحدًا بإعادة الصلاة، فلعل حكم بن عمرو لم يبلغه قوله عَ ظله: ((سترة الإمام سترة لمن
خلفه)) على أن مراد ابن عبد البر وعياض من نقل الاتفاق اتفاق العلماء بعد الصحابة فلا
يضره الاختلاف السابق، لأن الإجماع اللاحق يرفع الخلاف السابق، كما تقرر فى
"الأصول".
قلت: وفى حديث ابن عباس هذا دلالة على أن المرور بين يدى المصلى ولو لم يكن
بين يديه سترة لا يكره على الإطلاق، بل هو مقيد بحد، وإلا لأنكر النبى منّ له على
ابن باس.
وقد زعم الحافظ ابن عبد البر أن قول ابن عباس: إلى غير جدار لا ينفى كون
السترة هناك، وقد ذكرت فى المتن ما يدل على خلافه، فعاد الإشكال، ولا يرتفع إلا بأن
يقال: إنه كان قد مر وراء الموضع الممنوع منه، أفاده الشیخ، كما ذكره بعض الناس فى
مسودته عنه، ولكن بقى تعيين هذا الحد، والحديث ساكت عنه ظاهرًا، ولعل الفقهاء
أخذوه من قوله مرّ له: ((لو يعلم المار بين يدى المصلى))، فإن لفظ بين يديه لا يطلق عرفا إلا
على ما كان أمامه قريبا منه(١)، فحده بعضهم بموضع السجود، وبعضهم بثلاثة أذرع،
(١) لا يقال: فعلى هذا لا يصح حمل قول ابن عباس: فمررت بين يدى بعض الصف على المرور من بعد، لأنا نقول:
صح حمله على ذلك بقرينة مروره راكبا على الحمار، ويبعد كل البعد أن يمر الصحابى متصلا بالمصلين بقرب
منهم، وهو راكب، فتعين حمله على المرور من بعد بهذه القرينة.

٨٤
ج - ٥
حكم المرور بين يدى المصلى فى المسجد الحرام وغيره
فمررت بين يدى بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت فى
الصف، فلم ينكر ذلك على أحد، رواه البخارى (٧١:١)، ورواه البزار بلفظ:
والنبى عَّةٍ يصلى المكتوبة ليس شىء يستره، كذا فى "الفتح" (١٥٦:١)
للحافظ، وقد مر فى الباب السابق، وسند البزار صحيح أيضًا، كما فى
"النيل" (٢٥٦:٢).
١٤٤٠- عن ابن جريج عن كثير بن كثير بن المطلب عن أبيه عن جده
ويؤيده ما وقع فى رواية أبى العباس السراج من طريق الضحاك بن عثمان عن أبى النضر:
(لو يعلم المار بين يدى المصلى والمصلى)) إلخ، ذكره الحافظ فى "الفتح"، وقال: والمصلى
بفتح اللام أظهر (٤٨٤:١)، وفيه إشعار بأن المكروه هو المرور بين يدى موضع الصلاة،
وهو فى العرف موضع السجود أو قريبًا منه، والله تعالى أعلم.
قوله: قوله عن ابن جريج إلخ: قلت: وفى "رد المحتار": ذكر فى "حاشية المدنى"
لا يمنع المار داخل الكعبة وخلف المقام وحاشية المطاف، لما روى أحمد وأبو داود عن
؛ المطلب بن أبى وداعة أنه رأى النبى مَّه يصلى مما يلى باب بنى سهم، والناس يمرون بين
يديه، وليس بينهما سترة، وهو محمول على الطائفين فيما يظهر، لأن الطواف صلاة
فصار كمن بين يديه صفوف من المصلين، انتهى، ومثله فى البحر العميق، وحكاه عز
الدين بن جماعة عن "مشكلات الآثار" للطحاوى، ونقله الملا رحمه الله فى "منسكه
الكبير، "ونقله سنان آفندى أيضا فى "منسكه" اهـ (٦٦٤:١).
قلت: ويؤيد تخصيصه بالطائفین ما فى هذا الحديث عند الطحاوى بسند حسن:
ليس بينه وبين الطواف سترة اهـ (٢٦٧:١، ولكن كلام الطحاوى فى "مشكل الآثار"
يفيد أن المرور بين يدى المصلى بحضرة الكعبة يجوز أى مطلقًا سواء كان المار طائفًا أو
غيره، ذكره الشامى فى "رد المحتار" فى باب الإحرام (٢٧٨:٢)، وقال: هذا فرع غريب،
فلیحفظ.
وتمام كلام الطحاوى ما ذكره فى "المختصر من المعتصر" من "مشكل الآثار"
(٣٩:١): أن حديث المطلب إنما هو فى الصلاة إلى الكعبة مع المعاينة، والنهى عن المرور
فيمن يتحرى الصلاة إلى الكعبة إذا غاب عنها، ويتحمل فى المعاينة ما لا يتحمل فى

