Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
ج -٥
الإشارة المفهمة بغير اللسان لا تقطع الصلوة
فإنه لم يمنعنى أن أكلمك إلا أنى كنت أصلى، الحديث، رواه مسلم (٢٠٤:١)،
ولفظه عند البخارى: فأتيت النجى مرّ فسلمت عليه فلم يرد على، فوقع فى
قلبى ما الله أعلم به، ثم سلمت عليه فلم يرد على، فوقع فى قلبى أشد من المرة
الأولى، ثم سلمت عليه فرد على، فقال: ((إنما منعنى أن أرد عليك أنى كنت
قال الطحاوى: حدثنا على (١) بن زيد قال: ثنا موسى بن داود (هو الضبى
الطرسوسی، وثقه ابن نمير وابن سعد وابن نمار الموصلى والعجلی وابن حبان، روى له
مسلم، كما فى "التهذيب" ٣٤٢:١٠) قال: ثنا همام (هو ابن منبه ثقة حافظ) قال: سأل
سليمان(٢) بن موسى عطاءً، سألت جابراً عن الرجل ليسلم عليك وأنت تصلى، فقال: لا
ترد علیه حتى تقضى صلاتك؟ فقال: نعم (٢٦٥:١).
قال العينى: ثم الأئمةُ اختلفوا فى هذا الباب فقال قوم منهم: يرد السلام نطقًا، وهو
المروى عن أبى هريرة وجابر(٣) والحسن وسعيد بن المسيب وقتادة وإسحاق، ومنهم من
قال: يستحب رده بالإشارة، وبه قال الشافعی ومالك وأحمد وأبو ثور، وقيل: یرد فی
نفسه، روى ذلك عن أبى حنيفة أيضًا، قال قوم: يرد بعد السلام وهو قول عطاء والثورى
والنخعى، وهو المروى عن أبى ذر وأبى العالية، وبه قال محمد بن الحسن، وقال أبو
يوسف: لا يرد لا فى الحال ولا بعد الفراغ اهـ (١: ٧٠١).
قلت: القول الأول يبطله الأحاديث الناهية عن الكلام فى الصلاة، لا سيما حديث
ابن مسعود: فلما رجعنا من عند النجاشى سلمنا علیه، فلم يرد علينا، وقال: إن الله يحدث
من أمره ما يشاء، وأنه قد أحدث أن لا تتكلموا فى الصلاة إلا بذكر الله، وما ينبغى لكم
(١) من أهل طرسوس قدم مصر وحدث بها، روى عن موسى بن داود ومحمد بن کثیر وغيره، وعنه الباغندى
وابن مخلد، قال سلمة: ثقة " لسان الميزان".
(٢) هو الأموى أثنى عليه عطاء والزهرى وابن جريج، وثقه ابن معين وغيره، كذا فى
"التهذيب" (٢٢٦:٤).
(٣) قال الطحاوى: ثنا فهد ثنا عمر بن حفص ثنا أبى ثنا الأعمش ثنى أبو سفيان قال: سمعت جابرا يقول: ما أحب أن
أسلم على الرجل وهو يصلى، ولو سلم على لرددت عليه اهـ (٢٦٤:١)، وأول الطحاوى قوله: لرددت عليه أى
بعد فراغی من الصلاة، بدلیل ما رواه عطاء عنه، على أن أبا سفيان طریف السعدی متكلم فيه جدا، فلا يعتبر بما
رواه ما لم يتابعه غيره.

٤٢
الإشارة المفهمة بغير اللسان لا تقطع الصلوة
إعلاء السنن
أصلى)) إلخ، قال الحافظ فى "الفتح" (٦٩:٣): قوله: ثم سلمت عليه فرد على،
أی بعد أن فرغ من صلاته اهـ.
قلت: يدل عليه ما أخرجه الطحاوى (٢٦٤:١) بسنده، وفى آخره: فلما
سلم رد علی اهـ.
وقوموا لله قانتين، فأمرنا بالسكوت اهـ، وقد مر، وهو بدلالة يدل على كون السلام
کلامًا محظوراً عنه.
والقول الثانى: يؤيده بعض ما ورد فى المرفوعات: أنه ◌ّ كان يرد السلام بيده
فى الصلاة.
وأجاب عنه الطحاوى: أنه ليس فيه دليل على ذلك، لأنه مَّه لم يقل إنه أراد بتلك
الإشارة رد السلام على من سلم عليه، فاحتمل أن تكون تلك الإشارة ردًا منه للسلام، أو
نهيًا لهم عن السلام عليه وهو يصلى اهـ بمعناه (٣٦٣:١)، نعم! ثبت عن ابن عمر أنه مر
على رجل يصلى فسلم عليه فرد عليه السلام، فرجع إليه ابن عمر فقال: إذا سلم على
أحدكم وهو يصلى فلا يتكلم وليشر بيده، أخرجه محمد فى "الموطأ" (ص١٢١) عن
مالك عن نافع عنه.
ومنعه أصحابنا فى الصلاة مطلقًا بدليل ما سيأتى، وما مر من حديث جابر أنه مد ته.
لم يرد عليه فى الصلاة لا لفظًا ولا إشارة، وحملوا قول ابن عمر: وليشر بيده على الإباحة
دون الندب، وكان ابتداء السلام منه على المصلى لعدم علمه بحال الرجل أنه مشغول
بالصلاة، ولو ثبت عنه استحباب الإشارة صراحة فالأخذ بالمرفوع أولى.
قال العينى (٧٠١:١): وقال الطائفة من الظاهرية: إذا كانت الإشارة مفهمة قطعت
عليه صلاته، لما روى أبو داود عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عز له: ((التسبيح للرجال
والتصفيق للنساء، ومن أشار فى صلاته إشارة تفهم منه فليعد لها))، قال أبو داود: هذا
الحديث وهم (١٠٨:١).
وقال خلیلی فی "شرحه": قال الدار قطنى بعد تخريج هذا الحديث: قال لنا ابن ابى
داود: أبو غطفان هذا رجل مجهول، وآخر الحديث زيادة فى الحديث، ولعله من قوله ابن .