٨٥
حكم المرور بين يدى المصلى فى المسجد الحرام وغيره
إعلاء السنن
قال: رأيت النبى معَّم يصلى فى المسجد الحرام ليس بينه وبينهم -أى الناس-
سترة، أخرجه عبد الرزاق، وأصحاب "السنن" أيضًا من هذا الوجه، ورجاله
موثقون إلا أنه معلول، فقد رواه أبو داود عن أحمد عن ابن عيينة قال: كان ابن
جريج أخبرنا به هكذا، فلقيت كثيرًا فقال: ليس من أبى سمعته، ولكن من بعض
أهلی عن جدی.
المغايبة، فإن الناس إذا تحلقوا الكعبة وصلوا جماعة لا بد أن تستقبل وجوه بعضهم بعضًا،
ولا كراهة فيه، بخلاف من غاب وصلى مستقبلا وجوه الرجال فإنه يكره، فكما اتسع
لهم الصلاة مع استقبال الوجوه اتسع لهم بين يديه المرور تخصيصًا للكعبة بهذا الحكم،
لأن الغالب استيلاء شرفها على القلوب بحيث يذهل عن الالتفات إلى غيرها، فليس الخير
كالعيان اهـ، وظاهره: أن جواز المرور بين يدى المصلى بحضرة الكعبة لا يختص بالطائفين
بل يعم كل مار، والحديث أخرجه النسائي عن المطلب بن أبى وداعة بلفظ: رأيت رسول
الله مَ له طاف بالبيت سبعًا ثم صلى ركعتين بحذاءه فى حاشية المقام، وليس بينه وبين
الطواف أحدا اهـ (١٢٣:١).
وقال السندى: قلت: ولكن المقام يكفى سترةً، وعلى هذا فلا يصلح هذا الحديث
دليلا لمن يقول: لا حاجة فى مكة إلى سترة اهـ.
قلت: ذكر المطلب فى حديثه مواضع مختلفة، فتارةً ذكر حاشية المقام، ومرة قال:
مما یلی باب بنى سهم، كما فى "مسند أحمد" (٣٩٩:٦) بسند قوى، ونحوه عند أبى
داود، كما مر، وباب بنى سهم هو الذى يقال له اليوم: باب العمرة، كما فى فتح
القدير" (٣٦٣:٢)، وأخرى قال: حتى إذا حاذى الركن فصلى ركعتين فى حاشية
المطاف، كما فى "سنن ابن ماجه" (ص٢١٨) بسند رجاله ثقات، ويجمع بينها بأنه
رآه مَِّ غير مرة يصلى فى مواقع مختلفة، فلو سلمنا كفاية المقام سترة لما صلى خلفه لا
٥
نسلم كونه سترة لما صلى بحذاء الركن فى حاشية المطاف، ولما صلى مما يلى باب بنى
سهم، على أن قوله فى رواية النسائى: صلى ركعتين بحذائه -أى البيت- فى حاشية
المقام، وليس بينه وبين الطواف أحد اهـ، يرد كون المقام سترة له أيضا، لأنه يشعر بكون
الصلاة بحذاء البيت لا بحذاء المقام، وبكونها فى حاشية المقام لا خلفه، وبأنه لم يكن بين

ج - ٥
حكم المرور بين يدى المصلى فى المسجد الحرام وغيره
٨٦
قلت: ابن جريج حافظ متقن وتابعه ابن عم المطلب بن أبى وداعة عند
الطحاوى (٢٦٧:١)، فرواه عن كثير بن كثير عن أبيه عن جده عن النبى معَّ له
بذلك اهـ، فلعل كثيرًا سمعه أولا من أبيه، ثم نسيه فرواه عن بعض أهله عن
جده، وأنكر روايته عن أبيه لنسيانه، ومثله لا يضر، وناهيك بصحته إخراج
النسائی (١٢٣:١) إیاه بطریق کثیر بن کثیر عن أبيه عن جده، وسکوته عنه.
١٤٤١- عن الحسن بن على أن رسول الله عَّ له صلى والرجال والنساء
يطوفون بين يديه بغير سترة مما يلى الحجر الأسود، رواه الطبرانى فى "الكبير"،
وفيه ياسين الزيات وهو متروك اهـ (مجمع الزوائد ١٦٧:١).
النبى عَّ وبين الطائفين حائل، ولو كان المقام سترة له لم يصلح قوله: وليس بينه
وبين الطواف أحد، فافهم. وقال بعض الناس: ويحتمل أنه لم يكن المرور فى حد الموضع
المنهى عنه.
قلت: ولكن يأباه بعض ألفاظ الحديث، والمسألة ظنية لا يضرها أمثال هذا الاحتمال
بل یکفی لها ترجح أحد الاحتمالات فى ذوق المجتهد.
قوله: عن الحسن بن على إلخ: قلت: دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة، وقوله:
بغير سترة مما يلى الحجر الأسود، متعلق بقوله: صلى، ولا يخفى أن مرور الطائفين بين يديه
وهو يصلى قريبًا من الحجر متصلا به يستلزم المرور فى الموضع المنهى عنه، والحديث
أخرجه ابن حبان عن المطلب بن أبى وداعة بلفظ: رأيت رسول الله عَ ليه يصلى حذو
الركن الأسود والرجال والنساء يمرون بين يديه، ما بينهم وبينه سترة، ذكره المحقق فى
"الفتح" (٣٦٣:٢).
وقوله: حذو الركن، لا ينافى ما فى حديث الحسن: مما يلى الحجر الأسود، فإن
الحذاء أعم من أن يكون متصلا به أو بعيدا عنه، ولفظ: مما يلى يفيد القرب، ففيه زيادة،
ومثبت الزيادة أولى، والله تعالى أعلم.
وأيضًا: فلفظ: يمرون بين يديه يفيد المرور بقرب منه، فإنه لا يطلق عرفًا على المرور
من بعد، كما قدمناه، فافهم.

٨٧
إعلاء السنن
قلت: كان من كبار فقهاء الكوفة ومفتيها، وقال عبد الرزاق: أهل مكة
يقولون: ابن جريج لم يسمع من ابن الزبير، إنما سمع ياسين، كذا فى "الميزان"
للذهبى (٢٨٠:٣).
قلت: ومثله لا يترك لتهمة فى دينه، فلعل ضعفه من قبل الحفظ والإتقان،
أو للاشتغال بالفقه، زاد فى "الجوهر المضيئة" عن عباس الدورى سمعت ابن
معين يقول: ياسين الزيات يمانى، وكان يفتى برأى أبى حنيفة، وإنما ذكرته
اعتضادًا؛ لما قبله.
باب استحباب رد المصلى المار بين يديه
داخل السترة وبيان طريق الدفع
١٤٤٢- حدثنا شيبان بن فروخ قال: نا سليمان بن المغيرة قال: نا ابن
هلال - يعنى حميد- قال: بينما أنا وصاحب لى نتذاكر حديثًا إذ قال أبو صالح
السمان: أنا أحدثك ما سمعت من أبى سعيد ورأيت منه، قال: بينما أنا مع أبى
سعید یصلى يوم الجمعة إلى شىء يستره من الناس، إذ جاء رجل شاب من بنى
باب استحباب رد المصلی المار بين يديه
داخل السترة وبيان طريق الدفع
قوله: حدثنا شيبان إلخ: قلت: قال صاحب "البدائع": وينبغى للمصلى أن يدرأ
المار أی يدفعه حتى لا يمر، حتی لا یشغله عن صلاته، لما روى عن أبى سعيد الخدرى أن
النبى مَّه قال: ((لا يقطع الصلاة مرور شئ، وادرءوا ما استطعتم)).
(قلت: وهو حديث حسن، كما مر) إلا أنه ينبغى أن يدفع بالتسبيح أو بالإشارة،
أو الأخذ بطرف ثوبه من غير مشی ومعالجة شديدة حتى لا تفسد صلاته، ومن الناس من
قال: إن لم یقف یإشارته جاز دفعه بالقتال، لحديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه،
فذكر حديث المتن بمعناه سواء، قال: ولنا: قول النبى مّ له: ((إن فى الصلاة لشغلا)) -يعنى
فى أعمال الصلاة، والقتال ليس من أعمال الصلاة، فلا يجوز الاشتغال به، وحديث أبى
سعيد كان فى وقت كان العمل فى الصلاة مباحً اهـ (٢١٧:١).

٨٨
ج -٥
استحباب رد المصلى المار بين يديه وطريقة الدفع
أبي معيط أراد أن يجتاز بين يديه، فدفع فى نحره فنظر فلم يجد مساغا إلا بين
يدى أبى سعيد، فعاد فدفع فى نحره أشد من الدفعة الأولى، فمثل قائما فنال من
قلت: وعليه حمله الطحاوى فى "معانى الآثار"، قال: ثم نسخ ذلك بنسخ الأفعال
فى الصلاة اهـ (٦٦٨:١).
ويؤيده ما أخرجه الطحاوى: حدثنا على بن عبد الرحمن (قال ابن أبى حاتم:
كتبت عنه بمصر وهو صدوق وذكره ابن يونس فى "تاريخ مصر"، وقال: يكنى
بأبى الحسن ولد بمصر، وكتب الحديث وحدث وكان ثقة حسن الحديث اهـ من
"التهذيب" ٣٦١:٧) قال: حدثنا عبد الله بن صالح (هو أبو صالح كاتب الليث ثقة
تكلم فيه بعضهم): قال: حدثنى بكر بن مضر عن عمرو بن الحارث عن بكير أن بشر ابن
سعيد وسليمان بن يسار حدثاه أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف حدثهما أنه كان
فى صلاةٍ، فمر به سليط بن أبى سليط فجذبه إبراهيم فخر فشج، فذهب إلى عثمان ابن
عفان رضى الله عنه فأرسل إلى فقال لى: ما هذا؟ فقلت: مر بين يدى فرددته لئلا يقطع
صلاتى، قال: ويقطع صلاتك؟ قلت: أنت أعلم! قال: إنه لا يقطع صلاتك، رجاله ثقات
كلهم، وفيه إشعار بنسخ قتال المار بين يدى المصلى، وإلا لم ينكر عثمان على فعل إبراهيم
ولم يعنفه.
قال صاحب "البدائع": ومن المشايخ من قال: إن الدرء رخصة والأفضل أن
لا يدرأ، -أى بالدفع باليد- لأنه ليس من أعمال الصلاة، وكذا روى إمام الهدى الشيخ
أبو منصور عن أبى حنيفة أن الأفضل أن يترك الدرء، والأمر بالدرء فى الحديث لبيان
الرخصة - كالأمر بقتل الأسودين- (السابق).
قلت: والأخذ بهذا القول أولى، فإنه يجمع الأحاديث المختلفة فى الباب، وأما
دعوى النسخ فى حديث المقاتلة، وإن جنح إليه الطحاوى وغيره فبعيدة لا أجد لها قوة.
وفى "الدر": ويدفعه وهو رخصة، فتركه أفضل، قال الباقانى: فلو ضربه فمات لا شىء
عليه عند الشافعى رضى الله عنه، خلافا لنا على ما يفهم من كتبنا اهه، قال الشامى: أى أن
المفهوم من كتبنا أن ما يقوله الشافعى خلاف قولنا، فإنهم صرحوا فى كتبنا بأنه رخصة،
• العزيمة عدم التعرض له، فحيث كان رخصة بتقيد بوصف السلامة، أفاده الرحمتى

٨٩
استحباب رد المصلى المار بين يديه وطريقة الدفع
إعلاء السنن
أبى سعيد، ثم زاحم الناس فخرج فدخل على مروان فشكى إليه ما لقى: قال:
ودخل أبو سعيد على مروان، فقال له مروان: مالك ولابن أخيك جاء ليشكوك؟
إلى أن قال: فإذا كانت المقاتلة غير مأذون بها عندنا كان قتله جناية يلزمه موجبها من
القواد أو الدية، فافهم (٦٦٦:١).
وقال محمد فى "الموطأ" - تحت حديث أبى سعيد: فإن أبى فليقاتله إلخ -: يكره
أن يمر الرجل بين يدى المصلى، فإن أراد أن يمر بين يديه فليدراً ما استطاع ولا يقاتله، فإن
قاتله كان ما يدخل عليه فى صلاته من قتاله إياه أشد عليه من ممر هذا بين يديه، ولا نعلم
: أحدًا روى قتاله إلا ما روى عن أبى سعيد(١) الخدرى، وليست العامة عليها، ولكنها على
ما وصفت لك وهو قول أبى حنيفة رحمه الله اهـ (ص ١٤١).
وقال الحافظ فى "الفتح" (١: ٤٨١): قال القرطبى: قوله: فليدفعه، أى بالإشارة
ولطيف المنع، وقوله: فليقاتله أى يزيد فى دفعه الثانى أشد من الأول، قال: وأجمعوا على
أنه لا يقاتله بالسلاح، لمخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصلاة والاشتغال بها والخشوع
فيها اهـ
وأطلق جماعة من الشافعية أن له أن يقاتله حقيقة، واستبعاد ابن العربى ذلك فى
القبس، وقال: المراد بالمقائلة: المدافعة، ونقل البيهقى عن الشافعى: أن المراد بالمقاتلة دفع
أشد من الدفع الأول اهـ.
قلت: وأصحاب الشافعى الذين أباحوا القتال حقيقة خالفوا فيه نص إمامهم،
وأولوا الحديث على غير ما أوله به، فهم محجوجون بإجماع من تقدمهم، فإن السلف
أجمعوا على تأويل المقاتلة على غير معناها الحقيقى، كما مر عن القرطبى، قال الحافظ: قال
أصحابنا: يرده سأسهل الوجوه فإن أبى فبأشد لو أدى إلى قتله، فلو قتل فلا شىء عليه،
لأن الشارع أباح له مقاتلته، والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها، ونقل ابن بطال وغيره الاتفاق
على أنه لا يجوز له المشى من مكانه ليدفعه، ولا العمل الكثير فى مدافعته، لأن ذلك أشد
فى الصلاة من المرور، وقال النووى: لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بوجوب هذا الدفع،
(١) قلت: لعله أراد أن حديث أبى سعيد غريب شاذ فى ما تعم به البلوى، وليس كذلك، فقد رواه ابن عمر أيضًا مثله
عند الطحاوى بسند حسن (٢٦٧:١)، وعلقه البخارى (٤٨:١) مع "الفتح