٤٣
ج - ٥
الإشارة المفهمة بغير اللسان لا تقطع الصلوة
١٣٩٥- عن أم سلمة فى الركعتين بعد العصر قالت: فأرسلت إليه
الجارية، فقلت: قومى بجنبه قولى له: تقول لك أم سلمة: يا رسول الله! سمعتك
تنهى عن هاتين وأراك تصليهما، فإن أشار بيده فاستأخرى عنه، ففعلت الجارية،
فأشار بيده، فاستأخرت عنه، فلما انصرف قال: ((يا ابنة أبى أمية! سألت عن
الركعتين بعد العصر)) الحديث، أخرجه البخارى (٢: ٨٥) - واللفظ له- ومسلم
وآخرون.
إسحاق، والصحيح عن النبى مَّ أنه كان يشير، وهكذا قال البيهقى فى "سننه" اهـ.
قال العینی: وأعله ابن الجوزی بابن إسحاق فى سنده، وقال إسحاق بن إبراهيم ابن
هانئ: سئل أحمد عن هذا الحديث، فقال: لا يثبت، إسناده ليس بشىء، قال صاحب
"التحقيق": أبو غطفان هو ابن طريف، ويقال: ابن مالك المرى، قال عباس الدورى:
سمعت ابن معين يقول فيه: ثقة.
وقال النسائى فى "الكنى": أبو غطفان ثقة، قيل: اسمه سعد، وذكره ابن حبان فى
"الثقات"، وأخرج له مسلم فى "صحيحه"، فحينئذ يكون إسناد الحديث صحيحًا، وأبو
داود لم يبين كيفية الوهم، فلا يبنى عليه شىء، فإن كان قول أبى داود من جهة أبی
غطفان فقد بينا حاله، وتعلیل ابن الجوزى بابن إسحاق ليس بشىء؛ لأن ابن إسحاق من
الثقات الكبار عند الجمهور اهـ (٧٠١:٣).
قلت: لعل قول أبى داود إنما هو من جهة الزيادة التى فى آخر الحديث، فإنها لم ترد
مرفوعة إلا من طريق ابن إسحاق فحسب، ولم يتابعه أحد من الثقات على ذكرها، فھی
شاذة لا تقبل، لا سيما وابن إسحاق مدلس، وقد عنعن(١)، فلا يكون حجة ما لم يصرح
(١) هذا هو مذهب الجمهور من المحدثين، واختاره الحافظ فى "طبقات المدلسين" له، فذكر ابن إسحاق فى المرتبة الرابعة
منهم (ص١٨)، وهم الذين اتفق على أنه لا يحتج بشىء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، لكثرة تدليسهم
عن الضعفاء والمجاهيل. وقال فى محمد بن إسحاق: صدوق مشهور بالتدليس عن الضعفاء والمجهولين وعن شر
منهم، وصفه بذلك أحمد والدارقطنى اهـ، ولكن صحح الترمذى حدثه فى (باب المذى) (١٧:١)، وفى (باب ما
جاء فى السواك) (٥:١)، وكلاهما بالعنعنة، وقال فى كل منهما: هذا حديث حسن صحيح، وقال فى الأول
أيضًا: ولا نعرف مثل هذا إلا من حديث محمد بن إسحاق فى المذى اهـ، وهذا يرفع احتمال تحسينه لأجل
المتابعة.

٤٤
الإشارة المفهمة بغير اللسان لا تقطع الصلوة
إعلاء السنن
١٣٩٦- عن جابر بن سمرة قال: خرج إلينا رسول الله عَّ له فقال:
((ما لى أراكم رافعى أيديكم كأنها أذناب خيل شمس، اسكنوا فى الصلاة))،
أخرجه مسلم (١: ١٨١).
١٣٩٧- وعنه قال: صليت مع رسول الله عَّ له فكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا:
السلام عليكم السلام عليكم، فنظر إلينا رسول الله عَ ليه فقال: ((ما شأنكم
تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إذا سلم أحدكم فليلتفت
بالسماع، وعلى فرض صحته ينبغى أن تحمل الإشارة فى الحديث على الإشارة المفهمة
باللسان من غير حاجة، لا على الإشارة باليد ونحوها، فإن فساد الصلاة بمثل تلك الإشارة
لا يساعده القياس، ويضاده الآثار الصحيحة فى الباب أيضاً، أو يحمل الأمر بالإعادة على
الندب، والله أعلم.
قوله: عن جابر بن سمرة إلخ: قلت: دلالته على كراهة الإشارة بالسلام فى الصلاة
وعلی طلب السكون فيها ظاهرة، فما كان خلاف السكون یکره فعله فيها، فإن قيل: إن
هذا الحديث ورد فى رفع الأيدى عند التسليم فى آخر الصلاة، كما يشهد به الرواية
الأخرى.
قلت: هب ولكن إذا كان رفع الأيدى حين انتهاء الصلاة منهيا عنه ففى أثناءها
أولى، وأيضًا: فإن قوله مرّله: ((كأذناب خيل شمس)) يشعر بقبح هذه الإشارة مطلقًا،
فإن كونها، كذلك لا يختص بآخر الصلاة، كما لا يخفى، وفيه دلالة على الجزء الأول
أيضًا لعدم الأمر بالإعادة.
قوله: وعنه إلخ: قلت: دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة، وهذا
الحدیث قول یعطی حكمًا كليا صريحًا لا يحتمل غيره، وما ذكروه من الآثار فى رد
السلام باليد أفعال حاكية عن واقعة بعينها تحتمل الوجوه، ولا عموم لها فيقدم القول على
الفعل، وأيضًا: فهذا حاظر وتلك مبيحة، والتاريخ مجهول، فيقدم الحاظر على المبيح
على أصلنا، كيلا يلزم النسخ مرتين، وأما ما أخرجوه عن أنس بن مالك: أن النبى مدّ.
كان يشير فى الصلاة، رواه أبو داود وآخرون، وإسناده صحيح، كما فى "آثار

٤٥
ج -٥
الإشارة المفهمة بغير اللسان لا تقطع الصلوة
إلى صاحبه، ولا يؤمئ بيده))، أخرجه مسلم (١٨١:١) أيضًا، وفى لفظه له: كنا
إذا صلينا مع رسول الله مَّةٍ قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم
ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله عدّ له: ((علام تؤمون
بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفى أحدكم أن يضع يده على فخذه
ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله)، أخرجه مسلم أيضًا.
السنن" (١٥٠:١)، فهو محمول على إشارة الحاجة، كالإشارة لدفع المار بين يديه، وهو
يصلى، وكما أشار إلى جابر يأمره بالصبر عن الكلام، وأشار إلى جارية أرسلتها إليه أم
سلمة يأمرها بالمكث، ولا نقول بكراهة الإشارة عند الحاجة، ولا حاجة إلى رد السلام
فى الصلاة، لكراهة السلام نفسه على المصلى، فلا يستحق الرد، وأيضًا: فحديث أنس هذا
أدخله عبد الرزاق فى "مصنفه" فى (باب من كان يشير بإصبعه فى الصلاة)، أى فى
التشهد.
وجزم ابن حبان أن هذا الحديث اختصر من حديث أن النبى عّ لّ لما ضعف قدم
أبا بكر ليصلى بالناس، وأومأ إليه النبى معَّ بأن لا يتأخر إلخ، فلا حجة فيه، لأن إشارة
النبى مرٍّ إلى أبى بكر، إنما كانت قبل دخوله فى الصلاة، والله أعلم، كذا فى "التعليق
الحسن" (١٥٠:١).
وفى "البحر" بعد ذكر حديث صححه الترمذى (٤٨:١): عن ابن عمر: قلت
لبلال: كيف كان النبى معَّ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو فى الصلاة؟ قال:
كان يشير بيده، فإن قيل: إنها تقتضى عدم الكراهة وقد صرحوا، كما فى "المنية" وغيرها
بكراهة السلام على المصلى ورده بالإشارة أجاب العلامة الحلبى بأنها كراهة تنزيهية،
وفعله عليه السلام لها، إنماء كان تعليمًا للجواز، فلا يوصف بالكراهة (١٠٩:٢).
قلت: بل فى حديث ابن عمر دلالة على أن رد السلام بالإشارة كان فى الابتداء،
ولذلك ما رآه ابن عمر نفسه بل سأل عنه بلالا وصهيبًا، كما هو عند الترمذى أيضًا
وحسنه (٤٨:١).