٩٠
ج-٥
استحباب رد المصلى المار بين يديه وطريقة الدفع
فقال أبو سعيد: سمعت رسول الله عّ لّه يقول: ((إذا صلى أحدكم إلى شىء
يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفع فى نحره، فإن أبى فليقاتله
فإنما هو شيطان))، رواه مسلم (١٩٧:١)، واللفظ له والبخارى، ورواه
الإسماعيلى -أى فى "مستخرجه على البخارى"- بلفظ: ((فإن أبى فليجعل يده
فى صدره، ويدفعه (فتح البارى ١: ٤٨١).
١٤٤٣- حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا وكيع عن أسامة بن زيد
بل صرح أصحابنا بأنه مندوب اهـ. وقد صرح بوجوبه أهل الظاهر، فكأن الشيخ لم
يراجع كلامهم فيه، أو لم يعتد بخلافهم، انتهى ملخصًا (١: ٤٨١ و٤٨٢).
قلت: فى إباحة مقاتلة المار بين يديه حقيقة نظر، لحديث عثمان يوم الدار: أنشدكم
بالله أ تعلمون أن رسول الله مێ قال: ((لا یحل دم امرئ مسلم إلا یاحدی ثلاث: زنا
بعد إحصان، أو كفر بعد إسلام، أو قتل نفس بغير حق، فقتل به؟)) أخرجه
الترمذى والنسائى وابن ماجه، وأخرج الشيخان نحوه بمعناه عن ابن مسعود، كما فى
"المشكاة" (٢٥٢ و٢٥٤)، وهذا هو الذى ألجأ الأئمة من السلف إلى تأويل المقاتلة فى
حديث أبى سعيد إلى الدفع العنيف، دون القتال الحقيقى، لكونه خارجاً من هذه الثلاثة.
قوله: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة إلخ: قلت: محمد بن قيس من رجال الجماعة
غير البخارى وأبى داود، أخرج له مسلم فى صحيحه عن أبى حرمة عن أبى هريرة
حديث: ((لولا أنكم تذنبون))، روى عنه الأجلة من الأئمة كإسماعيل بن أمية وعمرو ابن
دينار والليث بن سعد وغيرهم، قال ابن سعد: كان كثير الحديث عالما، وقال يعقوب ابن
سفيان وأبو داود: ثقة، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، وروى عن ابن معين تضعيفه، كما
فى "التهذيب" (٤١٤:٩)، والاختلاف لا يضر، وناهيك بإخراج مسلم والنسائى له.
وأما أبوه قيس فلم يعرف له راو غير ابنه، ولكن رواية الأبناء عن الآباء محتج بها،
مخرجة فى كتب الأئمة إذا كانت الأبناء ثقات، قال الحاكم: الحديث الصحيح ينقسم
عشرة أقسام، خمسة متفق عليها، وخمسة مختلف فيها، فمن الأول المتفق عليها اختيار
البخارى ومسلم، إلى أن قال: الخامس: أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن
أجدادهم، لم تتواتر الرواية عن آبائهم عن أجدادهم إلا عنهم، كعمرو بن شعيب عن أبيه

٩١
استحباب رد المصلى المار بين يديه وطريقة الدفع
إعلاء السنن
عن محمد بن قيس هو قاص عمر بن عبد العزيز عن أبيه عن أم سلمة، قالت:
كان النبى ◌ّظُلِّ يصلى فى حجرة أم سلمة، فمر بين يديه عبد الله أو عمر بن أبى
سلمة، فقال بيده هكذا فرجع، فمرت زينب ابنة أم سلمة فقال بيده هكذا
فمضت، فلما صلى رسول الله عَ لّه قال: ((هن أغلب)). رواه ابن ماجه وعزاه
فی "النيل" (٢٥٧:٢) إلی أحمد أيضا، وقال: الحدیث فى إسناده مجهول، وهو
قیس المدنی (لم يرو عنه غير ابنه) وبقية رجاله ثقات اهـ، قلت: وسيأتى الجواب
عن هذا الطعن، والحديث عندنا حسن.
١٤٤٤- عن ابن مسعود رضى الله عنه أن المرور بين يدى المصلى يقطع
نصف صلاته، رواه ابن أبى شيبة (فتح البارى ٤٨٢:١)، وهو حسن أو صحيح
عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وأياس بن قرة بن معاوية عن أبيه عن جده،
أجدادهم صحابة وأحفادهم ثقات، فهذه أيضًا محتج بها مخرجة فى كتب الأئمة دون
"الصحيحين" اهـ من "تدريب الراوى" ملخصًا (ص ٤٥).
٦
قلت: ومن هنا ترى أبا داود يخرج فى "سننه" أحاديث طلحة بن مصرف عن أبيه
عن جده، ويسكت عنها، وقد علم أن سكوته دليل صلاحية الحديث للاحتجاج به، مع
أن مصرفا مجهول عندهم لم يرو عنه غير ابنه، ولعل وجه الاحتجاج به وبأمثاله أن هؤلاء
الآباء وإن لم يكن روى عنهم غير أبنائهم وهذا يستدعى كونهم مجهولين ولكن معرفة
الأنباء بآباءهم أقوى وأشد من معرفة الاثنين واحدًا، فإن الابن لا يخفى عليه كثير من
أحوال أبيه، وصاحب البيت أدرى بما فيه، فكان رواية الابن وهو ثقة عن أبيه قائمة مقام
رواية الاثنين عن رجل فى رفع الجهالة عن مرويه، والله تعالى أعلم.
وبالجملة: فالحديث حسن عندنا، وفيه دليل لما قاله علماؤنا الحنفية أن العزيمة فى رد
المار بين يدى المصلى رده بالإشارة والتسبيح ونحوه دون الدفع باليد فى النحر وغيره،
فإنه ميّ اكتفى بالإشارة بدون الدفع، وإن كان الدفع رخصة، كما مر.
قوله: عن ابن مسعود وعن عمر إلخ: قال الحافظ فى "الفتح": عن الشيخ ابن أبى
جمرة: وهل المقاتلة لخلل يقع فى صلاة المصلى من المرور أو الدفع الإثم عن المار؟ الظاهر

٩٢
ج - ٥
على قاعدته.
١٤٤٥- عن عمر رضى الله عنه لو يعلم المصلى ما ينقص من صلاته
بالمرور بين يديه ما صلى إلا إلى شىء يستره من الناس. رواه أبو نعيم، قال
الحافظ: وهما وإن كانا موقوفين لفظًا فحكمهما حكم الرفع، لأن مثلهما لا
يقال بالرأى (فتح البارى ٤٨٢:١)، قلت: وهذا الكلام يشعر بصحة الأثرين
عنده.
باب أن العمل القلبى لا يبطل الصلاة
١٤٤٦- عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى معَّ كلّه قال: ((إذا نودى
. للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى النداء أقبل،
الثانى، انتهى.
قال غيره: بل الأول أظهر، لأن إقبال المصلى على صلاته أولى له من اشتغاله يدفع
الإثم عن غيره، ثم ذكر الأثرين، وقال: فهذان الأثران مقتضاهما أن الدفع لخلل يتعلق
بصلاة المصلى ولا يختص بالماراهـ (٤٨٢:١).
قلت: وفى أحاديث الباب دليل لجواز العمل اليسير فى الصلاة، فإن دفع المـ
من بين يديه بأخذ ثوبه ونحوه لا يخلو منه، وسيأتى ذلك فى باب يلى الباب الآّ
إن شاء الله تعالى.
باب أن العمل القلبى لا يبطل الصلاة
قوله: عن أبى هريرة إلخ: قال فى "النيل": الحديث يدل على أن الوسوسة فى
الصلاة غير مبطلة لها، وكذلك سائر الأعمال القلبيّة لعدم الفارق اهـ (٢٤٠:٢)،
لا يقال: إن الوسوسة أمر اضطرارى، فكيف يقاس عليها العمل القلبى الاختيارى؟ لأن
امتداد الوسوسة وهو المذكور فى الحديث فى قوله: ((حتى يظل الرجل لا يدرى كم
صلى))، لا يكون إلا عن اختيار عادة، وإن كان بدؤها من غير اختيار، أفاده الشيخ، وقال
المهلب: التفكر أمر غالب لا يمكن الاحتراز عنه فى الصلاة ولا فى غيرها، لما جعل الله
للشيطان من السبيل على الإنسان، ولكن إن كان فى أمر أخروى دينى فهو أخف مما

٩٣
العمل القلبى لا يبطل الصلوة
إعلاء السنن
حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى إذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء
ونفسه، يقول: اذكر كذا اذكر كذا، لما لم يكن يذكره، حتى يظل الرجل لا
يدرى كم صلى))، رواه البخارى (٨٥:١)، وزاد مسلم (٢١١:١): ((فإذا لم
یدر أحد کم کم صلی فليسجد سجدتین وهو جالس)).
١٤٤٧- عن حمران مولى عثمان بن عفان رضى الله عنهما أنه رأى
يكون فى أمر دنيوى اهـ من "العمدة" (٧٣٣:٣) للعينى، وفى "غنية المستملى": ولو
أنشأ أى رتب ونظم شعرًا أو خطبة لكن بفكره ولم يتكلم بلسانه لا تفسد صلاته، لأنها لا
تفسد بأفعال القلب ما لم يقارنها فعل الجوارح، ولكن قد أساء لمخالفة الأمر بالخشوع،
والتفاته بقلبه الذى هو محل نظر الحق منه إلى شىء آخر، وهذا غاية فى سوء الأدبَ معه
سبحانه وتعالى، ولو وقف بين يدى كبير من أكابر الدنيا لراعى محل نظره إليه كل
المراعاة من أن يحصل منه التفات إلى شىء آخر مع أنه عبد مثله، بل لو التفت مناجيه حال
مناجاته إلى الغير لاشتد غضبه عليه، كما قال الشيخ شرف الدين إسماعيل بن المقرئ فى
قصيدة له تائية:
يكون الفتى مستوجبًا للعقوبة
تصلى بلا قلب صلاة بمثلها
تزيد احتياطًا ركعة بعد ركعة
تظل وقد أتممتها غير عالم
وبین یدی من تنحنی غیر مخبت
فويلك تدرى من تناجيه معرضًا
على غيره فيها بغير ضرورة
تخاطبه إياك نعبد مقبلا
تميزت من غيظ عليه وغيرة
ولو رد من ناجاك للغير طرفه
أما تستحيي من مالك الملك أن یری
صدودك عنه يا قليل المروءة
إلی أن قال: وبالجملة فالتفکر فی الصلاة بغیر ما یتعلق بها للحال إن کان دنیویا "
فهو مكروه أشد الكراهة، بل مفسد عند أهل الحقيقة لفوات الركن الأصلى المقصود
بالذات، وإن كان أخرويا فهو ترك الأولى، فإن الاشتغال فى الصلاة بها أولى من الاشتغال
بغيرها من أمور الآخرة، فإنها قد ساوت ذلك الغير فى كونها من أمور الآخرة، وترجحت
بأن الوقت والمحل لها، فاعلم ذلك راشدًا، وبالله التوفيق (ص٤٢٠ -٤٢١).
قوله: عن حمران إلخ: قلت: سياق الحديث مشعر بأن تحديث المرأ نفسه فى