٤٦
إعلاء السنن
باب عدم فساد الصلاة بفهم المصلى ما يقال له
وجواز الكلام معه عند الحاجة
١٣٩٨- عن خوات بن جبير قال: كنت أصلى وإذا رجل من خلفى
يقول: خفف فإن لنا إليك حاجة، فالتفت فإذا رسول الله عدّ له، رواه الطبرانى
فی "الکبیر"، وفيه عبد الله بن زيد بن أسلم ضعفه ابن معين وغيره، ووثقه أبو
باب عدم فساد الصلاة بفهم المصلى ما يقال له
وجواز الكلام معه عند الحاجة
قوله: عن خوات بن جبير إلخ: قلت: دلالته على الجزءين من الباب كليهما ظاهرة،
وعبد الله بن زيد بن أسلم روى له البخارى فى "الأدب"، والترمذى والنسائى فى
"سنتهما"، كما فى "التهذيب" بالرمز، وفيه أيضًا: قال أبو طالب عن أحمد: ثقة. وقال
عمرو بن علی: سمعت ابن مهدی یحدث عنه وعن أسامة، ولم أُسمعه يحدث عن عبد
الرحمن، وقال الحاكم: أبو أحمد ثبته على بن المدينى، وقال البخارى: ضعف على عبد
الرحمن بن زيد، وأما أخواه فذ کر عنهما صحة، وقال ابن سعد: کان عبد الله أثبت ولد
زيد اهـ (٢٢٢:٥ و ٢٢٣)، وحديث مثله حسن، وقد تأيد بالشواهد الصحيحة.
منها حديث أم سلمة وقد مر فى الباب السابق، وحديث عائشة فى إمامة أبى بكر
فی مرض النبی مێ: ثم إنه وجد فى نفسه خفة فخرج بين رجلین أحدهما العباس: فلما
رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبى معَ ◌ّ بأن لا يتأخر، الحديث، رواه البخارى
(٩٥:١) ومسلم (١٧٩:١)، وحديث أسماء فى صلاة الكسوف: أنها دخلت على
عائشة وهى تصلى، فسألتها: ما بال الناس يصلون؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقالت:
آية؟ فأشارت أى نعم! أخرجه الشيخان، وقد مر، ويلتحق به نظر المصلى إلى مكتوب،
وفهمه ولو مستفهماً فلا تفسد صلاته وإن كره لو تعمده، لاشتغاله بما ليس من أعمال
الصلاة، وأما لو وقع عليه نظره بلا قصد وفهمه فلا يكره (ظ)، كذا فى "الشامية"
(٦٦٣:١)، وفيه أيضًا: ولا بأس بتكليم المصلى وإجابته برأسه، كما لو طلب منه شىء
أو أرى درهمًا وقيل: أجيد؟ فأومأ بنعم أولا، أو قيل: كم صليتم؟ فأشار بيده أنهم صلوا
ركعتين اهـ (٦٧٣:١).

٤٧
حاتم ومعن بن عيسى، وقال أبو داود: هو أمثل من أخيه (مجمع الزوائد
١٧٤:٢)، وفى الباب عن أم سلمة فى الركعتين بعد العصر، وقد مر آنفًا.
باب عدم فساد الصلاة بالبكاء من الخشية ونحوها
١٣٩٩- عن عبد الله بن الشخير: رأيت رسول الله عَ ◌ّه يصلى بنا، وفى
صدره أزيز -هو صوت القدر إذا غلت- كأزيز المرجل من البكاء، رواه أبو
باب عدم فساد الصلاة بالبكاء من الخشية ونحوها
قوله: عن عبد الله بن الشخير إلى آخر الأحاديث: قال المؤلف: دلالة الأحاديث
على الباب ظاهرة، ولا يخفى أن بكاء النبى معَّ له، وصاحبيه فى الصلاة لم يكن إلا لأمر
الآخرة من الخشية ونحوها، فيقتصر الحكم على مورد النص، فلا يقاس عليه البكاء لأمر
الدنيا أو لوجع فى جسمه، لأن النص ورد على خلاف القياس، لكون البكاء نظير
الضحك فى كونه كلاماً معنى، فالقياس فساد الصلاة به مطلقًا، قال الحافظ فى "الفتح":
وعن الشعبى والنخعى والثورى أن البكاء والأنين يفسد الصلاة.
وعن المالكية والحنفية: إن كان لذكر النار والخوف لم يفسد، وفى مذهب الشافعى
ثلاثة أوجه: أُصحها: إن ظهر منها حرفان أفسد وإلا فلا، ثانيها: وحكى عن نصه فى
"الإملاء": أنه لا يفسد مطلقًا، لأنه ليس من جنس الكلام، ولا یکاد یبین منه حرف
محقق، فأشبه الصوت الغفل.
ثالثها عن القفال: إن کان فمه مطبقًا لم یفسد، وإلا أُفسد إن ظهر منه حرفان، وبه
قطع المتولى، والوجه الثانى أقوى دليلا، أطلق جماعة التسوية بين الضحك والبكاء، وقال
المتولى: لعل الأظهر فى الضحك البطلان مطلقًا، لما فيه من هتك حرمة الصلاة، وهذا
أقوى من حيث المعنى، والله تعالى أعلم اهـ (٢: ١٧٢).
قلت: مذهبنا فى البكاء إن كان لذكر الجنة أو النار عدم الفساد به مطلقًا، ولو ظهر
منه حروف وأنين لدلالته على الخشوع، فلو كان استلذاذا بحسن النغمة ينبغى أن يكون
مفسدًا، وإن كان لو جع أو مصيبة فخروج الدمع بلا صوت أو صوت لا حروف معه غير
مفسد، ولو حصل به حروف أفسد إلا لمريض لا يملك نفسه عن أنين ونأره فلا يفسد

٤٨
عدم فساد الصلوة بالبكاء من الخشية ونحوها
إعلاء السنن
داود والنسائى والترمذى فى "الشمائل"، وإسناده قوى، وصححه ابن خزيمة
وابن حبان والحاكم، ووهم من زعم أن مسلمًا أخرجه (فتح البارى ١٧٣:٢).
١٤٠٠- عن علی رضی الله عنه قال: ما کان فینا فارس یوم بدر غیر
المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله عد له تحت شجرة يصلى
ويبكى حتى أصبح، رواه ابن خزيمة فى "صحيحه" (الترغيب ٨٧:٢)، وابن
حبان فى "صحيحه" (نيل ٢٢٠:٢).
١٤٠١- عن عبد الله بن شداد قال: سمعت نشيج(١) عمر وأنا فى
آخر الصفوف يقرأ: ﴿إنما أشكو بثي وحزنى إلى الله﴾ الآية، أخرجه
البخارى (٩٩:١) تعليقًا، ووصله سعيد بن منصور عن ابن عيينة عن
إسماعيل بن محمد بن سعد سمع عبد الله بن شداد بهذا وزاد: فى
صلاة الصبح، وأخرجه ابن المنذر من طريق عبيد بن عمير عن عمر
نحوه (فتح الباری ١٧٢:٢).
١٤٠٢- عن عائشة أم المؤمنين: أن رسول الله عَ لّه قال فى مرضه: مروا
وإن حصل حروف للضرورة، لأنه حينئذ كعطاس وسعال وجشاء وتتأوب إذا لم يتكلف
إخراج حروف زائدة على ما تقتضيه الطبيعة، كما هو الحكم فى العطاس ونحوه، كذا فىٌ
"الدر" و"الشامية" (٦٤٧:١)، ولم أر فى الضحك لأصحابنا تفصيلا، بل أطلقوا
حكم الفساد فيه، وسيأتى لنا مزيد كلام فيه، إن شاء الله تعالى.
هذا، وقد روى أبو يعلى عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله مر له
یبیت فینادیه بلال بالأذان، فيقوم فیغتسل، فإنى لأرى الماء ينحدر على خده وشعره، ثم
يخرج فيصلى فأسمع بكاءه، فذكر الحديث ورجاله رجال الصحيح، كذا فى "مجمع
الزوائد" (١٧٧:١)، ودلالته على معنى الباب ظاهرة أيضًا، والله أعلم.
واستدل على جواز البكاء فى الصلاة بقوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم آيات الرحمن
خروا سجدًا وبکیا﴾، فافهم.
(١) فى "القاموس": نشج الباكى ينشج نشيجًا غص بالبكاء فى حلقه من غير انتحاب.