٩٤
ج- ٥
العمل القلبى لا يبطل الصلوة
عثمان رضى الله عنه دعا بالوضوء فذكر القصة بطولها، قال: ثم قال: رأيت
النبى مګ یتوضأ نحو وضوئی هذا، وقال: ((من توضأ نحو وضوئى هذا ثم
صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه))، أخرجه البخارى
ومسلم وأبو داود والنسائى، كذا فى "عمدة الأحكام" (٣٣٠٣٢:١)،
وحاشيته.
الصلاة لا يبطلها، وإنما يحرمه ذلك عن الأجر الجزيل الموعود على الخشوع، والإقبال بقلبه
على الصلاة. قال الشيخ ابن دقيق العيد فى شرح عمدة الأحكام له: قوله: لا يحدث
فيهما نفسه، المشارة إلى الخواطر والوساوس الواردة على النفس، وهى على قسمين:
أحدهما: ما يهجم هجمًا يتعذر دفعه عن النفس، والثانى: ما تسترسل معه النفس ويمكن
قطعه ودفعه، فيمكن أن يحمل الحديث على هذا النوع الثانى فيخرج عنه النوع الأول
لعسر اعتباره، ويشهد لذلك لفظة: يحدث نفسه؛ فإنه يقتضى تكسبا منه وتفعلا لهذا
الحديث، ويمكن أن يحمل على النوعين معًا إلا أن العسر إنما يجب دفعه عما يتعلق
بالتكاليف، والحديث إنما يقتضى ترتب ثواب مخصوص على عمل مخصوص، فمن
حصل له ذلك العمل حصل له ذلك الثواب، ومن لا فلا، وليس ذلك من باب التكليف
حتی یلزم دفع العسر عنه.
(قلت: وعليه فالأمر بالخشوع محمول على نفى النوع الثانى حتماً دون الأول،
لكونه من باب التكليف، والنوع الأول خارج عنه، وإن كان الخشوع الكامل إنما يحصل
بانتفاء النوعين معًا، نعم! لابد وأن تكون تلك الحالة ممكنة الحصول -أعنى الوصف المرتب
عليه الثواب المخصوص والأمر كذلك، فإن المتجردين عن شواغل الدنيا الذين غلب ذكر
. الله عز وجل على قلوبهم عمرهم تحصل لهم تلك الحالة. وقد حكى عن بعضهم ذلك
قال: وحديث النفس يعم الخواطر المتعلقة بالدنيا والخواطر المتعلقة بالآخرة، والحديث
محمول -والله أعلم- على ما يتعلق بالدنيا، إذ لابد من حديث النفس فيما يتعلق بالآخرة،
كالفكر فى معانى المتلو من القرآن العزيز والمذكور من الدعوات والأذكار، ولا مزيد بما
يتعلق بالآخرة كل أمر محمود أو مندوب إليه، فإن كثيرًا من ذلك لا يتعلق بأمر الصلاة
فإِدخاله فيها أجنبى عنها، وقد روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال: إنى لأجهز الجيش
---------

٩٥
العمل القلبى لا يبطل الصلوة
إعلاء السنن
١٤٤٨- عن عمر قال: إنى لأحسب جزية البحرين وأنا فى الصلاة، رواه
ابن أبى شيبة، ورجاله ثقات (فتح البارى ٧١:٣).
١٤٤٩- وعنه قال: إنى لأجهز جيشى وأنا فى الصلاة، علقه البخارى،
ووصله ابن أبى شيبة بإسناد صحيح عن أبى عثمان النهدى عنه بهذا سواء (فتح
البارى ٧١:٣).
١٤٥٠- عن همام بن الحارث أن عمر صلى المغرب فلم يقرأ، فلما
انصرف قالوا: يا أمير المؤمنين! إنك لم تقرأ، فقال: إنى حدثت نفسى وأنا فى
وأنا فى الصلاة، أو كما قال، وهذه قربة إلا أنها أجنبية عن مقصود الصلاة اهـ (٣٩:١).
قلت: إنما تكون هذه أجنبية عن مقصود الصلاة إذا كانت بقصد منه وهو ذاهل
حین الاشتغال بها عن ربه عز وجل وعن رؤيته نفسه بين يديه سبحانه، فأما إن كانت
أفعاله هذه بغير قصد منه بل یالهام من ربه كما هو الظاهر من حاله لكونه رئيس المحدثين
الملهمين من هذه الأمة، وكانت الإلهامات متواترة عليه فى غالب الأوقات كالمطر النازل
من السحب الهطالة، وربما نطق بها على المنبر وهو يخطب كما ثبت أنه نادى مرة فى
خطبته وقد وقع فى خلده أن المشركين هزموا إخوانه المسلمين وهم يمرون بجبل إن عدلوا
إليه نجوا وإن جاوزوا هلكوا: يا سارية الجبل! وإسناده حسن، قاله الحافظ ابن حجر فى
"الإصابة"، كما فى "تاريخ الخلفاء" (ص٤٩) للسيوطى، أو كانت بقصد منه، ولكنه لا
يشتغل بها عن الحضور بين يدى ربه والإقبال عليه بقلبه فلا تكون أجنبية عن مقصود
الصلاة أصلا، فإن المقصود منها أن تعبد الله كأنك تراه، ورؤية الرب كما تكون بالتفكر
فى أفعال الصلاة قد تكون بالتفكر فى غيرها من أمور الآخرة أيضاً، كما يشاهده من ذاق
من هذا الأمر شيئا، وهذا هو محمل ورود السهو على رسول الله عَ ليه فى الصلاة أحيانا،
فإنه كان حينئذ مشتغلا برؤية ربه لا بأفعال الصلاة بل بغيرها، فافهم.
ولبعض الناس هناك أو هام باطلة أدته إلى سوء الأدب -نعوذ بالله منه-، ودلالة
الآثار بعده على عدم بطلان الصلاة بفعل القلب ظاهرة، وأما إعادة عمر الصلاة فإنما أعاد
لترك القراءة لا لكونه مستغرقًا فى الفكرة، كما هو الظاهر من سياق الأثر، لا سيما من
طرقه المتعددة المذكورة فى "فتح البارى" (٧١:٣).

٩٦
ج- ٥
الصلاة بغير جهزتها من المدينة حتى دخلت الشام، ثم أعاد وأعاد
القراءة، رواه صالح بن أحمد بن حنبل فى كتاب المسائل، ورجاله ثقات (فتح
البارى ٧١:٣).
باب أن العمل القليل لا يبطل الصلاة
١٤٥١- عن أبي قتادة الأنصارى رضى الله عنه أن رسول الله عَ لّه كان
باب أن العمل القليل لا يبطل الصلاة
قوله: عن أبى قتادة إلخ: قلت: وفى رواية لمسلم: فإذا قام أعادها، ولأبى داود من
طريق المقبرى عن عمرو بن سليم: ((حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها ثم ركع
وسجد، حتى إذا فرغ من سجود وقام أخذها فردها فى مكانها)»، وهذا صريح فى أن فعل
الحمل والوضع كان منه لا من أمامة، بخلاف ما أوله الخطابى حيث قال: يشبه أن تكون
الصبية كانت قد ألفته فإذا سجد تعلقت بأطرافه والتزمه فينهض من سجوده فتبقى
محمولة كذلك إلى أن يركع فيرسلها. قال القرطبى: اختلف العلماء فى تأويل هذا.
الحديث والذى أحوجهم إلى ذلك أنه عمل كثير، فروى ابن القاسم عن مالك أنه كان فى
النافلة، وهو تأويل بعيد، فإن ظاهر الأحاديث أنه كان فى فريضة لما ثبت فى مسلم: رأيت
النبى معَّ يؤم الناس وأمامة على عاتقه، وإمامته بالناس فى النافلة غير معهودة. ولأبى
داود: بينما نحن ننتظر رسول الله عَّ فى الظهر أو العصر وقد دعاه بلال إلى الصلاة، إذ
خرج علينا وأمامة على عاتقه، فقام فى مصلاه فقمنا خلفه فكبر فكبرنا. قال القرطبى:
وروى عبد الله بن يوسف التنيسى عن مالك أن الحديث منسوخ، ولفظ الإسماعيلى عنه:
قال مالك: من حديث النبى معَّ ناسخ ومنسوخ، وليس العمل على هذا.
قال الحافظ: وحمل أكثر أهل العلم هذا الحديث على أنه عمل غير متولل لوجود
الطمأنينة فى أركان صلاته. وقال النووى: ادعى بعض المالكية أن هذا الحديث منسوخ،
وبعضهم أنه من الخصائص، وبعضهم أنه كان لضرورة، وكل ذلك دعاوى باطلة مردودة
. لا دليل عليها، وليس فى الحديث ما يخالف قواعد الشرع، لأن الآدمى طاهر وما فى
جوفه معفو عنه، وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة،
والأعمال فى الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرقت، و«لائل الشرع متظاهرة على ذلك،

٩٧
العمل القليل لا يبطل الصلوة
إعلاء السنن
يصلى وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله عّ لّه ولأبى العاص بن ربيعة
ابن عبد شمس، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها، رواه البخارى (٧٤:١)
ولمسلم: رأيت النبى عّ لّه يؤم الناس وأمامة على عاتقه (فتح ٤٨٩:١).
١٤٥٢- عن عائشة رضى الله عنها قالت: كنت أمد رجلى فى قبلة
النبى عَّةٍ وهو يصلى، فإذا سجد غمزنى فرفعتها فإذا قام مددتها، رواه
وإنما فعل النبى عّ ذلك لبيان الجواز، وقال الفاكهانى: وكان السر فى حمله أمامة فى
الصلاة دفعًا لما كانت العرب تألفه من كراهة البنات وحملهن، فخالفهم فى ذلك فى
الصلاة للمبالغة فى ردهم، والبيان بالفعل قد يكون أقوى من القول من "فتح البارى"
(٤٨٩:١) ملخصًا
قلت: أما مذهب أبى حنيفة فى هذا فهو ما ذكره فى "البدائع" فى بيان العمل
الكثير الذى يفسد الصلاة، والقليل الذى لا يفسدها. فقال: واختلف فى الحد الفاصل بين
القليل والكثير، قال بعضهم: الكثير ما يحتاج فيه إلى استعمال اليدين والقليل ما لا يحتاج
فيه إلى ذلك، وقال بعضهم: كل عمل لو نظر الناظر إليه من بعيد لا يشك أنه فى غير
الصلاة، وكل عمل لو نظر إليه ناظر ربما يشتبه عليه أنه فى الصلاة فهو قليل وهو الأصح.
وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا قاتل فى صلاته فى غير حالة الخوف أنه تفسد صلاته،
وكذا لو ادهن أو سرج رأسه أو حملت امرأة صبينها وأرضعته لوجود العمل الكثير على
العبارتين.
فأما حمل الصبى بدون الإرضاع فلا يوجب فساد الصلاة لما روى أن النبى منز لته
كان يصلى، وقد حمل أمامة بنت أبى العاص على عاتقه، فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام
رفعها، ثم هذا الصنيع لم يكره منه مَّ لأنه كان محتاجاً إلى ذلك لعدم من يحفظها، أو
لبيانه الشرع بالفعل أن هذا غير موجب لفساد الصلاة، ومثل هذا فى زماننا لا يكره لواحد
منا لو فعل ذلك عند الحاجة، أما بدون الحاجة فمكروه اهـ (٢٤١:١ و ٢٤٢)، ووجه
كراهته بدون الحاجة لإخلاله بالخشوع والإقبال بالقلب على الرب تعالى.
قوله: عن عائشة إلى قوله: عن أبى هريرة إلخ: قلت: دلالة الأحاديث على الباب
ظاهرة.

٩٨
ج -.
العمل القليل لا يبطل الصلوة
البخارى (١٦٥:١).
١٤٥٣- عن أنس قال: رأيت رسول الله عّ لّه يصلى والحسن على ظهره
فإذا سجد نحاه، رواه ابن عدى، وإسناده حسن (التلخيص الحبير ١٦:١).
١٤٥٤- عن أبى هريرة عن النبى مرّ له أنه صلى صلاة، فقال: إن الشيطان
عرض لى فشد على ليقطع الصلاة على، فأمكننى الله منه فذعته، الحديث، قال
النضر بن شميل: فذعته بالذال المعجمة أى خنقته، رواه البخارى (١٦١:١).
١٤٥٥- عن الأزرق بن قيس قال: كنا بالأهواز نقاتل الحرورية، فبينا أنا
على جرف نهر إذ جاء رجل يصلى فإذا لجام دابته بيده، فجعلت الدابة تنازعه
وجعل يتبعها، قال شعبة: هو أبو برزة الأسلمى، فجعل رجل من الخوارج يقول:
اللهم افعل بهذا الشيخ، فلما انصرف الشيخ قال: إنى سمعت قولكم، وإنى
غزوت مع رسول الله مَّ ست غزوات أو سبع غزوات أو ثمانى، وشهدت
تيسيره، وأنى إن كنت أن أرجع مع دابتى أحب إلى من أن أدعها ترجع إلى
مألفها فيشق على، رواه البخارى (١٦١:١).
قوله: عن الأزرق بن قيس إلخ: قال الحافظ فى "الفتح": ظاهر سياق هذه القصة أن
أبا برزة لم يقطع صلاته، ويؤيده قوله فى رواية عمرو بن مرزوق: فأخذها ثم رجع
القهقرى، فإنه لو كان قطعا ما بالى أن يرجع مستدبر القبلة، وفى رجوعه القهقرى ما
يشعر بأن مشيه إلى قصدها ما كان كثيرًا، وقد أجمع الفقهاء على أن المشى الكثير فى
الصلاة المفروضة يبطلها، فيحمل حديث أبى برزة على القليل، كما قررناه اهـ (٦٦:٣).
قلت: وذكر محمد فى "السير الكبير" حديث أبي برزة هذا بلفظ: أنه صلى
ركعتين وهو آخذ بقيادة فرسه، ثم استل قياد فرسه من يديه فمضى الفرس على القبلة،
وتبعه أبو برزة حتى أخذ بقياد فرسه، ثم رجع ناكصا على عقبيه فصلی صلاته إلخ، ثم
قال: ففى هذا دليل على أنه لا بأس للغازى بأن يأخذ بعنان فرسه فى الصلاة، لأنه يبتلى به
من ليس له سائس، وأن من مشى فى صلاته عند تحقق الحاجة يسيرًا وهو مستقبل القبلة
لم تفسد صلاته، ألا ترى أن أبا بكرة رضى الله عنه كبر عند باب المسجد ودب راكعاً،