٤٩
ج-٥
أبا بكر يصلى بالناس، قالت عائشة: قلت له: إن أبا بكر إذا قام فى مقامك
لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر، الحديث، رواه البخارى واللفظ له
(٩٩:٢).
باب حكم التنحنح والنفخ فى الصلاة
١٤٠٣- عن ابن عباس: أنه كان يخشى أن يكون النفخ كلاما، رواه
البيهقى بإسناد صحيح (نيل الأوطار ٢١٩:٢)، ورواه سعيد بن منصور فى
"سنته" عنه بلفظ: ((النفخ فى الصلاة كلام))، كما فى "النيل" أيضًا (٢١٨:٢)،
ورواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" عنه بإسناد جيد بلفظ سعيد بن منصور،
وروى عنه أيضًا بإسناد صحيح أنه قال: ((النفخ فى الصلاة يقطع
الصلاة))، (عمدة القارئ ٧٢٦:٣).
باب حكم التنحنح والنفخ فى الصلاة
قوله: عن ابن عباس إلخ: قلت: مذهبنا فى النفخ والتأفيف عدم فساد
الصلاة إن لم يحصل بهما حروف، وفسادها إن حصلت ولم يكن مدفوعًا إليهما، وكانا
لوجع أو مصيبة أو لأمر آخر دنيوى، لا لو كانا لذكر جنة أو نار، قال فى "الدر":
والأنين والتأوه والتأفيف أف أو تف والبكاء، وبصوت يحصل به حروف لوجع أو
مصيبة -قيد للأربعة- إلا لمريض لا يملك نفسه عن أنين وتأوه، لأنه حينئذ كعطاس
وسعال وإن حصل حروف للضرورة، لا بذكر جنة أو نار، فلو أعجبته قراءة الإمام
فجعل يبكى ويقول: بلى أو نعم أو أرى لا تفسد (سراجية) لدلالته على الخشوع
اهـ، قال الشامى: لأن الأنين ونحوه إذا كان بذكرهما صار كأنه قال: اللهم إنى
أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، ولو صرح به لا تفسد صلاته، وإن كان من وجع
أو مصيبة صار كأنه يقول: أنا مصاب فعزونى، ولو صرح به تفسد، كذا فى
"الكافى" إهـ (٦٤٧:١).
قلت: فهذا صريح فى عدم الفساد بقوله: "أف أف" من ذكر النار أو رؤيتها،
لكونه فى معنى قوله: أعوذ بالله من النار، وكذا لو جعل ينفخ لذكرها أو رؤيتها بالأولى،
ويؤيدنا فى صورة الحكم بالفساد قول ابن عباس: النفخ فى الصلاة كلام وفى رواية: النفخ

٥٠
حكم التنحنح والنفخ فى الصلوة
إعلاء السنن
١٤٠٤- وكيع عن سفيان عن الحسن بن عبيد الله عن أبى الضحى عن
ابن عباس قال: النفخ فى الصلاة كلام، كذا فى "المدونة الكبرى" (١٠٢:١)
مالك، وسنده صحيح على شرط مسلم.
١٤٠٥- عن عبد الله بن عمرو فى حديث الكسوف: فجعل
فى الصلاة يقطع الصلاة، وقد ورد فى هذا المعنى حديث مرفوع ضعيف، رواه البيهقى
عن أنس: قال: قال رسول الله مرّ له: (من ألهاه شىء فى صلاته فذلك حظه والنفخ كلام))،
وفى إسناده نوح ابن أبى مريم(١) لا يحتج به، كذا فى "النيل" (٢١٩:٢)، وهو محمول
على النفخ بصوت مسموع مشتمل على حرفين أو أكثرلوجع أو أمر آخر دنيوى لا على
النفخ مطلقًا، لأنه إذا كان بغير صوت أو به غير مشتمل على حرفين فمثله لا يلتحق
بالكلام أصلا، ولكنه يكره لإطلاق قوله مّ: ((ثلاث من الجفاء)) وفيه: ((أو ينفخ فى
سجوده))، وإن کان بصوت مشتمل على حرفین، فصاعدًا لا لأمر دنیوی، بل لذكر جنة
أو نار فهو وإن كان كلامًا ولكنه لا يفسد لحديث عبد الله بن عمرو الآتى، وفيه:
فجعل النبى معَّ ينفخ فى آخر سجوده، ولأن كون النفخ كلامًا لا يستلزم فساد الصلاة
إلا إذا كان بمعنى كلام مفسد لا مطلقًا، فإن من الكلام ما لا يفسده، فإذا نفخ لذكر جنة
أو نار کان بمعنی: «أعوذ بالله من النار))، وهو كلام غير مفسد، فافهم، نعم! قول ابن
عباس: النفخ فى الصلاة يقطع الصلاة، يفيد الفساد عمومًا ولكن خصصناه بحديث عبد
الله بن عمرو هذا.
قال فى "غنية المستملى": ويكره أن ينفخ وهو فى الصلاة، يعنى بالنفخ المذكور
· نفخا لا يسمع صوته وهذا غير مفيد، لأنه لو يسمع صوته من غير أن يشتمل على حرفين
يكره أيضًا، ولا يفسد، وإنما يفسد إذا اشتمل الصوت المسموع على حرفين، أو أكثر كما
فى التنحنح بغير عذر اهـ (ص ٣٤٠)، وقد مر دليل تقيييده بوجع أو مصيبة فى كلام
"الدر"، لأن النفخ أدنى منزلة من التأفيف فيتقيد بما قيد به.
قوله: عن عبد الله بن عمرو إلخ: قلت: علقه البخارى فى "الصحيح"، وقال:
(١) قلت: روى عنه شعبة (وهو لا يروى إلا عن ثقة) وقال ابن عدى: هو مع ضعفه يكتب حديثه اهـ، كذا فى "تهذيب
التہذیب" (٤٨٧:١٠ و ٤٨٨).

ج -٥
حكم التنحنح والنفخ فى الصلوة
٥١
(النبى عَيّة) ينفخ فى آخر سجوده من الركعة الثانية ويبكى، ويقول: ((ألم
تعدنى هذا ونحن نستغفرك)) رواه النسائى (٢١٨:١) مطولا، وأبو داود
(٤٦٢:١)، وسكت عنه، ولفظه: ثم نفخ فى آخر سجوده فقال: أف أف،
ثم قال: ((رب ألم تعدنى أن لا تعذبهم وأنا فيهم، أ لم تعدنى أن لا تعذبهم
وهم يستغفرون))، الحديث.
يذكر عن عبد الله بن عمرو نفخ النبى معَّ ◌ُّه فى سجوده فى كسوف اهـ.
قال الحافظ فى "الفتح": هذا طرف من حديث أخرجه أحمد، وصححه ابن خزيمة
والطيرى وابن حبان من طريق عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو، وفيه:
وجعل ينفخ فى الأرض ويبكى، وهو ساجد، وذلك فى الركعة الثانية، وإنما ذكره
البخارى بصيغة التمريض، لأن عطاء بن السائب مختلف فى الاحتجاج به، وقد اختلط
فى آخر عمره، لكن أخرجه ابن خزيمة من رواية سفيان الثورى عنه، وهو ممن سمع منه
قبل اختلاطه، وأبوه وثقه العجلى وابن حبان، وليس هو من شرط البخارى اهـ (٦٧:٣).
وفيه أيضًا: قال ابن بطال: وروى عن مالك كراهة النفخ فى الصلاة، ولا يقطعها
كما يقطعها الكلام، وهو قول أبى يوسف وأشهب وأحمد وإسحاق، وفى "المدونة":
النفخ بمنزلة الكلام يقطع الصلاة، وعن أبى حنيفة (١) ومحمد: إن كان يسمع فهو بمنزلة
الكلام وإلا فلا، قال: والقول الأول أولى، وليس فى النفخ من النطق بالهمزة والفاء أكثر مما
فى البصاق من النطق بالتاء والفاء، قال: وقد اتفقوا على جواز البصاق فى الصلاة، فدل
على جواز النفخ فيها، إذ لا فرق بينهما، انتهى.
ولم يذكر قول الشافعية فى ذلك، والمصحح عندهم أنه إن ظهر من النفخ أو التنخم
أو البكاء أو الأنين أو التأوه أو التنفس أو الضحك أو التنحنح حرفان بطلت الصلاة،
(١) تذكر ما أسلفناه عن "غنية المستملى" يظهر لك أن قولهما يوافق قول الشافعية فى ذلك وأن مجرد السماع بدون
ظهور الحرفين ليس بمفسد عندهما، نعم يكره، وقال المحقق فى "الفتح" (٣٤٧:١): ولو نفخ مسموعًا فسدت،
واختلف فى معنى المسموع فالحلوانى وغيره يقول: ما يكون له حروف كأف تف تفسد وإلا فلا تفسد، وبعضهم
لا يشترط الحروف فى الإفساد بعد كونه مسموعًا، وإليه ذهب شيخ الإسلام اهـ.
قلت: ولكن القوى عند ابن أمير الحاج هو قول الحلوانى ومن تبعه، كما يظهر من كلامه فى "الغنية،" وهو القوى
من حیث الدلیل منه، مؤلف.

٥٢
حكم التنحنح والنفخ فى الصلوة
إعلاء السنن
١٤٠٦- عن بريدة أن رسول الله عَ لّه قال: ((ثلاث من الجفاء: أن يبول
وإلا فلا.
قال ابن دقيق العيد: ولقائل أن يقول: لا يلزم من كون الحرفين يتألف منهما الكلام
أن يكون كل حرفين كلامًا، قال: ومن ضعيف التعليل (١) قولهم فى إبطال الصلاة بالنفخ
بأنه يشبه الكلام، فإنه مردود لثبوت السنة الصحيحة أنه مآ نفخ فى الكسوف، انتهى.
وأجيب بأن نفخه مّ محمول على أنهم لم يظهر منه شىء من الحروف، ورد
بما ثبت فى أبی داود فی حدیث عبد الله بن عمرو فإن فیه: ثم نفخ فى آخر سجوده،
فقال: أف أف، مصرح بظهور الحرفين، والزيادة المذكورة من رواية حماد بن سلمة عن
عطاء وقد سمع منه قبل الاختلاط فی قول یحیی بن معین وأبی داود والطحاوى، وفى
الحديث أيضًا: أنه مَّ قال: ((وعرضت على النار فجعلت أنفخ خشية أن يغشاكم
حرها))، والنفخ لهذا الغرض لا يقع إلا بالقصد إليه، فانتفى قول من حمله على
الغلبة اهـ (٦٨:٣).
قلت: كلا! فإن الأب الشفيق يدفع النار عن ابنه مضطرا إليه وإن كان إنما يدفع
لخشيته أن يغشاه حرها، فهو مضطر فى القصد والدفع جميعًا. وأيضًا: فما رواه حماد بن
سلمة من الزيادة يحتمل كونه حكاية لصوته مَّ ثمه، ولا يستلزم كون الحروف فى
الحكاية صدورها فى المحكى عنه، كما فى حكايتهم صوت الغراب بغاق، مع أن شيئًا من
الحروف لا يصدر منه، فإثبات الحروف فى الحكاية لضرورة النقل، فلا يلزم فساد الصلاة.
کذا کتبه الشیخ یحیی -رحمه الله- من تقریر شيخه مولانا رشید أحمد الکنکوهی قدس
سره، کما فى "بذل المجهود" (٢٢٨:٢)، ولو سلم صدور هذه الحروف منه مێ و كون
هذا الصدور قصداً من غير أن يكون مدفوعًا إليه فلا فساد أيضًا، لكون هذا النفخ
والتأفيف لرؤية نار الآخرة والخوف منها، وقد مر أن التأفيف والبكاء ونحوهما إنما يفسد
إذا كان لوجع أو مصيبة لا لذكر الجنة أو النار ولو صدر منه حرف أو حروف، فتذكر
و کن من الشاکرین.
قوله: عن بريدة إلخ: قلت: دلالته على كراهة النفخ فى الصلاة ظاهرة،
(١) قلت: لم يقولوا ذلك بالتعليل بل بالنص، وهو قول ابن عباس، وقد مر فى المتن وقول النبى مي: «ثلاثة من الجفاء»
، ذكر فيها النفخ فى السجود، فتذكر.

٥٣
ج-٥
حكم التنحنح والنفخ فى الصلوة
الرجل وهو قائم، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ فى
سجوده))، رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، كذا فى "مجمع الزوائد"
(١٧٥:١)، وكذا قال العراقى أيضًا (نيل الأوطار ٢١٩:٢).
١٤٠٧- عن عبد الله بن نجى عن على قال: كان لى من رسول الله معد له
ساعة آتيه فيها، فإذا أتيته استأذنت، إن وجدت يصلى فتنحنح(١) دخلت،
وإن وجدت فارغًا أذن لى، أخرجه النسائى (١٧٨:١ و١٧٩)، وسكت عنه،
وهو المذهب؛ فإنه يكره عندنا مطلقًا سواء حصل منه حروف أو لا ما لم يكن مدفوعًا
إليه، ووجه تخصیص السجود فى النص یعلم مما رواه ابن حبان فى "صحيحه"، كما فى
"الترغيب" (٨٩:١): عن أبى صالح مولى طلحة رضى الله عنه قال: كنت عند أم سلمة
زوج النبی مێ، فأتى ذو قرابتها شاب ذو جمة فقام يصلى، فلما أراد أن يسجد نفخ،
فقالت: لا تفعل! فإن رسول الله مٹے کان یقول لغلام لنا اسود: ((یا رباح! ترب وجهك))،
ورواه الترمذى من رواية ميمون أبى حمزة عن أبى صالح عن أم سلمة، قالت: رأی
النبى مطل غلاما لنا يقال له: أفلح، إذا سجد نفخ، فقال: ((يا أفلح! ترب وجهك)).
قلت: ولكن ضعفه الترمذی بمیمون، ولم يوثقه أحد من الأئمة بل ضعفوه كلهم،
إلا أن يعقوب بن سفيان قال: ليس بمتروك الحديث، ولا هو حجة، كذا فى
"التهذيب" (٣٩٦:١٠)، وعلى فرض صحته يجاب عن عدم أمره مَّ ه إياه بالإعادة بأنه
كان ينفخ نفخًا غير مسموع.
قوله: عن عبد الله بن نهى إلخ: قلت: قال الحافظ فى "التهذيب": (٥٥:٦): قال
البخارى: وأبو أحمد بن عدى فيه نظر، وقال النسائى: ثقة.
قلت: قال ابن معين: لم يسمع من على، بينه وبينه أبوه، وقال الدارقطنى: ليس
بقوى فى الحديث، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، وقال: يروى عن على ويروى أيضًا
عن أبيه عن على، وقال البزار: سمع هو وأبوه من على اهـ ملخصًا.
قلت: فارتفع الاضطراب عن سنده بأن يقال: يحتمل أنه سمع عن أبيه عن على،
(١) وفى بعض النسخ: فسبح، وهو أقرب، كذا فى "حاشية السندى" على النسائى.