٩٩
إعلاء السنن
١٤٥٦- عن جابر فى حديث الكسوف: ثم تأخر وتأخرت الصفوف،
خلفه حتى انتهى إلى النساء، ثم تقدم وتقدم الناس معه، حتى قام فى مقامه،
الحديث، أخرجه مسلم (٢٩٧:١).
باب أن الدعاء فى الصلاة بما لا يجوز لا يبطلها
إذا لم يكن من كلام الناس
١٤٥٧- عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قام رسول الله عَ لّه إلى
حتى التحق بالصف اهـ (١٥٩:١).
قوله: عن جابر إلخ: قال النووى: فيه أن العمل القليل لا يبطل الصلاة، وضبط
أصحابنا القليل بما دون ثلاث خطوات متواليات، وقالوا: الثلاث متتابعات يبطلها،
ويتأولون هذا الحديث على أن الخطوات كانت متفرقةً لا متواليةً، ولا يصح تأويله على أنه
كان خطوتين، لأن قوله: انتهينا إلى النساء يخالفه اهـ (٢٩٧:١).
وفى "البحر" عن "المنية": المشى فى الصلاة إذا كان مستقبل القبلة لا يفسد إذا لم
يكن متلاحقًا ولم يخرج من المسجد (١٣:٢).
باب أن الدعاء فى الصلاة بما لا يجوز لا يبطلها
إذا لم یکن من كلام الناس
قوله: عن أبى هريرة إلخ: قال فى "النيل": وفى هذا إشارة إلى ترك هذا الدعاء
والنهى عنه، وأنه يستحب الدعاء لغيره من المسلمين بالرحمة والهداية ونحوهما، واستدل
به المصنف(١) على أنها لاتبطل صلاة من دعا بما لا يجوز جاهلا لعدم أمر هذا الداعى
بالإعادة، قال الحسن وقتادة: ورحمة الله وسعت فى الدنيا البر والفاجر، وهى يوم القيامة
للمتقين خاصة، جعلنا الله (وسائر المسلمين) ممن وسعته رحمته فى الدارين اهـ (٢١٧:٢).
قلت: ولعل تقييد الحكم بالجاهل لبیان الواقعة لکون الأعرابی کان کذلك دون
الاحتراز عن العالم، فإن هذا الدعاء وإن كان منهيا عنه، فإنه ليس من كلام الناس،
فلا تفسد به الصلاة مطلقًا.
(١) أى ابن تيمية.

١٠٠
ج - ٥
الصلاة وقمنا معه، فقال أعرابى وهو فى الصلاة: اللهم ارحمنى ومحمدًا، ولا
ترحم معنا أحدا، فلما سلم النبى معَ ◌ّم قال للأعرابى: ((لقد تحجرت(١)
واسعا))، -يريد رحمة الله- أخرجه الجماعة(٢) غير ابن ماجه والترمذى (نيل
الأوطار ٢١٧:٢).
باب ما جاء فى إجابة الأبوين فى الصلاة
١٤٥٨- قال اللیث: حدثنى جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز
باب ما جاء فى إجابة الأبوين فى الصلاة
قوله: الليث إلخ: قلت: الظاهر من ترديد جريج فى قوله: أمى وصلاتى، أن الكلام
كان قاطعًا للصلاة عنده فلذلك لم يجبها، وقال ابن بطال: سبب دعاء أم جريج عليه أن
الكلام فى الصلاة كان فى شرعهم مباحًاً، فلما آثر استمراره فى صلاته ومناجاته على
إجابتها دعت عليه لتأخيره حقها، انتهى من "فتح البارى" (٦٢:٣).
وقال عبد الملك بن حبيب: كانت صلاته نافلةً وإجابة أمه أفضل من النافلة، و کان
الثواب إجابتها، لأن الاستمرار فى صلاة النفل تطوع وإجابة أمه وبرها واجب، وكان
يمكنه أن يخففها ويجيبها، كذا فى "العمدة" (٧١٦:٣) للعينى.
قلت: وهذا أصح لما روى الحسن بن سفيان وغيره من طريق الليث عن يزيد ابن
حوشب عن أبيه قال: سمعت رسول الله مَّ يقول: لو كان جريج عالما لعلم أن إجابته
أمه أولى من عبادة ربه، ويزيد هذا مجهول، وحوشب بمهملة ثم معجمة وزن جعفر،
ووهم الدمياطى فزعم أنه ذو ظليم، والصواب أنه غيره، لأن ذا ظليم لم يسمع من
النبى معَّه، وهذا وقع التصريح بسماعه، قاله الحافظ فى "الفتح" (٦٣:٣)، وجهالة يزيد
لا تضر، لأنها فى حكم الانقطاع وهو لا يضر فى القرون الثلاثة عندنا، كما ذكرناه
فى "المقدمة".
والحديث مشعر بعدم إباحة الكلام فى الصلاة عند جريج العابد، وإلا لكان أفضلية
(١) أى ضيقت ما وسعه الله.
(٢) أى أحمد وأصحاب الصحاح.