٥٤
حكم التنحنح والنفخ فى الصلوة
إعلاء السنن
وفى لفظ له: كان لى من رسول الله ګے مدخلان: مدخل بالليل، ومدخل
بالنهار، فكنت إذا دخلت بالليل تنحنح لى، وفى لفظ له: فكنت آتية كل
سحر، فإن تنحنح انصرفت إلى أهلى وإلا دخلت عليه، قال الحافظ فى
"التلخيص" (١١٠:١) بعد أن أخرجه بلفظ: فإن وجدته يصلى فسبح دخلت،
ثم أخرجه بلفظ: فتنحنح بدل فسبح، كذا رواه ابن ماجة، وصحه ابن السكن،
ثم سمعه عن على، ولكن لم يرتفع اضطراب متنه بعد، وهو بلفظ: تنحنح لی، يدل على
جواز التنحنح فى الصلاة لمصلحة، والمذهب فيه ما ذكره فى "البحر" تحت قول "الكنز":
والتنحنح بلا عذر بما نصه: فإن كان التنحنح بعذر فإنه لا يبطل الصلاة بلا خلاف،
وإن حصل به حروف، لأنه جاء من قبل من له الحق، فجعل عفواً، وإن كان من غير عذر،
ولا غرض صحيح فهو مفسد عندهما خلافًا لأبى يوسف فى الحرفين وإن كان بغير عذر،
لكن لغرض صحيح كتحسين صوته للقراءة أو للإعلام بأنه فى الصلاة أو ليهتدى إمامه
عند خطاءه ففيه اختلاف، فظاهر الكتاب و "الظهيرية": اختيار الفساد، لكن الصحيح
عدمه، لأن ما للقراءة ملحق بها، كما فى "فتح القدير" وغيره، فلو قال: بلا عذر وغرض
صحيح لكان أولى، إلا أن يستعمل العذر فيما هو أعم من المضطر إليه، قيدنا بأن يظهر له
حروف، لأنه لو لم يظهر له مهجاة فإنه لا يفسدها اتفاقا لكنه مكروه، وهو محمل من
قال: إن التنحنح قصدًا واختياراً مكروه، لأنه عبث لعروه عن الفائدة (٤:٢ و ٥).
وقال الشامى: والقياس الفساد فى الكل إلا فى المدفوع إليه، كما هو قول أبى
حنيفة ومحمد، لأنه كلام والكلام مفسد على كل حال، وكأنهم عدلوا بذلك عن القياس
وصححوا عدم الفساد به إذا كان لغرض صحيح لوجود نص، ولعله ما فى "الحلية" عن
"سنن ابن ماجه" عن على، فذكر حديث المتن سواء (١: ٦٤٦)، قلت (١): ولعل أبا حنيفة
ومحمدا لم يأخذا بالنص، وقالا بالفساد فى غير المدفوع إليه قياسًا لعدم صحة الحديث
عندهما، لوقوع الاضطراب فى متنه كما ذكرناه، والله أعلم.
(١) قلت: فيه نظر، لأن الخلاف فيما إذا ظهر فى التنحنح حروف أو حرفان، وإلا فعدم الفساد متفق عليه، ولا دليل فى
الحديث على أن التنحنح كان مع ظهور الحرفين أو الحروف، فالحديث ليس بمخالف لمذهب أبى حنيفة ومحمد،
حتى يقال: إنهما تركاه للاضطراب، فتدبر. (حبيب أحمد كيرانوى)

ج- ٥
:
وقال البيهقى: هذا مختلف فى إسناده ومتنه، قيل: سبح، وقيل: تنحنح، قال:
ومداره علی عبد الله بن نجی.
قلت: واختلف عليه فقيل: عنه عن على، وقيل: عن أبيه عن على، وقال
ابن معين: لم يسمعه عبد الله من على، بينه وبين على أبو ٥. قلت: وفى متنه
اختلاف آخر فجعل التنحنح مرة علامة الإذن وأخرى علامة عدمه.
باب أن الفتح على الإمام فى الصلاة لا يفسدها
لکنه یکره من غير ضرورة
١٤٠٨- عن ابن عمر أن رسول الله عَّ اللّه صلى صلاة فالتبس عليه فيها،
باب أن الفتح على الإمام فى الصلاة لا يفسدها
لکنه یکره من غير ضرورة
قوله: عن ابن عمر إلى قوله: عن أنس إلخ. قلت: دلالتها على جواز الفتح على
الإمام ظاهرة، والمذهب فيه ما ذكره فى "البدائع": لو فتح على المصلى إنسان فهذا على
وجهين: إما أن كان الفاتح هو المقتدى به أو غيره، فإن كان غيره فسدت صلاة المصلى،
سواء كان الفاتح خارج الصلاة أو فى صلاة أخرى غير صلاة المصلى، وفسدت صلاة
الفاتح أيضًا إن كان هو فى الصلاة، لأن ذلك تعليم وتعلم، وكذا المصلى إذا فتح على غير
المصلى فسدت صلاته، وإن كان الفاتح هو المقتدى فالقياس هو فساد الصلاة، إلا أنا
استحسنا الجواز لما روى، فذكر قصة أبى، كما ذكرناه فى المتن، من "بذل المجهود"
(٨٨:٢)، وفى "الهداية": وإن فتح على إمامه لم يكن كلاماً مفسدًا استحسانًا؛ لأنه
مضطر إلى إصلاح صلاته، فكان هذا من أعمال صلاته معنى، ولو كان الإمام انتقل إلى
آية أخرى تفسد صلاة الفاتح وتفسد صلاة الإمام، لوجود التلقين والتلقن من غير ضرورة،
وينبغى للمقتدى أن لا يعجل بالفتح، وللإمام أن لا يلجأهم إليه بل يركع إذا جاء أوانه أو
ينتقل إلى آية أخرى اهـ (٣٤٨:١))، وفى "البحر": لو فتح على إمامه فلا فساد، لأنه تعلق
به إصلاح صلاته، أما إن كان الإمام لم يقرأ الفرض فظاهر، وأما إن كان قرأ ففيه ف
اختلاف، والصحیح عدم الفساد، لأنه لو لم يفتح ربما يجرى على لسانه ما يكون مفسدًا، ل
فكان فيه إصلاح صلاته، ولإطلاق ما روى عن على: إذا ستطعمكم الإمام فأطعموه، ؟

٥٦
عدم فساد الصلوة بالفتح على الإمام
إعلاء السنن
ا انصرف قال لأبى بن كعب: أصليت معنا؟ قال: نعم! قال: فما منعك أن تفتح
على؟. قلت: رواه أبو داود خلا قوله: أن تفتح على، رواه الطبرانى ورجاله
موثقون (مجمع الزوائد ١٦٩:١).
١٤٠٩- عن المسور بن يزيد المالكى أن رسول الله عَ ليه -قال يحيى:
وربما قال: شهدت رسول الله عَّه - يقرأ فى الصلاة فترك شيئًا لم يقرأه،
فقال له رجل: يا رسول الله! تركت آية كذا وكذا، فقال له رسول الله عد له:
هلا أُذ کر تنیها؟ قال سلیمان فى حديثه: قال: كنت أراها نسخت، رواه أبو
داود (٨٨:٢)، وسكت عنه.
١٤١٠- عن أنس قال: كنا نفتح على الأئمة على عهد رسول الله عَّ له،
أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٢٧٦:١)، وصححه هو والذهبى فى
"تلخيصه".
واستطعامه: سكوته.
(قلت: ولقول النبى معَّه لأبى: ((فما منعك أن تفتح على؟))، وقوله: هلا أُذكر تنيها،
مع أنها كانت سورة بعد الفاتحة، وقد تأدى الفرض بالفاتحة ولهذا لو فتح على إمامه بعد ما
انتقل إلى آية أخرى لا تفسد صلاته، وهو قول عامة المشايخ لإطلاق المرخص، وفى
"المحيط" ما يفيد أنه المذهب، فإنه فيه: وذكر فى "الأصل" و"الجامع الصغير": أنه إذا فتح
على إمامه يجوز مطلقًا، إلى أن قال: فصار الحاصل أن الصحيح من المذهب أن الفتح على
إمامه لا يوجب فساد صلاة أحد، لا الفاتح ولا الآخذ مطلقًا فى كل حال، قال: وأراد من
الفتح على غير إمامه تلقينه على قصد التعليم، أما إن قصد قراءة القرآن فلا تفسد
عند الكل.
ثم اعلم أن هذا كله على قول أبى حنيفة ومحمد، وأما على قول أبى يوسف:
فلا تفسد صلاة الفاتح(١) مطلقًا، لأنه قرآن فلا يتغير بقصد القارئ عنده اهـ (٦:٢)،
(١) قلت: وكذا صلاة الآخذ لعموم العلة وينبغى الإفتاء بقول أبى يوسف للحفاظ الذين يسمعون من تلامذتهم فى
النوافل ولا يقتدون بهم، بل يطعمونهم خارجين عن الصلاة، فلا تبطل صلاة الآخذين عنهم على قوله.

ج - ٥
عدم فساد الصلوة بالفتح على الإمام
٥٧
١٤١١- عن أبى عبد الرحمن السلمى قال: قال على: إذا استطعمكم
الإمام فأطعمه، صححه الحافظ فى "التلخيص" (١١٣:١)، وعزاه فى "كنز
العمال" (٢٥٤:٤) إلى البيهقى بلفظ: ((إذا استطعمكم الإمام فأطعموه)، وعزاه
أيضًا إلى ابن منيع، والحاكم (٢٤٩:٤) بلفظ: قال على: من السنة أن تفتح على
الإمام إذا استطعمك اهـ.
١٤١٢- عن ابن مسعود قال: إذا تعايا الإمام فلا تردن عليه فإنه كلام.
وفيه أيضًا (٧:٢) بعد ذكر الإيراد على أبى يوسف بالفتح على غير إمامه ما نصه:
والإيراد مدفوع من أصله، لأن أبا يوسف لا يقول بالفساد بالفتح على غير إمامه.
قوله: عن أبى عبد الرحمن السلمى إلخ: قلت: يعارضه ما يأتى عن الحارث عن
على برواية أبى داود، والحارث متكلم فيه، ولكنه حسن الحديث ، كما قدمنا مرارًا، قال
الذهبى فى "الميزان": وحديث الحارث فى "السنن الأربعة" مع تعنته فى الرجال، فقد
احتج به وقوى أمره، والجمهور على توهين أمره مع روايتيهم لحديثه فى الأبواب، وفيه
أيضًا: قال ابن حبان: وهو الذى روى عن على قال لى النبى معَّ له: ((لا تفتحن على الإمام
فى الصلاة، وإنما هو قول على)) ملخصًاً (٢٠٢:١).
قلت: ولو سلم كونه من قول على فمعارضته برواية أبى عبد الرحمن السلمى باقية
على حالها. فإن قيل: كيف يعارضه وهو موصول وهذا منقطع، لأن أبا إسحاق لم يسمعه
من الحارث؟ قلت: قال شعبة: لم يسمع أبو إسحاق منه إلا أربعة أحاديث، وكذلك قول
العجلى وزاد: وسائر ذلك كتاب أخذه اهـ من "الميزان" (٢٠٢:١)، والرواية من كتاب
شيخه بطريق المناولة أو الوجادة جائزة، والوجادة المنقطعة أن يجد فی کتاب شیخه، لا فى
"کتابه": عن شیخه (أى فى كتابه الذى أخذه عن شيخه)، كذا فى "تدريب الراوى"
(ص١٤٩)، فإن الوجادة حينئذ كالمناولة، وقد جوز الزهرى ومالك وغيرهما إطلاق
حدثنا وأخبرنا فى الرواية بالمناولة، كما فيه أيضًا (ص ١٤٥).
والجواب عنه علی فرض صحة رفعه ان النهی فیه مختص بعلى رضى الله عنه، كما
فى قوله معرِّ لأبى ذر: ((لا تقضين بين اثنين ولا تلين مال يتيم))، وعلى تقدير وقفه أنه

٥٨
عدم فساد الصلوة بالفتح على الإمام
إعلاء السنن
رواه الطبرانى فى "الكبير" ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٦٩:١).
١٤١٣- عن الحارث عن على رضى الله عنه قال: قال رسول الله مَ له:
(يا على! لا تفتح على الإمام فى الصلاة))، رواه أبو داود (٨٩:٢)، قال: أبو
إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها اهـ، قلت:
وسیأتی الکلام علیه.
١٤١٤- عن أبى هريرة عن النبى عرّ له قال: ((التسبيح للرجال والتصفيق
محمول على النهى عن الاستعجال فى الفتح قبل تحقق الحاجة، فإنه مكروه كما فى "رد
المحتار": يكره أن يفتح من ساعته (١: ٦٥٠)، أو على الفتح من غير ضروة، كما إذا قرأ
الإمام قدر الفرض، ثم ارتج عليه أو انتقل إلى آية أخرى، فالفتح إذن مفسد على اختيار
صاحب "الهداية"، ولا يخلو من الكراهة عند عامة المشايخ، وهذا هو محمل قول ابن
مسعود: "إذا تعايا الإمام" أى أظهر العى والعجز عن القراءة، كتمارض إذا جعل نفسه
مريضًا ((فلا تردن عليه، فإنه كلام)، أى لا تردن عليه بعد ما قرأ مقدار الفرض، أو كان
انتقل إلى آية أخرى، فإنه كلام من غير ضرورة، وأما قبله فلا، فقد قام الإجماع على أن
سنة الرجل إذا نابه شىء فى الصلاة التسبيح، ذكره العينى فى "العمدة": نقلا عن
"التوضيح" (٧١٢:٣).
ولا فرق بين الفتح على الإمام بالآية وبين قول المقتدى: سبحان الله والحمد لله
ونحوه إذا رأى إمامه يفعل شيئًا فى غير محله فيسمع ذلك ويرجع إلى الصواب، ولذا قال
العينى فى قول النبى ◌ّظهر ((من نابه شىء فى صلاته فليسبح)): إنه يدخل فى هذا ما إذا فتح
علی إمامه لا تفسد صلاته اهـ (٧٠٩:١).
قوله: عن أبى هريرة إلخ: قلت: دلالته على جواز الفتح على الإمام بالوجه الذى
ذكرناه عن العينى ظاهرة، قال: وإنما كره لها التسبيح لأن صوتها فتنة، ولهذا منعت من
الأذان والإمامة والجهر بالقراءة فى الصلاة اهـ (٧١٢:٣)، وهل إذا سبحت المرأة بدل
التصفيق تفسد صلاتها أم لا؟ قال العينى: إن التسبيح والحمد لأمرنا به فى الصلاة يجوز
للرجال والنساء ما لم يقع جوابا لشىء آخر (٧١٠:٣) أى ولكنه خلاف السنة للمرأة.

ج-٥
عدم فساد الصلوة بالفتح على الإمام
٥٩
للنساء))، رواه الجماعة، وزاد مسلم وآخرون: ((فى الصلاة)) (١٣٨:١)، وذكره
البخارى فى باب الأحكام بصيغة الأمر: ((فليسبح الرجال ولتصفق النساء))، قاله
الحافظ فى "الفتح" (٦٣:٣).
باب فساد الصلاة بالقراءة من المصحف
١٤١٥- عن رفاعة بن رافع أن رسول الله عَّ له علم رجلا الصلاة فقال:
«إن کان معك قرآن فاقراً، وإلا فاحمد الله و کبره وهلله ثم ار کع))، رواه أبو
داود والترمذى، وقال: حديث حسن (نيل الأوطار ١١٨:٢).
قلت: وبهذا ظهر حكم ما إذا فتحت المرأة على الإمام، فإن كانت الجماعة جماعة النساء
فلا بأس به لعدم خشية الافتتان، وإن كانت جماعة الرجال فالأولى أن لا تفتح المرأة
على الإمامَ اللهم إلا إذا ألجأها إليه ولم يفتح أحد من الرجال فيجوز ولا تفسد به صلاتها،
لم أره صريحًا، ولكنه مقتضى القواعد، والله أعلم.
باب فساد الصلاة بالقراءة من المصحف
قوله: عن رفاعة، وعن عبد الله بن أبى أوفى إلخ. قلت (١): فيهما دلالة على أن من
كان معه قرآن قرأ ما تيسر منه، وإلا فإن عجز عن تعلمه وحفظه بقدر ما يجوز به الصلاة
انتقل إلى الذكر ما دام عاجزًا، ولم يقل أحد من الأئمة فيما علمنا بوجوب القراءة عليه من
المصحف. فنقول: لو كانت القراءة منه مباحة فى الصلاة غير مفسدة لها كما زعمه
بعضهم لكان ذلك واجبًا على العاجز عن الحفظ، لكونه قادرًا على القراءة من وجه غير
(١) قال بعض الأحباب: هذا التقرير غير مثبت للدعوى، لأن الحديث لم يتعرض للقراءة من المصحف لا نفیا ولا إثباتا،
ويحتمل أنه مد لم يتعرض لهما لعلمه بعجز الرجل عنها. قلت: هذا احتمال عقلى محض، وقال ابن دقيق العيد:
تكرر من الفقهاء الاستدلال بهذا الحديث على وجوب ما ذكر فيه، وعلى عدم وجوب ما لم يذكر، لأنه مزٹ
ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلى وما لم تتعلق به، فدل على أنه لم يقصر المقصود على ما وقعت به
الإساءة اهـ ملخصا من "فتح البارى" (٢٣٢:٢) فالاستدلال به تام على طريقة الفقهاء والله أعلم. وأيضا: فكلامه
ـّةٍ بالترديد والتشقيق يشعر يعدم علمه بحال الرجل، وإلا لتكلم بتعيين الحال، نص على ما تبين له، فالظاهر أنه
من أراد استقصاء الشقوق وبيان حكم الأحوال جميعا، وحصر الأمر بين الشقين يدل على نفى ما عداهما حتما،
فالاستدلال به تام، كما لا يخفى.

٦٠
ج-٥
عدم فساد الصلوة بالفتح على الإمام
١٤١٦- عن عبد الله بن أبى أوفى قال: جاء رجل النبى عَّ له فقال: إنى لا
أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن فعلمنى ما يجزئنى، قال: ((قل سبحان الله والحمد
لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله))، رواه أحمد وأبو داود
والنسائى والدارقطنى وابن الجارود وابن حبان والحاكم، وفى إسناده إبراهيم
السكسكى، وهو من رجال البخارى، قال ابن القطان: ضعفه قوم فلم يأتوا
بحجة اهـ (نيل الأوطار ٢١٨:٢)، قلت: فالحديث لا أقل من أن يكون حسنا.
١٤١٧- عن ابن عباس قال: نهانا أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه أن
عاجز عنها، والانتقال إلى الذكر، إنما هو بعد تحقق العجز عن القراءة من المصحف فثبت
أن القراءة من المصحف ليست بقراءة تصح بها الصلاة، وإلا لم يجز الانتقال إلى الذكر
إلا بعد العجز عن هذه القراءة أيضًا، ولكنهم اتفقوا على جواز هذا الانتقال للعاجز عن
الحفظ، ولو لم يكن عاجزًا عن القراءة نظرًا، كما فى "البحر" عن "النهاية" نقلا عن
مبسوط شيخ الإسلام، وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل يقول فى التعليل
لأبى حنيفة: أجمعنا على أن الرجل إذا كان يمكنه أن يقرأ من المصحف، ولا يمكنه أن يقرأ
عن ظهر قلبه، أنه لو صلى بغير قراءة (١) أنه يجزئه، ولو كانت(٢) القراءة من المصحف
جائزة؛ لما أبيحت الصلاة بغير قراءة اهـ.
قوله: عن ابن عباس إلخ: قال فى "البحر": وربما يستدل لأبى حنيفة، كما ذكره
(١) وما أورد عليه بأن الظاهر أنهما (أى محمد وأبو يوسف) لا يسلمان هذه المسلمة، وبه قال بعض المشايخ، كما
فى "الظهيرية": أنه إذا لم يكن قادرا إلا على القراءة من المصحف فصلى بغير قراءة هل يجوز؟ والأصح أنها لا
يجوز اهـ (بحر ١٠:٢).
قلت: هذه ليست برواية عنهما، بل مجرد قياس بناء على وجه ضعيف، أما إنها ليست برواية فدليله قول المورد أن
الظاهر أنهما لا يسلمان إلخ فهو مشعر بعدم الرواية عنهما فى المسألة، وأما كونه مبنياً على وجه ضعيف، فقد
صرح به فى "البحر" (١١:٢).
(٢) هذا غير تام لأن جواز القراءة من المصحف لا يستلزم ركنيته حتى يلزم بتركه بطلان الصلاة كالتسبيح والتهليل
فتدبر. حبيب أحمد كيرانوى. قلت: هذا كلام من لم يمارس الفقه، فإن القراءة من أركان الصلاة قطعا فإذا سلمنا
كون القراءة من المصحف قراءة صحيحة غير منافية للصلاة لابد أن تكون فرضا على العاجز عن القراءة عن ظهر
القلب، لكونه غير عاجز عن القراءة، فلا وجه لسقوطها عنه.